← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المنتهى، وإلى ما فوقها، حتى قال: لقد سمعت صريف القلم، وأنه وصف من فرض الصلوات أنـ[ـه] كل ما هبط من مكانه، فلقي موسى في بعض السموات، فأمره بالتخفيف عن أمته، عاد يصعد ثم سأل إلى أن انتهى إلى خمس صلوات في اليوم والليلة.

стр. 177

وقد تأتي [لفظة «في» ] في لغة العرب بمعنى: فوق، وعلى ذلك قول الله : ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] يريد: عليها وفوقها. وكذلك قوله فيما وصف عن فرعون أنه قال في قصة السحرة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] يريد عليها، قال الله : ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] الآيات كلها، قال أهل التأويل العالمون بلغة العرب: يريد فوقها، وهو قول مالك مما فهمه عن جماعة من أدرك من التابعين، مما فهموه عن الصحابة، مما فهموه عن النبي ﷺ ، أن الله في السماء، يعني: فوقها وعليها. ولذلك قال الشيخ أبو محمد: «إنه فوق عرشه المجيد» ، ثم بين أن علوه على عرشه وفوقه، إنما هو بذاته، لأنه بائن عن جميع خلقه

стр. 178

بلا كيف، وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته، إذ لا تحويه الأماكن، لأنه أعظم منها، وقد كان ولا مكان، ولم يحل بصفاته عما كان، إذ لا تجري عليه الأحوال، لكن علوه في استوائه على عرشه، هو عندنا بخلاف ما كان قبل أن يستوي على العرش لأنه قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] و «ثم» أبدًا لا تكون أبدًا إلا لاستئناف فعل يصير بينه وبين ما قبله فسحة، فهو سبحانه وإن كان لا يزول ولا يحول فقد يزيل المخلوقات دونه، ويحيلها كيف يشاء، فصار بكونه على عرشه في وصفنا بخلاف ما كان قبل ذلك، هذا حكم وصفنا لاستوائه على عرشه سبحانه، ففرق بين ذاته وعلمه من جملة الحكم والمعنى، إذ لا تخلو الأماكن من علمه، وهو بائن عن جميعها بذاته، وإن كان محيطًا بها جميعًا عظمة وجلالًا» . إلى أن قال: «وقوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [طه: ٥] فإنما معناه عند أهل السنة على غير الاستيلاء والقهر والغلبة والملك الذي ظنت المعتزلة، ومن قال بقولهم: إنه معنى الاستواء، وبعضهم يقول: إنه على المجاز دون الحقيقة، ويبين

стр. 179

سوء تأويلهم في استوائه على عرشه، على غير ما تأولوه من الاستيلاء وغيره، ما قد علمه أهل المعقول، بأنه لم يزل مستويًا على جميع مخلوقاته بعد اختراعه لها، وكان العرش وغيره في ذلك سواء، فلا معنى لتأويلهم بإفراد العرش بالاستواء، الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاء وملك وقهر وغلبة» . قال: «ويبين أيضًا أنه على الحقيقة بقوله : ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) ﴾ [النساء: ١٢٢] فلما أبصر المنصفون إفراد ذكره بالاستواء على عرشه، بعد خلق سمواته وأرضه، وتخصيصه بصفة الاستواء، علموا أن الاستواء هاهنا على غير الاستيلاء ونحوه، فأقروا بوصفه بالاستواء على عرشه، وأنه على الحقيقة لا على المجاز [لأنه الصادق] في قيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله، إذ لي كمثله شيء من الأشياء» . وقال الشيخ الإمام «أبو أحمد الكرجي القصاب» إمام تلك

стр. 180

النواحي علمًا ودينًا، في عقيدته التي ذكر أنها عقيدة أهل السنة، والجماعة، وهي العقيدة التي كتبها الخليفة «القادر» وقرأها على الناس، وجمعهم عليها، واقر بها طوائف السنة، واستتاب من خرج عن السنة من المعتزلة والرافضة ونحوهم، سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وتبعه في نحو ذلك ذو السلطان «محمود بن سبكتكين» بأرض المشرق، وكان ذلك [عند

стр. 181

ظهور] القرامطة الباطنية بمصر، في إمارة الحاكم، وما قبله وبعده من الأمور التي جرت في خلافة «القادر» التي أظهر فيها السنة، وأبطل البدعة، حتى أن الشيخ «أبا حامد الإسفراييني»

стр. 182

و «أبا عبد الله بن حامد» وغيرهما أظهروا الإنكار على «أبي بكر بن الطيب» في أشياء خالف بها السنة حتى سرى من بعض ذلك [فتن] وصنف القاضي «أبو بكر» كتابه المشهور «في كشف أسرار الباطنية وهتك أستارهم» وكانت وفاة هؤلاء متقاربة بعيد المائة الرابعة، ثم كان ما فعله «القادر» من قراءة عقيدته بمحضر من أئمة المذاهب، قال فيها: «كان ربنا وحده، ولا شيء معه، ولا مكان يحويه، فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجته إليه، فاستوى عليه استواء استقرار، كيف شاء وأراد، لا استقرار راحة، كما يستريح الخلق، وهو مدبر السموات والأرضين، ومدبر ما فيهما، ومن في البر والبحر، لا مدبر غيره، ولا حافظ سواه، يرزقهم ويمرضهم، ويعافيهم ويميتهم، والخلق كلهم عاجزون، والملائكة والنبيون والمرسلون، وسائر الخلق أجمعون، وهو

стр. 183

القادر بقدرته والعالم بعِلم، أزلي غير مستفاد، هو السميع بسمع، والبصير ببصر، يعرف صفتهما من نفسه، لا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام يخرج منه، لا بآلة مخلوقة، كآلة المخلوقين، لا يُوصف إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه بها نبيهُ ﷺ ، وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصفه بها نبيه، فهي صفة حقيقة لا صفة مجاز» . وقال الفقيه الحافظ «أبو عمر بن عبد البر» في كتاب «التمهيد شرح الموطأ» لما تكلم على حديث النزول، قال: «هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، ولا يختلف أهل الحديث في صحته ... وهو منقول من طرق سوى هذه، من أخبار العدول عن النبي ﷺ ... ، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش، فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله بكل مكان» قال:

стр. 184

«والدليل على صحة قول أهل الحق ... » وذكر بعض الآيات، إلى أن قال: «وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة، من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره مسلم» . وقال «أبو عمر بن عبد البر» أيضًا: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله» . وقال «أبو عمر» أيضًا: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يجدون فيه [صفة] محصورة، وأما أهل البدع الجهمية، والمعتزلة كلها، والخوارج، فكلهم ينكرها، ولايحمل منها شيئًا

стр. 185

على الحقيقة، ويزعم أن من أقرَّ بها مشبِّه، وهم عند من أقرَّ بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون؛ بما نطق به كتاب الله وسنة ورسوله، وهم أئمة الجماعة» . قال «أبو عمر» : «الذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر، في هذه المسألة، وما أشبهها، الإيمان بما جاء عن النبي ﷺ فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه» . قال أبو عمر: «روينا عن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة والأوزاعي، ومعمر بن راشد في أحاديث الصفات أنهم كلهم قالوا: أمروها كما جاءت» .

стр. 186

قال «أبو عمر» : «ما جاء عن النبي ﷺ من نقل الثقات أو جاء عن الصحابة ﵃، فهو علم يدان به، وما أحدث بعدهم، ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم، فهو بدعة وضلالة» . وقال مثله الإمام «أبو عمر الطلمنكي» في كتابه الذي سماه «الوصول إلى معرفة الأصول» وكان في حدود المائة الرابعة وله التصانيف الكثيرة، والمناقب المأثورة، قال: «وأجمع المسلمون من أهل السنة، على أن معنى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ونحو ذلك من القرآن، أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستويًا على عرشه كيف شاء» . وقال أيضًا: «قال أهل السنة في قول الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [طه: ٥] أن الاستواء من الله على عرشه المجيد، على الحقيقة لا على المجاز» . وقال «أبو بكر الخلال» في «كتاب السنة» أخبرنا أبو بكر

стр. 187

المروزي، حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري حدثنا سليمان بن داود، أبوداود الخفاف، قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: قال الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [طه: ٥] إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة، وفي قعور البحار، ورؤوس الآكام وبطون الأودية، وفي كل موضع، كما يعلم علم ما في السموات السبع، وما دون العرش، أحاط بكل شيء علمًا، فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات البر والبحر، إلا قد عرف ذلك كله وأحصاه، ولا يعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره» .

стр. 188

وروى الإمام «عبد الرحمن بن أبي حاتم» في كتاب «الرد على الجهمية» عن «سعيد بن عامر الضبعي» إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد وإسحاق، أنه ذكر عنده الجهمية، فقال هم شر قولًا من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى، وأهل الأديان مع المسلمين، على أنَّ الله فوق العرش، وقالوا هم: «ليس عليه شيء» .

стр. 189

وروى أيضًا عن «عبد الرحمن بن مهدي» الإمام المشهور، وهو من هذه الطبقة، قال: «أصحاب جهم يريدون أن يقولوا: إنَّ الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء، وأن الله ليس على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا» . وعن «عاصم بن علي بن عاصم» شيخ البخاري وغيره، قال: «ناظرت جهميًا فَتَبين من كلامه أنه لايؤمن أنَّ في السماء ربًا» .

стр. 190

وروى الحافظ «أبو بكر البيهقي» بإسناد صحيح عن «ابن وهب» ، قال: كنا عند «مالك» فدخل رجل فقال يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [سورة طه: ٥] كيف استوى؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه

стр. 191

فقال: الرحمن على العرش استوى، كما وصف نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع وأنت صاحب بدعة، أخرجوه. ورواه عنه يحيى بن يحيى النيسابوري الإمام، ولفظه: «فقال الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» . وروى البيهقي أنا أبو بكر بن الحارث، أنا ابن حيان،

стр. 192

أنا أحمد بن جعفر بن نصر، أنا يحيى بن يعلى، سمعت نعيم بن حماد، يقول: سمعت نوح بن أبي مريم، يقول: «كنا عند أبي حنيفة ﵀ أول ما ظهر إذ جاءته امرأة من ترمذ،

стр. 193

كانت تجالس جهمًا، فدخلت الكوفة، فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس، تدع إلى بابها، فقيل لها: إنّ هاهنا رجلًا قد نظر في المعقول، يقال له أبو حنيفة، فأتته، وقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل، وقد تركت دينك، أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا، وقد وضع كتابًا أنَّ الله في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] قال: هو كما يكتب الرجل إلى الرجل أني معك، وهو غائب عنه» . وروى «أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي» في «الفقه

стр. 194

الأكبر» قال: «سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض، قال: قد كفر، لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [طه: ٥] وعرشه فوق سبع سموات، فقلت: إنه يقول على العرش استوى، ولكن لا ندري العرش في السماء أم في الأرض، فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر» . وروى ابن أبي حاتم، حدثنا علي بن الحسن بن مهران، حدثنا بشار بن موسى الخفاف، قال: جاء بشر بن

стр. 195

الوليد إلى أبي يوسف ﵀، فقال: تنهاني عن الكلام، وبشر المريسي، وعلي الأحول، وفلان يتكلمون. فقال وما يقولون؟ فقال: يقولون: الله في كل مكان. فبعث أبو يوسف، وقال: عليَّ بهم. فانتهوا إليه، وقد قام بشر، فجيء بعلي الأحول، والشيخ، يعني: الآخر. فنظر أبو يوسف إلى الشيخ، فقال: لو أن فيك موضع أدب لأوجعتك، فأمر به إلى

стр. 196

الحبس، وضرب عليًا الأحول، وطوف به» . وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا علي بن الحسن بن يزيد السلمي سمعت أبي يقول: سمعت هشام بن عبيد الله الرازي يقول: «حبس رجل في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام بن عبيد الله ليمتحنه، فقال له: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه. قال: لا أدري ما بائن من خلقه. فقال: ردُّوه فإنه لم يتب بعد» . وهشام بن عبيد الله، هو أحد أعيان أصحاب «محمد بن الحسن» صاحب أبي حنيفة الفقيه، وفي منزله مات محمد

стр. 197

وقال ابن أبي حاتم: «حدثنا محمد بن يحيى، عن صالح بن الضريس، قال: جعل عبد الله بن أبي جعفر

стр. 198

الرازي، يضرب قرابةً [له] بالنعل على رأسه، يرى رأي جهم، ويقول: لا. حتى تقول: الرحمن على العرش استوى، بائن من خلقه» . وقال الإمام «أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة، الطحاوي» في العقيدة المشهورة له، التي قال في أولها: «ذكر بيان [عقيدة أهل] السنة والجماعة، على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة ... وأبي يوسف ... ومحمد بن الحسن ﵃ ... نقول: في توحيد الله معتقدين ... أن الله

стр. 199

تعالى واحد لا شريك له، ولا شيء مثله ... ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه ... وأن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على نبيه وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلام الله على الحقيقة، ليس بمخلوق ... فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر، فقد كفر ... والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة، ولا كيفية ... وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح، عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ... ولا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه، عن خالص التوحيد ... وصحيح الإيمان، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زلّ ولم يصب التنزيه» إلى أن قال: «والعرش والكرسي حق، كما بين في كتابه، وهو [ ﷻ ] مستغن عن العرش وما دونه، محيط [بكل] شيء وفوقه» . وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبي هارون،

стр. 200

محمد بن خالد، عن يحيى بن المغيرة، قال: سمعت جرير بن عبد الحميد، يقول: «كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إله» . وروى «عبد الله بن أحمد بن حنبل» في كتاب «السنة» وروى غيره بأسانيد صحيحة، عن عبد الله بن المبارك، الذي

стр. 201

يقال له: أمير المؤمنين في كل شيء، لجلالته في أنواع الفضائل، أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه هاهنا في الأرض. وهكذا قال الإمام أحمد أيضًا. وروى عبد الله بن أحمد أيضًا، عن عبد الله بن المبارك، أن رجلًا قال له: «يا أبا عبد الرحمن، قد خفت الله من كثرة ما أدعوه على الجهمية. قال: لا تخف. فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء» . وروى أيضًا عن سليمان بن حرب الإمام، قال: سمعت حماد بن زيد، وذكر هؤلاء الجهمية، فقال: «إنما يحاولون أن

стр. 202

يقولوا ليس في السماء شيء» . وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن سليمان، ولفظه: «إنما يدورون على أن يقولوا ليس في السماء إله» . ورواه «الطبراني» في «كتاب السنة» عن العباس بن الفضل

стр. 203

الأسفاطي عن سليمان بن حرب، سمعت حماد بن زيد، سمعت أيوب السختياني، وذكر المعتزلة، فقال: إنما مدار المعتزلة أن يقولوا ليس في السماء شيء» . وحماد بن زيد وهو الإمام المطلق في زمن مالك والثوري والليث وكان يقول: إنه أعلم الناس بما يدخل في السنة من الحديث، وهو صاحب «أيوب السختياني» الذي قال فيه

стр. 204

مالك، لما قيل له: حدثت عنه وهو عراقي، فقال ما حدثكم عن أيّوب أحد إلا وأيوب أفضل منه. وأهل العلم والسنة بالبصرة متبعون لأيوب، وابن عون ويونس بن عبيد، ثم لحماد بن زيد وحماد بن سلمة ونحوهم. ومذهب السنة الذي يحكيه الأشعري في «مقالاته» عن أهل السنة والحديث، أخذ جملته عن «زكريا بن يحيى الساجي» الإمام الفقيه عالم البصرة، في وقته، وهو أخذه عن أصحاب حماد وغيرهم، فيه ألفاظ معروفة من ألفاظ «حماد بن زيد»

стр. 205

كقوله «يدنو من خلقه كيف يشاء» ثم أخذ الأشعري تمام ذلك عن الإمام أحمد لما قدم بغداد، وإن كان زكريا بن يحيى وطبقته هم أيضًا من أصحاب أحمد في ذلك. وقد ذكر «أبو عبد الله بن بطة» في «إبانته الكبرى» عن «زكريا بن يحيى الساجي» جمل مقالات أهل السنة، وهي تشبه ما ذكره الأشعري في «مقالاته» وكان الساجي شيخ الأشعري، الذي أخذ عنه الفقه والحديث والسنة، وكذلك ذكر أصحابه. وروى «عبد الله» ، عن «عباد بن العوام الواسطي» ، قال:

стр. 206

«كلمت «بشر المريسي» ، وأصحاب بشر، فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء» . وقال الإمام «أحمد» : حدثنا «شريح بن النعمان» قال: سمعت «عبد الله بن نافع الصائغ» سمعت «مالك بن أنس» يقول: «الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان» .

стр. 207

وروى «أبو بكر البيهقي» في كتاب «الأسماء والصفات» بإسناد صحيح عن «الأوزاعي» قال: «كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته» . وقال الخلال في كتاب «السنة» : «أخبرني «الميموني» أنه

стр. 208

قال: سألت أبا عبد الله، يعني «أحمد بن حنبل» ما تقول فيمن قال: إن الله [ليس] فوق العرش؟ قال: كلامهم كله يدل على الكفر. وقال: أنا «يوسف بن موسى) أن أبا عبد الله «أحمد بن حنبل» قيل له: « ... والله ﵎ فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: نعم، على عرشه لا يخلو الشيء من علمه» .

стр. 209

وقال الشيخ «أبو بكر النقاش» صاحب «التفسير» و «الرسالة» : حدثنا «أبو العباس السّراج» سمعت «قتيبة بن سعيد» يقول: «هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى

стр. 210

الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [سورة طه: ٥] . وقال «عبد الرحمن بن أبي حاتم» في «الاعتقاد» المشهور عنه في السنة: «سألت أبي و «أبا زرعة» عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار *وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار* حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذاهبهم: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته» . إلى أن قال: «وأن الله على عرشه بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا» .

стр. 211

وذكر هذا الشيخ «نصر المقدسي» في كتاب «الحجة على تارك المحجة» له وقال أيضًا في هذا الكتاب: «إن قال قائل قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام؛ من اتباع كتاب الله تعالى وسنة ورسوله، وما أجمع عليه الأئمة والعلماء، والأخذ بما عليه أهل السنة والجماعة، فاذكر مذاهبهم، وما أجمعوا عليه من اعتقادهم وما يلزمنا من المصير إليه من إجماعهم، فالجواب: أن الذي أدركتُ عليه أهل العلم، ومن لقيتهم وأخذتُ عنهم، ومن بلغني قولهم من غيرهم..» فذكر جمل اعتقاد أهل السنة، وفيه: «وأن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، كما قال في كتابه: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢) ﴾ [الطلاق: ١٢] ، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨) ﴾ [الجن: ٢٨]

стр. 212

وقال الحافظ «أبو نعيم الأصبهاني» في عقيدة جمعها في أولها: «طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة» قال: «فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله [عليه] يقولون بها ويثبتونها، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يختلط بهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه وخلقه» . وقال الإمام العارف «معمر بن أحمد الأصبهاني» مفتي

стр. 213

الصوفية العارفين، في أواخر المائة الرابعة في بلاده، قال: «أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف، من المتقدمين والمتأخرين» قال فيها: «وأن الله على استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، وأن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة، لأنه المنفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق، وأن الله سميع بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى ويسخط، ويضحك ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء، فيقول: «هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر» . قال: «ونزوله إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال» .

стр. 214

وقال الشيخ الإمام العارف، أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، في كتاب «الغنية» له: «أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهو أن تعرف وتتيقن أن الله واحد أحد» إلى أن قال: «وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (٥) ﴾ [السجدة: ٥] . « ... ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ [طه: ٥] وذكر آيات وأحاديث، إلى أن قال: «وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير

стр. 215

تأويل أنه استواء الذات على العرش» قال: «وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على نبي أرسل» وذكر كلامًا طويلًا لا يحتملـ[ـه] هذا الموضع. وقال الإمام الزاهد العلامة [الشيخ أبو محمد المقدسي] : «فإن الله وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله محمد خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك العلماء من الصحابة الأتقياء، والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله
следующие страницы →