Полный текст (4 879 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
حاتم بإسناده أن هشام بن عبيد الله الرازي القاضي صاحب محمد بن الحسن حبس رجلاً في التجهم فتاب فجيء به إلى هشام ليمتحنه فقال الحمد لله على التوبة أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه قال أشهد أن الله على عرشه ولا أدري ما بائن من خلقه فقال ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب وقال شيخ الإسلام شرح مسألة حد البينونة في كتاب الفاروق يعني تصنيفه باب أغنى عن تكريره هنا وقال شيخ الإسلام في كتاب ذم الكلام وأهله في أثناء
стр. 1857
الطبقة الثامنة وسألت يحيى بن عمار عن أبي حاتم البستي قلت رأيته قال كيف لم أره ونحن أخرجناه من سجستان كان له علم كثير ولم يكن له كبير دين قدم علينا فأنكر الحد لله فأخرجناه من سجستان هذا مع أن هؤلاء الذين يذكر شيخ الإسلام أقوالهم من أئمة الحديث والفقه والتصوف وغيرهم وقد ذكر عنهم ذم الكلابية والكرامية والأشعرية ونحوهم على ما أحدثوه مما يخالف طريقة أهل السنة والحديث وذكر الخلال في كتاب
стр. 1858
السنة ما تقدم من رواية حرب عن إسحاق بن إبراهيم أن الله عزوجل وصف نفسه في كتابه بصفات استغنى الخلق أن يصفوه بغير ما وصف به نفسه من ذلك قوله يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ [البقرة ٢١٠] وقوله وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الزمر ٧٥] في آيات كلها تصف العرش وقد ثبتت الروايات في العرش وأعلى شيء فيه وأثبته قول الله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾ [طه ٥] قال وأنا أبوبكر المروذي ثنا محمد بن الصباح النيسابوري ثنا سليمان بن داود أبو داود الخفاف قال قال إسحاق بن
стр. 1859
راهوية قال الله ﵎ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾ [طه ٥] إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة وفي السموات السبع وما فوق العرش أحاط بكل شيء علمًا وما تسقط من ورقة إلا يعلمهاولاحبة في ظلمات البر والبحر إلا وقد عرف ذلك كله وأحصاه ولايعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره ثم قال أبو بكر الخلال في كتاب السنة أنا أبو بكر المروذي قال سمعت أبا عبد الله قيل له روى علي بن الحسن ابن شقيق عن ابن المبارك أنه قيل له كيف نعرف الله قال على العرش بحد قال قد بلغني ذلك عنه وأعجبه ثم قال أبو عبد الله هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ [البقرة ٢١٠] ثم قال وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴿٢٢﴾ [الفجر ٢٢]
стр. 1860
قال الخلال وأنا محمد بن علي الوراق ثنا أبوبكر الأثرم حدثني محمد بن إبراهيم القيسي قال قلت لأحمد ابن حنبل يحكى عن ابن المبارك قيل له كيف نعرف ربنا قال في السماء السابعة على عرشه بحد فقال أحمد هكذا هو عندنا
стр. 1861
وقال ثنا الحسن بن صالح العطار ثنا هارون بن يعقوب الهاشمي سمعت أبي يعقوب بن العباس قال
стр. 1862
كنا عند أبي عبد الله قال فسألناه عن قول ابن المبارك على العرش استوى بحد فقلنا له ما معنى قول ابن المبارك بحد قال لا أعرفه ولكن لهذا شواهد من القرآن في خمسة مواضع إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر ١٠] وقال أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ [الملك ١٦] تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج ٤] وهو على العرش وعلمه مع كل شيء وقولهم ما معنى قول ابن المبارك وقوله لا أعرفه قد يكون لا أعرف حقيقة مراده لكن للمعنى الظاهر من اللفظ شواهد وهو النصوص التي تدل على أن الله تنتهي إليه الأمور وأنه في السماء ونحو ذلك وقد يكون لا أدري من أين قال ذلك لكن له شواهد وقال الخلال أنا يوسف بن موسى أن أبا عبد الله أحمد
стр. 1863
ابن حنبل قيل له والله ﵎ فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وقدرته وعلمه بكل مكان قال نعم على عرشه لا يخلو شيء من علمه وقال أخبرني عبد الملك الميموني أنه سأل أبا عبد الله
стр. 1864
ما تقول فيمن يقول إن الله ليس على العرش قال كلامهم كله يدور على الكفر وهذا المحفوظ عن السلف والأئمة من إثبات حد لله في نفسه قد بينوا مع ذلك أن العباد لا يحدونه ولا يدركونه ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كمايظنه بعض الناس فإنهم نفوا أن يحد أحد الله كما ذكره حنبل عنه في كتاب السنة والمحنة وقد رواه الخلال في كتاب السنة أخبرني عبيد الله بن حنبل حدثني أبي حنبل بن إسحاق قال قال عمي
стр. 1865
نحن نؤمن بالله على عرشه كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد فصفات الله منه وله وهو كما وصف نفسه لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية وهو لايدرَك وهو يدرك الأبصار وهو عالم الغيب والشهادة علام الغيوب ولا يدركه وصف واصف وهو كما وصف نفسه وليس من الله شيء محدود ولا يبلغ علمه وقدرته أحد غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وكان الله قبل أن يكون شيء والله الأول وهو الآخر ولا يبلغ أحد حد صفاته فالتسليم لأمر الله والرضا بقضائه نسأل الله التوفيق والسداد إنه على كل شيء قدير
стр. 1866
وذلك أن لفظ الحد عند كل من تكلم به يراد به شيئان يراد به حقيقة الشيء نفسه ويراد به القول الدال عليه المميز له وبذلك يتفق الحد الوصفي والحد القدري كلاهما يراد به الوجود العيني والوجود الذهني فأخبر أبو عبد الله أنه على العرش بلا حد يحده أحد أو صفة يبلغها واصف وأتبع ذلك بقوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام ١٠٣] بحد ولا غاية وهذا التفسير الصحيح للإدراك به أي لا تحيط الأبصار بحده ولا غايته ثم قال وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام ١٠٣] وهو عالم الغيب والشهادة ليتبين أنه عالم بنفسه وبكل شيء وقال الخلال وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلاً حدثهم قال سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى
стр. 1867
أن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا وأن الله يضع قدمه وما أشبه هذه الأحاديث قال أبو عبد الله نؤمن بها ونصدق بها ولاكيف ولا معنى ولا نرد منها شيئًا ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحاح ولانرد على الله قوله ولايوصف بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ليس كمثله شيء
стр. 1868
قال وقال حنبل في موضع آخر قال ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه فقد أجمل ﵎ بالصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء فيعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه قال تعالى وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴿١١﴾ [الشورى ١١] قال وقال حنبل في موضع آخر قال فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون وصفاته منه وله ولا نتعدى القرآن والحديث فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك ولا تبلغه صفة الواصفين نؤمن
стр. 1869
بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضعه كَنَفَهُ عليه هذا كله يدل على أن الله يرى في الآخرة والتحديد في هذا بدعة والتسليم لله بأمره بغير صفة ولاحد إلا ما وصف به نفسه سميع بصير لم يزل متكلمًا عالمًا غفورًا عالم الغيب والشهادة علام الغيوب فهذه صفات وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد وهو على العرش بلا حد كما قال ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف ٥٤] كيف شاء المشيئة إليه والاستطالة له لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى ١١] وهو خالق كل شيء وهو كما وصف نفسه سميع بضير بلا حد ولا تقدير قول إبراهيم لأبيه يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ [مريم ٤٢] فثبت أن الله سميع بصير صفاته منه لا نتعدى القرآن والحديث والخبر يضحك
стр. 1870
الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن لا يصفه الواصفون ولايحده أحد تعالى الله عما يقول الجهمية والمشبهة وقال لي أبو عبد الله قال لي إسحاق بن إبراهيم لما قرأ الكتاب بالمحنة تقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى ١١] فقلت له لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴿١١﴾ [الشورى ١١] قال ما أردت بهذا قلت القرآن صفة من صفات الله وصف بها نفسه لا ننكر ذلك ولا نرده قلت له المشبهة ما يقولون قال من قال بصر كبصري ويد كيدي
стр. 1871
وقال حنبل في موضع آخر وقدم كقدمي فقد شبه الله بخلقه وهذا يحده وهذا كلام سوء وهذا محدود والكلام في هذا لا أحبه قال أبو عبد الله جردوا القرآن وقال النبي ﷺ يضع قدمه نؤمن به ولا نحده ولا نرده على رسول الله ﷺ بل نؤمن به قال الله ﵎ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر ٧] فقد أمرنا الله بالأخذ بما جاء والنهي عمانهى وأسماؤه وصفاته غير مخلوقة ونعوذ بالله من الزلل والارتياب والشك إنه على كل شيء قدير قال وزادني أبو القاسم الجبلي عن حنبل في هذا
стр. 1872
الكلام وقال ﵎ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة ٢٥٥] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر ٢٣] هذه صفات الله وأسماؤه ﵎ وزاد علي بن عيسى عن حنبل قال وسمعت أبا عبد الله يقول ماأحد أشد حدثًا على أهل البدع والخلاف من حماد بن سلمة ولا أروى لأحاديث الرؤية والرد على القدرية والمعتزلة منه قال وسمعت أبا عبد الله يقول القوم يرجعون إلى التعطيل في قولهم كله ينكرون الآثار وما ظننتهم هكذا حتى سمعت مقالتهم وكذلك قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون أحد أئمة المدينة المشاهير على عهد مالك بن
стр. 1873
أنس وهم مالك وابن أبي ذئب وابن الماجشون هذا قال في كلامه المشهور عنه الذي رواه ابن بطة وغيره بأسانيد صحيحة قال وقد سئل فيما
стр. 1874
جحدته الجهمية أما بعد فقد فهمت ما سألت فيما تتابعت فيه الجهمية ومن خالفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير وكلَّت الألسُن عن تفسير صفته وانحسرت العقول دون معرفة قدره وردت عظمته العقول فلم تجد مساغًا فرجعت خاسئة وهي حسيرة فإنما أمروا بالنظر والتفكير فيما خلق بالتقدير فإنما يقال كيف لمن لم يكن مرة ثم كان فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو وكيف يُعرف قدر من لم يبدأ ولايموت ولا يبلى وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف أو يحد قَدْرَه واصف على أنه الحق المبين لا حق أحق منه ولا شيء أبين
стр. 1875
منه الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه لا تكاد تراه صغرًا يحول ويزول ولا يرى له سمع ولابصر ولما يتقلب به ويحتال من عقله أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين وخالقهم وسيد السادة وربهم لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴿١١﴾ [الشورى ١١] اعرف رحمك الله غنَاك عن تكلف صفة مالم يصف الرب من نفسه لعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها إذا لم يُعْرف قدرما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تزجر به عن شيء من معصيته فأما الذي جحد ما وصف الرب تعمقًا وتكلفًا قد
стр. 1876
استهوته الشياطين في الأرض حيران فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال لابد إن كان له كذا من أن يكون له كذا فَعَمِي عن البيِّن بالخفي بجحد ما سمى الرب من نفسه بصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾ [القيامة ٢٢-٢٣] فقال لا يراه أحد يوم القيامة فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونظر الله إياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر قد قضى أنهم لا يموتون فهم بالنظر إليه ينَضرون إلى أن قال وإنما جحد رؤيته يوم القيامة إقامة للحجة
стр. 1877
الضالة المضلة لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين وكان له جاحدًا وقال المسلمون يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله ﷺ هل تضارون من رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فهل تضارون رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا قال فإنكم ترون ربكم يومئذ كذلك وقال رسول الله لا تمتلئ النار حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قط قط وينزوي بعضها إلى بعض وقال لثابت بن قيس بن
стр. 1878
شماس لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة وقال فيما بلغنا إن الله ليضحك من أزلكم وقُنُوطِكم وسرعة إجابتكم فقال له رجل من العرب إن ربنا ليضحك قال
стр. 1879
نعم قال لا نَعْدِم من ربٍّ يَضْحكُ خيرًا في أشباه لهذا مما لم نحصه وقال الله تعالى وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴿١١﴾ [الشورى ١١]
стр. 1880
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور ٤٨] وقال وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴿٣٩﴾ [طه ٣٩] وقال مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص ٧٥] وقال وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر ٦٧] فوالله ما دلهم على عظم ما وصف به نفسه وما تحيط به قبضته إلا صغر نظيرها منهم عندهم إن ذلك الذي أُلقي في روعهم وخلق على معرفته قلوبهم فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله سميناه كما سماه ولم نتكلف منه صفة ما سواه لا هذا ولا هذا لا نجحد ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف اعلم رحمك الله أن العصمة في الدين أن تنتهي حيث انتهى بك ولاتتجاوز ما قد حُدّ لك فإن من
стр. 1881
قوام الدين معرفة المعروف وإنكارالمنكر فما بَسَطَتْ عليه المعرفة وسكنت إليه الأفئدة وذُكِرَ أصله في الكتاب والسنة وتوارث علمه الأمة فلا تخافن في ذكره وصِفَته من ربك ما وصف من نفسه عيبًا ولاتَكلَّفن لما وُصِفَ لك من ذلك قدرًا وما أَنْكَرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربيك ولا في الحديث عن نبيك من ذكر صفة ربك فلا تتكلفن علمه بعقلك ولاتصفه بلسانك اصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه فإن تَكَلُّفك معرفة مالم يصف من نفسه مثل إنكارك ما وصف منها فكما أعظمت ماجحد الجاحدون مما وصف من نفسه فكذلك أعظم تكلف ماوصف الواصفون مما لم يصف منها فقد والله عز المسلمون الذين يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه وما يبلغهم مثله عن نبيه فما مَرِضَ من ذكر هذا وتسميته من الرب قلب مسلم ولا يكلف صفة قدره
стр. 1882
ولاتسمية غيره من الرب مؤمن وما ذكر عن رسول الله ﷺ أنه سماه من صفة ربه فهو بمنزلة ما سمى ووصف الرب تعالى من نفسه والراسخون في العلم الواقفون حيث انتهى علمهم الواصفون لربهم بما وصف من نفسه التاركون لما ترك من ذكرها لا ينكرون صفة ما سمى منها جحدًا ولا يتكلفون صفة ما لم يسم تعمقًا لأن الحق ترك ما ترك وتسمية ما سمى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴿١١٥﴾ [النساء ١١٥] وهب الله لنا ولكم حكمًا وألحقنا بالصالحين
стр. 1883
فصل والكلام على هذه الحجة من مقامين أحدهما منع المقدمة الأولى والثاني منع الثانية أما الأول فهو قول من يقول هو فوق العرش وليس له حد ولا مقدار ولا هو جسم كما يقول ذلك كثير من الصفاتية من الكلابية وأئمة الأشعرية وقدمائهم ومن وافقهم من الفقهاء والطوائف الأربعة وغيرهم وأهل الحديث والصوفية وغير هؤلاء وهم أمم لا يحصيهم إلا الله ومن هؤلاء أبو حاتم ابن حبان وأبوسليمان الخطابي البُسْتِيّان قال أبو سليمان الخطابي في الرسالة الناصحة لما تكلم على الصفات ومما يجب أن يعلم من هذا الباب ويحكم القول فيه أنه لا يجوز أن يعتمد في الصفات إلا الأحاديث المشهورة التي
стр. 1884
قد ثبتت بصحة أسانيدها وعدالة ناقليها فإن قومًا من أهل الحديث قد تعلقوا منها بألفاظ لا تصح من طريق السند وإنما هي من رواية المفاريد والشواذ فجعلوها أصلاً في الصفات وأدخلوها في حكمها كحديث الشفاعة وما روي فيه من قوله فأعود إلى ربي فأجده بمكانه أو في مكانه فزعموا على هذا المعنى أن لله مكانًا تعالى الله عن ذلك وإنما هذه اللفظة تفرد بها في هذه القصة شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر وخالفه أصحابه فيها ولم يتابعوه عليها وسبيل مثل هذه الزيادة أن ترد ولا تقبل لاستحالتها ولأن مخالفة أصحاب الراوي له في الرواية كخلاف البينة للبينة إذا تعارضت البينتان سقطتا معَا وقد تحتمل هذه اللفظة لو كانت صحيحة أن يكون معناها أنه يجد ربه بمكانه الأول من الإجابة في
стр. 1885
الشفاعة والإسعاف بالمسألة إذ كان مرويًّا في الخبر أنه يعود مرارًا فيسأل ربه في المذنبين من أمته كل ذلك يُشَفّعه ويُشَفِّعه بمسألتهم فيهم قلت هذا في حديث المعراج من رواية شريك ولكن غلط الخطابي في ذلك فاشتبه عليه حديث المعراج بحديث الشفاعة ولكن في حديث الشفاعة فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدًا ذكر ذلك ثلاث مرات وهذا في الصحيح من رواية قتادة عن أنس وأما تلك اللفظة فهي في حديث المعراج من رواية شريك وليس هذا موضع الكلام في ذلك قال الخطابي ومن هذا الباب أن قومًا منهم زعموا أن
стр. 1886
لله حدًّا وكان أعلى مااحتجوا به في ذلك حكاية عن ابن المبارك قال علي بن الحسن بن شقيق قلت لابن المبارك أنعرف الله بحد أو نثبته بحد فقال نعم بحد فجعلوه أصلاً في هذا الباب وزادوا الحد في صفاته تعالى الله عن ذلك وسبيل هؤلاء القوم عافانا الله وإياهم أن يعلموا أن صفات الله لاتؤخذ إلا من كتاب الله تعالى أو قول رسول الله ﷺ دون قول أحد من الناس كائنًا من كان علت درجته أو سفلت تقدم زمانه أو تأخر لأنها لا تُدرك من طريق القياس والاجتهاد فيكون فيها لقائل مقال ولناظر مجال على أن هذه الحكاية عن ابن المبارك قد رويت لنا أنه قيل له أنعرف الله بجد فقال نعم بجد بالجيم دون الحاء قال وزعم بعضهم أن يقال إن له حدًّا لا كالحدود كما تقول يد لا كالأيدي فيقال له إنما أَحْوجنا أن نقول يد لا كالأيدي لأن اليد قد جاء ذكرها في القرآن وفي السنة فيلزم قبولها ولم يجز ردها فأين ذكر الحد في الكتاب أو في السنة حتى نقول حدًّا لا كالحدود كما نقول يد لا كالأيدي
стр. 1887
أرأيت إن قال قائل رأس لا كالرؤوس قياسًا على قولنا يد لا كالأيدي هل تكون الحجة عليه إلا نظير ما ذكرناه في الحد من أنه لما جاء ذكر اليد وجب القول به ولما لم يجئ ذكر الر أس لم يجز القول به قلت وممن أنكر الحد أبو الحارث وكان القاضي أبو يعلى ينكر الحد ثم رجع إلى الإقرار به وكذلك لفظ الجهة وقال في كتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات في كلامه على حديث العباس بن عبد المطلب
стр. 1888
والاستواء على العرش فإذا ثبت أنه على العرش فالعرش في جهة وهو على العرش قد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه والصواب جواز القول بذلك لأن أحمد قد أثبت هذه الصفة التي هي الاستواء على العرش وأثبت أنه في السماء وكل من أثبت هذا أثبت الجهة وهم أصحاب ابن كرام وابن منده الأصبهاني المحدث قال والدلالة عليه أن العرش في جهة بلا خلاف وقد ثبت بنص القرآن أنه مستو عليه فاقتضى أنه في جهة ولأن كل عاقل من مسلم أو كافر إذا دعا فإنما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء وفي هذا كفاية ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية يقول ليس هو في جهة ولا خارجًا منها وقال قائل هذا بمثلبة من قال بإثبات موجود مع وجود غيره ولا يكون وجود أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده ولأن
стр. 1889
العوام لا يفرقون بين قول القائل طلبته فلم أجده في موضع ما وبين قوله طلبته فإذا هو معدوم قال وقد احتج ابن منده على إثبات الجهة بأنه لما نطق القرآن بأن الله تعالى على العرش وأنه في السماء وجاءت السنة بذلك وبأن الجنة مسكنه وأنه في ذلك وهذه الأشياء أمكنة في نفسها فدل على أنه في مكان قال وإذا ثبت استواؤه ثبت أنه على العرش وأنه في جهة فهل الاستواء من صفات الذات قياس قول أصحابنا أنه من صفات الذات وأنه موصوف بها في القدم وإن لم يكن هناك عرش موجود لتحقق وجود ذلك منه في
стр. 1890
الثاني لأنهم قد قالوا خالق ورازق موصوف به فيما لم يزل ولا مخلوق ولا مرزوق لتحقق الفعل من جهته وقد تقول العرب سيف قطوع وخبز مشبع وماء مروٍ وإن لم يوجد منه القطع لتحقق الفعل منه واستدل بعض أصحابنا بأنه موصوف في الأزل بالربوبية ولا مربوب وبالألوهية ولا مألوه وعلى قياس هذا النزول إلى السماء والمجيء في ظلل من الغمام ووضع القدم في النار فإن قيل فقد قال أحمد في رواية حنبل هو على العرش كيف شاء وكما شاء وصفات الذات لا تدخل تحت المشيئة قيل راجعة إلى خلق العرش لا إلى الاستواء عليه قلت وفي هذا نزاع بين الأصحاب وغيرهم ليس هذا موضعه
стр. 1891
قال القاضي وإذا ثبت استواؤه وأنه في جهة وأن ذلك من صفات الذات فهل يجوز إطلاق الحد عليه قد أطلق أحمد القول بذلك في رواية المَرُّوذي فقد ذكر له قول ابن المبارك نعرف الله على العرش بحد فقال أحمد بلغني ذلك وأعجبه وقال الأثرم قلت لأحمد يحكى عن ابن المبارك نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه بحد فقال أحمد هكذا هو عندنا قال القاضي ورأيت بخط أبي إسحاق أنا أبوبكر أحمد بن نصر الرفاء سمعت أبا بكر عن أبي داود سمعت أبي يقول جاء رجل إلى أحمد بن حنبل فقال له لله ﵎ حد قال نعم لا يعلمه إلا هو قال الله ﵎ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الزمر ٧٥] يقول محدقين
стр. 1892
قال فقد أطلق أحمد القول بإثبات الحد لله وقد نفاه في رواية حنبل فقال نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد فقد نفى الحد عنه على الصفة المذكورة وهو الحد الذي يعلمه خلقه والموضع الذي أطلقه محمول على معنيين أحدهما أنه تعالى في جهة مخصوصة وليس هو تعالى ذاهبًا في الجهات بل هو خارج العالم متميز عن خلقه منفصل عنهم غير داخل في كل الجهات وهذا معنى قول أحمد له حد لا يعلمه إلا هو والثاني أنه على صفة يَبِينُ بها عن غيره ويتميز ولهذا سمي البواب حدادًا لأنه يمنع غيره عن الدخول فهو تعالى فرد واحد ممتنع عن الاشتراك له في أخص
стр. 1893
صفاته قال وقد منعنا من إطلاق القول بالحد في غير موضع من كتابنا ويجب أن يجوز على الوجه الذي ذكرنا فهو رجوع منه إلى القول بإثبات الحد لكن اختلف في ذلك كلامه فقال هنا ويجب أن يحمل اختلاف كلام أحمد في إثبات الحد على اختلاف حالين فالموضع الذي قال إنه على العرش بحد معناه أن ما حاذى العرش من ذاته فهو حد له وجهة له والموضع الذي قال هو على العرش بغير حد معناه ما عدا الجهة المحاذية للعرش وهي الفوق والخلف والأمام والميمنة والميسرة وكان الفرق
стр. 1894
بين جهة التحت المحاذية للعرش وبين غيرها ما ذكرنا أن جهة التحت تحاذي العرش بما قد ثبت من الدليل والعرش محدود فجاز أن يوصف ماحاذاه من الذات وأنه حد وجهة وليس كذلك فيما عداه لأنه لا يحاذي ما هو محدود بل هو مار في الميمنة والميسرة والفوق والأمام والخلف إلى غير غاية فلهذا لم يوصف واحد من ذلك بالحد والجهة وجهة العرش تحاذي ما قابله من جهة الذات ولم تحاذ جميع الذات لأنه لا نهاية لها قلت هذا الذي ذكره في تفسير كلام أحمد ليس بصواب بل كلام أحمد كما قال أولاً حيث نفاه نفي تحديد الْحَادِّ له وعلمه بحده وحيث أثبته أثبته في نفسه ولفظ الحد يقال على حقيقة المحدود صفة أو قدرًا أو مجموعهما ويقال على العلم والقول الدال على المحدود
стр. 1895
وأما ما ذكره القاضي من إثبات الحد من نهاية العرش فقط فهذا قد اختلف فيه كلامه وهو قول طائفة من أهل السنة والجمهور على خلافه وهو الصواب والمقصود أن نفاة الحد والمقدار والجسم ونحو ذلك من الصفاتية الذين يقولون إنه على العرش يقولون لا نسلم أنه إذا كان هو بنفسه فوق العرش أنه يلزم أن يوصف بتناهي المقدار كما لا يستلزم أن يوصف بالانقسام وكذلك لا يستلزم أن يوصف عندهم بعدم التناهي الذي هو بعد لا يتناهى كما لا يوصف عندهم بعدم الانقسام الذي هو جزء لا ينقسم وكذلك لا يستلزم ذلك عندهم أن يوصف بأنه أكبر من العرش في المقدار والمساحة أو أصغر أو بقدره فإنهم يقولون هذه اللوازم كلها إنما تلزم إذا فرض أن فوق
следующие страницы →