← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

مجرد ضم بعضها إلى بعض حتى زادت بعد الجمع منها اختلفت في الحقيقة أو يقال إنها كانت متماثلة في الحقيقة فبتفريقها اختلفت في الحقيقة الوجه الثاني أن يقال لا ريب أن مضمون هذه الحجة أنه لو كان على العرش لكان جسماً عظيماً وإذا كان جسماً وجب جواز التفرق عليه وقد تقدم أن القائلين بأنه على العرش منهم من يمنع المقدمة الأولى ومنهم من يمنع الثانية ثم يقال قد أخبر الله تعالى في كتابه أنه الصمد وقد قال عامة السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم إن الصمد هو الذي لا جوف له وقالوا أمثال هذه العبارات التي تدل على أن معناه أنه لا يتفرق واللغة تدل على ذلك فإن هذا اللفظ وهو لفظ الصمد يقتضي الجمع والضم كما يقال صمدت المال إذا جمعته وقد قال من قال من حذاق أهل الكلام وغيرهم إن

стр. 2067

هذا تفسير المجسمة لأن الأجسام نوعان أجوف ومصمت كالعظام منها أجوف ومنها مصمت فالحجر ونحوه مصمت قالوا وهذا يقتضي أنه جسم مصمت لا جوف له وهذا يدل على أن صمديته تنافي جواز التفرق والانحلال عليه فلا يخلو إما أن تكون هذه الآية قد دلت على ذلك أو لم تدل عليه فإن كانت دلت على ذلك وعلى أنه مصمت لا جوف له يمتنع عليه التفرق بطل قولك إن كل جسم يصح عليه التفرق والانحلال وإن لم تكن دلت على ذلك فأنت لم تذكر دليلاً عقلياً على امتناع التفرق عليه ولا نصًّا ولا إجماعاً وإذا كان كذلك لم تكن حجتك تامة فإن هذه إحدى مقدمات الدليل فإذا لم يكن مدلولاً عليها لم يكن المذكور دليلاً وإذا لم يكن دليلاً لم يصح نفي كونه جسماً بهذا الدليل فإن قال أنا أثبت امتناع التفريق عليه بالإجماع أو موافقة الخصم قيل له الذي يوافقك على دليل وافقك على أنه مجتمع يمتنع عليه الافتراق ولم يوافقك على أنه لا يوصف باجتماع ولا افتراق وحينئذ فهو يقول أنا ما علمت امتناع الافتراق عليه إلا بوجوب اجتماعه كما أني لم أعلم امتناع

стр. 2068

الموت عليه إلا لوجوب حياته ولم أعلم امتناع الجهل والعجز عليه إلا لوجوب علمه وقدرته ولم أعلم امتناع العدم عليه إلا لوجوب وجوده فإن نازعني منازع فيما أثبته وقال ليس بمجتمع أو ليس بعالم أو ليس بحي ولا قادر أو ليس بموجود وطلب مني أن أوافقه على أنه لا يجوز عليه الافتراق والعدم والموت والجهل والعجز ونحو ذلك كان قد طلب مني موافقته على امتناع أحد الضدين دون ثبوت الآخر الذي هو من صفات الكمال أو الذي ليس هو من صفات النقص أو الذي ليس هو عندي من صفات النقص وكان حينئذ من جنس الملاحدة الذين يطلبون أن أوافقهم على أنه ليس بميت ولا عاجز ولا جاهل مع منازعتهم لنا في أنه حي عالم قادر ومن طلب الموافقة على ثبوت الشيء بدون لازمه ليحتج بذلك على نفي اللازم لم يكن علينا أن نوافقه بل لم يكن لنا أن نوافقه فإن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم فإذا وافقناه على ثبوت الملزوم كنا في الحقيقة موافقين له على نفي الملزوم الذي قد وافقناه في الظاهر على ثبوته وإذا كانت الموافقة على ثبوت الشيء تقتضي نفيه لم تجز الموافقة عليه فإذا قال الملحد أنتم توافقون على أنه ليس بميت ولا جاهل ولا عاجز وأنا لا أوافقك على أنه حي عالم قادر وغرضه أن يستدل بنفي هذه الصفات على انتفائها وانتفاء أضدادها بأن يقول كونه حيًّا عالماً قادراً وميتاً جاهلاً عاجزاً يقتضي أنه

стр. 2069

موصوف بالحياة والموت والعلم والجهل والقدرة والعجز وهذه أعراض والموصوف بالأعراض يجب أن يكون ممكناً أو يكون جسماً متحيزاً وذلك يقتضي حدوثه وهو محال لم يكن علينا أن نوافقه على ثبوت هذا السلب المستلزم لثبوت كونه حياً عالماً قادراً مع منعه لذلك فإن تحقق هذا السلب بدون هذا الإثبات محال وليس علينا أن نوافقه على شيء يتوسل به إلى القول الباطل بل ليس لنا ذلك إذا كان يتوسل به إلى إبطال حق علمناه فإن هذه الموافقة مثل مصالحة الكفار على ما فيه فساد الإسلام وهذا لا يجوز وهذا كما يذكر عن أبي الهذيل العلاف أنه قال دخلت دار النظر وفيها يهودي قد ناظر قوماً من المتكلمين في نبوة النبي ﷺ فقال لهم ألستم توافقوني على أن موسى رسول الله فقالوا بلى قال وأنا أخالفكم على أن محمداً رسول الله والمتفق على نبوته خير من المختلف في نبوته أو نحو هذا

стр. 2070

الكلام قال فقلت تعالَ ناظرني قال قد انقطع شيوخك معي فقلت ناظرني فأعاد حجته فقلت له من موسى الذي وافقتك على نبوته أموسى بن عمران الذي أنزل الله عليه التوراة التي فيها خبر محمد ﷺ وموسى الذي بشر بمحمد ﷺ وأخذ الله عليه الميثاق ليؤمن نبه ولينصرنه وأخذ الميثاق على قومه ليؤمن نبه ولينصرنه قال أبو الهذيل أو نحو هذا الكلام أم موسى الذي قال تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض وذكر أن شريعته لا تنسخ أبداً أما الأول فإني أوافقك على نبوته ونبوته مستلزمة لنبوة محمد ﷺ وأما الثاني فلا أؤمن به ولا أوافقك على نبوته ومثل هذا كثير في المناظرة وقد ذكر هذا المؤسس أبو عبد الله الرازي في نهايته أنه لا يجوز الاحتجاج بهذه الإلزامات كما تقدم بيانه وهو

стр. 2071

الاحتجاج بموافقته على مقدمة لمأخذ إن سلّمت ذلك المأخذ بطل الاحتجاج بالمقدمة وإن لم تسلم المأخذ منعت المقدمة وهكذا الأمر هنا فإن المنازع الذي يسلم لك أنه لا يجوز الافتراق والانحلال عليه إنما سلم لك ذلك لأنه صمد يجب أن يكون سيداً مجتمعاً ويمتنع أن يكون متفرقاً فإن كان هذا المأخذ صحيحاً بطل احتجاجك بذلك على امتناع كونه مجتمعاً وإن كان هذا المأخذ فاسداً لم يكن قد سلم لك امتناع الافتراق عليه فلا ينفعك هذا التسليم لا في النظر ولا في المناظرة وكان له أن يقول أنا لا أسلم لك امتناع الافتراق عليه لوجوب كونه صمداً والصمد يوجب الاجتماع وإن فرض أنه لا يقتضي الاجتماع فهو لا ينفي الافتراق أو لا ينفي الاجتماع والافتراق جميعاً فإن أحداً من الناس لايمكنه أن يدعي أن هذا الاسم يدل على نفي الاجتماع والافتراق جميعاً أو على نفي الافتراق وحده إلا بناءً على أن المجتمع يفتقر إلى أجزائه أو نحو ذلك مما تقدم الكلام عليه وأما القياس فلم يذكر حجة على امتناع الافتراق عليه فظهر أن هذا الذي ذكره ليس بحجة أصلاً وهذا يتقرر بالوجه الثالث وهو أن يقال لاريب أن الله سبحانه مقدس منزه عن جواز الافتراق والتمزق عليه سبحانه لكن إقرار الفطر بذلك ليس بأعظم من إقرارها بتنزهه عن العدم والتلاشي بل

стр. 2072

علم القلوب بوجوب وجوده وامتناع عدمه أعظم من إقرارها بامتناع تفرقه وانحلاله وهي لما يستلزم عدمه أعظم نفياً منها لما يقال إنه يستلزم تفرقه وانحلاله وإذا كان كذلك فقد استقر في الفطر أن القول بكونه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق العالم ولا يشار إليه ولا يمكن الإحساس به أدل على عدمه من دلالة كونه مجتمعاً على جواز التفرق عليه فإن الأول عند عامة الناس بديهي فطري وأما الثاني فلا تمكن معرفته إلا بدقيق النظر إن كان صحيحاً فإن كان كذلك فالمتناظران في هذه المسألة يقول النافي فيها للمثبت كون ما نفيته من أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق العالم ولا كذا ولا كذا يستلزم عدمه إنما هو من حكم الوهم والخيال وأما كون وجوده فوق العرش يستلزم جواز الانحلال عليه فمعلوم بالقياس العقلي البرهاني والمثبت

стр. 2073

يقول أما لزوم ما ذكرته للعدم فمعلوم بالفطرة الضرورية العقلية وأما لزوم ما ذكرته أنا للانحلال فإنما هو شبهات مركبة من ألفاظ مشتركة وحينئذ فإن تحاكما إلى فطر العالم السليمة قضت للمثبت على النافي لأن إقرار الفطر بما يقول المثبت معلوم وإقرارها بما يقوله النافي غير معلوم وإن تحاكما إلى المقاييس العقلية فيقال قول هذا الرازي وأمثاله المتقدم في مقدمته إن الإنسان إذا تأمل في أحوال الأجرام السفلية والعلوية وتأمل في صفاتها ذلك له قانون فإذا أراد أن ينتقل منها إلى معرفة الربوبية وجب أن يستحدث لنفسه فطرة أخرى ونهجاً آخر وعقلاً آخر بخلاف العقل الذي اهتدى به إلى معرفة الجسمانيات إما أن يكون هذا الكلام حقًّا وإما أن يكون باطلاً فإن كان حقًّا بطلت هذه الحجة وأمثالها مما بناه على الجوهر الفرد نقياً وإثباتاً وعلى كون الأجسام توصف

стр. 2074

بالاجتماع والافتراق وأن الجواهر والأجسام متماثلة أو مختلفة لأن هذه الأمور كلها جسمانيات فالعقل الذي به ينظر في هذه الأمور لا يجوز أن ينظر به في الإلهيات وهذا المؤسس وأمثاله من هؤلاء المتفلسفة والمتكلمة إنما يتكلمون في التجسيم نفياً وإثباتاً بالنظر الذي نظروا به في الجسمانيات المخلوقة فيكون كلامهم كله في ذلك باطلاً ولهذا اعترف أساطين الفلاسفة أن كلامهم لا يفيد في الإلهيات العلم واليقين وإنما ينظر فيها بالأولى والأحرى والأخلق وإن كان هذا الكلام باطلاً لم يصح أن يبطل به ما استقر في الفطر استقراراً ضروريًّا من أن رب العالمين فوق العالم وأنه يمتنع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه وهذا الكلام في غاية الإنصاف فإن هؤلاء القوم يريدون أن

стр. 2075

يبطلوا ما استقر في الفطر بما لا يصح إلا بما استقر في الفطر وربما هو دونه فإن كان ما استقر حقًّا لم يكن لهم دفعه وإن كان باطلاً لم يكن لهم الاحتجاج به على إبطال ما استقر في الفطر فإن هذا يكون قدحاً في الأصل بإثبات الفرع والقدح في الأصل قدح في الفرع وهذه عادة القوم المخالفين للفطرة والشرعة ولهذا كلامهم كله كما قيل حجج تهافت كالزجاج تخالها حقاً وكلٌ كاسر مكسور ومما يوضح هذا أن عامة هذه الحجج التي احتج بها على نفي كونه جسماً ونفي كونه على العرش مثل تماثل الأجسام وتماثل الجواهر ومثل كون الجسم المتناهي يقبل الزيادة والنقصان ويكون ممكناً ومثل كون الجسم مركباً إما تركيب الصفات وإما تركيب المقادير مثل كون الصفة الواحدة لاتقوم بالجسم مثل كون الجسم لا يخلو عن الحركة والسكون ومثل كون تحيز الجسم أمراً وجوديًّا أو أمرًا عدمياً ومثل كون الجسم أو البعد لابد وأن يكون متناهياً أو غير متناهٍ ومثل كون علو بعض الأجسام يستلزم أن يكون تحت قوم ومثل أن الجسم يجوز عليه الافتراق والانحلال ومثلما يأتي من كون الجهة

стр. 2076

أعلى من الشيء بل جميع ما يتكلمون به في هذا الباب من لفظ المتحيز والتحيز والجهة والجسم والجوهر والاجتماع والافتراق والحركة والسكون سواء تكلموا به في صفات الباري نفياً وإثباتاً أو تكلموا به في المخلوقات وصفاتها نفياً وإثباتاً أو في أدلة حدوثها وإمكانها أو غير ذلك كل هذه الأمور إنما هو كلام في الجسم وأحكام الجسم وما يتبع ذلك فإن كان هذا الكلام والعقل الذي يعرف به مثل هذا الكلام غير مقبول في العلم الإلهي بطل جميع ما ذكره الفلاسفة والمتكلمون جميعاً مما يتعلق بهذا وإذا بطل لم يصح أن ينفوا بمثل هذا الكلام لما علم بالفطرة ولا ما دلت عليه الشرعة وهذا من أعظم المقاصد وحينئذ فلا يصح قولهم إنه ليس بجسم ولا متحيز ولا في جهة وأنه ليس فوق العالم يشار إليه

стр. 2077

وإن كان مثل الكلام والعقل الذي به ينظر في الأجسام وصفاته مقبولاً في العلم الإلهي بطلت مقدمته كلها وكان من أعظم العلوم في العقل أن الباري فوق العالم وأنه يمتنع أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه بل يمتنع أن يكون شيء من الموجودات كذلك كما تقدم وهذا بيِّن ولله الحمد والمنة وأما أن يخالفوا ما فطر الله عليه عباده وما أنزل به كتبه وأرسل به رسله بمقاييس لا تدل لهم إلا بمقدمات كثيرة مركبة لابد فيها من الاستدلال بما هو في الفطرة دون ما دفعوه أو مثله مع ما فيها من الألفاظ المشتركة وغيرها فهذا لا يفعله إلا جاهل أو ظالم أو من جمع الأمرين بل هو من أعظم العالمين جهلاً وظلماً لكونه تكلم في الله وأسمائه وآياته بمثل هذا العقل الفاسد وكان من أعظم المطففين في أصول الدين فإذا كان المطففون في الأموال قد قال الله تعالى فيهم وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣﴾ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ﴿٤﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥﴾ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦﴾ [المطففين ١-٦] وقد جاء في الحديث الصلاة مكيال فمن وفَّى وُفِّي له ومن طفّف فقد علمتم ما قال الله في المطففين فكيف في أصول الدين بل في أعظم

стр. 2078

أبواب أصول الدين وهو الكلام في رب العالمين وأسمائه وصفاته يكون فيه هذا التطفيف والإخسار العظيم فيبطلون ما فطر الله عباده عليه وأنزل به كتبه بمقاييسهم ويمنعون غيرهم أن يحتج بها عليهم وهي عليهم أدل منها لهم وهذا من أعظم الجهل والظلم والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من عباده وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً يقرر هذا أن الكلام في الشيء نفياً وإثباتاً مسبوق بتصوره فليس للإنسان أن ينفي شيئاً عن شيء أو يثبته له إلا بعد تصوره تصوراً يمكن معه النفي والإثبات فإذا قال القائل عن موجود إنه جسم أو هو جوهر أو متحيز أو في جهة أو فوق العالم أو غير ذلك أو قال ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا في جهة ولا فوق العالم أو قال إن له علماً وقدرة وحياة أو قال ليس له علم ولا قدرة ولا حياة فكل واحد

стр. 2079

من هذين لابد أن يتصور ما نفاه وما أثبته فمن أثبت لله أمراً من الصفات فإنما أثبته بعد أن فهم نظير ذلك من الموجودات وأثبت به القدر المطلق مع وصفه له بخاصة تمتنع فيها الشركة ومن نفى عن الله شيئاً من هذه الأمور فإنما نفى ما علم نظيره في الموجودات ونفى عن الله أن يكون له مثل ما للمخلوق من ذلك لم ينفِ ما يختص به الرب مما لم يعلم نظيره فإن هذا لم يتصوره حتى يحكم عليه بالنفي فالنافي لا ينفي شيئاً قط إلا ما له نظير فيما أدركه لأن نفس المنفي ما علمه أصلاً لأن النفي المحض لا يعلم بنفسه فإن النفس لا تباشر المعدوم حتى تشعر به وإنما تباشر الموجود وتقيس له نظيراً فينفي ذلك النظير عما هو منتفٍ عنه مثل نفيها لجبل ياقوت وبحر زئبق ونحو ذلك بعد أن علمت البحر والزئبق والجبل والياقوت ثم قدرت معلوماً مؤلفاً من شيئين نظيرهما

стр. 2080

موجود ثم نفته وكذلك النفي عن الله من الشركاء والأولاد والنوم وغير ذلك يعلم وجوده في العالم ثم يقدر نظير هذا الموجود في حق الله تعالى في الذهن وينفي عن الله تعالى فأما نفيه قبل العلم به من جهة القياس فممتنع فإنه لا يكون معلوماً ولا يعلم بالمعدوم إلا بنوع قياس فإذاً كل نافٍ فلابد له من القياس على ما في الموجودات الجسمانية وأما المثبت فإنه وإن احتاج إلى نوع قياس فإنه يثبت معه الفارق الذي يقطع المماثلة بالأمور المخلوقة فهو وإن كان جامعاً فمعه فارق أقوى من جامعه بخلاف الثاني فإن عمدته على الجامع وهو القدر المشترك الذي ينفيه وإذا ظهر ذلك فيقال لأرسطو الذي ذكر عنه هذا

стр. 2081

المؤسس الذي قال من أراد النظر في العلم الإلهي فليحدث لنفسه فطرة أخرى وقد قرره المؤسس بأن الإنسان إذا تأمل في أحوال الأجرام السفلية والعلوية وتأمل في صفاتها فذلك له قانون فإذا أراد أن ينتقل مكنها إلى معرفة الربوبية وجب أن يستحدث لنفسه فطرة أخرى ونهجاً آخر وعقلاً آخر بخلاف العقل الذي به اهتدى إلى معرفة الجسمانيات أنت يا معلم هؤلاء الصابئة الفلاسفة المبتدعين لما تكلمت

стр. 2082

في أقسام العلم بالمقولات العشر وهي الجوهر وأعراضه التسعة الكم والكيف والإضافة والأين ومتى والوضع وأن يفعل وأن ينفعل والملك فهذا وإن كان

стр. 2083

كلاماً في الوجود المطلق الذي قد يقولون إنه العلم الأعلى وهو الناظر في الوجود ولواحقه من حيث هو وجود ومنه العلم الإلهي ويجعلون العلم الإلهي يعم هذا كله فهذا نزاع بينكم فهذه المقولات العشر إذا أثبتها للعقول والنفوس ونفس الإنسان ونفيتها عنها أو نفيت شيئاً منها أو نفيتها عن واجب الوجود أو أثبتها أو شيئاً منها له أتحكم في هذا النفي والإثبات بالفطرة التي علمت بها هذه الأمور أم بفطرة أخرى فإن قال بفطرة أخرى كان هذا اعترافاً بأن الفطرة التي

стр. 2084

يحكم فيها على الشيء بنفيه وإثباته غير الفطرة التي يتصور بها الشيء فتكون فطرة التصديق غير فطرة التصور ومن المعلوم أن الحاكم بالتصديق العالم به الناطق به إن لم يكن هو العالم بالتصور المدرك له الناطق به كان حكمه باطلاً فيلزم أن يكون جميع ما ذكروه في العلم الإلهي باطلاً لكون الحاكم بالتصديق فيه ليس هو المتصور وإن قلتم بل بالفطرة التي عرفت بها هذه الأمور يحكم بنفيها أو إثباتها بطلت تلك القعقعة التي تشبه قعقعة الشنان التي يقعقع بها للصبيان ليخوفوا بما لا حقيقة له عند الإنسان وعلم أن ما خالفتم به الفطرة والشرعة فكله هذيان بل من الإفك والبهتان الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴿١﴾ قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ﴿٢﴾ مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ﴿٣﴾ وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ﴿٤﴾ مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ﴿٥﴾ [الكهف ١-٥] وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٠٠﴾ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١٠١﴾ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ

стр. 2085

إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿١٠٢﴾ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿١٠٣﴾ [الأنعام ١٠٠-١٠٣] وليس هذا موضع استقصاء الكلام في هذا وإنما الغرض التنبيه على تناقض هؤلاء وإبطال حججهم وحينئذ يقال في الوجه الرابع قوله إنه إذا كان على العرش وكان عظيماً فلابد أن يكون له جانبان جانب عن يمين العرش وجانب عن يساره ويكون أحدهما غير الآخر العلم بهذا إما أن يكون من العقل الجسماني ومقتضى الحس والخيال أو

стр. 2086

لا يكون فإن كان من هذا القسم وهو مقبول قبل نظيره وما هو أولى منه فتبطل هذه الحجة لأن هذا العقل يحكم بأن الموجود لابد أن يكون داخل العالم أو خارجه وإن لم يكن مقبولاً بطلت هذه الحجة وإن قيل إن هذا ليس من حكم العقل الجسماني ومقتضى الحس والخيال وهو قد حكم بأن الموجود العظيم الذي فوق غيره لابد أن يكون جسماً يتميز منه جانب عن جانب بأن يقال إن الحكم بأن الموجود إما أن يكون داخل العالم أو خارجه وأنه يمتنع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه أولى بأن لا يكون من حكم العقل الجسماني ومقتضى الحس والخيال لأن الحكم الأول فيه تصريح بأنه جسم فإن كان الحكم بأن الشيء جسم ليس من مقتضى العقل الجسماني ومقتضى الحس فالحكم بما لم يصرح فيه بالجسم بل حكم فيه على الوجود مطلقاً أولى بذلك ولهذا يكون مثل هذا الحكم من العلم الأعلى عندهم ومن العلم الإلهي وأما الأول ففيه

стр. 2087

نوع من العلم الطبيعي الجسماني قطعاً الوجه الخامس أنه إذا كان جسماً فأنت قد ذكرت في نهايتك النزاع بين الناس في الجسم هل هو في نفسه واحد أو منقسم بعد اتفاقهم على قبولية الانقسام وهي مسألة الجوهر الفرد فقلت في مسائل المعاد المسألة الأولى في الجزء الذي لا يتجزأ لاشك في أن الأجسام التي شاهدناها قابلة للانقسامات والانقسامات التي يمكن حصولها فيها إما أن تكون متناهية أو لا تكون فيخرج من هذا التقسيم أربعة

стр. 2088

أقسام أولها أن الانقسامات حاصلة وتكون متناهية وثانيها أن تكون حاصلة وتكون غير متناهية وثالثها أن لا تكون حاصلة ولكن ما يمكن حصوله منها يكون متناهياً ورابعها أن لا تكون حاصلة ولكن ما يمكن حصوله منها يكون غير متناهٍ قال والأول مذهب جمهور المتكلمين والثاني هو مذهب النظام والثالث هو مذهب بعض المتأخرين وهذا

стр. 2089

الذي أشار إليه هو الشهرستاني والرابع وهو مذهب الفلاسفة قال فتلخص من هذا أن الخلاف بيننا وبين الفلاسفة في هذه المسألة يقع في مقامين أحدهما أن الجسم مع كونه

стр. 2090

قابلاً للانقسام هل يعقل أن يكون واحداً وثانيها أنه بتقدير أن يكون هل يعقل أنه يكون قابلاً للانقسامات الغير المتناهية قال فنحن نتكلم في كل واحد من القسمين ثم نذكر بعده شبه النفاة ونتكلم عليها قال والمعتمد في أن ما يكون قابلاً للانقسام لابد أن يكون منقسماً هو أن وحدة الجسم إما أن يكون غير كونه جسماً أو جزءاً داخلاً فيه أو أمراً خارجاً عنه فإن كان الأول أو الثاني لزم أن يكون تفريق الجسم إعداماً له وذلك محال وإن كان الثالث كانت الوحدة صفة قائمة بالجسم والعرض لا يحدث في المحل ولا يحصل فيه إلا إذا كان المحل متعيناً متميزاً عن غيره ولا يعقل من وحدته إلا تعينه في نفسه وتميزه عن غيره فيلزم أن يكون قيام الوحدة بالجسم متوقفاً على كون الجسم واحداً ثم الكلام في تلك الوحدة كالكلام في الأول ويلزم التسلسل وهو محال وبتقدير إمكانه فلابد أن

стр. 2091

ينتهي إلى وحدة تقوم بالذات لا بتوسط وحدة أخرى وإلا لم تكن الذات موصوفة بالوحدة أصلاً وذلك هو المطلوب فهذا الدليل الذي ذكره على امتناع أن يكون شيء من الأجسام واحداً أو على امتناع أن يكون شيء من الموجودات واحداً ومعلوم أن ذلك خلاف الكتاب والسنة وإجماع المسلمين بل إجماع العقلاء قال الله تعالى وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء ١١] وقال ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴿١١﴾ [المدثر ١١] والقول بأن هذا واحد عن

стр. 2092

الإنسان الواحد والحيوان الواحد والشجرة الواحدة والدرهم الواحد من أشهر الأمور عند العامة والخاصة ومن أعرف الأمور عند بني آدم وهو من أوائل العلوم البديهية الحسية عندهم وهو علم العدد وأن الواحد نصف الاثنين فلو لم يكن في الأجسام ما يوصف بأنه واحد والناس لم يشهدوا الأجسام مع أن العلم بأن الواحد المطلق نصف الاثنين موقوف على أن الواحد في الخارج نصف الاثنين إذ العلوم الكلية الذهنية مسبوقة بالعلوم المعينة الوجودية فلو لم يكن في الأجسام ما هو واحد امتنع حكم الذهن بان الواحد نصف الاثنين وهذا من أوائل العلوم البديهية التي يضرب بها المثل في النظر والمناظرة فيكون احتجاجه على أن الجسم لا يكون

стр. 2093

واحداً في مقابلة ذلك فيكون من أفسد حجج السوفسطائية لقدحها في أظهر الأمور الحسية البديهية ثم يقال هذه الحجة تستلزم أن لا يكون الله واحداً ولا يكون الجوهر الفرد واحداً إلا به ثم يقال في وحدة ذلك مثل ما قلته في وحدة الجسم وذلك يستلزم أن تكون الوحدة بالذات وبالجوهر الفرد متوقفاً على كونه واحداً فالكلام في تلك الوحدة كالكلام في الأولى وذلك يستلزم التسلسل وهو محال وإذا كانت هذه الحجة تستلزم هذا الكفر فهي تستلزم أيضاً

стр. 2094

نقيض المطلوب لأن المقصود بنفي وحدة الجسم إثبات تركيبه من الأجزاء المفردة التي كل منها واحداً فإذا نفيت وحدة الجوهر الفرد استلزمت إبطاله وإذا بطل الجوهر الفرد امتنع كون الجسم مركباً من الجواهر المنفردة فيلزم أن يكون واحداً فصارت هذه الحجة المذكورة لنفي وحدة الجسم مستلزمة لوحدته ونافية لوحدة الجوهر الفرد أيضاً وكل هذا تناقض واعجب من هذا ثم من العجب قولك بعد أن ثبت أن الوحدة تستلزم التسلسل وهو محال ثم قلت وبتقدير إمكانه فلابد وأن ينتهي إلى وحدة تقوم بالذات لا بتوسط وحدة أخرى وإذا كانت الوحدة مستلزمة للتسلسل المحال فكيف يكون تقدير إمكانه مبيناً لك جواز اتصاف شيء بالوحدة من غير توسط وحدة أخرى وكذلك من العجب قولك فلابد وأن ينتهي إلى وحدة تقوم بالذات لا بتوسط وحدة أخرى وإلا لم تكن الذات موصوفة بالوحدة وهو المطلوب فليس هذا هو المطلوب لأن هذا الذي قدرته مع قولك إنه محال يفيد أن الذات توصف بالوحدة من غير أن تتوقف هذه الوحدة على وحدة أخرى للذات وهذا لم ينازعك فيه أحد ولا ينفي وحدة الجسم فإن

стр. 2095

وحدة الجسم ليست موقوفة على وحدة أخرى تقوم بالجسم غاية ما في هذا الباب أن وحدة الجسم معها وحدات أخر تقوم بالجوهر إذا أفردت وهذه الوحدة ليست شرطاً في ثبوت الأولى ولا هي سابقة عليها ولا تلك متوقفة عليها ولا هي وحدة الجسم التي وصفت بها الأولى والتسلسل الذي ذكرته إنما يمنع أن تكون وحدة الشيء متوقفة على وحدة أخرى لذلك الشيء وليس الأمر كذلك هنا لكن مع وحدة الجسم وحدة كل موصوف بالوحدة من الأجسام والجواهر وغير ذلك والموصوف بأنه واحد إذا كان مستلزماً إمكان أن ينقسم إلى ما يوصف بأنه واحد لم يكن وحدة موقوفة على وحدة أخرى تقوم به فليتدبر اللبيب كيف ذكر الحجة التي مضمونها نفي كل وحدة في العالم وإحالتها ثم أخذ ثبوت الوحدة مسلماً وادعى أن ثبوت الوحدة بلا واسطة ينفي وحدة الجسم وكلاهما عجب نفي الوحدة مطلقاً ودعوى أن الوحدة بلا واسطة وحدة أخرى تنفي وحدة الجسم ثم يقال عن هذه الشبهة الفاسدة الباردة تعين الواحد جسماً كان أو غيره وتميزه عن غيره لا يخلو إما أن تكون هي وحدته أو لا تكون فإن لم يكن هو وحدة الجسم بطل قولك لا نعقل من وحدته إلا تعينه في نفسه وتميزه عن غيره فبطلت الحجة وإن كان هو وحدته بطل قولك لا تحصل فيه

стр. 2096

الوحدة إلا إذا كان متعيناً متميزاً عن غيره تعني قبل ذلك وحينئذ فقد بطلت الحجة أيضاً فسواء كانت الوحدة هي التعين والتميز أو كانت غيره لم يلزم أن يكون قيام الوحدة بالجسم متوقفاً على وحدة أخرى وهذا ظاهر وسواء كانت الوحدة أمراً وجوديّاً أو عدمياً فليس المقصود هنا بسط الكلام على هذا وإنما الغرض من التنبيه على أن ما يستدل به على أن الجسم فيه انقسام وتركيب وكثرة وأنه ليس بواحد من أفسد الحجج فإنه قد بنى على هذا الأصل الفاسد كثيراً من تجهمه وتعطيله الذي جحد فيه حقيقة أسماء الله وصفاته وما هو عليه في ذاته أما كون الجسم قابلاً للانقسامات التي لا تناهى أو غير قابل فهذا ليس لنا فيه هنا غرض وهو احتج على نفي ذلك بالحركة وأنها موجودة في الحاضر وإلا لم تكن موجودة في

стр. 2097

الماضي والمستقبل وأن وجودها الحاضر لا ينقسم وإلا لكان الحاضر ماضياً ومستقبلاً وإذا لم تنقسم الحركة إلى غير نهاية لم تنقسم المسافة التي تكون الحركة عليها فلا يكون في الجسم الذي هو مسافة انقسام لا يتناهى وعارض ذلك بعشرة أوجه مثل تميز اليمين عن الشمال وانقسام الجزء الموضوع على جزأين وغير ذلك من الوجوه ثم قال في الجواب وأما المعارضات التي ذكروها فاعلم أنا نميل إلى التوقف في هذه المسألة بسبب تعارض الأدلة فإن إمام الحرمين صرح في كتاب التلخيص في

стр. 2098

أصول الفقه أن هذه المسألة من محارات العقول وأبو الحسين البصري وهو أحذق المعتزلة توقف فيها فنحن أيضاً نختار الوقف فإذن لا حاجة إلى الجواب فهذا قوله

стр. 2099

في الانقسام الممكن هو متوقف فيه وقوله ونقول في نفي وحدة الجسم وثبوت الانقسام الحاصل قد ظهر فساده لكل أحد وإذا كان الأمر كذلك فقوله لو كان على العرش لكان منقسماً مركباً أو لكان جسماً لكان منقسماً مركباً أو لو كان العرش لكان عظيماً ولكان منقسماً مركباً إلى الأجزاء قد تبين فساده وظهر أن قوله إذا كان عظيماً فلابد أن يكون أحد جانبيه غير الآخر ويكون على هذا التقدير ذات الله مركبة من الجزاء كلام باطل لم يقرر تركيباً موجوداً في الأجسام المشاهدة ولا أن فيها أجزاءً موجودة بل ادعى فيها ما يضحك عليه الصبيان وأما قبولها للتجزئة إلى غير غاية فقد توقف فيه فأكثر ما يبقى معه أن الجسم وإن كان واحداً لكنه يقبل التجزئة إلى حد

стр. 2100

محدود وهذا قول الشهرستاني مع أنه يستخف بهذا القول أحياناً وقد اضطر إلى موافقته لكن هذا أكثر ما فيه أنه يمكن في الجسم من حيث الجملة أن ينقسم بمعنى أن ذات الجسم من حيث هو جسم لا تكون مانعة من الانقسام وهذا حق فإن من الأجسام ما ينقسم حقيقة فلو كان حقيقة الجسم مانعة من الانقسام لم يصح الانقسام على شيء من الأجسام لكن هذا لا يثبت له قبول كل جسم للانقسام فضلاً أن يكون العلي العظيم الكبير المتعال الذي هو على عرشه العظيم مركباً من الأجزاء كما ادعاه فإنه إذا كان الجسم واحداً وقبول القسمة لم يثبت إلا لبعض الأجسام لم يلزم أن يكون رب العالمين منقسماً ولا قابلاً للقسمة فلا يكون مركباً من الأجزاء لا الأجزاء الموجودة ولا الأجزاء المقدرة الممكنة ثم إذا كانوا في الأجسام المشهودة قد اضطربوا أو تحيروا في تركيبها وانقسامها وعدوا ذلك من محارات العقول كيف يصح منهم الحكم على رب العالمين بمثل هذه الأمور نفياً وإثباتاً وهذا بيِّنٌ ولا حول ولا قوة إلا بالله

стр. 2101

الوجه السادس أن يقال هب أنه يلزم أن يكون فيه أجزاء وأبعاض بمعنى أن فيه ما يميز منه شيء عن شيء كما أن الفلك يتميز منه شيء من شيء وجانب من جانب وهذا هو المعنى بالتركيب من الأجزاء فهذا يكون بمنزلة الصفات القائمة من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وسائر الصفات فقولك في تلك الأمور التي سميتها أجزاءً إما أن تكون متماثلة أو مختلفة فيقال لك مثله في الصفات التي سمتها نفاة الصفات كابن سينا وغيره أجزاءً ويقولون واجب الوجود ليس فيه أجزاء لا أجزاء حد ولا أجزاء كم وإن كانت

стр. 2102

هذه تسمية باطلة كما قد قررناه في غير هذا الموضع فتسميته أيضاً تشبهها كما قد قررناه والنزاع هنا ليس في اللفظ بل في المعنى فيقال لك في تلك الصفات إن كانت متماثلة وجب أن تقوم كل صفة مقام الأخرى فيقوم العلم مقام القدرة والحياة مقام الكلام وهذا باطل وإن كانت مختلفة فكل صفة تشارك الأخرى في كونها صفة وتفارقها في خصوصيتها وما به الاشتراك غير ما به الافتراق فتكون كل صفة مركبة من جزأين جزء به الاشتراك وجزء به الامتياز ثم كل واحد من ذينك الجزأين يشارك غيره في جزء ويفارقه في جزء وهلم جرا فالقول في تركب كل مركب من جزأين وتركب كل جزء من جزأين يعم ما يقال إنه مركب تركيب المقدار والكم وما هو مركب تركيب الصفة والكيفية فإن أوجب أحد التركيبين

стр. 2103

الانحلال إلى ما لا تركيب فيه أوجبه الآخر وإلا فلا وحينئذ فيعارض ما ذكرته في تركيب المقدار مثله سواء فيقال لك إن لم يوجب التركيب والانحلال إلى ما لا تركب فيه لم يجب ذلك في الموضعين فبطلت الحجة وإن أوجب ذلك بانحلال المقدار إلى جزء لا تركب فيه فانحلال الصفة إلى جزء هو صفة لا تركب فيها وإذا قيل في أجزاء المقدار إنها متماثلة وإلا كانت مركبة قيل في أجزاء الكيفية إنها متماثلة وإلا كانت مركبة وإذا قيل إن تماثلها يوجب أن يجوز على كل واحد ما يجوز على الآخر قيل إن تماثل تلك يوجب أن يجوز على كل واحد ما يجوز على الآخر وحينئذ فيجب أن يوصف العلم بما توصف به القدرة وتوصف الحياة بما يوصف به الكلام ويسد كل منهما مسد الآخر وهذا مع أنه محال فذلك يستلزم جواز الاكتفاء بصفة عن سائر الصفات وذلك يستلزم عدم وجوب هذه الصفات للذات وهذا أبلغ مما ألزمه في المقدار من جواز انحلال الذات وتفرقها فإن عدم كيفيات الموجود أو الجسم أبلغ في عدمه

стр. 2104

وتلاشيه من تفرق أجزائه ولهذا كثير من الأجسام يفترق ثم يجتمع كما يتفرق الماء ثم يجتمع وأما إذا بطلت كيفيته مثل بطلان المائية والنارية فإنه يكون فاسداً مستحيلاً وهذا وإن كان إلزاماً لمن يثبت الصفات فهو لازم لكل أحد أيضاً فإنه لابد من إثبات وجود ووجوب ونحو ذلك أي معنى أثبت جعل فيه نظير هذا التركيب وهذا لازم لابن سينا ونحوه من الملاحدة أيضاً فإنه يقال في الوجود والوجوب إن الموجود يشارك غيره من الموجودات في مسمى الوجود ويفارقها في خصوصه والوجوب بالذات يشارك الوجوب بالغير في مسمى الوجوب ويفارقه في كونه بالذات وكذلك يقال في العاقل والمعقول والعقل والعناية وكونه فاعلاً أو مبدأ أو

стр. 2105

علة أو غير ذلك إذ لا بد لكل من أثبت موجوداً من أن يثبت وجوداً واجباً ويلزمه فيه هذه اللوازم وقد بينا هذا فيما تقدم وابن سينا كان من الملاحدة وكان أبوه من دعاتهم
следующие страницы →