← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

الوجه السادس أن يقال هب أنه يلزم أن يكون فيه أجزاء وأبعاض بمعنى أن فيه ما يميز منه شيء عن شيء كما أن الفلك يتميز منه شيء من شيء وجانب من جانب وهذا هو المعنى بالتركيب من الأجزاء فهذا يكون بمنزلة الصفات القائمة من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وسائر الصفات فقولك في تلك الأمور التي سميتها أجزاءً إما أن تكون متماثلة أو مختلفة فيقال لك مثله في الصفات التي سمتها نفاة الصفات كابن سينا وغيره أجزاءً ويقولون واجب الوجود ليس فيه أجزاء لا أجزاء حد ولا أجزاء كم وإن كانت

стр. 2102

هذه تسمية باطلة كما قد قررناه في غير هذا الموضع فتسميته أيضاً تشبهها كما قد قررناه والنزاع هنا ليس في اللفظ بل في المعنى فيقال لك في تلك الصفات إن كانت متماثلة وجب أن تقوم كل صفة مقام الأخرى فيقوم العلم مقام القدرة والحياة مقام الكلام وهذا باطل وإن كانت مختلفة فكل صفة تشارك الأخرى في كونها صفة وتفارقها في خصوصيتها وما به الاشتراك غير ما به الافتراق فتكون كل صفة مركبة من جزأين جزء به الاشتراك وجزء به الامتياز ثم كل واحد من ذينك الجزأين يشارك غيره في جزء ويفارقه في جزء وهلم جرا فالقول في تركب كل مركب من جزأين وتركب كل جزء من جزأين يعم ما يقال إنه مركب تركيب المقدار والكم وما هو مركب تركيب الصفة والكيفية فإن أوجب أحد التركيبين

стр. 2103

الانحلال إلى ما لا تركيب فيه أوجبه الآخر وإلا فلا وحينئذ فيعارض ما ذكرته في تركيب المقدار مثله سواء فيقال لك إن لم يوجب التركيب والانحلال إلى ما لا تركب فيه لم يجب ذلك في الموضعين فبطلت الحجة وإن أوجب ذلك بانحلال المقدار إلى جزء لا تركب فيه فانحلال الصفة إلى جزء هو صفة لا تركب فيها وإذا قيل في أجزاء المقدار إنها متماثلة وإلا كانت مركبة قيل في أجزاء الكيفية إنها متماثلة وإلا كانت مركبة وإذا قيل إن تماثلها يوجب أن يجوز على كل واحد ما يجوز على الآخر قيل إن تماثل تلك يوجب أن يجوز على كل واحد ما يجوز على الآخر وحينئذ فيجب أن يوصف العلم بما توصف به القدرة وتوصف الحياة بما يوصف به الكلام ويسد كل منهما مسد الآخر وهذا مع أنه محال فذلك يستلزم جواز الاكتفاء بصفة عن سائر الصفات وذلك يستلزم عدم وجوب هذه الصفات للذات وهذا أبلغ مما ألزمه في المقدار من جواز انحلال الذات وتفرقها فإن عدم كيفيات الموجود أو الجسم أبلغ في عدمه

стр. 2104

وتلاشيه من تفرق أجزائه ولهذا كثير من الأجسام يفترق ثم يجتمع كما يتفرق الماء ثم يجتمع وأما إذا بطلت كيفيته مثل بطلان المائية والنارية فإنه يكون فاسداً مستحيلاً وهذا وإن كان إلزاماً لمن يثبت الصفات فهو لازم لكل أحد أيضاً فإنه لابد من إثبات وجود ووجوب ونحو ذلك أي معنى أثبت جعل فيه نظير هذا التركيب وهذا لازم لابن سينا ونحوه من الملاحدة أيضاً فإنه يقال في الوجود والوجوب إن الموجود يشارك غيره من الموجودات في مسمى الوجود ويفارقها في خصوصه والوجوب بالذات يشارك الوجوب بالغير في مسمى الوجوب ويفارقه في كونه بالذات وكذلك يقال في العاقل والمعقول والعقل والعناية وكونه فاعلاً أو مبدأ أو

стр. 2105

علة أو غير ذلك إذ لا بد لكل من أثبت موجوداً من أن يثبت وجوداً واجباً ويلزمه فيه هذه اللوازم وقد بينا هذا فيما تقدم وابن سينا كان من الملاحدة وكان أبوه من دعاتهم

стр. 2106

وذكر هو أنه بسبب ذلك اشتغل فيما اشتغل به من علوم الفلاسفة الصابئة الأوائل فإن أصول الملاحدة مبنية على ما أخذوه من هؤلاء الصابئة وما أخذوه من المجوس وهؤلاء الصابئة المبتدعون يقولون إن العالم متولد عن الله والمجوس يجعلون له شريكاً في خلقه فالطائفتان كما قال تعالى وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام ١٠٠] وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [الإسراء ١١١] وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد فإن المجوس تجعل إبليس وهو أصل الظلمة هو شريك النور في التخليق فيجعلون الجن شركاءه وليس هذا موضع بسط هذا ولكن ننبه على أن كتاب الله لما كان دعوة لجميع الخلق ففيه تفصيل كل شيء وهو

стр. 2107

الحاكم بين جميع الناس فيما اختلفوا فيه ولهذا أراد النصير الطوسي ونحوه من ملاحدة المسلمين واليهود على أن يضعوا للدولة الكافرة المشركة الجاهلة دولة هولاكو عقيدة واتفقوا على أن تكون عقيدة ابن سينا ولهذا كانت الملاحدة تميل إلى هؤلاء المشركين كثيراً وكان ملكهم هولاكو يقرب الملاحدة ويستعين بهم على المسلمين لما عرف مباينتهم في الباطل للإسلام وأهله مع منافقتهم لهم

стр. 2108

في الظاهر الوجه السابع قوله إن تلك الأجزاء إما أن تكون متماثلة الماهية أو مختلفة الماهية يقال قد تبين أن ما ذكرته لا يستلزم أن تكون هنا أجزاء موجودة وغاية ما يلزم ما ذكرته تمييز شيء عن شيء وجانب عن جانب والذي يكون كذلك يقال في صفاته ما يقال فإذا قيل إنه مع أنه واحد فهو ذو أبعاض يتميز منه شيء من شيء فكذلك يقال في صفاته القائمة به وفي حيزه وفيما يلاقيه ففي الجملة متى فرض تميز شيء منه عن شيء وقيل إن ذلك أبعاض ولكل بعض خاصة تميز بها ثم يقال وساء كان هناك أجزاء وأبعاض موجودة يتميز بعضها عن بعض أو لم يكن فإذا قيل كل بعض إما أن يماثل الآخر أو لا يماثله قيل إن أردت بالمماثلة أن يقوم مقامه فيما يختص بعينه فلا يكون في العالم شيئان متماثلان وإن أردت بالتماثل أن يقوم مقامه فيما يكون لنوعه لا لعينه قال لك المنازع إنها متماثلة وإذا قال ذلك لم يجز أن تقول فيصح أن يكون الملاقي مباعداً والمباعد ملاقياً لأن ذلك الملاقي في صفات عينه مجاورته

стр. 2109

لما جاوره وحيزه المعين وتلك الصفة لا يقوم فيها غيره مقامه وإن كان مثله كما تقدم فلا يلزم من كونهما متماثلين أن يصير الملاقي مباعداً والمباعد ملاقياً وقولنا المثلان يصح على كل منهما ما صح على الآخر إنما هو فيما ليس من خصائص العين والملاقاة والمباعدة من خصائص العين فإن الملاقي إذا صار مباعداً خرج عن حيزه المعين وعن أن يكون ملاقياً لما كان ملاقياً له ووجب أن يصير ملاقياً لغيره وكذلك المباعد وحينئذ فتختلف صفات عينه بالتفريق فلا يكون ذلك لازماً لكونهما مثلين فلا يلزم من التماثل ذلك الوجه الثامن أن يقال هذه التي سميتها أجزاءً سواء كانت أجزاءً مقدرة أو هي متميزة تميزاً حقيقيّاً لا يخلو إما أن تريد بكل واحد منها الجزء الذي لا يتجزأ وهو الجوهر الفرد أو ما هو اكبر من ذلك فإن أردت بالأجزاء الجواهر المنفردة وقد قلت إما أن تكون متماثلة الماهية أو مختلفة فيقال لك هب أنها مختلفة في الماهية ما الذي يلزم قولك والقسم الثاني وهو أن يقال إن تلك الأجزاء مختلفة في الماهية فنقول كل جسم مركب من أجزاء مختلفة الماهية فلابد وأن ينتهي تحليل

стр. 2110

تركيبه إلى أجزاء ويكون كل واحد منها مبرءاً عن هذا التركيب يقال لك هذا باطل على هذا التقدير لأن كل واحد من تلك الأجزاء المختلفة الماهية إذا كان جزءاً لا ينقسم وهو الجوهر الفرد امتنع حينئذ أن يكون مركباً وأن يتحلل إلى أجزاء أخر فإنه لا تركيب فيه بحال أكثر ما يمكنك أن تقول فيه ما قلته في الأجزاء التي يتحلل إليها من لزوم مماسته بيمينه شيئاً وبيساره شيئاً آخر لكن يقال لك هذا أولاً باطل في الجزء الذي لا ينقسم وقولك لكن يمينه مثل يساره وإلا لكان هو نفسه مركباً وقد فرضناه غير مركب كلام متناقض ينقض بعضه بعضاً فإنه إذا كان له يمين ويسار كان مركباً وقولك يمينه مثل يساره والمثلان غيران يقتضي أن فيه غيرين وهذا تركيب أيضاً وتماثل جانبيه لا يخرجه عن أن يكون مركباً فقولك وقد فرضناه غير مركب تناقض وكذلك قولك ودعواك أنه تماثل يمينه يساره وإلا لكان هو نفسه مركباً يقتضي أنه مع تماثل جانبيه يكون غير

стр. 2111

مركب ومع عدم تماثلهما يكون مركباً وليس الأمر كذلك بلا نزاع وأيضاً فإنه على هذا التقدير الأجزاء المختلفة في الحقيقة وإذا كانت مختلفة في الحقيقة لم يلزم أن يجوز على كل واحد منها ما جاز على الآخر بل يمتنع تساويهما فيما يجب ويجوز ويمتنع فلو وجب أن يقوم كل منهما مقام الآخر لكانت متماثلة والتقدير أنها مختلفة هذا تناقض فعلم أنه يمتنع مع كون الأجزاء غير منقسمة وهي مختلفة في الحقيقة أن يقوم بعضها مقام البعض وحينئذ فيبطل لزوم تفرقها بل يقال إذا كان تفرقها يوجب قيام بعضها مقام بعض امتنع تفرقها مع كونها مختلفة لأن الحقائق المختلفة يمتنع أن يقوم بعضها مقام بعض هذا إن أراد بالأجزاء الجواهر المنفردة وهو المفهوم من إطلاق تفرقها وإن أراد بالأجزاء الأجزاء الكبار قيل الوجه التاسع وهو أن المعنى أنه مركب من أجزاء كبار بحيث يلزم إذا كانت مختلفة أن يكون الجزء منها ينحل إلى أجزاء لا تنقسم وقد قلت إما أن تكون متماثلة أو مختلفة فيقال لك نقدر أنها متماثلة وهي وإن كانت متماثلة في الصفة

стр. 2112

فلها قدر في نفسها ليست أجزاء منفردة إذ التقدير كذلك وإذا كانت كذلك لم يلزم أن يكون الطرف منها وسطاً لأن الطرف يكون غير منقسم وغير المنقسم لا يسد مسد الجزء الكبير الذي قد ينقسم وإذا لم يكن كذلك لم يلزم جواز تباعد المتلاقيين وتلاقي المتباعدين لتباين مقاديرهما وأشكالهما وأن الذي يقوم مقام غيره لابد أن يكون مساوياً له في الصفة والقدر جميعاً لاسيما وعلى هذا التقدير فيمكن أن يكون بعضها أكبر من بعض لأنه أكثر ما يلزم أن يكون كل جزء منها يمكن انقسامه ليصح الحكم عليها بالتحليل إلى الذي لا ينقسم حتى يتوجه كلامه في القسم الثاني وإذا لم يجب إلا ذلك لم يلزم تساويها في المقدار وإذا لم يلزم تساويها في المقدار لم يجب أن يقوم بعضها مقام بعض فلا يلزم جواز التفرق والانحلال فحاصله أن هذه الأجزاء إن قدرها منقسمة جاز اختلاف مقاديرها وأحكامها قلم يلزم قيام بعضها مقام بعض وعلى التقديرين يبطل ما ذكره من لزوم التفرق والانحلال الوجه العاشر أن يقال الذات التي هي واجبة الوجود بنفسها وصفاتها لازمة لها لا يجوز أن توصف بما توصف به الذات الممكنة الجائزة وذلك لأن الأجسام المخلوقة لها أبعاض وصفات فيجوز أن الله يفرق بين أبعاضها ويجوز أن يزيل صفاتها عنها كما يجوز أن يعدمها والله سبحانه وتعالى

стр. 2113

لا يجوز عليه العدم ولا يجوز أن تفارقه صفاته الذاتية فبتقدير أن يكون على العرش وهو عظيم يتميز منه جانب عن جانب يكون ما هو داخل في مسمى اسمه من الأمور اللازمة التي لا يجوز أن تفارق ذاته ويكون ما هو موصوف به من الاجتماع والاتصال أمراً واجباً لذاته لأنه الصمد كما تقدم وهذا ظاهر وإن كان واجباً فبتقدير تماثل الأبعاض مع هذا لا يستلزم جواز التفرق لأن وجوب الاجتماع والاتصال يوجب أن يكون مكان كل واحد وحيزه داخلاً في عينه الحاصلة والمثلان لا يجب أن يوصف أحدهما بما يوصف به خصوص عينه ولأن الموجب للاجتماع والاتصال ما تستحقه الذات من وجوب وجودها بصفاته اللازمة وإذا كان كذلك فصار المتلاقيان متباعدين والمتباعدان متلاقيين بغير اجتماع الذات واتصالها عما كان عليه فلم يقم أحدهما مقام الآخر ولا يسد مسده فلا يكونان مثلين وهذا يتقرر بالوجه الحادي عشر وهو أن يقال هب أن الأجزاء متماثلة فقولك والمثلان يصح على كل واحد منهما ما يصح على الآخر فعلى هذا يلزم القطع بأنه يصح على المتلاقيين أن يصيرا مباعدين وعلى المتباعدين أن يصيرا

стр. 2114

متلاقيين وذلك يقتضي جواز الاجتماع والافتراق وإنما يكون كذلك لو كانا بعد تغيرهما بالتباعد والتلاقي يبقى تماثلهما وليس كذلك بل إذا تفرق أجزاء الذات المجتمعة تغيرت الأجزاء ولم تبق بعد الافتراق كما كانت حال الاجتماع وهذا مشهود في الأجرام المخلوقة فإن اجتماع بعضها ببعض يوجب لها من القوة وغيرها من الصفات ما لا يوجد عند الافتراق حتى إن من أحكامها وأحكام الذات التي هي أبعاضها ما لا يصح إلا عند الاجتماع والتفرق يبطل ذلك وإذا كانت بالتفرق تخرج عما كانت عليه حين الاجتماع لم يلزم من تماثلهما جواز تفرقها لأن التفرق يخرجها عن المماثلة فيكون التقدير إذا كانت متماثلة وجب أن تصير غير متماثلة يقرر هذا بالوجه الثاني عشر وهو أن كل جسم مؤلف هو يشتمل على جواهر منفردة كما ذكر وهي متماثلة كما ذكر والمثلان يصح على كل واحد منهما ما صح على الآخر فيقال لا يخلو إذا تفرقت هذه الأجزاء أن تكون حين افتراقها كما كانت حين اجتماعها أو لا تكون فإذا كانت كذلك لزم أن يكون كل جسم في العالم إذا افترقت أجزاؤه إلى الجوهر المنفرد أن يكون حال تلك الجواهر حينما كانت متصلة وهي تلك الذات كحالها حين تفرقها وفساد هذا معلوم بالحس والبديهة فإن

стр. 2115

الجسم ليس هو إلا تلك الجواهر وتركيبها فإذا فرض أن حالها مع زوال التركيب كحالها مع التركيب وجب أن تكون موصوفة حال افتراقها بما كانت موصوفة به حال اجتماعها وهذا معلوم الفساد بالحس والبديهة لأن عامة الأجسام إذا تفرقت أجزاؤها بطل عامة صفاتها وأحكامها وإذا كانت حين افتراقها بخلاف ما كانت حين اجتماعها لم يلزم من تماثلها جواز افتراقها لأن ذلك يقتضي اختلاف حالها وليس الشيء إلى مثله بأقرب منه إلى نفسه فإذا كان الشيء إذا خالف غيره بشيء لم يجب أن يكون مثله فالشيء الواحد إذا وجب بانتقاله من حيز إلى حيز اختلاف حقيقته أن لا يجب ذلك فيه بطريق الأولى وحينئذ فيقال الوجه الثالث عشر وهو أن تماثلهما يوجب اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع عليها والواحد منها يمتنع عليه أن يفارق عينه لأن ذلك يقتضي استحالته وتغيير حقيقته والواجب الوجود لا يجوز عليه ما يفضي إلى استحالته وتغيير حقيقته فإذاً مع تماثلهما يجب اشتراكها في امتناع استحالتها وتغيير حقيقتها وذلك يقتضي تماثلها في امتناع الافتراق عليها لأن الافتراق يبطل حقيقتها وهذا يظهر بالوجه الرابع عشر وهو أن صفات الجسم

стр. 2116

المخلوق وأعراضه يجوز أن يفرقها الله تعالى فإن اقتضى ذلك استحالته وتغير حقيقته لأن الله تعالى قادر على ذلك ف محذور فيه وأما صفات الرب كحياته وعلمه وقدرته فلا يجوز أن تفارق ذاته لأن ذلك يلزم استحال الرب وتغير حقيقته وذلك محال فزوال صفاته الذاتية محال ولا يلزم إذا كان غيره من الموجودات يجوز أن تفارقه صفاته أن يقال في حق الله تعالى يجوز أن تفارقه صفاته وكذلك إذا كان غيره من ذوات الأقدار يجوز أن تتفرق أبعاضه لأن ذلك يقتضي تغير حقيقته وهو محال وإذا قيل الأبعاض متماثلة كان هذا مما يوجب اشتراكها فيما يمتنع عليها من العدم وتغير الحقيقة كما أن الصفات مشتركة في ذلك وإن كانت غير متماثلة فالأبعاض المتماثلة أولى بالاشتراك في ذلك الوجه الخامس عشر أن يقال قولك إما تكون متماثلة الماهية أو مختلفة الماهية تقسيم غير حاصر لأن التماثل والاختلاف فرع التغاير ونحن لا نسلم أن الواحد منها يقال إنه عين الآخر حتى يقال إنه مثله أو خلافه ولا يقال هو هو كما يقوله كثير من الصفاتية أو أكثرهم في العلم والقدرة والحياة إن أحدها وإن

стр. 2117

لم يكن عين الآخر فلا يقال إنه غيره ولا أنه مثله ولا خلافه لأن التماثل والاختلاف فرع التغاير فإن الغيرين إما أن يكونا مثلين أو خلافين والخلافان إما أن يكونا ضدين أو خلافين غير ضدين وإذا كان كذلك فالمتغايران ما يجوز وجود أحدهما دون الآخر ولا ينقض هذا بالخالق والمخلوق فإن الله يجوز وجوده بدون المخلوق وصفات الحق لا يجوز وجود بعضها دون بعض فلا تكون متغايرة ولا توصف بتماثل ولا اختلاف الوجه السادس عشر هب أن يقال إنها غير متماثلة بل هي مختلفة أو بعضها مختلف وبعضها غير مختلف حيث وردت النصوص بأسماء تقتضي حقائق غير متماثلة كقوله تعالى مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص ٧٥] وقوله وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴿٢٧﴾ [الرحمن ٢٧] وقوله وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴿٣٩﴾ [طه ٣٩] وقول النبي ﷺ المقسطون

стр. 2118

على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين وقوله يقبض السموات بيمينه والأرض بيده الأخرى وفي رواية

стр. 2119

في الصحيح والأرض بشماله إلى سائر ما ورد في هذا الباب مما يطول وصفه فإما أن يجب تحللها إلى أجزاء متماثلة أو لا يجب فإن وجب ذلك جاز على كل شيئين مختلفين أن يصيرا متماثلين بل وجب منهما أن يكونا متماثلين فإنه إذا وجب تحللهما إلى الأجزاء المتماثلة التي يجوز على كل واحد منهما ما يجوز على الآخر فقد وجب أن يجوز على أجزاء كل واحد ما جاز على الآخر ومن الجائز على أجزاء كل واحد التباعد والتلاقي كما ذكره فيجب فيه جواز تفرق أجزائه وجواز أن يسد كل واحد منهما مسد الآخر وذلك يستلزم أن يجوز على كل مختلفين أن يكونا متماثلين فقد اشتركا في أنه يجوز أن يجب ويمتنع ويجوز على أحدهما ما جاز على الآخر فإذا اشتركا في جواز ذلك لزم من ذلك محالات منها أن يشتركا في جواز الممتنع والجائز لا يكون ممتنعاً بل هو نقيضه فيكونا قد اشتركا في جواز النقيضين عليهما

стр. 2120

وأيضاً فإنه إذا جاز على أحدهما ما يجوز على الآخر ووجب ما يجب له وامتنع عليه ما يمتنع عليه ولو بواسطة يتماثلان فيها لزم أن يكونا متماثلين وذلك يقتضي أن يكون كل مختلفين متماثلين وهذا قلب للحقائق وتبديلها وهو من أعظم السفسطة وهذا على أصله لازم من وجه آخر فإن عنده جميع الأجسام متماثلة فإذن ليس في الأشياء التي لها أجزاء أشياء مختلفة بحال فقوله تلك الأجزاء إما أن تكون متماثلة أو مختلفة إنما هو تقدير وإلا فعلى أصله لا تكون إلا متماثلة ليس في الأجسام عنده ما هو غير متماثل وإن كان في هذا من السفسطة ومكابرة الحس والعقل ما فيه مع مخالفة نصوص القرآن التي تثبت عدم تماثل الأجسام كقوله تعالى يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴿٣٨﴾ [محمد ٣٨] ونحو ذلك مما تقدم ذكره وإن لم يجب تحللها إلى أجزاء غير منقسمة بطل ما ذكرته الوجه السابع عشر أن يقال قولك كل جسم مركب من أجزاء مختلفة الماهية فإنه لابد أن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء لا تركب فيها يصح أن يمس كل منهما بيمينه ما يمسه

стр. 2121

بيساره لا يخلو إما أن يدخل رب العالمين في هذه القضية على تقدير كونه على العرش أو لا يدخله فإن لم يدخله لم يكن هذا حجة ولم يكن في هذا الكلام فائدة وإن أدخله في هذا القياس الشمولي فقد ضرب لله مثلاً بكل جسم حقير وغير حقير حين مثَّله بالبعوضة ونحوه مما فيه أجزاء مختلفة وهذا فيه إشراك بالله تعالى وعدل لله وجعل أنداد له وجعل سمي له وكل ذلك ممتنع على الله تعالى ولا يقال هذا إنما هو إشراك به وتمثيل على هذا التقدير لأنه يقال بطلان هذا التقدير يكون ممكناً إمكاناً ذهنيّاً فيجوز أن يكون ثابتاً في نفس الأمر فلا يجوز أن يُجعل لله شريكٌ على تقدير يجوز أن يكون ثابتاً في نفس الأمر قبل أن يعلم انتفاؤه وإذا علم انتفاؤه لم يكن هذا موجباً للعلم بانتفائه لكن قد يقال هذا دليل ثانٍ فيقال هذا التقدير عند منازعيك حق لأن القرآن والعقل قد دل على أن الله فوق العرش فإذا كنت قد جعلت لله أنداداً وأمثالاً وسميّاً على هذا التقدير الذي ثبت بالكتاب والعقل فقد ثبت بالكتاب والعقل أنك جعلت لله عدلاً وسميّاً ومثلاً أيضاً فيقال لك في

стр. 2122

الوجه الثامن عشر من أين لك إذا كان الله فوق العرش وقلت كونه يجب أن يكون جسماً فيه حقائق غير متماثلة أن يكون مساوياً لجميع الأجسام المؤلفة من أجزاء مختلفة ليس العلم بهذا إلا محض قياس الله تعالى على خلقه وتمثيله بهم وهو باطل وتقرير ذلك بالوجه التاسع عشر وهو أن يقال ما تنازع فيه الناس من الصفات نفياً وإثباتاً هل يسوغ لمن يثبته أن يمثل الله بما ثبت له من تلك الصفات من جميع المخلوقات أم لا يسوغ ذلك فإن ساغ ذلك ساغ أن يقال لو كان عالماً لكان بمنزلة جميع العلماء ولو كان حيّاً لكان بمنزلة جميع الأحياء بل يقال هذا فيما لا نزاع فيه مثل أن يقال لو كان موجوداً لكان بمنزلة سائر الموجودات بل يقال لو كان في الوجود موجود واجب لكان بمنزلة سائر الموجودات ومعلوم أن هذا باطل بالبديهة والحس فبطل إذا كان جسماًَ فيه حقائق أن يكون كسائر الأجسام المختلفة الأجزاء فإن قلت الفرق بينهما أن الأجسام متماثلة بخلاف العالمين والقادرين والموجودات قيل هذا باطل كما تقدم ثم إنه غير نافع لأن غاية هذا التقدير الذي نتكلم عليه أن

стр. 2123

تكون فيه أجزاء مختلفة الماهية وإذا كانت أجزاء الجسم مختلفة الماهية فهي مخالفة لغيره من الأجسام بطريق الأولى والأحرى وإذا كان الكلام على تقدير أن لا تكون الأجسام أجزاؤها متماثلة لم يجز أن تحتج على هذا التقدير بما يستلزم تماثل الأجسام لأنه يكون جمعاً بين النقيضين فظهر أنه إذا قيل هذا التقدير فكل جسم مركب من أجزاء مختلفة لم تعلم هذه القضية الكلية إلا بمحض تمثيل الله بخلقه المستلزم أن يمثل إذا سمي باسم أو وصف بوصف بكل مسمى أو موصوف بذلك الاسم والصفة وأن يكون مثله في حقيقته وفساد هذا معلوم بالبديهة والحس وهو من أعظم وأغلظ الكفر ولهذا كانت الأمثال المستعملة في جانب الربوبية في الكتاب والسنة وكلام العلماء هي من باب الأولى وهو أن ينزه بعض خلقه عن بعض كالشريك والبنات والفقر فيقال الله أحق بهذا التنزيه عن ذلك أو يوصف بعض خلقه بصفة كمال كالعلم والقدرة والكلام فيقال الله أحق بذلك وهذه طريقة الأنبياء وأتباعهم أما إدخال الله وغيره من المخلوقات تحت قضية كلية تتضمن قياس

стр. 2124

شمول وكل قياس شمول متضمن لقياس تمثيل فإن هذا

стр. 2125

لا يجوز لا لما يثبت من الصفات ولا لما ينفي الوجه العشرون يقال لك لا نسلم أن كل جسم مركب من أجزاء مختلفة الماهية فلابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء مبرأة عن التركيب يصح أن يماس كل واحد ما يماسه الآخر فإن اعتصمت في هذا بقياس الغائب على الشاهد ذكرت لك الفوارق من وجوب وجود احدهما وقدمه وغناه وغير ذلك دون الآخر كما يفعل في سائر الأقيسة الفاسدة وليس معك حجة على هذا العموم سوى ما يحتاج فيه إلى القياس وهذا يظهر بالوجه الحادي والعشرين وهو أن يقال ما تعني بتحليل تركيبه إلى أجزاء أتعني به أنه لابد أن يتفرق أو يقبل التفرق إلى تلك الأجزاء فهذا ممنوع وهو محل النزاع فكيف تحتج بالشيء على نفسه فتصادر على المطلوب أم تعني بالتحليل اشتماله على الأجزاء كاشتمال الأصل على هذا الجزء وغيره فلا يخلو إما أن يريد بالجزء المبرأ عن التركيب أن يكون بسيطاً عن ذلك التركيب وإن كان أجزاءً متشابهة أو يريد به

стр. 2126

أنه لا تركيب فيه بحال فإن أردت هذا فيكون مضمون الكلام أنه لابد وأن يكون فيه الجوهر الفرد وأنت قد وافقت أذكياء العالم على التوقف في إثبات الجوهر الفرد وإن كان ثبوته غير معلوم لك لم يجز أن تدعي في جسم من الأجسام المختلفة وجوب اشتماله على الأجزاء التي لا تركب فضلاً عن أن تدعي ذلك في رب العالمين وأيضاً فإنك قد ذكرت بعد هذا أن كل واحد من تلك الأجزاء البسيطة لابد أن يماس كل واحد بيمينه شيئاً وبيساره شيئاً آخر لكن يمينه مثل يساره وهذا تصريح منك بأنه يقبل القسمة وأنه يشتمل على شيئين متماثلين وهذا ينفي الجوهر الفرد فقوله لابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد منها مبرءاً عن هذا التركيب لأن التركيب عبارة عن اجتماع الوحدات مع قوله إذا ثبت هذا فنقول إن كل واحد من تلك الأجزاء البسيطة لابد وأن يماس كل واحد منها بيمينه شيئاً غير ما يماسه بيساره إثبات التركيب في البسيط المبرأ عن التركيب وهو الجوهر الفرد فيكون لازمه بين إثبات الجوهر

стр. 2127

ونفيه وذلك تلازم بين النقيضين وإن أراد المبرأ من التركيب من الأجزاء المختلفة وبالبسيط بما ليس فيه ذلك التركيب وذلك لا يستلزم أن يكون كل جزء جوهراً فرداً بل يكون كل من تلك الأجزاء بسيطا بحيث يكون في البسيط أجزاء مختلفة وهذا هو اقرب إلى إرادته فيقال لك تلك الأجزاء البسيطة هي في أنفسها مختلفة الحقائق كما ذكرت وإذا كانت مختلفة الحقائق لم يمتنع أن تشترك فيما يجب ويجوز ويمتنع وإذا امتنع أن تشترك في ذلك لم يلزم أن يماس أحدهما ما يماس الآخر وإذا فرض أن جوانب أحدهما متساوية إما لاستدارتها وإما لتساوي يمينها ويسارها لكن إن ما يجب أن يمس بيمينه ما يمس بيساره إذا كان ذلك الممسوس يجوز أن ينتقل عن يمين هذا على يساره وينتقل عن مماسة ما كان يماسه إذا كان عن يمين هذا إلى مماسة ما يماسه إذا صار عن يساره فإنه مع مماسته لهذا لابد أن يماس غيره وذلك إنما يصح أن لو كان يمين الأول ويساره من الآخر متماثلة والتقدير أن الأجزاء مختلفة في الحقائق فلا يلزم وإن كان كل منها بسيطاً متشابه الأجزاء إنما يباين جوهراً منها ما باين غيره إذ هذا غير معلوم إلا إذا كانت متماثلة والتقدير أنها

стр. 2128

مختلفة فوجب القطع بأن ما كان عن يمين أحدهما لا يلزم جواز كونه عن يساره نقيض ما ذكره فإنه إنما ذكر تساوي جانبي الممسوس لا الوسط وأغفل اختلاف جانبي المماسين وأن هذا المنتقل لابد أن يزيل واحداً عن حيزه وأن يماس حيزاً يخالف في الحقيقة الحيز الذي كان يماسه وهذا بيِّنٌ ولا حول ولا قوة إلا بالله

стр. 2129

فصل قال الرازي البرهان الثامن لو كان علو الباري على العالم بالحيز والجهة لكان علو تلك الجهة أكمل من علو الباري وذلك لأنه بتقدير أن تحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفاً بالعلو على العالم أما تلك الجهة التي في جهة العلو فلا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو فثبت أن تلك الجهة عالية على العالم لذاتها وثبت أن الحاصل في تلك الجهة يكون عالياً لا لذاته لكن تبعًا لكونه حاصلاً في تلك الجهة العالية على العالم وإذا كان كذلك فحينئذ يلزم أن يكون الباري ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره وذلك محال فثبت أنه يمتنع أن يكون علوه على العالم بالجهة والحيز وذلك هو المطلوب والكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال ومن الذي قال إن علو الباري على العالم شيء موجود منفصل عنه أو بشيء منفصل عنه مطلقاً هذا

стр. 2130

لا يقوله المنازع ولا يحتاج أن يقوله بل عندهم أن ذات رب العالمين فوق العالم وأنه العلي الأعلى المتعال بذاته لا يحتاج علوه إلى شيء غيره أصلاً ولا يكون علوه بشيء منفصل عنه وما علمت أحداً من هؤلاء يقول إنه يحتاج في علوه إلى شيء منفصل عنه وقول القائل إنه على العالم بالجهة والحيز لا يقتضي وجود شيء غير نفسه وغير العالم فإن الجهة من الأمور الإضافية كما تقدم والحيز يراد به ما هو داخل في مسمى اسمه وليس شيئاً خارجاً عنه ويراد به تقدير المكان وليس ذلك شيئاً وجوديًّا بل لا حقيقة له بحال إلا أنه مقدر مفروض كما يقدر الزمان قبل العالم وإنما يقصدون بهذه العبارة أنه بذاته فوق العالم ليست فوقيته مجرد القدرة كما تقوله الجهمية وإذا كان كذلك فليس هناك شيء هو أعلى من الله تعالى أو شيء يحتاج الله إليه في علوه بل الأمر عندهم كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح أنت الظاهر فليس فوقك شيء وقد تقدم

стр. 2131

الكلام على هذا غير مرة اعتراف هذا بأن الجهة والحيز ليس أمراً وجوديًّا وأنه ليس وراء العالم إلا العدم المحض فكيف يقال إن علو العدم المحض أكمل من علو الباري والعدم المحض لا حقيقة له بحال ولا وجود بل أحقر حقير في العالم وأسفل سافل هو خير منه ولا يوصف لا بعلو في الحيز ولا بسفول ولا شيء من ذلك الوجه الثاني قوله إنه بتقدير أن يحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفاً بالعلو على العالم وتلك الجهة لا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو يقال له قد قررت فيما تقدم أن العالم كري الشكل وإذا كان كذلك لم يكن له يمين ولا يسار بل ليس له إلا جهة المحدب وهو المحيط والباري خارج العالم فيمتنع أن يكون الباري إلا فوق العالم

стр. 2132

فقولك بعد هذا إذا كان عن يمين العالم أو يساره أسقط من قولك إذا كان داخل العالم فإن العالم له داخل وأما يمين أو يسار فليس له وفرض وجود موجود داخل العالم ممكن وفرض وجود موجود عن يمينه ويساره غير ممكن كما قررته الوجه الثالث هب أن سطوح العالم سميته يميناً أو يساراً مع كونه مستديراً بالنسبة والإضافة لكن سطوح العالم مستوية في العلو فليس شيء أعلى مما تقدره يميناً أو يساراً وقد ذكرنا فيما مضى قول النبي ﷺ إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن فجعل الأعلى هو الأوسط وذكرنا أن هذا لا يتأتى إلا في الجسم المستدير لأنه يمكن أن يجعل وسطه أعلاه وكذلك ما يفرض متيامناً فيه أو متياسراً هو أيضاً يكون أعلاه وإن لم يكن وسطه فقوله بتقدير أن تحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفاً بالعلو على العالم كلام باطل قد قرره هو وكما اتفق عليه أهل الحساب بل قد أخبر النبي ﷺ أن عرشه على سمواته مثل القبة وقد قدمنا دلالة الكتاب والسنة والإجماع من الحساب العقلي على أن الأفلاك

стр. 2133

مستديرة فبطل ما ذكره الوجه الرابع هب أنه يمكن فرض متيامناً عن العالم أو متياسراً وأنه لا يكون حينئذ فوق العالم فقد لا يسلم المنازع أن هذا الفرض يمكن في حق الله تعالى لأنه العلي الأعلى الذي يستحق العلو لذاته ولا يلزم من جواز انخفاض غيره عن بعض الموجودات جواز انخفاضه هو وإذا كان هذا الفرض غير معلوم الجواز أو هو ممتنع في حق الله تعالى لم يكن ما يلزم عليه لازماً لأن التقدير الممتنع يلزمه حكم ممتنع كما لو فرض أنه معدوم أو أنه غير عالم أو أن العالم فوقه أو أنه محتاج إلى خلقه وغير ذلك الوجه الخامس أن هذا الفرض هب أنه ممكن أو يقدر تقديراً فلِمَ قيل إن ما يكون متيامناً عن العالم أو متياسراً ولو كان غير الله يكون فوقه شيء قوله لأن تلك الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو يقال هذا تخليط فقولك الجهة التي في جهة العلو يقتضي شيئين أحدهما في الآخر وقولك لا يمكن فرض وجودها يقتضي أنها شيء موجود وقولك خالية عن العالم يقتضي أن فوق العالم شيء غير الله وهو موجود موصوف في العلو وهذا باطل بل كفر بإجماع المسلمين فإن الله خالق كل شيء

стр. 2134

والعالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى فلو كان فوقه شيء موجود غير الله لكان ثَمّ موجود غير الله لم يخلقه الله بل هو مستغنٍ عن الله لا سيما وقد جعلت الله محتاجًا إليه وهذا لا يقوله عاقل فضلاً عن أن يقوله مسلم وقد تقدم الكلام على هذا بأبسط من هذا لما ذكر أن الله يحتاج إلى حيز في الأدلة العقلية ولما ذكر أن الحيز منها في الأدلة السمعية وفي غير ذلك الوجه السادس أنا قد قررنا غير مرة أنه ليس فوق العالمين إلا رب العالمين وليس هناك غيره ولا شيء يشاركه في العلو غيره بوجه من الوجوه فضلاً عن أن يكون هناك ما هو عالٍ عليه فقوله الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو يقال له لا جهة هناك إلا الله فهو الذي يشار إليه موجوداً والإشارة إلى موجود غيره هناك ممتنعة فإن كنت تعتقد أن هناك موجوداً يشار إليه فأبطل ما تعتقده وإلا فالناس لا يعتقدون هذا ومنازعة الإنسان فيما لا يعتقده تضييع زمان ونوع من الكذب والبهتان الوجه السابع قولك إن الحاصل في الجهة يكون عالياً

стр. 2135

لا لذاته لكن تبعاً لكونه حاصلاً في تلك الجهة العالية على العالم ممنوع بل باطل لأنه استحق العلو بذاته لا لأمر منفصل عنه كما استحق الأزلية بنفسه لا لأمر منفصل عنه فقول القائل إن علوه تبع لعلو الجهة كقوله إنه قديم لقدم الزمان وكلٌ من الخيالات الفاسدة بل هو الأول بنفسه الذي ليس قبله شيء وهو الآخر بنفسه الذي ليس بعده شيء وهو الظاهر بنفسه الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن بنفسه الذي ليس دونه شيء الوجه الثامن هب أن الجهة في العلو أو الدهر في القدم شيء موجود تبع له فوجوده تبع لوجود الحق لا أن علو الحق وقدمه تبع له فإن ذلك يكون داخلاً في مسمى نفسه كما يقال إن الحيز هو جوانب المتحيز فإن كون الدهر هو عبارة عن قدمه فقدمه وحيزه داخل في مسماه وصفة من صفاته فلا يكون هو سبحانه تبعًا لصفاته ولو قدر شيئاً خارجاً عن صفاته لكان وجوده تابعاً لوجود الحق وكان الحق

стр. 2136

هو الموجب له فكيف يكون عالياً لا لذاته لكن تبعاً لكونه حاصلاً في تلك الجهة وهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه مفتقر إليه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والعادلون به علوًّا كبيراً فإن كلام هذا وأمثاله عدل بالله وإشراك به وجعل أنداد له وضرب أمثال له حيث جعل علوه وفوقيته على العالم بمنزلة علو الملك على سريره أو هو في هواء سطحه الذي قد سفل الرجل عنه فيكون دونه ويكون ذاك باقياً على علوه وجعل علوه محتاجاً إلى ما يعلوه به كما يحتاج الإنسان إلى السطح أو السرير فكلامه في علو الله تعالى يوجب أنه جعله مثل هذا العلو يجمع من التمثيل لله والعدل به ابتداءً ومن جحد علوه المستلزم لجحود ذاته انتهاءً ولهذا كان السلف والأئمة يصفون هؤلاء بالأمرين بأنهم ممثلون عادلون بالله

стр. 2137

وبأنهم معطلون جاحدون لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهذا الذي قاله السلف والأئمة يلزمهم لزوماً لا محيد عنه وقد يظهر هذا تارة وكثيراً ما يظهر الأمران ولا ريب أنهم إنما عدلوا به في هذه المعاني لينفوها عنه ظانين أن هذا تنزيه لله وتقديس لم يقصدوا أن يثبتوا له مثلاً ولكن قدر المثل لينفوه لكن لزمهم التمثيل من وجهين أحدهما أنهم سووا بين الله وبين غيره في هذه المقاييس الشمولية المنطقية وهي الأمثال التي ضربوا له فجعلوه فرداً من أقراد تلك الأمور العامة وحكموا عليه بمثل ما حكموا به على سائر الأفراد حيث قالوا كل ما كان فوق غيره فلابد أن يكون كذا أو كل ما كان كذا فلابد أن يكون كذا وأيضا فإنهم مثلوه بغيره على ذلك التقدير وهو لا يكون مثلاً لغيره لا تحقيقاً ولا تقديراً من التقادير التي يقع فيها شبهة ونزاع على ذلك التقدير فـ علم أن له من الخصوص ما يقطع مماثلته لغيره الوجه الثاني أن هذه المعاني التي ينفونها هي ثابتة في نفس الأمر معلومة بالكتاب والسنة وبالفطرة والعقل وبالقياس أيضاً فإذا مثلوه فيها بالمخلوقات فقد صرحوا بجعل الأنداد

стр. 2138

له الأمثال والأسماء ثم إنهم عطلوا فجحدوا الحقائق التي هي ثابتة للرب وعطلوا ما في الكتاب والسنة والإجماع من بيان ذلك والدلالة عليه وعطلوا ما في القلوب من المعرفة الفطرية والقياسية فصاروا معطلين للحقيقة الخارجية والعلوم الثابتة بالنبوات المعروفة بالقلوب فعطلوا الشرع والعقل جميعاً مع دعواهم العقليات كما عطلوا التوحيد مع دعواهم أنهم هم الموحدون الوجه التاسع أن يقال قد قلت لو كان علو الباري على العالم بالحيز والجهة لكان علو الجهة أكمل من علو الباري ولم تذكر على ذلك حجة إلا قولك لأنه بتقدير أن تحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفاً بالعلو على العالم أما تلك الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو فثبت أن تلك الجهة عالية عن العالم لذاتها وثبت أن الحاصل في تلك الجهة يكون عالياً لا لذاته لا تبعاً لكونه حاصلاً في الجهة

стр. 2139

فيقال لك أنت قد قدرت تقديراً أن الباري عن يمين العالم أو عن يساره ولم تذكر دليلاً على امتناع ذلك في الجهة وكل واحدة من هاتين الدعوتين ممنوعة فلا نسلم لك إمكان هذا التقدير في حق الباري ولا امتناعه في الجهة أو لا أسلم لك مجموع إمكان هذا وامتناع هذا بل قد يشتركان في الإمكان أو الامتناع فهذا المنع له ثلاث موجبات أحدها إمكانهما جميعاً والثاني امتناعهما جميعاً والثالث إمكان تيامن الجهة وتياسرها وامتناع تيامن الباري وتياسره فلم تذكر حجة تنفي واحداً من هذه الوجوه ونحن نذكر توجيه هذه الأجوبة فنقول الوجه العاشر أن الجهة والحيز إما أن تكون وجودية أو عدمية فإن كانت عدمية لم يجز أن توصف بعلو على العالم ولا سفول ولا يقال إن علو الباري تبع لها ولا أنه محتاج إليها ولا شيء من هذه الأمور فبطلت الحجة وإن كان الحيز والجهة أمراً وجوديًّا فمن المعلوم أنه إذا قدر تيامن الرب وتياسره فتقدير تيامن ذلك الشيء الموجود المسمى بالحيز والجهة أولى بالتيامن والتياسر فإن ذلك إن كان من صفات الرب الداخلة في مسمى اسمه فهي تبع له وإن كان

стр. 2140

شيئاً منفصلاً كالعماء أو العرش أو ما يقدر فإن تقدير التحول على هذا أولى من تقديره على الله فإن انتقال هذا وتحوله أولى بالجواز من انتقال الله تعالى وتحوله ولهذا لم ينازع في هذا المسلمون الذين ينازعون في جواز الحركة والانتقال على الله بل يجوزون ذلك على العرش وغيره وينازعون في جوازه على الله فظهر أن تقدير تيامن الحيز والجهة وتياسره أولى من
следующие страницы →