Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
ذلك يقتضي نفي حياته وقدرته كما تقدم حكاية قولهم ويقولون اختصاصه بحيز دون حيز هو نسبة وإضافة إلى ذلك الحيز والأمور الإضافية لا يمنع تجددها ولا زوال المتقدم منها باتفاق العقلاء فإن الحيز العدمي الذي هو تقدير المكان يجري فيه القولان في العرش ونحوه فمن قال الاستواء عليه مجرد نسبة أمكن أن يقول ذلك هنا ومن قال إن فيه حركة قال بذلك هنا الوجه السادس والعشرون قولك حصوله في الحيز إما أن يكون واجباً وإما أن يكون غير واجب يقول لك المنازع قولاً مفصلاً الاختصاص بأصل الحيز واجب أما تعين حيز دون حيز فهو ممكن ليس بواجب وذلك لأن الحيز في الاصطلاح المشهور للمتكلمين هو تقدير المكان وهم يقولون إن كل متحيز يستلزم نوع التحيز وأما الحيز المعين فيجوز أن ينتقل عنه المتحيز كما لو شاء الله تحويل العالم من حيز إلى حيز ثم لهم هنا قولان
стр. 2207
أحدهما أن اختصاصه بذلك الحيز المعين مجرد نسبة وإضافة وإذا كان تجدد النسب والإضافات له وزوالها من الأمور الموجودة جائز باتفاق العقلاء فحدوث هذه النسب وزوالها عما هو تقدير المكان بطريق الأولى والأحرى الثاني أن يقال أكثر ما في ذلك الحركة وهذا جائز كما تقدم في قولهم استوى على العرش بعد أن لم يكن مستوياً عليه وأنه يجيء يوم القيامة ويأتي ونحو ذلك
стр. 2208
فصل قال الرازي الفصل الخامس في حكاية الشبه العقلية في كونه تعالى مختصاً بالحيز والجهة الشبهة الأولى لهم أنهم قالوا العالم موجود والباري موجود وكل موجودين فلابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بجهة من الجهات الست ولما لم يكن الباري محايثاً للعالم وجب كونه تعالى مبايناً عن العالم بجهة من الجهات الست وإذا ثبت ذلك وجب كونه تعالى مختصاً بجهة الفوق
стр. 2209
أما قولهم إن كل موجودين فلابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بجهة فلهم فيه طريقان الطريق الأولى ادعاء البديهة إلا أنه سبق الكلام على هذه الطريقة في أول الكتاب الطريق الثاني أنهم يستدلون عليه وهو الطريق الذي اختاره ابن الهيصم في المناظرة التي حكاها عن نفسه مع ابن فورك قال الرازي أنا أذكر محصل تلك الكلمات على
стр. 2210
الترتيب الصحيح من أحسن وجه يمكن تقرير تلك الشبهة به وهو أن يقال لا شك أن كل موجودين في الشاهد فإن أحدهما لابد وأن يكون محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة وكون كل موجودين في الشاهد كذلك إما أن يكون لخصوص كونه جوهراً أو لخصوص كونه عرضاً أو لأمر مشترك بين الجوهر والعرض وذلك المشترك إما الحدوث وإما الوجود والكل باطل سوى الوجود فوجب أن تكون العلة لذلك الحكم هو الوجود والباري تعالى موجود فوجب الجزم بأنه تعالى إما أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة قال واعلم أن هذا الكلام لا يتم إلا بتقرير مقدمات نحن نذكرها وتلك الوجوه التي يمكن ذكرها في تقرير تلك المقدمات أما المقدمة الأولى وهي قولنا إن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه
стр. 2211
بالجهة لابد له من علة والدليل عليه هو أن المعدومات لا يصح فيها هذا الحكم وهذه الموجودات يصح فيها هذا الحكم فلولا امتياز ما صح فيه هذا الحكم عما لا يصح فيه هذا الحكم بأمر من الأمور وإلا لما كان هذا الامتياز واقعاً وأما المقدمة الثانية فهي في بيان أن هذا الحكم لا يمكن تعليله بخصوص كونه جوهراً ولا بخصوص كونه عرضاً فالدليل عليه أن المقتضي لهذا الحكم لو كان هو كونه جوهراً لصدق على الجوهر أن ينقسم إلى ما يكون محايثاً لغيره وإلى ما يكون مبايناً عنه ومعلوم أن ذلك محال لأن الجوهر يمتنع أن يكون محايثاً لغيره وبهذا الطريق تبين أن المقتضي لهذا الحكم ليس كونه عرضاً لامتناع أن يكون العرض مبايناً لغيره بالجهة المقدمة الثالثة في بيان أن هذا الحكم غير معلل بالحدوث ويدل عليه وجوه الأول أن الحدوث عبارة عن وجود سبقه عدم والعدم غير داخل في العلة وإذا سقط العدم عن درجة الاعتبار لم يبق
стр. 2212
إلا الوجود والثاني وهو الذي عوّل عليه ابن الهيصم في المناظرة التي زعم أنها دارت بينه وبين ابن فورك فقال لو كلن هذا الحكم معللاً بالحدوث لكان الجاهل بكون السماء حادثة جاهلاً بأن السماء بالنسبة إلى سائر الموجودات التي في العالم إما أن تكون محايثة لها أو مباينة عنها بالجهة لأن المقتضي للحكم إذا كان أمراً معيناً فالجاهل بذلك المقتضي يجب أن يكون جاهلاً بذلك الحكم ألا ترى الوجود لما كان هو المستدعي للتقسيم إلى القديم والمحدث لا جرم كان اعتقاد أنه غير موجود مانعاً من التقسيم بالقدم والحدوث فلما كان التقسيم إلى الأسود والأبيض معلقاً بكونه كان ملوناً كان اعتقاد أن الشيء غير ملون مانعاً من اعتقاد التقسيم إلى الأسود والأبيض ولما رأينا الدهري الذي يعتقد قدم السموات
стр. 2213
والأرض لا يمنعه ذلك من اعتقاد أن السموات والأرضين إما أن تكون محايثة وإما أن تكون مباينة بالجهة علمنا أن هذا الحكم غير معلل بالحدوث الوجه الثالث في بيان أن المقتضي هذا الحكم ليس هو الحدوث وقد ذكره ابن الهيصم أيضاً في تلك المناظرة وتقريره أن كونه محدثاً وصف يعلم بالاستدلال وكونه بحيث يجب أن يكون إما محايثاً أو مبايناً بالجهة حكم معلوم بالضرورة والوصف المعلوم الثبوت بالاستدلال لا يجوز أن يكون أصلاً للحكم الذي يعلم ثبوته بالضرورة فثبت بهذه
стр. 2214
الوجوه أن المقتضي لهذا الحكم ليس هو الحدوث المقدمة الرابعة وهي في بيان أنه لما كان المقتضي لهذا الحكم في الشاهد هو الوجود والباري موجود وكان المقتضي لكونه تعالى إما محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة حاصلاً في حقه فكان هذا الحكم حاصلاً هناك واعلم أنا نفتقر في هذه المقدمة إلى بيان أن الوجود حقيقة واحدة في الشاهد والغائب وذلك يقتضي كون وجوده تعالى زائداً على حقيقته فإنه ما لم يثبت هذا الأصل لم يحصل المقصود فهذا غاية ما يمكن ذكره في تقرير هذه الشبهة ومن نظر في تقريرنا لهذه الشبهة وتقريرهم لها علم أن التفاوت بينهما كبير قال والجواب أن مدار هذه الشبهة على أن كل موجودين في الشاهد فلابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو
стр. 2215
مبايناً عنه بالجهة وهذه المقدمة ممنوعة وبيانه من وجوه الأول أن جمهور الفلاسفة يثبتون موجودات غير محايثة لهذا العالم الجسماني ولا مبايناً عنه بالجهة وذلك لأنهم يثبتون العقول والنفوس الفلكية والنفوس الناطقة
стр. 2216
ويثبتون الهيولي ويزعمون أن هذه الأشياء موجودات غير متحيزة
стр. 2217
ولا حالة في المتحيز فلا يصدق عليها أنها محايثة لهذا العالم ولا مباينة عنه بالجهة وما لم يبطلوا هذا المذهب بالدليل لا يصح القول بأن كل موجودين في الشاهد إما أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه الثاني أن جمهور المعتزلة يثبتون إرادات وكراهات موجودة لا في محل ويثبتون فناءً لا في محل وتلك الأشياء لا يصدق عليها أنها محايثة للعالم أو مباينة عن العالم بالجهة فما لم يبطلوا ذلك لا تتم دعواهم الثالث أنا نقيم الدليل على أن الإضافات أعراض موجودات في الأعيان ثم نبين أنها تمتنع أن تكون محايثة للعالم أو مباينة عنه بالجهة وذلك يبطل كلامهم وإنما قلنا إن
стр. 2218
الإضافات أعراض موجودات في الأعيان وذلك لأن المعقول من كون الإنسان أباً لغيره مغاير لذاته المخصوصة بدليل أنه يمكن أن يعقل ذاته مع الذهول عن كونه أباً وابناً والمعلوم غير ما هو غير معلوم وأيضاً فإنه يمكن ثبوت ذاته منفكة عن الأبوة والبنوة مثل عيسى ﵇ فإنه ما كان أباً لأحد ولا ابناً لأحد من الذكور والثابت غير ما هو غير ثابت فكونه أباً وابناً مغايراً لذاته المخصوصة ثم هذا المغاير إما أن يكون وصفاً سلبياً أو ثبوتياً والأول باطل لأن عدم الأبوة هو الوصف السلبي والأبوة رافعة له ورافع العدم الوجود فثبت أن
стр. 2219
الأبوة وصف وجودي مغاير لذات الأب إذا ثبت هذا فنقول إنه مستحيل أن يقال الأبوة محايثة لذات الأب وإلا لزم أن يقال إنه قائم بنصف الأب نصف الأبوة وبثلثه ثلث الأبوة ومعلوم أن ذلك باطل ومحال أن يقال إنها مباينة عن ذات الأب مباينة بالجهة والحيز وإلا لزم كون الأبوة جوهراً قائماً بذاته مبايناً عن ذات الأب بالجهة وذلك أيضاً محال فثبت بهذا الدليل وجود موجود لا يمكن أن يقال إنه محايث للعالم ولا أن يقال مباين عنه بالجهة وإذا ثبت هذا بطل قولهم السؤال الثاني سلمنا أن كل موجودين في الشاهد فلابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة لكن كون الشيء بحيث يصدق عليه قولنا إما أن يكون وإما أن لا يكون إشارة إلى كونه قابلاً للانقسام إليهما لكن قبول القسمة حكم عدمي والعدم لا يعلل وإنما قلنا إن قبول القسمة حكم عدمي لأن أصل القبول حكم عدمي فوجب أن يكون قبول القسمة حكماً عدمياً وإنما قلنا إن أصل القبول حكم عدمي لأنه لو كان أمراً ثابتاً لكان صفة من صفات الشيء المحكوم عليه
стр. 2220
بكونه قابلاً والذات قابلة للصفة القائمة بهاق يكون قبول ذلك القبول زائداً عليه ولزم التسلسل وإنما قلنا إنه لما كان أصل القبول عدمياً كان قبول القسمة أيضاً كذلك لأن القبول للقسمة قبول مخصوص فتلك الخصوصية إن كانت صفة موجودة لزم قيام الوجود بالعدم وهو محال وإن كانت عدمية لزم القطع بأن قبول القسمة عدمي وإذا ثبت أنه حكم عدمي امتنع تعليله لأن العدم نفي محض فكان التأثير فيه محالاً فثبت أن قبول القسمة لا يمكن تعليله السؤال الثالث هب أنه من الأحكام الوجودية فلم لا يجوز أن يكون معللاً بخصوص كونه جوهراً أو بخصوص كونه عرضاً قوله لأن كونه جوهرياً يمنع من المحايثة وكونه عرضاً بمنع من المباينة بالجهة وما كان علة لقبول الانقسام إلى قسمين يمنع كونه مانعاً من أحد القسمين قلنا ما الذي تريدون بقولكم الوجود في الشاهد ينقسم إلى المحايث وإلى المباين بالجهة إن أردتم أن الوجود في الشاهد قسمان
стр. 2221
أحدهما أن يكون محايثاً لغيره بالجهة وهو العرض والثاني أن يكون مبايناً لغيره بالجهة وهو الجوهر وهذا مسلم لكنه في الحقيقة إشارة إلى حكمين مختلفين معللين بعلتين مختلفتين فإن عندنا وجوب كونه محايثاً لغيره معلل بكونه عرضاً ووجوب كون القسم الثاني مبايناً عن غيره بالجهة معلل بكونه جوهراً فبطل قولكم إن خصوص كونه عرضاً وجوهراً لا يصلحان لعلة هذا الحكم وإن أردتم به أن إمكان الانقسام إلى هذين القسمين حكم واحد وأنه ثابت في جميع الموجودات التي في الشاهد فهو باطل لأن إمكان الانقسام إلى هذين القسمين لم يثبت في شيء من الموجودات التي في الشاهد فضلاً عن أن يثبت في جميعها لأن كل موجود في الشاهد فهم إما جوهر وإما عرض فإن كان جوهراً امتنع أن يكون محايثاً لغيره بالجهة فلم يكن قابلاً لهذا الانقسام فثبت بما ذكرنا أن الذي قالوه مغالطة والحاصل أن هذا المستدل أوهم أن
стр. 2222
قوله الموجود في الشاهد إما أن يكون محايثاً لغيره أو يكون مبايناً عنه بالجهة إشارة إلى حكم واحد ثم بنى عليه أنه لا يمكن أن يعلل هذا الحكم بخصوص كونه جوهراً لا بخصوص كونه عرضاً ونحن بينا أنه إشارة إلى حكمين مختلفين معللين بعلتين مختلفتين السؤال الرابع سلمنا أنه لا يمكن تعليل هذا الحكم بخصوص كونه جوهراً ولا بخصوص كونه عرضاً فلم قلتم إنه لابد من تعليله إما بالحدوث وإما بالوجود وما الدليل على هذا الحصر أقصى ما في الباب أن يقال سبرنا وبحثنا فلم نجد قسماً آخر إلا أنا بينا في الكتب المطولة أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود وشرحنا أن هذا السؤال هادم لكل دليل مبني على تقسيمات منتشرة غير محصورة بين النفي والإثبات
стр. 2223
السؤال الخامس سلمنا أن عدم الوجدان يدل على عدم الوجود لكن لا نسلم قولكم أنا ما وجدنا لهذا الحكم علة سوى الحدوث والوجود بيانه من وجهين أحدهما أن من المحتمل أن يقال المقتضي لقولنا إن الشيء إما أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً عنه هو كونه بحيث تصح الإشارة الحسية إليه وذلك لأن كل شيئين تصح الإشارة الحسية إليهما فإما أن تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر وذلك كما في اللون والمتلون وهذا هو المحايثة وإما أن تكون الإشارة إلى أحدهما غير الإشارة إلى الآخر وهذا هو المباينة بالجهة فثبت أن المقتضي لقبول هذه القسمة هو كون الشيء مشاراً إليه بحسب الحس وعلى هذا التقدير ما لم يقيموا الدلالة على أنه تعالى مشار إليه بحسب الحس لا يمكن أن يقال إنه يجب أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة لكن كونه تعالى مشاراً إليه بحسب الحس وهو مما وقع النزاع فيه وحينئذ يتوقف صحة الدليل على صحة
стр. 2224
المطلوب وذلك يفضي إلى الدور وهو باطل الثاني لاشك أن ما سوى الله تعالى إما أن يكون محايثاً لغيره أو مبايناً عن غيره بالجهة ولا شك أن الله تعالى مخالف لهذين القسمين بحقيقته المخصوصة إذ لو لم يكن مخالفاً لهما بحقيقته المخصوصة لكان مثلاً للجواهر والأعراض ويلزم منه كونه تعالى محدثاً كما أن الأعراض والجواهر محدثة وذلك محال وإذا ثبت هذا فنقول إن الجواهر والأعراض يشتركان في الأمر الذي وقعت به المخالفة
стр. 2225
بينهما وبين ذات الباري فلم لا يجوز أن يكون المقتضي لقبول الانقسام إلى المحايث وإلى المباين هو ذلك الأمر وعلى هذا التقدير سقط هذا السؤال لأنه لا مشترك بين الجواهر والأعراض إلا الحدوث السؤال السادس سلمنا الحصر فلِمَ لا يجوز أن يكون المقتضي لهذا الحكم هو الحدوث قوله أولاً الحدوث ماهية مركبة من العدم والوجود قلنا كل محدث فإنه يصدق عليه كونه قابلاً للعدم والوجود وأيضاً كون الشيء منقسماً إلى المحايث والمباين معناه كونه قابلاً للانقسام إلى هذين القسمين فالقابلية إن كانت صفة وجودية كانت في الموضعين كذلك وإن كانت عدمية فكذلك ولا يبعد تعليل عدم بعدم أما قوله ثانياً لو كان المقتضي لهذا الحكم هو الحدوث لكان الجهل بحدوث الشيء يوجب الجهل بهذا الحكم قلنا الكلام عليه من وجهين الأول لِمَ قلتم إن الجهل بالمؤثر يوجب الجهل بالأثر ألا ترى أن جهل الإنسان بأسباب المرض والصحة وجهل نفاة الأعراض بالمعاني الموجبة لتغير أحوال الأجسام لا يوجب جهلهم بتلك التغيرات وجهل الدهري بكونه تعالى قادراً على الخلق والتكوين لا يوجب
стр. 2226
جهله بوجود هذا العالم الثاني لوكان الجهل بالعلة يوجب الجهل بالمعلول لكان العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول وعلى هذا التقدير لو كان المقتضي لكون الموجودين في الشاهد إما متحايثين أو متباينين بالجهة هو الوجود لزم أن من علم كون الشيء موجوداً أن يعلم وجوب كونه محايثاً للعالم أو مبايناً له لكن الجمهور الأعظم وهم أهل التوحيد يعتقدون أنه تعالى موجود ولا يعلمون أنه تعالى لابد وأن يكون إما محايثاً للعالم أو مبايناً له فوجب على هذا المساق أن لا يكون المقتضي لهذا الحكم هو كونه موجوداً وهذا السؤال قد أورده الأستاذ ابن فورك من أصحابنا على ابن الهيصم ولم يقدر أن يذكر عنه جواباً سوى أن قال يمتنع أن يحصل العلم بالأثر مع الجهل بالمؤثر وطال كلامه في تقرير هذا الفرق ولم يظهر منه شيء معلوم يمكن حكايته قوله ثالثاً كونه محدثاً وصف استدلالي وكونه إما
стр. 2227
محايثاً أو مبايناً أمر معلوم بالبديهة والوصف الاستدلالي لا يجوز أن يكون علة للحكم المعلوم بالبديهة قلنا ممنوع فإنا بينا أن المؤثر في كثير من الأشياء استدلالي والأثر بديهي السؤال السابع سلمنا أن المؤثر في هذا الحكم ليس هو الحدوث وأنه هو الوجود لكن لِمَ قلتم إنه يلزم حصوله في حق الله تعالى وبيانه أن المطلوب إنما يلزم لوكان الوجود أمراً واحداً في الشاهد والغائب أما إذا لم يكن الأمر كذلك بل كان وقوع لفظ الوجود على الشاهد والغائب ليس إلا بالإشراك اللفظي كان هذا الدليل ساقطاً بالكلية ثم إن الكرامية لا يمكنهم أن يقولوا بأن الوجود في
стр. 2228
الغائب الشاهد واحد إذ لو كان كذلك لزمهم إما القول بكون الباري تعالى مثلاً للمحدثات من جميع الوجوه أو القول بأن وجوده زائد على ماهيته والقوم لا يقولون بهذا الكلام السؤال الثامن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أن الوجود هو العلة لهذا الحكم لكن هاهنا دليل آخر يمنع منه وهو أن المقتضي لقبول الانقسام في الجوهر والعرض لو كان هو الوجود لزم في الجوهر وحده أن يقبل الانقسام إلى الجوهر والعرض وأنه محال ولزم أيضاً في العرض وحده أن يقبل الانقسام إلى الجوهر والعرض ومعلوم أن ذلك محال فإن قالوا إن كل جوهر وعرض فإنه يصح كونه منقسماً إلى هذين القسمين نظراً إلى كونه موجوداً وإنما يمتنع ذلك الانقسام نظراً إلى مانع منفك وهو خصوصية ماهيته قلنا هذا اعتراف بأنه لا يلزم من كونه الوجود علة لصحة أمر من الأمور أن يصح ذلك الحكم على كل ما كان موصوفاً بالوجود لاحتمال أن
стр. 2229
تكون ماهيته المخصوصة مانعة من ذلك الحكم وإذا كان كذلك فلِمَ لا يجوز أن يقال الوجود وإن اقتضى كون الشيء إما محايثاً لغيره أو مبايناً عنه إلا أن خصوصية ذاته تعالى كانت مانعة من هذا الحكم فلِمَ يلزم من كونه تعالى موجوداً كونه بحيث يكون إما محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة السؤال التاسع أن ما ذكرتموه من الدليل قائم في صور كثيرة مع أن النتيجة اللازمة عنه باطلة قطعاً وذلك يدل على أن هذا الدليل منقوض وبيانه من وجوه الأول أن كل ما سوى الله فهو محدث فتكون صحة الحدوث حكماً مشتركاً بينهما فنقول هذه الصحة حكم مشترك فلابد لها من علة مشتركة والمشترك إما الحدوث أو الوجود ولا يمكن أن يكون المقتضي لصحة الحدوث هو الحدوث لأن صحة الحدوث سابقة على الحدوث بالرتبة والسابق بالرتبة على الشيء لا يمكن تعليله بالمتأخر عن الشيء فثبت أن صحة الحدوث غير معللة بالحدوث فوجب كونها معللة بالوجود والله تعالى موجود فوجب أن يثبت في حقه صحة الحدوث وهو محال الثاني أن كل موجود في الشاهد فهو إما حجم أو قائم
стр. 2230
بالحجم ثم يذكر التقسيم إلى آخره حتى يكون الباري تعالى إما حجماً أو قائماً بالحجم والقوم لا يقولون به الثالث أن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه في أي جهة كان ثم يذكر التقسيم المتقدم حتى يظهر أن هذا الحكم معلل بالوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يصح على الباري كونه محايثاً للعالم أو مبايناً عنه في أي جهة كان من الجوانب التي للعالم وذلك يقتضي أن لا يكون اختصاص الله بجهة فوق بل يلزم صحة الحركة على ذات الله تعالى من الفوق إلى السفل وكل ذلك عند القوم محال الرابع أن كل موجودين في الشاهد فإنه يجب أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة والمباين بالجهة لابد وأن يكون جوهراً فرداً أو يكون مركباً من الجواهر وكون كل
стр. 2231
موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة أعني كونه عرضاً أو جوهراً فرداً أو جسماً مؤتلفاً لابد وأن يكون معللاً بالوجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم ينكرون ذلك لأنه تعالى عندهم ليس بغرض ولا بجوهر ولا بجسم مؤتلف مركب من الأجزاء والأبعاض الخامس أن كل موجود يفرض مع العالم فهو إما أن يكون مساوياً للعالم أو زائداً عليه في المقدار أو أنقص منه في المقدار وانقسام الوجود في الشاهد إلى هذه الأقسام الثلاثة حكم لابد له من علة ولا علة إلا بالوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم لا يقولون به فثبت بما ذكرنا أن هذه الشبهة منقوضة قال واعلم أنا إنما طولنا في الكلام على هذه الشبهة لأن القوم يعولون عليها ويظنون أنها حجة قاهرة ونحن بعد أن بالغنا في تنقيحها وتقريرها أوردنا عليها هذه الأسولة
стр. 2232
القاهرة والاعتراضات القادحة ونسأل الله تعالى أن يجعل هذه التحقيقات والتدقيقات سبباً لمزيد الأجر والثواب بمنه وفضله اهـ قلت والكلام على هذا مع العلم بأن المقصود ذكر القول الفصل والحكم العادل فيما يذكره النفاة من الحجج والجواب عما ذكره من جهة منازعيه ليس المقصود استيفاء حجج المثبتة بل إذا تبين أن هذا الذي هو الإمام المطلق في المتأخرين من هؤلاء النفاة المتكلمين والفلاسفة وعرف فرط معاداته لهؤلاء المثبتة الذين ذكرهم وذكر حججهم مع ما هم عليه من ضعف الحجج وقلة المعرفة بالسنن ومذاهب السلف ومع ما فيهم من الانحراف ثم تبين ظهور حججهم العقلية التي ذكرها مع السمعية على ما استوفاه من حجج النفاة العقلية والسمعية مع استعانته بكل من هو من النفاة حتى المشركين الصابئين مثل أرسطو وأبي معشر وشيعتهما من الفلاسفة
стр. 2233
والمنجمين والمعتزلة وغيرهم ومع أنه لم يبق ممكناً فيما فيه شبهة حجة عرف من الحق ما يهدي به الله من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ولا حول ولا قوة إلا بالله وقد ذكر أن لهم طريقين على أن كل موجودين فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً له أحدهما ادعاء البديهة وقد ذكر أنه سبق الكلام في ذلك فأحال على ما تقدم وقد قدمنا القول على ما ذكره هناك في مقدمة كتابه مما يبين الحق لمن له أدنى نظر ولاحول ولا قوة إلا بالله وما ذكره هنا من حكاية كلام ابن الهيصم في مناظرته لابن فورك لم يبلغنا على الوجه المفصل لكن ذكر بعض المصنفين من النفاة أيضاً أنهما تناظرا بحضرة ولي السلطان محمود بن
стр. 2234
سبكتكين وكان من أحسن ملوك أهل المشرق إسلاما ً وعقلاً وديناً وجهاداً وملكاً في آخر المائة الرابعة وكانت ملوك في خلافة القادر وكانت قد انتشرت إذ ذاك دعوة الملاحدة المنافقين الذين كانوا إذ ذاك بمصر وفد بنوا القاهرة وغيرها ولهم دعاة من أقاصي الأرض بالمشرق وغيره وكان والد ابن
стр. 2235
سينا منهم وقال ابن سينا وبسبب ذلك اشتغلت في علوم الأوائل وكان بعض المشرق وكثير من جنده يميل إليهم وفي ذلك الوقت صنف الناس الكتب في كشف أسرارهم وهتك أستارهم مثل الكتاب الذي صنفه القاضي أبو بكر
стр. 2236
الباقلاني وغيره وقد صنف مثل ذلك وبعضه كتب أخر وإنماالمقصود التنبيه على ما يتعلق بما نحن فيه وكان هذا مما دعا القادر إلى إظهار السنة وقمع أهل البدع فكتب الاعتقاد القادري المنسوب إليه وهو في الأصل من جمع الشيخ أبي أحمد القصاب وهو من أجل المشايخ
стр. 2237
وأعلمهم وله لسان صدق عظيم وأمر القادر باستتابة من خالف ذلك من المعتزلة وغيرهم وقام الشيخ أبوحامد الأسفراييني إمام الشافعية والشيخ أبو عبد الله بن حامد إمام الحنابلة على
стр. 2238
ابن الباقلاني بسبب ما ينسب إليه من بدعة الأشعري وجبت أمور بلغتنا مجملة غير مفصلة وصنف ابن الباقلاني كتابه المعروف في الرد على من ينسب إلى الأشعري خلاف قوله واعتمد السلطان محمود بن سبكتكين في مملكته نحو هذا وزاد عليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر فلعنت الجهمية والرافضة والحرورية والمعتزلة والقدرية ولعنت أيضاً الأشعرية حتى جرى بسبب ذلك نزاع وفتنة بين الشافعية
стр. 2239
والحنفية وغيرهم قوم يقولون هم من أهل البدع فيلعنون وقوم يقولون ليسوا من أهل البدع فلا يلعنون وجرت لابن فورك محنة بأصبهان وجرت له مناظرة مع ابن الهيصم بحضرة هذا السلطان محمود وكان يحب الإسلام والسنة مستنصراً بالإسلام عارفاً به غزا المشركين من أهل الهند وفتح الهند وروي أنه قتل عشرة آلاف زنديق فكان مما حكاه ميمون النسفي الحنفي في
стр. 2240
كتابه وهو من نفاة العلو أن السلطان فهم كلام الطائفتين وفهم ما ذكرته المثبتة من أن أقوال النفاة توجب تعطيله وأنهم قالوا لو أردنا أن نصف المعدوم لم نصفه إلا بهذه الصفة بأنه لا داخل العالم ولا خارجه أو كلاماً هذا معناه وابن فورك عجز عن جواب هذا حتى كتب فيه على أبي إسحاق الأسفراييني وأن الأسفراييني لم يجب أيضاً بما يدفع به ذلك
стр. 2241
إلا أن قال يلزم من الإثبات أن يكون جسماً أو نحو هذا مع أن المعروف عن أبي بكر بن فورك هو ما عليه الأشعري وأئمة أصحابه من إثبات أن الله فوق العرش كما ذكر ذلك في غير موضع من كتبه وحكاه عن الأشعري وابن كلاب وارتضاه وذكر البيهقي عنه في كتاب الصفات أنه قال استوى بمعنى علا وقال في قوله أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك ١٦]
стр. 2242
أي من فوق السماء واحتج البيهقي لذلك بقول النبي ﷺ لسعد بن معاذ حين حكم في بني قريظة لقد حكمت فيهم
стр. 2243
بحكم الله الذي حكم به فوق سبع سموات وبقول ابن عباس إن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك
стр. 2244
وأبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي القيرواني الذي له
стр. 2245
الرسالة التي سماها برسالة الإيماء إلى مسألة الاستواء لما ذكر اختلاف المتأخرين في الاستواء وذكر أقوالاً متعددة قول الطبري أبي جعفر محمد بن جرير صاحب التفسير وأبي محمد بن أبي زيد والقاضي
следующие страницы →