Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
لكانت حقيقة ذلك الحيز مخالفة لحقيقة سائر الأحياز ولو كان كذلك لكانت الأحياز أموراً وجودية لأن العدم الصرف يستحيل أن يخالف بعضه بعضاً ولو كانت الأحياز أموراً وجودية لكان إما يمكن الإشارة الحسية إليها أو لا يمكن فإن أمكن فذلك الشيء إما أن يكون منقسماً فيكون الباري الحال فيه منقسماً أو لا يكون منقسماً فيكون ذلك الشيء مختصاً بجهة دون جهة فيكون للحيز حيز آخر ويلزم التسلسل وإن لم يمكن الإشارة الحسية إلى الحيز الذي حصل الباري تعالى فيه وجب استحالة الإشارة الحسية إلى الباري تعالى لأنا نعلم بالضرورة أن ما لا يمكن الإشارة الحسية إلى جهته استحالت الإشارة الحسية إليه فإذاً لا يكون الباري في الجهة وهو المطلوب وأما إن لم يكن حصول الباري واجباً فاختصاصه بها لابد وأن يكون لفاعل مختار سواء إن كان بواسطة معنى أو لا بواسطة معنى وكل ما كان فعلاً لفاعل مختار فهو محدث فاختصاص الباري بالحيز محدث فهو إذاً في الأزل ما كان حاصلاً في الحيز والشيء الذي لا يكون كذلك استحال أن يصير محتاجاً إلى الحيز فثبت أن الباري يمتنع
стр. 2172
أن يكون في الأحياز والجهات قال ويمكن أن يعتمد في هذه المسألة أيضاً على أنه لو كان في الجهة لكان منقسماً لأن الجانب الذي منه يلينا غير الجانب الذي لا يلينا وذلك يوجب انقسام ذاته لكنا بينا أن الانقسام عليه تعالى محال فحصوله في الجهة والحيز أيضاً محال قال وهذا الكلام إنما يدفع القول بنفي الجزء الذي لا يتجزأ ولم يذكر في نهايته على نفي الجهة إلا هذا الكلام وقد تقدم ما ذكره على نفي الجسم وهذه الحجة هي مثل الحجة الرابعة التي ذكرها في تأسيسه لكن فيها حشواً وزيادة مستغنى عنها لا حاجة إليها وهؤلاء القوم من أعظم الناس إتياناً بحشو القول الكثير الذي تقل فائدته أو تعلم مضرته كما يروى فيهم عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵁ أنه قال أنا ضمين وذمتي
стр. 2173
رهينة لا يهيج على التقوى زرع قوم ولا يظمأ على الهدى سنخ أصل وإن أبغض الناس إلى الله تعالى رجل قمش علماً حتى إذا ارتوى من ماء آجن وامتلأ من غير طائل سماه أشباهه من الناس عالماً فإن نزلت به إحدى الشبهات هيأ له حشو الرأي من قيله فلا هو سكت عما
стр. 2174
لا يعلم فيسلم ولا تكلم بما يعلم فيغنم تصرخ منه الدماء وتبكي منه الفروج الحرام ومن أحق الناس بهذا هؤلاء المتكلمون في أصول الدين بغير كتاب الله وسنة رسوله ويوقعون بين الأمة العداوة والبغضاء بما لا أصل له حتى قد يكفرون من خالفهم ويبيحون قتلهم وقتالهم كما يفعل أهل الأهواء من الخوارج
стр. 2175
والرافضة والجهمية والمعتزلة كما فعله هذا المؤسس في كتابه هذا وأمثاله حيث كفر الذين خالفوه وهم أحق بالإيمان بالله ورسوله منه بدرجات لا تحصى ولا حول ولا قوة إلا بالله ولهذا كان التكفير لمن يخالفهم من أهل السنة والجماعة من شعار المارقين كما قال النبي ﷺ فيما استفاض عنه من الأحاديث الصحيحة في صفة الخوارج يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وفي رواية يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل
стр. 2176
الأوثان وهؤلاء الذين يدعون الإيمان لأنفسهم دون أهل السنة والجماعة من المسلمين كالخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة لهم نصيب من قوله تعالى وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿١١١﴾ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١١٢﴾ [البقرة ١١١-١١٢] وبعضهم مع بعض كما قال الله تعالى وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١١٣﴾ [البقرة ١١٣] فهم كما قال الإمام أحمد مختلفون في الكتاب مخالفون
стр. 2177
للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب قد جمعوا وصفي الاختلاف الذي ذمه الله في كتابه فإنه ذم الذين خالفوا الأنبياء والذين اختلفوا على الأنبياء فآمن كل منهم ببعض وكفر ببعض قال في الأولين جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴿٢٥٣﴾ [البقرة ٢٥٣] وقال في الثاني قال تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴿١٧٦﴾ [البقرة ١٧٦] وقال تعالى وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠٥﴾ [آل عمران ١٠٥] وقال إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ [الأنعام ١٥٩] وقال وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿١١٨﴾ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿١١٩﴾ [هود ١١٨-١١٩] وهؤلاء الجهمية معروفون بمفارقة السنة والجماعة وتكفير من خالفهم واستحلال دمه كما نعت النبي ﷺ الخوارج لكن قولهم في الله أقبح من قول الخوارج وإن كان للخوارج من المباينة للجماعة والمقاتلة لهم ما ليس لهم مع أن أهل المقالات ذكروا أن قول الخوارج في الصفات هو قول الجهمية والمعتزلة هذا ذكره الأشعري وغيره من المعتزلة وهذا
стр. 2178
والله أعلم يكون قول من تأخر من الخوارج إلى أن حدث التجهم في أول المائة الثانية وأما الخوارج الذين كانوا في زمن الصحابة وكبار التابعين فأولئك لم يكن قد ظهر في زمنهم التجهم أصلاً ولا عرف في الأمة إذ ذاك من كان ينكر الصفات أو ينكر أن يكون على العرش أو يقول إن القرآن مخلوق أو ينكر رؤية الله تعالى ونحو ذلك مما ابتدعته الجهمية من هذه الأمة وقد تكلمنا على هذه الحجة في غير هذا الموضع بما فيه كفاية ونذكر ما يليق بهذا الموضع وذلك من وجوه أحدها أن قوله لو كان حصوله في جهة لكان إما أن يكون في أكثر من حيز واحد أو لا يكون إلا في حيز واحد
стр. 2179
يقال له أما الذين يقولون إنه فوق العرش وليس بجسم وهو أئمة أصحابك والكلابية وطوائف كثيرة من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وقد ذكر الأشعري أنه قول أهل السنة وأصحاب الحديث فيمنعون التلازم ويقولون لا نسلم أنه إذا كان في جهة بمعنى أنه نفسه فوق العرش لكان إما أن يكون في حيز واحد أو في أكثر من حيز فإن هذا التلازم إنما فيما إذا كان الذي فوق العالم جسماً أما إذا وافقتمونا على أنه ليس بجسم فإن التقدير يكون إذا كان فوق العالم ما ليس بجسم أو إذا كان في الجهة ما ليس بجسم فإنه إما أن يكون في حيز واحد أو أكثر ومعلوم أن ما ليس بجسم لا يكون في الحيز الاصطلاحي لا في واحد ولا في أكثر وهذا ظاهر واضح فإن قلت هذا متناقض فإنه إذا كان فوق العالم أو في الجهة وجب أن يكون جسماً قيل لك أولاً قد صدرت الكلام في هذه المسألة بأنه لا يلزم من نفي كون الشيء جسماً نفي اختصاصه بالحيز وإذا سلمت لهم لم يكن لك أن تنازعهم فيه فإن هذا رأس المسألة فيكون التقدير باتفاق منك ومنهم أن
стр. 2180
ما ليس بجسم إذا كان في الجهة بمعنى أنه يكون فوق العالم هل يكون في حيز واحد أو في حيزين يعني الحيز الاصطلاحي وهم يقولون إنه لا يكون في الحيز الاصطلاحي مع كونه فوق العالم ومع كونه في الجهة وهي جهة العلو الوجه الثاني أن يقال قولك في حيز واحد أو في أكثر من حيز يقتضي تعدد الأحياز وذلك ممنوع فإن الأحياز إما أن تكون وجودية أو عدمية وهي ليست وجودية كما قررته في هذه الحجة وفي غيرها وإذا كانت عدمية فالعدم المحض لا يتعدد ولا يقال فيه إما أن يكون واحداً أو اثنين فامتنع أن يقال إما أن يكون في حيز واحد أو في حيزين ويتقوى هذا بالوجه الثالث وهو أن الحيز إما أن يكون وجودياً أو عدمياً فإن كان وجودياً جاز اختصاصه بأمر وجودي على سبيل الوجوب كاختصاصه بصفاته الواجبة له
стр. 2181
الوجودية وحينئذ فيبطل ما ذكره في الحجة من امتناع كونه في الحيز واجباً أو جائزاً وإن كان الحيز عدمياً لم يصح أن يقال إما أن يكون في حيز واحد أو في حيزين وهذا يقتضي بطلان أحد طريقيه اللذين ذكرهما في هذه الحجة أحدهما إما أن يكون في حيز أو حيزين والثاني امتناع كونه واجباً أو جائزاً يوضح هذا الوجه الرابع وهو أن أحياز المتحيز الوجودية اللازمة له هي حدوده ونهايته والعدمية هي ما يقال إنه تقدير المكان فإن أراد بالحيز الأمر الوجودي منعت الحجة التي منع فيها أن يكون له حيز واجب وإن أراد به الأمر العدمي منع انقسامه إلى واحد وكثير فإن قيل الحيز العدمي الذي هو تقدير المكان يتحدد ويتعدد باتحاد الحال وتعدده فإذا كان الحال فيه جوهراً واحداً كان واحدا وإن كان جواهر متعددة كان متعدداً قيل الجواب عن هذا هو الوجه الخامس وهو أن هذه المسألة قد صدّرها بالكلام في الحيز مع من يقول إنه ليس بجسم ومع هذا فإنه يكون مختصاً بالجهة وقد قال هو لما ذكر الحجة إذا ثبت ذلك ثبت أنه لا يلزم من نفي كون الشيء جسماً نفي اختصاصه بالجهة والحيز
стр. 2182
وإذا كان كذلك فيقال إما أن يكون الحيز مستلزماً لكون الحال فيه جسماً أو جوهراً فرداً أو لا يستلزم ذلك فإن كان الحيز مستلزماً لذلك لم يكن المختص بالحيز إلا جسماً أو جوهراً فرداً وحينئذ فيلزم من نفي كونه جسماً وكونه جوهراً فرداً أن لا يكون متحيزاً كما قد بفعله المؤسس وغيره أحياناً وهو خلاف الفرض فإن الفرض نفي الحيز والجهة بدون البناء على نفي الجسمية خلافاً لمن يقول ليس بجسم ولكنه في الحيز والجهة فإذا كان هذا الدليل لا يتم إلا بنفي الجسمية بطل هذا الدليل من أصله ومتى كان الحيز مستلزماً للجسم أو للجوهر الفرد لزم من نفي اللازم وهو الجسم والجوهر الفرد نفي الملزوم وهو الحيز وإن كان الحيز ليس مستلزماً للجسم والجوهر الفرد لم يلزم أن يكون الحال فيه جسماً ولا جوهراً فرداً وحينئذ فلا يلزم أن يقال ينقسم بانقسام الحال فيه إن كان جوهراً فرداً كان الحيز واحداً وإن كان جسماً كان أو أكثر من واحد فإن الحال فيه على هذا التقدير لا يكون جسماً ولا جوهراً فرداً وإن كان كذلك ظهر أن تقسيمه الحيز إلى واحد أكثر من واحد غير لازم على هذا التقدير ولا يصح الدليل على التقدير الأول وذلك يظهر بطلانه على التقديرين الوجه السادس أن يقال هب أنه لم يسلم أن الحيز مستلزم لكون الحال فيه جسماً ولم يسلم أن نفي الجسم لا يستلزم نفي
стр. 2183
الحيز لكن يقال انقسام الحيز إلى واحد أو أكثر من واحد إما أن لا يعلم إلا بأن يعلم أن محله جسم أو جوهر أو يعلم قبل العلم بحاله محله فإن لم يعلم اتحاده وتعدده إلا بالحال فيه لم يلزم إذا قيل إن الله في حيز أن يكون الحيز منقسماً إلى واحد وعدد حتى يثبت أنه يجب أن يكون الله جسماً أو جوهراً فرداً فيكون العلم بانقسام الحيز إلى واحد وعدد متوقفاً على العلم بأن الباري تعالى يجب أن يكون على هذا التقدير جسما أو جوهراً فرداً وهو لم يبين ذلك وإذا تبين ذلك كان نفي الجسم كافياً له في نفي كونه متحيزاً فلم يحتج حينئذ إلى تقسيم الحيز إلى واحد أو أكثر من ذلك فظهر أن هذا الذي ذكره لم يذكر عليه حجة ولو ذكر عليه حجة لم يحتج إلى ذكره وعلى التقديرين فلا يصلح ذكره لا مع الحجة ولا بدون الحجة على هذا التقدير وإن كان العلم بانقسامه إلى واحد أو عدد يعلم بدون أن يعلم أن محله جوهر أو جسم فليذكر ذلك أو لم يذكره فيتوجه المنع ثم إنه لا يصلح أن تحتج على ذلك إلا بكون الحيز ينقسم بانقسام الحال فيه والحال فيه لا يكون إلا جوهراً أو جسماً لأن التقدير أن انقسامه لا يتوقف العلم به على هذه الحجة الوجه السابع أن يقال وصف الشيء بأنه واحد وبأنه أكثر من واحد إما أن يستلزم كونه موجوداً أو لا يستلزم كونه موجوداً فإن استلزم كونه موجوداً لزم من هذا التقسيم أن يكون وجودياً وأنت قد ذكرت في تمام الحجة أنه ليس بوجودي وإن كان الوصف بأن وجودي وإن كان الوصف بأنه واحد وبأكثر من
стр. 2184
واحد لا يستلزم أنه موجود بطل ما ذكره فيما تقدم حكايته عنه من أن الجسم منقسم ليس بواحد فإنه بنى ذلك على أن الوحدة صفة قائمة بالجسم قال والعرض لا يحدث في المحل ولا يحصل فيه إلا إذا كان المحل متعيناً متميزاً عن غيره فإنه إذا ثبت أن كون الموصوف واحداً أو أكثر لا يستلزم ان يكون موجوداً لم يلزم أن تكون الوحدة والكثرة صفة وجودية فإن المعدوم لا يوصف بالصفة الوجودية فإذا لم يجب أن تكون الوحدة وجودية لم يجب أن تقوم بالجسم ولا أن يكون عرضاً فلا يمتنع أن يكون الجسم واحداً وإذا كان الجسم واحداً مع عظمته ولم يكن فيه كثرة وجودية لم يصح أن يستدل بحلوله في الحيز على انقسام الحيز وتعدده وحينئذ فإذا لم يلزم من حلول الجسم في الحيز أن يكون الحيز متعدداً منقسماً في نفسه لم يلزم من حلول الرب في الحيز أن يكون منقسماً وجاز حلوله في الحيز الذي لا يقال إنه أكثر من واحد ولا يكون أقل القليل ولا يكون جوهراً فردًا وبالجملة فإذا لم يكن الجسم مشتملاً على كثرة مع كونه في الحيز فالباري أولى أن يكون كذلك وحيزه أولى بذلك وهو يبطل ما ذكره الوجه الثامن أن يقال الحيز في نفسه ليس إلا واحداً
стр. 2185
وليس هو في نفسه منقسماً ولا متكثراً وإذا كان كذلك لم يصح أن يكون الحال فيه إما أن يحل في حيز واحد أو في أحياز متعددة فإن هذا مقتضى أن الحيز فيه كثرة وهذا ممنوع وتوجيه ذلك أن الناس قد تنازعوا في الجسم هل هو واحد في نفسه أو هو متكثر فيه انقسامات حاصلة على قول كما تقدم حكايته وتقدم أن المؤسس لم يذكر على انقسامه وعدمه وحدته حجة وإذا كان الأمر كذلك مع أن الجسم يقبل الانقسام بلا نزاع فالحيز الذي لا يعقل فيه وجود الانقسام أولى أن لا يكون فيه كثرة ولا انقسام وهذا ظاهر بل يقال في الوجه التاسع إن انقسام الحيز في نفسه قبل حلول شيء فيه ممتنع قطعاً سواء قيل إن الجسم واحد أو منقسم في نفسه وذلك لأن الحيز هنا ليس المراد به شيئاً موجوداً كما قد قرره وإنما هو تقدير المكان وهذا هو مسمى الحيز في اصطلاح كثير من المتكلمين وإذا كان كذلك فمن الممتنع أن يتميز بعضه عن بعض قبل حلول ما يتقد ربه وهذا معلوم بالحس والضرورة العقلية ولا يقول قائل إن ذلك يتميز بالإشارة فإن الإشارة إلى العدم محال وإنما يشار إلى موجود وإذا كان الحيز لا يتعدد ولا ينقسم قبل حلول الحال
стр. 2186
فيه كان تعدده تابعاً لتعدد الحال فيه فإن لم يثبت كون الحال فيه جسماً منقسماً لم يكن منقسماً وإذا كان المنازع له يقول إن الحال فيه ليس هو جسماً أو هو جسم وليس بمنقسم في نفسه بطل انقسام الحيز ومن المعلوم أن القائلين بأنه متحيز يقولون هذا تارة وهذا تارة كما تقدم ذكر ذلك عنهم ومن قال إنه منقسم بمعنى يتميز بعضه عن بعض فجوابهم ما يقال في الوجه العاشر أن يقال الحيز الواحد هو ما يحل فيه الجوهر الفرد كما فسرته فيما بعد فإن الحال فيه يكون أقل القليل ويتعالى الله عن ذلك وإذا كان كذلك كان ثبوته مبنياً على ثبوت الجوهر الفرد وأنت قد اعترفت أنك وأذكياء الطوائف متوقفون فيه لتعارض الأدلة فيه وإذا لم يعلم ثبوت الجوهرالفرد لم يعلم ثبوت حيز واحد بهذا الصغر وإذا لم يعلم ذلك بطل العلم بأن الحيز إما واحداً بهذا التفسير وإما أكثر من واحد
стр. 2187
الوجه الحادي عشر أن يقال لك ما مرادك بالحيز الواحد وبأي شيء يتميز الحيز الواحد عما هو أكثر منه فإن أردت به ما يحله الجوهر الفرد لم يثبت توحد الحيز حتى يثبت الجوهر الفرد ويثبت حلوله فيه ومن المعلوم أن الجوهر الفرد لو كان ثابتاً في نفس الأمر فليس هو مما يحس به حتى يعلم حلوله في الحيز أو عدم حلوله بل أكثر ما يقال إنه داخل الجسم في حيز قد علمنا أن الجواهر التي خلقت فيه أيضاً لكن هذا لا يفيد تميز الحيز الواحد عن غيره ولا العلم به وإذا كان الحيز الواحد الذي أردته لا يتميز ولا يعلم به كان العلم بحلول الشيء فيه أو عدم حلوله باطلاً لأن العلم بحلول الشيء في محله فرع تصور المحل فإذا كان المحل لا يعلم توحده ولا يتميز كان الحكم بثبوت الحلول فيه أو عدمه حكماً باطلاً فيكون الدليل باطلاً الوجه الثاني عشر أن يقول لك المنازع إما أن تريد بالحيز الواحد ما يحل فيه الجوهر الفرد أو ما هو أكبر منه فإن أردت الأول فحلول الرب فيه محال كما ذكرته وكان المنازع يقول لك يحل في أكثر من واحد بهذا التفسير
стр. 2188
وأما قولك الحاصل في أحد الحيزين إما أن يكون هو الحاصل في الآخر أو غيره يقال لك لا هو هو ولا هو غيره أو لا يقال هو هو ولا هو غيره كما تقدم تقرير ذلك على اصل كثير من متكلمي الصفاتية أو أكثرهم غير مرة بأن الغيرين ما جاز وجود أحدهما دون الآخر أو ما جاز مفارقته له في مكان أو زمان أو وجود فحينئذ لا يرد ما ذكرته على كونه هو هو وكونه غيره وإن أردت بالواحد ما هو أكبر من محل الجوهر الفرد لم يكن الحال مستلزماً لأن يكون أقل القليل وقد بطل حجة الصغير وسيأتي الكلام على الوجوب والجواز الوجه الثالث عشر أن يقال هذه الحجة مشتملة على حجتين إحداهما حجة الانقسام أو الصغر وهي تعم الأقسام والثانية ما يخص قسماً قسماً مع ذلك ونحن نتكلم على الحجتين جميعاً فإحداهما حجة الانقسام والتركيب والأخرى هي من جنس حجة تماثل الأجسام وهاتان الحجتان هي جماع ما يذكره النفاة في هذا الباب فإنه يعود إلى ما يذكره من التركيب وإلى ما يذكره من التمثيل وقد تقدم فيما يمتنع من ذلك وما لا يمتنع وبينا أن سورة الإخلاص قُلْ هُوَ اللَّهُ
стр. 2189
أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَد ُ ﴿٢﴾ [الإخلاص ١-٢] تنزهه عن الممتنع من هذين فاسمه الأحد منع التشبيه الممتنع عليه واسمه الصمد منع الانقسام والتركيب الممتنع عليه ولكن هؤلاء النفاة غلوا في ذلك وتعدوا حدود الله فيه فزادوا على الحق من الباطل شيئاً كثيراً كما أن من المثبتة من غلا في الإثبات وتعدى حدود الله حتى زاد على إثبات الحق زيادات باطلة والله يهدينا الصراط المستقيم وليس هذا موضع الشرح والبسط لما تضمنته هذه السورة العظيمة من أصول التوحيد والإيمان فإنها كثيرة عظيمة إذ الأحدية والصمدية ينتظمان أصول التوحيد والإيمان والدين فأسماء الله وصفاته من دينه إذ دينه الحق يتبع ما هو عليه سبحانه في نفسه ولما كان الدين عند الله هو الإسلام والإسلام هو الاستسلام لله وحده وله ضدان الإشراك والاستكبار فالمستكبر استكبر عن الإسلام له والمشرك استسلم لغيره وإن كان قد استسلم له فمعنى الأحد يوجب الإخلاص لله المنافي للشرك ومعنى الصمد يوجب الاستسلام لله وحده المنافي للاستكبار فإن الصمد يتضمن صمود كل شيء إليه وفقره إليه وأيضاً فدين الله واحد لا تفرق فيه والصمد يناسب اجتماعه فالله هو الإله الواحد ودينه واحد
стр. 2190
وعباده المؤمنون مجتمعون يعتصمون بحبله غير مفترقين واسمه الأحد يقتضي التوحيد والصمد يقتضي الاجتماع وعدم التفرق فإن الصمد فيه معنى الاجتماع وعدم التفريق والتوحيد أبداً قرين الاجتماع لأن الاجتماع فيه الوحدة والتفرق لابد فيه من التثنية والتعدد كما أن الإشراك مقرون بالتفرق قال
стр. 2191
تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٣٠﴾ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٣١﴾ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿٣٢﴾ [الروم ٣٠-٣٢] ولهذا كان شعار الطائفة الناجية هو السنة والجماعة دون البدعة والفرقة فإن أصل السنة توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له وأصل البدع الإشراك بالله شركاً أصغر أو أكبر وهؤلاء الملبسون يقولون لا ينقسم أو لا يتجزأ أو لا يتبعض ونحو ذلك ولو لم يريدوا إلا ما هو حق لكانوا محسنين لكن حقيقة قولهم إنه ليس هناك شيء يتصور أن يكون مجتمعاً فضلاً أن يكون متفرقاً ولا شيء موجود يتميز عن غيره فضلاً عن أن يكون منقسماً فأخذوا لفظ التفرق والانقسام فوضعوه على غير المعاني المعروفة ونفوا به ما يستلزم نفي الحقيقة بالكلية كما فعل غيرهم في نفي العلم والقدرة ونحوهما أو نفي الأسماء كالحي والعليم والقدير ونحو ذلك فنفي الصفات يستلزم نفي الأسماء كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع
стр. 2192
والمقصود هنا الكلام على هاتين الحجتين الانقسام والحيز بحسب ما ذكره في نهايته وإن كان قد تقدم الكلام عليها فنقول قوله إذا كان في أكثر من حيز لزم انقسامه لا نسلم أنه يستلزم انقسامه ولا نسلم أيضاً أن الحيز ينقسم حتى يكون ما فيه منقسماً ولو كان هو منقسماً لم نسلم أن كل ما كان في المنقسم يجب أن يكون منقسماً الوجه الرابع عشر أنه قد تقدم غير مرة أن هذا الانقسام أكثر ما يراد به امتياز بعضه عن بعض وبينا أن هذا مثل امتياز الصفات وبينا أن هذا مما يجب أن يقر به كل أحد في كل موجود وأن نفي هذا يستلزم جحد الموجودات جميعها الواجب والممكن وبينا أن ما يذكر في ذلك من الافتقار
стр. 2193
والغير والحيز فهي ألفاظ مجملة مشتركة مشتبهة يراد بها حق وباطل فيجب أن ينفي ما فيها من الباطل دون الحق الذي يريده بعض الناس بهذه الألفاظ وقد تقدم بسط ذلك بما يغني عن إعادته وهو أحال على ما تقدم فأحلنا أيضاً عليه الوجه الخامس عشر أن المنازع يقول له هب أنه في حيز واحد فلم قلت إن ذلك محال قولك إنه يكون أقل القليل ويتعالى الله عنه يقال لا نسلم أن ما هو حيز واحد لا يتسع إلا مقدار الجوهر الفرد بل يكون واحداً وهو عظيم وهذا في الحيز أولى منه في الجسم فإذا كان قد قال
стр. 2194
طوائف إن الجسم يكون عظيماً ويكون واحداً فالحيز أولى وأيضاً فمن قال إنه فوق العرش وهو عظيم وليس بجسم أو هو جسم وليس بمركب فإنه يقول بثبوت حيز واحد عظيم الوجه السادس عشر أن المنازع يقول الجوهر الفرد لا يخلو إما أن يكون ثابتاً أو لا يكون فإن كان ثابتاً لم تكن قد ذكرت دليلاً عقلياً على نفي كونه بقدره كما اعترفت بذلك فيما تقدم في نهايتك في المسلك الثاني على نفي الجسم أن المنازع إذا أصر على المطالبة بالدليل على أنه حال كونه بقدر الجوهر فطريق دفعه أن يتمسك بالوجوه التي يستدل بها على نفي الجزء الذي لا يتجزأ حتى تنقطع المطالبة وإذا
стр. 2195
لم يكن لك طريق إلا هذا فهذا الطريق باطلة إذا قدر ثبوت الجوهر الفرد فإنه بتقدير ثبوته تكون الوجوه التي احتج بها على نفيه باطلة وإذا لم يكن الجوهر الفرد ثابتاً لم يجز أن يقال إن الحال في الجزء الواحد هو أقل القليل بل لم يكن للحيز الواحد إذا فسر بذلك وجود أصلاً وإذا كان كذلك فعلى التقديرين لا تكون قد ذكرت حجة على أنه لا يكون في الحيز الواحد وإنما تعتصم في مثل ذلك بالإجماع إجماع العقلاء وإجماع المسلمين داخل في ذلك فيقال لك هؤلاء المنازعون يقولـ ون إنه عظيم في نفسه أعظم من كل عظيم وأكبر من كل كبير وأعلى من كل عال قد وسع كرسيه السموات السبع والأرضين السبع ويقولون لك وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر ٦٧] قال ابن عباس ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهما في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم أو كما قال فهذا مستند ثان نفي كونه بقدر الجوهر الفرد فإن سلمت ذلك لم يكن لك
стр. 2196
أن تقول ليس فوق العرش ولا هو في نفسه كبير وعظيم ولم يكن ما سلمتموه يستلزم أن لا يكون فوق العرش وإن قيل إنه في حيز واحد أو جهة واحدة وإن لم تسلم ذلك بل زعمت أنما فوق السموات رب ولا هناك إله أصلاً وأن محمداً لم يعرج به إلى الله تعالى بل صعد إلى علو العالم فقط وأن رب العالمين ليس داخل العالم ولا خارجه قالوا لك نحن نقول إن من وصفه بهذا فقد جعله معدوماً والمعدوم أحقر من الجوهر الفرد وإذا كان كذلك لم نسلم لك ما دمت مصراً على هذا النفي أنه أحقر من الجوهر الفرد فإن ذلك يستلزم تسليم النقيضين فنكون قد سلمنا أنه معدوم وأنه أحقر من الجوهر الفرد وذلك باطل وإذا لم نسلم له على هذا التقدير أنه أحقر من الجوهر الفرد لم يكن له أن يحتج بالإجماع كما تقدم نظير هذا وتقدم ما قرره في أول نهايته أن الاحتجاج بمثل هذا الإجماع الذي يختلف فيه المأخذ لا يصح نظراً ولا مناظرة فإن المناظر ليس له أن يحتج بموافقة موافق بناء ً على مأخذ لا يعتقد صحته والمناظر يجيبه خصمه بأنك إن وافقتني على المأخذ وإلا منعتك الحكم على هذا التقدير لأنه عندي تقدير غير واقع فلا يكون له حجة بحال ولو احتج بها في الفطرة في
стр. 2197
إعظام الله أن يكون كذلك قيل له هذه الفطرة التي فيها أن الله تعالى فوق العالم وهي تحيل أن يقال إنه ليس فوق العالم ولا داخله ولا خارجه كما تحيل أن يقال هو بقدر الجوهر الفرد فإن كان ما في الفطرة من هذا حقاً فكذلك الآخر وحينئذ فلا يبقى معه حجة على نفي كونه بقدر الجوهر الفرد لا عقلية ولا سمعية لأن السمع إما نص وإما إجماع والسمعيات التي وصف الله فيها نفسه بأنه علي وعظيم وكبير معناها عندهم القدرة والقهر لا يعنون بها عظم قدره في نفسه فلا ينافي ما زعموه صغر المقدار لاسيما مع ما يعتمدونه من القول بأن الملك العظيم والآدمي العظيم يكون بقدر الجوهر الفرد لأن الحياة ولازمها لا تحل إلا في قدر ذلك كما تقدم وإذا لم يكن لهم على ذلك حجة بطلت هذه الحجج التي ذكرها وظهر عجزهم عن تنزيه الله عن صغر القدر كما عجزوا عن تنزيه الله تعالى أن يكون فيه نقص فلا يقدرون أن ينزهوه على أصولهم العقلية عن نقص ولا عن صغر الوجه السابع عشر قوله في الحجة الثانية حصوله في ذلك الحيز إما واجب وإما جائز يقال إن أريد بالحيز ما
стр. 2198
هو داخل في مسمى اسمه مثل ما يدخل في صفاته في مسمى اسمه ومثل ما يدخل حدود الشيء ونهايته في مسمى اسمه فيقال حصوله فيه واجب ويكون وجودياً والكلام في قوله يكون منقسماً قد تقدم غير مرة بأن الانقسام لفظ مجمل تختلف فيه الاصطلاحات فهو منفي بالمعنى الذي لا يلزم من هذا والمعنى الذي يلزم لا محذور فيه بل هو واجب لكل موجود الوجه الثامن عشر قول من يقول لا يجوز عليه الحركة والانتقال فإنه يقول حصوله في الحيز المعين يكون واجبًا وأما قوله لو كان كذلك لكانت حقيقة ذلك الحيز مخالفة لحقيقة غيره فيكون وجودياً يقول لا نسلم وذلك لأن الاختصاص لا يجب أن يكون لمعنى في الحيز بل يجوز أن
стр. 2199
يكون لمعنى في الرب وهو ما توافقهم عليه من امتناع الحركة والانتقال وعدم ذلك ليس بنقص عندك ولا عندهم كما تقدم وتقدم أن ما ألزمتهم من كونه يكون كالزمن هو لك ألزم أيضاً فأنت وهو مشتركون في ذلك وهو بك ألصق منه بهم الوجه التاسع عشر أن يقال هب أن وجودي وحقيقته مخالفة لحقيقة غيره وأنه يمكن الإشارة الحسية إليه فقولك إنه إن كان منقسماً كان الباري فيه الحال منقسماً يمنعون الملازمة كما تقدم ويقولون في الانقسام بما تقدم من الجواب المفصل الوجه العشرون قولك أو لا يكون منقسماً فيكون مختصاً بجهة دون جهة فيكون للحيز حيز آخر ويلزم التسلسل يقال هب أن هذا الحيز أمر وجودي فلم لا يجوز أن يكون حيز هو عدمي والتسلسل إنما يلزم أن لو كان لكل حيز وجودي حيز وجودي الوجه الحادي والعشرون قولك وإن لم تمكن الإشارة
стр. 2200
الحسية إلى الحيز الذي حصل فيه الباري وجب استحالة الإشارة إلى الباري لأنا نعلم بالضرورة أن ما لا تمكن الإشارة الحسية إلى جهته استحالت الإشارة الحسية إليه فإذاً لا يكون الباري في الجهة يقال لك الضروري بأن ما لا يشار إلى جهته لا يشار إليه ليس بأعظم من أن ما لا يشار إليه لا يشار إلى جهته ثم كثير من الناس وأنت من هؤلاء في كثير من المواضع يقولون ذلك مثل العلم الضروري بأن ما يشار إليه وإلى جهته لا يكون إلا جسماً وكثير من الناس بل أكثرهم يقولون إن ذلك مثل العلم الضروري بأن ما لا يشار إليه ولا إلى جهته ولا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلا معدوماً بل المقرون بأن هذا علم ضروري أعظم من المقرين بذلك وإذا كان كذلك فإن نازعتهم في هذا العلم الضروري لم يكن عليهم أن يسلموا لك ذلك العلم الضروري الذي يلزمهم بتسليمه نفي هذا العلم الضروري لأن تسليم العلم الضروري الذي يستلزم نفي علم ضروري تسليم لتنافي العلمين الضروريين وذلك باطل فلا يجب تسليم الباطل وإن لم
стр. 2201
تنازعهم في هذا العلم الضروري لم يكن ما ذكرته حجة عليهم فإنه إذا سلم أنه فوق العالم وأنه يمتنع أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه حصل المطلوب الوجه الثاني والعشرون قولك وإن لم يكن حصوله في الجهة واجباً فاختصاصه بها لابد أن يكون لفاعل مختار فاختصاص الباري به محدث فهو في الأزل ما كان في الحيز والذي يكون كذلك يستحيل أن يصير حاصلاً في الحيز وفي نسخة محتاجا إلى الحيز فيقال لك إذا كان الحيز أمراً وجودياً كالعرش والغمام كان اختصاص الله بكونه فوق العرش تابعاً لخلقه العرش وذلك حاصل بمشيئته واختياره وهو محدث وهو إن لم يكن في الأزل على العرش لكن لم قلت إذا لم يكن في الأزل على العرش أنه يستحيل أن يصير بعد ذلك على العرش هذا لم تذكر عليه دليلاً وأما إن كان المدعي أنه يستحيل أن يصير محتاجاً إلى الحيز فهذا حق لكن كونه فوق العرش لا يوجب
стр. 2202
احتياجه إلى شيء بل هو الحامل بقدرته للعرش ولكل شيء الوجه الثالث والعشرون أن يقال العلو على العرش للناس فيه قولان مشهوران أحدهما أنه نسبة وإضافة بينه وبين العرش من غير فعل محدث يقوم بذات الرب وهؤلاء قد يقولون الاستواء من صفات الذات وعلى هذا التقدير فتجديده بخلق العرش كتجديد سائر النسب والإضافات وذلك جائز باتفاق العقلاء كتجدد المعية والثاني أنه استوى على العرش بعد أن لم يكن مستوياً عليه كما دل على ذلك القرآن والذي قال هذا يقول في استوائه إلى السماء ونزوله ومجيئه وإتيانه ونحو ذلك مثلما يقول في الاستواء وأن ذلك من أفعال ذات الله تعالى وهؤلاء هم جمهور أهل الحديث وكثير من أهل الكلام والفقهاء والصوفية
стр. 2203
وغيرهم وعامة كلام السلف يدل على هذا وهذا متصل بمسألة حلول الحوادث به وهو قد ذكر أنه ليس في الأدلة العقلية ما ينفي حلول الحوادث به وذكر أن الطوائف جميعهم يلزمهم القول به وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يستوي عليه بعد أن لم يكن مستوياً وإذا كان على القولين لا يمتنع أن يصير فوق العرش وإن لم يكن في الأزل عرش يكون الله فوقه بطل ما ادعاه من أنه إذا كان اختصاص الباري بالحيز محدثاً فهو إذاً في الأزل ما كان حاصلاً في الحيز والشيء الذي يكون كذلك استحال أن يصير
стр. 2204
حاصلاً في الحيز فإن ذلك لا يستحيل على الوجه الذي بيناه وأما إن كان قد قال استحال أن يصير محتاجاً إلى الحيز فهذا حق لكن تجدد الأمور الجائزة لا يقتضي أنه محتاج إليها الوجه الرابع والعشرون أنه يقال قولك في أصل هذه الحجة الثانية حصوله في الحيز إما أن يكون واجباً أو غير واجب يقال لك أتريد بالحيز نوع الحيز أم تريد الحيز المعين فإن اللام تكون للجنس وتكون للحيز المعين فإن أردت به النوع لم يصح ما ذكرته في القسم الأول وهو قولك لو صح حصوله في ذلك الحيز وامتنع حصوله في سائر الأحياز لكانت حقيقته مخالفة لحقيقة غيره لأن الحيز على هذا التقدير هو النوع ولا يختص بشيء دون شيء كما أن القائل إذا قال لو كان الجسم مختصاً بالحيز لم يرد به حيزاً بعينه بل يريد به أنه مختص بأنه لا يكون إلا متحيزاً فيمتنع أن يكون غير متحيز وإن أردت به الحيز المعين لم يصح ما ذكرته في القسم الثاني وهو إنما كان كذلك ما كان في الأزل حاصلاً في
стр. 2205
الحيز المعين والذي يكون كذلك يستحيل أن يصير حاصلاً في الحيز وذلك أن الحيز تقدير المكان ليس أمراً موجوداً فلم قلت إنه إذا لم يكن في الأزل في حيز معين امتنع أن يكون بعد ذلك في حيز معين فإن هذا مبني على مسألة حلول الحوادث وقد تقدم القول فيه الوجه الخامس والعشرون أن قولك والشيء الذي يكون كذلك استحال أن يصير حاصلاً في الحيز يمنعه المنازع ويقول لا نسلم أن كل اختصاص بحيز معين وهو تقدير المكان يكون محدثاً وأنه يمتنع أن يصير في حيز لم يكن فيه بل الحي القادر سبحانه يختص بما يشاء من الأحياز ولا يلزم من ذلك اختصاصه بحيز معين ولا يلزم من ذلك أن أصل التحيز محدث بل هو يخلق ما يشاء من الأجسام ولا يكون الجسم مخلوقاً في حيز ولا يختص بحيز بل له أن ينقله من حيز إلى حيز وهؤلاء يقولون حياته وقدرته توجب ذلك ونفي إمكان
стр. 2206
ذلك يقتضي نفي حياته وقدرته كما تقدم حكاية قولهم ويقولون اختصاصه بحيز دون حيز هو نسبة وإضافة إلى ذلك الحيز والأمور الإضافية لا يمنع تجددها ولا زوال المتقدم منها باتفاق العقلاء فإن الحيز العدمي الذي هو تقدير المكان يجري فيه القولان في العرش ونحوه فمن قال الاستواء عليه مجرد نسبة أمكن أن يقول ذلك هنا ومن قال إن فيه حركة قال بذلك هنا الوجه السادس والعشرون قولك حصوله في الحيز إما أن يكون واجباً وإما أن يكون غير واجب يقول لك المنازع قولاً مفصلاً الاختصاص بأصل الحيز واجب أما تعين حيز دون حيز فهو ممكن ليس بواجب وذلك لأن الحيز في الاصطلاح المشهور للمتكلمين هو تقدير المكان وهم يقولون إن كل متحيز يستلزم نوع التحيز وأما الحيز المعين فيجوز أن ينتقل عنه المتحيز كما لو شاء الله تحويل العالم من حيز إلى حيز ثم لهم هنا قولان
стр. 2207
أحدهما أن اختصاصه بذلك الحيز المعين مجرد نسبة وإضافة وإذا كان تجدد النسب والإضافات له وزوالها من الأمور الموجودة جائز باتفاق العقلاء فحدوث هذه النسب وزوالها عما هو تقدير المكان بطريق الأولى والأحرى الثاني أن يقال أكثر ما في ذلك الحركة وهذا جائز كما تقدم في قولهم استوى على العرش بعد أن لم يكن مستوياً عليه وأنه يجيء يوم القيامة ويأتي ونحو ذلك
стр. 2208
فصل قال الرازي الفصل الخامس في حكاية الشبه العقلية في كونه تعالى مختصاً بالحيز والجهة الشبهة الأولى لهم أنهم قالوا العالم موجود والباري موجود وكل موجودين فلابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بجهة من الجهات الست ولما لم يكن الباري محايثاً للعالم وجب كونه تعالى مبايناً عن العالم بجهة من الجهات الست وإذا ثبت ذلك وجب كونه تعالى مختصاً بجهة الفوق
стр. 2209
أما قولهم إن كل موجودين فلابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بجهة فلهم فيه طريقان الطريق الأولى ادعاء البديهة إلا أنه سبق الكلام على هذه الطريقة في أول الكتاب الطريق الثاني أنهم يستدلون عليه وهو الطريق الذي اختاره ابن الهيصم في المناظرة التي حكاها عن نفسه مع ابن فورك قال الرازي أنا أذكر محصل تلك الكلمات على
стр. 2210
الترتيب الصحيح من أحسن وجه يمكن تقرير تلك الشبهة به وهو أن يقال لا شك أن كل موجودين في الشاهد فإن أحدهما لابد وأن يكون محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة وكون كل موجودين في الشاهد كذلك إما أن يكون لخصوص كونه جوهراً أو لخصوص كونه عرضاً أو لأمر مشترك بين الجوهر والعرض وذلك المشترك إما الحدوث وإما الوجود والكل باطل سوى الوجود فوجب أن تكون العلة لذلك الحكم هو الوجود والباري تعالى موجود فوجب الجزم بأنه تعالى إما أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة قال واعلم أن هذا الكلام لا يتم إلا بتقرير مقدمات نحن نذكرها وتلك الوجوه التي يمكن ذكرها في تقرير تلك المقدمات أما المقدمة الأولى وهي قولنا إن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه
следующие страницы →