← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

أبي لكر إلى أن أثبتوا إمكان الرؤية بالسمع كما أن وقوعها معلوم بالسمع بلا نزاع وأبو عبد الله الرازي قد ذكر طريقة الأشعري هذه في الرؤية في نهايته وذِكْرُ ما فيها من القوادح التي تظهر معها وَهّاهَا وإذا علم ذلك فينبغي أن يعلم الأمران أحدهما أن الطريقة التي سلكها أهل الإثبات في مسألة العلو بدعوة الضرورة تارة وبالقياس الذي احتج به ابن الهيصم وغيره تارة أصح من الطريقة التي يسلكونها في مسألة الرؤية بدعوى الضرورة تارة وبالقياس أخرى كما قد ذكرنا فيما قبل أن العلم بأن الله تعالى فوق خلقه أعرف في الفطرة وأشهر في الشريعة وأعظم استقراراً عند سلف الأمة وأئمتها من العلم بأنه يرى وأن الجهمية كانوا يكتمون إنكار ذلك ويتظاهرون بإنكار الرؤية ونحوها ليتوسلوا بما يظهرونه من إنكار الرؤية والقول بخلق القرآن على ما يكتمونه من إنكار وجود الله فوق العرش وكان أئمة السلف يعلمون ذلك منهم فيعرفونهم في لحن القول ويستدلون بما

стр. 2277

أظهروه على ما أسروه لعلمهم بأصل كلامهم وأنهم إنما أنكروا رؤيته وأنكروا أنه يتكلم حقيقة لأن رؤيته وكلامه مستلزم لوجوده فوق العالم فإذا سلموا الكلام والرؤية وغيرهما لزمهم تسليم أنه فوق العرش إذا أنكروا ذلك ووافقهم عليه من وافقهم توسلوا بذلك لإنكار علوه على العرش وغير ذلك إذ يقال لو كان على العرش لجازت رؤيته ولكان متكلماً وما لا يجوز أن يرى يمتنع أن يكون فوق العرش فلما كانت مسألة العلو هي في نفسها أعظم وأدلتها أقوى وأكثر والمقرون بها أكثر وأكثر من السلف والأئمة والعامة كانت الطريقة التي يسلكها أهل الإثبات فيها أقوى من الطريقة التي يسلكونها في مسألة الرؤية وبيان ذلك أن اعتراف الفطر بأن الله فوق العالم أعظم من اعترافها بأنه يرى ودلالة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على ذلك أعظم من دلالة هذه الأصول على رؤية الله تعالى واعتراف القلوب بأن ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلا معدوماً أعظم من اعترافها بأن ما لا يمكن رؤيته لا يكون إلا معدوماً وما في القلوب من البديهة والضرروة إلى الأول أعظم مما فيها من الضرورة والبديهة إلى الثاني كذلك اعترافها بديهة وضرورة بأن كل موجودين لابد أن يكونا متباينين

стр. 2278

أو متحايثين أعظم من اعترافها بأن كل موجود فلابد وأن تمكن رؤيته وإذا كان الأمر كذلك ظهر أن الطريقة القياسية التي سلكها ابن الهيصم ونحوه في مسألة العلو أقوى من الطريقة التي سلكها الأشعري ونحوه وابن الهيصم أيضاً في عين مسألة الرؤية وكلاهما سلك طريقة ينصر بها الإثبات الذي جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وكل ما ذكره الرازي من القوادح في هذه الطريقة التي سلكها ابن الهيصم فإنما هي قدح في الأصول العقلية التي سلكها أئمة الأشعرية وغيرهم فهدمه وهدم ابن فورك ونحوه بما ذكروه لأصول أصحابهم وأئمتهم أعظم من هدمهم للأصول التي تذكرها الكرامية وغيرهم في مسألة العرش وهذا بيِّنٌ يعرفه من شدى شيئاً من النظر في هذه المواضع ومن عرف ما اعتمده

стр. 2279

من الأصول في مسألة الرؤية وعلم ما اعتمده هؤلاء في مسألة العرش الأمر الثاني أنا نذكر أن الطريقة التي سلكها أهل الإثبات في الرؤية ليست من الضعف كما يظنه أتباع الأشعري مثل الشهرستاني والرازي وغيرهما بل لم يفهموا قعرها ولم يقدروا الأشعري قدره بل قدروا مقدار كلامه وحججه وكان هو أعظم منهم قدراً وأعلم بالمعقولات والمنقولات ومذاهب الناس من الأولين والآخرين كما تشهد به كتبه التي بلغتنا دع ما لم يبلغنا فمن رأى ما في كتبه من ذكر المقالات والحجج ورأى ما في كلام هؤلاء رأى بوناً عظيماً وإذا ظهر أن طريقهم في الرؤية أقوى مما يظنه هؤلاء كان ذلك تنبيهاً على أن طريقة ابن الهيصم في العلو أولى أن تكون أقوى منها وأن يكون القدح فيها دون القدح في تلك ثم نبين إن شاء الله تعالى بالكلام المفصل أن عامة ما ذكره الرازي من

стр. 2280

القدح فيها قدح باطل ولا حول ولا قوة إلا بالله والله هو المسئول أن يوفقنا للكلم الطيب والعمل الصالح وهو الذي يقوله وإن كان فيه حكم بين هؤلاء الذين يخوضون أحياناً بكلام مذموم عند السلف لكن قد ذكرنا غير مرة أن من حكم الشريعة إعطاء كل ذي حق حقه كما في السنن عن عائشة قالت أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم وأن من كان منهم أقرب إلى الحق والسنة عرفت مرتبته ووجب تقديمه في ذلك الأمر على ما كان أبعد عن الحق والسنة منه قال تعالى عن نبيه ﷺ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [الشورى ١٥] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ [النساء ١٣٥] وقال في حق أهل الكتاب وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [المائدة ٤٢] وقال فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ [المائدة ٤٨] فكيف الحال بين طوائف أهل القبلة بل الحكم بين من فيه فجور ومن فيه بدعة بالعدل ووضعهم مراتبهم وترجيح هذا من الوجه

стр. 2281

الذي هو فيه أعظم موافقة للشريعة والحق أمر واجب ومن عدل عن ذلك ظاناً أنه ينبغي الإعراض عن الجميع بالكلية فهو جاهل ظالم وقد يكون أعظم بدعة وفجوراً من بعضهم قال أبو الحسن الأشعري في الإبانة بعد أن احتج بحجج كثيرة جيدة على إثبات الرؤية من الكتاب والسنة والإجماع ومقصوده الأكبر في الإبانة ذكر الحجج السمعية دون القياسية المبنية على الكلام في الجواهر والأعراض فإنه يختصرها فقال بعد ذلك ومما يدل على جواز رؤية الله بالأبصار أنه ليس موجوداً إلا وجايز أن يريناه وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم فلما كان الله موجوداً مثبتاً كان غير مستحيل أن يرينا نفسه وإنما أراد من نفي الرؤية لله بالأبصار التعطيل فلما لم يمكنهم ذلك صراحاً أظهروا ما يؤول إلى التعطيل وجحدوا الله تعالى تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً قال ومما يدل على جواز رؤية الله تعالى بالأبصار أن الله تعالى يرى الأشياء وإذا كان للأشياء رائياً وليس يجوز أن يرى الأشياء من لا يرى نفسه وإذا كان لنفسه رائياً فجائز أن يرينا

стр. 2282

نفسه وذلك أنه من لا يعلم نفسه لا يعلم شيئاً فما كان الله تعالى عالماً بالأشياء كان عالماً بنفسه فكذلك من لا يرى نفسه لا يرى الأشياء فلما كان الله رائياً للأشياء كان رائياً لنفسه وإذا كان رائياً لها فجائز أن يرينا نفسه كما أنه لما كان عالماً بنفسه جاز أن يعلمناها وقد قال الله إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴿٤٦﴾ [طه ٤٦] فأخبر أنه سمع كلامهما ويراهما ومن زعم أن الله لا يرى بالأبصار يلزمه أن لا يجوز أن يكون الله عالماً ولا قادراً ولا رائياً لأن العالم القادر الرائي جائز أن يرى قلت وهذا المعنى الذي ذكره الأشعري من أن الموجود يقدر الله على أن يريناه وأن المعدوم هو الذي لا يجوز رؤيته فنفي الرؤية يستلزم نفي الوجود هو مأخوذ من كلام السلف والأئمة كما ذكره حنبل عن الإمام أحمد ورواه الخلال عن

стр. 2283

في كتاب السنة قال القوم يرجعون إلى التعطيل في كونهم ينكرون الرؤية وذلك أن الله على كل شيء قدير وهذا لفظ عام لا تخصيص فيه فأما الممتنع لذاته فليس بشيء باتفاق العقلاء وذلك أنه متناقض لا يعقل وجوده فلا يدخل في مسمى الشيء حتى يكون داخلاً في العموم مثل أن يقول القائل هل يقدر أن يعدم نفسه أو يخلق مثله فإن القدرة تستلزم وجود القادر وعدمه ينافي وجوده فكأنه قيل هل يكون موجوداً معدوماً وهذا متناقض في نفسه لا حقيقة له وليس بشيء أصلاً وكذلك وجود مثله يستلزم أن يكون الشيء موجوداً معدوماً فإن مثل الشيء ما يسد مسده ويقوم مقامه فيجب أن يكون الشيء موجوداً معدوماً قبل وجوده مفتقراً مربوباً فإذا قدر أنه مثل الخالق تعالى لزم أن يكون واجباً قديماً لم يزل موجوداً غنياً رباً ويكون الخالق فقيراً ممكناً معدوماً مفتقراً مربوباً فيكون الشيء الواحد قديماً محدثاً فقيراً مستغنياً واجباً ممكناً موجوداً معدوماً رباً مربوباً وهذا متناقض لا حقيقة له وليس بشيء أصلاً فلا يدخل في العموم وأمثال ذلك أما خلق قوة في العباد يقدرون به على رؤيته فإن ذلك يقتضي كمال قدرته وما من موجود قائم بنفسه إلا والله قادر على أن يرينا إياه بل قد يقال ذلك في كل موجود سواء قام بنفسه أو قام بغيره

стр. 2284

وهنا طريقة أخرى وهي أن نقول كل موجود فالله قادر على أن يجعلنا نحسه بأحد الحواس الخمس وما لا يكون مكناً إحساسه بإحدى الحواس الخمس فإنه معدوم وهذه الطريقة مما بين الأئمة أن جهماً يقول إن الله معدوم لما زعم أنه لا يحس بشيء من الحواس لأن الموجود لابد أن يمكن إحساسه بإحدى الحواس كما ذكر الإمام أحمد أصل قوم جهم قال وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث وأضلوا بكلامهم بشراً كثيراً فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان صاحب خصومات وكلام وكان أكثر كلامه في الله فلقي أناساً من المشركين يقال لهم السمنية فعرفوا الجهم فقالوا نكلمك فإن ظهرت حجتنا

стр. 2285

عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك وكان مما كلموا به الجهم أن قالوا ألست تزعم أن لك إلهاً قال الجهم نعم فقالوا له فهل رأيت إلهك قال لا قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فشممت رائحة قال لا قالوا فوجدت له حساً قال لا قالوا له فوجدت له مجساً قال لا قالوا فما يدريك أنه إله قال فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوماً ثم إنه استدرك حجة مثل زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هي روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمراً دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما شاء وينهي عما شاء وهو روح غائب عن الأبصار فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني ألست تزعم أن فيك روحاً قال نعم فقال هل رأيت روحك قال لا قال فهل سمعت كلامه قال لا قال فوجدت له حساً أو مجساً قال لا قال فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان ووجد ثلاث آيات من المتشابه من القرآن قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى ١١] وَهُوَ

стр. 2286

اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام ٣] لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام ١٠٣] فبنى أصل إضلاله على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث به رسوله كان كافراً وكان من المشبهة فأضل بكلامه بشراً كثيراً واتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية فإذا سألهم الناس عن قول الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى ١١] يقولون ليس كمثله شيء من الأشياء وهو تحت الأرضين السابعة كما هو على العرش ولا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان

стр. 2287

ولا يكلم ولا يتكلم ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا في الآخرة ولا يوصف بصفة ولا بفعل ولا له غاية ولا له منتهى ولا يدرك بعقل وذكر تمام كلامه وقد كتبناه قبل هذا إلى أن قال فعند ذلك تبين لناس أنهم لا يثبتون شيئاً ولكن يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية وذكر تمام الكلام والمقصود أنه بين أن وصفه بأنه لا يعرف بشيء من الحواس هو أصل كلامه الذي لزم به التعطيل وأنه لا يثبت شيئاً لأن ما يكون كذلك لا يكون شيئاً وهذا أمر مستقر في فطر المؤمنين لا يشكون في أن الله تعالى قادر على أن يريهم نفسه وإنما يشكون هل يكون ذلك أو لا يكون كما سأل المؤمنون النبي ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة فقال نعم هل تضارون في رؤية الشمس وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة المستفيضة المتواترة فإنما كانوا شاكين هل يرون ربهم لم يكونوا شاكين هل يقدر على أن يريهم نفسه وكذلك في المعاد يعلمون أنهم عاجزون عن رؤيته كما أنهم عاجزون عن أن

стр. 2288

يقدروا بسمعهم وببصرهم على أكثر مما هم قادرون عليه كما يعجزون عن رؤية الأشياء البعيدة والأشياء اللطيفة مع علمهم أن الله قادر أن يريهم ذلك وكذلك من قبلهم من الأمم ولهذا سأل موسى ربه الرؤية وسأل قومه أن يروا الله جهرة كما سألوا سائر الآيات فإنهم وإن كانوا مذمومين على مسألة الآيات فليسوا مذمومين على علمهم بأن الله قادر عليها كما قد يسأل الرجل ما لا يصلح وهو من الاعتداء في الدعاء مثل أن يسأل منازل الأنبياء ونحو ذلك فإن الله قادر على ذلك ولكن مسألة هذا عدوان ولهذا لا يوجد أحداً من الأمم السليمة الفطرة قال إن رؤية الله ممتنعة عليه يعني أنه لا يجوز أن يكون مرئياً بحال وليس في مقدوره أن يري أحداً نفسه بل هم إذا نفوا الرؤية كان لعظمته من جهة القدر أو الوصف مثل قوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام ٣٣] أي لا تحيط به ومثل قوله ﷺ نور أنّى أراه وقال رأيت

стр. 2289

نوراً وهذا في المخلوقات فالخالق أعظم فإن السماء ينتفي عنها إدراك البصر لسعتها والشمس لبرهانها وشعاعها الذي يعشي البصر فيكون ذلك لعجز البصر عن وصف المرئي وقدره أما أن يقال إن موجوداً عظيماً يمتنع في نفسه أن يكون مرئياً كما يمتنع ذلك في المعدوم فهذا خلاف ما فطر الله عليه عباده بل حيث كان الوجود أكمل كان أحق بأن يجوز أن يرى ويشهد لكن بشرط قوى الرائي وكماله ولهذا قال النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر لا تضامون في رؤيته وفي رواية كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب فقوله لا تضامون

стр. 2290

ولا تضارون نفي أن يلحقهم ضيم أو ضير كما يلحقهم في الدنيا في رؤية الشيء إما لظهوره كالشمس أو لخفائه كالهلال وأما المعدوم فالإحساس به برؤية أو غيرها يقتضي أن يكون موجوداً معدوماً فإن كان معدوماً يقتضي أنه ليس في الخارج فرؤيته في الخارج يقتضي أنه في الخارج فيقتضي الجمع بين النقيضين الوجود والعدم وهذا باطل ممتنع لا حقيقة له أصلاً فلا يدخل في مسمى الشيء حتى يقال إن الله عليه قدير فإنه سبحانه على كل شيء قدير وهذا ليس بشيء أصلاً نعم صورة المعدوم الثابتة في العلم قد تنازع الناس في

стр. 2291

جواز رؤيتها وتنازعوا كذلك في جواز رؤية الله للمعدومات لثبوتها في علمه والنزاع فيها مشهور وأما الحجة القياسية المشهورة في هذا الباب التي احتج بها الأشعري وغيره فإن هذا الرازي قد ذكرها في نهايته وأورد عليها اعتراضات كثيرة تهدمها وكذلك من قبله كالشهرستاني وغيره ولم يقفوا على غورها ولا أعطوها حقها وليس هذا موضع بسطها لكن ننبه عليها فإنا قد قدمنا فيما تقدم أن الأمثال المضروبة إذا كانت من باب الأولى جاز استعمالها في حق الله تعالى كما ورد به القرآن والسنة

стр. 2292

واستعملها السلف والأئمة كما يقال إذا كان العبد ينزه نفسه عن شريك أو أنثى فتنزيه ربه أولى وإذا كان العبد عالماً قادراً فالله أولى وكذلك هذه فإن حاصلها أنه إذا جاز رؤية الموجود المحدث الممكن فرؤية الموجود الواجب القديم أولى وإذا كان المخلوق الناقص في وجوده يجوز أن يرى ويحس به فالرب الكامل في وجوده أحق بأن يرى فإن كون الشيء بحيث يرى كمال في حقه لا نقص لأن كونه لا يرى ولا يحس به لا يثبت في الشاهد إلا للمعدوم فكل صفة لم نعلمها تثبت إلا لمعدوم لا تكون صفة كمال بخلاف الصفات التي تثبت للموجود دون المعدوم فإنها لا تكون صفة نقص إلا بالنسبة إلى وجود آخر هو أكمل منها وكل صفة لا تثبت للمعدوم ولا يختص بها الناقص فإنها لا تكون إلا صفة كمال وهذه الطريقة في المسألة يتبين بها أن جواز الرؤية من صفات الكمال التي هو الباري أحق بها من المخلوقات ونظيرها في مسألة العلو أن علة الشيء بنفسه على غيره صفة كمال كما أن قدرته عليه صفة كمال وإذا كامن كذلك فالله أحق بهذه الصفة من جميع ما يوصف بها غيره فيجب أن يكون عالياً بنفسه وكذلك تميزه بذاته عن غيره هي صفة

стр. 2293

لا يوصف بها المعدوم ولا تختص بالناقصات فتكون صفة كمال فيجب اتصاف الله بها وذلك يوجب مباينته للعالم لكن قد علمنا أنا لم نكتب هنا ما يحتج به أهل الإثبات ولكن تكلمنا على ما ذكره الرازي ولوازمه فبينا أن هذه الحجة القياسية المذكورة في الرؤية مضمونها أنا إنما نرى الأشياء لكونها موجودة والله موجود بل هو أكمل في الوجود فيجب أن تكون رؤيته جائزة وتلخيصها أن يقال لا ريب أنا نرى الموجودات من الجواهر والأعراض كالألوان والمقادير مثل الطول والقصر ونحوهما دون المعدومات واختصاص الرؤية الموجود دون المعدوم يقتضي أن المقتضي لجواز الرؤية مختص الوجود ومعنى هذا أنه لا يجوز أن يكون الموجود والمعدوم في الرؤية سواء إذ لو كانا متماثلين في ذلك لم يجز اختلافهما في رؤية أحدهما دون الآخر فليس المراد بقولنا إن علة الرؤية أو المقتضي لها مختص بالوجود إثبات علة أو سبب زائد على حقيقة الموجود مقتضٍ لصحة رؤيته كما توهمه من قال في الأحكام ما يعلل منها وما لا يعلل فيجوز أن تكون الرؤية من الأحكام التي لا تعلل بل المراد أن كون أحد الجنسين تصح رؤيته دون الآخر يقتضي اختلافهما في ذلك وعدم تماثلهما

стр. 2294

سواء كان سبب هذا الاختلاف نفس ذات الموجود أو صفة له أو غير ذلك وهذا لا ينازع فيه من فهمه وإذا كان المقتضي بجواز الرؤية مختصاً بالموجود فإما أن يكون قدراً مشتركاً بين المرئيات من الجواهر والأعراض أو أمراً مختصاً ببعضها لكن الثاني باطل فإن الحكم المشترك يجب أن يكون سببه مشتركاً لأنه لو كان سببه مختصاً كان الحكم موجوداً مع وجوده وموجوداً مع عدمه فلا يكون الحكم متوقفاً عليه بل يكون ذلك الوصف عديم التأثير فيه لا أثر له في وجوده إذ هو موجود مع عدمه كوجوده مع وجوده وهذا بين وقد نبهنا عليه فيما تقدم في تمال العلل والمعلولات وتكلمنا على النقض وعدم التأثير وبينا الفرق بين العلة التامة التي لا تتبعض وغير التامة وعلى هذا فرؤية كل

стр. 2295

شيء خاص من نوع أو شخص يشارك رؤية غيره في مطلق الرؤية ويفارقها في خصوص رؤية ذلك النوع أو الشخص كما أن المرئي يشارك غيره في كونه موجوداً مرئياً ويفارقها بخصوص نوعه وشخصه فيكون الحكم المطلق المشترك وهومطلق الرؤية معلقاً بالقدر المشترك بين المرئيات والحكم الخاص وهو الرؤية الخاصة معلقاً بالقدر المختص في كل نوع وشخص على حدته وبهذا التحقيق يندفع ما يقال هناك إن الرؤية قد تكون معلقة بخصوص المرئي مثل أن تكون رؤية الجواهر والأعراض معلقة تخص الأعراض فإنه إذا فهم أن الرؤية جنس تحتها أنواع كالمرئيات وأن العام المطلق يضاف إلى العام المطلق والخاص المقيد يضاف إلى الخاص المقيد اندفع هذا وغيره ويزول ما ينقض العلة ويبين عدم تأثيرها وإذا كان كذلك وأن المقتضي لها مشترك فالمشترك بين

стр. 2296

المرئيات من العيان القائمة بأنفسها والصفات القائمة بغيرها إما الوجود ولوازمه وإما غير ذلك والذي هو غير ذلك هو أخص من الوجود وما كان غير ذلك فلابد أن يستلزم العدم سواء قيل هو الحدوث أو غير ذلك مثل بعض لوازم الحدث لأن المشترك إذا لم يكن هو الوجود ولا شيئاً من لوازمه التي يلزم من عدمها عدم الوجود كان أخص من الوجود بحيث يكون وجود خاص لئلا يلزم من عدم هذا الوجود الخاص عدم الوجود بالكلية إذ كل ما هو مساوٍ للوجود في العموم أو هو أعم منه كالمعلوم والمذكور يلزم من نفيه نفي الوجود وهو من لوازم الوجود والكلام هنا في القسم الثاني الذي ليس الوجود ولا شيئاً من لوازمه ولم نقل ولا شيئاً من ملازمه وهذا الوجود الخاص الذي يقدر أنه سبب الرؤية لا يجوز أن يكون هو الوجوب الواجب فإنا تكلمنا في رؤية المشهودات المخلوقة مع أن علة الرؤية إذا كان هو الوجود الواجب كان ذلك أبلغ في جواز رؤية الله تعالى فإنه سبحانه هو الوجود الواجب لكن ليس الأمر كذلك

стр. 2297

وإذا كان الأمر كذلك فهذا المقتضي للرؤية على هذا التقدير الذي هو أخص من الوجود إما أن يكون ما يدخل فيه الوجود الواجب أو لا يكون فإن كان المقتضي لجواز الرؤية مايتناول الوجود الواجب ثبت أن المقتضي لجواز الرؤية أمر مشترك بين الوجود الواجب وبين غيره من المرئيات وهذا هو المطلوب وإن كان المقتضي الأخص لا يدخل فيه الوجود الواجب وجب أن يكون مختصاً بما عدا الوجود وهذا سواء كان هو الإمكان أو الحدوث أو ما هو أخص من الإمكان والحدوث مثل التحيز أو المقابلة عند من يقول ذلك هو المقتضي للرؤية وهو منتفٍ في حق الله أو المشروط بالثمانية التي يذكرها المعتزلة أو غير ذلك وكل هذه الأمور إذا قيل بانتفائها عن

стр. 2298

واجب الوجود واختصاصها بالمخلوق فإنها مستلزمة للعدم وأقل ما يكون لقبول العدم فإن كل ما لا يدخل في الوجود الواجب فهو قابل للعدم بل هو معدوم تارة وموجود أخرى وإذا كان كذلك ظهر أن المقتضي للرؤية إذا لم يكن هو الوجود أو لوازمه كان مستلزماً للعدم وإن شئت لقبول العدم وبهذا التقسيم الدائر بين النفي والإثبات انقطع ما يورد هنا من السؤالات وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المقتضي لرؤية المرئيات أمراً يشترط فيه العدم أو قبوله لأن كونه معدوماً أو قابلاً للعدم لا يكون مقتضياً لأمر وجودي فالرؤية أمر وجودي والأمر الوجودي لا تكون علته أمراً عدمياً والعلم بهذا بديهي لمن تصوره لكن قد يكون الأمر العدمي مستلزماً لوجود مثل عدم الموانع المستلزمة لكمال العلة بوجود شروطها التي هي أجزاء العلة التامة فيضاف الحكم إلى ذلك العدم ويكون ذلك إضافة إلى علة ناقصة والعلة الناقصة تكون جزءاً وشرطاً من العلة

стр. 2299

التامة والعدم وإن كان في الظاهر جزءاً من العلة التامة فلابد أن يستلزم أمراً وجودياً وإلا فيمتنع أن يكون العدم علة للوجود أو جزءاً من علة الحقيقة بوجه من الوجوه وإذا كان كذلك امتنع أن يكون المقتضي للرؤية التي هي أمر موجود أمراً يستلزم العدم أو قبول العدم لأنه يكون العدم أو قبول العدم جزءاً من علة الأمر الموجود وهذا باطل فإن قيل هذا أو قبوله إنما كان علة للأمر الموجود لأنه يستلزم أمراً وجودياً كان ذلك الوجود هو جزء العلة في الحقيقة فلا يكون علة الرؤية إلا الوجود أو لوازم الوجود لا يكون ما يستلزم العدم أو قبوله وإذا لم تكن العلة ما يستلزم العدم أو قبوله بطل أن يكون علة الرؤية الحدوث أو شيئاً يختص بالمحدثات أو ببعضها أو الإمكان أو وصفاً يختص بالممكنات أو ببعضها ووج أن يكون قدراً مشتركاً بين القديم والمحدث بين الواجب والممكن بل أن يكون القديم الواجب أحق به فإنه إن كان هو الوجود فظاهر وإن كان شيئاً من لوازم الوجود فذلك الوصف متى انتفى انتفى الوجود فلا يكون ثابتاً إلا بثبوت الوجود ومن المعلوم أن الوجود وجميع لوازم الوجود مشتركة بين الواجب والممكن والقديم والمحدث وإذا كان كذلك ثبت أن المقتضي للرؤية أمر ثابت في حق الله تعالى القديم الواجب

стр. 2300

الوجود فتكون رؤية الله جائزة بل تكون أحق بجواز الرؤية لأن وجوده أكمل من وجود غيره ومن فهم هذه الحجة على هذا الوجه ظهر له أنها برهانية وأمكنه دفع تلك السؤالات الكثيرة التي تورد إذا ذكرت على هذا النظم ولولا أن هذا ليس موضع ذلك وإلا كنا نفعل ذلك مفصلاً لكن فالجواب عما أورده على هذه الحجة في احتجاج ابن الهيصم بها في مسألة العلو فظهر أصل الجواب في مسألة الرؤية وقد ظهر أن حجة ابن الهيصم لم يقررها هو تقريرا ًجيداً فإذا أردت تلخيص هذه الحجة فقل الرؤية مختصة بالموجود دون المعدوم وهذا الاختصاص إما أن يكون للموجود أو لما يساويه في العموم والخصوص أو لما هو أعم منه أو لما هو أخص منه فإن جازت لموجود أو لما

стр. 2301

يساويه أو لما هو أعم منه جازت رؤية كل موجود لثبوت الوجود أو ما يساويه أو ما هو أعم منه لكل موجود وإن اكن لما هو أخص من الوجود فإذا كان لما يندرج في الواجب جاز رؤيته أيضاً لوجود نقيضها وهو الوصف الذي يوجد للواجب وغيره وإن كان لا يندرج فيه الواجب فما سوى الواجب فهو محدث عند أهل الملل قد كان معدوماً وهو قابل للعدم بلا نزاع فيكون المقتضي للرؤية لابد أن يشترط فيه العدم أو قبوله ولا يجوز ذلك لأن الأمور الوجودية لا يشترك في علتها العدم ولا قبول العدم وطرد هذه الحجة يوجب ثبوت كل أمر وجودي ويقال على هذا جميع لنقائص التي يجب تنزيهه تعالى عنها فإنما هو لاستلزامها العدم وأما الوجود من حيث هو وجود فهو كمال فلا يجوز نفيه عنه وهذه الطريق توافق قول من يقول الكمال وهو الوجود وتوابعه وهو الخير والشر عدم الوجود وعدم كماله وبها يمكن أن نثبت جميع الصفات كالسمع والبصر والكلام فإنها وجود ليس فيها عدم والنقائص التي هي ضد هذه فيها العدم وهو عدم هذه الأمور وكلام السلف والأئمة موافق لهذه الطريقة حيث كانوا ينزهونه عن النقائص التي يشبه فيها المعدوم أو الموات العادم

стр. 2302

لصفات الكمال وهذا موافق ما قدمناه قبل هذا من أن ما كان صفة للعدم لم يجز أن يوصف الله به وإنما يوصف من السلوب بما كان مستلزماً للوجود إذ العدم المحض ليس فيه ثناء وحمد وصفات الله فيها الثناء والحمد وهذا يطابق أن الموجود من حيث هو فيه الثناء والحمد والحمد لله رب العالمين ونكتة هذه الحجة أن كل حكم ثبت لمحض الوجود فالوجود الواجب أولى به من الممكن وكذلك من الأمثال المضروبة وهي الأقيسة العقلية ولله المثل الأعلى أن كل كمال ثبت لموجود فالواجب أولى به من الممكن وكل كمال يوجد في المربوب فالرب أولى به من العبد وهذا مما سلكه الفلاسفة لكن يعبرون بمعنى التولد فيقولون كل كمال

стр. 2303

ثبت للمعلول فإنه من أثر العلة والعلة أولى به من المعلول وهذه أقيسة عقلية وأمثال مضروبة ولله المثل الأعلى تستعمل في عامة الأمور الإلهية كما ورد الكتاب والسنة بنحو ذلك كما قد بيناه في غير هذا الموضع وقولنا في هذه الحجة كل حكم ثبت لمحض الوجود يخرج الأحكام التي تتضمن العدم مثل الأكل والشرب فإن ذلك يستلزم كون الآكل والشارب أجوف بحيث يحصل الغذاء الذي هو أجسام في محل خال لاسيما إذا كان قد خرج غيره بالتحلل ويكون بدل المتحلل فيكون متضمناً خروج شيء من الجسم وذلك نقص منه وهو صفة عدمية ووجود أجزاء فيه وذلك يستلزم خالياً وهو نقص فيه وهو صفة عدمية وهذا

стр. 2304

ينافي الصمدية فإن الصمد هو الذي لا جوف له فلا يأكل ولا يشرب ولا يلد ولا يخرج منه شيء ولا غيره من جنس الفضلات التي تخرج من الإنسان فإن دخول جسم فيه أو خروج جسم منه يتضمن النقص المستلزم لأمر عدمي وهذا ينافي الصمدية وليس هو من الأحكام الثابتة لمحض الوجود بل من الأحكام المتضمنة وجوداً أو عدماً فلا جرم لم يكن سبب ذلك وصفاً يتناول الواجب والممكن بل وصف يختص بالممكن المحدث وهوالحاجة والافتقار في الطعام لإخلاف بدل ما يتحلل من البدن وفي الإنزال لدفع الضرر الحاصل بسبب المني بمنزلة إخراج الدم عند الحاجة فوجود جسم فيه يضاده ويضاره عجز وفقر من خصائص المخلوق وحاجته إلى جسم خارج منه يتم به وجوده فقر وحاجة من خصائص المخلوق ولهذا كان أهل الجنة يأكلون ويشربون وينكحون ولا يبولون ولا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون ولا يمنون وإنما يتحلل الطعام عنهم برشح كرشح المسك

стр. 2305

لأن تلك الفضلات مضادة للبدن مؤذية له وليس في الجنة أذى وأما الأكل والشرب فإنما هو استكمال بعد نقص وهذا من لوازم المخلوقات وهذا مبسوط في غير هذا الموضع ولهذا قال سبحانه مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ [المائدة ٧٥] فأكل الطعام ينافي الصمدية ويوجب الفقر والحاجة المنافي للربوبية من وجوه متعددة وهكذا سائر الأحكام التي تعرض لبعض الموجودات والرب منزه عنها مثل السنة والنوم هما من الحكام المتضمنة أمراً عدمياً فليس هو من أحكام الوجود المحض ولهذا كان أهل الجنة مع كونهم موجودين لا ينامون فإن النوم أخو الموت وهو يتضمن أمراً عدمياً وكذلك العجز والجهل

стр. 2306

والصمم والعمى وسائر ما ينافي صفات الكمال وإن وصف به بعض الموجودات فإنه متضمن أمراً عدمياً وهذا معنى النقص فإن النقص يتضمن أمرًا عدمياً وكل مل تضمن عدماً محضاً فإن الله لا يوصف به فإنه يقتضي العدم المحض إذ هو الوجود الواجب وإنما يوصف بالصفات السلبية المتضمنة أمراً وجودياً وأما طرد هذه الحجة في الإدراكات الأربعة هي السمع واللمس والشم والذوق فإنه وإن كان طردها طائفة من الصفاتية كالأشعري وأئمة أصحابه فلا يحتاج إلى ذلك عند التأمل بل يفصل الأمر فيه وإذا فصل تفصيلاً يقتضيه العقل الصريح كان ذلك موافقاً لما جاءت به الآثار وعليه أئمة الحديث وذلك أن السمع لم يتعلق بالجوهر والأعراض كالرؤية وإنما يتعلق بنوع من الأعراض وهو الأصوات مثلاً فإذا لم يكن متعلقاً بشيء قائم بنفسه كيف يمكن طرده في كل موجود قائم بنفسه حتى يقال إنه يمكن سمعه أما اللمس فإنه يتعلق بالجواهر والأعراض وهو الذي أورده من جهة الإلزام فلزم لزوماً واضحاً لكن قاسوا عليه بقية

стр. 2307

الإدراكات فلا جرم جاءت الأحاديث بثبوت المماسة كما دل على ذلك القرآن وقاله أئمة السلف وهو نظير الرؤية وهو متعلق بمسألة العرش وخلق آدم يده وغير ذلك من مسائل الصفات وإن كان قد نفاه طوائف من أهل الكلام والحديث من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم وليس هذا موضع الكلام فيه وإنما الغرض التنبيه على مجامع هذه الحجة وأما الذوق فهو مس خاص وكذلك الشم مس خاص فإن الهواء وهو جسم يدخل إلى المنخرين إلى الزائدة التي في الدماغ بخلاف السمع والبصر فإنه ليس فيهما مماسة المرئي والمسموع ولهذا كانت أصول الإحساس ثلاثة السمع والبصر والمس قال تعالى وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ [فصلت ٢٢] ولما كان اللمس جنساً تحته أنواع مختلفة في الحيوان وليس طريقاً عاماً إلى حصول العلم الكلي المجرد في القلب

стр. 2308

بل نفس الإحساس وما يتبعه من ملاءمة ومنافرة فيه خصوص في سببه ومقصوده بخلاف السمع والبصر فإنهما طريقان إلى حصول العلم فيهما العلم الكلي في القلب والبصر يحصل به العلم بنفس الحقائق الموجودة والسمع يحصل به العلم بما يقال من أسمائها وصفاتها كان السمع والبصر في كتاب الله مخصوصين بالذكر دون غيرهما من الإحساس فيقال أما قوله في الوجه الأول مدارها على أن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة قوله وهذه المقدمة ممنوعة فنقول منع هذه من أعظم السفسطة فإن الشاهد ما نشهده بحواسنا الظاهرة أو الظاهرة والباطنة وليس فيما نشهده شيء إلا محايث لغيره وهي الصفات التي هي الأعراض أو مجانب له بالجهة وهي الأعيان القائمة بنفسها وهي الجواهر فمن منع أن يكون المشهود لا يخلو عن أحد هذين الوصفين فقد منع أن تنقسم المشهودات إلى الجواهر والأعراض ومعلوم أن هذا خلاف اتفاق الخلائق من الأولين والآخرين وخلاف ما يعلم بالضرورة والحس فإن الشيء المشهود إما قائم بنفسه وهو مباين لغيره وإما قائم بغيره وهو محايث له

стр. 2309

وأما الوجوه التي ذكرها فعنها أجوبة أحدها أن الاستدلال على ذلك غير مقبول أنه قدح في أظهر الحسيات الضروريات الثاني أن هذا المؤسس وسائر طوائف أهل الحق متفقون على بطلانها وهو من أعظم الناس إبطالاً لما ذكره الفلاسفة في وجود جواهر غير محايثة لغيرها ولما ذكره المعتزلة من وجود أعراض غير محايثة لغيرها بل ما زال الناس يذكرون أن هذا من أعظم المحالات المتناقضة التي أثبتتها المعتزلة حيث أثبتوا إرادات وكراهات لا في محل وأن قولهم هذا يوجب عليهم وجود بقية الأعراض لا في محل وينقض عامة أصولهم الوجه الثالث أن يقال ما ذكروه من الحجة على أن الموجودين لابد وأن يكونا متباينين أو متحايثين هو حجة على

стр. 2310

هؤلاء وغيرهم فيكون التزام بطلان هذه الأقوال طرد الدليل والمستدل إذا استدل بدليل يبطل مذهب منازعيه في الصورة التي تنازعا فيها وفي غيره مما لم يذكره لم يكن للمنازع أن ينقض دليله بمجرد مذهبه في صورة النزاع ولا يجب على المستدل أن يخص كل صورة بدليل خاص إذا كان العام يتناول الجميع وبهذا يظهر خطؤه في قوله ما لم تبطلوا هذا المذهب بالدليل لا يصح القول بأن كل موجودين في الشاهد فإما أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه وكذلك قوله ما لم تبطلوا قول المعتزلة بثبوت إرادات وكراهات وفناء لا في محل فإن الدليل الذي ذكروه على أن كل موجودين لابد أن يكون أحدهما مبايناً للآخر أو يكون بحيث هو سواء كان هو الضرورة أو الحجة القياسية حجة على هؤلاء وعلى غيرهم فلا يكون مجرد دعوى هؤلاء أو دعوى غيرهم معارضة لما ذكر من الدليل لكن إن أقاموا حجة على جوهر غير مباين لغيره أو ثبوت عرض غير محايث لغيره كان ذلك الدليل معارضاً لكن هذا لم يذكر والجواب عنه إذا ذكر هو جواب المؤسس وسائر بني آدم وذلك يظهر بالوجه الرابع وهو أن قوله إن جمهور

стр. 2311

الفلاسفة يثبتون هذه الأشياء ويصفونها بما ذكر بل هذا تثبته طائفة من الفلاسفة وهم المشاؤون أتباع أرسطو ومن وافقهم وهؤلاء هم الذين سلك سبيلهم الفارابي وابن سبنا وهذا المؤسس من كتب ابن سينا يأخذ مذاهب الفلاسفة

стр. 2312

وكثيراً ما يقول اتفق الفلاسفة ولا يكون عنده إلا ما ذكر ابن سينا وليس ما يذكره ابن سينا قول جميع الفلاسفة بل الفلاسفة أعظم تفرقاً وأكثر طوائف من أن يحصر قولهم كلام ابن سينا أو غيره وقد حكى من صنف في المقالات من المسلمين مثل أبي الحسن الأشعري والنوبختي والباقلاني وغيرهم من مقالات الفلاسفة أضعاف أضعاف ما يذكره ابن سينا وهذا المؤسس وكذلك حكايته عن جمهور المعتزلة إثبات إرادات وكراهات وفناء لا في محل وهذا إنما هو قول بعض البصريين وهم أبو علي وأبو هاشم ونحوهما وليس هؤلاء جمهور المعتزلة بل لهم في الإرادة والكراهة وفي الفناء أقوال

стр. 2313

كثيرة معروفة هذا واحد منها أما الوجه الثالث الذي ذكره على وجود موجودات في الأعيان وهي الإضافات وأنه يمتنع أن تكون محايثة للعالم أو مباينة عنه بالجهة فهذا يعلم فساده بالضرورة والحس واتفاق العقلاء فلا يستحق الجواب فإن بعض الناس قد تنازع في الأمور التي لم يشهدها كالعقول والإرادات أما هذه الأعيان المشهودة فإنه لم يقل عاقل أنه يوجد فيها أمور لا مباينة للغير ولا محايثة له فإذا كان على هذا الوجه لم يستحق الجواب لكنا نبين وجه جهله لتتم الفائدة فنقول الأبوة هي كون الإنسان تولد منه نظيره والبنوة كونه يولد من نظيره أو ما يشبه هذا فإن الولادة داخلة في مسمى الأبوة والبنوة وكون الشيء ولده غيره أو ولد غيره وصف محسوس قائم بالوالد والولد وفي الحقيقة هو صفة ثبوتية فيها إضافة وأما العمومة والخؤولة ففيها ولادتان ولادة الأب للشخص وولادة جده لعمه وبنوة العم فيها ولادة ثالثة وهي ولادة العم لابنه فتفرع النسب يكون متعدد الولادة وقد يكون إحدى الولادات

стр. 2314

موجوداً لكن يتوقف الوصف على الأخرى كما يتوقف الأمر في العمومة والخؤولة على نحو ذلك ومن هنا يظن الظان أنها إضافة محضة والتحقيق أن أحد الوصفين وجد قل الآخر ومن المعلوم أن كونه ولد وانفصل عن أبيه وأمه ليس هو سبباً يتبعض حتى يقال ثلث ولادة وربع ولادة أعني إذا خرج جميعه وإذا لم تكن منقسمة لم تكن الأبوة والبنوة منقسمة حتى يقال ثلث الأبوة أو ثلث البنوة كما لا يقال نصف الحيوانية والإنسانية والناطقية ونحو ذلك فظهر أن الأبوة التي هي وجودية محايثة لذات الرب كغيرها وكيف لا يكون ذاك والأبوة من أعظم الصفات القائمة بالأب المغيرة له تغيراً مشهوداً بالحس لما يوجد فيه من محبة الولد والحنو عليه والعطف عليه وأمثال ذلك مما لا يوجبه سائر الصفات فهي بأن تكون قائمة به أولى من غيرها وأما السؤال الثاني وهو قوله كون الشيء بحيث يصدق عليه قولنا إما أن يكون وإما أن لا يكون إشارة إلى كونه قابلاً للإنقسام إليها وقبول القسمة حكم عدمي فلا يكون معللاً فعنه أجوبة

стр. 2315

أحدها أن المراد بذلك أن الموجود يلزمه أحد الوصفين أي أن كل موجودين فإنه يلزم أحدهما أن يكون محايثاً للآخر أو مبايناً عنه فلزوم أحد الوصفين للوجود وقيامه به وكونه لا يفارقه هو المعني بقولهم إما أن يكون محايثاً أو يكون مبايناً وهذه القضية التي يسمونها مانعة الخلو مع كونها مانعة الجمع أي أن الموجود لا يخلو عن أحد هذين الأمرين والخلو عن الصفات أمر عدمي فنقيضه يكون وجودياً فثبوت أحد هذين الوصفين للموجود أمر وجودي ليس المراد بهذا التقسيم أن الموجودين ينقسمان إلى ما يكون محايثاً وما يكون مبايناً فإن العرضين القائمين بمحل كل منهما محايثاً للآخر ليس مجانباً له والجوهران كل منهما مجانب للآخر ليس محايثاً له فهذا ليس من باب تقسيم الكلي إلى جزئياته وإنما هو
следующие страницы →