Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
الفلاسفة يثبتون هذه الأشياء ويصفونها بما ذكر بل هذا تثبته طائفة من الفلاسفة وهم المشاؤون أتباع أرسطو ومن وافقهم وهؤلاء هم الذين سلك سبيلهم الفارابي وابن سبنا وهذا المؤسس من كتب ابن سينا يأخذ مذاهب الفلاسفة
стр. 2312
وكثيراً ما يقول اتفق الفلاسفة ولا يكون عنده إلا ما ذكر ابن سينا وليس ما يذكره ابن سينا قول جميع الفلاسفة بل الفلاسفة أعظم تفرقاً وأكثر طوائف من أن يحصر قولهم كلام ابن سينا أو غيره وقد حكى من صنف في المقالات من المسلمين مثل أبي الحسن الأشعري والنوبختي والباقلاني وغيرهم من مقالات الفلاسفة أضعاف أضعاف ما يذكره ابن سينا وهذا المؤسس وكذلك حكايته عن جمهور المعتزلة إثبات إرادات وكراهات وفناء لا في محل وهذا إنما هو قول بعض البصريين وهم أبو علي وأبو هاشم ونحوهما وليس هؤلاء جمهور المعتزلة بل لهم في الإرادة والكراهة وفي الفناء أقوال
стр. 2313
كثيرة معروفة هذا واحد منها أما الوجه الثالث الذي ذكره على وجود موجودات في الأعيان وهي الإضافات وأنه يمتنع أن تكون محايثة للعالم أو مباينة عنه بالجهة فهذا يعلم فساده بالضرورة والحس واتفاق العقلاء فلا يستحق الجواب فإن بعض الناس قد تنازع في الأمور التي لم يشهدها كالعقول والإرادات أما هذه الأعيان المشهودة فإنه لم يقل عاقل أنه يوجد فيها أمور لا مباينة للغير ولا محايثة له فإذا كان على هذا الوجه لم يستحق الجواب لكنا نبين وجه جهله لتتم الفائدة فنقول الأبوة هي كون الإنسان تولد منه نظيره والبنوة كونه يولد من نظيره أو ما يشبه هذا فإن الولادة داخلة في مسمى الأبوة والبنوة وكون الشيء ولده غيره أو ولد غيره وصف محسوس قائم بالوالد والولد وفي الحقيقة هو صفة ثبوتية فيها إضافة وأما العمومة والخؤولة ففيها ولادتان ولادة الأب للشخص وولادة جده لعمه وبنوة العم فيها ولادة ثالثة وهي ولادة العم لابنه فتفرع النسب يكون متعدد الولادة وقد يكون إحدى الولادات
стр. 2314
موجوداً لكن يتوقف الوصف على الأخرى كما يتوقف الأمر في العمومة والخؤولة على نحو ذلك ومن هنا يظن الظان أنها إضافة محضة والتحقيق أن أحد الوصفين وجد قل الآخر ومن المعلوم أن كونه ولد وانفصل عن أبيه وأمه ليس هو سبباً يتبعض حتى يقال ثلث ولادة وربع ولادة أعني إذا خرج جميعه وإذا لم تكن منقسمة لم تكن الأبوة والبنوة منقسمة حتى يقال ثلث الأبوة أو ثلث البنوة كما لا يقال نصف الحيوانية والإنسانية والناطقية ونحو ذلك فظهر أن الأبوة التي هي وجودية محايثة لذات الرب كغيرها وكيف لا يكون ذاك والأبوة من أعظم الصفات القائمة بالأب المغيرة له تغيراً مشهوداً بالحس لما يوجد فيه من محبة الولد والحنو عليه والعطف عليه وأمثال ذلك مما لا يوجبه سائر الصفات فهي بأن تكون قائمة به أولى من غيرها وأما السؤال الثاني وهو قوله كون الشيء بحيث يصدق عليه قولنا إما أن يكون وإما أن لا يكون إشارة إلى كونه قابلاً للإنقسام إليها وقبول القسمة حكم عدمي فلا يكون معللاً فعنه أجوبة
стр. 2315
أحدها أن المراد بذلك أن الموجود يلزمه أحد الوصفين أي أن كل موجودين فإنه يلزم أحدهما أن يكون محايثاً للآخر أو مبايناً عنه فلزوم أحد الوصفين للوجود وقيامه به وكونه لا يفارقه هو المعني بقولهم إما أن يكون محايثاً أو يكون مبايناً وهذه القضية التي يسمونها مانعة الخلو مع كونها مانعة الجمع أي أن الموجود لا يخلو عن أحد هذين الأمرين والخلو عن الصفات أمر عدمي فنقيضه يكون وجودياً فثبوت أحد هذين الوصفين للموجود أمر وجودي ليس المراد بهذا التقسيم أن الموجودين ينقسمان إلى ما يكون محايثاً وما يكون مبايناً فإن العرضين القائمين بمحل كل منهما محايثاً للآخر ليس مجانباً له والجوهران كل منهما مجانب للآخر ليس محايثاً له فهذا ليس من باب تقسيم الكلي إلى جزئياته وإنما هو
стр. 2316
من باب التقسيم المانع من الجمع بين للقسمين والخلو منهما وبهذا يظهر غلطه في السؤال الثالث أيضاً وإذا كان هذا التقسيم ليس هو القسمة إلى أمرين كتقسيم الكلي والكل وإنما هو بيان لزوم لأحد القسمين ونفي خلو المحلين عنهما جميعاً بطل قوله هذا إشارة إلى كونه قابلاً للإنقسام إليهما بل هذا إشارة إلى لزوم أحدهما الوجه الثاني قوله قبول القسمة حكم عدمي يقال لا نسلم ولا نسلم أن أصل القبول حكم عدمي بل كون الوجود قابلاً لشيء نقيضه عدم كونه ليس بقابل له والقبول رافع لهذا العدم ورافع العدم وجود وهذه الحجة هي التي احتج بها على أن الأبوة وجودية فإن صحت صح أن القبول وجودي وإن بطل ذلك في القبول بطل في الأبوة أيضاً الوجه الثالث قوله لو كان أمراً ثابتاً لكان صفة من صفات الشيء المحكوم عليه بكونه قابلاً والذات قابلة
стр. 2317
للصفة القائمة بها فيكون قبول ذلك القبول زائداً عليه ويلزم التسلسل يقال قبول الانقسام ونحوه من الصفات كون ذلك ممكناً في نفس الذات وإمكان الشيء لا يحتاج إلى إمكان آخر وهذه الصفة لازمة للذات ليست الذات قابلتها بمعنى أنه يمكن وجودها ويمكن عدمها بل كونها قابلة أمر لازم لها واجب لها وهذا القبول يراد به عدم الامتناع بمعنى الإمكان العام الذي يدخل فيه الواجب والأولى بمعنى الإمكان الخاص فإذا كان أحد القبولين هو الإمكان الخاص والآخر هو العام وهو بمعنى الوجوب كان ذلك بمعنى الوجوب ووجوب الصفة للموصوف ليس فيه تسلسل وإنما جاء الغلط من لفظ الاشتراك والقبول الوجه الرابع هب أن القبول أمر عدمي فقوله يمتنع تعليله قيل المراد بالتعليل هنا التلازم ليس المراد به أن يكون أحد الأمرين غنياً عن الآخر موجباً له وبهذا الاعتبار يصح أن يكون كل من الأمرين لازماً ملزوماً
стр. 2318
فقد تبين بهذه الوجوه الثلاثة أن التقسيم لزوم لا قبول ولو كان قبولاً لم يكن عدمياً ولو كان عدمياً فمعناه أن الموجود لابد له من أن يكون مع غيره من الموجودات إما محايثاً له وإما مبايناً له وهذا لازم لكون الموجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وكل قائم بنفسه فهو مباين للقائم بنفسه وكل قائم بغيره فهو محايث لذلك الغير ولما شاركه في القيام بذلك الغير وأما السؤال الثالث فقوله ما الذي تريدون بقولكم الموجود في الشاهد منقسم إلى المحايث والمباين فعنه جوابان أحدهما أن يقال له لم يقولوا هكذا وإنما قالوا الموجودان لابد وأن يكون كل منهما مبايناً للآخر أو محايثاً له والموجود بنفسه مع الموجود الآخر إما مبايناً له أو محايثاً له لم يقولوا إن الموجودات تنقسم إلى قسمين أحدهما مباين والآخر محايث وفرق بين كون الموجود بالنسبة إلى غيره يلزمه أحد الأمرين وبين كون الموجود ينقسم إلى الأمرين وإذا كان كذلك فلزم أحد الأمرين حكم واحد ليس هو حكمين
стр. 2319
مختلفين والفرق ظاهر بين أن يكون الموجود ينقسم إلى قائم لنفسه مباين لغيره وهو الجوهر وهو قائم بغيره محايث له وهو العرض وبين أن يقال كل موجود مع غيره فلابد أن يكون مبايناً له أو محايثاً له أو يقال الموجود من حيث هو موجود يلزمه أن يكون قائماً بنفسه أو بغيره فإن هذا حكم واحد لموجود وذاك حكمان مختلفان فهذا الواحد هو ما به الاشتراك وهو مورد التقسيم وذانك الاثنان هما ما به الامتياز وهو ما به يمتاز أحد القسمين عن الآخر بالحكم الواحد المشترك وهو لزوم أحدهما والانقسام إليهما يلزم الوجود المشترك والحكم المختص يلزم القسم الخاص فخصوص كونه قائماً بنفسه حكم النوع الخاص وهو الجوهر وخصوص كونه قائماً بغيره حكم النوع الآخر الخاص وهو العرض ولا ريب أن خصوص كونه جوهراً وعرضاً يصلحان لما يختص بالجوهر والعرض وأما لزوم أحد الحكمين لكل موجودين أو كل موجود وكون الموجود والموجودين لا يخلو عن أحد هذين الوصفين فهذا الحكم المشترك بينهما لا يصلح تعليله بخصوص الجوهر وخصوص العرض وهذا ليس هو أن الموجود في الشاهد منقسم إلى هذين القسمين فليس هو قسمة الكل إلى أجزائه فظهر أن الذي قالوه ليس بغلط ولكن هو
стр. 2320
غلط غالًط وهذا مثل أن يقال الموجود لابد أن يكون إما قديماً أو محدثاً وإما أن يكون خالقاً وإما أن يكون مخلوقاً فإن هذا يختص بالموجود فالمعدوم لا يكون قديماً ولا محدثاً ولا خالقاً ولا مخلوقاً فلزوم أحد القسمين حكم مشترك بينهما والموجود من حيث هو مشترك بينهما الجواب الثاني أن يقال هي أنهم قالوا الموجود في الشاهد ينقسم إلى المحايث والمباين فإن انقسام الشيء إلى قسمين حكم واحد ولكن ما يخص أحد القسمين حكم يخالف الآخر فهب أن وجوب المباينة معلل بكونه جوهراً ووجوب المحايثة معلل بكونه عرضاً لكن القدر المشترك وهو لزوم الانقسام وقبوله ووجوب الانقسام إلى جوهر وإلى عرض حكم مشترك بينهما وهذا الحكم المشترك يجب تعليله بالقدر دون الحكم المختص لأن وجوب الانقسام ولزومه وقبوله وكونه بحيث ينقسم إلى قسمين هو مورد التقسيم ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام فيجب تعليله بالمشترك فالمقسوم هو الموجود من حيث هو لا وجود الجوهر خاصة ولا وجود
стр. 2321
العرض خاصة والموجود وإن لم يكن في الخارج إلا متميزاً فهذه قسمة الكلي إلى جزئياته فهذا حاله بخلاف الكلي الموجود في الخارج كالإنسان مثلاً إذا قسم إلى أجزائه من الرأس واليد ونحو ذلك وأما قوله في السؤال الرابع لِمَ قلتم أنه لابد من تعليله إما بالوجود وإما بالحدوث وما الدليل على الحصر فإنه يمكن أن يقال هنا ثلاثة أشياء أحدها أن يقال البحث التام والسبر التام والاستقراء
стр. 2322
التام قد يفيد اليقين تارة كما يفيد الظن القوي أخرى وهذا مما يقال في مواضع وقول القائل الشهادة على النفي غير معلومة ليس بصحيح بل النفي قد يعلم تارة كما يعلم الإثبات الثاني أن يقال هذا يفيد الاعتقاد القوي والظن الغالب وهذا فيه إنصاف وعدل وهو خير من دعوى البراهين القطعية التي تظهر عند التحقيق أنها شبهات وخيالات فاسدة ومن قال لا يجوز أن يحتج في هذا الباب إلا بالقطعي الذي لا يحتمل النقيض قيل له أولاً أنت أول من خالف هذا فأنت دائماً تحتج بما لا يفيد الظن الغالب فضلاً عن اليقين وقيل له ثانياً لا نسلم بل الواجب على كل إنسان أن يأتي بما هو الحق فإن كان عنده علم قاطع قال به والمسائل التي تنازع بنو آدم فيها لأن يحصل للإنسان فيها ظن غالب خير من أن يكون في الحيرة والجهالة أو يكون في التقليد أو الحجج الفاسدة كما هو الواقع كثيراً وسنتكلم إن شاء الله على هذا في الكلام على
стр. 2323
الأحاديث وقيل له ثالثاً هذا إذا انضم إلى غيره حصل من مجموعهما اليقين وإن لم يكن اليقين حاصلاً بأحدهما كغير ذلك منم الأدلة السمعية والعقلية الثالث أن هذا يمكن تقريره بالتقسيم الدائر بين النفي والإثبات كما قررناه في مسألة الرؤية وهو أن يقال المشترك بينهما إما أن يكون هو الوجود أو ما هو من لوازمه أو لا الوجود ولا شيئاً من لوازمه وما ليس الوجود ولا شيئاً من لوازمه يكون أخص من الوجود لأن ما هو مساوٍ له في العموم والخصوص وما هو أعم منه لازم له وأما الأخص منه كالحدوث والإمكان فليس بلازم له لأن الوجود قد لا يكون مكناً ولا محدثاً بخلاف الأعم مثل جواز كونه مذكوراً ومعلوماً فإن ذلك يلزم من انتفائه انتفاء كونه موجوداً لأنه أعم منه وإن شئت قلت إما أن يكون هو الوجود أو ما يساويه في العموم والخصوص أو أعم منه أو أخص فإذا كان أخص منه فإما أن يتناول الوجود الواجب أو لا يتناوله فإن تناوله فهو في ذلك كالوجود وإن لم يتناوله فإنه مستلزم الحدوث فإن كل
стр. 2324
ما لا يدخل في مسمى واجب الوجود فهو محدث فثبت أن العلة إما أن تكون هي الحدوث أو ما يشترط فيه الحدوث مثل ما هو أخص من الحدوث وإما أن يكون هو الوجود أو ما يتناول واجب الوجود وهذا التقسيم دائر بين النفي والإثبات وإليه يرجع حقيقة قولهم إما الوجود وإما الحدوث وهذا التحرير يظهر الجواب عن السؤال الخامس وهو قوله لا نسلم أنا ما وجدنا لهذا الحكم علة سوى الحدوث أو الوجود بيانه من وجهين الأول أنه من المحتمل أن يقال المقتضي لقولنا إن الشيء إما أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة وهو كونه بحيث تصح الإشارة الحسية لأن كل شيئين صح الإشارة إليهما فإما أن تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر أو غيره فيقال له كونه بحيث تصح الإشارة الحسية إليه إما أن يكون مطابقاً للوجود في العموم والخصوص بحيث يقال
стр. 2325
الموجود لابد أن تصح الإشارة الحسية أصلاً أو تبعاً وأن كل موجودين فلابد أن تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر أو غيره أو يكون أخص منه فإن كان مطابقاً له حصل المقصود وكذلك إذا كان أعلم منه بطريق الأولى لأنه حينئذ تكون الحجة دليلاً على شيئين على صحة الإشارة الحسية إليه وعلى كونه مبايناً للعالم وإن كانت صحة الإشارة إليه أخص من الوجود بحيث تصح الإشارة الحسية إلى بعض الموجودات دون بعض فإن كان واجب الوجود داخلاً في ذلك صحة الحجة أيضاً وإن لم يكن داخلاً في ذلك كانت صحة الإشارة مستلزماً للحدوث فيكون التعليل بصحة الإشارة الحسية تعليلاً بما يستلزم الحدوث كما سنبينه إن شاء الله وأما قوله في الوجه الثاني إن الجواهر والأعراض مشتركان في الأمر الذي به وقعت المخالفة بينهما وبين الباري فلم لا يجوز أن يكون هذا هو المقتضي لقبول الانقسام إلى المباين والمحايث وحينئذ يبطل قوله لا مشترك بينهما إلا الحدوث
стр. 2326
يقال هذه المخالفة لذات الباري المشتركة بينهما هي مستلزمة للحدوث فإنها من خصائصها لا توجد في الباري وما يختص المحدث مستلزم للحدوث وإذا كان كذلك كان حكمه حكم الحدوث فإن قولهم هو الوجود أو الحدوث كل وصف يستلزم الحدوث فحكمه كحكمه في ذلك وكل وصف لازم للوجود بحيث يلزم من عدمه عدم الوجود هو كالوجود فإن رفع التعليل به يقتضي رفع التعليل بالوجود كما تقدم بيانه قوله في السؤال السادس لِمَ لا يجوز أن يكون المقتضي لهذا الحكم الحدوث قوله الحدوث ماهية مركبة من العدم والوجود قلنا كل محدث فإنه يصدق عليه كونه قابلاً للعدم والوجود وأيضاً كون الشيء منقسماً إلى المحايث والمباين معناه كونه قابلاً للانقسام إلى القسمين فالقابلية إن كانت صفة وجودية كانت في الموضعين كذلك وإن كانت عدمية فكذلك ولا يبعد تعليل عدم بعدم يقال أما الحدوث أو ما يستلزم الحدوث فلا يجوز أن يكون هو علة للأمر الوجودي لأن ذلك مستلزم للعدم وما يستلزم العدم لا يجوز أن يكون علة للأمر الوجودي فلا يعلل
стр. 2327
الأمر الوجودي الذي يختص بالموجودات دون المعدومات إلا بأمر وجودي يختص بالموجودات وكذلك لو أريد بالتعليل الملازمة ف٥إن الأمر الوجودي لا يكون مستلزماً للأمر المستلزم للعدم لأنه يوجب أن يكون العدم مستلزماً الوجود والعدم لا يكون مستلزماً للوجود فلا تكون الرؤية ولا صحة المحايثة والمبانية مستلزماً لما يتضمن العدم سواء كان هو الحدوث أو ما يستلزم الحدوث إذ كل منهما مستلزم للعدم والوجود لا مستلزم للعدم إلا بطريق استلزامه لوجود يمنع غيره فيكون العدم ضد الوجود أما أن يكون وجود جنس الأمر الوجودي معلقاً بوجود يشترط فيه أن يكون معدوماً فلا قوله كل محدث يصدق عليه كونه قابلاً للوجود والعدم وكذلك كون الشيء منقسماً إلى المحايث والمباين إلى آخره يقال له هذا غلط من وجوه أحدها أن المحدث الذي تجوز رؤيته هو الموجود دون المعدوم فإن المعدوم لا يجوز رؤيته ولا يجوز تعليل رؤية الوجود المنقسم إلى محايث ومباين بأنه محدث منقسم إلى موجود ومعدوم فإن المحدث الذي يدخل فيه المعدوم لا يرى
стр. 2328
بحال فهو أعم مما يرى والعلة لا تكون أعم من المعلول وأيضاً فالمحدث الذي يصدق عليه أنه قابل للوجود والعدم إنما هو الحقيقة الذهنية التي لا وجود لها في الخارج فهي تقل أن تكون موجودة وأن تكون معدومة وأما الوجود فلا يقبل ذلك الثاني أنه ليس قبول الحقيقة لأن تكون موجودة ومعدومة مثل قبولها لأن تكون محايثة لغيرها أو مباينة له لأن ذلك القبول لا يقوم بشيء موجود بل هو حكم ذهني وأما هذا الثاني فهو صفة لأمر موجود فإن المحايثة والمباينة صفة لأمر موجود وليس كل واحد من الوجود والعدم صفة لموجود الثالث أن الشيء الذي يقبل الوجود والعدم هو شيء بعينه يقبل الوجود تارة والعدم تارة ليس المحدث ينقسم إلى موجود ومعدوم وأما المحايثة والمباينة فليستا صفتين متعاقبتين على حقيقة واحدة بل الحقيقة الموجودة المطلقة تنقسم إلى محايث موصوفاً بالمباينة وإلى مباين ليس موصوفاً بالمحايثة فليس هذا نظير ذلك الرابع أنا قد بينا أن الحكم الواحد هو لزوم أحدهما للوجود وهذا حكم واحد وجودي ولا يقال إن أحد الأمرين
стр. 2329
من الوجود والعدم يلزم المحدث بل المحدث بعد حدوثه لا يكون إلا موجوداً وقبل وجوده لم يكن إلا معدوماً وإن أريد به الحقيقة أنه يلزمها أحد الأمرين فيقال هو يلزمها إما الوجود وإما العدم ولزوم أحد الأمرين واحد وجود والثاني عدم لا يكون وجودياً بخلاف لزوم أحد أمرين وجوديين المباينة والمحايثة فإن لزوم أحد هذين يكون وجودياً الخامس أن الصواب المتفق عليه بين أهل السنة وعقلاء الخلق أن العدم ليس بشيء في الخارج وإنما كان له وجود في العلم وإذا كان كذلك فالمحدث تارة يكون شيئاً وتارة لا يكون شيئاً فلا يكون كونه شيئاً وكونه ليس بشيء علة لكونه محايثاً أو مبايناً فإن هذين يختصان بما هو شيء وما هو شيء لا يكون علة ما يستلزم في أحد حاليه أن لا يكون شيئاً أو لا يكون علة انقسام حالية إلى أن يكون شيئاً تارة وغير شيء أخرى وأما ما أورده على قوله إن الجهل بالعلة يوجب الجهل بالمعلول من معارضة ذلك بأن يقال العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فيقال عنه جوابان أحدهما القول بموجب ذلك فإن كل ذي فطرة سليمة لم يتقلد مذهباً يصده ويغير فطرته إذا علم أن الشيء موجود علم أنه إما أن يكون محايثاً لغيره وإما أن يكون مبايناً له كما يعلمون
стр. 2330
أن القائم بنفسه لا يكون إلا داخل العالم أو خارجه وإذا قيل له موجود ولا داخل العالم ولا خارجه أو قيل له شيئان موجودان ليس أحدهما مبايناً للآخر ولا هو بحيث هو وفهم ذلك أنكرته فطرته وقوله الجمهور الأعظم وهم أهل التوحيد يعلمون أن الباري جل وعلا موجود ولا يعلمون أنه لابد وأن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً له قلنا ليس الأمر كذلك بل النفاة مغمورون في جانب أهل التوحيد أيضاً فيكون بالنسبة إلى جماهير بني آدم من المسلمين وغيرهم وجمهورهم تقلد هذا القول عن بعض حتى تغيرت فطرته ليس في هؤلاء أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا فيهم إلا من هو مجروح من المسلمين ببدعة وإن كان متأولاً فيها ومغفوراً له خطؤه أو فيه ما هو أكثر من البدعة وهو الغالب على أئمة هذا القول من نوع ردة عن الإسلام ونفاق فيه وغير ذلك وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أنهم من أضل الخلق وأجهلهم فلا يضرهم خلافهم في ذلك الوجه الثاني أن يقال العلم أمر وجودي وأما عدم العلم
стр. 2331
فوصف عدمي والأمر الوجودي يتوقف على السبب التام بخلاف العدمي فإنه يكفي فيه عدم السبب أو نقصه وإذا كان كذلك فليس مجرد علم الإنسان بالدليل علة كان أو غيرها يوجب علمه بالمدلول معلولاً كان أو غيره إن لم يستحضر في ذهنه دلالة الدليل على المدلول ويتفطن لما فيه من الدلالة وهذا كما أن خلقاً يسمعون كلام الله وهو الدليل الهادي ويشهدون آيات الله بالليل والنهار وهم عنها معرضون لعدم التفكير والتدبر أما إذا علم الرجل الحكم فلابد له من سبب يوجب العلم في قلبه وكون الشيء إما محايثاً وإما مبايناً وإما قديماً وإما محدثاً ونحو ذلك وإنما هو الوصف المعقول وهو لزوم أحد الوصفين للموجود وكون الموجود ينقسم إلى هذين فإن الموجود المطلق وجوده ذهني
стр. 2332
وكذلك الانقسام إلى قسمين هو حكم عقلي وكذلك لزوم أحد الوصفين لا بعينه حكم عقلي ليس بحسي فإذا كان هذا الحكم يحكم به العقل بمجرد علمه وجود الشيء المحايث والمباين قبل علمه بكونه محدثاً علم أن العلم بهذا الانقسام العقلي لا يتوقف على الحكم بالحدوث بل يعلم بمجرد العلم بكونه موجوداً فلو كان المقتضي له ليس هو الوجود بل هو الحدوث أو ما يشترط فيه الحدوث كان الحكم بذلك يدون العلم بمقتضيه وملزومه حكماً بالذهن بلا حجة فإنه إنما يستدل على الشيء بعلته أو معلوله أو يستدل بأحد المعلولين على الآخر فإذا كانت جميع وجوه الأدلة منتفية انتفى العلم فإذا كان العلم بهذا الانقسام موجوداً بدون هذه الوجوه علم أنها ليس أدلة فلا تكون داخلة في التعليل وكذلك قوله الأمر المعلوم بالبديهة لا يجوز أن يكون علة وصف استدلالي إنما هو العلة التي توجب العلم بالحكم ولكن يجوز أن يكون المؤثر فيما أدركه الحس ما لم
стр. 2333
يذكره الحس ولكن هذا الانقسام ليس من الأمور الحسية بل من الأحكام العقلية والعقل لا يحصر شيئاً قبل الإحاطة بأفراده ولا تلازم بين شيئين قبل العلم بوجه الملازمة فإن لم يكن الوجود هو المقتضي لهذا الحصر والتقسيم لهذه الملازمة لم يجز حكم الذهن بذلك حتى يعلم دليلاً يدله على هذا الحصر والتقسيم وهذه الملازمة ولا يجوز أن يكون الحكم بديهياً ودليله نظرياً استدلالياً ومن يدبر عقله علم أنه يحكم بهذا التقسيم وهذا اللزوم بمجرد العلم بالوجود قبل العلم بالحدوث وغيره فإن لم يكن الوجود مقتضياً له لم يكن له أن يحكم إلا بما أحسه وهذان هذا مباين لهذا وهذا محايث له أما أن يحكم حكماً عاماً على جميع الموجودات إما أن يكون محايثاً وإما أن يكون مبايناً قبل علمه بتساويهما في ذلك فهو حكم بلا أصل وهذا الكلام يحتاج إلى تقرير أن العلة الخارجة هي العلة الذهنية وإلا فيمكن النزاع في ذلك وإما قوله في السؤال السابع لو كان الوجود واحداً في الشاهد والغائب ليس إلا بالاشتراك اللفظي وهذا لا يمكن إلا بأن يكون الباري مثلاً للمحدثات أو يكون الوجود زائداً
стр. 2334
على الماهية والمخالفون لا يقولون بواحد منهما فيقال مثل هذا الكلام تكرر في تصانيف هذا الرجل وهو غلط عظيم في أظهر الأمور وأول الأمور المعقولة من العلم الكلي وهو وجود الحق ووجود الخلق ولهذا يغلط به من نقل مذاهب الناس فإن مذهب عامة الناس بل عامة الخلائق من الصفاتية كالأشعرية والكرامية وغيرهم أن الوجود ليس مقولاً بالاشتراك اللفظي فقط وكذلك سائر أسماء الله التي سمي بها وقد يكون لخلقه اسم كذلك مثل الحي والعليم والقدير فإن
стр. 2335
هذه ليست مقولة بالاشتراك اللفظي فقط بل بالتواطؤ وهي أيضاً مشككة فإن معانيها في حق الله تعالى أولى وهي حقيقة فيهما ومع ذلك فلا يقولون إن كما يستحقه الله تعالى من هذه الأسماء إذا سمي بها مثل ما يستحقه غيره ولا أنه في وجوده وحياته وعلمه وقدرته مثلاً لخلقه ولا يقولون أيضاً إن له أو لغيره في الخارج وجوداً غير حقيقتهم الموجودة في الخارج بل اللفظ يدل على قدر مشترك إذ أطلق وجرد عن الخصائص التي تميز أحدهما وهو لا يستعمل كذلك في أسماء الله فقط ولا هو موضوعاً في اللغة كذلك وإنما يذكر كذلك في مواضع تجرد عن الخصائص كما تجرد في المناظرة لأمور يحتاج إليها فيقدر تجريده عن الخصائص تقديراً كما يقدر أشياء لم توجد وهو حينئذ دال على قدر مشترك بين المسلمين ولكن ذلك المشترك ليس مجموع حقيقة كل منهما الموجودة في الخارج فإن لفظ الموجود إذا جرد يدل على الموجود المطلق لم يكن الوجود المطلق حقيقة إلا في الذهن وأما
стр. 2336
الوجود الخارجي فوجود كل موجود معين مميز عن الآخر مختص به وذلك كـ الجسم المطلق والحيوان المطلق والإنسان المطلق وقد تقدم غير مرة أن حقيقة ذلك أن هذه الحيوانية الخارجية المعينة تشبه هذه الحيوانية وهذه الإنسانية الخارجية تشيه هذه الإنسانية فبينهما مشابهة من هذا الوجه وإن كانت بينهما مخالفة من وجوه أخرى وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود ففيه إثبات أصل الوجود والثبوت والكون لكل منهما وأن ما لهذا يشبه ما لهذا من هذا الوجه وهذا المعنى الذي اشتركا فيه واشتبها في غاية البعد عن حقيقة كل منهما كما أن حقيقة كل منهما يكون في غاية البعد عن حقيقة الآخر فوجود أحدهما في الخارج هو عين حقيقته فإذا قيل إن سائر الحقائق والماهيات تشاركها في مسمى الحقيقة والماهية أو تشبهها في ذلك كان هذا
стр. 2337
الشبه البعيد في غاية البعد عن الحقيقتين ولكن الأمور العظيمة الاختلاف بالحقيقة قد تشتبه في أمر ما وهو الذي اشتركت فيه وأعم هذه الأمور هذا الوجود الثابت والكون فمن كان نظره في هذا نظره في أبعد الأشياء عن حقيقة الرب وكثير من هؤلاء يعتقد أنه قد أدرك حقيقته أو أنه لا حقيقة له إلا ذلك وهؤلاء من أعظم الخلق تمثيلاً لربهم بكل شيء وقد جعلوا كل شيء نداً له وكفواً حيث جعلوا حقيقته هي الوجود المطلق وذلك يثبت لكل موجود فهم أعظم الخلق إشراكاً بالله ومن هنا قال الاتحادية منهم إنه وجود كل شيء وأنه وجود الموجودات كلها ونحو ذلك مما هو من أعظم الإشراك والتعطيل وأصل هذا أن الاشتراك أو الاشتباه في أمر ما لمسمى الوجود أو الحي أو غير ذلك لا يقتضي التماثل بوجه من الوجوه بل يقتضي نوع اشتباه وقد يكون بعيداً عن التماثل وهذا الرازي يظن كثيراً أن الاشتراك في شيء هو التماثل فيحكم على
стр. 2338
المشتبهين في شيء بحكم المتماثلين ثم إنه في موضع آخر يناقض ذلك حتى يجعل الأمور المتماثلة في الحكم لا تتماثل في العلة والأمور المتماثلة في العلة لا تتماثل في الحكم إذ هو متناقض في عامة كلامه ثم إن هؤلاء المتفلسفة والمتكلمة والمتصوفة وسائر الملاحدة من القرامطة وغيرهم الذين يقولون حقيقته هي
стр. 2339
الوجود المحض أو المطلق أو نحو ذلك يزعمون أنهم أبعد الخلق عن التشبيه وأنهم هم الموحدون المحققون للتوحيد حتى ينفوا الصفات والأسماء نفياً منهم زعموا الشبيه وهم أعظم الخلق تشبيهاً وتمثيلاً وإشراكاً وجعلوا أنداداً لله مع ما هم عليه من التعطيل وأبعد الخلق عن أن يوحدوا الله تعالى بوحدانيته التي انفرد بها عن سائر مخلوقاته فإنهم جعلوا حقيقته الوجود المطلق فهذا القدر ثابت لكل موجودة فقد جعلوا حقيقته ما هو ثابت لكل شيء فقد جعلوا حقيقة الله تشركه فيها البعوضة والنملة بل الكلب والخنزير وقد يصرحون بأن وجود الكلب والخنزير عين وجوده وهذا من أغلظ الإشراك والكفر برب العالمين وهو تعطيل الله إذ لا وجود للوجود المطلق إلا في المعين فإذا لم تثبت له حقيقة موجودة مختصة به منفصلة عن الموجودات لزم
стр. 2340
تعطيله ثم إن حقيقته التي اختص بها وامتاز بها عن خلقه لا يثبتونها وبها وجبت له الوحدانية والوجود من حيث هو وجود كالثبوت والكون وكونه حقاً وهذا القدر ثابت لكل ما خلقه وسَوّاه وهو سبحانه رب كل موجود سِوَاه وخالقه وباريه ليس كمثله شيء من ذلك سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً وهذا الموضع قد أوسعنا القول فيه في مواضع غير هذا وهو منشأ الاشتراك والضلال في طوائف من الفلاسفة والاتحادية وسائر الملاحدة الذين يعمهم معنى الجهمية وإن كان لبعضهم عن بعض في ذلك مزية ومنشأ هذا من القياس الفاسد والتمثيل برب العالمين والتسوية بينه وبين غيره كما قال تعالى فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ﴿٩٤﴾ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴿٩٥﴾ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴿٩٦﴾ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٩٧﴾ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٩٨﴾ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ﴿٩٩﴾ [الشعراء ٩٤-٩٩] وأصل الإشراك الذي هو من القياس الفاسد هو من إبليس أول من قاس قياساً
стр. 2341
فاسداً وهو إمام المشركين وقائدهم ولا ينجو منه إلا المخلصون الذين أثبتوا لله ما يختص به من الصفات والعبادات كما قال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٢﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿٨٣﴾ [ص ٨٢-٨٣] وقال تعالى إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٩٩﴾ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴿١٠٠﴾ [النحل ٩٩-١٠٠] وهذا باب واسع ليس هذا موضعه وذلك أنهم يجردون أسماء هذا وصفاته وأسماء هذا وصفاته فيسوون بينهما ويجردون القدر المشترك بينهما فيثبتونه حقيقة خارجة وقد يجعلون هذا الذي جردوه هم بأذهانهم فقدروه في أنفسهم هو الحقيقة الموجودة في الخارج كقولهم هو في كل مكان بذاته وقولهم هو نفس ووجود
стр. 2342
الموجودات وهو الوجود المطلق ونحو ذلك وأما السؤال الثامن فقوله في المعارضة إن المقتضي لقبول الانقسام في الجوهر والعرض لو كان هو الوجود لزم في الجوهر وحده أن يقبل الانقسام إلى الجوهر والعرض وكذلك في العرض وهو فيقال هذا غلط ظاهر ومغالطة قبيحة وذلك أن هذا الموجود إما أن يراد به الموجود المعين الخارجي فيكون المعنى أن يلزمه أحد الحكمين إما المحايثة وإما المباينة لا يقال فيها إنه منقسم إليهما وعلى هذا فالجوهر الموجود يلزمه أحدهما والعرض الموجود يلزمه أحدهما وإما أن يراد به الوجود المطلق الكلي الذي هو مورد التقسيم إلى الأقسام فهذا إذا قيل إنه ينقسم إلى محايث ومباين فهو كقولنا ينقسم إلى جوهر وعرض ولا يلزم من قبول القسمة أن يكون أحد قسميه القسمة التي يقبلها هو بل هذا جمع بين النقيضين وأما قوله في السؤال التاسع إن هذا الدليل قائم في صور كثيرة مع أن النتيجة اللازمة عنه باطلة وهذا يدل على أنه منقوض وبيانه من وجوه
стр. 2343
الأول أن كل ما سوى الله محدث فتكون صحة الحدوث حكماً مشتركاً فلابد لها من علة مشتركة والمشترك الحدوث أو الوجود والحدوث لا يكون علة صحة نفسه فوجب كونها معللة بالوجود فيلزم أن يكون الله محدثاً فيقال صحة الحدوث ليست من أحكام الأمور الوجودية بل من أحكام الأمور التي يمكن وجودها سواء كانت موجودة أو لم تكن بخلاف المحايثة والمباينة فإنها مختصة بالوجود دون العدم وأما صحة الحدوث فهي مشتركة بين الوجود الممكن وبين كل معدوم ممكن فبينها وبين لزوم المحايثة أو المباينة عموم وخصوص إذ صحة الحدوث يعم المعدوم الممكن بخلاف لزوم المحايثة والمباينة وبخلاف الرؤية وأما لزوم المحايثة أو المباينة والرؤية فلا يعلم انتفاؤه عن الله بخلاف صحة الحدوث فإنه يعلم بالضرورة انتفاؤه في حق الله تعالى وإذا كان كذلك فيجب أن تكون علة صحة الحدوث ما يطابقه في العموم وذلك ليس هو الحدوث فإنه أخص منه إذ ليس كل ما صح حدوثه كان محدثاً ولا الوجود فإنه ليس كل موجود يصح حدوثه والمطابق له هو الإمكان الخاص فصحة الحدوث معللة بعلة مشتركة وهو الإمكان الخاص وهذه علة
стр. 2344
مطردة منعكسة كتعليل الموجود بالرؤية وبلزوم المحايثة والمباينة وقوله في الوجه الثاني إن كل موجود في الشاهد فهو إما حجم أو قائم بالحجم ثم نذكر التقسيم إلى آخره حتى يلزم أن يكون الباري إما حجماً أو قائماً بالحجم والقوم لا يقولون به فعنه جوابان أحدهما أن المعنى بالحجم في اللغة الظاهرة هو الشيء الكثيف المتحد كالحجر والتراب خلاف الهواء فإنه لا يسمى في اللغة المشهورة حجماً فإن كان مقصوده هذا فليس كل موجود في الشاهد إما حجماً أو قائماً بالحجم وإن أراد به أن كل موجود في الشاهد قائم بنفسه أو قائم بالقائم في نفسه فهذا مطرد في الغائب وأن حال كل موجود في الشاهد فهو إما جسم وإما عرض أو إما جوهر وإما عرض ويذكر التقسيم إلى آخره فيقال له لفظ الجوهر والعرض في الاصطلاح الخاص ليس نفيهما عن الله من الشريعة كما أنه ليس إثباتهما من
стр. 2345
الشريعة بل سلف الأمة وأئمتها أنكروا على من تكلم بنفيها كما أنكروا التكلم بإثباتها أو أكثر وعدوا ذلك بدعة فليس لأحد أن ينفي بهذين اللفظين اللذين ليس لهما أصل لا في نص ولا في إجماع ولا أثر إلا بحجة منفصلة غير هذا اللفظ إذ الحجج التي يستدل فيها باللفظ لابد أن يكون لفظها منقولاً عمن يجب اتباع قوله وهو الكتاب والسنة أو الإجماع فكيف باللفظ الذي لا ينقل عن إمام في الدين ولا أحد من سلف الأمة وأما المعاني المرادة بهذين اللفظين فلابد من تفسيرها فإن الناس متنازعون فيما يريدون بهذه الألفاظ من المعاني ومتنازعون في لزوم تلك المعاني لبعض وغير ذلك وإذ كان كذلك فإن فسر مفسر معنى الجوهر والعرض بما لم يعلم انتفاؤه في حق الله تعالى كان ذلك طرد الدليل فلا ينتقض به ولا ينتقض الدليل حتى يبين أن هذا التقسيم يمكن في بعض المعاني التي يجب نفيها عن الله تعالى ولم يفعل ذلك وذلك يظهر بالوجه الثاني وهو أن قوله وهم لا يقولون به قياس إلزامي وقد تقدم أنه قد قال إن هذا الدليل ليس بحجة لا في النظر ولا في المناظرة وذلك أن هذا الدليل إن كان مستلزماً ثبوت مسمى الجسم والعرض كان حجة عليهم في هذا
стр. 2346
الموضع كما هو حجة على أولئك في المواضع الأُخَر فإذا ذكروا فرقاً فإن كان ذلك الفرق صحيحاً لم يصح النقض بالجسم والعرض وإن لم يكن الفرق صحيحاً لم يكن نفيهم لمسمى الجسم والعرض صحيحاً على التقديرين فلا يلزم بطلان هذه الحجة الوجه الثالث وأما قوله في الوجه الثالث إن كل موجودين فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه في أي جهة كان وساق التقسيم إلى آخره حتى يلزم كونه محايثاً للعالم أو مبايناً عنه في أي جهة كان وذلك يقتضي أن لا يختص بجهة فوق بل يلزم صحة الحركة على ذاته من الفوق إلى السفل وكل ذلك عند القوم محال فعنه أجوبة أحدها أنه ليس كل موجودين فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه في أي جهة كان بل من الأجسام الموجودة ما يمتنع من بقاء حقيقته أن يكون من الآخر إلا في جهة معينة كما أن رأس الإنسان يمتنع أن يكون إلا فوق وبطن قدمه يمتنع أن يكون إلا في أسفله ولو غير ذلك خرج عن حقيقته وكذلك العرش يمتنع أن يكون في أسفل سافلين وأسفل سافلين يمتنع أن يكون فوق العرش
стр. 2347
الثاني أن يقال ما تعني بقولك فلابد وأن يكون محايثاً له أو مبايناً عنه في أي جهة كان أتعني أن العقل يشهد أنه لابد من وجوب المباينة ولو بأي جهة كان أو تعني أنه لابد مع وجوب المباينة من جواز المباينة من جميع الجهات فهذان معنيان متغايران فإن وجوب مطلق المباينة من غير تعيين جهة غير وجوب المباينة ووجوب جوازها بكل جهة فإن عني أن كل موجودين فإنه ولابد أن يتحايثا أو يباين أحدهما الآخر وأنه لابد مع ذلك أن يجوز مباينته من جميع الجهات فهذا القدر ليس معلوماً بالبديهة ولا بالحس وكثير من الناس ينازع في كثير من ذلك وبالجملة ليس هذا هو العلم البديهي الذي يعلم في المشهودات فإنا لا نعلم أن كل ما هو قائم بنفسه يجوز أن يكون في جميع الجهات من كل قائم بنفسه هذا لا يعلم بالبديهة بحال وإذا لم يكن معلوماً بالبديهة لم يجب أن يعلل بعلة تعم الوجود حتى نعلم ثبوته وحينئذ فمن الناس من يقول ليس هذا ثابتاًً لجميع المخلوقات ومنهم من يثبته للمخلوق دون الخالق وإذا كان الأمر كذلك فإن المنازع يقول قد قام الدليل على أن هذا ليس ثابتاً لجميع الموجودات وليس هو مما علم بالبديهة أنه يشترك فيه جميع
стр. 2348
المشهودات فلا يكون نظير حجتنا إذا علم اختصاصه ببعض الموجودات فإنه يعلل بما يختص به الوجه الرابع أن الاستدلال بما يجب لكل موجودين والواجب لكل موجودين أن يكونا متباينين أو متحايثين أما كون أحدهما يصح أن يكون مبايناً للآخر من جميع جهاته فهذا ليس هو الواجب لكل موجودين والحجة كانت فيما يلزم الموجود من المحايثة أو المباينة واللازم له أصل المباينة أما المباينة من جميع الجهات فليس ذلك بلازم وإن كان جائزاً بل يجوز أن يجعل الله بعض الأشياء لا تباين إلا بجهة معينة الخامس أن يقال ليس للعالم إلا جهتان وهي العلو والسفل فأما العلو فهو مختص بالله تعالى وأما أسفل سافلين فذلك سجين وهو المركز الذي لا يسع إلا الجوهرالفرد
стр. 2349
وكل قائم بنفسه فإنه يصح أن يكون مبايناً عنه بجميع الجهات لأن كل ما سواه يصح أن يكون فوقه وإن كان كذلك فيقال بموجب المعارضة وهو أن الله تعالى يجوز أن يكون مبايناً للعالم من جميع جهاته لأن جميع جهاته لأن جميع جهاته هي العلو ليس له جهة أخرى فظهر القول بموجب الحجة ألا ترى أن سطح العرش مباين للعالم كذلك السادس أن قوله ذلك يستلزم صحة الحركة عليه من الفوق إلى السفل وهم لا يقولون بذلك فنقول هذا قياس إلزامي وفي صحة الحركة نزاع مشهور
стр. 2350
وهم يدعون ثبوت الفارق فإن صح ما يدعونه من الفارق وإلا كانت هذه الحجة حجة عليهم في المسألتين جميعاً ولا يتعضل ذلك كما تقدم نظيره وأما قوله في الرابع إن كل موجودين في الشاهد فإنه يجب أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة والمباين بالجهة لابد وأن يكون جوهراً فرداً أو مركباً من الجواهر وكون كل موجود في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة أعني كونه عرضاً أو جوهراً فرداً أو جسماً مؤتلفاً لابد أن يكون معللاً بالوجود فوجب أن يكون الباري على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم ينكرون ذلك لأنه عندهم ليس بعرض ولا بجوهر ولا بجسم مؤتلف من الأجزاء والأبعاض فيقال له أما تسمية صفاته عرضاً فإن منهم من سمى صفاته أعراضاً مع أن النزاع في ذلك لفظي وذلك أن الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين ينفون الصفات لما رأوا أن الصفات تقوم بالأجسام وهي الأعراض أيضاً وبها أو ببعضها احتجوا
следующие страницы →