Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي متفقون على أن الله بذاته فوق عرشه وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئاً من ذلك فهو منهم بريء وهم منه برآء
стр. 2417
وروى الخلال في كتاب السنة قال حدثنا أبو بكر المروذي قال سألت أبا عبد الله عن أحاديث الرؤية فصححها وقال قد تلقتها العلماء بالقبول لنسلم الخبر كما جاء وعن حنبل بن إسحاق قال سمعت أبا عبد الله يقول أدركنا الناس وما ينكرون من هذه الأحاديث شيئاً أحاديث الرؤية وكانوا يحدثون بها على الجملة يمرونها على حالها غير
стр. 2418
منكرين لذلك ولا مرتابين وقال حنبل قال أبو عبد الله قال الله تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى ٥١] فكلم الله موسى من وراء حجاب وقال رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قال الله تعالى لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف ١٤٣] فأخبر الله تعالى أن موسى ﵇ يراه في الآخرة وقال كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿١٥﴾ [المطففين ١٥] ولا يكون حجاب إلا لرؤية فأخبر الله أن من شاء الله ومن أراد يراه والكفار لا يرونه فقال حنبل في موضع آخر القوم يرجعون إلى التعطيل في
стр. 2419
قولهم ينكرون الرؤية قال وسمعت أبا عبد الله يقول قال الله وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾ [القيامة ٢٢-٢٣] قال أحاديث تروى في النظر حديث جرير عن عبد الله وغيره تنظرون إلى ربكم أحاديث صحاح وقال لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس ٢٦] وهي النظر إلى الله ثم قال أبو عبد الله نؤمن بها ونعلم أنها حق يعني أحاديث الرؤية ونؤمن أن الله يرى نرى ربنا يوم القيامة لا نشك فيه ولا نرتاب وسمعت أبا عبد الله يقول قالت الجهمية إن الله لا يرى في الآخرة ونحن نقول إن الله يرى لقوله وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾ وقال الله ﵎ لموسى فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف ١٤٣] فأخبر الله أنه يرى وقال النبي ﷺ وقال كلكم
стр. 2420
يخلو به ربه وإن الله يضع كنفه على عبده فيسأله ما عملت هذه الأحاديث تروى عن رسول الله ﷺ تروى صحيحة وعن الله ﵎ أنه يرى في الآخرة وهذه أحاديث عن رسول الله ﷺ غير مدفوعة والقرآن شاهد أن الله يرى في القيامة وقول إبراهيم لأبيه يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ﴿٤٢﴾ [مريم ٤٢] فثبت أن الله يسمع ويبصر وقال الله تعالى يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴿٧﴾ [طه ٧] وقال إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴿٤٦﴾ [طه ٤٦] وقال أبو عبد الله فمن دفع كتاب الله ورده والأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 2421
واخترع مقالة من نفسه وتأول برأيه فقد خسر خسراناً مبيناً وسمعت أبا عبد الله يقول من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر بالله وكذب بالقرآن ورد على الله أمره فيستتاب فإن تاب وإلا قتل الوجه الخامس أن أئمة هذا الرازي كالأشعري وغيره هو أيضاً ممن يثبت الرؤية والاحتجاب وأن الله فوق العرش قال الأشعري في مسألة العرش فقال سبحانه وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴿٢٢﴾ [الفجر ٢٢] وقال هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ [البقرة ٢١٠] وقال سبحانه ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴿٨﴾ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴿٩﴾ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴿١٠﴾ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴿١١﴾ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴿١٢﴾ إلى قوله لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴿١٨﴾ [النجم ٨-١٨] وقال تعالى يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران ٥٥] وقال سبحانه وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴿١٥٧﴾ بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء ١٥٧-١٥٨] وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إليه إلى السماء ومن دعاء المسلمين جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم أنهم يقولون يا ساكن العرش ومن خلفهم لا والذي احتجب بسبع
стр. 2422
سموات قال الحافظ أبو العباس وهذا مأخوذ من قوله إن الله خلق سبع سموات ثم اختار العليا فسكنها وقال وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى ٥١] وقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم لكان أبعد من الشبهة وإدخال الشك على من يسمع آية أن يقول ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيرفع الشك والحيرة من أن يقول ما كلن جنس من الأجناس أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل
стр. 2423
رسولاً ويترك أجناساً لم يعمهم بالآية فيدل ما ذكرناه على أنه خص البشر دون غيرهم وقال ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ [الأنعام ٦٢] وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام ٣٠] وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ [السجدة ١٢] وقال سبحانه وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الكهف ٤٨] قال كل ذلك يدل على أن الله ليس في خلقه ولا خلقه فيه وأنه سبحانه مستوٍ على عرشه جل وعز عما يقول الظالمون علواً كبيراً جل عما يقول الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كان كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم تدل على النفي في التأويل يريدون بذلك التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل قال الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ [النور ٣٥] فسمى نفسه نوراً والنور عند الأمة لا يخلو من أحد معنيين إما أن يكون نوراً يسمع أو نوراً يرى فمن
стр. 2424
زعم أن الله يسمع ولا يرى كان مخطئاً في نفيه رؤية ربه وتكذيبه لكتابه وقول نبيه ﷺ قال وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال فكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فإن الله ما بين كرسيه إلى السماء ألف عام والله فوق ذلك قال وروت العلماء أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله حتى يسأله عن ثلاث
стр. 2425
وروت العلماء أن رجلاً أتى النبي ﷺ بأمة سواء فقال يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة فهل يجوز عتقها فقال لها النبي ﷺ أين الله فقالت في السماء وأومأت بيده إلى فوق فقال النبي ﷺ عند ذلك أعتقها فإنها مؤمنة قال وهذا يدل على أن الله على عرشه فوق السماء
стр. 2426
فهذا كله من كلام الأشعري مثل احتجاجه بما ذكره عن المسلمين جميعاً من قولهم إن الله احتجب بسمع سموات على أنه فوق العرش وهو إنما احتجب عن أن يراه خلقه لم يحتجب عن أن يراهم هو فعلم أن هذا يحجب العباد عن رؤيته وهذا يقتضي أنهم يرونه برفع هذه الحجب وذلك يقتضي أنهم يرونه في الجهة فإن من يثبت رؤيته في غير جهة من الرائي لا يقول بجواز الحجب المنفصلة أيضاً كما تقدم وكذلك احتجابه بقوله وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ [الشورى ٥١] وأن الآية دلت على أن الله يحجب بعض المخلوقات دون بعض فعلم أنه لا يحتجب عن بعضهم واحتجاجه بذلك على أن الله فوق العرش يقتضي أن يحتجب عمن يراه ببعض مخلوقاته وهذا يستلزم أنه لا يرى إلا في جهة من الرائي وكذلك احتجاجه في مسألة العلو بأن الله نور وأن ذلك يقتضي أنه يرى ويقتضي أن رؤيته توجب علوه وكلام الأشعري في مسألة الرؤية والعلو يقتضي تلازمهما وهذا هو الذي ذكره هذا المؤسس عن الكرامية الوجه السادس أن هذا المؤسس ذكر في نهايته في مسألة الرؤية ما احتج به النفاة من الحجج العقلية والسمعية وذكر أن أعظم حججهم العقلية حجتان
стр. 2427
أحدهما حجة الموانع قالوا لو صح منا رؤية الله في حال من الحالات لصح أن نراه الآن ولو صح أن نراه الآن لوجب أن نراه الآن لكنه لم يجب أن نراه الآن فلا يصح أن نراه في حال من الأحوال وإنما قلنا إنه لو صح أن نراه في حال من الأحوال لصح أن نراه الآن لأن كونه بحال يصح أن يرى حكم يثبت له إما لذاته وإما لبعض مل يلزم ذاته وعلى التقديرين فإنه يلزم من استمرار ذاته استمرار هذه الصحة وإنما قلنا إنه لو صح أن نراه الآن لوجب أن نراه الآن لأن الحاسة إن كانت صحيحة والمرئي يكون حاضراً ولا يكون على القرب القريب وعلى البعد البعيد ولا يكون في غاية الصغر واللطافة ويكون مقابلاً للرائي أو لآلة الرؤية أو لا تكون الحجب حائلة فإنه يجب حصول الرؤية إذ لو لم يجب
стр. 2428
حصولها عند حصول هذه الأمور لجاز أن يكون بين أيدينا جبال شاهقة ونحن لا ندركها وذلك محال على ما سبق بيانه في مسألة الإدراك فإذا ثبت ذلك فهذه الشرائط لا يمكن اعتبارها في حق الله تعالى لأنها لا تعقل إلا في حق الأجسام أو ما يقوم بها وإذا لم يمكن اعتبار هذه الشرائط في حق الله لرؤيته وجب أن يكون مجرد سلامة الحس وكونه تعالى بحيث يصح رؤيته كافياً في حصول رؤيته فلزم أن تدوم رؤية أصحاب الحواس لله تعالى وذلك باطل بالضرورة فثبت أن القول بأن الله تعالى يصح أن يرى يفضي إلى الباطل وما يفضي إلى الباطل يكون باطلاً ثم قال في الجواب عما تمسكوا به أولاً أن نقول إن مدار هذه الشبهة على أن هذه الحاسة متى كانت سليمة وكان المرئي حاضراً والشرائط تكون حاصلة فإنه يجب حصوله هذه الرؤية قال ونحن قد بينا فيما مضى أن ذلك غير واجب بأدلة
стр. 2429
عقلية قاطعة لا يرتاب العاقل فيها وأجبنا عن شكوكهم بأجوبة يقينية لا حاجة بنا إلى إعادتها وإذا كان كذلك سقطت هذه الشبهة وهذا الذي أحال عليه قد ذكره في مسألة السمع والبصر وهي مسألة الإدراك فذكر الفصل الأول في حقيقته ثم قال الفصل الثاني في كيفية حصول هذه المدركية زعمت المعتزلية أنه مهما كانت الحاسة سليمة والمرئي حاضراً ولا يكون على القرب القريب ولا على البعد البعيد ولا يكون صغيراً جداً ولا لطيفاً ولا يكون بين الرائي ولمرئي حجب كثيفة وكان المرئي مقابلاً للرائي أو في حكم المقابلة فعند اجتماع هذه الشرائط يجب حصول الإدراك وعندنا أن ذلك غير واجب وهو مذهب أبي الهذيل من المعتزلة ثم ذكر لهم حجتين ثم قال وأما المخالفون فلهم في هذه المسألة مقامان
стр. 2430
تارة بدعوى الضرورة وتارة بدعوى الاستدلال أما الأول فتارة يدعون أن ذلك العلم الضروري حاصل للعقلاء بعد الاختبار ولا حاجة فيه إلى ضرب الأمثال وتارة يثبتون بالاستدلال أن ذلك معلوم بالضرورة وبسط كلامهم في ذلك ثم قال والجواب أن نقول إما أن تدعي الضروري بحصول الإدراك عند حضور هذه الأمور أو بعدمه عند عدمها والأول لا نزاع فيه والثاني فيه كل النزاع فإن زعمت أنا مكابرون في هذا الإنكار حلفنا بالأيمان المغلظة أنا لما رجعنا إلى أنفسنا لم نجد العلم بذلك أكثر من العلم باستمرار الأمور العادية التي توافقنا على جواز تغييرها عن مجاريها فهذا الجواب الذي ذكره يقتضي أنه وافق على أن العلم الضروري حاصل بوجود الرؤية عند وجود هذه الشرائط وهذا هو أول المسألة فإنه حكى عن المعتزلة أنه متى تجتمع هذه الشرائط يجب حصول الإدراك قال وعندنا أن ذلك غير واجب فإذا سلم أن العلم الضروري بحصول الإدراك عند حصول هذه الأمور لا نزاع فيه كان قد وافق على ما ذكر فيه
стр. 2431
النزاع وإذا كان كذلك ظهر أن ما ذكره من الجواب في مسألة الرؤية وهو قوله إن مدار هذه الشبهة على أن هذه الحاسة متى كانت سليمة وكان المرئي حاضراً فإنه يجب حصول هذه الرؤية قال ونحن قد بينا فيما مضى أن ذلك غير واجب فيما مضى قد وافق فيه على وجوب الرؤية عند وجود الشروط لكن لم يوافق على وجوب عدمها عند عدم الشروط وإذا لم يذكر جواباً عن حجتهم إلا هذا وهذا ليس بجواب صحيح بقيت حجتهم على حالها وإذا كان كذلك لم يصح نفيه لما اتفقت عليه المعتزلة والكرامية الوجه السابع أنه ذكر الحجة الثانية لنفاة الرؤية وهي حجة المقابلة فقال وهي أن الواحد منا لا يرى إلا ما يكون مقابلاً للرائي أو لآلة الرائي والله تعالى أن يستحيل أن يكون كذلك فيستحيل أن يكون مرئياً لنا واحترزنا بقولنا أو لآلة الرائي عن رؤية الإنسان وجهه في المرآة أما المقدمة الأولى فهي من المعلوم الضرورية الحاصلة بالتجربة وأما المقدمة الثانية فمتفق عليها
стр. 2432
ثم قال والجواب عما تمسكوا به ثانياً عن وجوه ثلاثة الأول ما بينا فيما مضى أن لمقابلة ليست شرطاً لرؤيتنا هذه الأشياء وأبطلنا ما ذكروه من دعوى الضرورة والاستدلال في هذا المقام والثاني سلمنا أن المقابلة شرط في صحة رؤيتنا لهذه الأشياء فَلِمَ قلتم إنها تكون شرطاً في صحة رؤية الله تعالى فإن رؤية الله تعالى بتقدير ثبوتها مخالفة لرؤية هذه الأشياء فلا يلزم من اشتراط نوع من جنس اشتراط نوع آخر من ذلك الجنس بذلك الشرط الثالث سلمنا أنه يستحيل كوننا رائين لله تعالى ولكنه لا يدل على أنه لا يرى نفسه وأنه في ذاته ليس بمرئي فأحال على ما تقدم وهو لم يذكر هناك إلا مسلكين الأول أنا نرى الجسم الكبير من البعد صغيراً وذلك
стр. 2433
يقتضي أنا نرى بعضه دون بعض ومن المعلوم بالضرورة أن الشرائط المذكورة كما أنها حاصلة بالنسبة إلى الأجزاء التي هي مرئية فكذلك هي حاصلة بالنسبة إلى الأجزاء التي هي غير مرئية ولما كان المرئي من الأشياء المجتمعة لهذه الشروط بعض الأجزاء دون بعض علمنا أن حصول الرؤية عند اجتماع الشرائط غير واجب والمسلك الثاني لو وجب حصول الإدراك عند حصول هذه الشروط لوجب رؤية الجوهر الفرد وذوات الهباء لكن الثاني ظاهر الفساد فالمقدم مثله بيان الأول أنا إذا رأينا جسماً كبيراً فلابد وأن نرى جزءاً صغيراً إذ لو لم نرَ جزءاً صغيراً لم نرَ المجموع الذي هو مجموع تلك الأجزاء ثم رؤية الجزء لا تتوقف على رؤية غيره لئلا يلزم الدور فيجب أن تصح رؤيتنا للجوهر الفرد فهاتان الحجتان إن كانتا باطلتين ف كلام وإن كانتا صحيحتين فهما يدلان على أن الرؤية لا تجب عند وجود
стр. 2434
الشروط الثمانية وهو قد سلم في الجواب وجوب الرؤية عند وجود الشروط ف تدل هاتان الحجتان على أن الرؤية لا تمتنع عند عدم بعض الشروط الثمانية وإذا لم يذكر دليلاً على عدم هذا الاشتراط أصلاً بقي ما ذكره منازعوه من العلم الضروري والاستدلال بأن المرئي لابد أن يكون مقابلاً للرائي أو لآلة الرائي سليماً عن المعارض فيجب القول بموجبه وهذا بين واضح ولهذا لما كانت مناظرته لنفاة الرؤية هذه المناظرة الضعيفة كان كلامهم فيها أرجح من كلامه وهذه عادته يعجز عن مناظرة أهل الباطل ويأخذ ما يحتجون به فيحتج به على أهل الحق فلا ينصف أهل الحق ويتبعهم ولا يرد أهل الباطل ويدفعهم وإنما فيه جدال وحجاج لبَّس فيه الحق بالباطل مع هؤلاء وهؤلاء وإذا كان الأمر كذلك لم يكن له الجواب عما اتفقت عليه المعتزلة والكرامية كما تقدم الوجه الثامن أن يقال ما ذكره المعتزلة من شروط الرؤية
стр. 2435
وموانعها بعضها حق وبعضه باطل وهؤلاء الذين وافقوهم على نفي العلو وإثبات الرؤية يكابرونهم في الحق كما يدفعون باطلهم ولهذا كان كلا الطائفتين تقول الحق والباطل وإذا كان مثبتة الرؤية مع نفي العلو أقرب إلى الحق من نفاة الرؤية ونفاة العلو وذلك أن كونهم لم يشترطوا في الحاسة إلا مجرد سلامتها ليس بسديد فإن الحواس تختلف بالقوة والضعف فقد يكون بصر أحدَّ من بصر وسمع أقوى من سمع وشم أقوى من شم وذوق أقوى من ذوق وهذا موجود في البهائم وفي الآدميين ولهذا يرى أحدهم من الأشياء الدقيقة اللطيفة ما لا يراه الآخر ويرى من الأمور البعيدة ما يراه الآخر ويرى من النور والشعاع والبياض ما لا يراه الآخر وذلك قد يسمع من الأصوات البعيدة والأصوات القريبة ما لا يمكن الآخر أن يسمعه وإذا كان الأمر كذلك فقوة إدراك العباد وحركاتهم في الآخرة يجعلها الله أعظم من قوى إدراكهم وحركاتهم في الدنيا وهذا ظاهر بين
стр. 2436
وقولهم لا يكون على القرب القريب ولا على البعد البعيد ولا يكون صغيراً لطيفاً هذا إنما اشترط لعجز البصر عن إدراك ما يكون كذلك لأن ذلك ممتنع في نفسه وإلا فيمكن أن يقوى البصر العبد حتى يرى القريب والبعيد واللطيف وليس هذا ممتنعاً في ذاته يبين ذلك أن القرب والبعد والصغر والكبر من الأمور الإضافية قد يكون صغيراً بالنسبة إلى بصر هذا الرائي ما ليس بصغير بالنسبة إلى بصر غيره وكذلك في القرب والبعد وكذلك قولهم أن لا يكون بين الرائي والمرئي حجب كثيفة فإن رؤية ما وراء الحجاب ليس بممتنع في نفسه بل لعجز البصر عنه فإن الله يرى كل شيء ولا تحجبه السموات والأرض وسائر الحجب وكذلك قولهم أن يكون مقابلاً للرائي فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي
стр. 2437
لكن هذا يدل على أنه لا يشترط في الرؤية أن يكون المرئي أمامه لكن لا يدل على أنه لا يشترط أن يكون بجهة منه فإنما خلفه بجهة منه الوجه التاسع أنه قال هنا إن أصحابه نازعوا في هذه المقدمة وقالوا لا نسلم أن كل مرئي فإنه يختص بالجهة بل لا نزاع أن الأمر في الشاهد كذلك فَلِمَ قلتم إن كل ما كان كذلك في الشاهد وجب أن يكون الغائب كذلك وهذا تسليم لكون الواحد منا لا يرى إلا ما يكون في الجهة فمنازعته لذلك من هذا الباب ودعواه أن ذلك ليس بشرط في رؤية الأشياء المرئية مخالف لما ذكره من تسليم أصحابه وذلك خلاف ما ذكره من أنه لا يشترط شيء من هذه الشروط في رؤية الأشياء المرئية
стр. 2438
الوجه العاشر أن قوله لِمَ قلتم إن كل ما كان كذلك في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك وتقريره أن هذه المقدمة إما أن تكون مقدمة بديهية أو استدلالية يقال له المنازع يقول إنها بديهية قوله فإن كانت بديهية لم يكن في إثبات كونه تعالى مختصاً بالجهة حاجة إلى هذا الدليل وذلك لأنه قد ثبت في الشاهد أن كل قائم بالنفس فهو مختص بالجهة وثبت أن الباري قائم بالنفس فوجب القطع بأنه مختص بالجهة لأن العلم الضروري بأن كل ما يثبت في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك وهذا لا يقوله عاقل والفرق ظاهر بين دعوى الضرورة والبديهة في الشيء المعين الخاص والشيء العام الكلي فإذا قال القائل العلم الضروري بأن كل مرئي في الشاهد والغائب لابد أن يكون بجهة من الرائي أو العلم الضروري حصل بأن الغائب كالشاهد في هذا الأمر الخاص لم يستلزم هذا أن يقول إن العلم الضروري حاصل بأن كل ما يثبت في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك والمقدمة المذكورة هي قوله كل
стр. 2439
مرئي فلابد وأن يكون في الجهة وهذا قالوه قولاً عاماً مطلقاً لم يثبتوه بقياس الغائب على الشاهد حتى يصوغوه الصوغ الذي ذكره ويدخل فيه تلك القضية العامة الكاذبة الوجه الحادي عشر أن ما ذكره إن كان حجة كان حجة ثانية على المطلوب فإنه من الممكن أن يستدل بكونه قائماً بالنفس على كونه مختصاً بالجهة ويحتج بكونه مرئياً على كونه مختصاً بالجهة ويحتج بكونه موجوداً على أنه إما أن يكون مبايناً لغيره أو محايثاً له وتعدد الأدلة على المطلوب الواحد ليس بممتنع الوجه الثاني عشر أن ما ذكره من الحجة قد يقال فيه نحن نعلم بالاضطرار أنه كل ما يقوم بنفسه فإنه لابد أن يكون مختصاً بجهة بحيث يمتنع أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا يختص الكلام بالشاهد ثم يقاس عليه الغائب بل العلم الضروري حاصل بذلك مطلقاً كما تقدم ذكره الوجه الثالث عشر أن ذلك إذا قررنا بالدليل قرر تقريراً يفيد بأن يقال ثبت في الشاهد أن كل قائم بالنفس فهو مختص بالجهة وهذا مما فارق به الموجود المعدوم فالموجب لذلك إما كونه موجوداً قائماً بنفسه أو ما يندرج فيه الموجود الواجب لنفسه أو ما يختص بالممكن أو المحدث ويساق الكلام إلى
стр. 2440
آخره كما ذكر في حجة المباينة والمحايثة لا يقول عاقل إن العلم الضروري حاصل بأن كل ما ثبت في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك ولكن ذكر الحجة على هذا الوجه القبيح الذي يظهر بطلانه لما في ذلك من التنفير والتقبيح لقول منازعيه وهذه ليست حال أهل العلم والعدل بل حال الجاهل أو الظالم الوجه الرابع عشر قوله فإذا كان هذا الوجه حاصلاً في إثبات كونه تعالى في الجهة كان إثبات كونه في الجهة بكونه مرئياً ثم إثبات أن كل ما كان مرئياً فهو مختص بالجهة تطويلاً من غير فائدة ومن غير مزيد شرح وبيان يقال لو أن ما ذكرته من جهة القيام بالنفس صحيح لم يكن إثبات الجهة بطريق الرؤية تطويلاً من غير فائدة بل هو إثبات لها بطريق آخر غير الأولى فإن الاستدلال على كون الشيء في الجهة بكونه قائماً بنفسه غير الاستدلال على ذلك بكونه مرئياً مشهوداً وإذا كان هذا دليلين متغايرين لم يجز أن يكون ذكر أحدهما متضمناً للآخر ولا أن يكون ذكر الآخر تطويلاً أقصى ما يقال إن العلم بالمقدمتين التي في الدليلين يستفاد من وجه واحد وهو الضرورة أو قياس الغائب على
стр. 2441
الشاهد إما مطلقاً كما ذكره أو قياساً صحيحاً ملخصاً بالتقسيم الحاصر الجامع بين النفي والإثبات أو بغيره كما يسلكه أهل الإثبات وإذا كان الدليل على مقدمة في دليل كالدليل على مقدمة في دليل آخر لم يوجب أن يكون أحد الدليلين متضمناً للآخر ويكون ذكر الآخر تطويلاً بلا فائدة الوجه الخامس عشر قوله وأما إن قلنا كل مرئي فهو مختص بالجهة ليست مقدمة بديهية بل هي مقدمة استدلالية فحينئذ ما لم يذكروا على صحتها دليلاً لا تصير هذه المقدمة يقينية فهذا كم صحيح لكن كان ينبغي له إذا كان ذاكراً لحجج منازعيه أن يذكر ما يستدل به الناس على ذلك فتركه لذلك تقصير وخيانة في المناظرة ونحن لم نلتزم الكلام في تقرير هذه المسائل ابتداءً وإنما تكلمنا على ما ذكروه من حججه وحجج منازعيه الوجه السادس عشر قوله وأيضاً فكما أنا لا نعقل مرئياً في الشاهد إلا إذا كان مقابلاً أو في حكم المقابل لرائي فكذلك لا نعقل مرئياً إلا إذا كان صغيراً أو كبيراً أو ممتداً في الجهات مؤتلفاً من الأجزاء وهم يقولون إنه تعالى يرى لا صغيراً
стр. 2442
ولا كبيراً ولا ممتداً في الجهات والجوانب والأحياز فإذا جاز لكم أن تحكموا بأن الغائب مخالف للشاهد في هذا الباب فلم لا يجوز أن يقال إن المرئي في الشاهد وإن وجب كونه مقابلاً إلا أن المرئي في الغائب لا يجوز أن يكون كذلك فيقال له هذا إلزام جدلي وليس بحجة في المناظرة ولا النظر كما تقدم فإنه يقال لابد وأن يكون في الجهة ما ذكرته في صورة الإلزام إن كانت مساواته لصورة النزاع فما ذكروه في صورة النزاع حجة في الموضعين وغايته أن يكونوا أخطأوا في صورة الإلزام وهي صورة النقض والمعارضة والإلزام صحيحاً ويقول لك المناظر الفرق بين صورة النقض وصورة النزاع كيت وكيت فإن صح الفرق بطل النقض وإن بطل الفرق منعت
стр. 2443
الحكم في صورة النقض إذ ليس ذلك مجمعاً عليه بين الأمة الوجه السابع عشر أنهم يقولون نقول إنه لا يرى إلا كبيراً عظيماً لا نقول إنه يرى لا صغيراً ولا كبيراً بل نقول إنه يرى عظيماً كبيراً جليلاً كما سمى ووصف نفسه بذلك في الكتاب والسنة ومن لم يقل ذلك من المنازعين كان ما ذكره حجة عليه وأما قوله ممتداً في الجهات مؤتلفاً من الأجزاء فلا نسلم أنا لا نعقل مرئياً في الشاهد إلا مؤتلفاً من الأجزاء فإن المرئيات مثل الشمس والقمر ونحو ذلك هو شيء واحد لا نعلم لا بحس ولا ضرورة أنها مركبة من الأجزاء المفردة وهذا مما لا خلاف فيه بين الناس أن هذا التركيب ليس معلوماً بالحس ولا بالضرورة بل هي من أدق مسائل النزاع بين الخلق الوجه الثامن عشر أن يقال ما تريد بقولك ممتد مؤتلف أتريد أنه مركب من الأجزاء وأنه يجوز تفريقه فليس كلما نشاهده كذلك أم تريد به أن منه شيئاً ليس هو الشيء الآخر فنحن نقول كل ما يرى في الشاهد والغائب لابد وأن يكون كذلك الوجه التاسع عشر أن يقال لا يعقل مرئي إلا موصوفاً بما هو المرئي المشهود موصوف به من صفات الوجود التي
стр. 2444
استحق بها جواز رؤيته أو ما أبلغ في الوجود واستحقاق الرؤية منه فإذا كنا نرى الموجود الذي يجوز عدمه فما لا يجوز عدمه أولى فإذا كنا نرى ما هو في جهة وهو مجتمع يجوز تفريقه وتقسيمه فالمجتمع الذي لا يجوز تفريقه وتقسيمه أولى بالرؤية لكن لا يمكن أن نقول إذا رأينا ما هو بجهة مرئياً أن يكون ما ليس في الجهة أولى بالرؤية وإذا رأينا ما هو مجتمع فيما ليس بمجتمع ولا متفرق أولى بالرؤية وإذا رأينا ما هو مجتمع فيما ليس بمجتمع ولا متفرق أولى بالرؤية وإذا رأينا ما هو مجتمع فيما ليس بمجتمع ولا متفرق أولى بالرؤية وقد ذكرنا غير مرة أن الأقيسة والأمثال المضروبة في باب الإلهيات إذا كانت من باب التنبيه والأولى في النفي والإثبات فهي من جنس ما ورد به الكتاب والسنة
стр. 2445
فصل ثم قال الرازي الشبهة الرابعة تمسكوا برفع الأيدي إلى السماء قالوا وهذا شيء يفعله جميع أرباب النحل فدل على أنه تقرر في عقول جميع الخلق أن إلههم فوق ثم قال الجواب إن هذا معارض بما تقرر في عقول جميع الخلق أنهم عند تعظيم خالق العالم يضعون جباههم على الأرض ولمَّا لم يدل هذا على كون خالق العالم في الأرض لم يدل على ما ذكروه على أنه في السماء وأيضاً فالخلق إنما يقدمون على رفع الأيدي إلى السماء لوجوه أخر وراء اعتقادهم أن خالق العالم في السماء فالأول أن أعظم الأشياء نفعاً للخلق ظهور الأنوار وأنها إنما تظهر من جانب السموات والثاني أن مبنى حياة الخلق على استنشاق النفس وليس ذلك الاستنشاق إلا من الهواء والهواء ليس موجوداً إلا فوق الأرض فلهذا السبب كان ما فوق الأرض أشرف ما تحت الأرض
стр. 2446
الثالث أن نزول الغيث من جهة الفوق ولما كانت هذه الأشياء التي هي منافع الخلق إنما تنزل من جانب السموات لا جرم كان ذلك الجانب عندهم أشرف وتعلق الخاطر بالأشرف أقوى من تعلقه بالأخس فهذا هو السبب في رفع الأيدي إلى السماء وأيضاً فإنه تعالى جعل العرش قبلة لدعائنا كما جعل القبلة قبلة لصلاتنا وأيضاً أنه تعالى جعل الملائكة وسائط في مصالح هذا العالم قال الله تعالى فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴿٥﴾ [النازعات ٥] وقال فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً ﴿٤﴾ [الذاريات ٤] وأجمعوا على أن جبريل ﵇ ملك الوحي والتنزيل والنبوة وميكائيل ملك الأرزاق وملك الموت ملك الوفاة وكذلك القول في سائر الأمور وإذا كان الأمر كذلك لم يبعد أن يكون الغرض من رفع الأيدي إلى السماء رفع الأيدي إلى الملائكة وهذه الحجة ذكرها في نهايته فقال وثالثها التمسك
стр. 2447
بالاتفاق من الأمم المختلفة الآراء على الإشارة إلى فوق عند الدعاء وطلب الإجابة من الله وأن ذلك يدل على علمهم بالضروري بأن الذي يطلب منه تحصيل المطالب وتيسير العسير في تلك الجهة ولهذا لما قال النبي ﷺ للأمة أين ربك قال فأشارت إلى السماء فقال إنها مؤمنة وقال والجواب عما تمسكوا به ثالثاً من الإشارة إلى فوق سببه الإلف والعادة وجريان الناس على ذلك فإنهم ما شاهدوا عالماً قادراً حياً إلا جسماً فكما أن من لم يشاهد إلا إنساناً أسود فحين يمثل في نفسه إنساناً يخاطبه إنما يسبق إلى نفسه أنه أسود لا غير ومن لم يسمع من اللغات إلا العربية فحين يمثل في نفسه معنى إنما سبق إلى نفسه التعبير عن ذلك المعنى بلفظ العرب وكذلك سبق إلى الوهم أن من يدعو حياً عالماً قادراً على ما يشاهد عليه الأحياء القادرين ويتبع ذلك أنه في مكان ولأن العلو أشرف لأن الأنوار فيه ولأن الرأس لما كان أشرف الأعضاء كان ما يليه أشرف الجهات فيسبق إلى فهم الداعي أن من يعتقد عظمته إذا كان في جهة وجب أن يكون في جهة العلو فلسبب هذه الأمور وأمثالها وقعت الإشارة
стр. 2448
إلى السماء ثم إن الأخلاف أخذوا ذلك عن الأسلاف مع مشاركتهم لهم في هذا التخيل فظهر أن سبب ذلك هو الإلف فلا يكون صواباً وأما حديث الأمة فهو من الآحاد ثم لو صح لكان سببه ما ذكرناه من الإلف اهـ والكلام على ما ذكره من وجوه الأول أن الاستدلال برفع الأيدي والأبصار إلى السماء عند الدعاء على أن الله فوق هو حجة أهل الإثبات المثبتين للصفات من السلف والخلف ليس ذلك مختصاً بالكرامية بل من أشهر المحتجين به أئمة أصحابه الأشعري وذووه وقال أبو الحسن الأشعري فإن قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل له إن الله مستوٍ على عرشه كما قال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه ٥] وقال سبحانه إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر ١٠] وقال سبحانه بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وقال سبحانه يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه [السجدة ٥]
стр. 2449
وقال فرعون يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ﴿٣٦﴾ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً [غافر ٣٦-٣٧] فأكذب موسى في قوله إن الله فوق السموات وقال أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ [الملك ١٦] والسموات فوقها العرش وإنما أراد العرش الذي هو على السموات ألا ترى أن الله ذكر السموات فقال وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نوح ١٦] ولم يرد أن القمر يملؤهن جميعاً وأنه فيهن جميعاً قال ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض وهذا الاحتجاج منه بإجماع المسلمين على رفع أيديهم في الدعاء على أن الله فوق السموات لأنهم إنما يرفعونها إليه نفسه لا إلى غيره من المخلوقات وقال صاحبه أبو الحسن علي بن مهدي الطبري قال البلخي فإن قيل لنا ما معنى رفع أيدينا إلى السماء وقوله وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر ١٠] قلنا تأويل ذلك أن أرزاق العباد لما كانت تأتي من السماء جاز أن نرفع أيدينا إلى السماء عند الدعاء وجاز أن يقال أعمالنا ترفع إلى الله لما
стр. 2450
كانت حفظة الأعمال إنما مساكنهم في السماء قال الطبري قيل له إن كانت العلة في رفع أيدينا إلى السماء أن الأرزاق منها وأن لحفظة مساكنهم فيها جاز أن نخفض أيدينا في الدعاء نحو الأرض من أجل أن الله يحدث فيها النبات والأقوات والمعايش وأنها قرارهم ومنها خلقوا ولأن الملائكة معهم في الأرض فلم تكن العلة في رفعها إلى السماء ما وصفه وإنما أمرنا الله تعالى برفع أيدينا قصدين إليه برفعها نحو العرش الذي هو مستو عليه وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه التمهيد وفي الإبانة فإن قال قائل فهل تقولون إنه في كل مكان
стр. 2451
قيل له معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾ [طه ٥] وقال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر ١٠] وقال أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك ١٦] وقال ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان واحتيج أن يرغب إليه نحو الأرض وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله وهذا تصريح بأن الأيدي إنما ترفع إلى الله نفسه وأنه يجب أن يصح رفعها إليه حيث كان وأنه إنما اختص رفعها بجهة العلو لأن الله هناك إذ لو لم تجب صحة رفعها إلى جهته
стр. 2452
لم يجب إذا كان في كل مكان أن يصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا وأيماننا وشمائلنا فإن ذلك إنما يلزم إذا لزم أن يشار إليه حيث كان وذا الذي قاله أبلغ من جواز الإشارة إيه فإنه أوجب أن يصح الإشارة والرغبة إلى غير جهة الفوق لو كان فيها وهذه الحجة إنما تصح إذا كانت الإشارة بالأيدي إلى فوق إشارة إليه نفسه إذ لو لم يكن كذلك لقال له منازعه فعندك الإشارة بالدعاء ليست إليه وإذا كان كذلك لم تكن الإشارة إليه واجبة بحال وإنما هو لمعنى يختص بجهة فوق غير كون الله تعالى هناك وإن كنت موفقي على هذا يلزم إذا كان في كل مكان أن يشار في الدعاء إلى سائر الجهة كالسفل واليمين واليسار لأن عندك الإشارة بالأيدي ليست إليه وإنما هي لأمر يختص بالجهة العالية غير الله وهذا من احتجاج الأولين والآخرين قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتاب
стр. 2453
مختلف الحديث له نحن نقول في قوله تعالى مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة ٧] أنه معهم يعلم ما هم عليه كما تقول لرجل وجهته إلى بلد شاسع احذر التقصير فإني معك تريد أنه لا يخفى عليَّ تقصيرك وكيف يسوغ لأحد أن يقول إنه بكل مكان على الحلول فيه مع قوله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾ ومع قوله إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وكيف يصعد إليه شيء وهو معه وكيف تعرج الملائكة والروح إليه وهي معه ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق لعلموا أن الله هو العلي وهو الأعلى وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه والأمم كلها عربها وعجمها يقولون إن الله في السماء ما تركت على فطرها وفي الإنجيل أن المسيح قال للحواريين إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم الذي في السماء يغفر لكم ظلمكم انظروا
стр. 2454
إلى طير السماء فإنهن لا يزرعن ولا يحصدن وأبوكم الذي في السماء هو يرزقهن ومثل هذا في الشواهد كثير وقال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب لتوحيد باب ذكر البيان أن الله في السماء كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه وكما هو مفهوم في فطر المسلمين علمائهم وجهالهم وأحرارهم
стр. 2455
ومماليكهم وذكرانهم وإناثهم بالغيهم وأطفالهم كل من دعا الله فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله تعالى إلى الأعلى لا إلى الأسفل وقال أبو سليمان الخطابي في كتاب شعار الدين وهو في أصول الدين القول في أنه مستو على العرش هذه المسألة سبيلها التوقيف المحض ولا يصل إليه دليل من غير هذا الوجه وقد نطق الكتاب به في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة فقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز ود قال أبو عبد الله مالك بن أنس ﵀ وسئل عن قول الله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾ فقال الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وذكر المواضع التي في القرآن من ذكر
следующие страницы →