Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
عن الصلت بن بهرام عن المنذر بن هوذة عن خرشة ابن الحر أن حذيفة بن اليمان قال إنا آمنا ولم نقرأ وسيجيء قوم يقرؤون القرآن ولا يؤمنون وبإسناده من حديث زيد بن أبي أنيسة عن القاسم بن
стр. 2382
عوف قال سمعت ابن عمر يقول لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن وبإسناده من حديث إسماعيل ب مهاجر عن أبيه عن ابن عمر قال إنا كنا صدور هذه الأمة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله ﷺ وصالحيهم وما يقيم إلا سورة من القرآن أو شبه ذلك وكان القرآن قد ثقل عليهم رزقوا علماً به وعملاً
стр. 2383
وأن آخر هذه الأمة يخفف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والعجمي لا يعلمون شيئاً منه قلت ومثل ذلك معروف عن جندب بن عبد الله البجلي أنه قال أوتينا الإيمان قبل أن نقرأ القرآن ثم أوتينا القرآن فازددنا إيماناً وإنكم تأتون القرآن قبل الإيمان فتوسل أحدكم
стр. 2384
وهذا الرازي لما ذكر مسألة الرؤية في نهايته وذكر فيها حجج النفاة والمثبتة كان ما ذكره من حجج النفاة العقلية والسمعية أظهر مما ذكره من حجج المثبتة وهذه عادته في كثير من مناظرته يحتج بالباطل من السفسطة وفروعها بما لا يحتج بمثله للحق وقال في مسألة الرؤية بعد أن ذكر مسالكها العقلية فظهر من مجموع ما ذكرناه أن الأدلة العقلية ليست قوية في هذه المسألة قال واعلم أيضاً أالتحقيق في هذه المسألة أن الخلاف فيها يقرب أن يكون لفظياً وسنبينه إن شاء الله تعالى الوجه الثاني أن هذا الرجل قد اعترف هو ومن يوافقه أن الرؤية التي دل عليها الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة بل الإدراك المنفي عن الله في قوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام ١٠٣] يدل على أن الله تعالى في الجهة وذلك يقتضي دلالة الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة على شيئين على رؤية الله تعالى وعلى أنه في الجهة وذكر اعتراف فضلاء المعتزلة بأن النبيين كانوا يعتقدون ذلك
стр. 2385
أما الأول فإنه لما ذكر الحجج السمعية التي للمعتزلة على نفي الرؤية قال وهذه الشبه أربع الأولى وهي الأقوى التمسك بقوله تعالى لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ قال واعلم أن هذه الآية تارة يتمسكون بها على أنه تعالى لا يُرى بالأبصار في الدنيا ولا في الآخرة وتارة على استحالة كوننا رائين له أما الوجه الأول فإنما يتم بإثبات أمور أربعة أحدها أن إدراك البصر هو الرؤية قال ويدل عليه أمران أحدهما أنه لا فرق في اللغة بين أن رأيت فلاناً ببصري وبين أن يقال أدركته ببصري كما لا فرق بين أن يقال أدركته بأذني وسمعته بأذني وثانيهما أن أهل اللسان فهموا من هذه الآية نفي الرؤية وذلك يدل على أن العرب يستعملوا إدراك البصر بمعنى الرؤية
стр. 2386
وروي عن عائشة لما بلغها أن كعباً قال إن محمداً رأى ربه أنكرت ذلك وقالت ثلاث من حدثك بهن فقد كذب من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله قال تعالى لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام ١٠٣] قال وروي عن ابن عباس مثل ذلك ثم قال في الجواب عن هذا لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن نفس الرؤية بيانه هو أن الإدراك غير موضوع بالحقيقة للرؤية أصلاً لكنه مستعمل في رؤية الشيء المحدود بطريق المجاز ومتى كان كذلك لم يلزم من الآية هاهنا نفي الرؤية وإنما قلنا إن
стр. 2387
الإدراك غير موضوع للرؤية حقيقة لأن لفظ الإدراك حقيقة في غير الرؤية فوجب أن يكون حقيقة في الرؤية وإنما قلنا إن الإدراك غير حقيقة في الرؤية لأنها حقيقة في اللحوق والبلوغ سواء كان في المكان كما في قوله تعالى قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿٦١﴾ [الشعراء ٦١] أو في الزمان كما يقال أدرك قتادة الحسن أو في صفة وحالة كما يقال أدرك الكلام وأدركت الثمرة إذا نضجت وأيضاً فإنه يقال أدركت ببصري حرارة الليل وإن كانت الحرارة لا ترى فعلمنا أن الإدراك حقيقة في غير الرؤية فوجب أن لا يكون حقيقة في الرؤية لئلا يؤدي إلى الاشتراك الذي هو خلاف الأصل وإنما قلنا إن الإدراك لا يستعمل مجازاً إلا في رؤية الشيء المتناهي لوجهين أحدهما أنا لما أبصرنا الشيء المتناهي فكان البصر على بعده من ذلك المرئي يتناوله ولم يتناوله غيره فجرى ذلك مجرى من قطع المسافة إلى شيء حتى بلغه ووصل إليه فلما توهم في هذا النوع من الإبصار معنى اللحوق سمي إدراكاً فأما إدراكنا لشيء الذي لا يكون في جهة أصلاً فإنه لا يتحقق فيه معنى البلوغ فلا جرم
стр. 2388
لا يسمى إدراكاً الثاني أن الاسم إنما يوضع لما يكون معلوماً للواضع والعرب ما كانوا يتصورون إلا رؤية الشيء المحدود أما عند الخصم فلأن الرؤية لا على هذا الوجه مستحيلة وأما عندنا فإنه وإن أمكن ألا يكون كذلك لكنه ما كان معلوماً للعرب ولا متصوراً لهم وإذا ثبت ذلك ثبت أنهم لم يستعملوا الإدراك إلا لرؤية الشيء الذي في جهة فثبت بما ذكرناه أن الإدراك لو أفاد الرؤية لأفاد رؤية الشيء المتناهي وهذا هو المراد من قول قدماء الأصحاب الإدراك هو الإحاطة بالمرئي وإذا ثبت أن الإدراك لا يفيد إ رؤية مخصوصة لم يلزم من نفي الإدراك نفي مطلق الرؤية لأنه لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم وأما قوله العرب لا تفرق بين الرؤية وبين الإدراك
стр. 2389
قلنا إن ادعيتم ذلك في مطلق الرؤية فهو ممنوع ودليله ما مضى وإن ادعيتم ذلك في رؤية مخصوصة فهو مسلم ولا يضرنا قوله أهل اللسان فهموا من هذه الآية نفي الرؤية فدل على أن إدراك البصر هو الرؤية قلنا وقد نقل أيضاً أن كثيراً من السلف فهموا الرؤية من قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾ [القيامة ٢٢-٢٣] مع أن النظر عندكم ليس هو الرؤية وكذلك هاهنا قلت فقد أخبر أن العرب ما كانوا يتصورون إلا رؤية الشيء المحدود وأن رؤية ما ليس في الجهة لم يكن معلوماً لهم ولا متصور لهم وإذا كان كذلك وقد ثبت في النصوص المتواترة عن النبي ﷺ أنه قال إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته وقال أيضاً إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب وكما ترون القمر صحواً ليس دونه سحاب وثبت اتفاق سلف الأمة على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة وقد أخبر أن العرب المخاطبين بهذا
стр. 2390
الكلام لم يكونوا يتصورون من ذلك إلا رؤية ما كان في الجهة وأن ما سوى ذلك لم يكن معلوماً ولا متصوراً لهم من لفظ الرؤية ومع هذا فالنبي ﷺ وأهل الإجماع من الصحابة والتابعين أخبروا الخلق بأنهم يرون ربهم ولم يقولوا برؤية في غير جهة ولا ما يؤدي هذا المعنى بل قال كما ترون الشمس والقمر فمثل رؤيته بالرؤية لما هو في جهة علم بالاضطرار أن الرؤية التي تدل عليها نصوص الرسول وإجماع السابقين هي الرؤية التي كان الناس يعرفونها وهي لما يكون في الجهة وهذا بين وأيضاً فقد أخبر أن ما لا يكون في جهة تسمى رؤيته إدراكاً وأن لفظ الإدراك إذا أريد به الرؤية فهي رؤية مخصوصة وهي رؤية المتناهي الذي يكون في جهة فأما الشيء الذي لا يكون في جهة فلا تسمى رؤيته إدراكاً وإذا كان كذلك فيكون قوله تعالى لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ أي متناهياً لا تحيط به ولا تدركه متناهياً محدوداً وهذا الذي ذكره جيد وإن كان لم يستوف حجته فإن أئمة السلف بهذا فسروا الآية وما ذكرته المعتزلة عن ابن عباس أنه تأول الآية على نفي الرؤية كذب على ابن عباس بل قد ثبت عنه بالتواتر أنه كان يثبت رؤية
стр. 2391
الله وفسر قوله تعالى لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ بأنها لا تحيط وضرب المثل بالسماء فقال ألست ترى السماء فقال بلى فقال أكلها ترى فقال لا قال فالله أعظم وإذا كان كذلك فمعلوم أن الله نفى إدراك الأبصار له ولم ينف إدراكه هو لنفسه ولم ينف مطلق الرؤية فلو كان هو في نفسه بحيث تمتنع رؤيته مطلقاً ليس الممتنع الإحاطة دون الرؤية التي ليست بإحاطة لم ينف هذا الخاص وهو الإدراك من الأبصار دون إدراكه هو ودون رؤية الأبصار لأن نفي العام يستلزم نفي الخاص ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام بل يقتضي جواز الخاص أو إبهامه لأن المدح بنفي الخاص مع كونه منتفياً لا يحسن كما لا يحسن أن يقال لا يقدر بنو آدم على إفناء جميعه أو لا يقدرون على إفناء ذاته وصفاته فإن هذا غير مقدور لا لبني آدم ولا لغيرهم بل هو ممتنع في نفسه وكذلك لا يقال الآدميون لا يقدرون على إعدامه أو إماتته أو على سلب قدرته وعلمه ونحو هذا لأن هذه الأمور ممتنعة في
стр. 2392
نفسها لا يختص بنو آدم بنفي الاقتدار عليها بل تخصيصهم بذلك يوهم أنه هو يقدر على ذلك وهذا كلام باطل فإن هذا ليس بشيء أصلاً حتى تكون رؤية الله عند النفاة هي من باب الممتنعات مثل عدمه وموته وإحداثه ونحو ذلك ولو كان كذلك لم يحسن نفي هذا عن أبصار العباد كما لا يحسن مدحه بأن العباد لا يعدمونه ولا يميتونه بل تخصيصهم بنفي إدراك أبصارهم له يقتضي أنه هو يدرك نفسه وإذا كان كذلك فإن لفظ الإدراك يقتضي الرؤية الخاصة لمن يكون في جهة علم أن الآية دلت على أنه كذلك وأما ما ذكره عن فضلاء المعتزلة فإنه أورد سؤال أبي الحسين البصري وأتباعه وهو أن موسى ﵇ يجوز أن يكون عالماً باستحالة الرؤية وقال في الجواب قوله لِمَ لا يجوز أن يقال إن موسى ﵇ كان جاهلاً باستحالة الرؤية عليه قلنا لوجوه ثلاثة الأول الإجماع على أن علم الأنبياء بالله وصفاته أتم من علم غيرهم بذلك ف يشك أحد أن دعوى الإجماع في ذلك أظهر من دعوى إجماع الصحابة على العمل بالقياس وأخبار
стр. 2393
الآحاد فإذا خصنا هذه الأصول بالإجماع فلأن يتمسك بالإجماع هاهنا أولى الثاني أن قبل ظهور أبي الحسين لم ينسب أحد من الأئمة موسى ﵇ إلى الجهل بل الناس كانوا بين المعترف بصحة الرؤية وبين المنكر لها متأولين لهذه الرؤية إما على سؤال رؤية الآية أو على أنه ﵇ سأل الرؤية لقومه وإذا كان كذلك كان أبو الحسين مسبوقاً بهذا الإجماع فيكون سؤاله مردوداً الثالث وهو أن أبا الحسين يدعي العلم الضروري بأن المرئي يجب أن يكون مقابلاً للرائي أو لآلة الرؤية والعلم الضروري حاصل بأن ما كان مقابلاً للجسم فهو مختص بجهة وتحيز فهذان العلمان الضروريان إن كانا حاصلين لموسى ﵇ فيلزم من اعتقاد صحة رؤية الله اعتقاده لكونه جسماً متحيزاً قال وذلك ما لا يجوز بالاتفاق على الأنبياء ﵈ لأن تجويزه يمنع من العلم بحكمته عند أبي الحسين وإذا لم يحصل عنده العلمان الضروريان كان ذلك قادحاً في كونه ﵊ عاقلاً وذلك لا يقوله عاقل فضلا عن
стр. 2394
المسلم اهـ قلت فهذا الذي ذكره عن أبي الحسين وأتباعه وهم فضلاء المعتزلة قد تضمن أن موسى ﵇ سأل الله أن يراه بالبصر وهم يقولون يعلم العاقل بالضرورة أن المرئي لا يكون إ في جهة ويعلم العاقل بالضرورة أنه لا يكون في الجهة إلا الجسم المتحيز وذلك يقتضي أن موسى عندهم كان يعتقد أن الله في جهة وأنه جسم وأما قول هذا بالاتفاق لا يجوز أي بالاتفاق بينه وبين الشيخ أبي الحسين لكن هذا الاتفاق ليس بحجة بالإجماع الوجه الثالث أن كون الرؤية مستلزمة لأن يكون الله بجهة من الرائي أمر ثبت بالنصوص المتواترة ففي الصحيحين وغيرهما الحديث المشهور عن الزهري قال أنا سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد
стр. 2395
الليثي أن أبا هريرة أخبرهما أنا الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله ﷺ هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فهل تمارون في رؤية القمر ليس دونه سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه كذلك وذكر الحديث بطوله قال أبو سعيد أشهد لحفظته من رسول الله ﷺ وهكذا هو في الصحيحين من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن
стр. 2396
يسار عن أبي سعيد قال قلنا يا رسول اله هل نرى ربنا قال هل تضارون في رؤية الشمس إذا كان صحواً قلنا لا يا رسول الله قال فهل تضارون من رؤية القمر ليلة البدر إذا كان صحواً قلنا لا قال فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤيتهما وساق الحديث بطوله وفي صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال ناس يا رسول الله أنرى ربنا يوم القيامة قال فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة ليست في سحاب قالوا لا قال فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحاب قالوا لا قال والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤية أحدهما وذكر الحديث بطوله فهذا فيه مع إخباره أنهم يرونه إخبارهم أنه يرونه في جهة منهم من وجوه
стр. 2397
أحدها أن الرؤية في لغتهم لا تعرف إلا لرؤية ما يكون بجهة منهم فأما رؤية ما ليس في الجهة فهذا لم يكونوا يتصورونه ولا يعرفونه فضلاً عن أن يكون اللفظ يدل عليه كما قد اعترف هو بذلك فيما تقدم وهو أيضاً فإنك لست تجد أحداً من الناس يتصور وجود موجود في غير جهة فضلاً عن أن يتصور أنه يرى فضلاً عن أن يكون اسم الرؤية المشهورة في اللغات كلها يدل على هذه الرؤية الخاصة الوجه الثاني أنه قال فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحواً وكما ترون القمر صحواً فشبه هم رؤيته برؤية الشمس والقمر وليس ذلك تشبيهاً للمرئي بالمرئي ومن المعلوم أنه إذا كانت رؤيته مثل رؤية الشمس والقمر وجب أن يرى في جهة من الرائي كما أن رؤية الشمس والقمر كذلك فإنه لو لم يكن كذلك لأخبرهم برؤية مطلقة نتأولها على ما يتأول من يقول بالرؤية في غير جهة أما بعد أن يستفسرهم عن رؤية الشمس صحواً ورؤية البدر صحواً ويقو إنكم ترون ربكم كذلك فهذا لا يمكن أن يتأول على الرؤية التي يزعمونها فإن هذا اللفظ لا يحتملها لا حقيقة ولا مجازاً
стр. 2398
الوجه الثالث أنه قال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب وهل تضارون في القمر ليس دونه سحاب فشبه رؤيته برؤية أظهر المرئيات إذا لم يكن ثَمَّ حجاب منفصل عن الرائي يحول بينه وبين المرئي ومن يقول إنه يرى في غير جهة يمتنع عنده أن يكون بينه وبين العباد حجاب منفصل عنهم إذ الحجاب لا يكون إلا لجسم ولما يكون في جهة وهم يقولون الحجاب عدم خلق الإدراك في العين والنبي ﷺ مثَّل رؤيته برؤية هذين النورين العظيمين إذا لم يكن دونها حجاب الوجه الرابع أنه أخبر أنهم لا يضارون في رؤيته وفي حديث آخر لا يضامون ونفي الضير والضيم أن ما يكون لإمكان لحوقه للرائي ومعلوم أن ما يسمونه رؤية وهو رؤية ما ليس بجهة من الرائي لا فوقه ولا في شيء من جهاته لا يتصور فيها ضير ولا ضيم حتى ينفي ذلك بخلاف رؤية ما يواجه الرائي ويكون فوقه فإنه قد يلحقه فيه ضيم وضير إما بالازدحام عليه أو كلال البصر لخفائه كالهلال وإما لجلائه كالشمس والقمر ومثل هذا الحديث المشهور حديث قيس بن أبي حازم
стр. 2399
عن جرير بن عبد الله البجلي قال كنا جلوساً عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر قال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا لا تضارون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وقرأ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وهذا لفظ البخاري في بعض طرقه وفيه زيادة لفظ عياناً وإلا فبقية ألفاظ الحديث مستفيضة في الصحيحين وغيرهما وفي الصحيحين من حديث يحيى بن سعيد وثنا سعيد بن أبي عروبة ثنا
стр. 2400
قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون ذلك فيقولون لو استشفعنا على ربنا فأراحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فذكر الحديث إلى أن قالوا ائتوا محمداً عبداً قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتوني حتى أستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي وقعت أو خررت ساجداً لربي فيدعني ما يشاء الله أن يدعني ثم يقال لي ارفع محمد قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه الله ثم أشفع فيحدّ لي حداً فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه الثانية فإذا رأيت ربي وقعت أو خررت ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال لي ارفع رأسك قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه الثالثة فإذا رأيت ربي وقعت أو خررت ساجداً لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني فذكر الحديث
стр. 2401
فكون الرائي وهو النبي ﷺ يراه والرائي في مكان ولا يراه والرائي في مكان آخر ويعود إلى ذلك المكان دليل على أن المرئي يرى والرائي في مكان ولا يرى إذا كان الرائي في مكان آخر وهذا الاختصاص لا يكون إلا بما يكون بجهة من الرائي بخلاف ما يسمونه رؤية فإنها من جنس العلم اختصاص لها بكون الرائي في مكان دون مكان وأيضاً ففي الصحيحين عن أبي عمران الجوني عن أبي
стр. 2402
بكر بن عبد الله بن قيس وهو ابن أبي موسى الأشعري عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن فأخبر أنهم لا يمنعهم من النظر إلا ما على وجهه رداء الكبرياء ومن يقول إنه يرى لا في جهة عنده ليس المانع إلا كون الرؤية لم تخلق في عينه لا يتصور عنده أن يحجب الرائي شيء منفصل عنه أصلاً سواء فسر رداء الكبرياء بصفة من صفات الرب أو بحجاب منفصل عن الرب فعلى التقديرين لا يتصور عند هؤلاء أن يكون ذلك مانعاً من الرؤية ولا يمنع من رؤية الله عندهم إ ما يكون في نفس الرائي وكذلك قوله في جنة عدن سواء كانت ظرفاً له أو للرداء فعلى التقديرين
стр. 2403
يخالف مذهب هؤلاء وأيضاً ففي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال قال رسول الله ﷺ إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه قال فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً هو أحب إليهم ما هو فيه ثم قرأ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس ٢٦] فأخبر أنه
стр. 2404
يكشف الحجاب فينظرون إليه ومن يقول يرى لا في جهة لا يقول إن بينه وبين الخلق حجاباً ولا يتصور أن يحتجب عن الخلق وأن يكشف الحجاب وقد صرحوا بذلك كله قالوا لأن ذلك كله من صفة الجسم المتحيز فإذا كان النبي ﷺ قد أخبر بذلك علم أنه يرى في الجهة وليست الرؤية التي أخبر بها ما يزعمونه من الأمر الذي لا يعقل ينافقون فيه أهل الإيمان وعن شعبة بن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس
стр. 2405
عن أبي رزين قال قلت يا رسول الله أنرى ربنا يوم القيامة قال نعم قال وما آية ذلك في خلقه قال أليس كلكم ينظر إلى القمر ليلة البدر وإنما هو خلق من خلق الله الله أعظم وأجل وفي رواية حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع ابن حدس عن عمه أبي رزين قال قلت يا رسول الله كلنا نرى الله يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر مخلياً قلت بلى قال والله أعظم وذلك آيته في خلقه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه ولفظ أبي داود قلت يا رسول الله كلنا يرى ربه وفي رواية له مخلياً به يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر وفي رواية له ليلة البدر مخلياً به قلت بلى قال والله أعظم قال الخلال سمعت أبا
стр. 2406
سعيد المصيصي الفقيه قال قال أبو صفوان رأيت
стр. 2407
المتوكل في النوم وبين يديه نار مؤججة عظيمة فقلت يا أمير المؤمنين لمن هذه النار فقال هذه لابني المنتصر لأنه قتلني وتدري لِمَ قتلني لأني حدثته أن الله يرى في الآخرة قال أبو سعيد فقال إبراهيم الحربي هذه رؤيا حق وذلك أن المتوكل كتب حديث حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع ابن حدس بيده عن عبد الأعلى وقال لا أكتبه إلا بيدي فقد أخبر النبي ﷺ أن الله يرى يوم القيامة لما سأله وسأله عن آية ذلك في خلقه والآية العلامة والدلالة وهو ما يعلم به ويدل على جواز ذلك فذكر له النبي ﷺ ما يدل بطريق القياس
стр. 2408
التنبيه والأولى وقد قدمنا غير مرة أن مثل هذا القياس في قياس الغائب على الشاهد هو مما ورد في الكتاب والسنة فقال أليس كلكم يرى القمر مخلياً به ليلة البدر قال فالله أعظم وأجل وقال إنما هو خلق من خلق الله وذلك آيته في خلقه وإثباته ﷺ جواز الرؤية لجميع الخلق في وقت واحد وكل منهم يكون مخلياً به بالقياس على رؤية القمر مع قوله والله أعظم وأجل دليل واضح على أن الناس يرونه مواجهة عياناً يكون بجهة منهم وأنه إذا أمكن في بعض مخلوقاته أنه يراه الناس في وقت واحد كلهم يكون مخلياً به فالله أولى أن يمكن ذلك فيه فإنه أعظم وأجل الوجه الرابع أن كون الله يرى بجهة من الرائي ثبت بإجماع السلف والأئمة مثل ما روى اللالكائي عن علي بن
стр. 2409
أبي طالب أنه قال إن من تمام دخول الجنة والنظر إلى الله في جنته وعن عبد الله بن مسعود أنه قال في مسجد الكوفة وبدأ باليمين قبل الحديث فقال والله ما منكم من إنسان إلا أن ربه سيخلو به يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر قال فيقول ما غرك بي يا ابن آدم ثلاث مرات ماذا أجبت المرسلين ثلاثاً كيف علمت فيما علمت وعن أبي موسى الأشعري أنه كان يعلم الناس سنتهم ودينهم قال فشخصت أبصارهم أو قال حرفوها عنه قال فما حرف أبصاركم عني قالوا الهلال أيها الأمير قال فذاك أشخاص أبصاركم عني قالوا نعم قال فكيف إذا رأيتم الله جهرة
стр. 2410
وعن معاذ بن جبل قال يحبس الناس يوم القيامة في صعيد واحد فينادي أين المتقون فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب منهم ولا يستتر قلت من المتقون قال قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة
стр. 2411
وروى اللالكائي عن ابن وهب قال سمعت مالك بن أنس يقول الناظرون ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم وعن أشهب قال وسئل مالك عن قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾ [القيامة ٢٢-٢٣] أينظر الله قال نعم فقلت إن أقواماً يقولون ينظر ما عنده قال بل ينظر إليه نظراً وقد قال موسى قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن
стр. 2412
تَرَانِي [الأعراف ١٤٣] وقال الله كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿١٥﴾ [المطففين ١٥] وعن مالك أنه قيل له إنهم يزعمون أن الله لا يرى فقال السيف السيف وقد تقدم كلام ابن الماجشون واحتجاجه أيضاً على الرؤية بحجابه للكفار وعن الأوزاعي أنه قال إني لأرجو أن يحجب الله جهماً
стр. 2413
وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعده أولياءه حين يقول وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾ [القيامة ٢٢-٢٣] فجحد جهم وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعد أولياءه وعن الوليد بن مسلم قال سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث
стр. 2414
التي فيها الرؤية فقالوا أمِرّوها بلا كيف وعن الربيع قال حضرت الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها ما تقول في قول الله كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿١٥﴾ قال الشافعي فلما أن حجب هؤلاء في السخط كان هذا دليلاً عن أنهم يرونه في الرضا قال لربيع قلت يا أبا عبد الله وبه تقول قال نعم وبه أدين الله لو لم يؤمن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله وعن عبد الله بن المبارك قال ما حجب الله عنه أحداً إلا عذبه ثم قرأ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿١٥﴾ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ ﴿١٦﴾ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿١٧﴾ [المطففين ١٥-١٧] قال بالرؤية
стр. 2415
وقال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له وأئمتنا ﵏ كسفيان الثوري ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد
стр. 2416
وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي متفقون على أن الله بذاته فوق عرشه وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئاً من ذلك فهو منهم بريء وهم منه برآء
стр. 2417
وروى الخلال في كتاب السنة قال حدثنا أبو بكر المروذي قال سألت أبا عبد الله عن أحاديث الرؤية فصححها وقال قد تلقتها العلماء بالقبول لنسلم الخبر كما جاء وعن حنبل بن إسحاق قال سمعت أبا عبد الله يقول أدركنا الناس وما ينكرون من هذه الأحاديث شيئاً أحاديث الرؤية وكانوا يحدثون بها على الجملة يمرونها على حالها غير
стр. 2418
منكرين لذلك ولا مرتابين وقال حنبل قال أبو عبد الله قال الله تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى ٥١] فكلم الله موسى من وراء حجاب وقال رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قال الله تعالى لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف ١٤٣] فأخبر الله تعالى أن موسى ﵇ يراه في الآخرة وقال كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿١٥﴾ [المطففين ١٥] ولا يكون حجاب إلا لرؤية فأخبر الله أن من شاء الله ومن أراد يراه والكفار لا يرونه فقال حنبل في موضع آخر القوم يرجعون إلى التعطيل في
стр. 2419
قولهم ينكرون الرؤية قال وسمعت أبا عبد الله يقول قال الله وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾ [القيامة ٢٢-٢٣] قال أحاديث تروى في النظر حديث جرير عن عبد الله وغيره تنظرون إلى ربكم أحاديث صحاح وقال لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس ٢٦] وهي النظر إلى الله ثم قال أبو عبد الله نؤمن بها ونعلم أنها حق يعني أحاديث الرؤية ونؤمن أن الله يرى نرى ربنا يوم القيامة لا نشك فيه ولا نرتاب وسمعت أبا عبد الله يقول قالت الجهمية إن الله لا يرى في الآخرة ونحن نقول إن الله يرى لقوله وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾ وقال الله ﵎ لموسى فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف ١٤٣] فأخبر الله أنه يرى وقال النبي ﷺ وقال كلكم
стр. 2420
يخلو به ربه وإن الله يضع كنفه على عبده فيسأله ما عملت هذه الأحاديث تروى عن رسول الله ﷺ تروى صحيحة وعن الله ﵎ أنه يرى في الآخرة وهذه أحاديث عن رسول الله ﷺ غير مدفوعة والقرآن شاهد أن الله يرى في القيامة وقول إبراهيم لأبيه يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ﴿٤٢﴾ [مريم ٤٢] فثبت أن الله يسمع ويبصر وقال الله تعالى يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴿٧﴾ [طه ٧] وقال إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴿٤٦﴾ [طه ٤٦] وقال أبو عبد الله فمن دفع كتاب الله ورده والأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
следующие страницы →