Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
وقد ذكرنا نظير هذا غير مرة وبينا أن قول الجهمية يستلزم الجمع بين النقيضين وأن يكون موجوداً معدوماً معبوداً غير معبود مأموراً بعبادته منهياً عنها فحقيقته أمر بعبادة العدم المحض والنفي الصرف وترك عبادة الله سبحانه وهذا رأس الكفر وأصله وهو لازم لهم لزوماً لا محيد عنه وإذا كان فيه إيمان لا يقصد ذلك لكن الذي ابتدع هذا النفي ابتداءً وهو عالم بلوازمه كان من أعظم المنافقين الزنادقة المعطلين للصانع ولعبادته ودعائه ولهذا تجد هذا السلب إنما يقع كثيراً من متكلمي الجهمية الذين ليس فيهم عبادة لله ولا إنابة إليه وتوجه إليه وإن صلوا صلوا بقلوب غافلة وإن دعوه دعوه بقلوب لاهية لا تحقق قصد المعبود المدعو فإنها متى صدقت في العبادة والدعاء اضطرت إلى قصد موجود يكون بجهة منها فتنتقل حينئذ إلى حال عباد الجهمية فتجعله في كل مكان أو الوجود المطلق ويتوجه بقلبه إلى الجهات الست فبينما هو كان في نفيه عن الجهات الست صار مثبتاً له في الجهات الست وهذا حال
стр. 2522
الجهمية دائماً يترددون بين هذا النفي العام المطلق وهذا الإثبات العام المطلق وهم في كليهما حائرون ضالون لا يعرفون الرب الذي أمروا بعبادته وكل من جرب نفسه وامتحنها من المؤمنين علم من نفسه علماً يقينياً ضرورياً يجده من نفسه كما يجد حبه وبغضه ورضاه وغضبه وفرحه وحزنه أنه متى صدق في عبادة الله ودعائه والتوجه إليه بقلبه لزم أن يقصده بجهة منه فإن كان على فطرته التي فطر عليها أو ممن هو مع ذلك مؤمن بما جاءت به الرسل قصد الجهة العالية وإن كان ممن غيرت فطرته قصد الجهات كلها وقصد ك موجود فلهذا قال الشيخ أبو جعفر الهمذاني لأبي المعالي ما قال عارف قط يا ألله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب الجهة العالية لا تلتفت يمنة ولا يسرة فتبين أن قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴿٥﴾ بل وقوله اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴿٦﴾ لا يصدق في قول ذلك إلا من يقر أن الله فوقه ومن لم يقر بذلك يكون فيه نفاق عنده قصد بلا مقصود وعبادة بلا معبود حقيقي وإن كان مثبتاً له من بعض الوجوه لكن قلبه لا يكون مطمئناً إلى إله يعبده ويوضح ذلك أن عبادة القلب وقصده وتوجهه حركة منه
стр. 2523
وحركة الإنسان بل كل جسم لا يكون إلا في جهة وإلى جهة إذ الحركة مستلزمة للجهة وتقدير كمتحرك بلا جهة كتقدير حركة بلا متحرك وهذا مما لا نزاع فيه بين العقلاء لكن غلاة المتفلسفة قد يزعمون أن القلب والروح ليسا جسماً وأنه لا داخل البدن ولا خارجه ولا داخل العالم ولا خارجه وهذا معلوم فساده بالحس والعقل والسمع كما قد بيناه في غير هذا الموضع وغلاة المتكلمين يزعمون أن الروح إنما هو عرض من أعراض البدن ليست شيئاً يفارق البدن ويقوم بنفسه وهذا أيضاً فاسد في الشرع والعقل كما بيناه في غير هذا الموضع وإذا عرف فساد القولين علم أن الروح التي فينا جسم يتحرك ثم نقول القلب الذي هو مضغة يحس الإنسان من نفسه بصعوده وارتفاعه إلى فوق عند اضطراره إلى الله تعالى الوجه الحادي والعشرون قوله في نهايته الإشارة إلى فوق سببها الإلف والعادة وجريان الناس على ذلك وقد ذكر مستند هذه العادة أنه مستند فاسد
стр. 2524
يقال هذه المقدمة تقرر بوجوه أحدها أن ذلك يستلزم علماً ضرورياً بأن مدعوهم فوق كما تقدم من أنهم يجدون هذا العلم الفطري الضروري وأنهم يخبرون بألسنتهم أنهم يجدونه وأن أفعالهم وأقوالهم تدل على أنهم يجدونه وهذا العلم يلزم نفوسهم لزوماً لا يمكنهم الانفكاك عنه أعظم من لزوم العلم الضروري بالأمور الحسابية والطبيعية مثل كون الواحد ثلث الثلاثة وأن الجسم لا يجتمع في مكانين وذلك أن ذلك علم مجرد ليسول مضطرين إليه بل قد لا يخطر ذلك ببال أحدهم وأما هذا العلم فهم مع كونهم مضطرين إليه هم مضطرون إلى موجبه ومقتضاه وهو الدعاء والسؤال والذل والخضوع للمدعو المعبود الذي هو فوق فهم مضطرون إلى العلم وإلى العمل الذي يتبع هذا العلم وهو السؤال والطلب وإن كان فيهم من يكون عند ظنه الاستغناء يحمله الاستكبار على الإعراض عن هذا العلم والاعتراف والطلب والإرادة والدعاء أو يحمله عليه اعتقاد فاسد أو عادة فاسدة فهذا لا يخرجه عن أن يكون ضرورياً فإن هذا من أعظم السفسطة التي يدعو إليها أهل التقليد للآباء وطلب العلو والفساد
стр. 2525
في الأرض ومن المعلوم أنه مع قوة الصارف المعارض للداعي لا يكون حاله كحال الداعي الذي لم يعارضه صارف وما ذكر من مبادئ العلم الحسابي والطبيعي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين وأن الجسم لا يكون في مكانين ونحو ذلك ليس الداعي إلى هذا العلم قوياً في النفوس ولا الصارف عنه قوياً في النفس ولهذا تجد عامة من يصير هذا العلم قائماً بنفسه من عنده نوع نظر وبحث فيما يتعلق بذلك وتجد الحاجة لمثل هذا النوع فساد خاص في عقله أو غرض حاء منه وأما العلم الإلهي فهو أجل وأشرف فإنه ضروري لبني آدم علماً وإرادة فُطروا على ذلك فوجود هذا العلم والإرادة الضروريتين في أنفسهم أكثر وأكثر من وجود ذلك والمعارض لهذا لابد وأن يكون قوياً إما اعتقاد فاسد كاعتقاد الجهمية المتأولين الذين لم يكابروا العقل وليس لهم غرض في خلاف الدين وإما إرادة فاسدة قوية كإرادة فرعون وقومه الذين قال الله
стр. 2526
فيهم وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤﴾ [النمل ١٤] وقال له موسى قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ [الإسراء ١٠٢] وهذه الإرادة الفاسدة هي الهوى الذي يصد عن معرفة الحق وهو مرض في القلب يمنع ما فطر عليه من صحة الإدراك والحركة كما يمنع مرض العين ما فطرت عليه من صحة الإدراك والحركة وكذلك المرض في سائر الأعضاء فهؤلاء الذين يجدون في أنفسهم علماً ضرورياً وقصداً ضرورياً لمن هو فوق العالم قد مرضت قلوبهم وفسدت فطرتهم ففسد إحساسهم بالباطن كما يفسد الإحساس الظاهر مثل المرة التي تفسد الذوق والحول والعشى الذي يفسد البصر وغير ذلك ولهذا إنما يكون الاعتبار في هذا بذوي الفطر السليمة من
стр. 2527
الفساد والإحالة فإن قيل قد تكرر ما ذكرتموه من كون الناس مضطرين إلى الإقرار بأن صانع العالم فوق ولا ريب أن هذا قد قاله طوائف كثيرة من أهل الكلام والحديث والفقه والتصوف وهو من أشهر حججهم وأدلتهم عند خاصتهم وعامتهم لكن هذا مستلزم أن يكون الإقرار بالصانع فطرياً ضرورياً فإنه إذا كان الإقرار بعلوه فطرياً ضرورياً فالإقرار به نفسه أولى أن يكون فطرياً ضرورياَ لأن العلم بالموصوف لا يجوز أن يتأخر عن العلم بالصفة ولعلم بالقضية المرادية لا يجوز أن يتأخر عن العلم بمفردها فإذا كان العلم بمضمون قولنا هو فرق علماً ضرورياً فالعلم به وبمعنى فوق أولى أن يكون ضرورياً وليس الأمر كذلك فإن الإقرار بالصانع إنما هو معلوم بالنظر والاستدلال كما هو مشهور عند العلماء النظار ولهذا تنازعوا في أول الواجبات هل العلم نفسه أو النظر المفضي إليه على قولين
стр. 2528
وإن كان النزاع قد يقال إنه لفظي لكون العلم واجباً لنفسه والنظر واجباً وجوب الوسائل التي تجب لغيرها وهذا نزاع مشهور في عامة الطوائف وهو قولان لأصحاب الإمام أحمد وغيرهم
стр. 2529
يل له من الناس من قد يقول في مثل هذا إن العلم بالتصديق والقضية المؤلفة إذا كان بديهياً ضرورياً فقد يكون كذلك لكون تصور المفردين بديهياً وهذا هو البديهي تصوراً وتصديقاً وقد يكون تصور المفردين كسبياً نظرياً ولكن بعد حصول تصورهما يكون العلم بنسبة أحدهما إلى الآخر بديهياً ضرورياً لا يفتقر إلى وسط بينهما يكون دليلاً على المطلوب وإذا كان كذلك لم يجب إذا كان العلم بأنه فوق بديهي ضروري أن يكون العلم بمعناه وبمعنى فوق بديهياً ضرورياً لكن هذا القول لم يجب به لأن القائلين بأن العلم بهذا بديهي ضروري قالوا إنه فطري لبني آدم بدون نظر قياسي يكون سابقاً على هذا العلم فهم جعلوه من باب الفطري الضروري البديهي المطلق
стр. 2530
ولأن البديهي للتصديق دون التصور إنما يقف على ما يحصل له تصور المفردين لا يقف على ما يحص به وجود المفردين في الخارج فهب أن العلم بمسمى اسم الله فطري لكن العلم بوجوده هو أيضاً علم بتصديق كالعلم بعلوه ولأن دعوى كون التصور مطلوباً يعلم بالحدود باطل كما بيناه في غير هذا الموضع وبينا أن الحدود لا تفيد إلا لتمييز بين المحدود وغيره لا تفيد المستمع تصور ما لم يتصوره بدونها وأن التصورات لو لم تعلم إلا بالحدود لأفضى إلى الدور ولأن الحاد يجب أن يتصور المحدود قبل أن يحده وأن الحد من باب الأقوال والعبارة والقول لا يفيد المستمع إن لم يكن متصوراً لمفردات الكم قبل ذلك بنفسها أو بنظيرها إذ العلم بالمعنى الذي قصده
стр. 2531
المخاطب يفتقر إلى العلم بأن اللفظ دال على المعنى موضوع له والعلم بكون اللفظ موضوعاً للمعنى يقف على العلم بالمعنى وباللفظ فلا يجوز أن يكون تصور ذلك المعنى مستفاداً من اللفظ الذي لا يدل إلا بعد أن يعلم المعنى وأن اللفظ موضوع له ودال عليه ولأن المعرف للمفرد بالقول إما أن يعرفه بلفظ مفرد مطابق له وهو الاسم أو يعرفه بذكر صفة مخصوصة به ولفظ تلك الصفة بمنزلة الاسم في العموم والخصوص كالناطق والإنسان وإما أن يعرفه بذكر الخاص بعد العام فتصور العام وشموله لتلك الأفراد مسبوق بتصور تلك الأفراد فلو كان تصور تلك الأفراد مستفاداً من العام لزم الدور إذ علم المتكلم والمستمع بأن الإنسان حيوان مسبوق بتصور الإنسان والحيوان إذ لا يعلم أن الإنسان حيوان إلا من يعلم الإنسان ولا يعلم أن الحيوان جسم إلا من يعلم الحيوان والجسم فلو كانت معرفة الإنسان لا تستفاد إلا بعد معرفة الحيوان ومعرفة الحيوان لا تعلم إلا بعد معرفة مفرداته التي يوصف بها لزم الدور وذلك أن الأجناس الكلية ولا وجود لهل كلية إلا في
стр. 2532
الأذهان والذهن إنما يجردها إذا أحس بها معينة موجودة مشخصة في الخارج لكن يقال إنه قد ينتزعها من بعض الأعيان مثل أن يتصور الحيوان من جهة معرفته بالفرس ولا يتصور كون الإنسان هو أيضاً كذلك فيقال له ذلك المعنى الذي يوصف به الفرس بكون نظيره للأمر الذي يحد لك وهو الإنسان لكن هذا أيضاً يلزم الدور فإنه ليس علم الإنسان بانطباق بعض الأنواع بأنه حيوان أولى من العلم باتصاف النوع الآخر به وأهل هذه الحدود لا يقولون المحدود هو نوع الإنسان دون الفرس ولا بالعكس بل الحدود لهذه الأنواع كلها سواء بل علم الإنسان عندهم بنفسه وبنوعه وبصفاته هي عنده أسبق وأظهر من علمه بصفات غيره من الأنواع وبالجملة فليس هذا موضع هذا وإنما المقصود هنا أنا لا نجيب بذلك الجواب بل نقول هب أن العلم بأنه فوق إذا كان فطرياً ضرورياً كان العلم بوجود نفسه أن يكون فطرياً ضرورياً أولى فأي محذور في ذلك قوله المشهور عند النظار أن العلم بالصانع إنما يحصل
стр. 2533
بالنظر والاستدلال وهو ترتيب الأقيسة العقلية يقال له ليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا قاله أحد من الأنبياء والمرسلين ولا هو قول كل المتكلمين ولا غالبهم بل هذا قول محدث في الإسلام ابتدعه متكلمو المعتزلة ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمهم وقد نازعهم في ذلك طوائف من المتكلمين من المرجئة والشيعة وغيرهم وقالوا بل الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال بل قد يقولون يمتنع أن يحصل بالقياس والنظر وهذا قول جماهير الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والعامة وغيرهم
стр. 2534
بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله والإقرار به لا تقف على هذه الطرق التي يذكرها أهل طريقة النظر بل بعض هذه الطرق لا تفيد عندهم المعرفة فضلاً عن أن يكون الله لا يقر به مقر ولا يعرفه عارف إلا بالطريقة المشهورة له من إثبات حدوث العالم بحدوث صفاته مع دعواهم أن الله لا يعرف إلا بهذه الطريقة وهذه مسألة عظيمة ليس هذا موضع بسطها وقد بسطناها في غير هذا الموضع وبينا أن أصل المعرفة والإقرار بالصانع لا يقف على النظر والاستدلال بل يحصل بديهة وضرورة ولهذا يقر بالصانع جميع الأمم مع عظيم شركهم وكفرهم وأنهم يسلكون من هذه الطرق المشهورة عند النظار مثل الاستدلال بالحدوث على المحدث وبالإمكان على الواجب ولهذا يوجد
стр. 2535
له عند كل أمة اسم يسمونه والتسمية مسبوقة بالتصور فلا يسمي أحد إلا ما عرفه ثم المستمع لذلك الاسم يقبل بفطرته ثبوت المسمى به من غير طلب حجة على وجوده ويكون قبوله لذلك كقبوله لأسماء سائر ما أدركه بحسه وعقله مثل الشمس والقمر والواحد والاثنين بل هذا أكمل وأشرف ودلائل هذا كثيرة ليس هذا موضعها ومع هذا فالطرق النظرية تفيد العلم والمعرفة ولا منافاة بين كون الشيء يعلم بالبديهة والضرورة ويكون عليه أدلة وهي نوعان أحدهما الآيات كما يذكر الله ذلك في القرآن والآية هي دليل عليه بعينه لا تدل على قدر مشترك بينه وبين غيره فنفس الكائنات وما فيها وهو عين وجودها في الخارج مستلزم لوجود الرب وهو آية له ودليل عليه وشاهد بوجوده بعينه لا على قدر مشترك بينه وبين غيره الثاني ضرب الأمثال والقياس وهو نوعان أحدهما
стр. 2536
قياس الأولى والأحرى فهذا أيضاً مما يذكره الله في القرآن لكن عامة ما يستعمل هذا في صفاته كإثبات وحدانيته في إلهيته وقدرته ونحو ذلك والثاني الأقيسة المطلقة أقيسة الشمول المنطقية وأقيسة التمثيل وهذه التي يسلكها هؤلاء النظار المتكلمون من
стр. 2537
المتفلسفة ومتكلمي أهل الملل وهي أضعف الطرق وأقلها فائدة وطريقة المتكلمين أجود فإنهم يثبتون بها أن للعالم محدثاً وأما المتفلسفة فما يثبتون إلا وجوداً واجباً ليس فيه أنه صانع للعالم ولا باريه ثم إن كلاً من الصنفين لا بد أن يستعمل طريقته قضية كلية مثل قول أولئك العالم محدث أو العالم فيه حوادث من جواهر وصفات وغير ذلك
стр. 2538
وكل محدث فلابد له من محدث فإن هذه قضية كلية وهي مع كونها معلومة بالبديهة والضرورة فقد يثبتها كثير من المعتزلة بقياس التمثيل وهو القياس على محدثات الآدمي من الدور والبنيان ومن المعلوم أن علم الإنسان بأن كل محدَث لابد له من محدِث هو علم يندرج فيه أن هذا المحدث لابد له من محدث وهذا المحدث لابد له من محدث ومن المعلوم أن علمه بهذه الأفراد المعينة أسبق إلى حسه وعقله من علمه بهذه القضية الكلية العامة كما في نظائر ذلك كما أن علمه هذا الإنسان يحس ويلتذ ويتألم قبل علمه بأن كل إنسان يحس ويلتذ ويتألم إذ الأمور الموجودة الحسية يكون العلم بها قبل أن يعقل قضية عامة كلية وإذا كان كذلك فعلم الإنسان بأن هذا المحدث الذي علم حدوثه كما يشهده من الحوادث أو يعلم حدوثه بدليل أو قياس علمه بأن هذا المحدث لابد له من محدث لا يحتاج إلى أن يعلم قبل ذلك أن كل محدث فلابد له من محدث فلا يحتاج من العلم بالمحدث إلى هذه القضية الكلية
стр. 2539
والقياس المشتمل عليها وإن كان ذلك أيضاً من جملة الأقيسة والأمثال المضروبة التي يثبت بها ذلك لكن ينبغي أن يكون على وجه الأولى بأن يقال إذا كان هذا المحدث الصغير لابد له من محدث فهذا المحدث الكبير أولى وأيضاً فنحن لم نشهد محدثاً تاماً مطلقاً إذ لا محدث تام على الحقيقة إلا الله سبحانه فظنوا من ظن من المعتزلة أنه إنما يعرف أن المحدث لا يفتقر إلى محدث إلا بالقياس على إحداث الآدميين غلط وذلك أن حكم الأصل أضعف من حكم الفرع فإن الإنسان وإن زعموا أنه يحدث تصرفاته فلا ريب أنه يفتقر فيما يبنيه وينسجه على آلة خارجة عن قدرته فليس هو نظير حكم الفرع أقوى وأحق وكذلك قول القائل إن الممكن لا يترجح أحدج طرفيه على الآخر إلا بمرجح قضية كلية مضمونها أن جميع الممكنات
стр. 2540
وهي التي لا تستحق بنفسها الوجود ولا يمتنع عليها العدم فلا تكون موجودة إلا بمرجح لكن العلم بها ليس بأسبق ولا بأظهر من العلم بأفرادها فإن الإنسان متى تصور أن الشيء الفلاني لا يستحق الوجود في نفسه ولا يمتنع عدمه علم أن ذلك الشيء الفلاني لا يوجد بنفسه بل نفس تصور الممكن يوجب هذا العلم فإنه إذا قيل الشيء يجوز وجوده ولا يكون وجوده بنفسه أو لا يجب وجوده بنفسه كان نفس هذا التصور يقتضي أن وجوده من غيره والشأن إنما هو في تعيين الأمور التي هي ممكنة وهذا قد يعلم بالحدوث المشهود أو المستدل عليه فتكون طريقتهم تابعة لطريقة الأولين وأما علم ذلك بغير هذه الطريق ففيها من الخفاء والنزاع ما ليس هذا موضعه
стр. 2541
ولهذا كثر في هؤلاء من يجحد الصانع مع إقراره بوجود واجب ثم مع ذلك فأولئك إنما يستفيدون بطريقهم العلم بالقدر المشترك بينه وبين سائر المحدثين إذ القضية الكلية لا تدل إلا على القدر المشترك فيكونون قد علموا من إحداثه ما علموه من إحداث سائر الحيوانات حتى البعوضة ومعلوم أن هذا علم قليل نزر بما يستحقه الرب ولم يعلموا من إحداث ربهم إلا ما أشركوا به فيه جميع الحيوانات فيكونون أبعد عن معرفة الله تعالى من المشركين الذين قال الله فيهم وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿١٠٦﴾ [يوسف ١٠٦] ونحن نعلم أن المحدث تعظم قدرته وفعله بـ الأمر المحدث كما يعلم أن باني الدار وناسج الثوب العظيم أعظم من باني الدار الصغيرة وناسج الثوب الصغير لكن القضية الكلية التي ذكروها تفيد أنه أعظم من سائر المحدثين بقدر عظمة العالم على جميع مصنوعات أولئك وهذا بعض ما يستحقه الرب من التعظيم وعدم المماثلة لكن نفس الإحداث أيضاً فيه من التفاوت أعظم من هذا التفاوت فما أحدثه الرب وإن كان أعظم فنفس إحداثه أيضاً وهو ليس من
стр. 2542
جنس إحداث المخلوقين وما ذكروه من القياس لا يفيد هذا إلا بدليل آخر إذ القضية الكلية لا تدل إلا على القدر المشترك ثم قياسهم يدل على ذاتٍ ما موصوفة بهذا الإحداث ففي الجملة ليس في هذا القياس علم بخصوص الربوبية ولهذا كان ما ورد به القرآن من كونه رب العالمين وخالق كل شيء ونحو ذلك له من الربوبية على هذا ما لم يتسع هذا الموضع لذكره إذ غيره ليس رباً مطلقاً ولا خالقاً أيضاً فكان ما أثبته له من فعل العالم أثبته على الوجه المختص به لم يثبته باسم لا يفيد إلا القدر المشترك كما فعله هؤلاء الذين قاسوا إحداثه على إحداثهم وأما الآخرون فإنما يستفيدون الإقرار بوجود واجب الوجود بـ قدر مشترك بينه وبين سائر الموجودات فكان معلوم هؤلاء أبعد عن معرفة الله وما يخصه من معلوم أولئك إذ كونه محدثاً فيه تعرض لربوبيته وفعله وإن كانوا قدأشركوا بينه وبين الحيوانات وأما هؤلاء فإنهم أشركوا بينه وبين سائر الموجودات بإثبات وجوده ثم تمييزه بكون وجوده واجباً كتمييز أولئك بأنه محدث العالم
стр. 2543
ولا ريب أن تمييز هؤلاء أجود فإن كونه محدث العالم مستلزم غناه ووجوده بنفسه وأما العلم بمجرد كونه موجوداً بنفسه فلا يفيد العلم بأنه صانع العالم ولا بأنه رب السموات والأرض ولا يفيد أيضاً العلم بمغايرته لشيء من الموجودات التي لم يعلم حدوثها إذ كون وجوده واجباً لا ينفي بنفسه أن تكون بعض الذوات ليست محدثة ثم إذا قرروا أن الأجسام كلها ممكنة أو أن السموات والأرض كلها ممكنة وواجب الوجود غيرها أو قرروا أن واجب الوجود لا يكون اثنين لم يستفيدوا بذلك إلا مجرد أن الوجود المشترك بينه وبين غيره وجد بنفسه ولم يحتج إلى فاعل فيكونون قد مثلوه بسائر الموجودات ولكن فرقوا بينه وبينها بالغنى عن الغير فقط وهذا الوصف قد يزعمون أنه عدمي وقد يزعمون أنه إضافي وعلى هذين التقديرين فلا يكونون أثبتوا لرب العالمين إلا ما أثبتوه لسائر الموجودات وهذا يجمع كل شرك في العالمين وإن زعموا أنه ثبوتي نقضوا ما أثبتوه لوحدة واجب الوجود
стр. 2544
بحيث أثبتوا لواجب الوجود أمرين ثبوتيين وهذا باب واسع يطول الكلام فيه فظهر أن أقيستهم قد يستغني عنها كما قد يتفطن بها بعض الناس لما كان ذاهلاً عنه لكن مع إمكان أن يتفطن بدونها ومع ذلك فلا تفيد المعرفة الضرورية التي تحصل بالفطرة أو بالآيات أو بقياس الأولى فضلاً عن أن تفيد المعرفة التي تحصل بعد ذلك بالشرعة لكن تفيد نوعاً من المعرفة القاصرة وتبطل ما يقابل ذلك من النكرة والجهل والكفر فتثبت شيئاً من الإقرار بالصانع وتمنع شيئاً من الإنكار له وأما أن ما تفيده الآيات المشهودة والمسموعة وما في ضمن ذلك من الأمثال المضروبة التي مبناها على الأولوية فلا وقد نقلوا عن أساطين الفلاسفة القدماء أنهم قالوا العلم الإلهي لا سبيل فيه إلى اليقين وإنما نتكلم بالأولى والأخلق والأحرى وحملوا ذلك على أنهم أرادوا أنه ليس فيه إلا الظن
стр. 2545
الغالب فإن كانوا أرادوا هذا فناهيك بهذا الإفلاس من معرفة الله تعالى ولكن يحتمل أنهم أرادوا أن اليقين الذي يستفاد بالمقاييس الشمولية والتمثيلية المستعملة في الموجودات لا توجد في حق الله تعالى ولكن هؤلاء أحق وأولى وأحرى بما يثبت من صفات الكمال وبما ينفي من صفات النقص ومعلوم أن ذلك الرجحان والفضل غير معلوم قدره ووصفه بالقياس فحيئنذ لا لنا سبيل إلى اليقين بالحقيقة التي دل عليها القياس العقلي فهذا إن أرادوه فهو جيد لهم ومن قال ذلك فقد قال الحق وأعطى النظر القياسي حقه إذ لا يمكن به معرفة الربوبية غير هذا وهو معرفة مجملة وغير مفصلة وبكل حال فقد لا يحتاج إلى هذه المقاييس وهذه الطرق النظرية بل استغنى عنها بالفطرة البديهية الضرورية عاماً وخاصاً وبالآيات المشهودة والمسموعة وعلم جماهير الخلق من هذا الباب وهو أثبت وأرسخ من علم أولئك فإن أولئك عندهم من الشك والارتياب وأنواع التلون والاضطراب ما لا يوجد عند عامة هؤلاء فضلاً عمن كان من ذوي الألباب
стр. 2546
والآيات لا يحتاج فيها إلى القياس كما أن الشعاع آية على الشمس وليس ذلك بقياس الشمس عل غيرها من المؤثرات وبقياس الشعاع على غيره من الآثار بل عند الناس علم فطري بالحس والعقل أن نفس الشعاع مستلزم للشمس على وجه لا يشرك الشمس في ذلك غيرها وما من مخلوق إلا وهو نفسه آية على خالقه على وجه لا يشركه فيه غيره كما قيل وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد لكن الكلام في هذا يحتاج إلى بسط طويل ليس هذا موضعه وإنما الغرض التنبيه على أن ما ذكره أهل الإثبات من إقرار العباد بفطرهم أن ربهم فوقهم إذا كان مستلزماً لإقرارهم بربهم بفطرهم وأن الإقرار به فطري فليس في لزوم ذلك شيء من الاستبعاد إذ على القول بذلك جماهير أصناف العباد وإنما يستبعد ذلك من غيَّر مبتدعةُ المتكلمين فطرته وسلكوا به في مسالكهم الحرجة الضيقة وأوهموا أنهم هم العارفون بالحجة والدليل دون الأولين والآخرين من كل صنف وجيل وهذا كما تزعمه القرامطة الباطنية أنهم خلاصة أهل المعرفة
стр. 2547
والتحقيق دون من لم يسلك هذا الطريق ويزعم الاتحادية أنهم خلاصة الخاصة من أهل الله دون سائر عباد الله ويزعم الرافضة أنهم هم أولياء الله المتقون فدعاوى هؤلاء المتكلمين والجهمية ودعاوى الرافضة والاتحادية والقرامطة والباطنية هي من دعاوى شر البرية فالحمد لله الذي هدانا بالإسلام ومَنّ علينا
стр. 2548
بالقرآن وأرسل إلينا رسولاً من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة وإن كنا من قبل لفي ضلال مبين والله سبحانه فطر عباده على شيئين إقرار قلوبهم به علماً وعلى محبته والخضوع له عملاً وعبادة واستعانة فهم مفطورون على العلم به والعمل له وهو الإسلام الذي قال فيه النبي ﷺ كل مولود يولد على الفطرة وفي رواية على هذه الفطرة وفي الصحيحين عن الزهري وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم ٣٠] وأخرجاه من حديث
стр. 2549
همام عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال من يولد يولد على هذه الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتجون الإبل هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها قالوا يا رسول الله أرأيت من يموت صغيراً قال الله أعلم بما كانوا عاملين وروى البخاري من حديث شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال نصلي على كل مولود يتوفى وإن كان لغية من
стр. 2550
أجل أنه ولد على فطرة الإسلام يدعي أبواه الإسلام أو أبوه خاصة وإن كانت أمه على غير الإسلام إذا استهل صارخاً ولا نصلي على من لم يستهل من أجل أنه سقط فإن أبا هريرة كان يحدث النبي ﷺ قال ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة فطرة الله التي فطر الناس عليها أخرجه البخاري من هذا الوجه وإن
стр. 2551
كان منقطعاً لما فيه من كلام الزهري الذي فيه تفسير الحديث بأنه على فطرة الإسلام والبخاري قد أخرجه متصلاً من حديث يونس عن الزهري عن ابي هريرة كما تقدم وأخرجه مسلم من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بنحوه وفي آخره ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وأخرجه مسلم من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه فقال رجل يا رسول الله أرأيت لو مات قبل ذلك قال الله أعلم بما كانوا عاملين وفي رواية ابن نمير عن
стр. 2552
الأعمش ما من مولود بولد إلا وهو على الملة وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه لفظ ابن أبي شيبة عنه ولفظ أبي كريب عن أبي معاوية ليس من مولود ولد إلا على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه ورواه مسلم من حديث الدراوردي عن العلاء بن
стр. 2553
عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها واعلم أن المتكلمين يحكون هذا القول عمن يذكرونه من أهل الحديث وأهل الكلام لكن يزعمون أن الأكثرين على
стр. 2554
قولهم بأن الإقرار بالصانع نظري ونقلهم ذلك بحسب ما يحكونه كما نقل هذا الرازي عن أكثر أهل التوحيد إنكار أن يكون الله فوق العرش ونقل عن أكثر المسلمين إنكار النفس وأنه لا يعاد إلا البدن بل ذكر من نقل إجماع الصحابة على
стр. 2555
أن الله ينفي جميع الأجسام ولم يجزم بنفي ذلك وأمثال هذه النقول التي ينقلونها بحسب ما عندهم وأعجب من ذلك أن كثيراً منهم يظن أن هذا مما لا اختلاف فيه بل القول بأن معرفة الله التي هي الإقرار بالصانع لا تحصل إلا بالنظر أمر متفق عليه بين النظار فإذا ذكر له أن في ذلك خلافاً بين أهل الكلام بعضهم مع بعض تعجب من ذلك وذلك لأن من سلك طريقة من هذه الطرائق لا يكاد يعرق غيرها فلهذا تجد في كتب أهل الكلام مما يدل على غاية الجهل بما قاله الرسول والصحابة والتابعون وأئمة الإسلام مما يوجب أن يقال كأن هؤلاء نشأوا في غير ديار الإسلام ولا ريب أنهم نشأوا بين من لم يعرف العلوم الإسلامية حتى صار المعروف عندهم منكراً والمنكر معروف ولبستهم فتن رُبِّيَ فيها الصغير وهرم فيها الكبير وبدلت السنة بالبدعة والحق بالباطل ولهذا أنا أنقل من مقالات كبارهم حكاية الخلاف في ذلك ليستأنس بذلك من يعتمد على نقلهم وإن كان في ذلك النقل من
стр. 2556
التحريف ما فيه كما ذكره الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في بيان ما يدرك عقلاً وما لا يدرك عقلاً قال قال أهل الحق العلم والعقل واحد واختلاف الناس في العقول لكثرة العلوم وقلتها إذا كمل عقل الإنسان وسلم من الآفة أمكنه الاستدلال بما وجد من الأفعال على حدوث العالم إذ في مجرد العقول أدلة عليه وعلى افتقاره إلى محدث أحدثه وفيها أدلة على قدم محدثه وأوصافه التي تدل عليها أفعاله وما يجوز منه
стр. 2557
ويستحيل عليه ونفي ما يدل على حدوثه عنه وجواز وصفه بالقدرة عليه وغير ذلك من المسائل التي لا تتعلق بحقيقة يسوغ الرد فيه فإن لصانع العالم أن يبعث الرسل ويأمر الخلق بالشرائع تعبداً وله أن لا يبعثهم ولا يكلفهم استغناءً وليس في العقول بمجردها أدلة على تغيير الشرائع وإيجاد العبادات وكيفية العقود قال وعلى ذلك أهل القبلة إلا في قولهم إن له سبحانه أن لا يبعث الرسل فإنه تحيله القدرية أو بعضهم على تفصيل له رمزنا إليه كما تقدم قال فزعمت طائفة من مقلدي أصحاب الحديث وفرقة من نظارهم وجماعة من المعتزلة أن المعرفة بالمحدث وحاجته إلى المحدث من طريق الضرورة وورود الرسول بإيجاب الإقرار وبيان الشرائع وقال جمهور أهل الحق إن المعرفة من طريق الدلالة قالوا وفي العقل دليل على أنه لا يجب على العاقل الاستدلال عليه ولا يجب شكر الخالق قبل
стр. 2558
الشرع ولا يجب ترك الظلم من جهة الصانع على معنى أنه يستحق منه العقوبة أو اللوم قال وزعمت القدرية أن الاستدلال على حدوث العالم وقدم صانعه وأوصافه والشكر لهم بعد معرفته وترك الظلم من جهته واجب عليه بمجرد عقله ووردت الرسل بتأكيد ما فيه أي ما في عقله إيجابه وربما يكون ورود الشرع لطفاً لبعضهم لكون الإيمان عنده اهـ وذكر تمام كلامه قلت وقد ظهر بذلك أن مراده بأهل الحق هم أصحابه
стр. 2559
وكذلك عادة أبي المعالي إذا قال قال أهل الحث فهم أصحابه وهذا مما يقوله كثير من الناس في خطابه وهو من باب إخبار الرجل عن اعتقاده إذ كل أحد يمكنه أن يقول عن طائفته ذلك يعرفهم بهذا التعريف والغرض أن ما ذكره من أن المعرفة من طريق الدلالة ذكره عن جمهورهم لا عن جمهور المسلمين وأما قوله ابتداءً على هذا أكثر أهل القبلة فإنه يعني به عن المتكلمين الذين هم عنده علماء أهل القبلة كأصحابه والمعتزلة ونحوهم وإن لم يحمل على ذلك وإلا كان كذباً صريحاً فإن هذا الكلام الذي ذكره لا يقدر هو ولا غيره أن ينقله لا بلفظه ولا بمعناه عن إمام من أئمة المسلمين لا أئمة العلم ولا أئمة العبادة ولا عن أحد من سلف الأمة ولا عن أحد له في الأمة لسان صدق عام بل كلام هؤلاء كله صريح في
стр. 2560
إنكار ما أوجبه هؤلاء وجعلوه طريقة المعرفة حتى الأشعري نفسه قد ذكر إجماع السلف على ذلك كما في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب كما قد حكينا لفظه عند احتجاج
следующие страницы →