← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

التحريف ما فيه كما ذكره الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في بيان ما يدرك عقلاً وما لا يدرك عقلاً قال قال أهل الحق العلم والعقل واحد واختلاف الناس في العقول لكثرة العلوم وقلتها إذا كمل عقل الإنسان وسلم من الآفة أمكنه الاستدلال بما وجد من الأفعال على حدوث العالم إذ في مجرد العقول أدلة عليه وعلى افتقاره إلى محدث أحدثه وفيها أدلة على قدم محدثه وأوصافه التي تدل عليها أفعاله وما يجوز منه

стр. 2557

ويستحيل عليه ونفي ما يدل على حدوثه عنه وجواز وصفه بالقدرة عليه وغير ذلك من المسائل التي لا تتعلق بحقيقة يسوغ الرد فيه فإن لصانع العالم أن يبعث الرسل ويأمر الخلق بالشرائع تعبداً وله أن لا يبعثهم ولا يكلفهم استغناءً وليس في العقول بمجردها أدلة على تغيير الشرائع وإيجاد العبادات وكيفية العقود قال وعلى ذلك أهل القبلة إلا في قولهم إن له سبحانه أن لا يبعث الرسل فإنه تحيله القدرية أو بعضهم على تفصيل له رمزنا إليه كما تقدم قال فزعمت طائفة من مقلدي أصحاب الحديث وفرقة من نظارهم وجماعة من المعتزلة أن المعرفة بالمحدث وحاجته إلى المحدث من طريق الضرورة وورود الرسول بإيجاب الإقرار وبيان الشرائع وقال جمهور أهل الحق إن المعرفة من طريق الدلالة قالوا وفي العقل دليل على أنه لا يجب على العاقل الاستدلال عليه ولا يجب شكر الخالق قبل

стр. 2558

الشرع ولا يجب ترك الظلم من جهة الصانع على معنى أنه يستحق منه العقوبة أو اللوم قال وزعمت القدرية أن الاستدلال على حدوث العالم وقدم صانعه وأوصافه والشكر لهم بعد معرفته وترك الظلم من جهته واجب عليه بمجرد عقله ووردت الرسل بتأكيد ما فيه أي ما في عقله إيجابه وربما يكون ورود الشرع لطفاً لبعضهم لكون الإيمان عنده اهـ وذكر تمام كلامه قلت وقد ظهر بذلك أن مراده بأهل الحق هم أصحابه

стр. 2559

وكذلك عادة أبي المعالي إذا قال قال أهل الحث فهم أصحابه وهذا مما يقوله كثير من الناس في خطابه وهو من باب إخبار الرجل عن اعتقاده إذ كل أحد يمكنه أن يقول عن طائفته ذلك يعرفهم بهذا التعريف والغرض أن ما ذكره من أن المعرفة من طريق الدلالة ذكره عن جمهورهم لا عن جمهور المسلمين وأما قوله ابتداءً على هذا أكثر أهل القبلة فإنه يعني به عن المتكلمين الذين هم عنده علماء أهل القبلة كأصحابه والمعتزلة ونحوهم وإن لم يحمل على ذلك وإلا كان كذباً صريحاً فإن هذا الكلام الذي ذكره لا يقدر هو ولا غيره أن ينقله لا بلفظه ولا بمعناه عن إمام من أئمة المسلمين لا أئمة العلم ولا أئمة العبادة ولا عن أحد من سلف الأمة ولا عن أحد له في الأمة لسان صدق عام بل كلام هؤلاء كله صريح في

стр. 2560

إنكار ما أوجبه هؤلاء وجعلوه طريقة المعرفة حتى الأشعري نفسه قد ذكر إجماع السلف على ذلك كما في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب كما قد حكينا لفظه عند احتجاج

стр. 2561

المنازع بالحركة ونحوها كما تقدم نقول الوجه الثاني في تقرير المقدمة المذكورة أن يقال إجماع المسلمين حجة فكيف بإجماع جميع الأمم من المسلمين واليهود والنصارى والمشركين وغيرهم فمن اعتقد أن الأمم المختلفة الملل والأجناس إذا اجتمعت على مثل هذا الأمر من غير أن يجمعها عليه جامع خاص تكون مخطئة فلا ريب أنه مع أنه قد قدح في إجماع المسلمين مصاب في عقله كما هو مصاب في دينه حيث جوز أن يكون الأولون والآخرون مخطئين وهو المصيب وصار هذا بمنزلة أن يخبر جميع الناس بأنهم رأوا الهلال ويقول بعض الناس إن حسهم غلط ولا هلال هناك أو يخبر جميع الناس برؤية شيء من الكواكب أو سماع شيء من الأصوات أو ذوق شيء من المطعومات ويطعن طاعن فيما يخبر به أصناف الأمم من ذلك فإن هذا من

стр. 2562

أعظم السفسطة وفساد العقل الوجه الثالث أن من المجمعين على ذلك الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين فإنه قد تواتر عنهم رفع الأيدي في الدعاء فإن كان مستند ذلك عادة فاسدة أصلها اعتقاد فاسد كان الأنبياء قد وافقوا الناس على الدين الفاسد والاعتقاد الفاسد في الله تعالى وهذا من أعظم الكفر الوجه الرابع أن القدح في هذا يستلزم القدح في جميع العلوم والمعارف فإنه إذا جوز أن يكون الناس كلهم مخطئين فيما يجدونه في قلوبهم من هذه المعرفة والقصد الضروريين كان القدح في سائر العلوم الضرورية أولى وحينئذ فيبطل جميع ما يقوله المتكلمون من القدح في هذا والانتصار لضده إذ غايتهم أن يبنوا ذلك على مقدمات ضرورية الوجه الثاني والعشرون أن يقال لا نسلم أن سبب إشارة الناس إلى فوق هو ما ذكره ولم يذكر على ذلك حجة بل ادعاه دعوى مجردة فقال سبب ذلك الإلف والعادة فإنهم ما شاهدوا عالماً قادراً حياً إلا جسماً فيسبق إلى الوهم أن من يدعو عالماً قادراً حياً على ما يشاهد عليه الأحياء

стр. 2563

القادرين ويتبع ذلك أنه في مكان ولأن العلو أشرف فيسبق إلى وهم الداعي أن من يعتقد عظمته إذا كان في جهة وجب أن يكون في جهة العلو فبسبب هذه الأمور وأمثالها وقعت الإشارة إلى السماء ثم إن الأخلاف أخذوا ذلك عن الأسلاف مع مشاركتهم لهم في هذا التخيل فظهر أن سبب ذلك الإلف ولا يكون صواباً اهـ فيقال له هذا الذي قلته مجرد دعوى لم تذكر عليه حجة وما ذكرته من التمثيل بالأسود والعربية إنما غايته تجويز أن يكون للإنسان اعتقاد غير مطابق سببه ذلك فِلمَ قلت إن هذا من ذاك وهذا بمنزلة أن يقال هؤلاء غلطوا في وجدهم طعم هذه الفاكهة مراً لأن الممرور يجد طعم الحلو مراً أو غلطوا في رؤيتهم لهذين الشخصين لأن الأحول يرى الواحد اثنين فيقال له هب أن الحس يغلط لفساد يعرض له فلِمَ قلت إن حس هؤلاء مع كثرتهم قد غلط لفساد عرض له وأعجب من ذلك قوله فظهر أن سبب ذلك الإلف ولم يظهر شيئاً من ذلك إلا أنه ظهر أنه ادعى ذلك وظهور كونه ادعاه غير ظهور صحة دعواه

стр. 2564

الوجه الثالث والعشرون أن يقال هب أن سبب ذلك الإلف والعادة التي تلقاها الأخلاف عن الأسلاف لكن العادة التي تعم بني آدم مع تباين حالهم وأديانهم واختلاف علومهم وإراداتهم لا تكون إلا عادة صحيحة كما اعتادوه من الأمور الطبيعية والخلقية فإنهم جميعهم يعتادون الأكل والشرب والنكاح واللباس وكل هذه العادات صحيحة مبنية على علوم صحيحة ولها منافع صحيحة كذلك اعتيادهم مدح الصدق والعدل والعلم ومحبته وتحسينه وذم الكذب والظلم والجهل وبغضه وتقبيحه هذه عادة صحيحة حسنة باتفاق الخلائق لا ينازع في ذلك من يقول بتحسين العقل وتقبيحه ولا من ينفيه إذ هم جميعاً متفقون على أن اعتقاد محبة هذا وحمده وبغض هذا وذمه عادة صحيحة ليست فاسدة ولا مبنية على اعتقاد فاسد سواء كان ذلك لانتفاعهم بذلك في الدنيا أو لغير ذلك

стр. 2565

فظهر أن ما أضعف به الحجة أفادها به قوة إذ العادات العامة لجميع الأمم من أعظم العادات وأصحها وبنو آدم لا يأتون من جهة ما اتفقوا عليه فإنهم لا يتفقون إلا على حق وإنما يأتون من جهة تفرقهم واختلافهم كما قال تعالى وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿١١٨﴾ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ [هود ١١٨-١١٩] ولهذا كانوا مفطورين على الإقرار بالصانع والدين له فهذا الذي اجتمعوا عليه حق ولكن تفرقوا في الشرك فكل قوم لهم رأي وهوى يخالفون به الآخرين قال تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٣٠﴾ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٣١﴾ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿٣٢﴾ [الروم ٣٠-٣٢] ولهذا وصف الله نبيه وأمته بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر والمعروف الذي تطلبه القلوب وتريده بقطرتها إذا علمته والمنكر الذي تبغضه وتكرهه إذا علمته فإذا كان بنو آدم متفقين على هذه العادة التي مضمونها الرفع إلى الله حين الدعاء وكان ذلك يتضمن قصدهم للإله الذي هناك كان هذا من أعرف المعروف عند جميع بني آدم

стр. 2566

الوجه الرابع والعشرون أن يقال هذا العمل يتضمن ثلاثة أشياء الرفع الذي في الإشارة الحسية الظاهرة والقصد والإرادة التي في القلب التي يقصد بها الصمد العلى والاعتقاد الذي هو أصل القصد الذي هو أصل العمل فإن كل عمل اختياري لابد فيه من إرادة وشعور وأنت تزعم أن الثلاثة فاسدة وأن هذا العمل التابع للإرادة سبب الإرادة فيه هو تخييل غير مطابق فيقال لك لو كان الأمر كذلك لكان النهي عن ذلك من أعظم الواجبات في الدين إذ ذاك من أعظم المنكرات لتضمنه اعتقاداً فاسداً في حق الله تعالى ودعاءً فاسداً متعلقاً به وعبادة غير صالحة له ومن المعلوم أن الله قد بعث الأولين والآخرين من النبيين مبشرين ومنذرين ولم ينه أحد من الأنبياء والمرسلين لبني آدم عن شيء من ذلك لا عن هذا الرفع ولا عن هذا القصد ولا عن هذا الاعتقاد بل كان الأنبياء موافقين لهم على هذا العمل وذلك يوجب العلم الضروري من دين النبيين أن ذلك عندهم ليس من المنكر بل من المعروف وذلك يبطل كونه مبنياً على اعتقاد فاسد في حق الله تعالى مستلزماً له ودالاً عليه فإن

стр. 2567

كل ما كان متفرعاً من الاعتقاد الفاسد أو كان مستلزماً له مثل أن يكون دليلاً عليه فإنه يجب النهي عنه فإن العقائد الفاسدة والمقاصد الفاسدة في حق الله تعالى تجب إزالتها وإزالة فروعها وأصولها التي توجبها وإذا كان كذلك فالجهمية تنهي عن هذا الاعتقاد وهذه الإرادة فهم ناهون عن معرفة الله تعالى وعبادته وليس هذا مختصاً بهذا الموضع بل هم كذلك إذ أصل قولهم هو قول المشركين المنكرين لملة إبراهيم ولهذا كان أولهم الجعد بن درهم الذي ضحى به أمير المشرق يوم النحر وقال ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً ثم

стр. 2568

نزل فذبحه وشكره العلماء على ذلك وكان هذا في زمن التابعين وذلك أن الله بعث الرسل تدعو الخلق إلى عبادته الجامعة لمعرفته بأسمائه وصفاته وآياته ولمحبته والإنابة إليه وإخلاص الدين له حتى يكون الدين كله لله والجهمية تصد القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته بحسب تجهمهم إذ هم بين المستقل والمستكثر ولا تجد أحداً فيه شعبة من التجهم إلا وفيه من نقص التوحيد والإيمان بحسب ذلك ولهذا كانت المعتزلة من أبعد الناس عن طريقة أولياء الله المتقين العارفين بطريق الله علماً السالكين فيه عملاً وحالاً وقصداً الوجه الخامس والعشرون أن يقال هب أن سببه هذه

стр. 2569

العادة هل سببها علم صحيح واعتقاد مطابق أو سببها تخيل فاسد أما الأول فهو حجة في المسألة وأما الثاني فممنوع وهو لم يذكر على ذلك حجة إلا قوله إنهم ما شاهدوا عالماً قادراً حياً إلا جسما إلا أنهم قاسوا العالم القادر الحي الغائب على ما شاهدوه من العلماء والأحياء القادرين فصاروا بمنزلة من لم ير من الناس إلا الأسود ولم يسمع إلا العربية فإذا مثل في نفسه إنساناً أو لغة لم يسبق إلى نفسه إلا الأسود والعربية ومعلوم أن هذا قياس فاسد وذلك أن من لم ير إنساناً إلا أسود ولم يسمع لغة إلا العربية إنما يسبق إلى نفسه الأسود إذا مثل إنساناً يخاطبه وإنما يسبق إلى نفسه العربية إذا مثل في نفسه التعبير لأن الذي مثله في نفسه من جنس الذي شاهده والتخيل يتبع الإحساس وكان الذي تخيله من جنس الذي أحسه لمل علم أن جنسهما واحد والباري ليس هو عندهم ولا عند غيرهم من جنس الآدميين حتى تكون نسبته إلى ما شاهدوه من الحياء العالمين القادرين نسبة ما لم ير من الآدميين إلى من رئي بل هؤلاء الذين يدعون الله برفع الأيدي إلى فوق عامتهم لم يخطر بقلبهم أن الله من جنس الآدميين مشارك لهم في الحقيقة حتى يكون لحماً ودماً ونحو ذلك بل هؤلاء كلهم ينزهون الله تعالى عن ذلك ولا يعرف في عامة المقرين بالصانع من قال بشيء من ذلك إلا ما ذكره الأرباب

стр. 2570

المقالات عن شرذمة من المشبهة ومع هذا فلابد أن يجعل هؤلاء له من المقدار والصفات ما يفرقون بينه وبين الآدميين فعلم أن هذا الذي احتج به باطل الوجه السادس والعشرون أن يقال هذا قد أخبر عن بني آدم الأولين والآخرين الذين يدعون الله برفع أيديهم إليه وتوجه قلوبهم إلى جهته العالية أنهم مثلوه بما شاهدوه من الحياء العالمين القادرين كما يمثل أحدهم ما لم يره من هذا الجنس بما رآه ومن المعلوم أن هذا الضلال الذي ذكره عن بني آدم هو الضال فيه في الأصل المشبه به والفرع الذي قاسه عليه وذلك أن قوله كما أن من لم يشاهد إنساناً إلا أسود فحين يمثل في نفسه إنساناً يخاطبه إنما يسبق إلى نفسه أنه أسود لا غير يقال له هذا على القسمين أحدهما أن لا يعلم وجود إنسان إلا أسود والثاني أن يكون وإن لم يشاهد الأسود قد علم الخبر

стр. 2571

أو غيره أن في الأناسي من هو ابيض وكذلك إذ مثل إنساناً يخاطبه قد مثل إنساناً مطلقاً لا يقدره من أحد الصنفين وقد يمثل مخاطبة إنسان من الصنف الأبيض أو يخاطبه إنسان من الصنف السود فيقال له هذا المثل الذي ضربته إنما يسلم لك فيمن لا يعلم وجود إنسان غير أبيض فإنه إذا مثل مخاطبه إنسان إنما يكون مثله بمبلغ علمه فإذا لم يكن عالماً بوجود أبيض لم يتمثل مخاطبه أبيض بل قد يتمثل مخاطبه إنسان مطلق ولا يخطر بقلبه لونه وقد يخطر بقلبه لونه فلا يكون إلا ما علمه من ألوان الناس وهو السواد إما إذا علم وجود البيض من الناس ومثل في نفسه أنه يخاطبهم وإن كان لم يرهم بعد كما لو قيل لملك السودان قد قدم عليك رسل البيض وهم بيض فهنا إذا زور في نفسه ما يخاطبه به لم يمثل أنه يخاطب أسود وكذلك لو علم وجود الصنفين وقدر مخاطبة إنسان مطلق لم يتمثل لونه بل قد يصنف الكتب ويقف الوقوف وقد يكتب ذلك بالعربية وقد لا يكون رأى غير البيض ومع هذه فلا يتمثل حين المخاطبة المطلقة لون المخاطبين ولهذا يندرج في خطابه البيض والسود واللفظ يطابق المعنى وهو ما عناه وقصده فكلامه ولو لم يقصد إلا البيض مثلاً لم يتناول لفظه

стр. 2572

لغيرهم وليس الأمر كذلك بإجماع الناس وأما التمثيل باللغة فليس هو من أمثلة هذه المسالة وذلك أن من لم يسمع غير العربية لا يقدر أن يتكلم بغيرها ولا يتمثل في عبارات نفسه لغة غيرها فلا يكون التعبير بغير العربية متمثلاً في نفسه لا سابقاً ولا لاحقاً ولو علم أن للناس لغة غير العربية أو سمعها ولم يحفظها لم يقدر بذلك على التعبير بها ولا على تمثيلها فاللغات بمنزلة ما يعلمه الإنسان من الصناعات والأعمال كالخياطة والنجارة والحراثة إذا لم يكن يحسنها الإنسان إلا على صفة لم يتمثل في نفسه إذا رآها أن يعلمها إلا الصفة التي يحسنها فأين ما يقدره الإنسان ويصوره في نفسه من مراده ومقصوده الذي يفعله بقدرته من الألفاظ والحركات من الأمور الخارجة عن قدرته وإرادته فعلم أن هذا ليس من هذا الباب وأما الأول فإنه يشبهه لكن الحكم المذكور فيه ليس على إطلاقه وإنما هو في حق من لا يعلم وجود إنسان إلا أسود ويقصد خطاب اسود وإذا كان الأمر كذلك ظهر فساد ما ذكره من المثالين الوجه السابع والعشرون أن يقال لو كان ما ذكرته في

стр. 2573

المشبه به لم يكن ما ذكرته من المشبه نظيراً له فإن الخلق الذين يدعون الله ويقرون بأنه حي قادر عالم إنما يدعون من يعتقدون أنه رب العالمين الذي يقدر على ما لا يقدر عليه بنو آدم مثل إنزال المطر وإنبات النبات وتسكين الريح إذا هاجت في البحر وغير ذلك مما يطلب من الله فقد علموا أن الحي العالم القادر الذي هو رب العالمين الذي هو يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاباً ثقيلاً ساقه لبلد ميت وأنزل به الماء فخرج به من كل الثمرات ليس من جنس ما يعهدونه من بني آدم بل المطلوب منه ما لا يقدر عليه هؤلاء وأيضاً فكثير منهم قد لا يتصور أن كلا منهما حي قادر عالم ولا يتمثل في نفسه قدراً مشتركاً بينهما فكيف يجوز أن يحكي عن بني آدم من الأولين والآخرين أنهم قاسوا الله على ما شاهدوه من الآدميين الوجه الثامن والعشرون أنك لو سألت من سألته من الداعين لربهم هل اعتقدت بقلبك أن الله من جنس ما شاهدته في الآدميين الذين هم أحياء قادرون عالمون لقال لك من سألته هذا شيء لم يخطر بقلبي ولكان نفرته عن هذا وإنكاره على من يقول هذا أو يعتقده أعظم من نفرته عمن يجعل الملائكة من جنس الذباب والعصافير وبالجملة فبنو آدم يعلمون من

стр. 2574

أنفسهم أنهم لم يكن دفعهم لهذا الاعتقاد المتضمن تمثيل الله بالبشر وأنه من جنسهم فدعمو ذلك عليهم وافترائه عليهم الوجه التاسع والعشرون أن يقال هؤلاء دائماً يسمعون ذكر الملائكة والجن وهم أحياء عالمون قادرون ومع هذا فقد علموا أنهم يتصورون بصور الآدميين كما تمثل جبريل لمريم بشراً سوياً وكما تمثل إبليس في صورة سراقة بن جعشم ومع هذا لما أخبروا بأن جبريل ﵇ له ستمائة

стр. 2575

جناح وسمعوا قول الله في الملائكة أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [فاطر ١] لم يكن فيهم من يعتقد أن الملائكة والجن من جنس الآدميين مطلقاً لما استشعروه من نوع فرق وقد علم ما بين الله وبين البشر من عدم المماثلة أعظم مما بين البشر والملائكة فكيف يقال إن رفع أيديهم إنما كان لاعتقادهم أن الله من جنس ما يشاهدونه من الأحياء القادرين وهب أن ذلك قد يخطر بقلب الواحد والاثنين منهم فكيف يجعل هذا الاعتقاد شاملاً لبني آدم الذين يرفعون أيديهم إلى الله من الأولين والآخرين وأن الآخرين أخذوه عن الأولين وشاركوهم في التخيل الوجه الثلاثون أن يقال سبق إلى الوهم أن من يدعو حياً عالماً قادراً على ما يشاهد عليه الأحياء القادرين أتريد بذلك أنه يسبق إلى وهمه أنه مثله مطلقاً بحيث يجوز عليه ما يجوز عليه ويمتنع عليه ويجب له ما يجب له أو أنه يشابهه من بعض الوجوه أما الأول فأنت وسائر العلماء يعلمون أن هذا

стр. 2576

لم يقله أحد قط وقد ذكرت ذلك في كتبك واعترفت بأن أحداً من العقلاء لم يقل بالمماثلة هكذا وإذا كان هذا لم يقله أحد لم يجز أن يجعل هذا اعتقاد الداعين الذين يرفعون أيديهم إلى الله مع العلم بأنه لم يقله أحد من المشبهة ولا من غيرهم وأما إن كان مقصوده أنهم يثبتون المشابهة من بعض الوجوه فهذا حق وقد ذكر هو في نهايته إجماع المسلمين على ثبوت المشابهة من بعض الوجوه فإن ذلك مما لا يمكن النزاع فيه كما حكيناه عنه فيما تقدم وحينئذ فيكون ما عليه بنو آدم من الاعتقاد الذي هو مستند رفع أيديهم إلى الله حين الدعاء اعتقاداً صحيحاً في الأصل ليس بفاسد لكن قد علم أن الناس هنا في طرفي نقيض منهم من يغلو في الإثبات حتى يثبت مماثلة الله لخلقه في بعض الأمور ومنهم من يغلو في التعطيل حتى لا يمثله إلا بالمعوم والموات لكن الاعتقاد الذي يدعوهم إلى رفع أيديهم لا يجب أن يكون من التمثيل الباطل إذ لا يختص أهله بالرفع إلى الله وإذا كان كذلك لم يكن مستند الناس كلهم في الرفع إلى الله باطلاً وإذا لم يكن مستندهم كلهم باطلاً بل كان مستند بعضهم حقاً ثبت أن الله ترفع إليه الأيدي وأن فاعل ذلك يكون اعتقاده صحيحاً

стр. 2577

وذلك يقتضي صحة الإشارة الحسية إليه إلى فوق وهو المطلوب الوجه الحادي والثلاثون أن يقال مضمون ما ذكرته أن الناس لما لم يشاهدوا حياً عالماً قادراً إلا جسماً سبق إلى اعتقادهم أنهم إذا دعوا حياً قادراً عالماً كان جسماً ويتبع ذلك أنه في مكان والعلو اشرف من غيره فيسبق إلى فهم الداعي أن من اعتقد عظمته إذا كان في جهة أن يكون في جهة العلو وحاصل هذا أن المم المختلفة من الأولين والآخرين المجمعين على رفع أيديهم إلى الله في الدعاء إنما فعلوا ذلك لاعتقادهم أن الله جسم ووجه هذا الاعتقاد أنهم لم يشهدوا حياً عالماً قادراً إلا جسماً فاعتقدوا فيمن يدعونه ذلك وأثبتوا له المكان إذ الجسم لابد له من حيز وخصوه بالعلو لأنه أشرف فمضمون هذا ذكر مستند العباد في رفع الأيدي فيقال له لا يخلو إما أن يكون هذا مستندهم أو لا يكون فإن لم يكن هذا مستندهم بطل هذا الجواب وصحة الحجة وثبت أنهم إنما رفعوا أيديهم إلى الله لعلمهم الضروري بان الذي يطلب منه تحصيل المطالب وتيسير العسير في تلك الجهة وإن كان هذا مستنداً لهم كان قد حكى اتفاق الأمم الذين يرفعون أيديهم في الدعاء على أن الله جسم إذ لم يشهدوا موجوداً إلا جسماً وحينئذ فهذا أبلغ في الحجة عليه فإن الأمم المتفقين

стр. 2578

على رفع الأيدي إذا كانوا يعتقدون أن الله جسم كان هذا من أبلغ حجج القائلين بالجسم لأن هؤلاء الذين يرفعون أيديهم فيهم الأنبياء وفيهم هذه الأمة التي لا تجتمع على ضلالة فصار ما جعله جواباً حجة عليه الوجه الثاني والثلاثون أن يقال هب أن ما ذكرته هو مستندهم فلم تذكر حجة على بطلان هذا أكثر مما قلت فظهر أن سبب هذا الإلف فلا يكون صواباً ومعلوم أن مجرد اعتياد الأمم كلهم للشيء إن لم يدل على أنه حق فلا يدل على أنه باطل فليس في كونهم ألفوا ذلك واعتادوه ما يدل على أنه ليس بصواب حتى تقول فظهر أن سبب ذلك الإلف فلا يكون صواباً الوجه الثالث والثلاثون أنك قد ذكرت أن مستند هذا الإلف هو اعتقاد الدعاة أن الحي العليم القادر لا يكون إلا جسماً ومعلوم أن هذا بلفظه قول طوائف كثيرة من أهل الكلام من الشيعة والكرامية وغيرهم وأما بمعناه فالمؤسس وغيره يقول إن هذا قول من قال إن الله فوق العرش أو أنه يشار إليه

стр. 2579

في الدعاء ومعلوم أن القول بكون الله فوق العرش أو أنه يشار إليه بالأيدي في الدعاء قول سلف الأمة وأئمتها وعامتها وإذا كان هؤلاء كلهم يقولون بالمعنى الذي سميته تجسيماً لم يضر القول بذلك ولم يجز رده إلا بحجة وأنت لم تذكر في جواب هذه الحجة ما يصلح أن يكون جواباً وقد قدمنا في الوجه الذي قبل هذا أن الإشارة إلى الله فيه الدعاء إن استلزم اعتقاد الداعي أن الله جسم فقد ثبت أن هذا قول من قوله حجة إلا بطلت حكايته وأما هنا فإن كون الحي القادر لا يكون إلا بائناً عن غيره وهو معنى كونه جسماً عنده وهذا المعنى ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وإن تنوعت ألفاظهم فيه فكلها متوافقة متطابقة وبالجملة فلا يمكنه أن ينازع أن هذا قول خلق كثير من أهل الحديث والفقه والتصوف والكلام فلا بد من دليل إبطاله فإن قال دليل إبطاله ما ذكره من نفي كون الله جسماً قيل قدمنا ما يتبين معه فساد تلك الأدلة ثم يقال هذا لا يصلح أن يكون جواباً لما تذكره وهو الوجه الرابع والثلاثون يقال له هذا الذي ذكرته مضمونه الدعاة الرافعي أيديهم لاعتقادهم أن الله جسم حيث لم يشهدوا مدعواً حياً عالما قادراً إلا جسماً ومعلوم أن الدعاة الرافعي أيديهم لو لم يكن فيهم من قوله حجة وخلاف قوله كفر

стр. 2580

فلا نزاع في أنهم جماهير بني آدم من الأولين والآخرين وفيهم من العلماء والعباد من لايحصيه إلا رب العباد فلو لم يكن هذا دليلاً من أعظم الأدلة على أن الله جسم بمقتضى ما قررته لكان هذا مما يجب الجواب عن حجة قائله فإن مخالفة جماهير بني آدم ليست هينة ولا يصلح أن يكون ما ذكرته من الحجة على نفي الجسم جواباً لأن هذا الدليل الذي ذكرته عنهم يقتضي أنهم احتجوا على كونه جسماً بما ذكرته عنهم وهذه معارضة لما ذكرته فإن لم تبين فساد هذه المعارضة لم يكن بطلان حجتك لحجتهم بأولى من العكس وأنت لم تذكر حجة على فساد حجتهم بحال فإن قيل هذه الحجة مبناها على قياس الغائب على الشاهد وهو باطل قيل قياس الغائب على الشاهد باتفاق الأمم ينقسم إلى حق وباطل فإن لم تبين أن هذا من الباطل لم يصلح رده بمجرد ذلك الوجه الخامس والثلاثون أن تقرير ما ذكرته من مستندهم مثل تقرير المسلك القياسي في العلو وهو أن يقال لم نشهد موجوداً قائماً ينفسه إلا جسماً أو لم نشهد حياً عالماً قادراً إلا جسماً فاختصاص القائم بنفسه أو الحي بكونه جسماً

стр. 2581

دون أن يكون عرضاً أو يكون لا جسماً ولا عرضاً إما أن يكون لكونه موجوداً قائماً بنفسه أو لما يندرج فيه واجب الوجود أما لما يختص الممكن المحدث فإن كان الأول والثاني وجب في كل موجود قائم بنفسه أن يكون جسماً وحينئذ فتصح حجتهم والثاني باطل لأنه يوجب تعليل الأمر الوجودي وهو القائم بالنفس أو كون القائم بنفسه حياً عالماً قادراً بما فيه أمر عدمي والعدم لا يصلح أن يكون علة للوجود وقد تقدم الكلام على هذه الحجة وأنه لم يقدح فيها بقادح وإذا كان كذلك كان قد ذكر لهم حجة توجب أنه فوق وأنه جسم غير ما ذكروه من العلم الضروري وإن لم يقدح في ذلك بشيء وذكر أن الأخلاف أخذوا ذلك عن الأسلاف واتفقوا عليه وتسمية ذلك تخيلاً لا يوجب فساده إن لم يبين أنه خيال فاسد فظهر أن ما ذكره تقرير لقولهم بالقياس العقلي والأثر النبوي والإجماع الشرعي مع ما ذكروه من الضرورة العقلية وأنه زاد في التقرير على كونه فوق أنه مع ذلك جسم ولا ريب أن هذا قوله وقول أكثر الناس من النفاة والمثبتة فإنهم يقولون إن كونه فوق العرش يستلزم المعنى الذي يسميه المتكلمون جسماً ويسميه أهل الحديث حداً

стр. 2582

الوجه السادس والثلاثون أن العلوم الكلية والعقلية لبني آدم جميعها من هذا الباب فإن الإنسان يشهد بحسه الباطن والظاهر أموراً معينة جزئية على صفات ثم يعقل بما يجعله الله في عقله من العبرة والقياس أن الأعيان التي لم يشهدها هي

стр. 2583

كالأعيان المشهودة في تلك الصفات وعلم عقله بالتماثل والاختلاف كإحساسه بالأعيان فقد يكون علماً قطعياً وقد يكون ظناً غالباً وقد يكون صواباً وقد يكون خطأً وكل من الحس والعقل يعرض له الغلط لأسباب والناس متنازعون أي الإدراكين أكمل إدراك الحس أو العقل وأيهما الذي يرجح

стр. 2584

على الآخر وبكل حال فلا يقوم بنفسه قضية كلية عقلية ضرورية أو غير ضرورية إلا بتوسط قياس واعتبار حتى مثل علمه بأن الواحد نصف الاثنين وأن الجسم لا يكون في مكانين وأن الضدين لا يجتمعان هو في ذلك كله قد أدرك بحسه ذلك في بعض الأجسام والأجساد والألوان المتضادة وعقل أن من ما لم يحسه مثل ما أحسه في ذلك وأن الحكم لا يفترق واحد وواحد وجسم وجسم ولون ولون وضد وضد يحكم بذلك حكماً عاماً كلياً وإذا كان كذلك لم يكن له حجة عقلية في العلم الإلهي أصلاً إلا ولابد فيها من قضية كلية والقضية الكلية لابد فيها من قياس الغائب على الشاهد فإن كان هذا باطلاً بطل جميع كلامهم بالأدلة العقلية في العلم الإلهي وحينئذ فيبطل ما ذكروه في نفس الجسم وغيره فلا يكون لهم جواب عما احتج به المنازع وإن لم يكن باطلاً لم يكن له إبطال هذه الحجة بما ذكره من أن مضمونها قياس الغائب على الشاهد فحاصله أنه إن

стр. 2585

كان ما يسلكونه من الطرق الكلامية العقلية في الإلهيات طرقاً صحيحة فهذه الطريق منها فتكون حجة عليهم وإن لم تكن صحيحة لم تكن حجة لهم كما لا تكون عليهم فلا يكون كلامهم حقاً دون كلام خصومهم ولا يكون ما دفع به الضرورة التي ذكرها منازعوهم حقاً الوجه السابع والثلاثون أن المنازعين لهم يحتجون بالدلائل السمعية الكثيرة وبما يذكرونه من الضرورة العقلية وبما ذكروه من الأقيسة العقلية فإن كانت الأقيسة العقلية فإن كانت الأقيسة العقلية صحيحة كما تقدم ذكرها مقبولة في هذا الباب لم يجز رد ما يذكرونه من الأقيسة العقلية إلا بما يبين فساد القياس الخاص الذي أورده لا بمجرد كونه قياساً للغائب على الشاهد وإن كانت مردودة كان ما يذكره النفاة كله مردوداً وحينئذ فتبقى الأدلة السمعية سليمة عن معارض عقلي فيبطل ما يذكرونه من كونها عارضت القواطع العقلية وحينئذ يمتنع تأويلها ويجب اعتقاد مضمونها ويكون ما ذكروه من الضرورة العقلية لا دليل على فسادها وهذا بينٌ لمن تدبره ومبناه على العدل والإنصاف وقد قدمناه فيما مضى التنبيه على هذا وأن مبنى كلامهم في

стр. 2586

الإلهيات غنما هو القياس على ما وجدوه في المشهودات لا طريق لهم غير ذلك أصلاً الوجه الثامن والثلاثون أن القول بأن الله ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا داخل العالم ولا خارجه ونحو ذلك ليس هو قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا له أصل في شيء من كتب الله المنزلة ولا آثار أنبيائه بل متواتر عن السلف والأئمة إنكار هذا الكلام وتبديع أهله كما قال أبوالعباس بن سريج توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتوحيد أهل الباطل الخوض في الأعراض والأجسام وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك وذلك أن التوحيد الذي بعث الله به رسله هو عبادة الله وحده لا شريك له وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وذلك يتضمن التوحيد بالقول والاعتقاد وبالإرادة والقصد وأما الخوض في

стр. 2587

الأعراض والأجسام كما خاض فيه المتكلمون كقولهم ليس بجسم ولا عرض ونحو ذلك فأول من ابتدعه في الإسلام الجهمية وأتباعهم من المعتزلة لا يعرف في هذه الأمة حدوث القول في الله بأنه ليس بجسم ولا جوهر ونحو ذلك من جهة هؤلاء وكذلك الاستدلال على حدوث العالم بطريق الجسم والعرض إنما ابتدعها في الإسلام هؤلاء وهذا أصل علم الكلام الذي أطبق على ذمه أئمة الإسلام من الأولين والآخرين ولما ابتدع هؤلاء القول بأنه ليس بجسم ولا جوهر عارضهم الطائفة الأخرى من الشيعة وغيرهم فقالوا بل هو جسم والسلف والأئمة لم يثبتوا هذه الأسماء لله ولا نفوها عنه لما في كلٍّ من الإثبات والنفي من الابتداع في الدين من إجمال واشتراك ويثبت به باطل وينفي به حق مع أن السلف والأئمة لم يختلفوا أن نفاة الجسم أعظم ضلالاً وابتداعاً من مثبتيه بل الأئمة والسلف تواتر عنهم من ذم الجهمية ما لا يحصيه إلا الله ولهم أيضًا كلام في ذم المشبهة لكن أقل من ذم الجهمية بكثير وأما لفظ الجسم فلا يحفظ عن أحد منهم ذمه وإنكاره كما لا يحفظ عنه مدحه وإقراره ولكن المحفوظ عنهم من الألفاظ الإثبات فقول نفاة الجسم إنها هي التجسيم ويعدون أعلام الدين وأئمة الدين من المجسمين

стр. 2588

والمشبهين كما هو موجود في كتب مقالاتهم كما يعدون منهم مالكاً وأصحابه وحماد بن سلمة وأضرابه والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأمثال هؤلاء الأئمة ولما تكلم بنفي الجسم أبو الهذيل إمام المعتزلة وأتباعه وتكلم بإثباته هشام بن الحكم وأشياعه قال هؤلاء الجسم هو الموجود وهو القائم بنفسه ولا يعني بالجسم إلا القائم بنفسه ولا يعقل قائم بنفسه إلا الجسم وقالوا دعوى

стр. 2589

وجود قائم بنفسه ليس بجسم كدعوى قائم بنفسه لا تقوم به صفة فإن المعتزلة يقولون إن الباري تعالى قائم بنفسه وأنه يكون يمتنع أن يكون محلاً للصفات والحوادث قالوا وهذان مثل دعوى قائم بنفسه لا يباين غيره ولا يتميز عنه قالوا وإثبات موجود قائم بنفسه ليس هو جسماً ولا يقوم به صفة مثل إثبات قائم بنفسه ليس حياً ولا ميتاً ولا عالماً ولا جاهلاً ولا قادراً ولا عاجزاً كما يقوله من يقوله من الملاحدة والفلاسفة وهذا كله جحد لما يعلم بضرورة العقل ومخالفة للبديهة والحس وما زال والأئمة يصفون الجهمية بأنها مخالفة للعقول وأن العقل يعلم أنهم يصفون العدم لا الوجود ولهذا عندهم نفاة التجسيم من المجسمة لموافقتهم لهم في أصل الإثبات وإن خالفوهم في بعض التفاصيل وإذا كان كذلك فهذا الذي جعله مستنداً للداعين من الأولين والآخرين أنه هو الرجوع إلى القياس العقلي وهو

стр. 2590

قياس ما غاب عنهم من الموجود على ما شاهدوه لا ينافي ما ذكروه من أن ذلك يقتضي علمهم الضروري بأن الذي يدعى ويسأل هو في جهة فوق لأن العلوم الضرورية الكلية لا بد فيها من قياس كما تقدم وهم كما قد يقولون يعلم بالضرورة أن ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه فإنه معدوم ويقول من يفهم معنى الجسم على اصطلاح المتكلمين يعلم بالضرورة أنه لا يكون موجود قائم بنفسه إلا ما سميتموه الجسم ويقولون كل من رجع إلى فطرته وفهم معنى ذلك ولم يصده عن موجب الفطرة ظن التقليد أو أقيسة فاسدة وهوى من تعصب للمذهب المألوف فإنه يعلم ذلك ويثبتون ذلك أيضاً بالمقاييس العقلية التي هي أقوى من مقاييس النفاة وإذا كان كذلك فنفي التجسيم لا يمكن أن يكون بنص ولا إجماع بل ولا بأثر عن أحد من سلف الأمة وأئمتها وليس مع نفاته إلا مجرد ما يذكرونه من الأقيسة العقلية فإذا كان رفع الأيدي إلى السماء في الدعاء مستلزماً لاعتقاد الدعاة التجسيم وهم يثبتون ذلك بالأقيسة العقلية أيضاً كان جانبهم أرجح لو لم يجيبوا عن حجج النفاة فكيف إذا أجابوا عنها وإذا بينوا أن نقيض قولهم مستلزم للتعطيل لتعطيل وجود الباري ذاته وصفاته وتعطيل معرفته وعبادته ودعائه

стр. 2591

الوجه التاسع والثلاثون أن يقال ليس قول القائل رفع الأيدي إلى السماء مستلزم التجسيم بأعظم مما يقال لكل من أثبت شيئاً من الأسماء والصفات فإن الملاحدة من المتفلسفة واتباعهم الذين يجمعون بين النقيضين فيقولون لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت أو يقولون لا يقال موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت يزعمون أن هذه الأسماء لا تقال إلا لما هو جسم ونفاة الصفات من العلم والقدرة وغيرها يقولون إن هذه الصفات لا تقوم إلا بجسم ومنكرو الرؤية والقائلون بخلق القرآن يقولون لا يمكن أن يرى إلا جسم ولا يقوم الكلام إلا بجسم وهم يبينون ذلك أعظم من بيان هذا المؤسس أن الرافعين لأيديهم في الدعاء مستندهم اعتقاد أن المدعو جسم وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون ما ذكره النفاة لزوم التجسيم لهؤلاء المثبتة حقاً أو باطلاً فإن كان ذلك حقاً كان التجسيم حقاً إذ الإثبات للأسماء والصفات حق معلوم بالضرورة العقلية وبالنصوص السمعية وقول النفاة مستلزم للجمع بين النقيضين ولغير ذلك من السفسطة وإن كان ما يذكره هؤلاء النفاة من لزوم التجسيم باطلاً فانتفاء هذا اللازم في حق الداعين أولى وأوكد الوجه الأربعون أن يقول ومن المعلوم أن هذا الباب كثيراً ما يقال فيه إن الناس يتناقضون فيه فيثبت أحدهما شيئاً من وجود واجب أو اسم أو صفة وينفي لوازمه أو ينفي الجسم

стр. 2592

ونحوه ويثبت ملازمه ولا ريب أن باب الإثبات حجته العقلية الضرورية والنظرية أعظم من حجج النفي فإن النفاة ليس معهم حجج ضرورية وليس نعهم قياس عقلي إلا ومع أولئك ما هو أقوى وأكثر هذا إذا لم يعرف الإنسان القدح في مقاييسهم وإلا فمن عرف القدح فيها تبين له أن حاصلها تهويل لا تحصيل وأما الحجج السمعية فهي مع المثبتة أضعافاً مضاعفة وليس مع النفاة ما يفيد ظناً وإذا كان كذلك فالذي تسميه النفاة تجسيماً إذا كان لازماً أمكن المثبتة أن تلتزمه ويكون مقرره الأدلة العقلية والسمعية وأما النفاة فلا يمكنهم النفي إلا إذا تركوا العقل والسمع وهذه حال أهل النار الذين قالوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١٠﴾ [الملك ١٠] وإذا لم يكن لازماً لم يحتج إلى إثباته وإن دفع الشك في لزومه وكان في تناقض المثبت مع نفي الجسم قولان فلا ريب أن تناقض المثبت أقل بكثير من تناقض النافي ومتابعته الأدلة السمعية والعقلية أكثر وتقريره للفطرة والشرعة أظهر وإذا كان ما في جانبه من الخطأ أقل لم يجز أن يرجع إلى من خطؤه أكثر بل على ذلك أن يوافقه على ما معه من الصواب ثم إن رجعا جميعا إلى تمام الصواب وإلا كان استكثارهما من الصواب أولى وأوجب من استكثار الخطأ

стр. 2593

المملكة العربية السعودية وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الأمانة العامة بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني (ت ٧٢٨هـ) الجزء الخامس الجهة - المكان والمحل - المعية - الفوقية - المباينة الجسم - الجنب - اليدين - النور حققه د. سليمان الغفيص

стр. 2594

فصل وقد ذكر أبو عبد الله الرازي في نهاية العقول له لمثبتي الجهة حججاً أخرى فنذكر هنا أيضاً ما ذكره من الجانبين في الكتابين فقال واحتج مُثبِتو الجهة بأمور أربعة أولها أنا نعلم بالضرورة أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلا بد أن يكونا متباينين ونعلم بالضرورة أن التباين بين الشيئين لا يخلو عن

стр. 2595

أحد الوجوه الثلاثة التباين بالحقيقة أو بالزمان أو بالمكان وإذا ثبت ذلك فنقول التباين بين الباري تعالى وبين العالم لا يمكن أن يكون بالحقيقة أو بالزمان أو بهما فقط لأن الجوهر يباين العرض الحالّ فيه بالحقيقة والزمان
следующие страницы →