← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وكذلك يقتضي أنهم لا يثبتون له من المباينة قدرًا زائدًا على المباينة بالحقيقة والزمان وأن كل من قال أنه ليس بخارج العالم لم يثبت مباينة زائدة على المباينة التي يشاركها فيها المحل والحالّ فيه وهذا معلوم الفساد بالضرورة كما تقدم الوجه الثامن أن إخوانهم الجهمية الموافقين لهم على نفي كونه خارج العالم إذا قالوا لهم هو في كل مكان وحالٌّ فيه كل مكان لم يمكنهم نفي ذلك عنه بهذه الحجج كما تقدم وأولئك إذا قالوا هو في كل مكان لم يمكنهم الاحتجاج على ذلك بما نَفَى كونه خارج العالم وكان قول طائفة من الطائفتين مانعًا من صحة قول الآخرين وذلك يقتضي بطلان قول الطائفتين وبطلانهما جميعًا يوجب أن يكون خَارجَ العالم وإيضاح ذلك أن من يقول هو في كل مكان يجعله مقدرًا محدودًا قدر العالم فجميع ما يحتج به على نفي كونه فوق العرش ينفي أن يكون بكل مكان بطريق الأولى والأحرى لأن في هذا القول من وصفه بالصفات الممتنعة عليه وتجويز النقائص عليه وقبوله للزيادة والنقصان وغير ذلك ما ليس في كونه خارج العالم ومن قال إنه ليس داخل العالم ولا خارجه إما أن يثبت مباينتهُ للعالم بقدرٍ زائدٍ على المباينة بالحقيقة

стр. 2627

والزمان أو لا يثبته فإن أثبت المباينة الزائدة وَجَبَ أن يكون مباينًا للمكان وإن لم يثبتها لم يمكنه نفي حلوله في العالم مع مباينته بالحقيقة والزمان إذ لا يكون له حجة على نفي حلوله في العالم كما تقدم وهذا باطل ومَا استلزمَ الباطل فهو باطل وإن قال هو داخل العالم وهو خارجه أيضًا كما يقوله بعض الناس فإنه يَرِدُ عليه كل ما يُورَدُ على من قال هو خارج العالم سواء قال هو جسمٌ مع ذلك أو ليس بجسمٍ فقد تبين أن من قال إن الله ليس خارج العالم يلزمه أن لا يكون الله مباينًا للعالم منفصلاً عنه وهذا اطل عند المنازع ونحوه ومن التزمهُ وقال بالحلول كان ما يلزمه من الفساد والتناقص أكثر ممَّا يلزمه خصمه فيكون قول من أبطل الباطل وإبطال قول هؤلاء زيادة زدناها إذ هو لم يتعرض لذلك هنا وإنما أفرد له مسألة ولهذا كان الأئمة كابن المبارك والإمام أحمد وإسحاق

стр. 2628

ابن إبراهيم وغيرهم يقولون إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ويقولون بحدٍّ لأن نفي المباينة لخلقه يستلزم حلولَهُ فيهم واتحادَهُ بهم

стр. 2629

وأما نفي المباينة ونفي المحايثة فإنه جمع بين النقيضين من جنس كلام الملاحدة الذين يقولون ليس بعالم ولا جاهل ولا فادر ولا عاجز إذ كلام هؤلاء النفاة كله من وادٍ واحدٍ هو الإلحاد في أسماء الله وآياته بالقرمطة وتحريف الكلم عن مواضعه وبالسفسطة في العقليات بدعوى عدم النقيضين أو

стр. 2630

دعوى اجتماعهما لكن فيهم من يلحد في أمور يقر الآخر بإثباتها وإلا فَيَنْفي علوه على العرش فقول القائل ليس داخل العالم ولا خارجه هو مثل نفي علمه وقدرته بقول القائل لا عالم ولا جاهل ولا عاجز كل هذا من بابٍ واحدٍ ومن لم يثبت أنه عالم قادر لزمه أن يكون جاهلاً عاجزًا كما أن من لم يثبت أنه فوق العالم لزمه أن يكون حالاًّ في العالم وكونه حالاًّ في العالم هو من صفات النقص كوصفه بعدم العلم والقدرة الوجه التاسع أن الجهمية بعد اشتراكهم في أن الله ليس فوق العرش وأنه ليس خارج العالم اختلفوا فقالوا مايمكن أن يخطر بالبال من الأقوال والممكن أن يقال إمّا أن يكون في كل مكان أو هو جسمٌ بقدر العالم أو هو جسم فاضل عن العالم متناهٍ أو هو في كل مكان وليس بجسم أو يقال إنه في كل مكان بذاته وهو مع ذلك فوق العرش وليس بجسم أو يقال ليس لمساحته نهاية ولا غاية وهو ذاهب في الجهات الست وليس بجسم أو يقال هو مع ذلك جسمٌ أو يقال ليس داخل العالم ولا خارجه وهذه الأقوال قد ذكرها أرباب المقالات كما تقدم ذلك

стр. 2631

وإذا كان كذلك فهؤلاء الذين يقولون هو في كل مكان بذاته وليس مع ذلك خارج العالم أو هو مع ذلك خارج العالم ببعدٍ متناهٍ أو أنه لا نهاية له سواء قالوا هو جسم أو قالوا ليس بجسم أو قالوا ليس داخل العالم ولا خارجه فهذه الأقوال السبعة يقابل بعضها بعضًا كما تراه وهم كما قال الإمام أحمد مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب وهم مع ذلك لابد أن يقولوا هو مخالف للعالم في حقيقته ليست حقيقته مثل حقيقة العالم كما تقدم وأنه متقدم عليه أيضًا فهم يثبتون المباينة بالحقيقة والزمان وأما المباينة بالجهة فلا يثبتها أحدٌ منهم لكن منهم

стр. 2632

من ينفي المحايثة ومنهم من لا ينفيها بل يثبت المحايثة للعالم فمَن نفى المحايثة للعالم لزمه أن يثبت المباينة بالجهة وإلاّ جَمَعَ بين النقيضين ولم يمكن أن ينفي المحايثة مع نفي المباينة بالجهة كما تقدم ومن أثبت المحايثة لم يجعله مباينًا للعالم بالجهة بل غايته أن يجعل مباينته للعالم بالحقيقة والزمان وهذه المباينة تَثْبُتُ للجوهر مع عرضه ونحن نعلم بالاضطرار أن مباينة الله للمخلوق أعظم من مباينة المخلوق بعضه لبعض ومن مباينة الجوهر للعرض فكل من هؤلاء لابد أن يجحد الضرورة العقلية الوجه العاشر أن هؤلاء جميعًا فَرُّوا بزعمهم من التشبيه ومن المعلوم أن هذا فيه من تشبيههم إيّاه بكل شيء من الجواهر والأجسام بل ومن المعدومات ما ليس في قول أهل الفطرة والشرعة فإن نفي المباينة والمحايثة صفة للمعدوم والقول بالمحايثة تمثيل له بكل جوهر فإن أحدهما محايث للآخر مع مباينته له الحقيقة والزمان على أن فيهم من يجعل الأشياء حالّة فيه ومنهم من يجعله حالاًّ فيها فيكون هؤلاء مثَّلوه بالجواهر وهؤلاء مثلوه بالأعراض

стр. 2633

الوجه الحادي عشر أنه قد ثبت بالشرع والعقل أن الله سبحانه ليس كمثله شيء وأن حقيقته لا تماثلها حقيقة وذلك أنه لو كان له مثْلٌ والمِثْلان يجوز ويجب ويمتنع على أحدهما ما يجوز ويجب ويمتنع على الآخر لوَجَبَ للمخلوق ما يجب له من الوجوب والقدم والخلق وسائر خصائص الربوبية ولجاز عليه ما يجوز على المخلوق من العدم والحاجة والحدوث وسائر صفات النقص ولامتنع على المخلوق ما يمتنع عليه من العدم ونحو ذلك وذلك يستلزم أن يكون الشيء موجودًا معدومًا قديمًا محدثًا خالقًا مخلوقًا واجبًا ممكنًا إلى غير ذلك من الأمور المتناقضة وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن عَدَمَ مماثلته لشيء من المخلوقات أعظم من عدم مماثلة المخلوق للمخلوق إذْ المخلوقات تشترك في كثير مما يجوز ويجب ويمتنع عليها

стр. 2634

وإذا كان عدمه مماثلته للعالم أعظم فالمباينة والمخالفة ونحوها تتبع عدم المماثلة فكلما كان الشيء عن مماثلة الشيء أبعد كانت مباينته له ومخالفته له أعظم وذلك يوجب أن تكون مباينته له أعظم من مباينته كل جوهر وكل عرض لكل جوهرٍ ولكل عرض فإذا لم يكن مباينًا إلا بالحقيقة والزمان لم يكن كذلك فعلم أن ذلك باطل الوجه الثاني عشر أن يقال لو كان لا يباين العالم إلا بالحقيقة والزمان وهذه المباينة يشاركه فيها الجواهر وما يقوم بها من الأعراض لم يكن لمباينته للعالم قدر زائد على مباينة الجوهر للعرض وإذا انتفت المباينة الزائدة ثبتت المماثلة والمشابهة في المباينة فإن الشيئين إذا كان كل منهما لا يباين ما يباينه إلا بالحقيقة والزمان كان نسبة كل منهما إلى ما يباينه كنسبة الآخر إلى ما يباينه فتكون نسبته إلى العالم كنسبة كل من الجواهر والأعراض المخلوقة إلى الآخر أكثر ما يقال إن حقيقته أكثر مباينة لحقيقة غيره من الجوهر للعرض والعرض للعرض كما أن تقدمه للعالم أعظم من تقدم بعض العالم لبعض لكن بكل حال إذا كانت مباينته من جنس المباينة بالحقيقة والزمان لم يخرج عما يجوز على هذا

стр. 2635

الجنس كما أنه موجودًا وقائمًا بنفسه لم يخرج عما يجوز على جنس الموجود والقائم بنفسه فإذا كان المَوْجود والقائم بنفسه لا يكون إلا واجبًا أو ممكنًا ولا يكون إلا قديمًا أو محدثًا لم يُخرج عن أحد القسمين وإذا كان التباين بالحقيقة أو الزمان لا يخرج عن أن يكون محلاًّ لحالٍّ يقوم به أو حالاًّ في محل والحالُّ مفتقر إلى محله والمحل لا يوجد بدون وجود الحالِّ فيه إذ العرض مفتقر إلى الجوهر والجوهر مستلزم للعرض وقد يقال هو محتاج إليه أيضًا لزِمَ إذا جُعل حالاًّ في العالم أن يكون مفتقرًا إلى العالم محتاجًا إليه لا يقوم وجوده إلا بالعالم مع أن العالم قائم بنفسه بدونه وهذا يقتضي أن يكون العالم غنيًّا عن الله تعالى والله مفتقر إليه وأن يكون هو إلى العالم أحوج من العالم إليه أو أن يكون كل منهما محتاجًا إلى الآخر وهذا قد صرح به الاتحادية كصاحب الفصوص وقال

стр. 2636

بأن العالم والحق كل منهما محتاج إلى الآخر ونحو ذلك مما قد ذكرناه في غير هذا الموضع ويقول إن أعيان العالم هي ثابتة في العدم مستغنية عن الحق وأن وجود الحق ظهر فيها وهذا من جنس حلوله في تلك الأعيان لكن هما متحدان لا يتميز الحالّ عن المحل ولهذا يقول بنوعِ الحلول وبنوعٍ من الاتحاد وهو في ذلك متناقض كتناقض النصارى في

стр. 2637

الحلول والاتحاد الخاص بالمسيح وذلك لأنه يجعل الثبوت غير الوجود كما يقوله من يقول المعدوم شيء وهذا باطل وإن كان محققو هؤلاء لا يرضون بالحلول الذي يقتضي اثنين حالاًّ ومحلاًّ بل عندهم ما ثم إلا وجود واحد ومنهم من يقول هو الوجود المطلق وإن كان المطلق لا وجود له في الخارج إلا معينًا مخصَّصًا فيكون هو وجود المخلوقات بعينه ومنهم من يصرح بذلك فيقول هو عين الموجودات لا يفرق بين ثبوت ووجود ولا بين مطلق ومعين فهؤلاء يجعلونه نفس المخلوقات فالحلول والاتحاد المطلق يشبه الحلول والاتحاد المعين وكما أن النصارى في المسيح منهم من يقول الّلاهوت والنّاسوت جوهر واحد وصفة واحدة كاليعقوبية القائلين

стр. 2638

بأن الّلاهوت والنّاسوت اتحدا كاتحاد الماء واللبن وبأن نفس المصلوب المُسَمَّر هو خالق العالم ومنهم من يقول بالحلول كحلول الماء في الظرف كالنسطورية القائلين بأنهما جوهران وطبيعتان وأقنومان ومنهم من يقول بالحلول من وجهٍ وبالاتحاد من وجه كالملكانية الذين يقولون كالنار في الحديدة فهؤلاء الذين يقولون بالحلول والاتحاد المطلق في المخلوقات جميعها من الجهمية قولهم ذلك شر من مقالة النصارى في الاتحاد فإن قولهم من جنس قول المشركين والمعطلين وهم شر حالٍ من النصارى وذلك من وجهين

стр. 2639

أحدهما أن النصارى قالوا بالاتحاد والحلول في شخصٍ واحدٍ وهؤلاء قالوا إنه في العالم كُلِّه حتى ذكروا عن صاحب الفصوص أنه قال النصارى ما كفروا إلا لأنهم خصصوا وقال ذلك التلمساني وغيره من شيوخهم وقد صرح في غير موضع بأن المشركين عباد الأوثان إنما أخطأوا من حيث عبادة بعض الأشياء دون البعض والمحقق عندهم من يعبد كل شيء ويرى كل شيء عابدًا للحق ومعبودًا له وكل من عبد شيئًا غير الله عنده فما عبد إلا الله وهذا يجمع كل شرك في العالم مع قوله إن الشريك هو الله كما زعمت النصارى أن الله هو المسيح ابن مريم ولهذا كثيرًا ما يصرح شيوخ الجهمية بأن الله في العالم كالزبد في اللبن وهذا قول اليعقوبية في المسيح وقد قالوا في مجموع الوجود ما يقوله النصارى في المسيح الوجه الثاني أنَّ النصارى يقولون بأنَّ الاتحاد والحلول فعل من أفعال الرب وأن اللاهوت اتحد بالناسوت مرة وانفصل عنه أخرى وهؤلاء عندهم ما يتصور أن يتميز وجود الحق عن المخلوقات ولا يباينها ولا ينفصل عنها وهؤلاء الاتحادية

стр. 2640

هم أكفر وأضل ممن يقول إن الله تعالى بذاته في كل مكان ونحو ذلك من المقالات الشنيعة المتقدمة ولكنْ هم مشاركون لهم في أصل المقالة وزائدون عليهم في الضلالة والمقصود هنا التنبيه على أن أولئك الجهمية الذين لا يثبتون المباينة يضطرون إلى أن يجعلوا الرب مفتقرًا إلى العالم إذا جعلوه حالاًّ فيه مع استغناء العالم عنه وإن جعلوه محلاًّ لهُ مع أن ذاته لا تباين ذات العالم بل تحايثه كما هو قولهم فإنهم يقولون بأنه لا وجود للرب إلا بوجود العالم ولا يمكن وجود الرب بدون وجود العالم كما لا يمكن وجود المحل الذي هو الجوهر أو الهَيولى بدون ما يحل فيه من الأعراض أو الصورة فيكون العالم مقومًا لوجود الرب والرب محتاج إليه أيضًا وهو أعظم من قدم جميع العالم الوجه الثالث عشر أن هؤلاء الجهمية يقولون إنه لا تَحُلُّهّ الصفات ولا تقوم به فإنه إذا قامت به الصفات والأعراض كان

стр. 2641

محتاجًا إليها وكانت مقاومة له ومنافية لوحدته ووجوب وجوده وقدمه فإذا قال منهم طائفة بأن المخلوقات كلها تحلّهُ وتقوم به كان هذا مع ما فيه من الكفر والضلال في الاختلاف والتناقض أعظم من أن يوصف وكذلك قالوا إنه لا يكون فوق العرش لئلا يكون حالاًّ بغيره وقائمًا بغيره وكائنًا في كل مكان ونحو ذلك مع أنه متميز عن العرش منفصل عنه فإذا قالوا إنه حالٌّ في المخلوقات مختلط بالقاذورات كان هذا مع ما فيه من الكفر والضلالات من أعظم المتناقضات والمقصود أنَّ هؤلاء الجهمية لا يفرون من شيء من الحق لما يظنونه شبهة إلا وقعوا في أضعاف مضاعفة من الباطل التي يلزمها ذلك المحذور عندهم فهم دائمًا متناقضون فإن كل من نفى عن الله أن يكون فوق العرش لابد أن يحتج بحجة تقتضي السلب والنفي فهو مع قوله بالمحايثة أو قوله بالمباينة بلا محايثة يكون مثبتًا لكل ما سَلَبَهُ ولأَضعافهِ أو يلزمه ذلك فلم يستفيدوا إلا التناقض في المقال وجَحَدوا الخالق وهذا من أعظم الضلال ونفس تناقض القولين يقتضي فساده فكيف بما زاد على ذلك فإنهم إذا قالوا الوجود الواجب لا يكون إلا واحدًا ليس هو

стр. 2642

صفة ولا قدرة ونحو ذلك مما أصل قولهم يقتضيه فكل ما يقولونه بعد ذلك من كونه بكل مكان أو كونه داخل العالم وخارجه أو كونه هو الوجود القائم بالكائنات ونحو ذلك مما يناقض هذا فإن المحايث لجواهر العالم وأعراضه يجب أن يوصف بما توصف به الجواهر والأعراض من التركيب والانقسام وغير ذلك وإنْ لم يوصف بذلك مع قولهم بالمحايثة له كان هذا مع فساده في ضرورة العقل ناقضًا لجميع أصولهم فإنهم إذا جعلوا ذاتين متحايثتين وجعلوا إحداهما منقسمة ومركبة وغير ذلك دون الأخرى وجعلوا الواحد الذي لا تركيب فيه محايثًا لكل تركيب كان هذا مفسدًا لكل حجة لهم وقولهم إنه غير محايث له مع قولهم إنّهُ لا يُباينه إلا بالحقيقة والزمان جمع بين النقيضين حيث جعلوا مباينته غير زائدة على مباينة المحل للحالِّ فيه وقالوا مع ذلك إنه غير مباين بغير هذه المباينة كما تقدم ولولا أن هذا الموضع ليس هو موضع الرد على من يقول هو بذاته في كل مكان إذ المؤسسُ وذووهُ لا يقولون هذا لَكُنَّا نُوَسِّعُ المقال فيه وإنما المقصود هنا قول من يقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه وإن كان القولان جميعًا خارجين

стр. 2643

من مشكاةٍ واحدة وهي التعطيل لكونه فوق العرش فإنهم لما جَحدوا هذا الحق الذي فطر عليه عباده وبعث به رسله وأنزل به كتبه واجتمع عليه المؤمنون به تفرقوا بعد ذلك وفساد أحد القولين مستلزم لفساد أصل القول الآخر وكل من القولين يناقض الآخر وكل منهما لا يمكنه إفساد قول خصمه مع مقامه على قوله فيلزم إما القول بباطل خصمه وإما الرجوع إلى الحق ومتى أبطل قول خصمه إبطالاً محققًا لزم إبطال قوله وأدلة إبطال قول الحلولية والاتحادية الذين يقولون

стр. 2644

إنه في كل مكان ونحو ذلك كثيرة ليس هذا موضعها وكل آية في القرآن تبين أن لله ما في السموات والأرض وما بينهما ونحو ذلك فإنها تبطل هذا القول فإنَّ السموات والأرض وما بينهما وما فيهما إذا كان الجميع له وملكه ومخلوقه امتنع أن يكون شيء من ذلك ذاته فإن المملوك ليس هو المالك والمربوب ليس هو الرب والمخلوق ليس هو الخالق ولهذا كان حقيقة قول الاتحادية أن المخلوق هو الخالق والمصنوع هو الصانع لا يفرقون بينهما حتى إنه يمتنع عندهم أنه يكون الله رب العالمين كما يمتنع أن يكون ربَ نفسه إذْ ليس العالمون شيئًا خارجًا عن نفسه عندهم وقد قدمنا فيما مضى طرفًا من كلام السلف والأئمة في الرد على هؤلاء مثل الأثر المشهور عن ابن المبارك أنه قيل له بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه لا نقول كما تقول الجهمية إنه ها هنا في الأرض وقول

стр. 2645

الإمام أحمد هكذا هو عندنا وروي عن ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية حدثنا الحسن بن علي بن مهران حدثنا بشار بن موسى الخفّاف قال جاء بشر بن الوليد

стр. 2646

إلى أبي يوسف فقال له تنهاني عن الكلام وبشر المَرِيْسِي وعلي الأحول وفلان يتكلمون فقال وما يقولون قال يقولون الله في كل مكان فبعث أبو يوسف وقال عليَّ بهم فأتوا إليه وقد قام بشر فجيء بعلي الأحول والشيخ يعني الآخر فنظر أبو يوسف إلى الشيخ وقال لو أنّ فيك موضع أدب لأوجعتك فأمر به إلى الحبس وضرب غليًّا الأحول وطوَّف به وقال أيضًا حدثنا علي بن الحسن بن يزيد السلمي

стр. 2647

سمعت أبي يقول حُبس رجل في التجهم فتاب فجيء به إلى هشام بن عبيد الله الرازي ليمتحنه فقال له أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه قال لا أدري ما بائن من خلقه فقال ردوهُ فإنه لم يتب بعد وقال عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق لما روى حديث ابن عباس ما بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور فهو فوق ذلك قال من زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث إن الله سبحانه فوق العرش وعلمه محيط بالدنيا والآخرة

стр. 2648

وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك فقال أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم أن الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه بلا كيف أحاط بكل شيء علمًا

стр. 2649

وقال عثمان بن سعيد الدارمي قد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سمواته وقال أيضًا قال أهل السنة إن الله بكماله فوق عرشه يعلم ويسمع من فوق العرش لا يخفي عليه خافية من خلقه لا يحجبهم عنه شيء وقال عثمان ين محمد بن أبي شيبة في كتاب العرش له ذكروا أن الجهمية يقولون ليس بين الله وبين خلقه حجاب

стр. 2650

أي يحجبهم عن أن يَرَوه وأنكروا العرش وأن يكون الله فوقه وقالوا إنه في كل مكان إلى أن قال فسرت العلماء وهو معكم يعني بعلمه ثم تواترت الأخبار أن الله خلق العرش فاستوى عليه بذاته فهو فوق العرش بذاته مُتَخَلِّصًا من خلقه بائنًا منهم وقال عمرو بن عثمان المكي رفيق الجنيد في كتاب

стр. 2651

آداب المريدين والتعرف لأحوال العباد في باب ما يجيء به الشيطان للتائبين من الوسوسة وأما الوجه الثالث الذي يأتي به للتائبين إذا هم امتنعوا عليه واعتصموا بالله فإنه يوسوس لهم في أمر الخالق ليفسد عليهم أصول التوحيد وذكر كلامًا طويلا إلى أن قال هذا من أعظم ما يوسوس به في التوحيد بالتشكيك أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه أو بالجحد لها والتعطيل وأن يدخل عليه مقاييس عظمة الرب بقدر عقولهم فهلكوا إن قبلوا وتتضعضع أركانهم إن لم يلجؤوا بذلك إلى العلم وتحقيق المعرفة لله من حيث أخبر عن نفسه ووصف به نفسه وما وصفه به رسوله إلى أن قال فهو تعالى القائل أنا لله لا الشجرة الجائي بعد أن لم يكن جائيًا لا أمره المستوي على عرشه بعظمته وجلاله دون كل مكان الذي كلم موسى تكليمًا وأراهُ من آياته عظيمًا فسمع موسى كلام الله الوارث لخلقه السميع لأصواتهم الناظر بعينه إلى أجسامهم يداه مبسوطتان وهما غير نعمته وقدرته خلق آدم بيديه وذكر أشياءً أخر

стр. 2652

وقال زكريا بن يحيى الساجي إمام البصرة في زمانه وعنه أخذ الأشعري كثيرًا مما أخذه من مذاهب أهل السنة والحديث والفقه قال القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناههم أن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وقال نظيره أبو بكر بن محمد بن إسحاق بن

стр. 2653

خزيمة ﵀ مَنء لم يقر بأن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فإنه يُستَتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وأُلقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة وقال أبو عبد الله ابن بطة في الإبانة الكبرى أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين أن الله على عرشه فوق سمواته بائن من خلقه

стр. 2654

وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في الاعتقاد الذي جمعه طريقتنا طريقة السلف المتَّبِعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومما اعتقدوه أن الله سبحانه لم يزل عالمًا بعلم بصيرًا ببصر سميعًا بسمع متكلمًا بكلامٍ ثم أحدث الأشياء من غير شيء وأن القرآن كلام الله وكذلك سائر كتبه المنزلة كلامُه غير مخلوق وأن القرآن من جميع الجهات مقروءًا ومتلوًّا ومحفوظًا ومسموعًا ومكتوبًا وملفوظًا وكلامُ الله حقيقة لا حكاية ولا ترجمة وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق وأن الواقفة واللفظية من الجهمية وأن مضن قَصَدَ القرآن بوجهٍ من الوجوه

стр. 2655

يريد به خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية وأن الجهمي عندهم كافر إلى أن قال وأن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل وان الله بائنٌ من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستوٍ على عرشه في سمائه من دون أرضه وذكر سائر اعتقاد السلف وإجماعهم على ذلك وقال يحيى بن عمار السجستاني في رسالته وفيه

стр. 2656

لا نقول كما قالت الجهمية أنه مداخل الأمكنة وممازج لكل شيء ور يُعلم أين هو بل نقول هو بذاته على العرش وعلمه محيط بكل شيء وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء وهو معنى قوله وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد ٤] هذا الذي قلناه إن الأمكنة غير خالية من علمه وقدرته وأنه مدرك لها بسمعه وبصره وهو بذاته على العرش سبحانه وكما قال رسول الله ﷺ وقال معمر بن زياد شيخ الصوفية في عصر أبي نعيم

стр. 2657

ويحيى بن عمار أحببتُ أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين فذكر أشياء في الوصية إلى أن قال فيها وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف مجهول وأنه مستوٍ على عرشه بائن من خلقه والخلق بائنون منه بلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة وأنه سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء بلا كيف ولا تأويل فمن أنكر النزول أو تأوَّل فهو مبتدع ضال وقال أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في كتاب الرسالة في السنة له ويعتقد أصحاب

стр. 2658

الحديث ويشهدون أن الله فوق سمواته على عرشه كما نطق به كتابه وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أن الله تعالى على عرشه وعرشه فوق سمواته وقال أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد له في باب القول في الاستواء قال الله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾ [طه ٥] ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الفرقان ٥٩] وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الفرقان ٦١] يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ [النحل ٥٠] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر ١٠] أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك ١٦] أراد فوق السماء كما قال وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه ٧١] يعني على جذوع النخل وقال فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ [التوبة ٢] يعني على الأرض وكل ما علا فهو سماء والعرش على السموات فمعنى الآية أأمنتم من

стр. 2659

على العرش كما صرح به سائر الآيات وقال فيما كتبنا من الآيات دلالة على إبطال قول من زعم من الجهمية بأن الله بذاته في كل مكان وقوله وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ إنما أراد بعلمه لا بذاته وقال أبو عمر بن عبد البر لما تكلم على حديث النزول قال هذا حديث ثابت من النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته وهو منقول من طرق سوى هذه من أخبار العدول عن النبي ﷺ وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إن الله في كل مكان قال والدليل على صحة قول أهل الحق قول الله تعالى وذكر

стр. 2660

بعض الآيات إلى أن قال وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكرهُ عليهم مسلم وقال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقَّب شيخ الإسلام في كتاب الصفات له باب إثبات استواء الله على عرشه فوق السماء السابعة بائنًا من خلقه من الكتاب والسنة فذكر ﵀ دلالات ذلك من الكتاب والسنة إلى أن قال ففي أخبار شتى أن الله تعالى فوق السماء السابعة على العرش بنفسه وهو ينظر كيف يعملون وعلمه وقدرته واستماعه ونظره ورحمته في كل مكان وهذا باب واسع لا يحصيه إلا الله تعالى فإن الذين نقلوا إجماع السلف أو إجماع أهل السنة أو إجماع الصحابة والتابعين على أن الله فوق العرش بائن من خلقه لا يحصيهم

стр. 2661

إلا الله وما من أحد من هؤلاء المذكورين إلا وشهرته في الإسلام بالعلم والدين أعظم من أن يتسع لها هذا الموضع وإن كان بعضهم أفضل من بعض وفي شيء دون شيء وما زالَ علماء السلف يثبتون المباينة ويردُّون قول الجهمية بنفيها مع أن نفيها بالحقيقة أو الزمان لا ينكرهُ أحد وإنما ينكرون المباينة بالجهة ثم هم مضطربون في ثبوت المحايثة وعدمها كما تقدم وإثبات المحايثة أقرب إلى الفطر ابتداءً من نفي المباينة والمحايثة ولهذا كان هذا هو الذي تتظاهر به الجهمية وإنْ كان منهم من يتأَوَّلُ قوله إنه في كل مكان بمعنى علمه وقدرته لكن منهم من يقول إن ذاته في كل مكان وهو قول طوائف من علمائهم وعُبَّادهم حتى قالوا إنه نفس وجود الأمكنة ومعلوم أن في هذا من الفساد أمورًا كثيرة من وصف الله تعالى بالنقائص والعيوب وما هو منزَّه عنه وقد التزم ذلك جميعه من التزمه من هؤلاء كالاتحادية وقالوا إن من كماله أن يكون هو الموصوف بكل مدح وذم ولعن وشتم وهو الناكح والمنكوح والشاتم والمشتوم وأمثال ذلك مما هو من أعظم الكفرِ والسَبِّ والشتم والإلحاد والمحادةِ لرب العالمين فكان السلف

стр. 2662

يحتجون على الجهمية بما يلزم قولهم من كونه مخالطًا للأجسام المذمومة من النجاسات والشياطين وقد أخذ هذه الحجة عنهم من اتبعهم في ذلك من متكلمة الصفاتية ونحوهم كما ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في غير موضع من كتبه قال فإنْ قال قائل فهل تقولون إن الله في كل مكان قيل له معاذ الله بل مستوٍ على العرش كما أخبر في كتابه فقال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾ [طه ٥] وقال إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر ١٠]

стр. 2663

وقال أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ [الملك ١٦] وذكر آيات أخر إلى أن قال ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ولَوَجَبَ أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان ولَصَحَّ أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا وإلى يميننا وشمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله فذكر بعد ما ذكر من النصوص ثلاث حججٍ قياسيةٍ عقليةٍ

стр. 2664

أحدها أن ذلك يستلزم أن يكون في الأمكنة والأجسام القبيحة المذمومة كالحشوش وأن يكون في جوف الإنسان وفمه وهذا مما يعلم الإنسان بفطرته وبديهة عقله أن الله سبحانه منزه عنه يعلم بضرورة حسه وعقله أن الله ليس في جوفه وان ذاته لا تصلح أن تلاصق النجاسات والأجواف بل ملائكته ﵈ مثل جبريل ونحوه قد نزَّههم أن يدخلوا بيتًا فيه كلب أو جنب وإنَّما يحضر الحشوش الشياطين كما قال النبي ﷺ إن هذه الحُشُوشَ محْتَضَرَةٌ

стр. 2665

والحجة الثانية أنه كان يجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا زِيد فيها بالخلق وينقص بنقصانها إذا نقص منها وهذا على قول من يقول منهم إنه في كل مكان لا يفضل عن العالم فإن الأمكنة إذا زادت زاد وإذا نقصت نقص بالضرورة والحجة الثالثة أن ذلك يوجب دعاءَهُ والرغبةَ إليه إلى جهة السفل واليمين والشمال وذلك مخالف لإجماع المسلمين لأن الرغبة هي إليه نفسه حيث كان فإذا كان في الأرض كما هو فوق العرش كانت الرغبة إليه هنا كالرغبة إليه هناك والأشعري قبله قد احتج في كتاب الإبانة المشهور بهذا التنزيه فاحتج بانزيهه عن أن يكون مستويًا على الأقذار على
следующие страницы →