← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

إلا الله وما من أحد من هؤلاء المذكورين إلا وشهرته في الإسلام بالعلم والدين أعظم من أن يتسع لها هذا الموضع وإن كان بعضهم أفضل من بعض وفي شيء دون شيء وما زالَ علماء السلف يثبتون المباينة ويردُّون قول الجهمية بنفيها مع أن نفيها بالحقيقة أو الزمان لا ينكرهُ أحد وإنما ينكرون المباينة بالجهة ثم هم مضطربون في ثبوت المحايثة وعدمها كما تقدم وإثبات المحايثة أقرب إلى الفطر ابتداءً من نفي المباينة والمحايثة ولهذا كان هذا هو الذي تتظاهر به الجهمية وإنْ كان منهم من يتأَوَّلُ قوله إنه في كل مكان بمعنى علمه وقدرته لكن منهم من يقول إن ذاته في كل مكان وهو قول طوائف من علمائهم وعُبَّادهم حتى قالوا إنه نفس وجود الأمكنة ومعلوم أن في هذا من الفساد أمورًا كثيرة من وصف الله تعالى بالنقائص والعيوب وما هو منزَّه عنه وقد التزم ذلك جميعه من التزمه من هؤلاء كالاتحادية وقالوا إن من كماله أن يكون هو الموصوف بكل مدح وذم ولعن وشتم وهو الناكح والمنكوح والشاتم والمشتوم وأمثال ذلك مما هو من أعظم الكفرِ والسَبِّ والشتم والإلحاد والمحادةِ لرب العالمين فكان السلف

стр. 2662

يحتجون على الجهمية بما يلزم قولهم من كونه مخالطًا للأجسام المذمومة من النجاسات والشياطين وقد أخذ هذه الحجة عنهم من اتبعهم في ذلك من متكلمة الصفاتية ونحوهم كما ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في غير موضع من كتبه قال فإنْ قال قائل فهل تقولون إن الله في كل مكان قيل له معاذ الله بل مستوٍ على العرش كما أخبر في كتابه فقال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾ [طه ٥] وقال إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر ١٠]

стр. 2663

وقال أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ [الملك ١٦] وذكر آيات أخر إلى أن قال ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ولَوَجَبَ أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان ولَصَحَّ أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا وإلى يميننا وشمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله فذكر بعد ما ذكر من النصوص ثلاث حججٍ قياسيةٍ عقليةٍ

стр. 2664

أحدها أن ذلك يستلزم أن يكون في الأمكنة والأجسام القبيحة المذمومة كالحشوش وأن يكون في جوف الإنسان وفمه وهذا مما يعلم الإنسان بفطرته وبديهة عقله أن الله سبحانه منزه عنه يعلم بضرورة حسه وعقله أن الله ليس في جوفه وان ذاته لا تصلح أن تلاصق النجاسات والأجواف بل ملائكته ﵈ مثل جبريل ونحوه قد نزَّههم أن يدخلوا بيتًا فيه كلب أو جنب وإنَّما يحضر الحشوش الشياطين كما قال النبي ﷺ إن هذه الحُشُوشَ محْتَضَرَةٌ

стр. 2665

والحجة الثانية أنه كان يجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا زِيد فيها بالخلق وينقص بنقصانها إذا نقص منها وهذا على قول من يقول منهم إنه في كل مكان لا يفضل عن العالم فإن الأمكنة إذا زادت زاد وإذا نقصت نقص بالضرورة والحجة الثالثة أن ذلك يوجب دعاءَهُ والرغبةَ إليه إلى جهة السفل واليمين والشمال وذلك مخالف لإجماع المسلمين لأن الرغبة هي إليه نفسه حيث كان فإذا كان في الأرض كما هو فوق العرش كانت الرغبة إليه هنا كالرغبة إليه هناك والأشعري قبله قد احتج في كتاب الإبانة المشهور بهذا التنزيه فاحتج بانزيهه عن أن يكون مستويًا على الأقذار على

стр. 2666

منع أن يكون الاستواء هو الاستيلاء واحتج على نفي كونه في كل مكان بتنزيهه عن أن يكون في النجاسات وقال وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى قوله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى أنه استولى وملك وقهر وأن الله في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء على العرش إلى معنى القدرة ولو كان هذا كما قالوه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة السفلى لأن الله قادر على كل شيء والأرض والسموات وكل شيء في العالم فالله قادر عليه فلو كان الاستواء بمعنى الاستيلاء لكان الله مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأنتان والأقذار لأن الله قادر على الأشياء كلها

стр. 2667

ولما لم نجد أحدًا من المسلمين يقول إن الله مستوٍ على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون معنى الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها وَوَجَبَ أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون سائر الأشياء قال وزعمت المعتزلة والجهمية والحرورية أن الله في كل مكان فلزمهم أن يكون في بطن مريم وفي الحشوش تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًّا ويقال لهم إذا لم يكن الله مستويًا على العرش بمعنى يختص به العرش دون غيره كما قال ذلك نقلة الآثار وكان الله في كل مكان فهو سبحانه تحت الأرض والأرض فوقه والسماء فوق الأرض وفي هذا ما يلزمهم أن الله تحت التحت والأشياء فوقه وهو فوق الفوق والأشياء كلها تحته وهذا يوجب أنه فوق ما تحته وتحت ما فوقه وهو المحال الفاسد المتناقض تعالى الله ربنا ﷻ عن ذلك

стр. 2668

علوًّا كبيرًا فاحتج أبو الحسن بما يعلم بالاضطرار أنه ليس في الأجواف والحشوش وخص بطن مريم بالذكر لأن ذلك مشاركة للنصارى الذين يقولون إنَّ الله حَلَّ في بطن مريم لما تَدرَّعَ اللاّهوت بالنَّاسوت مع أن هذا حين يَقولُهُ علماءُ النصارى لعامتهم تنكره فطرتهم وتدفعه عقولهم لما يجدون في أنفسهم من العلم الضروري بنفي ذلك فإنهم كما قال النبي ﷺ كل مولود يولد على القطرة فأبواهُ يهوِّدانه وينصِّرانه ويُمَجِّسانه فالنصارى مولودون على الفطرة التي تنكر ذلك ولكن الدين الذي وجدوا عليه آباءهم هو الذي أوجَبَ تغيير فطرتهم وهذه حال هؤلاء الجهمية أجمعين فما منهم من أحد إلا حين يذكر

стр. 2669

قول الجهمية تنكره فطرته وترده ضرورة عقله لكنْ يَتَّبع سادته وكبراءَه في خلاف طاعة الرسول حتى يغيروا فطرته لأجل المذهب الذي وَجَدَ عليه أباهُ وأمَّهُ أو من يجري مجرى ذلك من سيدٍ مالكٍ أو معلمٍ أو نحو ذلك وهم أعني متكلمة الصفاتية أخذوا ما أخذوه من هذه الحجج عن السلف والأئمة وإن كان في كلام السلف والأئمة مالم يَهْتَدِ إليه هؤلاء من التحقيق قال الإمام أحمد فيما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية ومما أنكرت الجهمية الضُّلاَّل أن الله سبحانه على العرش قلنا لِمَ أنكرتم أن الله سبحانه على العرش وقد قال سبحانه الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾ [طه ٥] وقال ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴿٥٩﴾ [الفرقان ٥٩] قالوا هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش

стр. 2670

فهو على العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كل مكان لا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان وتَلَوْا من القرآن وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام ٣] فقلنا عَرَفَ المسلمون أماكنَ ليس فيها من عِظَمِ الرَّبَِ شيء فقلنا أحشاءكم وأجوافَكم وأجوافَ الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عِظَمِ الرب شيء فهذا الذي ذكره الإمام أحمد مُتضمِّن إجماع المسلمين ويتضمن أن ذلك من المعروف في فِطرتهم التي فُطروا عليها وقوله من عِظَمِ الرَّبِّ كلمةٌ سَديدَة فإنَّ اسمَهُ العظيم يدل على العِظَمِ الذي هو قدره كما بيناه في غير هذا الموضع وذَكَرَ الأحشاش والأجواف لأنَّ علم المسلمين بذلك ببديهة حسهم وعقلهم ولأن في ذلك ما يجب تنزيه الرب عنه إذ كان من أعظم كفر النصارى دعواهم ذلك في واحد من البشر فكيف من يدعيه في البشر كلهم وكذلك ما ذَكَرَهُ من أجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة فإنَّ هذا كما تقدم مما يعلم بالضرورة العقلية الفطرية أنه يجب تنزيه الرب وتقديسه أن يكون فيها أو ملاصقًا لها أو مماسًّا

стр. 2671

وتخصيص هذه الأجسام القذرة والأجواف بالذكر فيه اتباع لطريقة القرآن في الأمثال والأقيسة المستعملة في باب صفات الله سبحانه فإن الإمام أحمد ونحوه من الأئمة هم في ذلك جارون على المنهج الذي جاء به الكتاب والسنة وهو المنهج العقلي المستقيم فيستعملون في هذا الباب قياسَ الأولى والأحرى والتنبيه في باب النفي والإثبات فما وجب إثباته للعباد من صفات المدح والحمد والكمال فالرَّبُّ أولى بذلك وما وَجَبَ تنزيه العباد عنه من النقص والعيب والذم فالرب سبحانه أحق بتنزيهه وتقديسه عن العيوب والنقائص من الخلق وبهذا جاء القرآن في مثل قوله ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ [الروم ٢٨] وفي مثل قوله وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً [الزخرف ١٧] وغير ذلك فإنه احتج على نفي ما يثبتونه له من الشريك والولد بأنهم ينزهون أنفسهم عن ذلك لأنه نقص وعيب عندهم فإذا كانوا لا يرضَون بهذا الوصف ومثل السوء فكيف يصفون ربهم به ويجعلون لله مثل السوء بل للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوءِ ولله المثلُ الأعلى ومما يشبه هذا في حقنا قول النبي ﷺ ليس لنا مثل السوء ولهذا شبَّه الله من ذمه

стр. 2672

بالحمار تارةً وبالكلب أخرى والأقيسة العقلية وهي الأمثال المضروبة كالتي تُسمى أقيسة منطقية وبراهينَ عقلية ونحو ذلك استعمل سلف الأمة وأئمتها منها في حق الله ما هو الواجب وهو ما يتضمن نفيًا وإثباتًا بطريق الأولى لأن الله تعالى وغيره لا يكونان متماثلين في شيء من الأشياء لا في نفي ولا في إثبات بل ما

стр. 2673

كان من الإثبات الذي ثبت لله تعالى ولغيره فإنه لا يكون إلا حقًّا متضمنًا مدحًا وثناءً وكمالاً والله أحق به ليس هو فيه مماثلاً لغيره وما كان من النفي الذي يُنْفَى عن الله وعن غيره فإنه لا يكون إلا نفي عيب ونقص والله سبحانه أحق بنفي العيوب والنقائص عنه من المخلوق فهذهِ الأقيسة العادلة والطريقة العقلية السلفية الشرعية الكاملة فأما ما يفعله طوائف من أهل الكلام من إدخال الخالق والمخلوق تحت قياس شمولي أو تمثيلٍ يتساويان فيه فهذا من الشرك والعدل بالله وهو من الظلم وهو ضرب الأمثال لله وهو من القياس والكلام الذي ذمَّه السلف وعابوه ولهذا ظن طوائف من عامة أهل الحديث والفقه والتصوف أنه لا يتكلم في أصول الدين أو لا يتكلم في باب الصفات بالقياس

стр. 2674

العقلي قط وان ذلك بدعة وهو من الكلام الذي ذمه السلف وكان هذا مما اطمع الأولين فيهم لما رأوهم ممسكين عن هذا كله إما عجزًا أو جهلاً وإما لاعتقاد أن ذلك بدعة وليس من الدين وقال لهم الأولون رَدُّكُم أيضًا علينا بدعة فإن السلف والأئمة لم يردوا مثل ما رددتم وصار أولئك يقولون عن هؤلاء إنهم ينكرون العقليات وأنهم لا يقولون بالمعقول واتفق أولئك المتكلمون مع طوائف من المشركين والصابئين والمجوس وغيرهم من الفلاسفة الروم والهند والفرس وغيرهم على ما جعلوه معقولاً يقيسون فيه الحق تارة والباطل أخرى وحصل من هؤلاء تفريط وعدوان أوجبَ تفرقًا واختلافًا بين الأمة ليس هذا موضعه ودين الإسلام هو الوَسَطُ وهو الحق والعدل وهو متضمن لما يستحق أن يكون معقولاً ولما ينبغي عقله وعلمه ومُنزَّه عن الجهل والضلال والعجز وغير ذلك مما دخل فيه أهل الانحراف فسلك الإمام أحمد وغيره مع الاستدلال بالنصوص وبالإجماع مسلكَ الاستدلال بالفطرة والأقيسةِ العقلية الصحيحة المتضمنة للأَوْلَى

стр. 2675

وذلك أن النجاسات مما أمر الشارع باجتنابها والتنزه عنها وتوعد على ذلك بالعقاب كما قال ﷺ في الحديث الصحيح تنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه وهذا مما علم بالاضطرار من دين

стр. 2676

الإسلام وهي فُطرت القلوب على كراهتها والنفور عنها واستحسان مجانبتها لكونها خبيثة فإذا كان العبد المخلوق الموصوف بما شاء الله من النقص والعيب الذي يجب تنزيهُ الرب عنه لا يجوز أن يكون حيث تكون النجاسات ولا أن يباشرها ويلاصقها لغير حاجة وإذا كان لحاجة يجب تطهيرها ثم إنه في حال صلاته لربه يجب عليه التطهير فإذا أوجب الرب على عبده في حال مناجاته أن يتطهر له ويتنزه عن النجاسة كان تنزيهُ الرب وتقديسهُ عن النجاسة أعظم وأكثر للعلم بأن الرب أحقُّ بالتنزيه عن كل ما يُنزّه عنه غيره وأيضًا فالمعبود أعظم من العابد وهذا معلوم في بدائِهِ العقول لا سيما وهو سبحانه القدوسُ السلامُ والقدوسُ مأخوذ من التقديس وهو التطهير ومنه سُمِّيَ القدوس قدوسًا والجهمية تدعي أنها تقدسهُ بنفي الصفات ويسمون كلامهم

стр. 2677

تأسيس التقديس ومنهم من يقول بمخالطته للنجاسات والباقون يلتزمون ذلك فهم منجِّسون لا مقدسون ومِن أنكرِ الأمور في بدائِهِ العقول أن يكون العابد واجبًا عليه التنزيه عن النجاسات التي تخرج منه مع أن المعبود مختلط بها ملاصق لها وإذا كان العلم بأن الرب سبحانه أحق بالتنزيه والتعظيم من العبد والمعبود أحق بذلك من العابد كان هذا القياس وأمثاله من أظهر الأقيسة في بديهة العقول بل قد قال تعالى لخليله وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿٢٦﴾ [الحج ٢٦] فإذا أمر عبده بتطهير بيته الذي يُطافُ به ويصلِّي فيه وإليه ويعكف عنده من النجاسة أَلَمْ يكن هو أحق بالطيب والطهارة والنزاهة من بيته وبدن عبده وثيابه ولهذا كان هؤلاء الاتحادية والحلولية يصفونه بما توصف به الأجسام المذمومة ويصرحون بذلك وهؤلاء من أعظم الناس

стр. 2678

كفرًا وشتمًا لله وسبًّا لله وسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا وحصل بما ذكره الأئمة أن هؤلاء الجهمية هم أصل قولهم الذي به يُمَوِّهون على الناس إنما هو التنزيه ويسمون أنفسهم المُنَزِّهون وهم أبعد الخلق عن تنزيه الله وأقرب الناس إلى تنجيس تقديسه وهذا يظهر بوجوهٍ كثيرةٍ لكن المذكور هنا كونهم يقولون إنه في كل مكان من الأمكنة النجسة القذرة فَأَيُّ تنزيهٍ وتقديسٍ يكون مع جعلهم له في النجاسات والقاذورات والكِلاَبِ والخنازير بل وتصريحهم بذلك حتى حدثني من شَهِدَ أحذقَ محقِّقيهم التلمساني وآخر من

стр. 2679

طواغيتهم وقد اجتاز بكلب جربٍ ميتٍ فقال ذلك للتلمساني وهذا الكلب أيضًا ذلك فقال أوَ ثَمَّ شيء خارج عن الذات وهذا التلمساني هو وسائر الاتحادية كابن عربي الطائي صاحب الفصوص وغيره وابن سبعين وابن الفارض والقونوي صاحب ابن عربي شيخ التلمساني وسعيد

стр. 2680

الفرغاني إنما يَدَّعون الكشف والشهود لما يخبرون عنه وأن تحقيقهم لا يوجد بالنظر والقياس والبحث وإنما هو شهود الحقائق وكشفها ويقولون ثبت عندنا في الكشف ما يناقض

стр. 2681

صريح العقل ويقولون لمن يُسْلِكُونهُ لابد أن يجمع بين النقيضين وأن يخالف العقل والنقل ويقولون القرآن كله شرك وإنما التوحيد في كلامنا ويقولون لا فرق عندنا بين الأخوات والبنات والزوجات فإنَّ الوجود واحد لكنْ هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم ومن شعر هذا التلمساني قبحه الله يا عاذلي أنت تنهاني وتأمرني والوجدُ أصدقُ نهَّاءٍ وأمَّارٍ فإن أُطِعْك وأعصى الوجد عدمت عمي عن العيان إلى أوهام أخبار وعينُ ما أنت تدعوني إليه إذا حقَّقته تره المنهيَّ يا جاري يقول أنت تدعوني إلى أن أعبد الله ولا أعبد غيره وما ثم غيره بل هو الذي تظنه غيرًا وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع

стр. 2682

أصل ذلك أن علم الإنسان كله إنما يحصل بطريق الإحساس والمشاهدة الباطنة والظاهرة أو بطريق القياس والاعتبار أو بطريق السمع والخبر والكلام كما قال تعالى إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴿٣٦﴾ [الإسراء ٣٦] والعبد الصادق يحصل له من المشاهدة الباطنة ما ينكشف به أمور كانت مغطاةً عنه ويفهم من كلام الله ورسوله والسلف معانيَ يشهدها لم يكن قبل ذلك يشهدها بل يظهر له قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ثم قال أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿٥٣﴾ [فصلت ٥٣] أي أو لم يكفِ بشهادته وعلمه التي أخبرهم عنها في كتابه وهؤلاء المنافقون المرتدون الزنادقة ومن وقع في بعض ضلالاتهم من الغالطين الضالين هم في الشهود الذي يحصل لهم ويجعلونَهُ من جنس شهود المؤمنين مثل ما هم في المخاطبة التي تقع لهم ويجعلونها من جنس مخاطبة المؤمنين التي قال فيها النبي ﷺ إنه قد كان في الأمم محدثون فإنْ يكن في أمتي أحدٌ فعمر وقد رواه البخاري في صحيحه من

стр. 2683

حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال البخاري ورواه زكريا ابن أبي زائدة عن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يقول قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم قال ابن وهب تفسير محدثون ملهمون قال

стр. 2684

أبو مسعود الدمشقي الصواب من حديث إبراهيم بن سعد عن أبي هريرة كما ذكره البخاري وأما حديث ابن عجلان عن يعد فإنه يقول فيه عن عائشة كذلك رواه عن الناس ولا أعلم أحدًا تابع ابن وهب عن إبراهيم بن سعد في قوله عن عائشة

стр. 2685

والمخاطبة التي تقع لهؤلاء المنافقين والغالطين والمتشبهين بالمؤمنين هي من الشياطين التي تنزل على أمثالهم من كل أفَّاكٍ أثيم ومن حديث النفس ولهذا يكثرون من الشعر والكهانة التي يقترن بأهلها الشياطين كثيرًا قالوا لابن عمر ولابن عباس إن المختار يزعم أنه ينزل عليه فقال صدق هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ﴿٢٢١﴾ [الشعراء ٢٢١] وقالوا للآخر إنه يزعم أنه يوحى إليه فقال صدق وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام ١٢١] فلهم وحي وتنزيل ولكن من الشياطين كما تنزل على أشباههم من السحرة والكهان وبينهم قدرٌ مشترك في كثيرٍ من الأمور

стр. 2686

وأما المشاهدة فإن أحدهم يشهد بباطنه الوجود المطلق الساري في الكون كله الذي لا يختص بشيء دون شيء وهذا شهود صحيح لكن ضلوا في ظنهم أن ذلك هو رب العالمين وأن ما وراءَ السموات والأرض شيءٌ آخر حيث يقولون ما فوق العرش رب ولا فوق العالم إله ويقول أحدهم لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله فكانوا في هذا الشهود والذوق والوجود كما ذكرته لمن خاطبته من أهل المعرفة والتحقيق في بيان الشبهة التي ضل بها هؤلاء ما كثرة ما فيهم من العبادة والصدق في ذلك العلم والفضيلة فقلت هم بمنزلة من شاهد شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس وليس وراء الشعاع شيء آخر أصلاً وجحد أن

стр. 2687

يكون في الوجود شمس غير ما شهده من الشعاع وهذا مثل بعيد وإلا فالله أجلُّ وأعلى وأعظم وأكبر من جميع المخلوقات أن يكون نسبته إليها كنسبة الشمس إلى شعاعها ولكن هذا كما تقدم من باب قياس الأولى فإنه إذا كان من شهد شعاع الشمس ووجدَهُ فظن أنها عينُ الشمس وحقيقتها من أعظم الجاهلين الضالين فالذي شهد وجود المخلوقات فاعتقد أن عين وجود رب العالمين هو الأرض والسموات أعظم جهلاً وضلالاً وهؤلاء لم يكن ضلالهم فيما علموه وشهدوه من وجود المخلوقات ولكن في نفي ما لم يشهدوه وأنكروه من وجود رب السموات ثم ضلوا فظنوا وجود المخلوق هو وجود خالق الكائنات فوافقوا فرعون في ذلك النفي وامتازوا عنه بهذا الإثبات وهذا حال عامة الكفار وأهل البدع إنما ضلالهم في التكذيب بما لم يعرفوه من الحق لا بما علموه من الحق لكن يضمُّون إلى ذلك التكذيب ظنونًا كاذبة تنشأ عن الهوى يصدقون لأجلها بالباطل وذِكْرُ الأئمة في الرد على الجهمية ما عَلِمَهُ المسلمون بضرورة حسهم وعقلهم ودينهم وتنزيهه عن أن يكون في أجوافهم وأحشائهم أيضًا مع ما ذكروه من تنُّزهه عن الأنجاس

стр. 2688

لأن ذلك أقرب إلى حس الإنسان وبديهة عقله فكلما كان المعلوم مما يحسه الإنسان ويعقله بديهة كان أعلم به لا سيما مع تكرر إحساسه به وعقله له وأيضًا فنبهوا بذلك على ما ذكره الله تعالى من كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وأنّ الله تعالى حل في بطن مريم فإن هذا تكفير لكل من قال في بشرٍ إنه الله بطريق الأولى فمن قال في الوجود كله ذلك أكفر وأكفر ولهذا اجتمع جماعة عظيمة بدمشق في سماع فأنشد فيه القوّال شعرًا لابن إسرائيل وكان شاعرًا من شعراء الفقراء في شعره إيمان وكفر وهدى وضلال وفي شعره كثير من كلام الاتحادية لكن التلمساني وابن الفارض أحذق في الاتحاد منه فأنشد القوّال له وما أنت غير الكون بل أنت عينه ويفهم هذا السر من هو ذايق وكامن هناك شيخ يعرف بالشيخ نجم الدين بن الحكيم صحب الشيخ إسماعيل الكوراني فأنكر ذلك وتلا قوله تعالى

стр. 2689

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة ٧٢] والتفت إلى القوّال وقال له قل وما أنت عينُ الكون بل أنت غيرهُ ويشهد هذا الأمر من هو صادق وهي واقعة مشهورة حدثني بها غير واحد ممن شهدها ولقد أحسن هذا الشيخ التالي لهذه الآية في الرد على هذا الشعر الذي هو من أقوال الملاحدة والاتحادية وأيضًا نبهوا بذلك على ضلال من يقول إنه الله أو أن الله فيه من أهل الاتحاد والحلول الخاص فإن المسلمين يعلمون بضرورة حسهم وعقلهم أن الله ليس في أجوافهم ولا أحشائهم ثم احتج الإمام أحمد بالنصوص فقال وقد أخبرنا الله أنه في السماء فقال سبحانه أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً [الملك ١٦-١٧] الآية وقال إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر ١٠] وقال إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران ٥٥] وقال بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء ١٥٨] وقال وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ [الأنبياء ١٩] وقال يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴿٥٠﴾ [النحل ٥٠] وقال ذِي الْمَعَارِجِ ﴿٣﴾ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج ٣-٤] وقال وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام

стр. 2690

٦١] وقال وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴿٢٥٥﴾ [البقرة ٢٥٥] وقال فهذا خبرُ الله أخبرنا أنه في السماء ثم احتج بحجة أخرى من الأقيسة العقلية قال ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا قال الله تعالى إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء ١٤٥] وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ﴿٢٩﴾ [فصلت ٢٩] وهذه الحجة من باب قياس الأولى وهو أن السفل مذموم في المخلوق حيث جعل الله أعداءَهُ في أسفل سافلين وذلك مستقرٌ في فطر العباد حتى أن أتباع المضلين طلبوا أن يجعلوهم تحت أقدامهم ليكونوا من الأسفلين وإذا كان هذا مما ينزه عنه المخلوق ويوصف به المذموم المعيب من المخلوق فالربُّ تعالى أحق أن ينزهَ ويقدس عن أن يكون في السفل أو يكون موصوفًا بالسفل هو أو شيء منه أو يدخل ذلك في صفاته بوجه من الوجوه بل هو العلي الأعلى بكل وجه ولهذا يروى عن بشر المريسي أنه كان يقول في سجوده سبحان ربي

стр. 2691

الأسفل وكذلك بلغني عن طائفة من أهل زماننا أن منهم من يقول إن يونس عرج به إلى بطن الحوت كما عرج بمحمد إلى السماء وأنه قال لا تفضلوني على يونس وأراد هذا المعنى وقد بينا كذب هذا الحديث وبطلان التفسير في غير هذا الموضع

стр. 2692

وهذه الحجة التي احتج بها الأئمة أجود من حجة التناقض التي احتج بها أبو الحسن فإنه يرد على تلك الأسولة ما لم يرد على هذه حيث يمكن أن يقال هو يجمع بين ما يتناقض

стр. 2693

في حق غيره كما قيل لأبي سعيد الخراز بماذا عرفت ربك قال بالجمع بين النقيضين ثم تلا قوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٣﴾ وأما هذا القياس قياس الأول ووجوب تنزيه الرب عن كل نقص ينزه عنه غيره ويذم به سواه فهذا فطري ضروري متفق عليه ثم ذكر أحمد حجة أخرى عقلية قياسية قال وقلنا لهم أليس تعلمون أن إبليس مكانه مكان ومكان الشياطين مكانهم مكان فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد

стр. 2694

وهذا التنزيه عن مجامعة الخبيث النجس من الأحياء نظيرُ التنزيه عن مجامعة الخبيث النجس من الجمادات ولهذا نهي عن الصلاة في المواطن التي تسكنها الشياطين كالحمام والحش وأعطان الإبل ونحو ذلك وإن كان المكان ليس فيه من النجاسات الجامدة شيء بل أرواث الإبل طاهرة بل قد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح من غير وجه أنه ذكر أن الكلب

стр. 2695

يقطع الصلاة وخصَّه في الحديث الصحيح بالأسود وقال إنه شيطان لما سئل عن الفرق بين الأحمر والأبيض والأسود فقال الأسود شيطان وفي الصحيح عنه أنه قال إن الشيطان تفلت علي البارحة فأراد أن يقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فذعته ولهذا أمر النبي ﷺ بمقاتلة المار بين يدي المصلي وقال إن معه القرين فأما مرور

стр. 2696

الإنسي فقد قال ابن مسعود إنه يذهب بنصف اجر الصلاة وأما شيطان الجن فقد قال طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم إنه يقطع الصلاة إذا علم ذلك كما بقطعها الكلب الأسود البهيم الذي هو شيطان الدواب

стр. 2697

وأيضًا فالشيطان ملعون رجيم كما قال تعالى وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً ﴿١١٧﴾ لَّعَنَهُ اللهُ [النساء ١١٧-١١٨] وقد أخبر أن الشياطين ترجم بالشهب لئلا تسترق السمع من الملائكة فقال تعالى إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴿٦﴾ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ ﴿٧﴾ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ ﴿٨﴾ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ﴿٩﴾ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴿١٠﴾ [الصافات ٦-١٠] وقد أمر الله عباده بالاستعاذة من الشيطان فقد قال لكبيرهم في السماء اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿١٨﴾ [الأعراف ١٨] وقد قال النبي ﷺ لبعض عباد الله وهو عمر بن الخطاب ما رآك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك وقد أخبر الله في كتابه عن هرب الشيطان من

стр. 2698

الملائكة حيث قال وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٤٨﴾ [الأنفال ٤٨] فإذا كان ملعونًا مبعدًا مطرودًا عن أن يجتمع بملائكة الله أو يسمع منهم ما يتكلمون به من الوحي فمن المعلوم أن بعده عن الله أعظم وتنزه الله وتقديسه عن قرب الشياطين أولى فإذا كان كثير من الأمكنة مملوءًا وكان تعالى في كل مكان كان الشياطين قريبين منه غير مبعدين عنه ولا مطرودين بل كانوا متمكنين من سمع كلامه منه دع الملائكة وهذا مما يعلم بالاضطرار وجوب تنزه الله وتقديسه عنه أعظم من تنزيه الملائكة والأنبياء والصالحين وكلامه الذي يبلغه هؤلاء ومواضع عباداته فإن نفسه أحق بالتنزيه والتقديس من جميع هذه الأعيان

стр. 2699

المخلوقة ومن كلامه الذي يتلوه هؤلاء ثم أجاب الإمام أحمد عن حجتهم فقال وأما معنى قوله ﵎ وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام ٣] يقول هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش وقد أحاط بعلمه ما دون العرش ولا يخلو من علم الله مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان وكذلك قوله تعالى لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴿١٢﴾ [الطلاق ١٢] ثم ذكر الإمام أحمد حجة اعتبارية عقلية قياسية لإمكان ذلك هي من باب الأولى قال ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلاً كان في يده قدح من قوارير صاف وفيه شيء كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح فالله سبحانه له المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه

стр. 2700

من غير أن يكون في شيء من خلقه قلت وقد تقدم أن كل ما يثبت من صفات الكمال للخلق فالخالق أحق به وأولى فضرب أحمد ﵀ مثلاً وذكر قياسًا وهو أن العبد إذا أمكنه أن يحيط بصره بما في يده وقبضته من غير أن يكون داخلاً فيه ولا محايثًا له فالله سبحانه أولى باستحقاق ذلك واتصافه به وأحق بأن لا يكون ذلك ممتنعًا في حقه وذكر أحمد في ضمن هذا القياس لقول الله تعالى وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى مطابق لما ذكرناه من أن الله له قياس الأولى والأحرى بالمثل الأعلى إذ القياس الأولى والأحرى هو من المثل الأعلى وأما المثل المساوي أو الناقص فليس لله بحال ففي هذا الكلام الذي ذكره واستدلاله بهذه الآية تحقيق لما قدمناه من أن الأقيسة في باب صفات الله وهي أقيسة الأولى كما ذكره من هذا القياس فإن العبد إذا كان هذا الكمال ثابتًا له فالله الذي له المثل الأعلى أحق بذلك ثم ذكر قياسًا آخر فقال وخصلة أخرى لو أن رجلاً بنى دارًا بجميع مرافقها ثم أغلق بابها وخرج منها كان لا يخفى عليه كم بيت في داره وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار فالله سبحانه له المثل الأعلى قد
следующие страницы →