← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

القرطبي أنها الإسكندرية فإنها كثيرة العمد أيضا فهذا قد اشتبه على طائفة من العلماء مع أنه من الآيات المحكمات فإنه تعالى قال أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) [الفجر ٦-٧] وقد ذكر الله تعالى عاداً في موضع آخر وأنه أرسل إليهم هوداً وانه أنذر قومه بالأحقاف أحقاف الرمل وهذا كله مما علم بالتواتر أنه كان باليمن وقد صار مثل هذا يجعل أحد الأقوال في تفسير الآية مع أن الذين قالوه من علماء السلف قد يكونون أرادوا التمثيل وان دمشق والإسكندرية ذات عماد ليعرف معنى ذات العماد وإلا فلا يخفى على أدنى طلبة العلم أن عاداً كانوا باليمن وهذا كما روي عن حفصة في قوله تعالى وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [النحل ١١٢] أنها

стр. 4692

المدينة وهي جعلت المعنى موجوداً فيها وكذلك قالت طائفة من العلماء في قوله تعالى كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد ٤٣] وقوله تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ [الأحقاف ١٠] ونحو ذلك أنه عبد الله بن سلام أو هو ونحوه ممن أسلم بالمدينة وهذا مما أحكمه الله فإن هذه الآية نزلت بمكة قبل أن يعرف ابن سلام فضلاً عن أن يسلم ولأنه قال على مثله وأراد شهادة أهل الكتاب على مثل

стр. 4693

القرآن وهو شهادتهم بما تواتر عنهم من أن الرسل كانوا رجالاً وأنهم دعوا إلى التوحيد وأخبروا بالمعاد فإن المشركين كانوا ينازعون في هذا وهذا وأهل الكتاب ينقلون بالتواتر عن الرسل المتقدمين ما يصدق محمداً ﷺ ويكذب المشركين وهذا غير الشهادة المختصة بمحمد ﷺ وقد ظن طائفة أن العرش هو الملك مع أن الله تعالى قد أحكم ذلك وبين العرش وأنه مغاير للسموات والأرض في غير موضع كقوله تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود ٧] وقوله قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) [المؤمنون ٨٦] بعد قوله تعالى قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا [المؤمنون ٨٤] وقوله تعالى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [غافر ٧] وقوله تعالى وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الزمر ٧٥] ووصف العرش بأنه عظيم وأنه كريم وأنه مجيد إلى أمثال ذلك من الدلائل المبينة للمراد وأنه ليس هو الملك

стр. 4694

وطائفة اشتبه عليها ففسروا الكرسي بالعلم مع أن هذا لا يعرف في اللغة البتة والله أحاط بكل شيء علما فلا يختص علمه بالسموات والأرض والمقصود بيان عظمة الرب سبحانه وهو بكل شيء عليم ويعلم ما كان وما يكون فليس في تخصيص علمه بالسموات والأرض مدح ولا لهذا نظير في القرآن فالرب لا يذكر اختصاص علمه بذلك قط وهذا وإن كان من رواية جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فالثابت عن ابن عباس من رواية الثوري عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير خلاف هذا

стр. 4695

وقال الكرسي موضع القدمين وتنازع الناس في الكرسي هل هو العرش أو دون العرش

стр. 4696

أقرب من هذا فإن هذا له اتساع في اللغة وأما تسمية العلم كرسيّا فهذا لا يعرف في اللغة ولكن بعضهم تكلف له من قولهم كراس والكرَّاس غير الكرسي فإن قُدِّر أن يسمى الكرسي كرّاساً فهو الكتاب فيكون التقدير وسع كتابه السموات والأرض وهذا أبعد من لفظ العلم فإن كتابه ما فرط فيه من شيء وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) [يس ١٢] و الاشتباه الإضافي ليس له ضابط أصلاً فهو من جنس الاعتقادات الفاسدة والخواطر البالية كما قال النبي ﷺ لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله وقال الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا فيقول الله فيقول من خلق كذا فيقول الله حتى يقول من خلق

стр. 4697

الله فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنت بالله وحده أو قال فليستعذ بالله وينته في حديث آخر قال النبي ﷺ لا يزال الناس يسألونكم حتى يقولوا الله خلق كل شيء فمن خلق الله قال أبو هريرة قد سألني اثنان وهذا الثالث وكذلك اشتباه معنى الكلام فقد ذهبت الملاحدة الإسماعيلية ونحوهم إلى تأويل الصلاة والصيام والحج

стр. 4698

بأن الصلاة معرفة أسرارهم والصيام كتمان أسرارهم والحج هو السفر إلى شيوخهم المقدسين وهذا وإن كان بعضهم يعلم أنه متعمد للكذب في ذلك فكثير من عوامهم راج ذبك عليهم وظنوه حقًّا وانه من العلوم الباطنة المكتومة التي لا يعرفها إلا الخواص وان هذا من المحكم ومعلوم أن قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران ٩٧] وقوله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا [البقرة ١٥٨] هو البيت الذي بمكة وان الحج هو الحج المعروف وكذلك الصيام قد بين أنه صوم شهر رمضان وشهر رمضان هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وصيامه الصيام المعروف وعند طائفة كبيرة من النصيرية أن رمضان اسم لعدد من شيوخهم وهم يعتقدون ذلك وطائفة ظنت قوله تعالى وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) [الطور ٤٤] هو شخص من الغلاة زعم أنه

стр. 4699

ينزل من السماء وآخرون ظنوا أن قوله تعالى وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [النمل ٨٢] أن الدابة اسم لعالم ينطق بالحكمة وادعى ذلك غير واحد وطائفة ظنوا أن موسى والسحرة صدّقوا فرعون في قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) [النازعات ٢٤] وأن موسى رضي بعبادة العجل وأقرهم على ذلك وأنكر على هارون كونه أنكر عليهم وقالوا إن قوله تعالى مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا

стр. 4700

نَارًا [نوح ٢٥] أن خطاياهم خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وأن أهل النار لا يتألمون في النار بل العذاب مشتق من العذوبة فيجدونه عذباً وإن عاداً لما جاءتهم الريح التي فيها العذاب أحسنوا ظنهم فكان فيها روحهم وفيها ما يستعذبونه وأن قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) [البقرة ٦] المراد به خواص أولياء الله الذين أسروا علم الحقيقة فسواء عليهم أأنذرتهم بالشريعة أم لم تنذرهم لا يؤمنون بها لأنهم قد عرفوا الحقيقة فلم يقبلوا ما يخالفها وهذه التفاسير وأعظم منها موجودة في كتبٍ يُعظَّمُ مصنفوها ويُجعلون أفضل من الأنبياء ويجعلون معرفة هذه التأويلات للقرآن هي من خواص علم أولياء الله تعالى ومعلوم أن الآيات التي اشتبهت عليهم قد أحكمها الله غاية الإحكام وبين مراده الذي عرفه الخاص والعام قال تعالى فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) [الحج ٤٦] وقال أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ

стр. 4701

وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣) [الجاثية ٢٣] وقال وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام ١١١] وكذلك طائفة تأولت الشمس والقمر والكواكب بأن المراد بها ما بيّنه بعض الفلاسفة من العقل والنفس وطائفة تأولت جبريل بأنه خيال يكون في نفس النبي ﷺ مع أن الله تعالى يقول إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) ثم قال وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) [التكوير ١٩-٢٣] فأخبر أنه ذو قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وقال إن الرسول رآه بالأفق المبين وقال في الآية الأخرى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)

стр. 4702

[النجم ٥-٩] إلى قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) [النجم ١٣-١٨] فهذا الخبر فيه من الإحكام والإتقان والبيان الذي يمنع أن يكون جبريل في باطن النبي ما يطول وصفه وهذا ظن كثير من الفلاسفة ومن دخل معهم ممن يدعي التحقيق والمكاشفة من الصوفية ويدعي أنه أعلم من الأنبياء ومن هؤلاء من يظن أن فرعون مات على الإيمان وأنه لا يعذب في الآخرة ومنهم من يقول إن غرقه كان ليغتسل غسل الإسلام ويحتجون بقوله تعالى فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود ٩٨] قالوا فأوردهم وما دخل وهذه الآية اشتبهت على هؤلاء وعلى غيرهم حتى إنه لما ذهبنا إلى مصر وكان في شيوخهم من يقول هذا وصار لهم جاه سأل بعض ولاة الأمر لمن هو قاضي القضاة عن ذلك فقال ما في القرآن ما يدل على أنه كافراً

стр. 4703

ومعلوم أن دخول فرعون النار معلوم بالاضطرار من دين المسلمين واليهود والنصارى والقرآن مملوء من الدلالات على ذلك نحوٍ من أربعين موضعا يبين عذابه في الدنيا والآخرة وأيضاً قوله فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود ٩٨] يدل على ذلك وأيضا فإنه قال يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ [هود ٩٨] وإذا كان هو قادمهم فما دخلوا حتى دخل قبلهم ولو قُدّر أن هذه الآية لم تدل فقد دل غيرها ومما اشتبه عليهم أنه قال أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ [غافر ٤٦] قالوا وفرعون ليس هو من آل فرعون وهذا الاشتباه من جهلهم بلسان العرب لا من عدم إحكام آيات الله تعالى بل قد أحكمها وقول القائل آل فلان يتناول نفسه ومن يؤول إليه كقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) [آل عمران ٣٣] وقوله تعالى فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) [الحجر ٦١-٦٢] وقوله تعالى إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) [القمر ٣٤-٣٥] وقوله

стр. 4704

تعالى إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ [الحجر ٥٨-٦٠] فلوط نفسه داخل في آل لوط وكذلك قول المصلي اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وهذا اللفظ في الصحيحين وهو أصح من غيره

стр. 4705

وقوله ﷺ للحسن إن الصدقة لا تحل لآل محمد وقول عبد الله بن أبي أوفى كان القوم إذا أتوا النبي ﷺ بصدقتهم دعا لهم وإن أبي أتله بصدقته فقال اللهم صلِّ على

стр. 4706

آل أبي أوفى وذلك أن الآل ما يؤول إلى الشخص ولا يضاف هذا الاسم إلا إلى معظم يكون آيلاً وسائسا لغيره

стр. 4707

وأول من يؤول إلى الشخص هو نفسه وقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال ٤١] ومعلوم أن الغنيمة ما أخذ من الكفار بالقتال ومكاسب المسلمين بالتجارة والصناعة لا تسمى غنيمة ولا كان النبي ﷺ ولا أحد من خلفائه يأخذون خمس مكاسب المسلمين وقد ظن بعضهم أنها غنيمة وخمسها وخص بالخمس طائفة معينة وهذا باب واسع وإذا عرف أن الاشتباه الإضافي قد يحصل لبعض الناس فالكلام وإن كان في غاية البيان والإحكام كان كل آية وإن كانت محكمة مبينة قد تشتبه على بعض الناس وعلى هذا فيكون قوله تعالى مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران ٧] أن الآيات المحكمات لا تشتبه على أولئك بل هي أصل الكتاب الذي عرفوه بل اشتباه وأخر متشابهات عليهم كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي في المسند وغيره إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً ولكن نزل يصدق بعضه بعضاً فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتهم به فكلوه إلى عالمه

стр. 4708

فما علم الإنسان كان عليه أن يتبعه ويأتم به فهو في حقه إمام يأتم به وما جهل منه كالذي يشتبه عليه ولا يعرف معناه فإنه يكله إلى عالمه كما في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال أيها الناس من علم علماً فليقل به ومن لم يعلمه فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم الله أعلم وإن الله تعالى قال لنبيه قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) [ص ٨٦] وهذا

стр. 4709

التشابه لا ينفي تشابه بعض الآيات في أنفسها فلفظ إنّا ونحن فيه اشتباه لكن ذاك التشابه مقرون بالإحكام فإن الله تعالى قد أحكم ذلك وبينه قلم يكن كرر لفظاً مما يشبه لفظاً مع اختلاف تعيينهما إلا وقد بين مراده وأحكمه بحيث صار بيناً محكماً مع ما فيه من الاشتباه وذلك الاشتباه لا يمنع كونه مبيناً محكماً وإن كان الراسخون في العلم يعلمون معناه وتفسيره دون غيرهم وهذا هو التشابه المعين وأما التشابه المطلق فهذا عارض لبعض الناس لنقص

стр. 4710

فهمهم وعلمهم والذين في قلوبهم مرض يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ولو كانوا أصحاء لابتغوا ما تبين لهم ولم يكن فيه اشتباه فعلموا به وما اشتبه عليهم إن أمكنهم أن يردوه إلى المبين لهم وإلا قالوا الله تعالى أعلم وهذا معنى قولهم يعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه فإن الآيات الخبرية تتضمن عملاً محبة لله وخوفاً منه وتوكلا عليه ورجاء رحمته وخوفاً من عذابه واعتباراً بما مضى وغير ذلك من أنواع العمل وكلا النوعين التشابه العارض لبعض الناس والمعين لا يتصور أن يخلو منهما خطاب ولو كان في غاية البيان والفصاحة فلا خطاب أبين وأفصح من القرآن ولكن هذا من ضرورة نقص بني آدم فإنه ليس كل أحد يمكنه فهم كل كلام بل سبحان من يسر القرآن للذكر كما يسره للحفظ فيسر حفظه وفهمه أعظم مما يقع في نظائره وإلا فالكتابان المتقدمان التوراة والإنجيل لا يحفظان ولا يفهمان عشر عشر حفظ القرآن وفهمه وما صنفته الناس من العلوم أقل حفظاً وفهما من الكتب المنزلة فإن العناية بها أعظم وحرمتها في القلوب أعظم

стр. 4711

وبهذا يحصل الجواب عن قول من قال لِمَ نُزِّلَ المتشابه وهذا التشابه الناشئ من نقص المستمع ونقص فهمه وعلمه وبه يحصل الجواب على ما ذكره الرازي من تقسيم المحكم والمتشابه فإنه ذكر أن كل طائفة تجعل ما تذهب إليه محكماً وما يذهب إليه مخالفوها متشابهاً ثم جعل هو المتشابه ما خالف الدليل العقلي والمحكم ما لم يخالف الدليل العقلي فجعل الإحكام هو عدم المعارض العقلي لا صفة في الخطاب وكونه في نفسه قد أحكم وبُيِّن وفُصِّل مع أن المعارض العقلي لا يمكن الجزم بنفيه إذا جُوّز وقوعه في الجملة لا يخرجه عن كونه متشابهاً ولهذا استقر أمره على أن جميع الأدلة السمعية القولية متشابهة لا يحتج بشيء منها في العلميات فلم يبق على قوله لهذه الآية مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران ٧] معنى بحيث يرد التشابه إليها ولكن المردود إليه هو العقلي فما وافقه أو لم يخالفه فهو

стр. 4712

المحكم وما خالفه فهو المتشابه وهذا من أعظم الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته ولهذا استقر قوله في هذا الكتاب على رأي الملاحدة الذين يقولون إنه أخبر العوام بما يعلم أنه باطل لكون عقولهم لا تقبل الحق فخاطبهم بالتجسيم مع علمه أنه باطل وهذا مما احتج به الملاحدة على هؤلاء في المعاد وقالوا خاطبهم أيضا بالمعاد كما خاطبهم بالتجسيم وهؤلاء جعلوا الفرق أن المعاد علم بالاضطرار من دين الرسول وبسط الكلام على ذلك له موضع آخر

стр. 4713

فصل قال الرازي وأما في عرف العلماء فاعلم أن الناس قد أكثروا في تفسير المحكم والمتشابه وكتب من تقدمنا مشتملة عليهما والذي عندي فيه أن اللفظ الذي جعل موضوعا لمعنى إما أن يكون محتملاً لغير ذلك المعنى أو لا يكون فإن كان موضوعاً لمعنى ولم يكن محتملاً لغيره فهو النص وإن كان محتملاً لغيره ذلك المعنى فإما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر وإما أن لا يكون بل يكون احتماله لهما على السوية فإن كان احتماله لأحدهما راجحاً على احتماله للآخر كان ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهراً وبالنسبة إلى المرجوح مؤولاً وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معاً مشتركاً وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملاً

стр. 4714

فخرج من هذا التقسيم أن اللفظ إما أن يكون نصًّا أو ظاهراً أو مجملاً أو مؤولاً فالنص والظاهر يشتركان في حصول الترجيح إلا أن النص راجح مانع من النقيض والظاهر راجح غير مانع من النقيض فهذا القدر هو المسمى بالمحكم وأما المجمل والمؤول فهما يشتركان في أن دلالة اللفظ غير راجحة إلا أن المجمل لا رجحان فيه بالنسبة إلى الطرف الآخر والقدر المشترك وهو عدم الرجحان بالنسبة إليه هو المسمى بالمتشابه لأن عدم الفهم حاصل فيه هذا الكلام عليه استدراكات كثيرة أحدها أنه مناقض لما فسّر به المحكم والمتشابه عقيب هذا الفصل فإنه ذكر في الفصل الذي بعده أن المتشابه

стр. 4715

ما عارضه الدليل العقلي القاطع وما لم يعارضه دليل قاطع عقلي فهو المحكم وقال لا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح إلا عند قيام الدليل القاطع أن ظاهره محال ممتنع وإذا كان كذلك فما عارضه الدليل العقلي وجب تأويله وإن قيل هو نص أو ظاهر لاسيما وهو يقول الأدلة اللفظية ليس فيها قاطع فلا نص عنده ويكون عنده متشابهاً من القسم المؤول وما لم يعارضه عقلي فهو محكم يكون إما نصًّا وإما ظاهراً وحينئذ فالمجمل الذي يحتمل المعنيين على السواء هو لا يدل على أحدهما بعينه فلا يتصور أن يعارضه العقل فيكون محكماً وقد جعله هنا من المتشابه والاحتمال المرجوح إن لم يوافقه العقلي القاطع لم يجز حمل اللفظ عليه وإن خالف أدلة سمعية أقوى منه مع كونه مرجوحاً والظاهر بضد ما ذكره هناك لا نص ولا مجمل بل إما ظاهراً وإما مؤولاً وهذا يناقض تقسيمه إلى

стр. 4716

الأربعة الثاني أن تفسيره المحكم بالنص والظاهر والمتشابه بالمجمل والمؤول معروف م قول طائفة من أهل العلم وقد ذكره القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وأنه قال المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان والمتشابه ما احتاج إلى بيان فليس تفسيره بذلك مما اختص به لكن هو يتناقض بخلاف أولئك الثالث أنه جعل مورد التقسيم اللفظ الموضوع لمعنى إما أن يحتمل غيره أو لا يحتمل ومعلوم أن اللفظ قد يكون محتملاً في الوضع مثل أن لفظاً مشتركاً مختصًّا كلفظ سهيل والثريا إذا أريد بهما الكوكبان والزوجان من قول الشاعر

стр. 4717

أيها المنكح الثريا سهيلاً فإن سهيلاً كثيراً ما يسمى به الرجل والثريا تسمى به المرأة وكذلك من أسماء الأعلام كلاب ومرة وكعب ولؤي وأمثال ذلك من الأعلام المنقولة وهذه مشتركة بين ما سميت به وبين ما نقلت منه وهو اشتراك لاختلاف الوضع ومثل هذا الاشتراك لا ينكره عاقل مع احتماله في الوضع

стр. 4718

فالمستعمل له إما مستعملاً بقرينة لفظية تبين المراد مثل قولنا سهيل بن عمرو وكلاب بن مرة فإن هذا الرجل لا يحتمل الكوكب ولا الكلاب جمع كلب وقوله الثريا كواكب صغار وسهيل هو الكوكب الذي يطلع في الشمال قريباً من القطب الجنوبي نص في الكوكب لا يحتمل إلا معنى واحداً وكذلك سائر الألفاظ فيجب الفرق بين الاحتمال في نفس الوضع وبين الاحتمال في نفس استعمال المتكلم ودلالة المخاطب على المعنى المراد وفهم المخاطب واستدلاله على المراد وحكمه إياه على المراد والمقصود من

стр. 4719

الكلام هو الدلالة في الاستعمال وإذا قدر وضع متقدم فهو وسيلة إلى ذلك وتقدمة له وحينئذ فاللفظ لا يكون غير نص ولا ظاهر لكونه في الوضع محتملاً لمعنيين وهو في الاستعمال نص في أحدهما فتبين أن ما ذكره من الأسماء والأحكام مما ذكره في الأقسام ليس كما ذكره فإنه جعل كل ما كان موضوعاً لمعنى محتمل بغيره ليس بنص والموضوع لمعنيين على سبيل البدل وهو المشترك بنص مع أنه في عامة الكلام يكون نصًّا في المراد لا يحتمل غيره كقوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران ١١٠] وقوله تعالى إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام ٣٨] وقوله تعالى كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد ٣٠] وقوله تعالى تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ [البقرة ١٣٤] وقول النبي ﷺ لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم وأمثال هذه الكلمات فيها لفظ الأمة نص في

стр. 4720

الصنف من الناس أو من الدواب وإن كان لفظ الأمة يراد به الملة والقدوة الذي يؤتم به ويعلم الخير

стр. 4721

في مثل قوله تعالى وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون ٥٢] وقوله تعالى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا [النحل ١٢٠] فاللفظ في الوضع يحتمل أكثر من

стр. 4722

معنى واحد ولكن لما ذكر في الكلام المؤلف كان اقترانه بما ذكر معه يوجب أن يكون نصًّا لا يحتمل إلا معنى واحداً وكذلك لفظ الإمام في مثل قوله تعالى وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) [الحجر ٧٤-٧٩] وهذا نص في أن الإمام المبين هو الطريق الواضح كما قال جمهور أهل العلم قال ابن قتيبة قيل للطريق إمام لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده وقد قال ابن الأنباري وإنما أي لوطاً وشعيباً لبطريق من الحق يؤتم به وقيل وإنهما لفي كتاب مبين وهذان القولان وإن كان كل شيء على طريق مستقيم وكل شيء أحصاه الله في الإمام المبين وهو اللوح

стр. 4723

المحفوظ لكن هذان القولان في تفسير هذه الآية إما مرجوحان وإما باطلان وبكل حال فاللفظ لا يحتمل الإمام من الناس بخلاف قوله تعالى لإبراهيم إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة ١٢٤] وقوله تعالى وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [الأنبياء ٧٣] ونحو ذلك فإنه نص في ذلك لا يحتمل غيره ومثل هذا كثير يكون اللفظ إذ جرد محتملاً لمعان فإذا أكد ونطق به مع غيره يعين بعض تلك المعاني فلم يحتمل غيره فهذا نص وإن كان موضوعاً لمعنى الوجه الرابع أن يقال الكلام إما أن يدل بمجرده وهو الذي تسميه حقيقة وإما أن لا يدل إلا مع القرينة وهو المسمى المجاز وهذا لا يكون المتكلم به مريداً لمعناه إلا مع القرينة وحينئذ فاللفظ في الحال الأول لا يحتمل إلا الحقيقة وفي الثانية لا يحتمل إلا المجاز فما بقي لفظ مستعمل يحتمل معنيين في نفس الأمر الوجه الخامس قوله إن اللفظ إذا احتمل معنيين كان بالنسبة إلى كل منهما مجملاً وبالنسبة إليهما مشتركاً وحصر

стр. 4724

الألفاظ في النص والظاهر والمجمل والمؤول فيقال له المجمل قد لا يكون مشتركاً بين معنيين بل يكون عديم الدلالة على أحدهما لقوله تعالى وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام ١٤١] وقوله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة ١٠٣] وقوله تعالى ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج ٧٧] وقوله تعالى وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) [الحج ٢٩] وقوله تعالى فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة ١٩٦] فإن لفظ السجود ليس مشتركاً بين واحدة وبين ثنتين وثلاث وأربع ولا لفظ الطواف مشتركاً بين أعداد معينة ولا لفظ الفدية مشتركاً في الصيام بين أيام معينة بل هذه الألفاظ لا تدل بمجردها على شيء معين من المقادير فهي مجملة فلما قال الرسول ﷺ إن السجود سجدتان والطواف سبع والفدية من الصيام صيام ثلاثة أيام ونحو ذلك كان هذا تفسيراً لمجمل القرآن باتفاق العقلاء مع أن المجمل ليس بمشترك الوجه السادس قوله إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر وإما أن لا يكون بل هو يحتملهما على السوية

стр. 4725

فيقال له هذا التساوي والترجيح متى يكون إما أن يكون في الوضع وإما أن يكون في الاستعمال فأما كونه في الوضع فلو كان حقًّا لم يقترن به شيء إذ المقصود دلالة اللفظ على المعنى وهذا إنما يكون باستعماله فيه لا بمجرد وضع متقدم فكيف وتقدير وضع غير الاستعمال مما لم يقم عليه دليل وأيضاً فالوضع لكل منهما إما أن يكون مع التجريد وإما أن يكون مع التقييد والأول ممتنع إلا من واضعين وحينئذ فالمخاطب إن كان قد عرف منه أنه لا يتكلم إلا بوضعه الذي هو لغته وعادته فإنه لا يحتمل إلا ذلك المعنى وإن كان يتكلم بهذا تارة وبهذا تارة صار من القسم الثاني وهو أنه لا يكون موضعاً لأحدهم إلا مع التقييد المعين له ومع التقييد لا يدل على غيره فلم يبق للفظ المستعمل حال

стр. 4726

يحتمل فيها معنيين على السواء الوجه السابع أن احتمال المعنيين إما أن يكون بالنسبة إلى عناية المتكلم وإرادته وإما أن يكون بالنسبة إلى فهم المستمع وتصوره والأول باطل فإن المتكلم الذي عنى باللفظ معنى لا يكون ذلك المعنى وغيره بالنسبة إليه سواء بل ولا يحتمل اللفظ بالنسبة إليه إلا ما عناه وأراده به لا يحتمل غير ذلك وإن كان بالنسبة إلى المستمع فهذا قد يكون لقصوره وعجزه ونقصه عن فهم اللفظ وأما إن اقترن به ما يدل على مراد المتكلم فلا يكون كلام المتكلم يحتمل معنيين لا على التساوي ولا على الترجيح وإذا كان كذلك فهذا ممكن بل واقع في جميع الألفاظ وكل خطاب قد يكون المستمع لنقصه لم يفهم المراد بل هو وغيره محتمل على السواء أو أحدهما راجحاً وعلى هذا فبقي كونه نصًّا

стр. 4727

وظاهراً ومجملاً ومؤولاً بالنسبة إلى شخص دون شخص فمن عرف المراد جازماً به لا يحتمل غيره عنده فهو عنده نص ومن ظهر له معنى وجوَّز غيره فهو عنده ظاهر ومن كان هو وغيره عنده سواء في الاحتمال فهو مجمل عنده ومن كان المراد عنده هو الاحتمال المرجوح فهو عنده مؤول فهذه تقسيمات بالنسبة إلى فهم المستمعين ليس تقسيمات للفظ بالنسبة إلى عناية المتكلم ولا دلالة المستمع وعلى هذا فكل كلام عنى به صاحبه معنى صحيحاً ودل عليه فهو محكم وإن كان متشابهاً عند من لم يعرف دلالته ولا يكون هذا التقسيم صفة لازمة للكلام بل يجب أن يكون بعضه لا يكون إلا محكماً وبعضه لا يكون إلا متشابهاً الوجه الثامن أنه إذا كان المتشابه هو المجمل والمشترك وكلاهما لا يفهم منه المراد ولا يدل عليه لم يكن واحد منهما بياناً ولا هدى ولا مبيناً ولا يعلم أنه المراد وقد

стр. 4728

تقدم أن الله تعالى وصف القرآن بأنه هدى وبيان ومبين ونحو ذلك من الأسماء فدل على أنه ليس فيه هذا الذي جعله متشابهاً وهو المجمل والمشترك والمؤول بخلاف المجمل الذي يدل على جنس الحكم دون قدره أو وصفه فإن ذلك دل على ما أريد به فهو هدى وبيان له ولكن ثم أمور أخرى لم يدل عليها وليس كل لفظ يدل على كل شيء بخلاف المشترك الذي لا يدل على المراد فإنه لا يحصل به هدى وبيان وما ذكر يدل على أنه ليس في القرآن لفظ يحتمل معنيين على السواء لم يبين المراد به ولا لفظ يحتمل المراد به احتمالا مرجوحاً ولم يبين المراد به بل لابد أن يقترن به ما يبين المراد فيصير المراد هو الذي يدل عليه اللفظ مع تلك القرينة ولا يكون حينئذ مرجوحاً بل ظاهراً أو مقطوعاً به

стр. 4729

فإن قيل القرينة هي الدليل العقلي الدال على امتناع إرادة المعنى الباطل قيل أولاً هذا لا يدل على معنى اللفظ المراد به وإنما دل إن دل على امتناع إرادة معنى آخر والدلالة على نفي غير المراد ليست هي الدلالة على المراد فقد يعلم بأدلة عقلية وسمعية انه لم يرد معنيين وإن لم يعلم مراده واللفظ الذي تكلم به لابد أن يدل على المراد إما بمجرده وإما مع القرينة فإن لم يدل لم يكن من الكلام المستعمل إذ لابد من مغنى أريد به وحينئذ فإذا كان المجمل والمتشابه كلاهما لا يدل على المراد ولا يفهم منه لم يكونا من أقسام الكلام ولاسيما ولهم قولان أحدهما أن معنى المتشابه غير معلوم فلا يكون اللفظ قد دل على المراد والثاني أنه يحتمل أموراً متعددة ولا يجزم بواحد منها والمراد على هذا التقدير غير معلوم فدل على أنه لم يدل القرآن على مراد الرب لا بنفسه ولا مع قرينة وهذا القول من جنس قول من يقول لا معنى له أو له معنى لا يمكن العلم به وقد عرف فساد هذا وهو من جنس أقوال الملحدين

стр. 4730

لا المؤمنين الموحدين وهؤلاء وإن قالوا إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله فهم عند أنفسهم ليسوا من الراسخين في العلم لا يعلمون المراد ولا يجزمون به بل إما أن لا يعلموه ولا يظنوه وإما أن يظنوه أحد معانٍ متعددة وليس ذلك علماً به ولا ظنًّا بعينه وغايتهم أن يعينوا معنى يظنونه ويرجحونه أو لا يعرفون غيره وهذا ظن ليس بعلم فعلى كل تقدير لم يعلموا تأويله فلم يكونوا من الراسخين وكيف يكونون من الراسخين والراسخ الثابت يقال رسخ رسوخاً إذا ثبت وهذه صفة من يثبته الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وهؤلاء أهل شك وريب واضطراب
следующие страницы →