Полный текст (4 879 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
يحتمل فيها معنيين على السواء الوجه السابع أن احتمال المعنيين إما أن يكون بالنسبة إلى عناية المتكلم وإرادته وإما أن يكون بالنسبة إلى فهم المستمع وتصوره والأول باطل فإن المتكلم الذي عنى باللفظ معنى لا يكون ذلك المعنى وغيره بالنسبة إليه سواء بل ولا يحتمل اللفظ بالنسبة إليه إلا ما عناه وأراده به لا يحتمل غير ذلك وإن كان بالنسبة إلى المستمع فهذا قد يكون لقصوره وعجزه ونقصه عن فهم اللفظ وأما إن اقترن به ما يدل على مراد المتكلم فلا يكون كلام المتكلم يحتمل معنيين لا على التساوي ولا على الترجيح وإذا كان كذلك فهذا ممكن بل واقع في جميع الألفاظ وكل خطاب قد يكون المستمع لنقصه لم يفهم المراد بل هو وغيره محتمل على السواء أو أحدهما راجحاً وعلى هذا فبقي كونه نصًّا
стр. 4727
وظاهراً ومجملاً ومؤولاً بالنسبة إلى شخص دون شخص فمن عرف المراد جازماً به لا يحتمل غيره عنده فهو عنده نص ومن ظهر له معنى وجوَّز غيره فهو عنده ظاهر ومن كان هو وغيره عنده سواء في الاحتمال فهو مجمل عنده ومن كان المراد عنده هو الاحتمال المرجوح فهو عنده مؤول فهذه تقسيمات بالنسبة إلى فهم المستمعين ليس تقسيمات للفظ بالنسبة إلى عناية المتكلم ولا دلالة المستمع وعلى هذا فكل كلام عنى به صاحبه معنى صحيحاً ودل عليه فهو محكم وإن كان متشابهاً عند من لم يعرف دلالته ولا يكون هذا التقسيم صفة لازمة للكلام بل يجب أن يكون بعضه لا يكون إلا محكماً وبعضه لا يكون إلا متشابهاً الوجه الثامن أنه إذا كان المتشابه هو المجمل والمشترك وكلاهما لا يفهم منه المراد ولا يدل عليه لم يكن واحد منهما بياناً ولا هدى ولا مبيناً ولا يعلم أنه المراد وقد
стр. 4728
تقدم أن الله تعالى وصف القرآن بأنه هدى وبيان ومبين ونحو ذلك من الأسماء فدل على أنه ليس فيه هذا الذي جعله متشابهاً وهو المجمل والمشترك والمؤول بخلاف المجمل الذي يدل على جنس الحكم دون قدره أو وصفه فإن ذلك دل على ما أريد به فهو هدى وبيان له ولكن ثم أمور أخرى لم يدل عليها وليس كل لفظ يدل على كل شيء بخلاف المشترك الذي لا يدل على المراد فإنه لا يحصل به هدى وبيان وما ذكر يدل على أنه ليس في القرآن لفظ يحتمل معنيين على السواء لم يبين المراد به ولا لفظ يحتمل المراد به احتمالا مرجوحاً ولم يبين المراد به بل لابد أن يقترن به ما يبين المراد فيصير المراد هو الذي يدل عليه اللفظ مع تلك القرينة ولا يكون حينئذ مرجوحاً بل ظاهراً أو مقطوعاً به
стр. 4729
فإن قيل القرينة هي الدليل العقلي الدال على امتناع إرادة المعنى الباطل قيل أولاً هذا لا يدل على معنى اللفظ المراد به وإنما دل إن دل على امتناع إرادة معنى آخر والدلالة على نفي غير المراد ليست هي الدلالة على المراد فقد يعلم بأدلة عقلية وسمعية انه لم يرد معنيين وإن لم يعلم مراده واللفظ الذي تكلم به لابد أن يدل على المراد إما بمجرده وإما مع القرينة فإن لم يدل لم يكن من الكلام المستعمل إذ لابد من مغنى أريد به وحينئذ فإذا كان المجمل والمتشابه كلاهما لا يدل على المراد ولا يفهم منه لم يكونا من أقسام الكلام ولاسيما ولهم قولان أحدهما أن معنى المتشابه غير معلوم فلا يكون اللفظ قد دل على المراد والثاني أنه يحتمل أموراً متعددة ولا يجزم بواحد منها والمراد على هذا التقدير غير معلوم فدل على أنه لم يدل القرآن على مراد الرب لا بنفسه ولا مع قرينة وهذا القول من جنس قول من يقول لا معنى له أو له معنى لا يمكن العلم به وقد عرف فساد هذا وهو من جنس أقوال الملحدين
стр. 4730
لا المؤمنين الموحدين وهؤلاء وإن قالوا إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله فهم عند أنفسهم ليسوا من الراسخين في العلم لا يعلمون المراد ولا يجزمون به بل إما أن لا يعلموه ولا يظنوه وإما أن يظنوه أحد معانٍ متعددة وليس ذلك علماً به ولا ظنًّا بعينه وغايتهم أن يعينوا معنى يظنونه ويرجحونه أو لا يعرفون غيره وهذا ظن ليس بعلم فعلى كل تقدير لم يعلموا تأويله فلم يكونوا من الراسخين وكيف يكونون من الراسخين والراسخ الثابت يقال رسخ رسوخاً إذا ثبت وهذه صفة من يثبته الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وهؤلاء أهل شك وريب واضطراب
стр. 4731
لا أصحاب رسوخ وثبات ويقين بل قد يدعون اليقين بنقيض وليس عندهم فيه إلا الشك والحيرة أعظم من حيرتهم في معاني القرآن كما صرحوا بذلك وكما هو مبسوط في موضعه الوجه التاسع أنه إذا كان المجمل والمؤول كل منهما لم يدل على المراد ولم يفهم منه المراد بل هما مشتركان في عدم الفهم للقدر المشترك وهو هذا العدم تشابها فيقال له لا تشابه هنا إلا التشابه الإضافي وهو كون المستمع اشتبه الأمر عليه فلم يعرف المراد لا أن هنا لفظين تشابها وإنما يكون اللفظان المتشابهان إذا كان اللفظ يستعمل تارة في معنى وتارة في معنى آخر وإن كان مع القرينة فهذا تشابه فيكون القدر المشترك هو أن اللفظ يستعمل في المراد وفي غير المراد الذي لم يظهر منه المراد ليس القدر المشترك عدم الرجحان وهو المسمى بالمتشابه بل التشابه أمر ثبوتي وهو كون كل منهما يستعمل في المراد وفي غير المراد فقد اشتبه
стр. 4732
دلالته على المراد بدلالته على غير المراد لا أن هذا العدم هو الاشتباه وقد قيل أو قاله في موضع آخر إن ذلك يسمى متشابهاً إما بأن الذي لا يعلم يكون النفي عنده مشابهاً للإثبات في الذهن وإما لأجل أن الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم فأطلق لفظ التشابه على ما لم يعلم إطلاقاً لاسم السبب على المسبب فيقال النفي لا يشتبه بالإثبات إلا لاشتباه دليل هذا بدليل هذا وإذا عدم دليل كل منهما حصل في النفس شك والاشتباه أخص من الشك فليس كل من شك يكون هناك ما اشتبه عليه وإنما يكون الاشتباه إذا وجد ما بينهما تشابه وكذلك عدم العلم لا يسمى عدم كل علم تشابهاً ومن لم يتصور المسألة ولم يعرفها هو جاهل بها ولا يقال اشتبه عليه ومن لم يسمع الكلام لم يعرف مراد المتكلم ودلالة الكلام ولا يقال اشتبه عليه فإن الاشتباه أخص وإنما يكون الاشتباه عند وجود قدر مشترك حصل بسببه الاشتباه كمن رأى شيئاً من بعيد واشتبه عليه هل هو حيوان أو غيره ومن رأي شيئاً في السماء واشتبه عليه هل هو الهلال أو غيره وأمثال ذلك والله تعالى أعلم
стр. 4733
فصب قال الرازي واعلم أن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية فهو هنا يتوقف الذهن مثل القرء بالنسبة إلى الحيض والطهر وإنما الصعب المشكل أن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحاً في أحد المفهومين ومرجوحا في الآخر ثم إن الراجح يكون باطلاً والمرجوح حقًّا مثاله في القرآن قوله تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء ١٦] فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا ومحكمه قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف ٢٨] ردًّا على الكفار فيما حكى عنهم وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا
стр. 4734
[الأعراف ٢٨] وكذلك قوله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة ٦٧] قال وظاهر النسيان ما كان ضد العلم ومرجوحه الترك في قوله تعالى فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر ١٩] ومحكمه قوله تعالى وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) [مريم ٦٤] وقوله تعالى لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) [طه ٥٢] قال فهذا تلخيص الكلام في تفسير المحكم والمتشابه وبالله التوفيق وعلى هذا استدراكات أحدها قوله إن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية فهنا يتوقف الذهن فيقال استواء المفهومين إن كان مع إرادتهما فاللفظ علم شامل وإن كان مع إرادة أحدهما فالاستواء إما أن يكون لاستواء دليلهما بحيث لا يختص المراد بما يدل عليه بل يكون الدليل على المراد وغير المراد سواء وإما أن يكون الاستواء في ذهن المستمع لكونه لم يعرف رجحان دليل المراد وهكذا توقف
стр. 4735
الإنسان في سائر العلوم ومعرفة الأحكام الشرعية إنما يكون لانتفاء الدليل المرجح للحق في نفس الأمر فتكون الأدلة متكافئة في نفس الأمر ويكون على كل واحد منهما دليل وإما أن يكون التكافؤ في ذهن الناظر لكونه لم يعرف الدليل الراجح لعجزه عن معرفته أو تفريطه وتركه النظر والبحث التام فإن كان التساوي لهذا المعنى وهو قصور الناظر أو تقصيره فهذا موجود في كل كلام وفي كل دليل ولا يلزم من ذلك أن يكون الأمر بالنسبة إلى المفهومين على السواء بل اللفظ دل على أحدهما دون الآخر لكن المستمع الناظر لم يعرف دلالته وحينئذ فعلى هذا التقدير القرآن كله محكم قد بين المراد به وإنما الاشتباه في بعض الآيات لنقص فهم الناظر وقد أخبر الله تعالى أنه أحكم آياته وأنها مبينة وأنها هدى وأنها نور وهذا إنما يكون إذا كانت مبينة لما أراده وعناه وأما إذا كان لا فرق فيها بين المراد وغيره لا يدل على واحد
стр. 4736
منهما لم تكن مبينة ولا هادية ولا محكمة ولا نوراً وهذا كلفظ القرء الذي مَثّل به إن قيل إنه يستعمل في الحيض وفي الطهر ففي الآية ما يبين المراد من وجوه متعددة والأمة متفقة على هذا لم يقل أحد منهم بتكافؤ دليل هذا وهذا بل منهم من رجح دليل هذا ومنهم من رجح دليل هذا فاتفقوا على أن الشارع نصب الدليل المبين للمراد لكن إحدى الطائفتين عرفته والأخرى لم تعرفه وظنت الآخر هو المراد وهذا لا يكون إلا لدليل صحيح فإن الدليل الصحيح لا يدل إلا على الحق المراد لكن يكون الدليل الصحيح خفي عنها إما عجزاً وإما تفريطاً فظنت ما ليس بدليل دليلاً وإن قال بل التوقف والاستواء في نفس الأمر لانتفاء الدلالة على أحدهما في نفس الأمر أو لتكافؤ الدليلين يقال هذا ممنوع فَلِمَ قلت إن الأمر كذلك ومعلوم أن توقف الذهن قد يكون لقصوره أو لتقصيره وقد يكون لعدم
стр. 4737
بيان الدليل وعدم بيان المتكلم لمراده فلِمَ أحلت عدم العلم لنقص بيان القرآن دون أن تحيله على نقص فهم الأذهان مع أن الله تعالى وصفه بأنه مبين ومحكم وهدىً ونور وغير ذلك من الأسماء التي تدل على أنه تعالى قد بين به المراد ودل به العباد وهدى به إلى الرشاد وأيضا فنحن قد رأينا أكثر الناس يتوقفون في فهم آية أو يفهمون منها خف ما دلت عليه لقصورهم أو تقصيرهم كما يصيبهم ذلك في الأدلة العقلية وفي كلام العلماء فهذا ضرب من الاشتباه واقع كثيراً وأما وجود آية اشتبه فيها المراد بغيره ولم يبينوا فيها ذلك البتة فهذا مما يمتنع وجوده ولم يقدر أحد أن يقيم دليلا على وجوده بل كل ما ادعاه إن ذكرنا أنه قد بين المراد به اندفع السؤال وإن عجزنا عن ذلك أمكن أن يكون من القسم المشتبه وعدم معرفة المراد لقصورنا لا لقصور في بيان الله ورسوله ﷺ كما قيل وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
стр. 4738
وكما قيل عليَّ نحت القوافي من أماكنها وما عليَّ بأن لا تفهم البقر
стр. 4739
وقد قال النبي ﷺ ما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه وروى الزهري عن أنس أنه سمع
стр. 4740
عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية قوله تعالى فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) [عبس ٢٤] ثم قال كل هذا قد عرفناه فما الأبّ ثم رقص عصا كانت بيده فقال هذا من باب التكلف وما عليك أن لا تدري ما الأبّ ثم قال اتبعوا ما بُيّن لكم في هذا الكتاب وما لا فدعوه فقوله اتبعوا ما بُيّن لكم أي ما تبين لكم وإلا فالله تعالى قد بينه كله لكن قد يخفي لعض ما فيه على بعض الناس وعمر خفي عليه الأبّ كما خفي عليه الكلالة
стр. 4741
وقد عرفه غيره من الصحابة ومن بعدهم كما رواه ابن أبي حاتم وغيره عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس قال الأبّ ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس وفي رواية عكرمة عنه قال الأبّ الحشيش
стр. 4742
للبهائم وكذلك عن سعيد بن جبير وأبي مالك ومجاهد قالوا الأبّ الكلأ قال مجاهد الفاكهة ما يأكل الناس وعن عطاء قال كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أبّ وعن الضحاك كل شيء أنبتت الأرض سوى الفاكهة وذكره غيره عن عكرمة قال الفاكهة ما يأكل الناس والأبّ ما يأكل البهائم ومثله عن قتادة قال الفاكهة لكم
стр. 4743
والأبّ لأنعامكم وهذا قول اللغويين قاطبة قالوا الأبّ المرعى قال الجوهري وغيره الأبّ المرعى وقال الزجاج هو جميع الكلأ الذي تعتلفه الماشية وعلى قول الضحاك قد يقال إنه يدخل فيه سائر النبات غير الفاكهة وبعضهم يقول ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس والأنعام والأول هو المعروف عند جمهور السلف وأهل اللغة فإن قيل ذكر أبو الفرج فيه قولين أحدهما ما ترعاه البهائم قاله ابن عباس وعكرمة واللغويون والثاني أنه الثمار الرطبة رواه الوالبي عن ابن عباس
стр. 4744
قيل هذا عند غيره غلط فإن ابن أبي حاتم ذكر هذا في تفسير الفاكهة فذكر عن الوالبي عن ابن عباس وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) [عبس ٣١] يقول الثمار الرطبة فجعل هذا تفسير الفاكهة وهذا هو الصواب فإنه الثمار الرطبة وأما كون الأبّ هو الثمار الرطبة فهذا غلط لم يقله أحدٌ ولأجل هذا قال مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) [عبس ٣٢] وبسط هذا له موضع آخر والمقصود هنا التمثيل بأن خفاء بعض معاني القرآن على بعض أكابر العلماء لا يمنع أن يكون غيره قد عرفه كما يقع مثل ذلك في الحديث والفقه وقد يخفى على بعض الأكابر من الصحابة ومن بعدهم حديث الرسول ﷺ ومن الأحكام ما يعلمه من دونهم ولهذا رجع أبو بكر وعمر وغيرهما إلى من دونهم من الصحابة في معرفة أحاديث سمعوها من الرسول وهم لم يسمعوها منه
стр. 4745
وإذا كان كذلك لم يكن لأحد الجزم بأن ما توقف فيه ذهنه وأذهان من هم أعلم منه فلم يفهموه أن ذلك لنقص في البيان أو لكونه لم يذكر ما يدل على المراد بل كل ذلك قد يكون لنقص علم المستمع الوجه الثاني قوله إنما الصعب المشكل أن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحاً في أحد المفهومين ومرجوحا في الآخر ثم إن المرجوح يكون حقّا والراجح باطلاً يقال رجحان أحدهما في أصل الوضع إنما يكون إذا كان مجرداً عن القرينة كما يترجح عند الإطلاق لفظ الأسد والحمار والبحر والسيف أن المراد هو السبع والبهيمة والماء والحديد وأما إذا قيل عن خالد إنه سيف سلّه الله على المشركين كما روي عن النبي ﷺ أنه قال ذلك
стр. 4746
وكما قال كعب بن زهير في قصيدته المشهورة بانت سعاد التي أنشدها للنبي ﷺ وأصحابه وقال فيها إن الرسول لسيف يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول
стр. 4747
وقيل في أبي قتادة إنه أَسَدٌ من أُسْدِ الله كما قال فيه أبو بكر لا تعمد إلى أَسد من أُسد الله يقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه
стр. 4748
وقال في الفرس إنه بحر كما قال النبي ﷺ عن فرس أبي طلحة إن وجدناه لبحراً فهنا لم يفهم أحد أن المراد الماء ولا الحديد ولا السبع وإذا كان كذلك فكلام
стр. 4749
الحكيم من الناس الذي أراد به الإفهام لابد إذا أراد غير معناه عند الإطلاق من أن يأتي بقرينة تبين بعض المراد أو قرينة تبين المراد ويصير اللفظ بها ظاهراً بل نصًّا لا يحتمل المعنى الآخر فلا يكون المعنى الآخر الذي لم يرده المتكلم راجحاً بل ولا يحتمله اللفظ وهذا هو الموجود في عامة كلام العلماء فكيف بكلام رب العالمين فالمعنى الذي أراده هو الذي جعل اللفظ دالا عليه والمعنى الذي لم يرده لا يدل عليه كلامه بل قد يكون فيه ما ينفيه وهذا كلفظ البشارة فإنه عند الإطلاق يراد به الإخبار بما يسر كقوله تعالى مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [البقرة ٢١٣] ونحو ذلك ومع التقييد يراد به الإخبار بما يسوء فيقال فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) [آل عمران ٢١] وكذلك الإيمان إذا أطلق فهو الإيمان بالله وإذا قيد بـ غير ذلك كقوله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ
стр. 4750
الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء ٥١] لم يحتمل هذا اللفظ الإيمان بالله ومثل هذا كثير الوجه الثالث أن ما ذكره مبني على أن ثم وضعا للألفاظ غير الاستعمال الموجود في الكلام وهذا قد يمكن ادعاؤه في بعض الأسماء كأسماء الأعلام وأما الألفاظ الموجودة في كلام العرب التي نزل بها القرآن من ادعى أن جماعة من العرب وضعوها لأصناف قبل أن يستعملوها فيها احتاج إلى نقل ذلك ولا سبيل إليه ولو كان هذا موجودا لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ولم يدّع أن اللغات كلها اصطلاحية بهذا الاعتبار إلا أبو هاشم الجبائي وما علمت أحداً قال هذا القول قبله وبسط هذا له موضع آخر الوجه الرابع الكلام على ما ميّل بع فإنه قال مثاله في القرآن قوله تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء ١٦] فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن
стр. 4751
يفسقوا ومحكمه قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف ٢٨] فيقال هب أن ظاهره أنهم أمروا بالفسق لكن قد عرف أن الأمر في القرآن نوعان أمر تكليف كالأمر بالشرائع التي بعث بها الأنبياء وأمر تكوين كقوله تعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) [يس ٨٢] وقوله تعالى وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) [الأحزاب ٣٨] أي مأموره وقوله تعالى أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل ١] أي مأموره أمر التكوين الذي قدره وقضاه من إظهار الإيمان والثواب والعقاب ونصر المؤمنين وعقوبة الكافرين ومنه قوله تعالى وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) [القمر ٥٠] ونحو هذا وإذا كان الأمر نوعان فهنا إنما أراد أمر التكوين والآي نفسها وما اتصل بها قبلها وبعدها تدل على الواقع كدلالة غيرها من القرآن فإنه قال قيل هذه الآية وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
стр. 4752
رَسُولًا (١٥) [الإسراء ١٣-١٥] فدل بهذه الآيات على أن من عمل صالحاً فلنفسه عمل ومن عمل شيئاً فعليه وانه لا يعاقب إلا بذنبه لا يحمل عليه ذنب غيره ولا يعذب حتى يبعث إليه الرسول وهذا المعنى مذكور في القرآن في غير موضع أنه لا يعذب أحداً ولا يهلكه إلا بذنبه وبعد إرسال الرسول إليه كقوله تعالى وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) [الشعراء ٢٠٨-٢٠٩] وقوله تعالى وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) [الشورى ٣٠] وقوله تعالى وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء ٧٩] وقوله تعالى ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم ٤١] وقوله تعالى وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩) [القصص ٥٩] ومثل هذا كثير وقد قال تعالى في هذه السورة وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨) [الإسراء ٥٨] فلما ذكر ما تقدم من الآيات أن كل عامل يلزمه عمله خيراً كان أو شرًّا وان هداه لنفسه وضلاله عليها وأنه لا يحمل
стр. 4753
عليه ذنب غيره ولا يعذب حتى يبعث إليه الرسول ذكر بعد هذا انه إنما اقتضت حكمته ومشيئته إهلاك قرية كيف يفعل أنه لا يعذبهم بغير ذنوبهم كما أخبر بذلك فقال تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء ١٦] فقد أخبر أن هذا الأمر إنما يكون إذا أراد هلاكهم وما شاء الله كان فلابد من وقوع هلاكهم والهلاك إنما يكون بالذنوب وأمر التكليف الذي هو الأمر بالحسنات والنهي عن السيئات لا يستلزم وقوع المعصية بل قد يأمرهم فيطيعون فلا يستحقون العذاب بخلاف أمر التكوين كما قال تعالى فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) [الشمس ٨] وكما قال تعالى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) [مريم ٨٣] وقال تعالى فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف ٥] وقال تعالى وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام ١١٠] وقال تعالى وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) [الأنعام ١٢٥] وفي الحديث إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال عليكم بالصدق فإن
стр. 4754
الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل لا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً فالمترفون من أهل القرى الذين قال فيهم الله وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) [هود ١١٦] وقال في أصحاب المشأمة إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) [الواقعة ٤٥-٤٦]
стр. 4755
يعاقبون على ذلك بأن يجعل في قلوبهم دواعي إلى الفسق الذي يستحقون به العذاب فهذا أمر المترفين بأن يفسقوا فيها وحينئذ يحق عليهم القول فيدمرها تدميراً فقوله تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً [الإسراء ١٦] دل على أن هذا الأمر أريد به إهلاكهم وأمر التكليف ليس كذلك وقوله تعالى أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا دل على أنه ليس أمراً عاماً وأمر التكليف ليس كذلك فالأمر بالإيمان والعمل الصالح عام لا يختص بالمترفين على أن مقصود الآية إنا لا نهلكهم إلا بذنوبهم كما قال تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) [الإسراء ١٥] فإذا أردنا إهلاكهم لم نهلكهم إلا بذنب بل يلهمهم فجورهم فيستحقون بذلك العذاب فقد تبين في نفس الآية أنه لم يرد أمر التكليف والتشريع الذي أرسل به الرسل فإنه لا يأمر أحداً بفسق ولا معصية وقد دل القرآن في غير موضع على أنه إنما يأمر بالأعمال الحسنة لا يأمر بالشر بل ينهى عن أنواع الشر وما يسمى فسقاً ويذم ذلك ويتوعد عليه كما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل ٩٠]
стр. 4756
وقال تعالى وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ [الحجرات ١١] وقال تعالى أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) إلى قوله تعالى وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ [السجدة ١٨-٢٠] وقال تعالى وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) [الكهف ٥٠] وقال تعالى وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام ١٢٠] وقال تعالى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة ٢] وقال تعالى إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) [المجادلة ٩] ومثل هذا كثير وقد بسط الكلام على هذه الآية ونحوها في غير هذا الموضع وبين أن لفظ الأمر والإرادة والإذن والحكم والقضاء والكتاب والكلمات والتحريم والبعث والإرسال وغير ذلك ينقسم إلى ديني وكوني شرعي وقدري فالرب تعالى له الخلق والأمر وعلينا أن نؤمن بدينه وبشرعه ونؤمن بقضائه وقدره فلفظ الإرادة يكون بمعنى المحبة والرضى لما شرعه وبمعنى المشيئة لما يخلقه
стр. 4757
والأول هو كقوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة ١٨٥] وقوله مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [المائدة ٦] وقوله يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء ٢٦] وقوله إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب ٣٣] والثاني كقول نوح ﵇ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود ٣٤] وقوله فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام ١٢٥] وأمثال ذلك ولفظ الإذن الشرعي كقوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) [الأحزاب ٤٥-٤٦] وقال تعالى مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) [الحشر ٥] وأما الإذن الكوني المحض فقوله تعالى وَمَا هُمْ
стр. 4758
بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة ١٠٢] والحكم الديني كقوله تعالى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) [المائدة ١] والحكم الكوني كقوله يعقوب ﵇ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) [يوسف ٦٧] والقضاء بمعنى الشرع كقوله تعالى وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء ٢٣] وبمعنى الخلق كقوله تعالى فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت ١٢] والبعث الديني كـ قوله تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة ٢] والكوني كـ قوله تعالى بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الإسراء ٥] والإرسال الديني كقوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) [الفتح ٨] وقوله إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ
стр. 4759
رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ [المزمل ١٥] والكوني وقوله أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) [مريم ٨٣] وبسط هذا له موضع آخر وأما الآية الأخرى فقوله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة ٦٧] وقوله تعالى قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) [طه ١٢٦] وقوله تعالى وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [الجاثية ٣٤] لا يقتضي أنه لا يعلم أحوالهم بل الأمر كما قال السلف أنهم نسوا في الخير دون الشر كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس نَسُوا اللَّهَ تركوا أنفسهم فَنَسِيَهُمْ يقول تركهم من كرامته وثوابه وفي تفسير
стр. 4760
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال نسوا من كل خير ولم ينسوا من الشر وهو كما قالوا فإنه من المعلوم أنهم إذا عذبوا فهو الخالق لعذابهم وبمشيئته يكون والمشيئة مستلزمة للعلم فلا يشاء إلا ما علمه بل قدر ذلك وكتبه قبل أن يكون وهو عالم به وبكل شيء بعدما يكون كما أخبر في غير موضع أنه يعلم أحوال العبد واستعمال النسيان في مثل ذلك لا يستلزم عدم العلم
стр. 4761
يقول القائل لمن أعطى الناس أو مدحهم أو أكرمهم أو ولاهم نسيتني فلم تفعل ما فعلت بفلان ولا يكون غافلاً بل يكون ذاكراً له لكن تركه على عمد لأنه لا يستحق ذلك ويقال لمن عاقب غيره فجعله في السجن ونحوه نسيت فلانا وهو يخطر بقلبه ويشعر به لكنه لا يذكره بخير كما يذكره غيره فإن النسيان ضد الذكر كما قال تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف ٢٤] ويقال إذا نسي ذكره أتذكر كذا أم نسيته والذكر المطلوب من الغير لا يراد به مطلق الذكر بل يراد به تذكره بخير ثناءً عليه وإما إحسانا إليه وقد يراد بلفظ الذكر الذكر بالشر والذم كقوله تعالى وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) [الأنبياء ٣٦] أي يذكر آلهتكم بالذم والعيب وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الذي يستحقه وهو الذكر بالمدح والثناء هُمْ كَافِرُونَ
стр. 4762
وهذا يعرف بما يقرن باللفظ فإذا ذكر من يبغض الشخص ويعاديه وقيل هو يذكره علم أنه يذكره بالشر وإذا ذكر من يحبه ويواليه وقيل إنه يذكره علم أنه يذكره بالخير وقد علم أن الرسول ﷺ يبغض آلهتهم قلما قالوا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء ٣٦] عرف أن المراد ذكرها بالشر ولما ذمهم على أنهم كافرون بذكر الرحمن علم أن المراد ما يستحقه من الذكر كما قال وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الزمر ٤٥] وقال وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) [الإسراء ٤٦] والذين نسوا الله قد كان يخطر بقلوبهم ويشعرون به ويدعونه عند الضرورة وإذا سئلوا من خلقهم قالوا الله لكنهم لم يذكروه الذكر الذي يستحقه فلم يذكروا كتابه المنزل وأمره ونهيه وخبره كما قال تعالى في الآية الأخرى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) [طه ١٢٤-١٢٦] فالآيات كما أتته ولم يذكرها بل أعرض عنها وإن كان شاعراً بها فكان الجزاء من جنس العمل لا يذكر بما
стр. 4763
يذكر به المؤمنون من الجزاء بالحسنى بل ينسى فلا يذكر هذا الذكر وإن كان معلوماً لله لا يجوز أن يكون مجهولاً له وهو كما قال قتادة نُسوا من الخير لم ينسوا من الشر ومما يبين هذا قوله ﷺ في الحديث الصحيح من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم فهذا الذكر هو جزاء ذكره وهو عالم به سواء ذكره أو لم يذكره ومن لم يذكر الله بل أعرض عن ذكره فإن الله
стр. 4764
تعالى يعرض عن ذكره بالخير وهذا نسيان له من الخير فتبين أن لفظ النسيان المضاف إلى الله لا يدل على عدم العلم ألبتة وهذا كلفظ الرؤية والسمع فإن السمع متعلق بالأقوال والقول خبر وطلب والمطلوب من سمع الخبر صدقه ومن سمع الطلب إيجابة الطالب فلهذا يعبر بالسمع عن التصديق والإجابة كقول المصلي سمع الله لمن حمده أي أجاب دعاه ولو أريد السمع المجرد أو السمع مع نقص المسموع فهو يسمع لمن حمده ولمن لم يحمده كما قال تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران ١٨١] وقال تعالى لموسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) [طه ٤٦] وقال الملك للنبي ﷺ إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك
стр. 4765
وقد قال الخليل إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) [إبراهيم ٣٩] فهذا كقوله سمع الله لمن حمد أي أجاب دعاه فإنه يجيب الداعي كما قال تعالى وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) [سبأ ٥٠] وقال النبي ﷺ إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً وقال تعالى في ذم قوم
следующие страницы →