← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 4866–4879 · переход к 4871.

стр. 4866

فصل قال الرازي الفصل الرابع في تقرير مذهب السلف حاصل هذا المذهب أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظاهرها ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها وقال المتكلمون بل يجب الخوض في تأويل تلك المتشابهات والكلام على هذا من وجوه أحدها أنه لم يحك إلا قولين تحريم التأويل أو وجوبه وبقي القول بجوازه دون وجوبه وهو قول كثير من الناس ومنهم من يوجبه في حال دون حال ومنهم من يجوزه في حال دون حال ولبعض الناس دون بعض وأكثر القائلين بالتأويل هذا

стр. 4867

مذهبهم لم يقولوا إنه واجب على الأعيان لكن قد يقولون إنه واجب على الكفاية الوجه الثاني أن مذهب السلف يعرف بنقل أقوالهم أو نقل من هو خبير بأقوالهم وما ذكره من العبارة لم ينقل عن أحد من السلف ولا نقله من يحكي إجماع السلف ونحن ذكرنا قطعة من أقوال السلف في هذا الباب وأقوال من يحكي مذاهبهم من جميع الطوائف في جواب الفتيا الحموية في الرد على الجهمية وغير ذلك ولكن ما ذكره هذا من مذهب السلف والتفويض إنما يعرض في كلام أبي حامد ونحوه ممن ليس لهم خبرة بكلام السلف ﵏ بل ولا بكلام الرسول ﷺ فلا يميزون بين صحيح هذا وبين

стр. 4868

ضعيفه ولكن ينقلون مذهب السلف بحسب اعتقادهم لا بأقوال السلف وما بينوه وقالوه في هذا الباب وأقوال السلف كثيرة مشهورة في كتب أهل الحديث والآثار الذين يرونها عنهم بالأسانيد المعروفة وكذلك في كتب التفسير وقد صنفوا في هذا الباب مصنفات كثيرة منها من يسمي مصنفه كتاب السنة ومنهم من يسميه الرد على الجهمية ومنهم من يسميه الشريعة ومنهم من يسميه الإبانة عن شريعة

стр. 4869

الفرقة الناجية وفيها من الآثار الثابتة عن السلف التي بها تعرف مذاهبهم ما لا يحصى فمن لم تكن له معرفة بذلك مثل كثير من أهل الكلام هذا وأمثاله إذا نقلوا مذهب السلف مذهباً لا يعرفونه وعن قوم لا يعرفون ما قالوا ويضيفون إلى السلف ما هم بريئون منه ويكذب عليهم فيما ينقل عنهم كما يكذب على الرسول بتقويله ما لم يقله أو القول بلا علم وعلى القرآن بتحريف الكلم عن مواضعه وهذه حقيقة قول الملحدة وهو الافتراء على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين وقد قال تعالى قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣) [الأعراف ٣٣] وقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) [الأعراف ١٥٢]

стр. 4870

الوجه الثالث قوله عن مذهبهم إنه يجب القطع أن مراد الله تعالى منها غير ظاهرها ويجب تفويض معناها إلى الله تعالى فيقال هذا الذي لا يعرف عن أحد من السلف رحمهم الله تعالى لا يعرف عن أحد منهم أنه قال يجب القطع بأن مراد الله منها غير ظاهرها ثم يجب تفويض معناها إلى الرب تعالى بل المعروف عن السلف نفي تشبيهها ومماثلتها بصفات المخلوقين وإنكارهم على الذين يقولون يد كيدي وقدم كقدمي ونزول كنزولي واستواء كاستوائي ونحو ذلك فهذا ثابت صريح عن غير واحد من السلف وأئمة السنة ولا يعرف عن أحد من السلف وأئمة الإسلام المعروفين أنه قال إن الله تعالى جسم أو جوهر أو متحيز ولا قال إنه ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا قال هو في جهة ولا ليس في جهة فهذه الألفاظ نفياً وإثباتا لا توجد في القرآن والحديث ولا يوجد نفيها

стр. 4871

ولا إثباتها في كلام أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من أئمة المسلمين المعروفين بالإمامة في الدين كالأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وكسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم

стр. 4872

ولا يعرف أيضاً عن أحد من السلف أنه قال إن مراد الله تعالى منها غير ظاهرها فضلا عن أن يقول يجب القطع بشيء بل لفظ الظاهر مجمل فقد يراد بالظاهر ما يماثل صفات المخلوقين فهذا هو الذي نفاه السلف كما ذل الكتاب على معنى ذلك وكذلك العقل قال تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى ١١] وقال تعالى وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) [الإخلاص ٤] وقال تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) [مريم ٦٥] فمن قال إذا استوى على العرش ك استواء الملك بحيث يكون محتاجاً إلى العرش فهذا تمثيل منكر فإن الله تعالى غني عن كل ما سواه والعرش وكل مخلوق مفتقر إلى الله تعالى من كل وجه وهو بقدرته يحمل العرش وحملته وكذلك من قال ينزل كنزول المخلوق بحيث يبقى تحت

стр. 4873

العرش ويخلو منه العرش فهذا يقوله طائفة والسلف أنكروا ذلك كما أنكره حماد بن زيد وإسحاق بن راهويه وغيرهما وقالوا إنه ينزل ولا يخلو منه العرش وهو فوق العرش وهو يقرب من خلقه كيف يشاء وكذلك من قال إنه في السماء بمعنى أن الأفلاك تحويه فمن قال إنها تحمل على الظاهر بهذا المعنى فهذا قوله قول باطل منكر عند السلف كما دل الكتاب والسنة على بطلانه وأما إذا قيل تحمل على الظاهر اللائق بجلال الله تعالى كما تحمل سائر الصفات مثل لفظ المشيئة والسمع والبصر والقدرة والعلم فإن مثبتة الصفات يحملون هذه على ظاهرها عند عامة المسلمين إلا الغلاة المنكرون للأسماء ومع هذا فليس مفهومها في حق الله تعالى مثل مفهومها في حق المخلوق بل هنا ثلاث اعتبارات أن تذكر مطلقة وأن تذكر مضافة إلى الرب وأن تذكر مضافة إلى العبد فإذا ذكرت مضافة إلى الرب مثل قوله تعالى وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة ٢٥٥]

стр. 4874

وقوله إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) [الذاريات ٥٨] وقوله رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر ٧] وقوله وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف ١٥٦] ونحو ذلك فهنا يمتنع أن يدل على شيء من خصائص صفات المخلوقين وإذا ذكرت مضافة للعبد كقوله تعالى عن يعقوب وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ [يوسف ٦٨] وقوله ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم ٥٤] وقوله وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت ١٥] فهنا يمتنع أن يدخل فيها شيء من خصائص الرب تعالى وإذا ذكرت عامة مطلقة فقيل العلم ينقسم إلى علم الرب وعلم العبد والموجود ينقسم إلى القديم والحديث فاللفظ العام المطلق الذي هو مورد المعتبر به يدل على شيء من خصائص الرب تعالى ولا على خصائص العبد الوجه الرابع أن مذهب ـهم صريح في نقيض

стр. 4875

ما ذكره وأنهم كانوا يقولون إن الله تعالى مستوٍ على العرش ويثبتون له الصفات الخبرية كما تواترت النقول عنهم بذلك بضد ما حكاه هذا وأمثاله عنهم والوجه الخامس فوله ثم يجب تفويض معناها إلى الرب تعالى لا يجوز تأويلها فيقال السلف فوضوا إلى الرب علم كيفيتها كما قال مالك وربيعة الاستواء معلوم والكيف مجهول وكذلك قال ابن الماجشون والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم وأما فهم معناها وتفسيرها فلم يكن السلف ينكرونه ولا كانوا ينكرون التأويل بهذا المعنى وإنما أنكروا تأويلات أهل التعطيل التي هي تحريف الكلم عن مواضعه فكانوا ينكرون على من يتأول القرآن على غير تأويله كما صنف الإمام أحمد كتابه في الرد على من تأول القرآن كقوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام ١٠٣] بمعنى أنه لا يرى

стр. 4876

في الدنيا ولا في الآخرة وأنكروا على من تأول قوله تعالى وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام ٣] بمعنى أنه كان فيهما وأنكروا على من تأول قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى ١١] على نفي الصفات فأنكروا التأويلات الباطلة مثل التأويلات التي ذكرها هذا وغيره فلم يكن التأويل في عرفهم هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بل كانوا يسمون التفسير تأويلاً وما يؤول إليه اللفظ تأويلاً وإن وافق ظاهره وينكرون تفسير القرآن والأحاديث بالتفسيرات الباطلة وهو التأويلات الباطلة

стр. 4877

فصل قال الرازي واحتج السلف على صحة مذهبهم بوجوه الأول بقوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران ٧] والذي يدل على أن الوقف واجب وجوه فيقال لا ريب أن كثيراً من السلف كانوا يرون الوقف عند قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران ٧] ويقول بعضهم انتهى علم الراسخين إلى أن يقولوا آمنا به همن هؤلاء

стр. 4878

من يقول هذا ومنهم من يقول أيضاً إن الراسخين يعلمون التأويل والتأويل الذي نفي عن الراسخين غير الذي أثبت لكن ما عرف عن أحد من السلف أنه جعل هذا التأويل الذي لا يعلمه إلا الله أن تنفي دلالة الآيات والأحاديث عما دلت عليه من الصفات وإثبات تأويلات تخالف ما دلت عليه والقول بأن تلك التأويلات لا يعلمها إلا الله بل لم يعرف عن أحد من السلف أنه كان لفظ التأويل عنده صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى المرجوح وإذا لم يكن هذا المعنى هو معنى لفظ التأويل عندهم فإذا قالوا لا يعلم تأويله إلا الله لم يكن هذا مرادهم كما حكاه هذا عنهم بل قد تقدم بعض أقوال السلف الذين قالوا ما يعلم تأويله إلا الله أن التأويل عندهم هو التأويل في قوله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف ٥٣] وقوله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس ٣٩] ومنه كيفية صفات الرب تعالى وكما قالوا الاستواء معلوم والكيف مجهول أو غير ذلك مما قالوه

стр. 4879

وما علم أن أحداً منهم قال إن فسرت النصوص عما تدل عليه إلى معنى مرجوح من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله بل هذه التأويلات عندهم باطلة مردودة يعلم الله بطلانها لا يقال إنها حق لا يعلمه إلا الله بل نقول فيها ما قاله الله تعالى في الآلهة والأوثان وشفاعتها قال وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) [يونس ١٨] وهذه التأويلات من جنس تأويلات القرامطة والملاحدة لا يقال فيها لا يعلمها إلا الله بل هي تأويلات باطلة يعلم الله أنها باطلة وقد بَيّن لعباده أنها باطلة وهذا مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود أن قول من قال إنه لا يعلم تأويله إلا الله يريد له السلف أن نصوص الصفات لا يفهم منها شيء بل يقطع أن مدلولها غير مراد والمراد لا يعلمه إلا الله فهذا القول لم يعرف عن أحد من السلف بل أقوالهم صريحة بخلافه والله تعالى أعلم