Полный текст (4 879 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.
стр. 4831
لقصورهم وتقصيرهم تشابه عليهم حتى شكوا فيه فهذا هذا والله تعالى أعلم الوجه الثامن عشر أن هذا القول في تأويل القرآن ومعناه يضاهي قول المشركين في تنزيل القرآن ولفظه ومعناه ولا ريب أن المقصود من الألفاظ هو المعنى فمن وافق المشركين في معاني القرآن على ما قالوه فإنما آمن بلفظ فقط فهو منافق يظهر الإسلام بلفظه به دون قلبه من جنس الذين قال الله تعالى فيهم إنهم يقولون للرسل نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون ١] قال الله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) [المنافقون ١] ومن جنس الذين قالوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ
стр. 4832
قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) [البقرة ٨-١٣] وإذا لقوا الآيات ونظائرها وذلك أن المشركين وكل من كذب لما كذّبوا بأن القرآن منزل من الله وكذّبوا الرسول بما جاء به حادوا واختلفوا ماذا يقولون في الكتاب والرسول وقالوا أقوالا متناقضة يظهر فسادها لكل من تأملها وآخرون منهم لما رأوا هذه الأقوال متناقضة أمسكوا عنها فلم يقولوا شيئا منها لكنهم اقتصروا على تكذيب القرآن والرسول لما زعموا أنه قام عندهم أدلة تدل على أنه ليس برسول الله ولا القرآن منزل من الله تعالى فعلموا بموجب تلك الأدلة ثم بعد ذلك قالوا فليكن أي شيء كان وليس علينا تعيين ما هو فهكذا الذين جوزوا معاني القرآن التي أرادها الله تعالى ورسوله بالكتاب والسنة صاروا في القرآن والحديث حزبين حزباً يحملون كلام الله ورسوله على معان أخر يظهر للمتأمل أن الله لم يردها ولا هي معنى كلامه وقال آخرون يكفينا أن تنفى تلك المعاني وبعد
стр. 4833
هذا فليدل القرآن والحديث على أي شيء دل ليس علينا أن نعرف ما دل عليه فهم مشتركون في جحد المعاني التي أرادها الله تعالى ورسوله ثم ادعى بعضهم معاني أنها هي المرادة والاعتبار بين أنها ليست مرادة فالذي أراده الله تعالى ورسوله جحدوه وقالوا إن الدليل عندنا بنفيه والذي حملوا عليه كلام الله ورسوله لم يرده الله تعالى ولا رسوله فقال آخرون نحن نوافقكم على جحد ما جحدتموه من تلك المعاني وأما ما فسرتم به القرآن والحديث فقد ظهر بطلانه أيضا فنحن نعرض عن تدبر القرآن والحديث وفهم معناه ولا يضرنا بعد ذلك دلالته على أي شيء دل فهؤلاء يأمرون بالجحد لمعاني التنزيل وبالجهل البسيط في تفسير القرآن وتأويله وأولئك يأتون بالجهل المركب في التفسير والتأويل فهؤلاء كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) [النور ٣٩] وأولئك كظلمات بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) [النور ٤٠]
стр. 4834
وأهل العلم والإيمان الذين أوتوا القرآن والإيمان هم كما قال الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) [النور ٣٥] فإن هذا النور هو نور الإيمان والقرآن جميعا كما قال تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) [الشورى ٥٢-٥٣] وبذلك فسره السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم ﵃ كما روى عبد بن حميد حدثنا عبد الله بن يوسف عن أبي
стр. 4835
جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قول الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور ٣٥] قال بدأ بنور نفسه فذكره ثم ذكر نور المؤمنين فقال مثل نوره أي مثل نور المؤمن قال ولذلك كان أبي يقرؤها مثل نور المؤمن قال هو عند جعل الإيمان والقرآن في صدره قال المشكاة قال صدره فيها مصباح فالمصباح القرآن والإيمان الذي جعل في صدره قال الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ قال فالزجاجة قلبه قال الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ قال فقلبه بما استنار بالقرآن والإيمان كأنه كوكب دري يقول يضيء يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ
стр. 4836
مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ قال الشجرة الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له قلت هذا نظير الحديث المأثور من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه وهو معروف من مراسيل مكحول وقد ذكره أحمد بن حنبل وغيره وقد روي
стр. 4837
متصلاً بإسناد فيه مقال قال لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ قال فمثله كمثل الشجرة التفت بها الشجر فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت قال فكذلك هو المؤمن قد أخبر أنه يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها فيثبته الله تعالى فيها وهو بين أربع خلال عن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات قال نُورٌ عَلَى نُورٍ فهو يتقلب في خمسة من النور فكلامه نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة ثم ضرب مثل الكافر فقال وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) [النور ٣٩] قال فكذلك الكافر يوم القيامة وهو يحسب أن له عند الله خيراً فلا يجده فيدخله الله النار قال وضرب الله تعالى مثلا آخر للكافر
стр. 4838
فقال أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ [النور ٤٠] قال هو يتقلب في خمس من الظلمة فكلامه ظلمة وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره إلى الظلمات إلى النار وهذا قد رواه عامة من صنف في التفسير كما رواه ابن أبي حاتم وروي أيضا عن السدي فيها مصباح قال المصباح النور والإيمان والقرآن قال والزجاجة هي القلب والمشكاة هي الصدر فكما دخل هذا المصباح في الزجاجة فأضاء فكذلك أضاء القلب فأضاء البيت فكذلك نزل النور في الصدر فأضاء به الجوف كله فلم يدخله حرام نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ قال السدي نور النار ونور الزيت حيث اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحب فكذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه وفي كلام طائفة من السلف أن النور نور القرآن وفي كلام
стр. 4839
طائفة أخرى أنه نور الإيمان والنور يعمهما جميعاً كما قال تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا [الشورى ٥٢] كما أن في كلام طائفة من السلف أنهم جعلوا هذا مثلا للنبي ﷺ وفي كلام الأكثرين أنه مثل لكل مؤمن والجميع صحيح فمحمد ﷺ سيدهم وإمامهم وما فيه من وصف الشجرة بأنها بين الشجر هي قول طائفة وطائفة أخرى قالوا بل هي في الصحراء لا تزال الشمس عليها وهو أصفى الزيت وقيل بل هي متوسطة تطلع عليها وقت الطلوع والغروب وبسط هذا له موضع آخر والمقصود هنا أن من كان يجحد معاني القرآن التي أرادها الله تعالى به فإنه لا يحصل له هذا النور لا نور القرآن ولا نور الإيمان فتلك الأنوار المعاني الشريفة ثم إذا جحدها كان في ظلمة الجحود والتعطيل ومن فسرها بغير المراد كان مثله كظلمات في بحر لجي ومن لم يعرفها ولا قال شيئا فهو كسراب بقيعة وهذا وإن كان عمومه يتناول من كذب بمعاني
стр. 4840
القرآن التي جاءت بها الرسل كالملاحدة فمن كذب ببعضها وجحده فله نصيب من ذلك بحسب ما كذب به وجحده وإن كان له نصيب من الإيمان ببعضها من وجه آخر فقد يجتمع في الرجل شعبة إيمان وشعبة نفاق كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة
стр. 4841
الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان وكذلك أهل التكذيب بالقرآن والرسول اختلفوا فيه فقيل ساحر وقيل مجنون وقيل شاعر وقيل كاهن كما قيل في القرآن إنه سحر وإنه شعر وإنه أساطير الأولين اكتتبها وإنه إفك افتراه فجعلوا القرآن عضين قال ﵎ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
стр. 4842
وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) [الفرقان ١-٩] وكذلك قال تعالى وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) [الإسراء ٤٥-٤٨] فهم لما جحدوا الحق أرادوا أن يشبهوه ويجعلوه من جنس السحر أو الشعر أو الكذب أو غير ذلك فكانوا ضالين لا يستطيعون مع هذا الضلال سبيلاً من السبل الهادية كالتائه عن الطريق الذي
стр. 4843
لا يستطيع معرفة وهكذا أهل الجحد لمعانيه منا قال فيهم الإمام أحمد ﵀ فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجتمعون على مفارقة الكتاب وقد قال تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦) [البقرة ١٧٦] فإن قيل فقد اختلف السلف في بعض معانيه قيل السلف لم يكن فيهم من جعل عمدته في الباطن على شيء يخالف القرآن ثم القرآن إما أن يتأوله على هواه وإما أن يعرض عن معناه ويهجره كما قال تعالى عن الرسل وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)
стр. 4844
[الفرقان ٣٠] وهجر معانيه أعظم من هجر ألفاظه بل السلف كلهم كانوا مقرين بما تبين لهم منه وهو المحكم الذي هو أم الكتاب كذلك يشتبه على بعضهم بعضه فإما أن يعلم تفسيره ويعلم معناه الموافق لمعنى المحكم وإما أن لا يعلم لكنه يعلم أن معناه لا يناقض معنى نص المحكم فبكل حال لم يكونوا يجعلون غير الرسول ﷺ معارضا له مقدما عليه آراؤهم وأهواؤهم وعقولهم ومقاييسهم وأذواقهم ولا كتابا آخر مخالفا له وأما أهل الإلحاد فيجعلون عقولهم ومقاييسهم وأذواقهم هي الأم والأصل الذي يعتمدون ثم القرآن إن وافق ذلك وإلا سلكوا فيه أحد المسلكين إما ضرب الأمثال الباطلة وإما هجره والإعراض عنه وقد اجتمعت للمكذبين للرسل من مشركي العرب وغيرهم كما أن من عارضه بكتاب آخر
стр. 4845
وقدم ذلك عليه فهم من جنس اليهود والنصارى ومكذبو الرسل الذين يقدمون آراءهم على ما أنزل الله أسوأ حالاً وأضعف عقلاً وإيماناً وأشد كفراً من أهل الكتاب الذين يوجبون كتاباً آخر غير القرآن عليهم فإن هؤلاء من جنس من يحتج بنص منسوخ أو ضعيف الدلالة ولكن يظن أنه من قول الرسول ﵊ أو يعارض قوله بما يظن أنه معارض له من قوله وهذا مازال في الناس بخلاف من يعارض قوله بما يعلم أنه ليس من قوله وإنما هو قول غيره فهذا لم يؤمن بالرسول ولا بما جاء به ولهذا لم يُعرف عن أحد من السلف أنه عارض آية أو حديثاً إلا بما يظن أنه معنى آية أو حديث آخر سواء كان مصيباً في المعارضة أو مخطئاً فالمصيب الذي يعارض المنسوخ بالناسخ كما كان الصحابة ومن بعدهم من العلماء يقولون في قوله تعالى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [البقرة ١٨٤] دل على أن المقيم المطيق يخيّر بين الصيام والافتداء وهو منسوخ بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
стр. 4846
فَلْيَصُمْهُ [البقرة ١٨٥] وهذا معلوم بالتواتر وإجماع الأمة أن الصيام واجب على المقيم القادر لا يخيّر بينه وبين الافتداء كما كان في أول الأمر وقد قال كثير من السلف هذه الآية ليست منسوخة وأرادوا أن فيها أحكاماً غير منسوخة كما قد يستدل بها على افتداء العاجز والمرضع والحامل لكن الحكم الأول قد اتفقوا على نسخه وقد يعارضون ما يفهم من آية بما يدل على نقيض ذلك المعنى ليبين أنه لم يفرد وقد يسمون هذا نسخاً كما عارض ابن مسعود وغيره عموم قوله تعالى في المتوفى عنها زوجها يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة ٢٣٤] بأن سورة الطلاق وقد سماها سورة النساء القصرى نزلت بعد ذلك وفيها وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق ٤] وكان علي وابن عباس ومن اتبعهم رضي الله تعالى عنهم يقولون تعتد أبعد
стр. 4847
الأجلين وكان عمر وابن مسعود وغيرهما يقولون إذا وضعت حلت وجاءت السنة الصحيحة بذلك في قصة سُبيعة الأسلمية لما توفي عنها زوجها سعد بن خولة عام حجة الوداع ووضعت بعده بليال وقال لها أبو السنابل بن بعكك ما أنت بناكحة حتى يمضي عليك أربعة أشهر وعشراً فسألت النبي ﷺ فقال كذب أبو السنابل حللت فانكحي فاتفق
стр. 4848
عامة العلماء على اتباع السنة وإن كان القرآن يدل على مثل ذلك لكن القرآن قد يخفى على الأكابر وأما السنة فصريحة لا تخفى على أحد بلغته وعائشة لما عارضت قوله إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه عارضت ذلك بقوله تعالى وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر ١٨] لم تعارضه بالمعقول وأن هذا ظلم ووافقها على
стр. 4849
هذا كثير من العلماء وبعضهم رد الحديث كما اختاره الشافعي ﵀ تعلى في مختلف الحديث وقال إن عائشة روت لفظين أحدهما يوافق هذا الحديث وهو قوله إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله
стр. 4850
والثاني قوله إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها وبعضهم تأوله على ما هو ذنب للموصي والقول
стр. 4851
الآخر وهو الصحيح وهو أنه لا منافاة بينهما وإن هذا التعذيب ليس هو حملاً لذنب لنائحة على غيرها بل ذنبها بالنياحة باق عليها ولا هو عقوبة للميت على نياحتها لكونه لم ينه عنها ونحو ذلك بل هذا من نوع الألم والأذى الذي يحصل بذلك كما يتأذى الميت بغير ذلك كما قد بسط في مواضع ولهذا قيل يعذب ولم يقل يعاقب والعذاب يقال في
стр. 4852
مطلق الأذى كما روي إن السفر قطعة من العذاب وعارضه بعضهم بقوله تعالى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) [النجم ٤٣] كما نقل عن ابن عباس وهؤلاء يجعلون الإضحاك والإبكاء مما يفعله الرب تعالى كالإماتة والإحياء فلا ينهى عنه وهو ضعيف أيضاً فإن النبي ﷺ قد استفاضت عنه الأحاديث بالنهي عن النياحة ونحوها من البكاء وقوله إن الله تعالى لا يؤاخذ على دمع العين ولا على حزن القلب ولكن يؤاخذ بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه
стр. 4853
وقال ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودها بدعوى الجاهلية وقال أنا بريء من الحالقة والصالقة والشاقة
стр. 4854
وقال إن النائحة إذا لم تتب فإنها تلبس يوم القيامة درعاً من جرب وسربالاً من قطران وبايع النساء على أن لا ينحن وهو من تأويل قوله وَلَا يَعْصِينَكَ فِي
стр. 4855
مَعْرُوفٍ [الممتحنة ١٢] وقد ذم الضحك ودعا إلى البكاء في هذه السورة التي قال تعالى فيها وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) [النجم ٤٣] بقوله تعالى أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) [النجم ٥٩-٦٠] وكذلك لما عارضت قوله ﵇ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم
стр. 4856
تلت قوله تعالى فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [الروم ٥٢] ولما أنكرت رؤيته لربه تعالى تلت قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام ١٠٣] وقوله تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى ٥١] ولما ظنت أن القرآن يخالف ذلك نسبت الراوي إلى الغلط وإن كان أئمة الصحابة وجمهور علماء المسلمين على التصديق بالحديث وأنه لا منافاة بينه وبين القرآن فالمقصود أنه ليس من الصحابة من قال إن القرآن أو الخبر يخالف العقل والأدلة العقلية فالواجب أن يقول بموجب العقل والأدلة العقلية والقرآن إما أن يعرض عنه فيصير مهجوراً أو يتصور له التأويلات التي تتضمن تحريف الكلم عن مواضعه بل كلهم متفقون على تعظيم القرآن وأنه ما أول
стр. 4857
إلا على حق وأنه هدى وبيان وشفاء وإن قصر فهم بعضهم عن بعض عرف أن ذلك من نقص فهمه وعلمه لا من نقص ما دل عليه القرآن ولا يجعلون إيمانهم بما دل عليه القرآن موقوفا على نفي المعارض بل قد تيقنوا على أنه لا يعارضه حق بل كل ما عارضه فهو باطل كشبه السوفسطائية والقرامطة التي يعارضون بها الأدلة العقلية والسمعية والنبي ﷺ قد نهاهم عن ضرب القرآن بعضه ببعض فلا يجوز معارضة آية بآية للتصديق بمعنى إحداهما دون الأخرى بل يجب الإيمان به كله فكيف بمن عارضه بكتاب آخر فكيف بمن عارض جنس الأنبياء والكتب المنزلة من السماء بنا لم يأت به كتاب ألبتة بل كان مضاهياً الذين يجادلون في آيات الله لغير سلطان والذين جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فهؤلاء من جنس المكذبين للرسل المشركين الذين هم أكفر من اليهود والنصارى من هذا الوجه
стр. 4858
وأين هذا من قوله تعالى المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) [الأعراف ١-٣] وإذا قال القائل الرسول ﷺ إنما عرف صدقه بأدلة عقلية وأنه لابد له من الأدلة العقلية فهذا صحيح لكن تلك الأدلة العقلية التي بها يعرف صدق الرسل هي مما بينه الرسول ﷺ وأرشد إليها القرآن على أحسن الوجوه وأكملها فالأدلة العقلية التي تستحق أن تسمى أدلة عقلية على المطالب العالية الإلهية وهي الإيمان بالرب تعالى والإيمان بكتبه ورسله والإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح الذي به يسعد الناس وينجون من العذاب في الدنيا والآخرة قد دل عليه القرآن أحسن دلالة وبينه أحسن بيان بل ضرب الله في القرآن من كل مثل وجميع ما يذكره الناس في هذا الباب متكلمهم ومتفلسفهم ما كان فيه حقّا فقد جاء القرآن به وبأحسن منه على أكمل الوجوه بل ما جاءت به النبوات في التوراة والإنجيل من المطالب الإلهية جاء القرآن بها وما حرفها فكيف بالأمور التي تعرف بمجرد العقل من غير وحي من السماء في هذا الباب فإن معرفة هذه أيسر
стр. 4859
فإذا كان القرآن قد اشتمل على معاني الكتب فكيف لا يشتمل على هذه وهذه الجملة لها تفصيل مبسوط في مواضع بل بين في مواضع أن ما سلكه أهل البدع من أهل الفلسفة والكلام لا يصلون إلى علم ويقين بل إنما غاية صاحبه الشك والضلال وهذا مما اعترفت به حذاقهم وممن اعترف به أبو عبد الله الرازي ﵀ في غير موضع من كتبه ولفظه في بعضها لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) [طه ٥] وإِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر ١٠] وأقرأ في النفي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى ١١] وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) [طه ١١٠] ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وهذا قاله في آخر عمره في آخر ما صنفه وهو كثير التناقض يقول القول ثم يرجع عنه ويقول في الآخر
стр. 4860
ما يناقضه كما يوجد هذا في عامة كتبه تغمده الله برحمته وعفا عنه وسائر المؤمنين رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠) [الحشر ١٠] وتوبته معروفة مشهورة وقد بسط هذا في مواضع وبيّن أنه يمتنع تعارض الأدلة اليقينية سواء كانت كلها عقلية أو كلها سمعية أو بعضها سمعي وبعضها عقلي فلا يجوز أن يكون أحد من الأنبياء أخبر بخلاف ما أخبر به محمد ﷺ فإن أخبار الأنبياء كلها صدق يجب الإيمان بها فكما لا يجوز أن تتناقض أخباره فلا يتناقض خبر نبي وخبر آخر وأما الأعمال والأصول الكلية فلا يختلفون بشيء منها كالأمر بتوحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والأمر بإخلاص الدين له والأمر بالعدل وغير ذلك وكذلك النهي عن الفواحش وعن الظلم وعن الشرك
стр. 4861
والقول على الله بلا علم كما ذكر الله تعالى ذلك في قوله تعالى قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣) [الأعراف ٣٣] كما ذكر المأمور به في قوله تعالى قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف ٢٩] وكما قد ذكر أصول الشرائع في آخر الأنعام وفي بني إسرائيل وغير ذلك وهذه الأمور مما اتفقت
стр. 4862
عليها شرائع الأنبياء وأكثر المسلمين على أنها لا تقبل النسخ ولا يجوز أن يبعث نبي بخلافها ولا ينسخ منها شيء وأما الذين يجوزون على الله تعالى أن يأمر بكل شيء وينهى عن كل شيء فيجوزون النسخ في هذه وغيرها وبكل حال فلم يقع في شيء منها نسخ وإنما جاء النسخ في أمر يسير من فروع الشرائع كما قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة ٤٨] كما شرع السبت لأهل التوراة وشرع لأهل القرآن
стр. 4863
الجمعة وكما حرم عليهم كل ذي ظفر وشحم الثرب والكليتين وأحل لأهل القرآن جمع الطيبات وإنما حرم عليهم الخبائث ورفع الله تعالى عمن اتبعه من أهل الكتاب آصارهم والأغلال التي كانت عليهم فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) [الأعراف ١٥٧] وكذلك الأدلة العقلية الخبرية والأدلة العقلية على حسن بعض الأشياء وقبح بعضها عند من يقول بذلك إذا كانت حقّا فإنها لا تناقض شيئاً مما جاءت به الرسل لا محمداً ﷺ ولا غيره ولا يجوز أن يخبر الرسل بشيء يعلم بالعقل الصريح امتناعه بل لا يجوز أن يخبروا بما لا يعلم بالعقل ثبوته فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول ويجوز أن يكون في بعض ما يخبرون به ما يعجز عقل بعض الناس
стр. 4864
عن فهمه وتصوره فإن العقول متفاوتة وفي عظمة الرب تعالى وملكوته وآياته ومخلوقاته ما لا يستطيع الناس أو كثير منهم أن يروه في الدنيا أو يسمعوا صوته أو يتصوروه ويكفيك أن موسى ﵇ مع عظم قدره لما تجلى ربه للجبل جعله دكّا وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) [الأعراف ١٤٣] ولكن كثير من الناس يظن بعقله أشياء ممتنعة ولا تكون ممتنعة كما يظن أشياء جائزة أو واجبة ولا تكون كذلك ولهذا عامة الطوائف بالعقليات توجب هذا أو تجوز ما يقول الآخر إنه ممتنع وكلاهما يزعم أن العقل دل على ذلك فلهذا كان من الناس من يظن أن المعقولات الصريحة تخالف ما جاء به القرآن والحديث الصحيح من إثبات معاني أسماء الله وصفاته كما يقول ذلك المعطلة الجهمية ومن يشاركهم في بعض ذلك فالذين نفوا علو الله على خلقه ونحو ذلك هم من هؤلاء والرازي في هذا الكتاب قد
стр. 4865
يستوعب ما يحتج به طوائف النفاة من الحجج العقلية وقد تقدم بيان فساد ذلك جميعه من وجوه متعددة تبين أن جميع ما يعتمدون عليه من الحجج التي يسمونها براهين عقلية التي عارضوا بها ما جاء به القرآن والحديث باطلة وأن العقل الصريح موافق ما أخبر به الرسول ﷺ لا يناقضه فالعقل الصريح لا يخالف النقل بل هو يوافقه ويعاضده ويؤيده ويكفينا أن نبين فساد ما يعارضه أما ذكر ما يوافقه من العقليات النظرية فهذا أبلغ وأحسن وقد تبين أن الفطرة العقلية الضرورية متوافقة والعقليات النظرية موافقة فالذين عارضوه هم خالفوا السمع والعقل فكانوا من جنس الذين قالوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) [الملك ١٠]
стр. 4866
فصل قال الرازي الفصل الرابع في تقرير مذهب السلف حاصل هذا المذهب أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظاهرها ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها وقال المتكلمون بل يجب الخوض في تأويل تلك المتشابهات والكلام على هذا من وجوه أحدها أنه لم يحك إلا قولين تحريم التأويل أو وجوبه وبقي القول بجوازه دون وجوبه وهو قول كثير من الناس ومنهم من يوجبه في حال دون حال ومنهم من يجوزه في حال دون حال ولبعض الناس دون بعض وأكثر القائلين بالتأويل هذا
стр. 4867
مذهبهم لم يقولوا إنه واجب على الأعيان لكن قد يقولون إنه واجب على الكفاية الوجه الثاني أن مذهب السلف يعرف بنقل أقوالهم أو نقل من هو خبير بأقوالهم وما ذكره من العبارة لم ينقل عن أحد من السلف ولا نقله من يحكي إجماع السلف ونحن ذكرنا قطعة من أقوال السلف في هذا الباب وأقوال من يحكي مذاهبهم من جميع الطوائف في جواب الفتيا الحموية في الرد على الجهمية وغير ذلك ولكن ما ذكره هذا من مذهب السلف والتفويض إنما يعرض في كلام أبي حامد ونحوه ممن ليس لهم خبرة بكلام السلف ﵏ بل ولا بكلام الرسول ﷺ فلا يميزون بين صحيح هذا وبين
стр. 4868
ضعيفه ولكن ينقلون مذهب السلف بحسب اعتقادهم لا بأقوال السلف وما بينوه وقالوه في هذا الباب وأقوال السلف كثيرة مشهورة في كتب أهل الحديث والآثار الذين يرونها عنهم بالأسانيد المعروفة وكذلك في كتب التفسير وقد صنفوا في هذا الباب مصنفات كثيرة منها من يسمي مصنفه كتاب السنة ومنهم من يسميه الرد على الجهمية ومنهم من يسميه الشريعة ومنهم من يسميه الإبانة عن شريعة
стр. 4869
الفرقة الناجية وفيها من الآثار الثابتة عن السلف التي بها تعرف مذاهبهم ما لا يحصى فمن لم تكن له معرفة بذلك مثل كثير من أهل الكلام هذا وأمثاله إذا نقلوا مذهب السلف مذهباً لا يعرفونه وعن قوم لا يعرفون ما قالوا ويضيفون إلى السلف ما هم بريئون منه ويكذب عليهم فيما ينقل عنهم كما يكذب على الرسول بتقويله ما لم يقله أو القول بلا علم وعلى القرآن بتحريف الكلم عن مواضعه وهذه حقيقة قول الملحدة وهو الافتراء على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين وقد قال تعالى قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣) [الأعراف ٣٣] وقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) [الأعراف ١٥٢]
стр. 4870
الوجه الثالث قوله عن مذهبهم إنه يجب القطع أن مراد الله تعالى منها غير ظاهرها ويجب تفويض معناها إلى الله تعالى فيقال هذا الذي لا يعرف عن أحد من السلف رحمهم الله تعالى لا يعرف عن أحد منهم أنه قال يجب القطع بأن مراد الله منها غير ظاهرها ثم يجب تفويض معناها إلى الرب تعالى بل المعروف عن السلف نفي تشبيهها ومماثلتها بصفات المخلوقين وإنكارهم على الذين يقولون يد كيدي وقدم كقدمي ونزول كنزولي واستواء كاستوائي ونحو ذلك فهذا ثابت صريح عن غير واحد من السلف وأئمة السنة ولا يعرف عن أحد من السلف وأئمة الإسلام المعروفين أنه قال إن الله تعالى جسم أو جوهر أو متحيز ولا قال إنه ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا قال هو في جهة ولا ليس في جهة فهذه الألفاظ نفياً وإثباتا لا توجد في القرآن والحديث ولا يوجد نفيها
следующие страницы →