← Фатава

Фатава · id 287

الفتاوى - محمد الأمين الشنقيطي

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (100 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

آثَارُ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ مُحَمَّد الأَمِيْن الشِّنْقِيطِيِّ (١٠) الفَتَاوَى للشّيْخِ العَلَّامَةِ مُحمَّدِ الأَمِين بْن محمَّد المخْتار الجكني الشِّنْقِيطِيِّ (١٣٢٥ هـ - ١٣٩٣ هـ) تَحقيق سليمان بن عبد الله العمير إشْرَاف بَكر بن عَبدِ اللهِ أَبُو زَيد دَارُ عَطَاءَاتِ العِلمِ - دار ابن حزم _________ قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: نشر الشيخ أحمد بسيوني -حفظه الله- نسخة من الفتوى الثانية (وهي منشورة على المكتبة الشاملة باسم: «من فتاوى العلامة محمد الأمين الشنقيطي»)، وقد ذكر هناك أنه نقلها عن الأصل المكتوب بخط الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀، فذكرنا بعض التعليقات من هذه النسخة ورمزنا لها بـ: (أ).

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المقَدِّمَة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد: فهذه خمس فتاوى للشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ طلب مني من لا يسعني رد طلبه، صاحبُ الفضيلة وحارسُها الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد -حفظه الله- التعليق عليها وخدمتها؛ لتأخذ مكانها ضمن مشروع "آثار الشيخ محمد الأمين الشنقيطي". فاستجبت لهذا الطلب الكريم، وبادرت بالعمل فيها فور وصولها إليَّ حسب ما تقتضيه أصول التحقيق العلمي وخدمة التراث، دون إيجاز مخل أو إطناب ممل، وهو على كل حال جهد مقل، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان وأستغفر الله منه. وإليك أيها القارئ تعريفًا بهذه الفتاوى ونُسَخِها: ١ - الفتوى الأولى: "هل العالم كله مخلوق ومرزوق من بركة النبي ﷺ ، أو ذاك له أسباب أخرى". وهي جواب على سؤال وجه به المكرم الأمير عثمان بن عبد الرحمن، كما هو مثبت في بداية الفتوى. وتقع هذه الفتوى في إحدى عشرة لوحة ذات وجه واحد، بخط مغربي واضح. وهي نسخة متقنة نادرة الأخطاء. ٢ - الفتوى الثانية: "مقر العقل، ومسائل أخرى". والمسائل الأخرى هما مسألتان: أولاهما: هل يشمل لفظ المشركين أهل الكتاب؟

стр. 3

والثانية: هل يجوز دخول الكافر مساجد الله غير المسجد الحرام؟ فتكون هذ الفتوى مشتملة على ثلاث مسائل. وصاحب الاستفتاء هنا هو الشيخ محمد الأمين بن الشيخ محمد الخضر، واستفتاؤه مؤرخ في ٢٣/ ٤ / ١٣٨٩ هـ، وتاريخ وصول الاستفتاء إلى الشيخ في ٢٧/ ٤ / ١٣٨٩ هـ، وهو مطبوع على الآلة الراقمة في ورقة رسمية كتب في الجانب الأيمن من أعلاها: "سفارة المملكة الأردنية الهاشمية -جدة" ولم تخلُ الطباعة من بعض الأخطاء المطبعية التي قمت بإصلاحها دون الإشارة إلى ذلك. وتقع هذه الفتوى في إحدى عشرة لوحة ذات وجه واحد باستثناء ورقتي السؤال والعنوان، وخطها واضح، وناسخها هو تلميذ الشيخ أحمد بن أحمد المختار، وأشار إلى أنه نقلها من خطه. وقد نشرت المسألة الأولى من هذه الفتوى وهي "مقر العقل" في مجلة "صحة القلب" عدد (١٢) ص: ١٦ - ١٩ دون أدنى تعليق، كما نقل المسألة الثانية وهي: "هل يشمل لفظ المشركين أهل الكتاب" فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه "معجم المناهي": ٥١٠. وبالنسبة لمسألة "مقر العقل" فقد ذكر الشيخ فيها القولين المشهورين في محل العقل مع استيفاء الأدلة والمناقشة، ورجح أنه في القلب، ثم أعقب ذلك بذكر قول ثالث يحصل به الجمع بين هذين القولين المتقابلين ويزيل التعارض القائم بينهما، وهو: أن العقل في الأصل محله القلب وله نوع اتصال بالدماغ، وبيَّن أن هذا القول جائز عقلًا، وليس فيه تكذيب للكتاب والسنة، لكنه ﵀ علَّق القول به على قيام الدليل العقلي عليه، والاستقراء المحتج به.

стр. 4

وقد بحث نجم الدين الطوفي هذه المسألة أيضًا بشيء من التفصيل في كتابه "إبطال التحسين والتقبيح" -لا يزال مخطوطًا-، ورجَّح أن محل العقل هو الدماغ، وهو ما اختاره أيضًا في كتابه "شرح مختصر الروضة" كما سيأتي في التعليق على هذه الفتوى. وقد أجاب فيها أيضًا الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ في فتوى له ضمن كتاب "إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار": (٦٦ - ٦٨) وقد انفصل في فتواه هذه عن نحو ما انفصل عنه الشيخ الأمين هنا، إلَّا أنه زاد وجهًا آخر في الجمع بين القولين المشهورين في محل العقل، وهو قوله: "على أنه يمكن أن يقال: إن المخ هو جهاز التصور والإدراك، فهو يتصور الأشياء ويدركها ثم يبعث بها إلى القلب، والقلب يتصرف ويتحكم، كما نقول في حاسة السمع والبصر، تدرك المسموع والمرئي وتبعث بها إلى القلب فيحكم ويتصرف. وهذا جمع آخر بين الوحي وما يقال من العلم الحديث، ويؤيده أن الله تعالى نفى العقل عن الكفار مع أن لهم تصورًا وإدراكًا، لكن لفساد تصرفهم صاروا كمفقودي العقل. فعلى هذا يكون محل تصور المعاني والمعقولات الدماغ، أما الذي يحكم البدن ويتصرف فيه فهو القلب، ومعلوم أنه إذا اختل محل التصور لم يمكن العقل؛ لأن محل التصور هو الجسر الذي يُعبر منه إلى القلب، فإذا اختل لم يصل إلى القلب شيء فيختل "العقل" (١). تنبيه: قد يتساءل بعض الناس هنا: ما جدوى بحث هذه المسألة؟ _________ (١) إزالة الستار: ٦٨.

стр. 5

وما الفائدة المترتبة على كون العقل في القلب أو في الرأس؟ وهل هناك ثمرة عملية لهذا الاختلاف، أو أن الأمر لا يعدو كونه بحثًا نظريًّا ومن قبيل الترف الفكري، ليس إلَّا؟ وجوابًا على هذا التساؤل أقول: إن العلماء ذكروا ثمرة لهذا الاختلاف، وذلك فيما إذا شجه في رأسه موضحةً أو مأمومةً أو نحوهما فذهب عقله بسبب هذه الشجة. فعلى قول من يقول: هو في القلب، يلزمه دية العقل وأرش الشجة، إذ ليس العقل في محل الشجة عند هؤلاء، فيؤاخذ بكلتا الجنايتين، كما لو أذهب سمع رجل وفقأ عينه في ضربة واحدة. وعلى قول من يقول: هو في الرأس لا يلزمه إلَّا دية العقل؛ لأنه إنما أتلف منفعة في العضو المشجوج نفسه، فدخل أرش الشجة في الدية، كما لو أذهب بصر رجل وفقأ عينه في ضربة واحدة، أو أذهب سمع رجل وقطع أذنه في ضربة واحدة (١). والله أعلم. ٣ - الفتوى الثالثة: "التعليل بالحكمة". وهي عبارة عن جواب على سؤال وجه به صاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع عضو هيئة كبار العلماء عن حكم التعليل بالحكمة هل يجوز أو لا يجوز؟ وتقع هذه الفتوى في ست لوحات ذات وجه واحد، وهي بخط الرقعة وناسخها هو صاحب الفضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد عضو _________ (١) انظر: الحدود: ٣٤ للباجي، والمقدمات: ٣/ ٣٣٤، ٣٣٥ لابن رشد، والبحر المحيط: ١/ ٩٠ للزركشي.

стр. 6

هيئة كبار العلماء، وأشار إلى أنه نقلها من قلم المؤلف ضحى اليوم الثاني والعشرين من شهر محرم عام ١٣٩٠ هـ. فقد اجتمع على هذه الفتوى ثلاثة من كبار العلماء؛ السائل والمفتي والناسخ. ٤ - الفتوى الرابعة: "الإجابة الصادرة على صحة الصلاة في الطائرة"، وعنوانها ينبي عن موضوعها، حيث يشير الشيخ في بداية الفتوى إلى أن بعض فضلاء إخوانه طلبوا منه أن يقيد لهم حروفًا تظهر بها صحة صلاة من صلى في الطائرة فأجابهم إلى طلبهم. وهذا الفاضل الذي أشار إليه الشيخ هو الذي وجه إليه ستة أسئلة أثناء رحلته إلى إفريقيا كان سادسها هذا الاستفتاء عن الصلاة في الطائرة، وطلب منه بعد عودته إلى البلاد المقدسة أن يجعلها تأليفًا مستقلًّا ويرسلها إليه، فأجابه الشيخ بقوله: إن شاء الله. انظر: الرحلة الإفريقية: ١٢٩. وقد أفتى بجواز الصلاة في الطائرة جمع من العلماء المعاصرين، منهم: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ كما في فتاواه: (٣/ ١٧٨ - ١٧٩)، والشيخ عبد العزيز بن باز كما في فتاوى مجلة الدعوة: (١/ ٤٨)، والشيخ محمد بن صالح العثيمين كما في الشرح الممتع: (٤/ ٤٨٧)، وفتاوى أركان الإسلام: (٥١٦)، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني كما في صفة الصلاة: (٧٩)، واللجنة الدائمة كما في الفتاوى: (٨/ ١٢٠). وبالنسبة لتسمية هذه الفتوى بهذا الاسم فقد ذكر الدكتور عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس في ترجمته للشيخ الأمين ص: (١٣٩) أن الذي سمّاها به هو ابنه الدكتور عبد الله. وتقع هذه الفتوى في خمس لوحات ذات وجه واحد، وخطها

стр. 7

حديث لا يخلو من بعض الأخطاء والسقط، وليس عليها اسم الناسخ، إلَّا أنه يمكن القطع بأنها ليست بخط الشيخ لقول الناسخ في آخرها: أملاه الشيخ محمد بن الأمين. . . إلخ. وقد طبعت أخيرًا بتحقيق الأستاذ الدكتور عبد الله بن محمد الطيار في دار المتعلم للنشر والتوزيع، دون الإشارة إلى أي نسخة معتمدة في التحقيق، لكن يبدو أنه اعتمد على نسخة أخرى بدليل وجود بعض الفروق والزيادات في طبعته، وقد أفدت منها بإثبات الفروق المؤثرة، أما الزيادات فقد وضعتها بين معقوفين، ولم أشر إلى ذلك في الهامش، على أن فيها أيضًا بعض الأخطاء والسقط وإقحام في المتن في موضع واحد. ٥ - الفتوى الخامسة: "وجهة نظر في حكم السعي فوق سقف المسعى". وهي عبارة عن رأي خاص للشيخ في موضوع حكم السعي فوق سقف المسعى، الذي عرض على هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في دورتها الرابعة المنعقدة ما بين ٢٩/ ١٠ / ١٣٩٣ و ١٢/ ١١ / ١٣٩٣ هـ. حيث رأى الشيخ عدم جواز ذلك مخالفًا بذلك بقية أعضاء الهيئة الذين ذهبوا إلى الجواز. وسيلحق بآخر الفتوى نص القرار الصادر عن الهيئة بهذا الشأن. وهذه الفتوى أو وجهة النظر مطبوعة على الآلة الراقمة في خمس أوراق رسمية ذات وجه واحد، مكتوب عليها في الأعلى من جهة اليمين: "المملكة العربية السعودية -رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد- الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء"، وفي آخرها كتب: "أملاه

стр. 8

الفقير إلى رحمة ربه وعفوه محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي. حرر في ١٢/ ١١/ ١٣٩٣ هـ". ثم توقيع الشيخ باسمه: محمد الأمين. هذا ولم تخل هذه الأوراق من بعض الأخطاء المطبعية، وقد تم تصويبها دون الإشارة إلى ذلك.

стр. 9

نماذج النسخ الخطية

стр. 10

صورة الورقة الأولى من الفتوى رقم (١)

стр. 11

صورة الورقة الأخيرة من الفتوى رقم (١)

стр. 12

صورة ورقة العنوان من الفتوى رقم (٢)

стр. 13

صورة السؤال عن الفتوى رقم (٢)

стр. 14

صورة الورقة الأولى من الفتوى رقم (٢)

стр. 15

صورة الورقة الأخيرة من الفتوى رقم (٢)

стр. 16

صورة الورقة الأولى من الفتوى رقم (٣)

стр. 17

صورة الورقة الأخيرة من الفتوى رقم (٣)

стр. 18

صورة العنوان من الفتوى رقم (٤)

стр. 19

صورة الورقة الأولى من الفتوى رقم (٤)

стр. 20

صورة الورقة الأخيرة من الفتوى رقم (٤)

стр. 21

صورة الورقة الأولى من الفتوى رقم (٥)

стр. 22

صورة الورقة الأخيرة من الفتوى رقم (٥)

стр. 23

الفتوى الأولى هل العالم مخلوق ومرزوق من بركة النبي ﷺ أو ذاك له أسباب أخرى ؟

стр. 24

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صورة سؤال المكرم الأمير عثمان بن عبد الرحمن هي: هل العالم كله مخلوق، ومرزوق من بركة النبي ﷺ ، أو ذلك له أسباب أخرى؟ والجواب عن ذلك من القرآن العظيم، وهو أن الحِكَم التي خُلق من أجلها العالم ورُزق، كلها إلهية ربانية لا نبوية، وقد أوضح الله جلَّ وعلا أنها كلها راجعة إليه هو تعالى، لا إلى سيدنا محمد ﷺ ، فبيَّن أن من حِكم خلقه للمخلوقات، هو أن يقيم بذلك البرهان القاطع على صحة معنى كلمة لا إله إلَّا الله، في آيات كثيرة جدًّا، كقوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [الآية: ١٦٣]، ثم أقام البرهان القاطع على ذلك بقوله بعده: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الآية: ١٦٤]. ومن أعظم الاستدلال بخلق المخلوقات على معنى لا إله إلَّا الله، ما يتضح من النظر في ترتيب أول سورة البقرة؛ لأنه تعالى بدأها بحروف مقطعة هي: ﴿الم (١)﴾؛ ثم أتبع ذلك بتعظيم شأن القرآن في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، ثم بيَّن أن الناس بالشبة إلى الإيمان بالقرآن والكفر به ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: هي التي آمنِت به ظاهرًا وباطنًا، وهم المذكورون في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ الآية [البقرة: ٢ - ٣].

стр. 25

والطائفة الثانية: هي التي كفرت به ظاهرًا وباطنًا، وهم المذكورون في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٦ - ٧]. الطائفة الثالثة: هي التي آمنت به ظاهرًا وكفرت به باطنًا، وهم المنافقون المذكورون في قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [البقرة: ٨ - ٩] وأطال تعالى الكلام في هذه الطائفة الأخيرة؛ لأنها شر الطوائف، فضرب لها المثل بالنار في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ الآية [البقرة: ١٧]، وبالماء في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩]. ولا شك أن كل مسلم سمع هذا التقسيم إلى هذه الطوائف الثلاث، يتمنى أن يعلم الطريق التي توصله إلى أن يكون من الطائفة الطيبة، فبيَّن تعالى أن الطريق الوحيد لكونه منها هو تحقيق هاتين الكلمتين، أعني كلمة: "لا إله إلَّا الله"، وكلمة: "محمد رسول الله"، فجاء بكلمة: "لا إله إلَّا الله" أولًا موضحة إثباتها على حدة، ونفيها على حدة، ثم بين البرهان القاطع على صحتها، وهو خلقه تعالى للمخلوقات، ومن المعلوم أن كلمة: "لا إله إلَّا الله" مركبة من نفي وإثبات؛ لأن "لا إله" نفي، و"إلَّا الله" إثبات، ومعنى النفي منهما هو خلع جميع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات، ومعنى الإثبات منها هو إفراده جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه الشرعي خاصة مع الإخلاص له في ذلك على وجه الذل والخضوع والمحبة. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن قوله جل وعلا بعد ذكر الطوائف

стр. 26

الثلاث: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] كما وصفنا لك، فقوله جل وعلا: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فيه معنى الإثبات من "لا إله إلَّا الله"، وهو أول أمر في المصحف الكريم. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ يتضمن معنى النفي منها على أبلغ وجه وأكمله وأتمه، وهو أول نهي في المصحف الكريم. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ هو البرهان القاطع على صحة معنى "لا إله إلَّا الله"، ولذا جاء به بين طرفيها، وهو نص صريح سماوي في أن من حِكَم خلق الخلق من العقلاء وغيرهم إقامة البرهان بذلك، على أنه تعالى هو المعبود وحده، وهذا البرهان كثير في القرآن كثرة مستفيضة لا خفاء فيها (١)، كقوله تعالى في أول الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الآيات: ٢٠ - ٢٢]، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى: ٢٩]. وقوله في الجاثية: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [٣ - ٥]. وكقوله في يونس: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي

стр. 27

الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾. وقوله في يوسف: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾. وقوله في الأعراف: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ [الآية: ١٨٥]. وقوله في فصلت: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [الآية: ٥٣]. وقوله تعالى في الذاريات: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾. وقوله في آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾. وقوله في الغاشية: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾. فتأمل قوله بعد هذه البراهين القاطعة في سورة الغاشية هذه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تفهم نوع الحكمة في خلق المخلوقات. وكقوله في ق: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾. فتأمل قوله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ تفهم نوع الحكمة في خلق الخلق. والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا، ولأجل ذلك جرت العادة في القرآن بأن الله تعالى يجعل علامة استحقاق العبادة هو كون المعبود

стр. 28

خالقًا؛ لأن خلقه للخلق برهان على استحقاقه للعبادة، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١]، وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (١) واضح في ذلك. وكقوله تعالى في الرعد: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ الآية [الرعد: ١٦]، يعني وخالق كل شيء هو المعبود وحده. وكقوله تعالى في فاطر: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية [٤٠]، وهو صريح في أن من لا يخلق غيره لا يعبد، وأن من يخلق غيره هو الذي يعبد. وبه تعلم أن من حِكَم خلق الخلق الدليل على استحقاق العبادة. ونظير ذلك قوله تعالى في لقمان: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١٠ - ١١]. وقوله في الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ الآية [٤]. وقوله تعالى في الأعراف: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]. وقوله تعالى في الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الآية

стр. 29

[٧٣]، يعني أن من لم يكن خالقًا لا يصح أن يكون معبودًا، والمعبود لا بد أن يكون خالقًا. ولما بيَّن تعالى في سورة النحل تلك البراهين العظيمة على جلالته وعظمته، وأنه المعبود وحده في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ أتبع ذلك بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾. ولمَّا بيَّن في سورة الفرقان علامات من يستحق العبادة بقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ أتبع ذلك بصفات من لا يستحق أن يُعبد بقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣] الآية [٣]. والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا معروفة، وفيها الأدلة القاطعة الواضحة على أن حكمة خلق الخلائق إلهية ربانية، لا نبوية، كما رأيت، وكما سترى. وأما ما أشرنا إليه من برهان "محمد رسول الله"، فهو برهان الإعجاز المذكور بعد برهان "لا إله إلَّا الله" في آية البقرة الماضية، فبرهان "لا إله إلَّا الله" في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١]. وبرهان "محمد رسول الله"، في قوله تعالى بعده: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣]. وليس مقصودنا تقرير برهان الإعجاز، بل الجواب على السؤال المذكور. وقد بيَّن تعالى أن من حِكم خلقه للمخلوقات، هو أن يُعلِم خلقه بكمال قدرته وإحاطة علمه العظيم بكل شيء، كما قال تعالى في آخر سورة الطلاق: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ

стр. 30

لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا (١٢)﴾، فاللام في قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ متعلقة بقوله: ﴿خَلَقَ﴾، أي: خلق ذلك الخلق كله لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأنه محيط بكل شيء علمًا. وبه تعلم أن حكمة خلق الخلق إلهية ربانية لا نبوية. ومن الحكم العظام في خلقه تعالى للخلق، أن يأمرهم وينهاهم على ألسنة رسله، ثم يختبرهم، أي: يبتليهم أيهم أحسن عملًا، ثم يجازيهم على ذلك، وقد أوضح تعالى هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى في أول سورة هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [الآية: ٧]، ثم بيَّن حكمة ذلك فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، فاللام في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ متعلقة بقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. ونظيره في المعنى قوله تعالى في أول الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾. وقوله تعالى في أول الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الآية: ٢]. وقوله تعالى في آخر الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾، فقوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ التحقيق في معناه أن المراد: إلَّا لآمرهم بعبادتي (١)، وأنهاهم عن معصيتي، فأوفق من شئت منهم إلى عبادتي، كما دلت على

стр. 31

هذا المعنى الآيات المذكورة آنفًا في الملك وهود والكهف. والغرض الشرعي المراد من طاعة الله وعبادته والخضوع له وتعظيمه، يحصل بفعل السعداء دون الأشقياء، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله في الأنعام: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾. وقوله تعالى في فصلت: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾. واختار ابن جرير الطبري ﵀ -ومعلوم أنه من كبار المفسرين، وقال بعض العلماء: هو كبير المفسرين (١) - أن معنى الآية: ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: ليقروا لي بالعبودية، ويخضعوا ويذعنوا لذلك، فالمؤمنون يذعنون طوعًا، والكفار يذعنون كرهًا، وهو قول ابن عباس (٢). وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾. وما يزعمه كثير من متأخري المفسرين (٣) من أن اللام في ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ للصيرورة، لا أصل له؛ وهو مبنيٌّ على شيء مذكور في علم الكلام، لا يشك عالم بكتاب الله منصف في بطلانه، كما أوضحناه مرارًا (٤)، وقد

стр. 32

رأيت في الآيات الماضية أنت من حِكَم خلق الخلق أمرهم بعبادة الله، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا، ومعلوم أن الأمر والنهي لا تتم الحكمة فيهما إلَّا بجزاء المحسنين بالإحسان، والمسيئين بالإساءة. ولذلك بيَّن تعالى في آيات كثيرة أن من حِكَم خلقه تعالى للخلائق جزاء المحسنين منهم بإحسانه، والمسيء منهم بإساءته، كقوله تعالى في النجم: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾. فقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: هو خالقهما وما فيهما، ثم بيَّن الحكمة فقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ الآية. ويزيد ذلك إيضاحًا قوله تعالى في أول يونس: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾، والكفار الذين ظنّوا أن خلق السموات والأرض وما فيهما لا لتكليف وحساب وجزاء، هدَّدهم بالويل من النار بسبب هذا الظن السيء المقتضي تجرد خلقه للخلائق عن حكمة التكليف والحساب والجزاء، وذلك في قوله في ص: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾. وقد نزه نفسه تعالى عن أن يكون خلق الخلق إلا لبعث وجزاء، وأنكر على من ظن ذلك إنكارًا شديدًا في آخر سورة الفلاح (١)، قال منكرًا ذلك

стр. 33

بهمزة استفهام الإنكار: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ ثم نزه نفسه عن ذلك الحسبان المقتضي تجرد خلقهم عن حكمة البعث والجزاء أكمل تنزيه وأتمه بقوله: ﴿فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون﴾ أي: تعالى الله الملك الحق وتقدس وتعاظم وتنزه عن أن يكون خلقهم عبثًا لا لحكمة بعث وجزاء. وقال تعالى منكرًا ذلك أيضًا: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة: ٣٦]. وهذا الذي نزه تعالى عنه نفسه من كونه خلقهم باطلًا لا لبعث وجزاء نزهه عنه أيضًا أولوا الألباب، أي أصحاب العقول السليمة، وذلك في قوله تعالى في آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ فقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك عن أن تكون خلقت هذا الخلق باطلًا لا لحكمة تكليف وبعث وحساب وجزاء، فتنزيههم له عن ذلك بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ كتنزيهه لنفسه عن ذلك بقوله: ﴿فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ الآية. وأما مسألة رزقه تعالى الخلق، فقد بيَّن تعالى في آيات كثيرة من كتابه أن من حِكَم ذلك كونه برهانًا قاطعًا على أنه لا إله إلَّا هو وحده، وأنه المعبود وحده، فكونه هو الرازق لخلقه من أعظم أدلة التوحيد الدالة على عظمته جل وعلا وجلاله وكمال قدرته، ولذا يأتي بصفة الرزق دائمًا في القرآن في إقامة البرهان على توحيده تعالى، كقوله

стр. 34

تعالى في الروم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ [الروم: ٤٠]. وقوله تعالى في يونس: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾. وقوله تعالى في النمل: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الآية [النمل: ٦٤]. وقوله في غافر: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إلا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾. وقوله تعالى في الجاثية: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾. وقوله تعالى في البقرة: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾. وقوله في غافر: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ الآية [٦٤]. وقوله تعالى في الأنعام: ﴿قُلْ أَغَيرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الآية: ١٤]. وقوله تعالى في العنكبوت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾. ومن أصرح البراهين في ذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ إلى قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس].

стр. 35

والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا. وصفة الرزق في جميع الآيات المذكورة إنما هي من براهين التوحيد، وبذلك تعلم أن من حِكَم رزقه تعالى لخلقه إقامة البرهان لهم بذلك على عظمته وكمال قدرته، وأنه المعبود وحده جل وعلا، وبه تعلم أن حكمة رزق الخلق إلهية ربانية لا نبوية، وقد بيَّن تعالى امتنانه على سيدنا محمد ﷺ بأنه تعالى هو الذي رزقه كما رزق جميع الرسل وجميع الخلق، قال تعالى مخاطبًا له ﷺ في سورة الضحى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ أي: وجدك فقيرًا فأغناك برزقه الحلال الطيب. وقال تعالى مخاطبًا له أيضًا في طه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾. وقد بيَّن تعالى أن من حِكَم رزقه لخلقه إظهار شدة حاجتهم وفقرهم وفاقتهم إلى رحمته جل وعلا، وأنه لو أمسك عنهم الرزق أو أبعد عنهم الماء في داخل الأرض حتى لا يستطيعوا الوصول إليه، أو جعله ملحًا أُجاجًا لا يمكن أن يُشرب لهلكوا جميعًا، ولم يقدر أحد كائنًا من كان أن يطعمهم ولا أن يسقيهم، قال تعالى في الملك: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الآية: ٢١]، وقال فيها أيضًا: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾. وقال في الواقعة: ﴿أَفَرَأَيتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾. وقد بيَّن تعالى أن من حِكَم رزقه لخلقه عظمة رحمته وفضله وكرمه، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].

стр. 36

فقد رأيت في بالآيات القرآنية بعض حِكَم خلق الله تعالى لخلقه ورزقه لهم. ومعلوم أن من أسمائه "الخالق"، ومن أسمائه "الرزاق". ومعلوم أن أسماءه أزلية لا أول لها، وبالجملة فإيضاح هذا المبحث كله هو أن الله جل وعلا غني عن الخلائق كلهم، وقد اقتضت حكمته أن يخلق السموات والأرض ونحوهما ليقيم بذلك برهانًا قاطعًا على كمال قدرته وعظمته وأنه المعبود وحده، وخلق العقلاء كلهم لتلك الحكمة، ولحكم أخرى عظيمة، وهي أنه يأمرهم وينهاهم على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، ثم يوفق فريقًا منهم، وهم أهل الجنة، ولم يفعل ذلك لغيرهم، وهم أهل النار، وقد أشار تعالى إلى أن اختلافهم إلى شقي وسعيد من الحكم التي خلقهم لأجلها في سورة هود في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [الآيتان: ١١٨ - ١١٩]. والتحقيق أن الإشارة في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ﴾ راجعة إلىِ اختلافهم إلى شعي وسعيد (١)، المذكور في ضمن قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، ولذا ذكر بعده مصير فريق الأشقياء بقوله: ﴿خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ الآية [١١٩]. والاختلاف المذكور في آية هود هذه، هو المذكور في التغابن في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [الآية: ٢]. وفي الشورى (٢) في قوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي

стр. 37

الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾. وفي الأعراف في قوله تعالى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيهِمُ الضَّلَالةُ﴾ [الآية: ٢٩ - ٣٠]. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا. ومن الحكم الباهرة في إسعاد قوم، وإشقاء آخرين: أن كلًّا من الفريقين ينكشف فيه بعض أسرار أسمائه الحسنى، وصفاته العلا، فالذين وفقهم لفعل الخير، يظهر فيهم بعض أسرار أسمائه وصفاته، فالذين يرحمهم يظهر فيهم سرّ رحمته، التي اشتق لنفسه منه اسمه "الرحيم" و"الرحمن"، ورأفته التي منه اسمه "الرؤوف"، وكرمه الذي منه اسمه "الكريم"، وحكمه الذي منه اسم "الحكيم"، وهكذا. والذين أشقاهم الله يظهر فيهم أسرار بعض (١) أسمائه وصفاته، كانتقامه الذي منه اسمه المنتقم، وكبريائه وجبروته الذَيْن منهما اسماه "الجبار" و"المتكبر"، وهكذا أيضًا لأن بذلك يجتمع الخوف والمحبة (٢). وعلى كل حال، فسيدنا وسيد الخلائق كلها محمد ﷺ أعطاه الله جل وعلا من التشريف والتعظيم والتكريم وعلو الشأن في العالم العلوي والسفلي، مما هو ثابت في كتاب الله والسنة الصحيحة، ما هو أشد الغنى عن ادعاء تعظيمه بأمور لا أساس لها ولا مستند لها ألبتة، ولم يقل ﷺ حرفًا منها. فعلى المسلم أن يتثبت ويتحفظ، وألَّا يقول على نبينا ﷺ شيئًا إلَّا

стр. 38

بعد ثبوت صحته، لأنه ﷺ روى عنه سبعون (١) من أصحابه أنه قال: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٢). وعلى كل حال فمن المعلوم الواضح أنه لا ينبغي لأحد أن يقول: إن فرعون وهامان وقارون وعاقر ناقة صالح وأبا جهل وأمية بن خلف ونحوهم من أئمة الكفر خلقوا من بركة سيدنا محمد ﷺ ، وكذلك سائر المشركين والكفار، لأنه ﷺ خير كله، ولا ينشأ عنه إلَّا خير محض كما لا يخفى.

стр. 39

الفتوى الثانية ١ - مسألة مقر العقل من الإنسان. ٢ - هل يشمل لفظ المشركين أهل الكتاب. ٣ - هل يجوز دخول الكافر مساجد الله غير المسجد الحرام.

стр. 40

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نص السؤال: حضرة صاحب الفضيلة الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي المحترم بعد السلام عليكم: أبدي أنه أمامي الآن مسألتين، بحثت عن شخص يمكنه إيضاحهما بما يتفق والدين والواقع مؤيدًا بالأدلة الشرعية والعقلية، فرأيت أن ذلك الشخص هو فضيلتكم، ولهذا أرجوكم التفضل بذلك لما لها من الأهمية في هذه الأيام، وإشغالها مجالس كثير من الفكريين والعقلاء. ١ - تعلمون أن القرآن صرح بأن محل العقل القلب ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ والحديث: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". وتعلمون أن الإمام أبا حنيفة يرى أن محل العقل الدماغ وكذلك الحكماء، وأن البعض ذهب إلى أن الدماغ أداة من أدوات القلب، فما هو المخرج في ذلك. ٢ - تعلمون أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، وتعلمون أن القرآن فرَّق بين المشركين وأهل الكتاب: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾. وتعلمون أن سيدنا عمر بن عبد العزيز أمر بإلحاق أهل الكتاب بالمشركين في عدم دخول المسجد الحرام، وأن
следующие страницы →