← Фатава

Фатава · id 287

الفتاوى - محمد الأمين الشنقيطي

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (100 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فقد رأيت في بالآيات القرآنية بعض حِكَم خلق الله تعالى لخلقه ورزقه لهم. ومعلوم أن من أسمائه "الخالق"، ومن أسمائه "الرزاق". ومعلوم أن أسماءه أزلية لا أول لها، وبالجملة فإيضاح هذا المبحث كله هو أن الله جل وعلا غني عن الخلائق كلهم، وقد اقتضت حكمته أن يخلق السموات والأرض ونحوهما ليقيم بذلك برهانًا قاطعًا على كمال قدرته وعظمته وأنه المعبود وحده، وخلق العقلاء كلهم لتلك الحكمة، ولحكم أخرى عظيمة، وهي أنه يأمرهم وينهاهم على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، ثم يوفق فريقًا منهم، وهم أهل الجنة، ولم يفعل ذلك لغيرهم، وهم أهل النار، وقد أشار تعالى إلى أن اختلافهم إلى شقي وسعيد من الحكم التي خلقهم لأجلها في سورة هود في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [الآيتان: ١١٨ - ١١٩]. والتحقيق أن الإشارة في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ﴾ راجعة إلىِ اختلافهم إلى شعي وسعيد (١)، المذكور في ضمن قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، ولذا ذكر بعده مصير فريق الأشقياء بقوله: ﴿خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ الآية [١١٩]. والاختلاف المذكور في آية هود هذه، هو المذكور في التغابن في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [الآية: ٢]. وفي الشورى (٢) في قوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي

стр. 37

الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾. وفي الأعراف في قوله تعالى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيهِمُ الضَّلَالةُ﴾ [الآية: ٢٩ - ٣٠]. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا. ومن الحكم الباهرة في إسعاد قوم، وإشقاء آخرين: أن كلًّا من الفريقين ينكشف فيه بعض أسرار أسمائه الحسنى، وصفاته العلا، فالذين وفقهم لفعل الخير، يظهر فيهم بعض أسرار أسمائه وصفاته، فالذين يرحمهم يظهر فيهم سرّ رحمته، التي اشتق لنفسه منه اسمه "الرحيم" و"الرحمن"، ورأفته التي منه اسمه "الرؤوف"، وكرمه الذي منه اسمه "الكريم"، وحكمه الذي منه اسم "الحكيم"، وهكذا. والذين أشقاهم الله يظهر فيهم أسرار بعض (١) أسمائه وصفاته، كانتقامه الذي منه اسمه المنتقم، وكبريائه وجبروته الذَيْن منهما اسماه "الجبار" و"المتكبر"، وهكذا أيضًا لأن بذلك يجتمع الخوف والمحبة (٢). وعلى كل حال، فسيدنا وسيد الخلائق كلها محمد ﷺ أعطاه الله جل وعلا من التشريف والتعظيم والتكريم وعلو الشأن في العالم العلوي والسفلي، مما هو ثابت في كتاب الله والسنة الصحيحة، ما هو أشد الغنى عن ادعاء تعظيمه بأمور لا أساس لها ولا مستند لها ألبتة، ولم يقل ﷺ حرفًا منها. فعلى المسلم أن يتثبت ويتحفظ، وألَّا يقول على نبينا ﷺ شيئًا إلَّا

стр. 38

بعد ثبوت صحته، لأنه ﷺ روى عنه سبعون (١) من أصحابه أنه قال: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٢). وعلى كل حال فمن المعلوم الواضح أنه لا ينبغي لأحد أن يقول: إن فرعون وهامان وقارون وعاقر ناقة صالح وأبا جهل وأمية بن خلف ونحوهم من أئمة الكفر خلقوا من بركة سيدنا محمد ﷺ ، وكذلك سائر المشركين والكفار، لأنه ﷺ خير كله، ولا ينشأ عنه إلَّا خير محض كما لا يخفى.

стр. 39

الفتوى الثانية ١ - مسألة مقر العقل من الإنسان. ٢ - هل يشمل لفظ المشركين أهل الكتاب. ٣ - هل يجوز دخول الكافر مساجد الله غير المسجد الحرام.

стр. 40

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نص السؤال: حضرة صاحب الفضيلة الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي المحترم بعد السلام عليكم: أبدي أنه أمامي الآن مسألتين، بحثت عن شخص يمكنه إيضاحهما بما يتفق والدين والواقع مؤيدًا بالأدلة الشرعية والعقلية، فرأيت أن ذلك الشخص هو فضيلتكم، ولهذا أرجوكم التفضل بذلك لما لها من الأهمية في هذه الأيام، وإشغالها مجالس كثير من الفكريين والعقلاء. ١ - تعلمون أن القرآن صرح بأن محل العقل القلب ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ والحديث: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". وتعلمون أن الإمام أبا حنيفة يرى أن محل العقل الدماغ وكذلك الحكماء، وأن البعض ذهب إلى أن الدماغ أداة من أدوات القلب، فما هو المخرج في ذلك. ٢ - تعلمون أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، وتعلمون أن القرآن فرَّق بين المشركين وأهل الكتاب: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾. وتعلمون أن سيدنا عمر بن عبد العزيز أمر بإلحاق أهل الكتاب بالمشركين في عدم دخول المسجد الحرام، وأن

стр. 41

عطاء ﵁ جعل المسجد يشمل الكل، وعلى هذا درج المسلمون إلى الآن، فما هو سند سيدنا عمر وما هو النهج الديني في ذلك؟ ولكم من الله الأجر والثواب، ومني الشكر مع جزيل التحية.

стр. 42

هذه فتوى الشيخ محمد الأمين عما استفتاه عنه الشيخ محمد الأمين ابن الشيخ محمد الخضر عن مقر العقل ومسائل أخرى، نقلته من خطه. توقيع: أحمد بن أحمد المختار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حضرة صاحب المعالي أخي المكرم الشيخ محمد الأمين بن الشيخ محمد الخضر حفظه الله ووفقه: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، فقد وصلنا خطابكم الكريم بتاريخ ٢٧/ ٤/ ١٣٨٩ هـ[١] وفهمنا ما سألتم عنه. والجواب -حفظكم الله ووفقكم- عن المسألة الأولى التي هي محل العقل هو ما ستراه، ولا يخفى على معاليكم أن بحث العقل بحث فلسفي قديم، وللفلاسفة فيه مائة طريق باعتبارات كثيرة مختلفة، غالبها كله تخمين وكذب وتخبط في ظلام الجهل، وهم يسمون الملائكة عقولًا ويكثرون البحث في العقول العشرة المعروفة عندهم، ويزعمون أن المؤثر في العالم هو العقل الفياض، وإن نوره ينعكس على العالم كما (تنعكس الشمس) [٢] على المرآة، فتحصل تأثيراته بذلك الانعكاس، ويبحثون في العقل البسيط الذي يمثل به المنطقيون للنوع البسيط، إلى غير ذلك من بحوثهم الباطلة المتعلقة بالعقل من نواح شتى (١)، ومن تلك البحوث قول عامتهم إلَّا القليل منهم، إن محل العقل الدماغ، وتبعهم في ذلك قليل من المسلمين، ويذكر عن الإمام أحمد أنه جاءت

стр. 43

عنه رواية بذلك (١) وعامة علماء المسلمين على أن محل العقل القلب (٢)، وسنوضح -إن شاء الله تعالى- حجج الطرفين ونبين ما هو الصواب في ذلك. اعلم [أولا] [١]، وفقنا الله وإياك، أن العقل نور روحاني تدرك به النفس العلوم النظرية والضرورية (٣)، وأن من خلقه وأبرزه من العدم إلى الوجود وزين به العقلاء وأكرمهم به، أعلمُ بمكانه الذي جعله فيه من جملة الفلاسفة الكفرة الخالية قلوبهم من نور سماوي وتعليم إلهي، وليس أحد بعد الله أعلم بمكان العقل من النبي ﷺ الذي قال في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم]، وقال تعالى عن نفسه: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠].

стр. 44

والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في كل منهما التصريح بأن محل العقل القلب، وكثرة ذلك وتكراره في الوحيين لا يترك احتمالًا ولا شكًّا في ذلك، وكل نظر عقلي صحيح يستحيل أن يخالف الوحي الصريح، وسنذكر طرفًا من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك، وطرفًا من الأحاديث النبوية، ثم نبين حجة من خالف الوحي من الفلاسفة ومن تبعهم، ونوضح الصواب في ذلك إن شاء الله تعالى. واعلم -أولًا- أنه يغلب في الكتاب والسنة إطلاق القلب وإرادة العقل، وذلك أسلوب عربي معروف؛ لأن من أساليب اللغة العربية إطلاق المحل وإرادة الحال فيه كعكسه، والقائلون بالمجاز يسمون ذلك الأسلوب العربي مجازًا مرسلًا، ومن علاقات المجاز المرسل عندهم المحلية والحالية، كإطلاق القلب وإرادة العقل؛ لأن القلب محل العقل، وكإطلاق النهر الذي هو الشق في الأرض على الماء الجاري فيه، كما هو معلوم في محله. (وهذه) [١] بعض نصوص الوحيين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٧٩]، فعابهم الله بأنهم لا يفقهون بقلوبهم، والفقه الذي هو الفهم لا يكون إلَّا بالعقل، فدلَّ ذلك على أن القلب محل العقل، ولو كان الأمر كما (زعمت) [٢] الفلاسفة لقال: لهم أدمغة لا يفقهون بها. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]، ولم يقل: فتكون لهم أدمغة يعقلون بها، ولم يقل: ولكن تعمى الأدمغة التي في الرؤوس كما ترى، فقد صرح في آية الحج هذه بأن

стр. 45

القلوب هي التي يعقل بها، وما ذلك إلَّا لأنها محل العقل كما ترى، ثم أكَّد ذلك تأكيدًا لا يترك شبهة ولا لبسًا فقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فتأمل قوله: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ تفهم ما فيه من التأكيد والإيضاح، ومعناه: أن القلوب التي في الصدور هي التي تعمى إذا سلب الله منها نور العقل، فلا تميز بعد عماها بين الحق والباطل، ولا بين الحسن والقبيح، ولا بين النافع والضار، وهو صريح (بأن) [١] الذي يميز به كل ذلك وهو (١) العقل ومحله القلب. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٩]، ولم يقل: بدماغ سليم، وقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٧] ولم يقل: على أدمغتهم، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ الآية [الكهف: ٥٧]، ومفهوم مخالفة الآية أنه لو لم يجعل الأكنة على قلوبهم لفقهوه بقلوبهم؛ وذلك لأن محل العقل القلب كما ترى، ولم يقل: إنا جعلنا على أدمغتهم أكنة أن يفقهوه. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ الآية [ق: ٣٧]، ولم يقل: لمن كان له دماغ. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآية [البقرة: ٧٤]، ولم يقل: ثم قست أدمغتكم، وكون القلب إذا قسا لم يطع صاحبُه اللهَ، وإذا لان أطاع الله، دليلٌ على أن المميز الذي تراد به الطاعة والمعصية محله القلب كما ترى، وهو العقل. وقال تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢]،

стр. 46

وقال تعالى: ﴿فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [الحديد: ١٦]، ولم يقل: (فويل) [١] للقاسية أدمغتهم، ولم يقل: فطال عليهم الأمد فقست أدمغتهم. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ الآية [الجاثية: ٢٣]، ولم يقل: وختم على سمعه ودماغه. وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ الآية [الأنفال: ٢٤]، ولم يقل: ودماغه. وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [الفتح: ١١]، ولم يقل: ما ليس في أدمغتهم. وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ الآية [النحل: ٢٢]، ولم يقل: أدمغتهم منكرة. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [سبأ: ٢٣]، ولم يقل: (إذا فزع) [٢] عن أدمغتهم. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ الآية [محمد: ٢٤]، ولم يقل: (أم) [٣] على أدمغة أقفالها. وانظر ما أصرح آية القتال هذه في أن التدبر وإدراك المعاني به إنما هو للقلب، ولو جعل على القلب قفل لم يحصل الإدراك، فتبين أن الدماغ ليس هو محل الإدراك كما ترى. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، ولم يقل: أزاغ الله أدمغتهم. وقال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ الآية [الرعد: ٢٨] ولم يقل: تطمئن الأدمغة. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾

стр. 47

[الأنفال: ٢] ولم يقل: وجلت أدمغتهم، والطمأنينة والخوف عند ذكر الله كلاهما إنما يحصل بالفهم والإدراك، وقد صرحت الآيات المذكورة بأن محل ذلك القلب لا الدماغ، وبين في آيات كثيرة أن الذي يدرك الخطر فيخاف منه هو القلب الذي هو محل العقل لا الدماغ، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ الآية [الأحزاب: ١٠]، (وقوله) [١] تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ الآية [النازعات: ٨]، وإن كان الخوف تظهر آثاره على الإنسان. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠] ولم يقل: (ونطبع) [٢] على أدمغتهم، وقال تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾ الآية [الكهف: ١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠] والآيتان المذكورتان فيهما [من] [٣] الدلالة على أن محل إدراك الخطر المسبب للخوف هو القلب كما ترى لا الدماغ. والآيات الواردة في الطبع على القلوب متعددة، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [المنافقون: ٣]، ولم يقل: فطبع على أدمغتهم، (وكقوله) [٤] تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [التوبة: ٩٣]، ولم يقل: على أدمغتهم، وقال تعالى: ﴿إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ الآية [النحل: ١٠٦]، والطمأنينة بالإيمان إنما تحصل بإدراك فضل الإيمان وحسن نتائجه وعواقبه، وقد صرح في هذه الآية بإسناد ذلك الاطمئنان إلى القلب الذي هو محل العقل الذي هو أداة النفس في الإدراك، ولم يقل ودماغه مطمئن بالإيمان. وقال تعالى: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] ولم يقل: في أدمغتكم، وقال

стр. 48

تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وقوله: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾، صريح في أن المحل الذي يدخله الإيمان في المؤمن وينتفي عنه دخوله في الكافر [إنما] [١] هو القلب لا الدماغ، وأساس الإيمان إيمان القلب؛ لأن الجوارح كلها تبع له، كما قال ﷺ : "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١). فظهر (بذلك) [٢] دلالة الآيتين المذكورتين على أن المصدر الأول للإيمان القلب، فإذا آمن القلب آمنت الجوارح بفعل المأمورات وترك المنهيات؛ لأن القلب أمير البدن، وذلك يدل دلالة واضحة على أن القلب ما كان كذلك إلَّا لأنه محل العقل الذي به الإدراك والفهم كما ترى. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فأسند الإثم بكتم الشهادة للقلب ولم يسنده للدماغ، وذلك يدل على أن (كتمه) [٣] الشهادة الذي هو سبب الإثم واقع عن عمد، وأن محل ذلك العمد القلب؛ وذلك لأنه محل العقل الذي يحصل به الإدراك، وقصد الطاعة وقصد المعصية كما ترى. وقال تعالى في حفصة وعائشة ﵄: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] أي: مالت قلوبكما إلى أمر تعلمان أنه ﷺ يكرهه، سواء قلنا إنه تحريم شرب العسل -الذي كانت تسقيه إياه إحدى نسائه -أو قلنا إنه تحريم جاريته مارية. فقوله: ﴿صَغَتْ

стр. 49

قُلُوبُكُمَا﴾ أي: مالت. يدل على أن الإدراك وقصد الميل المذكور محله القلب، ولو كان الدماغ لقال: فقد صغت أدمغتكما كما ترى. ولما ذكر كل من اليهود والمشركين أن محل عقولهم هو قلوبهم قررهم الله على ذلك؛ لأن كون القلب محل العقل حق، وأبطل دعواهم من جهة أخرى، وذلك يدل بإيضاح على أن محل العقل القلب. أما اليهود لعنهم الله، فقد ذكر الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ الآية [البقرة: ٨٨] فقال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]. فقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ بسكون اللام يعنون أن عليها غلافًا، أي: غشاء يمنعها من فهم ما تقول، فقررهم الله على أن قلوبهم هي محل الفهم والإدراك، لأنها محل العقل، ولكن كذبهم في ادعائهم أن عليها غلافًا مانعًا من الفهم، فقال على سبيل الإضراب الإبطالي: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ الآية، وأما على قراءة ابن عباس ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ بضمتين (١) يعنون أن قلوبهم كأنها غلاف محشو بالعلوم والمعارف، فلا حاجة لنا إلى ما (تدعوننا) [١] إليه، وذلك يدل على علمهم بأن محل العلم والفهم القلوب لا الأدمغة. وأما المشركون فقد ذكر الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ [وَمِنْ بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ] [٢]﴾ الآية [فصلت: ٥]، فكانوا عالمين بأن محل العقل القلب، ولذا قالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ﴾، ولم يقولوا: أدمغتنا في أكنة مما تدعونا إليه، والله لم يكذبهم في ذلك، ولكنه وبخهم على كفرهم بقوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ﴾ الآية [فصلت: ٩].

стр. 50

وهذه الآيات التي أطلق فيها القلب مرادًا به العقل لأن القلب هو محله، أوضح الله [ذلك] [١] المراد منها بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] فصرح بأنهم يعقلون بالقلوب، وهو يدل على أن محل العقل القلب دلالة لا مطعن فيها كما ترى. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] ولم يقل: يختم على دماغك، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ الآية [الأنعام: ٤٦]، ولم يقل: وختم على أدمغتكم. وقال تعالى في النحل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨)﴾. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ الآية [الحجرات: ٣] ولم يقل: امتحن أدمغتهم. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٧]. والآيات بمثل هذا كثيرة، ولنكتف منها بما ذكرنا خشية الإطالة المملة. وأما الأحاديث المطابقة للآيات التي ذكرنا الدالة على أن محل العقل القلب، فهي كثيرة جدًّا كالحديث الصحيح الذي (ذكر) [٢] والذي فيه: "ألا وهي القلب" (١)، ولم يقل فيه: ألا وهي الدماغ، وكقوله ﷺ : "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" (٢)، ولم يقل: يا مقلب الأدمغة ثبت

стр. 51

دماغي على دينك، وكقوله ﷺ : "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" (١) [الحديث] [١]، وهو من أحاديث الصفات، ولم يقل: دماغ المؤمن إلخ. والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدًّا فلا نطيل بها الكلام، وقد تبين مما ذكرنا أن خالق العقل وواهبه للإنسان بيَّن في آيات قرآنية كثيرة أن محل العقل القلب، وخالقه أعلم بمكانه من كفرة الفلاسفة، وكذلك رسوله ﷺ كما رأيت. أما عامة الفلاسفة إلَّا القليل النادر منهم فإنهم يقولون: إن محل العقل الدماغ، وشذت طائفة من متأخريهم فزعموا أن العقل ليس له مركز مكاني في الإنسان أصلًا، وإنما هو زماني محض لا مكان له، وقول هؤلاء أظهر سقوطًا من أن نشتغل بالكلام عليه. ومن أشهر الأدلة التي يستدل بها القائلون إن محل العقل الدماغ هو أن كل شيء يؤثر في الدماغ يؤثر في العقل، ونحن لا ننكر أن العقل قد يتأثر بتأثر الدماغ، ولكن نقول بموجبه، فنقول: سلمنا أن العقل قد يتأثر بتأثر الدماغ، ولكن لا نسلم أن ذلك يستلزم أن محله الدماغ، وكم من عضو من أعضاء الإنسان خارج عن الدماغ بلا نزاع، وهو يتأثر بتأثر الدماغ كما هو معلوم، وكم من شلل في بعض أعضاء الإنسان ناشئ (عن اختلاف) [٢] واقع في الدماغ، فالعقل خارج عن الدماغ، ولكن سلامته مشروطة بسلامة الدماغ، كالأعضاء

стр. 52

التي تختل باختلال الدماغ فإنها خارجة عنه، مع أن سلامتها (مشروطة) [١] فيها سلامة الدماغ كما هو معروف. وإظهار حجة هؤلاء والرد عليها -على الوجه المعروف في آداب البحث والمناظرة-: أن حاصل دليلهم أنهم يستدلون بقياس منطقي (١) من الشرطي المتصل المركب من شرطية متصلة لزومية واستثنائية يستثنون فيه نقيض التالي فينتج لهم في زعمهم دعواهم المذكورة التي هي نقيض المقدم. وصورته أنهم يقولون: لو لم يكن العقل في الدماغ لما تأثر بكل مؤثر على الدماغ، لكنه يتأثر بكل مؤثر على الدماغ، ينتج العقل في الدماغ. وهذا الاستدلال مردود بالنقض التفصيلي الذي هو المنع، وذلك بمنع كبراه التي هي شرطيته، (فنقول: المانع منع قولك) [٢] لو لم يكن العقل في الدماغ لما تأثر بكل مؤثر (في) [٣] الدماغ، بل هو خارج عن الدماغ مع أنه (يتأثر بكل مؤثر على الدماغ) [٤] كغيره من الأعضاء التي تتأئر بتأثر الدماغ، فالربط بين التالي والمقدم غير صحيح، والمحل الذي يتوارد عليه الصدق والكذب في الشرطية إنما هو الربط بين مقدمها وتاليها، فإن لم يكن الربط صحيحًا كانت كاذبة، والربط في قضيتهم المذكورة كاذب، فظهر بطلان دعواهم.

стр. 53

وهناك طائفة ثالثة أرادت أن تجمع بين القولين، فقالت: إن ما دل عليه الوحي من كون محل العقل هو القلب صحيح، وما يقوله الفلاسفة ومن وافقهم من أن محله الدماغ صحيح أيضًا، فلا منافاة بين القولين. قالوا: ووجه الجمع أن العقل في القلب كما في القرآن والسنة ولكن نوره يتصاعد من القلب فيتصل بالدماغ وبواسطة اتصاله بالدماغ يصدق عليه أنه في الدماغ من غير منافاة لكون محله هو القلب (١). قالوا: وبهذا يندفع التعارض بين النظر العقلي الذي زعمه الفلاسفة وبين الوحي. واستدل بعضهم لهذا الجمع بالاستقراء غير التام، وهو المعروف في الأصول بإلحاق الفرد بالغالب، وهو حجة ظنية عند (جماعة) [١] الأصوليين (٢) وإليه أشار صاحب مراقي السعود في كتاب الاستدلال في الكلام على أقسام الاستقراء بقوله: وهو لدى (٣) البعض إلى الظن انتسبْ ... يُسْمى لحوقَ الفرد بالذي غلبْ (٤)

стр. 54

ومعلوم أن الاستقراء هو تتبع الأفراد حتى يغلب على ظنه أن ذلك الحكم مطرد في جميع الأفراد، وإيضاح هذا أن القائلين بالجمع المذكور بين الوحي وأقوال أهل الفلسفة في محل العقل. قالت جماعة منهم: دليلنا على هذا الجمع الاستقراء غير التام، وذلك أنهم قالوا: تتبعنا أفراد الإنسان الطويل العنق طولًا مفردًا زائدًا على المعهود زيادة بينة، فوجدنا كل طويل العنق طولًا مفرطًا ناقص العقل، وذلك لأن طول العنق طولًا مفرطًا يلزمه بعد المسافة بين طريق نور العقل الكائن في القلب وبين المتصاعد منه إلى الدماغ، وبعد المسافة بين طرفيه يؤدي إلى عدم تماسكه واجتماعه فيظهر فيه النقص. وهذا الدليل كما ترى ليس فيه مقنع وإن كان يشاهد مثله في الخارج كثيرًا، فتحصل من هذا أن الذي يقول إن العقل في الدماغ وحده وليس في القلب منه شيء أن قوله في غاية البطلان، لأنه مكذب لآيات وأحاديث كثيرة كما ذكرنا بعضه. وهذا القول لا يتجرأ عليه مسلم إلَّا إن كان لا يؤمن بكتاب الله ولا بسنة رسوله ﷺ ، وهو إن كان كذلك ليس بمسلم. ومن قال: إنه في القلب وحده، وليس في الدماغ منه شيء، فقوله هو ظاهر كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولم يقم دليل جازم قاطع من نقل ولا عقل على خلافه. [*وادعاء بعض متأخريهم أنهم راقبوا المفكر وقت تفكيره، وتوصلوا ببعض الأجهزة لمحل الحركة الفكرية فوجدوه في الدماغ، وذلك يدل على أنه في الدماغ، فليس فيه مقنع، ولو كان لا يخالف الوحي، فكيف وهو يخالف كلام الله ورسوله ﷺ ولا ملازمة بين الحركة والإدراك، ولا مانع من كون الحركة في الدماغ، والإدراك في القلب، ولو كانت الحركة تستلزم أن يكون محلها محل الإدراك، فإن القلب أكثر حركة من الدماغ، وإن قالوا: القلب يتحرك دائمًا، والحركة الدماغية تختص بوقت الفكر، فهي أخص بالإدراك من القلب، فالجواب بالمنع، بل الأنسب أن يكون الإدراك بما هو أكثر حركة؛ إذ لا مانع من أن حركته وقت التفكير هي التي بها الإدراك؛ ولأن الإنسان لا يخلو غالبًا من تفكير، وحركته وقت النوم الذي ليس فيه تفكير لا يمتنع عقلًا الإدراك بحركته وقت التفكير، والوحي يشهد له؛ لأن محل الإدراك في القلب، وعلى كل حال فالعقل السليم لا يجزم باستلزام الحركة محل الإدراك، والآيات القرآنية التي قدمنا تدل على أن محل العلم والفقه الذي هو الفهم بكثرة هو القلب، ومما يوضح ذلك ترتيبه نفي العلم والفقه بالفاء على الطبع على القلب، والفاء من حروف التعليل، كقولهم: سرق فقطعت يده، أي: لعلة سرقته، وسها فسجد، أي: لعلة سهوه. ومن الآيات التي قدمنا قوله تعالى في التوبة: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة، الآية (٨٧)]، فترتيبه: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ بـ "الفاء" على قوله: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ يدل على أن نفي الفقه الذي هو العلم عنهم، علته الطبع على القلب، ونظيره قوله في سورة المنافقين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ ... ﴾ [المنافقون، الآية (٣)]، فرتب عدم الفقه على الفقه بـ "الفاء" على الطبع، ونظيره قوله في التوبة أيضًا: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة، الآية (٩٣)]، فرتَّب أيضًا نفيَ العلم بـ "الفاء" على الطبع على قلوبهم، فدلَّ على أن الطبعَ على القلب هو علةُ عدمِ الفهم، أي: فهم لا يفقهون؛ لعلة الطبع على قلوبهم، فهم لا يعلمون؛ لعلة الطبع على قلوبهم، والآيات القرآنية لم تجعل للدماغ أثرًا في العلم ولا في الفهم ألبتة كما ترى*] [١]. ومن جمع بين القولين، فقوله جائز عقلًا، ولا تكذيب فيه للكتاب ولا للسنة، [و] [٢] لكنه يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه، ولا دليل عليه من النقل، فإن قام عليه دليل من عقل، أو استقراء محتج به، فلا مانع من قبوله. والعلم عند الله تعالى. وهذا ما يتعلق بالمسألة الأولى.

стр. 55

وأما الجواب عن المسألة الثانية، فهو أن ما ذكرتم من أن القرآن [العظيم] [١] فرَّق بين المشركين وبين أهل الكتاب، واستشهدتم لذلك بآية المائدة: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ الآية [المائدة: ٨٢]، فهو كما ذكرتم؛ لأن العطف يقتضي بظاهره الفرق بين المعطوف والمعطوف عليه. وقد تكرر في القرآن عطف بعضهم على بعض، كالآية التي تفضلتم بذكرها، وكقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ الآية [البينة: ١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية [البينة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيكُمْ مِنْ خَيرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الآية [آل عمران: ١٨٦]، إلى غير ذلك من الآيات. وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المتعاطفين؛ لأن عطف الشيء على نفسه يحتاج إلى دليل خاص يجب الرجوع إليه مع بيان المسوغ لذلك، كما هو معلوم في محله. وما تفضلتم بذكره من أن عمر بن عبد العزيز ﵁ أمر بإلحاق أهل الكتاب بالمشركين في عدم دخول المسجد الحرام (١)،

стр. 56

فمستنده المسوغ له أن الله جل وعلا صرَّح في سورة التوبة أن أهل الكتاب من يهود ونصارى من جملة المشركين، (وإذا) [١] جاء التصريح في القرآن العظيم بأنهم من المشركين، فدخولهم في عموم قوله تعالى [٢]: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآية [التوبة: ٢٨]، لا إشكال فيه، وآية التوبة التي بيَّن الله فيها أنهم من جملة المشركين، هي قوله (تعالى) [٣]: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ فتأمل قوله (تعالى) [٤] في اليهود والنصارى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ يظهر لك صدق اسم الشرك عليهم، فيتضح إدخالهم في عموم: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١). ووجه الفرق بينهم بعطف بعضهم على بعض، هو أنهم جميعًا

стр. 57

مشركون، والمغايرة التي سوغت عطف بعض المشركين على بعض، هي اختلافهم في نوع الشرك، فشرك المشركين غير أهل الكتاب، كان شركًا في العبادة، لأنهم يعبدون الأوثان، وأهل الكتاب لا يعبدون الأوثان، فلا يشركون هذا النوع من الشرك، ولكنهم يشركون شرك ربوبية، كما أشار له تعالى بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، ومن اتخذ أربابًا من دون الله فهو مشرك به في ربوبيته، وادعاء أن عزيرًا ابن الله والمسيح ابن الله من الشرك في الربوبية، [ولما كان الشرك في الربوبية] [١] يستلزم الشرك في العبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وما ذكرتم من أن عطاءً ﵀ جعل المسجد يشمل (الكل) [٢] (١)، وأن المسلمين درجوا على ذلك إلى الآن، فهي مسألة: هل يجوز دخول الكفار لمسجد من مساجد المسلمين غير المسجد الحرام المنصوص على منع دخولهم له بعد عام تسع من الهجرة في قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. والعلماء مختلفون: هل يجوز دخول الكفار مسجدًا غير المسجد الحرام أو لا؟ فذهب مالك وأصحابه ومن وافقهم (٢) إلى أنه لا يجوز أن يدخل

стр. 58

الكافر مسجدًا من مساجد المسلمين مطلقًا، واستدلوا لذلك بأدلة منها آية التوبة (١)، وإن كانت خاصة بالمسجد الحرام، فعلة حكمها (يقتضي) [١] تعميمه في جميع المساجد، وقد تقرر في الأصول أن العلة قد تعمم معلولها تارة، وقد تخصصه (أخرى) [٢] (٢)، كما أشار إليه صاحب مراقي السعود، بقوله في الكلام على العلة (بقوله) [٣]: وقد تُخَصِّصُ وقد تُعمِّمُ ... لأصلها لكنها لا تَخْرِمُ (٣) وإذا علمت أن العلة تعمم معلولها الذي لفظه خاص، فاعلم أن مسلك العلة المعروف بمسلك الإيماء والتنبيه دلَّ على أن علة منع قربان المشركين المسجد الحرام بعد عام تسع، أنهم نجس، وذلك واضح من ترتيب الحكم بالنهي عن (قربان المسجد) [٤] بالفاء، على كونهم نجسًا، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، ثم رتَّب على ذلك بالفاء قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ الآية. ومعلوم أن جميع المساجد تجب صيانتها عن دخول النجس فيها، فكونهم نجسًا يقتضي تعميم الحكم في كل المساجد. واستدل مالك ومن وافقه أيضًا على منع دخول الكفار المساجد

стр. 59

مطلقًا بآية البقرة على بعض التفسيرات التي فسرت بها، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤] فقد فسر قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا (إلا خَائِفِينَ) [١]﴾ أي: ليس لهم دخول المساجد إلَّا مسارقة خائفين من المسلمين أن يطلعوا عليهم فيخرجوهم منها، (وينكلوهم) [٢] (١)، وفي تفسير الآية أقوال غير هذا (٢). وسواء قلنا إن تخريب المساجد حسي، كما فعلت (الرومان) [٣] وبختنصر بالمسجد الأقصى المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ [الإسراء: ٧]، أو قلنا إن تخريب المساجد المذكور في الآية تخريب معنوي، وهو منع المسلمين من التعبد فيها، كما فعل المشركون بالنبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ الآية [المائدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]. ومن الآيات التي تشير إلى أن عمارة المساجد هي طاعة الله فيها:

стр. 60

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ١٨]. وأما من قال من أهل العلم بجواز دخول الكفار جميع مساجد المسلمين غير المسجد الحرام (١)، فقد احتجوا بأن الله إنما نهى عن ذلك في خصوص المسجد الحرام في قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية [التوبة: ٢٨]، وقالوا: ويُفهم من تخصيص المسجد الحرام بالذكر، أن غيره من المساجد ليس كذلك. واحتجوا لذلك بأن النبي ﷺ ربط ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، لما جيء به أسيرًا في سارية من سواري المسجد، وهو مشرك قبل إسلامه (٢). قالوا: وقد أنزل ﷺ وفد (نصارى) [١] نجران بالمسجد في المدينة، وهم نصارى (٣)، (وكان قدوم وفد نصارى نجران متأخرا) [٢]؛ لأنهم أعطوا الجزية، لما خافوا من المباهلة، والجزية إنما نزلت في سورة براءة، ونزولها كان في رجوعه ﷺ من غزوة تبوك، وغزوة تبوك (كانت في) [٣] سنة تسع بلا خلاف. ومن قال من أهل العلم بأنه لا يجوز دخول الكافر مسجدًا من مساجد المسلمين إلَّا بأمان من مسلم (٤)، فقد احتج لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ

стр. 61

أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ﴾، قالوا: قوله (تعالى) [١]: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ﴾ يدل على أن من دخلها بأمان مسلم، فقد دخلها خائفًا، بحيث لا يتمكن من دخولها إلا بأمان مسلم لخوفه لو دخلها بغير أمان. وأما من قال من أهل العلم (أن) [٢] قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ﴾ الآية يشمل الحرم كله (١)، ولا يختص بالمسجد الحرام المنصوص عليه في الآية، فحجته هي ما علم منه إطلاق المسجد الحرام وإرادة الحرم كله، كقوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ٧]، ومعلوم أن المعاهدة كانت في طرف الحديبية الذي هو داخل في الحرم كما قاله غير واحد (٢). وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية [الإسراء: ١]، وكان الإسراء به من بيت أم هانئ (٣) لا من

стр. 62

نفس المسجد الحرام على القول بذلك. وكقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ الآية [المائدة: ٩٥]، والهدي ينحر في الحرم كله، وأكبر (منحره) [١] منى. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]، وهم مخرجون من مكة لا من نفس المسجد، ونحو ذلك من الآيات (١). والعلم عند الله تعالى. فتحصل أن محل العقل القلب، وأنه لا مانع من اتصال طرف نوره الريحاني (٢) بالدماغ، وعليه لا تخالف بين القولين، و [أن] [٢] هذا إن قام عليه دليل فلا مانع من (القول به) [٣]، ونحن لا نعلم عليه دليلا مقنعًا. وأن عمر بن عبد العزيز ألحق أهل الكتاب بالمشركين لآية التوبة

стр. 63

التي ذكرنا، وأن جعل حكم جميع الحرم المكي كحكم المسجد (الحرام) [١] (دليل) [٢] استقراء الآيات التي جاءت بنحو ذلك، وقد رأيت حجج من منعهم دخول المساجد غير المسجد الحرام، ومن أجاز ذلك، ومن فرق. ولا يخفى أن الذين يجزمون بأن محل العقل الدماغ، ولا صلة له بالقلب أصلًا أنهم في جهلهم كما قالت الراجزة (لزوجها) [٣]: شِنْظِيرَةٌ، زَوَّجنيه أهلي ... من جهله يحسب رأسي رجلي (١) اهـ. (والحمد لله) [٤].

стр. 64

الفتوى الثالثة التعليل بالحكمة

стр. 65

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إلى حضرة الأخ المكرم الأستاذ عبد الله بن سليمان المنيع (١) سلمه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وهذا جواب سؤالكم: اعلم أولًا: أن الحكمة هي التي من أجلها صار الوصف المعلل به علة للحكم، وهي عبارة عن جلب مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها، فتحريم شرب المسكر مثلًا حكم، وعلته الإسكار، وحكمته حفظ العقل من الاختلاف، ووجوب الولاية على مال الصغير حكم، وعلته الصغر، والحكمة حفظ ماله، وهكذا (٢). وعلماء الأصول مختلفون في جواز التعليل بالحكمة، فأجاز ذلك بعضهم ومنعه بعضهم (٣)، وقال قوم إن كان الوصف منضبطًا علل به، وإن لم يكن منضبطًا جاز التعليل بحكمته (٤)، وعلى هذا التعليل درج

стр. 66

صاحب مراقي السعود بقوله: ومن شروط الوصف الانضباطُ ... إلَّا فحكمةٌ بها يناط وهي التي من أجلها الوصف جرى ... علةَ حكمٍ عند كل من درى (١) وقال القرافي في شرحه لتنقيحه مبينًا وجه جواز التعليل بالحكمة: حجة الجواز أن الوصف إذا جاز التعليل به فأولى بالحكمة لأنها أصله، وأصل الشيء لا يقصر عنه، ولأنها نفس المصلحة ودرء المفسدة، فالاعتماد عليها أولى من الاعتماد على فرعها (٢). انتهى منه مع تصرف بحذف بعض الكلمات لا يخل بشيء من المعنى. واعلم: أن التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل، ففي بعض الأحوال يجوز التعليل بالحكمة، وفي بعضها لا يجوز، وإيضاح ذلك أن له ثلاث حالات: الأولى: أن يوجد الوصف والحكمة معًا؛ كوجود الإسكار في شرب المسكر، ووجود الحكمة التي من أجلها صار الإسكار علة لتحريم شرب المسكر، وهي حفظ العقل من الاختلال. والأظهر في هذه الصورة أنه كما يجوز التعليل بالإسكار، يجوز التعليل بالحكمة، فلا مانع من أن نقول شرب المسكر حرام لأجل حفظ العقل من الاختلاف، والتعليل بالوصف أقرب.

стр. 67

الحالة الثانية: أن توجد الحكمة دون الوصف المعلل به. الحالة الثالثة: أن يوجد الوصف المعلل به دون الحكمة. وهاتان الحالتان كلتاهما من صور القادح المعروف في الأصول بالكسر (١)، والكسر شامل ثلاث صور: الأولى: وجود الحكمة دون الحكم، وهذه الصورة هي التي فسره ابن قدامة في الروضة بها (٢)، وكذلك ابن الحاجب في مختصر الأصول (٣). والثانية: وجود الوصف دون الحكمة. والثالثة: إبطال بعض أجزاء العلة إن كانت مركبة، ولم يأت المستدل ببدل صالح من الجزء الذي أبطله المعترض. وقد علمت من هذا أن الكسر ثلاث صور، وأن الوصف والحكمة لهما ثلاث صور أيضًا؛ اثنتان منهما داخلتان في الكسر، وهما: وجود الحكمة دون الحكم، أي الوصف، ووجود الوصف دون الحكمة. وبتحقيق هاتين الصورتين يتبين لك وجه القول بمنع التعليل بالحكمة.

стр. 68

أما الاعتراض على الدليل بالقادح المعروف بالكسر، بسبب وجود الحكمة دون الحكم: فكأن يقول الحنفي: المسافر العاصي بسفره يترخص بقصر الصلاة، والإفطار في رمضان في سفره الذي هو عاصٍ به، قياسًا على المسافر غير العاصي. فيقول المعترض مثلًا: ولم قلت إنه يترخص؟ فيقول: قلت ذلك للمناسبة؛ لأن السفر فيه مشقة، ووجود المشقة مناسب للتخفيف بالرخصة، ففيه انتفاع للمترخص وتسهيل عليه. فيقول المعترض: دليلك هذا يقدح فيه بالكسر، وهو وجود الحكمة دون الحكم؛ لأن المقيم بالحضر إن كان يزاول أعمالًا شاقة كحمل الأثقال العظيمة، وما يوجب القرب من النار الشديد حرها في شدة القيظ في الأقطار الحارة، تلحقه بذلك مشقة أعظم من مشقة السفر. فالحكمة موجودة وهي تخفيف المشقة بالترخيص له في القصر والإفطار، مع أن الحكم هنا معدوم، وهو جواز القصر والإفطار. ومن هنا تعلم أنه في هذه الصورة لا يجوز التعليل بالحكمة، ولو كان التعليل يجوز بها هنا لكان صاحب الصنعة الشاقة في الحضر يفطر في رمضان، ويقصر الصلاة. والقدح بهذا الكسر مردود في هذه الصورة؛ لأن الوصف المعلل به فيها -وهو السفر- معدوم من أصله كما ترى، فعدم وجود الحكم هنا لعدم وجود الوصف المعلل به؛ لأن صاحب الصنعة المذكورة في الحضر لا يوجد فيه الوصف المعلل به وهو في السفر. وأيضًا: إن الإفطار والقصر كلاهما حكم، وعلتهما السفر، والحكمة تخفيف المشقة.

стр. 69

ففي الصور المذكورة لم يوجد الوصف المعلل به الذي هو السفر، وقد وجدت الحكمة التي هي تخفيف المشقة، ولم يجز التعليل بها في الصورة المذكورة، فعدم الحكم، لذلك فلا يشرع القصر والإفطار لصاحب الصفة المذكورة. واعلم أن قياس الحنفي العاصي بسفره على غير العاصي في جواز الترخص مردود بغير الكسر المذكور، وهو أن تخفيف المشقة عليه إعانة له على ظلمه (١)، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الآية [المائدة: ٢]. فالسفر علة صحيحة للترخص، ولكنها هنا منع من تأثيرها في حكمها مانع، هو المعصية بالسفر، كما يفهم من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ الآية [المائدة: ٣]، على أظهر التفسيرات. وعلى كل حال فالعاصي في سفره متجانف لإثم، وإذا كان ذلك يمنعه من الترخص بأكل الميتة عند الاضطرار وخوف الموت، فالقصر والإفطار أولى. وأما وجود الوصف المعلل به دون الحكمة، فإنه يوجد في فروع كثيرة في مذاهب الأئمة ﵏، وفي بعض الفروع يراعي بعضهم الوصف المعلل به، ولا يلتفت إلى الحكمة، وعلى قوله هذا فالتعليل بالحكمة ممنوع، وإنما هو بمطلق الوصف العاري عن الحكمة، وربما راعى بعضهم الحكمة، فمنع التعليل بالوصف المجرد عن الحكمة. وعلى هذا القول فهذا النوع من الكسر قادح، ودونك أمثلة عديدة لهذا لتعلم قول من منع التعليل بالحكمة ومن أجازه.

стр. 70

فمن ذلك: من كان منزله على البحر، وركب في سفينة قطعت به مسافة القصر في لحظة، ولم يلحقه شيء قليل ولا كثير من المشقة، فالوصف المعلل به وهو السفر موجود، والحكمة التي هي تخفيف المشقة معدومة، إذ لم يلحقه مشقة أصلًا. فجمهور أهل العلم (١) أجازوا لهذا المسافر الذي قطع مسافة القصر بلا مشقة الترخص بقصر الصلاة والإفطار في رمضان. وعلى قولهم هذا فالتعليل بالحكمة ممنوع، وإنما هو بوصف السفر العاري عن حكمة هنا. ومن ذلك: استبراء الصغيرة. وإيضاحه: أن مبتاع جارية صغيرة لا تحمل لصغرها مع أنها مطيقة للوطء، كابنة تسع سنين، والمشتري يريد تسريها، فعلة وجوب الاستبراء التي هي تجرد (٢) الملك موجودة، ولا حكمة هنا؛ لأن حكمة الاستبراء أن تعلم براءة الرحم من الحمل، والصغيرة محققة البراءة. فجماعة من المالكية ومن وافقهم قالوا: يجب استبراؤها (٣)؛ لوجود الوصف المعلل به، وإن كانت الحكمة معروفة هنا. وعلى قولهم هذا فلا يجوز التعليل بالحكمة، بل بالوصف المعلل

стр. 71

به العاري عن الحكمة. ومن فروع هذه المسألة: ما لو خرجت من قُبُل الإنسان أو دبره حصاة لا بلل معها بل هي نظيفة من القذر، فعلة مشروعية الاستنجاء بخروج الخارج من السبيلين موجودة، ولكن حكمة هذه العلة التي هي تنظيف المحل من أثر القذر معدومة هنا. والمالكية (١) في هذه الصورة يقولون: لا يستنجي وإن كان الوصف المعلل به موجود، إلَّا أن (٢) العبرة في هذه الصورة بالحكمة، وهي معدومة، فلو وجدت الحكمة فيها لوجد الحكم، وعلى قولهم فالتعليل بالحكمة جائز في هذه الصورة. وكذلك: إذا وضعت النفساء ولدها جافًا من الدم لم يعلق به منه قليل ولا كثير، فإن علة الغسل التي هي الولادة موجودة، ولكن حكمته التي هي التنظيف بسبب دم النفاس الخارج من أجل خروج الولد معدومة، فمن قال لا يجب الغسل اعتبر الحكمة وأجاز التعليل بها، ومن قال يجب الغسل يقول لا يجوز التعليل بها. وكذلك: من لمس أمردًا بباطن كفه أو قبل الفم، ولم يجد لذة، فعلى مراعاة الحكمة لا وضوء عليه، والعكس بالعكس. ومن فروع هذه المسألة: ما لو قال لامرأته أنت طالق مع آخر جزء من الحيض، فعلة كون الطلاق بدعيًا، وهي كون الطلاق في الحيض موجودة، ولكن الحكمة معدومة هنا، لأن هذا الطلاق لا تطويل فيه؛

стр. 72

لأنها بانقضاء صفة الطلاق استقبلت طهر، والطهر معتبر، وإنما التطويل في الحيض. وأمثال هذا كثيرة. ومن موانع التعليل بالحكمة: عدم الانضباط في بعض الصور، وعدم الظهور في بعضها. فمن أمثلة عدم الانضباط: ما لو عللت رخصة القصر والإفطار بتخفيف المشقة، فإن المشقة لا تنضبط؛ لاختلاف الناس فيها بحسب القوة والضعف، والشباب والهرم، وغير ذلك من الأحوال والأزمان، فأنيط الحكم بمظنة المشقة وهو سفر مسافة القصر. ومن أمثلة عدم الظهور: قول من لا يجيز انعقاد البيع بالمعاطاة (١)، فالحكمة التي هي الرضا لا تظهر؛ لأن من لم يصرح بصيغة البيع لا يتحقق منه الرضا؛ لأن الرضا كامن في النفس، لا يتحقق إلَّا في الصيغة الدالة عليه، ولما كان كامنًا في النفس غير ظاهر امتنع التعليل به لعدم ظهوره فأنيط الحكم بالصيغة القولية الدالة عليه دلالة صريحة، دون المعاطاة التي لم تدل عليه صريحًا. والعلم عند الله. ولم نتمكن من الإطالة في الجواب لكثرة الشغل، وفيما ذكرنا للفاهم كفاية، وفي البعض تنبيه لطيف على الكل. انتهى نَقْلُهَا من قلم المؤلف الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي ضحوة اليوم الثاني والعشرين من شهر محرم عام ١٣٩٠ هـ، على يد كاتبها الفقير إلى عفو الله/ بكر بن عبد الله أبو زيد. كان الله له، وصلى الله على نبينا وآله وسلم.

стр. 73

الفتوى الرابعة الإجابة الصادرة على صحة الصلاة في الطائرة

стр. 74

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والسلامان [*] على النبي الكريم. أما بعد: فقد طلب مني بعض فضلاء إخواننا أن نقيد لهم حروفًا تظهر (١) بها صحة صلاة من صلى في الطائرة، فأجبناهم إلى ذلك، [ونذكر] إن شاء الله وجه استنباط صحتها من كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ من كلام العلماء على طريق المناظرة الشرعية الخالية من اللجاج والجدال: أما القرآن: فقد امتنَّ الله فيه على خلقه في سورة الامتنان (٢) -التي هي سورة النحل- بهذه المراكب المستحدثة؛ لأنه [لما] بين أنواع الامتنان فيها، وذكر الامتنان بأنواع [من] المركوبات في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨]. أشار إلى امتنانه بمركوبات لم تُخلق بعد، ولم يعلمها الموجودون في زمن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨]، فالإتيان بقوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مقترنًا بجنس المركوبات، يدل على أنه من جنس ما يركب، ودلالة الاقتران (٣)،

стр. 75

وإن ضعفها بعض الأصوليين (١)، كما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله: أما قران (٢) اللفظ في المشهور ... فلا يساوي في سوى المذكور (٣) فقد صححها جماعة من المحققين (٤)، ولاسيما في هذا الموضع الذي دلَّت فيه قرائن المشاهدة على صحة دلالة الاقتران فيه، ونعني بدلالة الاقتران [هنا دلالة اقتران] ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ بجنس ما يُركب، فإنه يدل على أنه من جنس ما يركب، فإذا حققت أن الله امتن في سورة الامتنان [على الخلق] بوجود هذه المراكب، التي من جملتها الطائرة، فاعلم أن ركوبها جائز؛ لأن الله لا يمتن بمحرم، وإذا كان جائزًا ودخل وقت الصلاة، فقد دل الكتاب والسنة والإجماع [على] أن الله لا يكلف الإنسان إلَّا طاقته بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله ﷺ :
следующие страницы →