← Фатава

Фатава · id 287

الفتاوى - محمد الأمين الشنقيطي

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (100 стр.). Показаны 71–100 · переход к 76.

стр. 71

به العاري عن الحكمة. ومن فروع هذه المسألة: ما لو خرجت من قُبُل الإنسان أو دبره حصاة لا بلل معها بل هي نظيفة من القذر، فعلة مشروعية الاستنجاء بخروج الخارج من السبيلين موجودة، ولكن حكمة هذه العلة التي هي تنظيف المحل من أثر القذر معدومة هنا. والمالكية (١) في هذه الصورة يقولون: لا يستنجي وإن كان الوصف المعلل به موجود، إلَّا أن (٢) العبرة في هذه الصورة بالحكمة، وهي معدومة، فلو وجدت الحكمة فيها لوجد الحكم، وعلى قولهم فالتعليل بالحكمة جائز في هذه الصورة. وكذلك: إذا وضعت النفساء ولدها جافًا من الدم لم يعلق به منه قليل ولا كثير، فإن علة الغسل التي هي الولادة موجودة، ولكن حكمته التي هي التنظيف بسبب دم النفاس الخارج من أجل خروج الولد معدومة، فمن قال لا يجب الغسل اعتبر الحكمة وأجاز التعليل بها، ومن قال يجب الغسل يقول لا يجوز التعليل بها. وكذلك: من لمس أمردًا بباطن كفه أو قبل الفم، ولم يجد لذة، فعلى مراعاة الحكمة لا وضوء عليه، والعكس بالعكس. ومن فروع هذه المسألة: ما لو قال لامرأته أنت طالق مع آخر جزء من الحيض، فعلة كون الطلاق بدعيًا، وهي كون الطلاق في الحيض موجودة، ولكن الحكمة معدومة هنا، لأن هذا الطلاق لا تطويل فيه؛

стр. 72

لأنها بانقضاء صفة الطلاق استقبلت طهر، والطهر معتبر، وإنما التطويل في الحيض. وأمثال هذا كثيرة. ومن موانع التعليل بالحكمة: عدم الانضباط في بعض الصور، وعدم الظهور في بعضها. فمن أمثلة عدم الانضباط: ما لو عللت رخصة القصر والإفطار بتخفيف المشقة، فإن المشقة لا تنضبط؛ لاختلاف الناس فيها بحسب القوة والضعف، والشباب والهرم، وغير ذلك من الأحوال والأزمان، فأنيط الحكم بمظنة المشقة وهو سفر مسافة القصر. ومن أمثلة عدم الظهور: قول من لا يجيز انعقاد البيع بالمعاطاة (١)، فالحكمة التي هي الرضا لا تظهر؛ لأن من لم يصرح بصيغة البيع لا يتحقق منه الرضا؛ لأن الرضا كامن في النفس، لا يتحقق إلَّا في الصيغة الدالة عليه، ولما كان كامنًا في النفس غير ظاهر امتنع التعليل به لعدم ظهوره فأنيط الحكم بالصيغة القولية الدالة عليه دلالة صريحة، دون المعاطاة التي لم تدل عليه صريحًا. والعلم عند الله. ولم نتمكن من الإطالة في الجواب لكثرة الشغل، وفيما ذكرنا للفاهم كفاية، وفي البعض تنبيه لطيف على الكل. انتهى نَقْلُهَا من قلم المؤلف الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي ضحوة اليوم الثاني والعشرين من شهر محرم عام ١٣٩٠ هـ، على يد كاتبها الفقير إلى عفو الله/ بكر بن عبد الله أبو زيد. كان الله له، وصلى الله على نبينا وآله وسلم.

стр. 73

الفتوى الرابعة الإجابة الصادرة على صحة الصلاة في الطائرة

стр. 74

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والسلامان [*] على النبي الكريم. أما بعد: فقد طلب مني بعض فضلاء إخواننا أن نقيد لهم حروفًا تظهر (١) بها صحة صلاة من صلى في الطائرة، فأجبناهم إلى ذلك، [ونذكر] إن شاء الله وجه استنباط صحتها من كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ من كلام العلماء على طريق المناظرة الشرعية الخالية من اللجاج والجدال: أما القرآن: فقد امتنَّ الله فيه على خلقه في سورة الامتنان (٢) -التي هي سورة النحل- بهذه المراكب المستحدثة؛ لأنه [لما] بين أنواع الامتنان فيها، وذكر الامتنان بأنواع [من] المركوبات في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨]. أشار إلى امتنانه بمركوبات لم تُخلق بعد، ولم يعلمها الموجودون في زمن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨]، فالإتيان بقوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مقترنًا بجنس المركوبات، يدل على أنه من جنس ما يركب، ودلالة الاقتران (٣)،

стр. 75

وإن ضعفها بعض الأصوليين (١)، كما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله: أما قران (٢) اللفظ في المشهور ... فلا يساوي في سوى المذكور (٣) فقد صححها جماعة من المحققين (٤)، ولاسيما في هذا الموضع الذي دلَّت فيه قرائن المشاهدة على صحة دلالة الاقتران فيه، ونعني بدلالة الاقتران [هنا دلالة اقتران] ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ بجنس ما يُركب، فإنه يدل على أنه من جنس ما يركب، فإذا حققت أن الله امتن في سورة الامتنان [على الخلق] بوجود هذه المراكب، التي من جملتها الطائرة، فاعلم أن ركوبها جائز؛ لأن الله لا يمتن بمحرم، وإذا كان جائزًا ودخل وقت الصلاة، فقد دل الكتاب والسنة والإجماع [على] أن الله لا يكلف الإنسان إلَّا طاقته بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله ﷺ :

стр. 76

"فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١)، فإذا صلى فيها فقد فعل طاقته، ولم يؤمر إلَّا بطاقته. و [قد] أشار النبي ﷺ إلى حدوث (٢) هذه المركوبات، بقوله -كما ثبت في حديث مسلم-: "ولَتُتْرَكنَّ القِلاصُ (٣) فلا يسعى عليها" (٤). أما السنة: فقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه سئل عن الصلاة في السفينة، قال: "صلّ فيها قائمًا، إلَّا أن تخاف الغرق". أخرجه الدارقطني (٥) والحاكم (٦) على شرط الصحيحين.

стр. 77

مع أن القرآن دلَّ بدلالة الإشارة (١) على صحة الصلاة في السفينة، حيث امتنَّ بركوبها: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ومعلوم أنه لا يتيسر النزول بالساحل عند كل صلاة، فالصلاة فيها صحيحة قطعًا. وإذا دلَّ الكتاب والسنة والإجماع على صحة الصلاة في سفينة البحر، فاعلم أنها لا يوجد بينها وبين الطائرة فرق له أثر في الحكم؛ لأن كلًّا منهما سفينة محركة ماشية، يصح عليها الإتيان بجميع أركان الصلاة، من قيام وركوع وسجود واعتدال وغير ذلك، بل هو في الطائرة أسهل؛ لأنها أخف حركة من السفينة. وكل منهما تمشي على جرم؛ لأن الهواء جرم بإجماع المحققين من نظار المسلمين والفلاسفة، وتتحقق صحة ذلك إذا نفخت قربة -مثلًا- فإن الرائي يظنها مملوءة من الماء، ولو كان الهواء غير جرم لما ملأ الفراغ بملء الأوعية المنفوخة، وبين الهواء والماء مناسبة كثيرة، حتى إن أحدهما ينتقل من عنصره إلى عنصر الآخر؛ ألا ترى الماء إذا

стр. 78

بلغ مائة درجة من درجات الحرارة تبخر فصار هواءً، فانتقل من عنصر الماء إلى عنصر الهواء. فإذا لم يكن بينهما فرق له تأثير في الحكم، فاعلم أن عامة العلماء -ما عدا [قومًا من] أتباع داود الظاهري (١) - على أن المسألة المنطوق (٢) بها و [المسألة] المسكوت عنها، إذا لم يكن بينهما فرق مؤثر في الحكم، فإن المسكوت عنها تدخل في حكم المنطوق بها، وهو الدليل المعروف عند الأصوليين بالإلحاق بنفي الفارق، وهو نوع من تنقيح المناط، وسماه الشافعي القياس في معنى الأصل (٣)، قال في مراقي السعود: قياسَ معنى الأصل عنهم حقِّقِ ... لما دُعي الجمعَ بنفي الفارق (٤) وقال أيضًا في مسالك العلة، في الكلام على تنقيح المناط: فمنه ما كان بإلغا الفارق ... وما بغيرٍ من دليل رائق (٥)

стр. 79

فإلحاق ضرب الوالدين بالتأفيف في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وإلحاق شهادة أربعة عدول بالعدلين في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وإلحاق وزن الجبل بمثقال ذرة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة]، وإلحاق إحراق مال اليتيم وإغراقه بأكله (١) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، وإلحاق البول في إناء وصبّه في الماء الراكد، بالبول في الماء الراكد المنهي عنه، وإلحاق التضحية بالعمياء [بالتضحية] بالعوراء المنهي عن التضحية بها، وإلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق في قوله ﷺ : "من أعتق شركًا (٢) [له] في عبد" (٣) الحديث، وإلحاق منع حكم القاضي في حالة الجوع والعطش [والحقن] والحَقَب (٤) والسرور، والحزن ونحو ذلك من كل ما يشوش عليه بالغضب (٥) المنصوص عليه في حديث أبي بكرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان" (٦) ونحو ذلك مما هو كثير جدًّا، كله إلحاق بنفي الفارق. واعلم أن إلغاء الفارق يقول به من لا يقول بالقياس [وهو] في

стр. 80

حكم النص عند جماهير العلماء. مما يدلك على ذلك أن الإمام أبا حنيفة لا يقول بالقياس في الكفارات (١)، وقد قال فيها [بالإلحاق] بنفي الفارق، وذلك في الأعرابي الذي قدم على النبي ﷺ يضرب صدره، وينتف شعره، ويقول: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في [نهار] رمضان، وقال النبي ﷺ : "أعتق رقبة" (٢). والنبي ﷺ نصَّ على كفارة صوم رمضان في خصوص الجماع، ولم يتكلم على الشرب والأكل عمدًا فيه، فحكمَ مالك (٣) وأبو حنيفة (٤) بإلغاء الفارق، وإلحاق الأكل والشرب المسكوت عنهما بالجماع المنصوص عليه في وجوب الكفارة، [فقالا] بوجوبها في الأكل والشرب عمدًا. أما ما وعدنا به من كلام الفقهاء على طريق المناظرة الشرعية، فإنا نقول: أولًا: من ادعى بطلان الصلاة بالطائرة، فهو الذي عليه البيان، ومدعي الصحة معه الأصل؛ لأنها صلاة لم يختل منها ركن ولا شرط، و (٥) أركان الصلاة، وشروطها معروفة لا يختل بالطائرة منها شيء، ولا دليل على بطلانها فيها من كتاب ولا سنة ولا إجماع [ولا كلام عن أحد

стр. 81

من أصحاب المذاهب، ونقول ثانيًا: إنا إذا أردنا] (١) تحقيق هذه المسألة المنطبق على جزئياتها (٢) أفرغناها في قالب الدليل العظيم المعروف عند الأصوليين بالسبر والتقسيم (٣)، وعند المنطقيين بالشرطي المنفصل (٤)، وعند الجدليين بالترديد والتقسيم (٥)، فنقول: أوصاف الراكب التي يتوهم أنها سبب لبطلان صلاته فيها، يحصرها التقسيم الصحيح في هذه الأقسام الخمسة. أولها: أنها غير متصلة بالأرض. الثاني: أنها غير ساكنة. الثالث: أنها ترفعه عن مسامتة القبلة: فيكون غير مستقبل، والقبلة شرط في الصلاة. الرابع: عدم القدرة على إكمال الأركان لحركتها واضطرابها. الخامس: عدم معرفة جهة القبلة.

стр. 82

ولا وصف غير هذه الأوصاف الخمسة إلَّا الأوصاف الطردية التي لا أثر لها في الأحكام. فإذا حققت هذا التقسيم فاعلم أن السبر الصحيح يدل [على] أن هذه الأقسام ليس فيها واحد يبطل الصلاة. أما كونها غير متصلة بالأرض، فليست شرطًا في صحة الصلاة؛ (١) لأن أرض المصلي هي موضع صلاته، إذا كان يمكنه الركوع والسجود وسائر الأركان. وقد أجمع جميع العلماء على صحة الصلاة فوق السقف، مع أن الموضع المسامت (٢) لأعضائه منه غير متصل بالأرض. وفي الدسوقي عند قول خليل: "ورفع مأموم ما يسجد عليه" (٣) [ما نصه]: وأما السجود على غير متصل بالأرض كسرير معلق، فلا خلاف في عدم صحته كما مر، أي والحال أنه غير واقف في ذلك السرير، وإلَّا صحت كالصلاة في المحمل (٤). اهـ منه بلفظه. فترى هذا العالم المحقق صرح بأنه لو قام في سرير معلق بين السماء والأرض، فصلى فيه، فصلاته صحيحة، وأن المحظور إنما هو لو صلى في الأرض وسجد على السرير المعلق؛ لأنه يكون إيماء في

стр. 83

الصلاة بلا عذر، وهو مبطل لعدم السجود، وهو ركن. أما كونها غير ساكنة، فلا يبطل لإجماع (١) العلماء على صحة الصلاة في سفينة الماء وهي تضطرب في جبال الموج، فلو كانت الحركة مبطلة لبطلت في السفينة. أما كونها ترتفع عن مسامتة القبلة فلا يبطلها؛ لإجماع (٢) العلماء على أن من صلى على جبل أبي قبيس، وهو مرتفع عن مسامتة القبلة ارتفاعًا كثيرًا بيِّنًا، فصلاته صحيحة. مع أن جماهير العلماء (٣) على أن الغائب عن مكة يجعل وجهه إلى جهة القبلة، ولا يلزمه الاجتهاد في مسامتتها. كما دلَ عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]، والمراد بالشطر الجهة، ومنه قول الشاعر: أقول لأم زنباع أقيمي ... صدور العيس شطر بني تميم (٤) أي: جهتهم.

стр. 84

قال في المختصر: "وإلَّا فالأظهر جهتها اجتهادًا" (١). وإذا كانت الجهة كافية فمن في الطائرة مستقبلٌ للجهة بلا شك. أما عدم القدرة على الإتيان بالأركان، فهو منتفٍ، بل أهلها قادرون على جميع أركان الصلاة، وقد صلينا فيها مرارًا، نسجد [و] نركع ونقوم ونجلس ونطمئن، وما تعسَّر علينا شيء من ذلك (٢). أما معرفة القبلة فهي متيسرة لشدة علم أهلها بالخطوط الجوية. فظهر بالتقسيم الصحيح، والسبر الصحيح، عدم بطلان الصلاة فيها. وقد تقرر في علم الأصول، في مبحث السبر والتقسيم: أن السبر والتقسيم إذا كانا قطعيين، فالحكم قطعي، وإذا كانا ظنيين، فالحكم ظني، كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله: وهو قطعي إذا ما نُميا ... للقطع والظني سواه وُعِيا (٣) ولا يمكن لأحد أن يزيد وصفًا غير الأوصاف التي بيَّنا، إلَّا وصفًا طرديًا لا أثر له في الحكم. وإبداء المعترض وصفًا زائدًا على أوصاف المستدل بالسبر لا

стр. 85

يثبت به الاعتراض، بل إن أبدى المستدل أنه طردي، صح دليله وسقط الاعتراض؛ لعدم تأثير ذلك الوصف الزائد، كما هو مقرر في الأصول. [وأشار له صاحب مراقي السعود بقوله: إن يُبْد وصفًا زائدًا (١) معترضُ ... وفَى (٢) به دون البيان الغرض (٣) والشاهد منه في قوله: "دون البيان" أما مع البيان فلا يقدح الوصف الزائد في سبر المستدل]. هذا ما ظهر، والعلم عند الله تعالى. أملاه الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، رحمة الله عليهما.

стр. 86

الفتوى الخامسة وجهة نظر في حكم السعي فوق سقف المسعى

стр. 87

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وجهة نظر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن لنا وجهة نظر مخالفة للقرار الصادر بالأغلبية من هيئة كبار العلماء في شأن جواز السعي فوق السقف، الكائن فوق المسعى والصفا والمروة. وحاصل وجهة نظرنا في ذلك هو: أنا لا نرى جواز تعدد المسعى وإباحة السعي في مسعيين، مسعى أسفل ومسعى أعلى؛ وذلك للأمور الآتية: الأول: أن الأمكنة المحددة من قبل الشرع لنوع من أنواع العبادات لا تجوز الزيادة فيها ولا النقص إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة. الأمر الثاني: أن الأمكنة المحددة شرعًا لنوع من أنواع العبادات ليست محلًا للقياس؛ لأنه لا قياس ولا اجتهاد مع النص الصريح المقتضي تحديد المكان المعين للعبادة، ولأن تخصيص تلك الأماكن بتلك العبادات دون غيرها من سائر الأماكن ليست له علة معقولة المعنى، حتى يتحقق المناط بوجودها في فرع آخر حتى يلحق بالقياس، فالتعبدي المحض ليس من موارد القياس. الأمر الثالث: هو أنه لا نزاع بين أهل العلم في أن فعل النبي ﷺ -

стр. 88

الوارد لبيان إجمال نص القرآن العظيم له حكم ذلك النص القرآني الذي ورد لبيان إجماله. فإن دلَّت آية من القرآن العظيم على وجوب حكم من الأحكام وأوضح النبي ﷺ المراد منها بفعله، فإن ذلك الفعل يكون واجبًا بعينه وجوب المعنى الذي دلت عليه الآية فلا يجوز العدول عنه لبدل آخر، ومعلوم أن ذلك منقسم إلى قسمين، كما هو مقرر في الأصول. الأول منها: أن تكون القرينة وحدها هي التي دلت على أن ذلك الفعل الصادر من النبي ﷺ وارد لبيان نص من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فإن الآية تحتمل القطع من الكوع ومن المرفق ومن المنكب؛ لأن لفظ اليد قد يستعمل في كل ما ذكر، وقد دلت القرينة على أن فعله ﷺ الذي هو قطعه يد السارق من الكوع (١) وارد لبيان قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾، فلا يجوز العدول عن هذا الفعل النبوي الوارد لبيان نص من القرآن لبدل آخر إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة. القسم الثاني: من قسمي الفعل المذكور: هو أن يرد قول من النبي ﷺ يدل على أن ذلك الفعل الصادر منه ﷺ بيان لنص من القرآن

стр. 89

كقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، فإنه يدل على أن أفعاله في الصلاة بيان لإجمال الآيات التي فيها الأمر بإقامة الصلاة، فلا يجوز العدول عن شيء من تلك الأفعال الصادرة منه ﷺ لبيان تلك الآيات القرآنية إلَّا بدليل من كتاب أو سنة يجب الرجوع إليه، وكذلك قوله ﷺ : "لتأخذوا عني مناسككم" (٢) فإنه يدل على أن أفعاله في الحج بيان لإجمال آيات الحج فلا يجوز العدول عن شيء منها لبدل آخر إلّا لدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة. وإذا علمت هذا فاعلم أن الله جل وعلا قال في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فصرح في هذه الآية بأن المكان الذي عَلمُهُ الصفا، والمكان الذي عَلَمُهُ المروة، من شعائر الله. ومعلوم أن الصفا والمروة كلاهما علم لمكان معين وهو علم شخص لا علم جنس بلا نزاع ولا خلاف بين أهل اللسان، في أن العلم يعين مسماه أي يشخصه، فإن كان علم شخص كما هنا شخَّص مسماه في الخارج بمعنى أنه لا يدخل في مسماه شيء آخر غير ذلك الشخص عاقلًا كان أو غير عاقل، وإن كان علم جنس شخص مسماه في الذهن، وليس البحث في ذلك من غرضنا. وبما ذكرنا تعلم أن ما ذكر الله في الآية أنه من شعائر الله هو شخص الصفا وشخص المروة، أي الحقيقة المعبر عنها بهذا العلم الشخصي ولا يدخل شيء آخر ألبتة في ذلك؛ لتعين المسمى بعلمه

стр. 90

الشخصي دون غيره كائنًا ما كان، سواء كان الفراغ الكائن فوق المسمى المشخص بعلمه أو غير ذلك من الأماكن الأخرى. وإذا علمت ذلك فاعلم أن الله تعالى رتَّب بالفاء قوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، على كونهما من شعائر الله، وفي قوله تعالى: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ إجمال يحتاج إلى بيان كيفية التطوف ومكانه ومبدئه ومنتهاه. وقد بيَّن النبي ﷺ هذا النص القرآني بالسعي بين الصفا والمروة مبينًا أن فعله المذكور واقع لبيان القرآن العظيم المذكور، لقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" (١)، وقوله: "ابدؤا بما بدأ الله به" (٢) يعني الصفا في قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية، ومن جملة البيان المذكور بيان جواز السعي حالة الركوب على الراحلة (٣)، ففعل النبي ﷺ الذي هو سعيه بين الصفا والمروة مبينًا لذلك مراد الله في كتابه لا يجوز العدول عنه في كيفيته ولا عدده ولا مكانه ولا مبدئه ولا منتهاه إلَّا بدليل يجب

стр. 91

الرجوع إليه من كتاب أو سنة. ولا شك أن المسعى الجديد الكائن فوق السقف المرتفع الذي فوق المسعى النبوي المبين بالسعي فيه معنى القرآن غير المسعى النبوي المذكور، ومغايرته له من الضروريات، لأنه مما لا نزاع فيه أن المتضايفين الذين تستلزمهما كل صفة إضافية متباينان تباين المقابلة لا تباين المخالفة، ومعلوم أن المتباينين تباين المقابلة بينهما غاية المنافاة لتنافيهما في حقيقتهما واستحالة اجتماعهما في محل آخر. ومعلوم أن المتباينات هذا التباين التقابلي التي بينها منتهى المنافاة أربعة أنواع، هي: التقابل بين النقيضين، والتقابل بين الضدين، والتقابل بين المتضايفين، والتقابل بين العدم والملكة. كما هو معلوم في محله (١). فكما أن الشيء الواحد يستحيل أن يتصف بالوجود والعدم في وقت واحد من جهة واحدة، وكما أن النقطة البسيطة من اللون يستحيل أن تكون بيضاء سوداء في وقت واحد، وأن العين الواحدة يستحيل أن تكون عمياء مبصرة في وقت واحد، فكذلك يستحيل أن يكون الشيء الواحد فوق هذا وتحته في وقت واحد. فالمسعى الذي فوق السقف يستحيل أن يكون هو المسعى الذي تحت السقف. فهو غيره قطعًا، كما هو الشأن في كل متضايفين وكل متباينين تباين تقابل أو مخالفة. وإذا حققت بهذا أن المسعى الذي فوق السقف مغاير في ذاته لحقيقة المسعى الذي تحت السقف، وعلمت أن السعي في المسعى الذي تحت السقف

стр. 92

هو الذي فعله النبي ﷺ مبينًا بالسعي فيه مراد الله في كتابه قائلًا: "خذوا عني مناسككم" وأن أفعاله ﷺ المبينة للقرآن لا يجوز العدول عنها لبدل آخر إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة. علمت بذلك أن العدول بالسعي عن المسعى النبوي إلى المسعى الجديد الكائن فوق السقف الذي فوق الصفا والمروة يحتاج إلى دليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ويحتاج -جدًّا- إلى معرفة من أخذ عنه؛ لأن النبي ﷺ إنما أمرنا بأخذ مناسكنا عنه هو وحده ﷺ ، ولم يأذن لنا في أخذها عن زيد ولا عمر. فعلينا أن نتحقق الجهة التي أخذنا عنها هذا المنسك الجديد؛ لأن المناسك مرهونة بأمكنتها وأزمنتها، ولا يجوز التحكم في مكان أو زمان غير الزمان والمكان المحدودين من قبل الشارع، ومعلوم أن النبي ﷺ قد بين الأمكنة التي أنيط بها النسك وعمم البيان في ذلك، وجعله شاملًا للأمكنة التي أقام فيها هو النسك وغيرها من الأمكنة الصالحة للنسك، كقوله ﷺ : "وقفت هنا، وعرفة كلها موقف" (١). ونظير ذلك في مزدلفة ومنى بالنسبة للنحر كما هو معلوم. الأمر الرابع: أن السعي في المسعى الجديد خارج عن مكان السعي الذي دلت عليه النصوص؛ لأن النبي ﷺ بين أن الظرف المكاني للسعي بالنسبة إلى الصفا والمروة هو ظرف المكان الذي يعبر عنه بلفظة "بين"، وأما المسعى الجديد فظرفه المكاني بالنسبة إلى الصفا والمروة هو لفظة "فوق"، ومعلوم أن لفظ "بين" ولفظ "فوق" وإن كانا ظرفي مكان فمعناهما مختلف، ولا يؤيد أحدهما معنى الآخر؛ لتباين

стр. 93

مدلوليهما، فالساعي في المسعى الأعلى الجديد لا يصدق عليه أنه ساع بين الصفا والمروة، وإنما هو ساعٍ فوقهما، والساعي فوق شيئين ليس ساعيًا بينهما؛ للمغايرة الضروية بين معنى "فوق" و"بين" كما ترى. ويزيد هذا إيضاحًا ما ثبت في الصحيح من حديث عائشة المرفوع -وإن ظن كثير من طلبة العلم أنه موقوف عليها - فقد روى البخاري عنها في جوابها لعروة بن الزبير في شأن السعي بين الصفا والمروة أنها قالت ما لفظه: "وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما" (١). انتهى محل الغرض منه بلفظه. فتأمل قولها وهي هي: "وقد سن رسول الله ﷺ ، الطواف بينهما"، وقولها: "فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما". وتأمل معنى لفظة "بين" يظهر لك أن مفهوم كلامها أن من سعى فوقهما لم يأت بما سنه رسول الله ﷺ ، وأن ذلك ليس له. وهذا المعنى ضروري للمغايرة الضرورية بين الظرفين أعني "فوق" و"بين". وفي لفظ عند مسلم عنها أنها قالت: "ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة" (٢) انتهى محل الغرض منه، وهو يدل على أن من طاف فوقهما لا يتم الله حجه ولا عمرته؛ لأن الطائف فوقهما يصدق عليه لغة أنه لم يطف بينهما، وفي لفظ لمسلم عنها أنها قالت: "فلعمري ما أتمّ الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة" (٣). وقد علمت أن الساعي فوقهما لم يطف بينهما. وقد أقسمت على أن من لم يطف بينهما لا يتم حجه كما ترى.

стр. 94

واعلم أن ما يظنه بعض أهل العلم من أن حديث عائشة هذا الدال على أن السعي بين الصفا والمروة لا بد منه، وأنه لا يتم بدونه حج ولا عمرة أنه موقوف عليها غير صواب. بل هو مرفوع. ومن أصرح الأدلة في ذلك أنها رتبت بالفاء قولها: "فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما"، على قولها: "قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما"، وهو صريح في أن قولها: "ليس لأحد أن يترك الطواف بينهما" لأجل أنه ﷺ سن الطواف بينهما. ودل هذا الترتيب بالفاء على أن مرادها بأنه سنة أنه فرضَه بسنته كما جزم به ابن حجر في الفتح (١) مقتصرًا عليه مستدلًا له بأنها قالت: "ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة"، فقولها: "إن النبي ﷺ سن الطواف بينهما" وترتيبها على ذلك بالفاء في قولها: "فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما" وجزمها بأنه لا يتم حج ولا عمرة إلَّا بذلك دليل واضح على أنها إنما أخذت ذلك مما سنه رسول الله ﷺ لا برأي منها كما ترى. الأمر الخامس: أن إقرار المسعى الأعلى الجديد لا يؤمن أن يكون ذريعة لعواقب غير محمودة، وذلك من جهتين: الأولى: أنه يخشى أن يكون سببًا لتغييرات وزيادات في أماكن النسك الأخرى، كالمرمى (٢) وكمطاف مماثل فوق الكعبة.

стр. 95

الثانية: أنه لا يؤمن أن يكون ذريعة للقال والقيل، وقد شوهد شيء من ذلك عند البحث في تأخير المقام لتوسعة المطاف (١) فلا يؤمن أن يقال: إن الهيئة الفلانية أو الجهة الفلانية بدأت تغير مواضع النسك التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه والمسلمون أربعة عشر قرنًا، والدعايات المغرضة كثيرة، فسد الذريعة إليها مما يستحسن، ولا يخفى أن إقرار هذا المسعى الأعلى الجديد يلزمه جواز إقرار مطاف أعلى جديد مماثل، فقد يقترح مقترح ويطلب طالب جعل سقف فوق الكعبة الشريفة على قدر مساحة المطاف الأرضي، ويجعل فوق السقف المذكور علامات واضحة تحدد مساحة الكعبة تحديدًا دقيقًا، مع تحقيق كون مساحة الكعبة المحددة فوق السقف مسامته للكعبة مسامتة دقيقة، ويبقى صحن ذلك المطاف الأعلى واضحًا متميزًا عن قدر مساحة الكعبة من الهواء الذي فوق السطح، فيطوف الناس حول ذلك الهواء المسامت للكعبة لتخف بذلك وطأة الزحام في المطاف الأرضي، ولا شك أن هذا المطاف الأعلى المفترض لو فرض جوازه فهو أقل مشقة على الطائفين من توسعة المطاف الأرضي؛ لأن المطاف الأرضي كلما اتسع كانت مسافة الشوط في أقصاه أكثر من مسافته فيما يقرب منه من الكعبة، وأما المطاف الأعلى فلا تزيد مسافة الشوط فيه عن مسافته في المطاف الأرضي؛ لاتحادهما في المساحة، فهو أخف على الطائف. ولا نعتقد

стр. 96

أن لهذا المطاف الأعلى المفترض مستندًا من الشرع، كما لا نعتقد أن بينه وبين المسعى الجديد فرقًا. وفي الختام فإن زيادة مكان نسك على ما كان عليه المسلمون من عهد النبي ﷺ إلى اليوم تحتاج إلى تحر وتثبت ونظر في العواقب، ودليل يجب الرجوع إليه من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، مع العلم بأن الزحام في أماكن النسك أمر لا بد منه ولا محيص عنه بحال من الأحوال. والله الذي شرع ذلك على لسان نبيه ﷺ عالم بما سيكون. والعلم عند الله تعالى. أملاه الفقير إلى رحمة ربه وعفوه/ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي. حرر في ١٢/ ١١/ ١٣٩٣ هـ

стр. 97

ملحق قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في موضوع حكم السعي فوق سقف المسعى

стр. 98

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، وبعد: فبناء على خطاب سمو نائب وزير الداخلية للمملكة العربية السعودية رقم ٢٦/ ١٠٦١٢، وتاريخ ٢١/ ٣/ ١٣٩٣ هـ المتضمن رغبة وزارة الداخلية في دراسة موضوع السعي فوق سقف المسعى من قبل هيئة كبار العلماء بالمملكة، وبناء على ما تقتضيه لائحة سير عمل الهيئة من قيام اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بإعداد بحث علمي فيما يحتاج إلى بحث من المواضيع التي تتجه الرغبة إلى دراستها في الهيئة. قامت اللجنة بإعداد بحث في حكم السعي فوق سقف المسعى. وفيما يلي ما تيسر إعداده من النصوص والنقول التي يمكن أن يستعان بها في هذا الموضوع: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فإنه قد عرض على هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في دورتها الرابعة المنعقدة ما بين ٢٩/ ١٠/ ١٣٩٣ هـ و ١٢/ ١١/ ١٣٩٣ هـ موضوع: حكم السعي فوق سقف المسعى؛ ليكون وسيلة لعلاج ازدحام الناس في المسعى أيام موسم الحج، واطلعت الهيئة على البحث المقدم عنه من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، هذا نصه (١).

стр. 99

الخلاصة وبعد اطلاع الهيئة على البحث المتقدم ودراستها للمسألة، واستعراض أقوال أهل العلم في حكم الطواف والسعي، والرمي راكبًا، والصلاة إلى هواء الكعبة أو قاعها، وكذا حكم الطواف فوق أسطحة الحرم وأروقته، وحكمهم بأن من ملك أرضًا ملك أسفلها وأعلاها، وبعد تداول الرأي والمناقشة انتهى المجلس بالأكثرية إلى الإفتاء بجواز السعي فوق سقف المسعى عند الحاجة، بشرط استيعاب ما بين الصفا والمروة، وأن لا يخرج عن مسامتة المسعى عرضًا لما يأتي: ١ - لأن حكم أعلى الأرض وأسفلها تابع لحكمها في التملك والاختصاص ونحوهما، فللسعي فوق سقف المسعى حكم السعي على أرضه. ٢ - لما ذكره أهل العلم من أنه يجوز للحاج والمعتمر أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة راكبًا لعذر باتفاق ولغير عذر على خلاف من بعضهم، فمن يسعى فوق سقف المسعى يشبه من يسعى راكبًا بعيرًا ونحوه، إذ الكل غير مباشر للأرض في سعيه، وعلى رأي من لا يرى جواز السعي راكبًا لغير عذر فإن ازدحام السعاة في الحج يعتبر عذرًا يبرر الجواز. ٣ - أجمع أهل العلم على أن استقبال ما فوق الكعبة من هواء في الصلاة كاستقبال بنائها؛ بناء على أن العبرة بالبقعة لا بالبناء، فالسعي فوق سقف المسعى كالسعي على أرضه.

стр. 100

٤ - اتفق العلماء على أنه يجوز الرمي راكبًا وماشيًا، واختلفوا في الأفضل منهما، فإذا جاز رمي الجمرات راكبًا جاز السعي فوق سقف المسعى، فإن كلًّا منهما نسك أُدِّي من غير مباشرة مؤدية للأرض التي أداه عليها، بل السعي فوق السقف أقرب من أداء أي شعيرة من شعائر الحج أو العمرة فوق البعير ونحوه لما في البناء من الثبات الذي لا يوجد في المراكب. ٥ - لأن السعي فوق سقف المسعى لا يخرج عن مسمى السعي بين الصفا والمروة، ولما في ذلك من التيسير على المسلمين والتخفيف مما هم فيه من الضيق والازدحام. وقد قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] مع عدم وجود ما ينافيه من كتاب أو سنة، بل إن فيما تقدم من المبررات ما يؤيد القول بالجواز عند الحاجة، وقد ذكر ابن حجر الهيثمي ﵀ رأيه في المسألة فقال في حاشيته على الإيضاح لمحيي الدين النووي ص (١٣١): ولو مشى أو مر في هواء السعي فقياس جعلهم هواء المسجد مسجدًا، صحة سعيه. اهـ.