مقدمة التحقيق
الحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه؛ أَمَّا بعد:
فهذه «حاشيةٌ على الجلالين: الفاتحة والبقرة»، لشيخنا العلامة عبد الرحمن البراك - حفظه الله - سمَّاها: «التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين»، أَملاها في مجالسَ عديدةٍ تعليقًا وتوضيحًا لمُراد المؤلِّفَين من عبارتهما في تفسير الآيات، وصدَّر ذلك بتفسيره - حفظه الله - على الآيات، ثم ثنّى بالتعليق على كلام المؤلِّفَين، وقد تعقَّبهما في المخالفات العقدية، وكان هذا هو السببُ والباعثُ الأَوَّلُ له على إخراج هذا الكتاب قبل أن يبدو لشيخنا أنْ يكتبَ تفسيرًا على الآية - على وجه الإجمال والاختصار - قبل التَّعليق.
ولا يخفى على طالب العلمِ أَهمية تفسير الجلالين لمؤلِّفَيه: جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي؛ فهو من التفاسير المختصرة الشائعة، و «ظهرت خصائصه اللامعة بين الناس على اختلاف المستويات؛ فقد تميَّزَ بصنيع هذين العالمين معًا؛ إذ كان فيه إيجازٌ وافٍ بكثيرٍ من حاجات التفسير مع الاحتفاظ بجميع النص القرآني، واستيعابُ جهودِ العلماءِ في القرون الإسلامية التسعة» (١).
وقد سِرنا في العمل على هذا الكتاب وِفقَ المنهجِ التالي:
١ - مقابلةُ أَصل الكتاب وضبطه على طبعة الدكتور: فخر الدين قباوة وهو العمدة في هذه التعليقات، ونُنبِّهُ في الهامش إلى ما قد يكون من اختلافٍ بينهما وبين النسخ الأخرى، كما نُنبِّهُ إلى بعض ما وقع في الكتاب من إشكالات، وننقل ما يُصوِّبه شيخُنا في بعض المواضع منها.
_________
(١) ينظر: مقدمة تحقيق «تفسير الجلالين» للدكتور قباوة.
стр. 2
٢ - تعريفٌ موجزٌ بالكتاب، وبيانُ منزلته وأَهم حواشيه ومَن اعتنى به.
٣ - ترجمةٌ مختصرةٌ للمؤلِّفَين: جلالِ الدِّين المحلي، وجلالِ الدِّين السيوطي.
٤ - تقسيمُ الكتاب إلى فقرات؛ كالتالي:
- نُصدِّرها بالآيات المراد تفسيرها.
- ثم يليها تفسير شيخنا للآيات.
- ثم نُورد تعليق الجلالين على الآيات.
- ثم نُعقبه بتعليقات شيخنا على كلام الجلالين.
وطريقة التقسيم هذه من عمل شيخنا، كما نص في مقدمته فيما سيأتي.
٥ - توثيقُ النقول التي وردت في الكتاب وعزوها إلى مصادرها الأصلية.
٦ - ربطُ مباحثِ الكتاب بكتب التفسير وعلوم القرآن وغيرِها من سائر الفنون.
٧ - إحالةُ بعضِ المباحث إلى مواضع أخرى موسَّعة من كتب وشروح شيخنا حفظه الله.
٨ - ضبطُ الكلمات المشكلة، والعنايةُ بعلامات الترقيم.
٩ - عزو الآيات إلى مواضعها من كتاب الله ، وإثباتها على رواية حفص عن عاصم، أما الآيات في الجلالين؛ فقد أثبتناها بالخط العادي، وشكّلناها وفق ما ضبطه المحقق الدكتور فخر الدين قباوة لأنَّ القراءة التي اختارها المصنفان لآيات القرآن جمهورها الأساسي معتمد على قراءة إمام البصرة أبي عمرو بن العلاء ولم يلتزما ذلك، وقد أشرنا في الحاشية لاختلاف القراءات.
стр. 3
١٠ - تخريجُ جميع الأحاديث والآثار الواردة في المتن، أو التعليق والشرح.
والطريقةُ في ذلك كالتالي:
أ- إذا كان الحديثُ في الصحيحين أو أحدهما نقتصرُ في العزو إليه إلا لفائدة؛ كأن يكون اللفظُ المذكورُ لغيرهما.
ب- إذا كان الحديثُ في غير الصحيحين:
- خرَّجناه من أهم المصادر، وهي السننُ الأربعُ وموطأ مالك ومسند أحمد، وغيرها من المصادر الحديثية المعتبرة.
- لا نتوسع بذكر الطرق والشواهد، وإنما نحيلُ إلى بعض المراجع لمن أراد التوسّع والزيادة، وغالبًا ما تكون الإحالة إلى كتب التخريج، والعلل.
- ننقل ما تيسَّر من كلام الأئمة النقاد المتقدمين عليه تصحيحًا أو تضعيفًا، وإذا كان بين الأئمة خلافٌ نذكر أقوالهم دون حُكمٍ أو ترجيحٍ، وقد نستأنس - في هذه الحالة - بترجيحات المتأخرين، والمعاصرين ممن يشتغل بالتصحيح والتضعيف.
- إذا لم نجد للأئمة النقاد كلامًا في الحديث: لا نحكم على الحديث صحةً أو ضعفًا، وغالبًا ما نعتمد في هذه الحالة على أحكام المتأخرين في ضوء قواعد النقاد.
ج- نذكر اسم الصحابي راوي الحديث إلا أن يُذكر في المتن، وإذا كان الحديث مرويًا عن أكثر من صحابي ذكرنا صاحب اللفظ وأشرنا إلى غيره تبعًا.
١١ - ترجمةُ الرواة من غير الصحابة والتعريفُ ببعض الأعلام.
١٢ - بيانُ معاني الكلمات الغريبة.
١٣ - التعريفُ بالفِرق والمقالات.
стр. 4
١٤ - صنعُ فهرسٍ تفصيلي للموضوعات، وللمصادر والمراجع.
ملاحظة: إذا ورد في الهوامش كلمة «شيخنا» فالمراد به صاحب التعليقات شيخنا العلامة عبد الرحمن البراك - حفظه الله -.
اللجنة العلمية في
مؤسسة وقف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
للتواصل:
جوال: ٠٥٠٥١١٢٢٤٢
البريد الإلكتروني: m@sh-albarrak.com
стр. 5
التعريف بالجلالين
ألَّف هذا التفسير إمامان، ولقب كل واحد منهما جلال الدين، وهما: جلال الدين المحلَّي، وجلال الدين السيوطي.
ترجمة جلال الدين المحلي:
هو محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد المحلي الأصل نسبة للمحلة الكبرى. ولد بالقاهرة سنة (٧٩١ هـ) واشتغل وبرع في الفنون؛ فقهًا وأصولًا ونحوًا وغيرها، وكان آيةً في الذكاء والفهم؛ فكان بعض أهل عصره يقول فيه: إن ذهنه يثقب الماس. وكان يقول عن نفسه: أنا فهمي لا يقبل الخطأ.
وكان من أهل الصلاح والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يواجه بذلك أكابر الظلمة والحكام، ويأتون إليه فلا يلتفت إليهم، ولا يأذن لهم بالدخول عليه، وإذا ظهر له الصواب على لسان من كان رجع إليه، وكان متقشفًا في ملبوسه ومركوبه، ويتكسب بالتجارة، وألف كتبًا تشد إليها الرّحال؛ في غاية الاختصار والتحرير والتنقيح، وقد أقبل عليها الناس وتلقوها بالقبول، وتداولوها؛ منها: «البدر الطالع بشرح جمع الجوامع»، و «كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين»، و «شرح الورقات»، وله مصنفات أخرى في شتى الفنون. توفي في أول يوم من سنة (٨٦٤ هـ) (١).
ترجمة جلال الدين السيوطي:
هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري السيوطي، ولد في رجب سنة (٨٤٩ هـ)، نشأ في القاهرة يتيمًا إذ مات والده وعمره خمس سنوات،
_________
(١) ينظر: «الضوء اللامع» (٧/ ٣٩ - ٤١)، و «حسن المحاضرة» (١/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، و «طبقات المفسرين» للداودي (٢/ ٨٤ - ٨٥)، و «الأعلام» (٥/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، و «معجم المؤلفين» (٨/ ٣٣١ - ٣١٢).
стр. 6
ختم القرآن العظيم وله من العمر دون ثمان سنين، ثم حفظ «عمدة الأحكام»، و «منهاج النووي»، و «ألفية ابن مالك»، و «منهاج البيضاوي»، وعرض الثلاثة الأولى على علماء عصره وأجازوه، ولما بلغ أربعين سنة من عمره أقام في روضة المقياس وأخذ في التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى، وشرع في تحرير مؤلفاته، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك، وكان الأغنياء والأمراء يزورونه ويعرضون عليه الأموال والهدايا فيردها، وطلبه السلطان مرارًا فلم يحضر إليه، وأرسل إليه هدايا فردها، وبقي على ذلك إلى أن توفي، وكان يلقب بابن الكتب؛ لأن أباه طلب من أمه أن تأتيه بكتاب، ففاجأها المخاض، فولدته وهي بين الكتب!
له العديد من المصنفات في شتى الفنون (١)، منها في التفسير وعلومه: «الدر المنثور في التفسير بالمأثور»، و «الإتقان في علوم القرآن»، و «لباب النقول في أسباب النزول»، و «مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع» توفي سنة (٩١١ هـ) (٢).
التعريف بكتاب تفسير الجلالين:
لم يضع الجلالان لهذا التفسير اسمًا بل عُرف بين العلماء باسم «تفسير الجلالين»، أو «الجلالين» نسبة إليهما.
_________
(١) ينظر: «دليل مخطوطات السيوطي وأماكن وجودها» لأحمد الخازندار ومحمد إبراهيم الشيباني - الطبعة الثانية -، فقد أوردا فيه (١٠٨٠) عنوانًا ما بين مخطوط ومطبوع ومجهول المكان أو مفقود، وهذا الرقم فيه الكثير من المكررات؛ لكون الكتاب الواحد ذا عناوين مختلفة.
(٢) ينظر: «حسن المحاضرة» (١/ ٣٣٥ - ٣٤٤)، و «الكواكب السائرة» (١/ ٢٢٧ - ٢٣٢)، وشذرات الذهب (١٠/ ٧٤ - ٧٩)، و «الأعلام» (٣/ ٣٠١ - ٣٠٢)، و «معجم المؤلفين» (٥/ ١٢٨ - ١٣١).
стр. 7
وقد ابتدأ جلال الدين المحلي تفسيره من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الناس، ثم ابتدأ بتفسير الفاتحة، وبعد أن أتمها اخترمته المنية فلم يُفسِّر ما بعدها، فجاء السيوطي وكمَّل تفسير المحلي - في مدة ميعاد الكليم؛ أي: أربعين يومًا! -، فابتدأ بتفسير سورة البقرة، وانتهى عند آخر سورة الإسراء، وجعل السيوطي تفسير الفاتحة في آخر تفسير المحلي؛ لتكون منضمة لتفسيره (١).
وبعد أن اكتمل هذا التفسير انتشر بأيدي الناس واشتهر وقُرِّر في المعاهد وقُرأ في المساجد.
مصادر الكتاب:
اعتمد الجلالان على عدة مصادر في هذا التفسير منها:
التفسير الكبير والصغير لأحمد بن يوسف كواشي (٢)، ويعرف الأول بـ «تبصرة المتذكر وتذكرة المتبصر»، والثاني هو مختصره الموسوم بـ «التلخيص في تفسير القرآن العظيم»، وقد اعتمد عليهما المحلي، واعتمد السيوطي عليهما واقتبس من وضع المحلي واستفاد منه، واستفاد أيضًا من «الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» للواحدي، و «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» للبيضاوي، و «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير.
_________
(١) ينظر مقدمة البقرة وخاتمة الإسراء للسيوطي (ص ٣)، و (ص ١٠٧٨)، و «حاشية الجمل» (١/ ٧)، (٢/ ٧٠٧) وما بعدها.
(٢) أحمد بن يوسف بن الحسن بن رافع بن الحسين بن سويدان الشيبانيّ الموصلي، موفق الدين أبو العباس الكواشي، عالم بالتفسير، من فقهاء الشافعية، من أهل الموصل، من كتبه: «تبصرة المتذكر» في تفسير القرآن، و «كشف الحقائق» ويعرف بـ «تفسير الكواشي»، و «تلخيص في تفسير القرآن العزيز»، نسبته إلى كواشة أو كواشي، قلعة بالموصل. وكف بصره بعد بلوغه السبعين، وتوفي سنة ٦٨٠ هـ. ينظر: «النجوم الزاهرة» (٧/ ٣٥٢)، «هدية العارفين» (١/ ٩٨)، «الأعلام» (١/ ٢٧٤).
стр. 8
كما أشار السيوطي في ترجمته للإمام أحمد بن يوسف كواشي في بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة؛ فقال: «وله التفسير الكبير، والصغير، جود فيه الإعراب، وحرر أنواع الوقوف، وأرسل منه نسخة إلى مكة والمدينة والقدس.
قلت: وعليه اعتمد الشيخ جلال الدين المحلي في تفسيره، واعتمدت عليه أنا في تكملته مع الوجيز وتفسير البيضاوي وابن كثير» (١).
عناية العلماء بالكتاب:
حظي تفسير الجلالين باعتناء الناس وطلاب العلم للآتي:
- كونه أوجز التفاسير وأخصرها، وقد ذكر حاجي خليفة عن بعض علماء اليمن أنه قال: «عددت حروف القرآن وتفسيره للجلالين؛ فوجدتهما متساويين إلى سورة المزمل، ومن سورة المدثر التفسير زائد على القرآن، فعلى هذا يجوز حمله بغير الوضوء» (٢).
- اعتناء الكثير من أهل العلم بتدريسه، والإجازة فيه، وتقريره في المعاهد الشرعية.
- كثرة الحواشي والتعليقات التي أظهرت معناه، وكشفت عن كثير مما خفي.
وقد قام الكثير بشرحه، والتعليق عليه، وتوضيح دقائقه في مؤلفات وحواش كثيرة، منها المطبوع والمخطوط، والمفقود، والناقص، تزيد على الثلاثين، وأهمها (٣):
_________
(١) «بغية الوعاة» (١/ ٤٠١).
(٢) ينظر: «كشف الظنون» (١/ ٤٤٥).
(٣) ينظر: «جامع الشروح والحواشي» (١/ ٦٠٩ - ٦١٣).
стр. 9
١ - «مجمع البحرين ومطلع البدرين على تفسير الجلالين» لمحمد بن محمد الكرخي، توفي سنة (١٠٠٦ هـ) في أربع مجلدات، وحققت أجزاء منه في رسائل جامعية، وله حاشية صغرى عليه (١).
٢ - «حاشية الجمالين على الجلالين» للملا علي القاري، توفي سنة (١٠١٤ هـ) طبع جزء منها (٢).
٣ - «حاشية على تفسير الجلالين» لعبد الرحمن بن محمد القصري، الفاسي، المالكي، توفي سنة (١٠٣٦ هـ)، طبع جزء منها في المغرب عام (١٤٣٦ هـ) بتحقيق الدكتور السيد حسن عزوزي، نشره المجلس العلمي المحلي لإقليم مولاي يعقوب (٣).
٤ - «كتاب الكوكبين النيرين في حل ألفاظ الجلالين» لعطية بن عطية الأجهوري، توفي سنة (١١٩٠ هـ)، وحققت أجزاء منه في رسائل جامعية (٤).
٥ - «الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين بالدقائق الخفية» والمعروفة بحاشية الجمل لسليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بالجمل، توفي سنة (١٢٠٤ هـ)، وهو مطبوع مشهور.
٦ - «حاشية الكمالين على الجلالين» لسلام الله بن فخر الدين الدهلوي، المتوفي سنة (١٢٢٩ هـ)، وقيل (١٢٣٣ هـ)، طبعت سنة (١٣٨١ هـ).
_________
(١) ينظر: «كشف الظنون» (١/ ٤٤٥)، و «خلاصة الأثر» (٤/ ١٥٢)، و «الأعلام» (٧/ ٦١)، و «إيضاح المكنون» (٤/ ٤٣٣)، و «هدية العارفين» (٢/ ٢٦٣)، و «معجم المؤلفين» (١١/ ٢٦١).
(٢) ينظر: «كشف الظنون» (١/ ٤٤٥)، «الأعلام» (٥/ ١٢)، «هدية العارفين» (١/ ٧٥١).
(٣) ينظر: شجرة النور الزكية (١/ ٤٣٣)، و «معجم المؤلفين» (٥/ ١٩٤).
(٤) ينظر: الأعلام (٤/ ٢٣٧)، و «إيضاح المكنون» (٤/ ٣٩٥)، و «هدية العارفين» (١/ ٦٦٥) و «معجم المؤلفين» (٦/ ٢٨٧).
стр. 10
٧ - «حاشية على الجلالين» لأحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي، توفي سنة (١٢٤١ هـ)، وهو مطبوع مشهور.
٨ - «حاشية على تفسير الجلالين» لمحمد بن صالح أبي السعود السباعي، توفي سنة (١٢٦٨ هـ)، وهو في ثلاث مجلدات مخطوطة (١).
٩ - «قرة العين ونزهة الفؤاد» لعبد الله بن محمد الشافعي النبراوي، توفي سنة (١٢٧٥ هـ)، هي حاشية على تفسير الجلالين في أربع مجلدات، مخطوطة، وقد حققت أجزاء منه في رسائل جامعية (٢).
١٠ - «التعليق على الجلالين» لعبد الرزاق عفيفي، توفي سنة (١٤١٥ هـ)، من سورة غافر إلى سورة الناس ضمن مقرر التفسير بالمعاهد العلمية.
١١ - «قرة العينين على تفسير الجلالين» لمحمد أحمد كنعان، توفي سنة (١٤٣٢ هـ)، أضاف إلى التفسير ما تدعو الحاجة إليه، وعلَّق على بعض المواضع منه، وخرَّج أحاديثه، طبعته شركة دار البشائر.
١٢ - «تنبيهات مهمة على قرة العينين على تفسير الجلالين» لمحمد بن جميل زينو، توفي سنة (١٤٣١ هـ)، وهو تنبيهات على بعض الأخطاء الواقعة في الكتاب السابق، وجعل فصلًا في ذكر تنبيهات مفيدة لمحمد كنعان.
١٣ - «تهذيب تفسير الجلالين» لمحمد لطفي الصباغ، توفي سنة (١٤٣٩ هـ)، طبعه المكتب الإسلامي.
١٤ - «أنوار الهلالين في التعقبات على الجلالين» لمحمد بن عبد الرحمن الخميس، وهو تعقبات على بعض الأخطاء العقدية. طبعته دار الصميعي.
_________
(١) ينظر: «الأعلام» (٦/ ١٦٤)، و «إيضاح المكنون» (٣/ ٣٠٤) و «هدية العارفين» (٢/ ٣٧٣)، و «معجم المؤلفين» (١٠/ ٨٣).
(٢) ينظر: «الأعلام» (٤/ ١٣١)، و «معجم المؤلفين» (٦/ ١٤٢)، و «معجم المفسرين» (١/ ٣٢٦).
стр. 11
١٥ - «حاشية هداية الموحدين على تفسير الجلالين» لهشام برغش، طبعته مدار الوطن.
مذهب الجلالين العقدي:
ومما يُؤخذ على هذا التفسير: أنَّ مؤلِّفيه لم يلتزما منهج أهل السنة والجماعة في مسائل الأسماء والصفات التي أجمع السلف على إثباتها، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ فوقعا في زلات عفا الله عنهما؛ فقد سلكا مسلك التأويل لكثير من الصفات على طريقة الأشاعرة، وقد علق شيخنا عليها وحرَّر مذهب أهل السنة والجماعة بما يقتضيه المقام بسطًا وإيجازًا.
نسأل الله أن يجزي شيخنا خير ما يجزي به العلماء الصادقين والدعاة الناصحين والأئمة المصلحين، كما نسأله جل وعلا أن يتغمد العلَّامتين المحلي والسيوطي برحمته ويعفو عنها بمنه وكرمه؛ إنه غفور رحيم.
стр. 12
مقدمة التعليق
الحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين؛ أمَّا بعد: فقد أشار عليَّ بعضُ الإخوةِ الفضلاء أنْ أُعلِّقَ على المواضع التي فيها مخالفة لعقيدة أهل السنَّة من «تفسير الجلالين»، فاستحسنتُ ذلك، ولكني رأيتُ التَّعليقَ على جميع الكتاب مما يتعلَّقُ بالعقيدة وغيرِها، وذلك بتوضيح مُراد المؤلِّف من عبارته في تفسير الآيات.
ثم بدا لي أنْ أكتبَ تفسيرًا على الآية - على وجه الإجمال والاختصار - قبل التَّعليق، ممَّا فهمتُه منها وممَّا حصل لي من قراءتي في بعض التفاسير، فصار ذلك تفسيرًا مستقلًا متبوعًا بالتَّعليق على كلمات مؤلِّف تفسير الجلالين، فحصل بذلك الجمعِ بين التفسير والتَّعليق تكاملٌ وتمامُ فائدةٍ في تفسير الآية.
وقد أكتفي في بعض المواضعِ بتفسير الجلالين مع التَّعليق عليه إذا رأيت ذلك مُغنيًا عن تفسيرٍ مُستقلٍّ للآية.
والمنهجُ الذي اتَّبعتُه في هذا: أنْ أسوقَ الآيةَ أو الآيات أولًا، ثم أذكرَ تفسيرَها، ثم أذكرَ نصَّ تفسير الجلالين، وأُتبعَه بالتَّعليق عليه.
أسالُ اللهَ أن يجعلَه عملًا خالصًا ومُعينًا على فهم كتابه تعالى.
стр. 13
قال الإمام جلال الدين المحلي:
(سورة الفاتحة)
مكيَّةٌ، سبعُ آياتٍ بالبسملة إن كانت منها، والسابعةُ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ إلى آخرها، وإن لم تكن منها فالسابعةُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾ إلى آخرها، ويُقدَّرُ في أوَّلها «قولوا» ليكون ما قبل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مناسبًا له بكونه من مَقول العباد.
قولُه: (بالبسملة إن كانت منها): أي: إن كانت البسملةُ آيةً من الفاتحة، وفي ذلك قولان، والصواب: أنها ليست آية من الفاتحة (١) بدليل الحديث القدسي؛ قال الله: ((قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين)) - يعني: الفاتحة - ((فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ قال الله: حمدني عبدي … )) (٢) الحديث، فبدأ بالحمد لله ربِّ العالمين، ولم يذكر البسملةَ.
وقولُه: (ويُقدَّرُ في أوَّلها «قولوا»): لأنَّ الفاتحةَ كلَّها تعليمٌ من الله لعباده المؤمنين، وقد تضمَّنت الحمدَ والثناءَ والتمجيدَ لله، والتوحيدَ والدعاءَ، فالمسلمُ يقرأها يقصدُ تلاوةَ كلامِ الله، ويقصدُ معانيها المذكورة، ومَن يقرأها غافلًا عن معانيها يكون قاصدًا للتلاوة فقط فله أجرُ التلاوة؛ لأنَّ التلاوةَ مع الغفلة عن المعنى تكون ناقصةً.
стр. 14
وقولُه: (ليكون ما قبل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مناسبًا له): يريدُ أنَّ تقدير «قولوا» يجعل ما قبل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ - وهي الآياتُ الثلاثُ - إنشاءً من العبد بتعليم الله، حمدًا وثناءً وتمجيدًا، ويؤيّده قولُه تعالى في الحديث القدسي: ((حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجَّدني عبدي))، وعليه يكون قولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ التفاتًا، وهو انتقالٌ من الغيبة إلى الحضور.
* * *
стр. 15
قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾.
الباءُ للاستعانة، والاسمُ هو اللفظُ الدالُّ على المسمَّى، فالمعنى: استعينوا بالله ذاكرًا لاسمه، كقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [الواقعة: ٧٤، ٩٦، الحاقة: ٥٢]، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١].
و ﴿اللَّهِ﴾: أشهرُ أسمائه تعالى، والجامع لمعاني أسمائه وصفاته (١)، وأصلُ كلمة الله الإله، فحُذفت الهمزةُ وأُدغمتِ اللامُ في اللام مع التفخيم (٢).
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: اسمان من أسماء الله يدلَّان على صفة الرحمة، والفرقُ بينهما أنَّ الرَّحمن يدلُّ على الرحمة الذاتية، وقيل: الرحمة العامة، والرحيم يدلُّ على الرحمة الفعليَّة، وقيل: الرحمة الخاصة (٣).
* * *
стр. 16
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.
«ال» في ﴿الْحَمْدُ﴾ للاستغراق، واللام في ﴿لِلَّهِ﴾ للاستحقاق، المعنى: الحمدُ كلُّه مُستحَقٌّ لله، والجملةُ إنشاءٌ للحمد من العبد لربه، وهي خبرٌ من الله مدحًا لنفسه، وتعليمًا لعبده، والربُّ: هو: المالكُ المنعمُ، المربي بالنِّعم، المستحقُّ للعبادة (١).
و ﴿الْعَالَمِينَ﴾: جمعُ عالَم، والمرادُ بهم في هذا الموضع: جميعُ الخلق، فكلُّ جنسٍ من المخلوقات عالَم، تقول: عالَمُ الإنس، وعالَم الجنِّ، وعالَم الملائكة، وعالَم الحيوان، وغير ذلك.
وقد يُرادُ بالعالمين: الجنُّ والإنسُ فقط؛ كقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، وقد لا يُراد بهم إلا البشر؛ كقوله تعالى - في بني إسرائيل -: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة: ٤٧، ١٢٢] (٢).
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: جملةٌ خبريةٌ قُصد بها الثناءُ على اللَّه بمضمونها من أنه تعالى مالكٌ لجميع الحمد من الخلق، أو مُستحقٌّ لأن يَحمدوه.
و ﴿الله﴾: عَلَمٌ على المعبود بحق. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي مالك جميع الخلق من الإنس والجنِّ والملائكة والدواب وغيرهم، وكلٌّ منها يُطلَقُ عليه «عَالَم»، يقال: عالَم الإنس وعالَم الجن إلى غير ذلك، وغلب في جمعه بالياء والنون «أولو العلم» على غيرهم. وهو من العلامة؛ لأنه علامةٌ على مُوجِده.
стр. 17
وقولُ المؤلِّف: (جملةٌ خبريةٌ): أي من حيث اللفظ، أمَّا من حيث المعنى فهي مدحٌ وثناءٌ على الله، ولهذا قال المؤلِّف: (قصدَ بها الثناء على الله بمضمونها).
وقولُه: (مالكٌ … أو مستحق): إشارةٌ إلى أنَّ اللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾: يُحتمل أن تكون للملك أو للاستحقاق، والأظهر: أنها للاستحقاق (١).
وقولُه: (واللهُ عَلَمٌ على المعبود بحق): هذا الاسم «الله» مختصٌّ بربِّ العالمين، وهو الإله الحقُّ المعبودُ بحق، ولكن هذا الاسم ليس علمًا محضًا بل هو عَلَمٌ وصفةٌ؛ لأنَّ أصلَ اللفظ مُشتقٌّ، فأصل الله إله، بمعنى: مألوه أي: معبود، فحُذفت الهمزةُ، وأُدغمتِ اللامُ في اللام مع التفخيم كما تقدَّم.
وقولُه: (وجُمع بالياء والنون)؛ أي: جُمعَ العالمُ جمعَ مذكَّرٍ سالمٍ مع أنَّ العوالمَ منها ما يَعقِل ومنها ما لا يَعقِل، وما لا يَعقِلُ لا يُجمعُ جمعَ مذكَّرٍ، ولكن يقول المؤلِّف: غُلِّب أُولوا العلم؛ يعني: أُولوا العقل؛ أي: غلبَ مَنْ يَعقِلُ على ما لا يعقل فجُمع جمعَ مذكَّرٍ سالمٍ. والصحيحُ أنَّ عالَم قد فقد فيه ثلاثةَ شروطٍ من شروط ما يُجمعُ جمعَ مُذكَّرٍ سالم:
الأولُ: أنَّ العالم ليس بعَلَمٍ ولا صفة، وهذا شرطٌ فيما يُجمع جمعَ مذكر سالم.
الثاني: أن يكون مذكرًا حقيقيًا، والعالَمُ مذكرٌ لفظًا.
الثالث: أن يكون ما يُجمعُ جمعَ مُذكَّرٍ سالمٍ عاقلًا، والعالَم منه ما يعقلُ ومنه ما لا يعقلُ كما تقدَّم.
ولهذا كان الصواب: أنَّ العالمين مُلحقٌ بجمع المذكَّرِ السالم.
стр. 18
وقولُه: (وهو من العلامة): يريد أنَّ العالَم والعالمين سُمِّيَ بذلك لأنه دالٌ على موجده، فكلُّ مخلوقٍ هو علامةٌ على الخالق سبحانه، وهذا معنى قول المؤلِّف: أنَّ العالَمَ مأخوذٌ اسمُه من العلامة، والعلامةُ ما يعرف به الشيء ويدلُّ عليه (١)، ويقال: له أيضًا آية، والآية والآيات بهذا المعنى هي الآياتُ الكونية، وهي: المخلوقات. والآية والآياتُ في القرآن يُرادُ بها في الغالب الآياتُ الكونيةُ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ [يونس: ٦٧]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ [الروم: ٢٠]، ويُرادُ بها تارةً الآياتُ الشرعية، وهي: آياتُ القرآن؛ كقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ [يونس: ١]، ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].
* * *
стр. 19
وقولُه تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾.
ما يتعلَّقُ بهذين الاسمين تقدَّم في البسملة، وقال الله في الحديث القدسي: ((وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي)).
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أي: ذي الرحمة، وهي إرادةُ الخيرِ لأَهلِه.
وقولُ المؤلِّف: (أي: ذي الرحمة، وهي إرادةُ الخيرِ لأَهلِه): تفسيرُ الرحمة بالإرادة مبنيٌّ على نفي حقيقةِ الرَّحمةِ، وهو من مذهب الأشاعرةِ الذين لا يُثبتون إلَّا سبعًا من الصفات (١)، ومنها الإرادةُ، فيفسرون بها كثيرًا من الصفات التي ينفونها؛ كالرحمة والغضب والمحبة والبُغض، والواجبُ إثباتُ هذه الصفات على حقيقتها اللائقةِ بالله كما هو ظاهرُ القرآن، فالاسمان دالَّان على أنَّ الرحمةَ صفةٌ لله - تعالى - قائمةٌ به.
* * *
стр. 20
قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.
«يوم الدين»: أحدُ أسماءِ يومِ القيامة، ومعناه: يومُ الجزاءِ والحسابِ للعباد على الأعمال.
﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أي: الجزاءُ، وهو يوم القيامة، وخُصَّ بالذِّكر لأنه لا ملك ظاهرًا فيه لأحدٍ إلَّا لله تعالى، بدليل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ﴾ [غافر: ١٦]. ومن قرأ «مالك» فمعناه: مالكُ الأمر كلّه في يوم القيامة؛ أي: هو موصوفٌ بذلك دائمًا كـ ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر: ٣]، فصحَّ وقوعُه صفةً للمعرفة.
وقولُ المؤلِّف: (خُصَّ بالذِّكر): معناه: خُصَّ يومَ الدين بأنَّ اللهَ ملكه، والملكُ فيه له سبحانه مع أنه تعالى مالكُ الدنيا والآخرة، ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل: ١٣]، ويُبيّنُ المؤلِّفُ وجهَ التخصيص بقوله: (لأنه لا ملك ظاهرًا فيه لأحدٍ إلَّا لله تعالى)، بخلاف الدنيا ففيها ملوكٌ لكنَّ ملكَهم عاريةٌ، وهم: ذاهبون، ولهذا في الحديث الصحيح: أنَّ اللهَ إذا أخذ الأرضَ والسماوات بيديه يقول: ((أنا الملكُ، أين ملوك الأرض؟)) (١)، فلا ملكَ لأحدٍ يومَ القيامةِ سواه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩].
وقولُه: (ومن قرأ «مالك» … ) إلى آخره: يدلُّ على أنَّ في الكلمة قراءتين، و ﴿مَلِكِ﴾ بلا ألف قراءةُ الجمهور (٢)، واختارها ابنُ جرير (٣). ووجهُ التخصيص بـ «يوم الدين» مثل: وجه التخصيص على القراءة الأولى.
стр. 21
وقولُه: (أي: هو موصوفٌ بذلك دائمًا): يريد أنَّ إضافةَ الملك ليوم الدين يحتملُ أنه ليس للتقييد والتخصيص بل ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ اسمٌ لله وصفةٌ له دائمًا، وعلى هذا فيكون الاسمُ معرفةً بالعلمية، وعلى الأول يكون: معرفةً بالإضافة، فيصحُّ أن يكون صفةً للمعرفة على التقديرين، ولهذا قال المؤلِّف: (فصحَّ وقوعُه صفةً للمعرفة)، لكنْ عبارتُه توهم أنه لا يصحُّ وقوعُه صفةً للمعرفة إلَّا على التقدير الثاني.
ومضمونُ هذه الآية تمجيدُ الربِّ بوصفه بالمَلِك في يوم الدِّين على قراءة الجمهور، وبمالك يومِ الدِّين على القراءة الأخرى، وفي الحديث القدسي: ((وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال الله: مجَّدني عبدي)).
* * *
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ أي: نخصُّكَ بالعبادة من توحيدٍ وغيره، ونطلبُ منك المعونةَ على العبادة وغيرِها.
قولُه: (نخصُّكَ بالعبادة): معناه: لا نعبدُ إلَّا إياك، وهذا قصرٌ أفادَه تقديمُ المعمولِ وهو الضميرُ المنفصل المنصوب «إياك»، فتضمَّنت الآية توحيدَ العبادة.
وقولُه: (ونطلبُ منك المعونةَ على العبادة وغيرِها): كان الأولى أن يقول: ونخصُّك بطلب المعونةِ على العبادة وغيرها فلا نستعينُ غيرك؛ لأنَّ قولَه تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يفيدُ القصرَ؛ كالجملة التي قبلها، فدلَّت الآية على توحيده سبحانه بالعبادة وبالاستعانة، فتضمَّنت الآية توحيدَ الإلهية في الجملة الأولى، وتوحيد الربوبية في الجملة الثانية، فكما لا معبودَ بحقٍّ إلَّا الله؛
стр. 22
فلا مُستعانَ على الأمور كلِّها إلَّا الله، وتقديمُ العبادة على الاستعانة؛ قيل: هو من تقديم الغايةِ على الوسيلة (١).
والعبادةُ هي: كمالُ المحبةِ مع كمال الذلِّ (٢)، وهي: أيضًا اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبُّه اللهُ ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة (٣).
والاستعانةُ: طلبُ العون كما يفيد ذلك: «السين والتاء»؛ كالاستعاذة والاستغفار.
ويحسنُ التنبيهُ إلى أنَّ مضمونَ الآيات الثلاث - وهو ما تدلُّ عليه من أسماء الله وصفاته - هو المقتضي لما تدلُّ عليه الآية الرابعةُ من التوحيد في العبادة والاستعانة.
وفي الآية الرابعةِ انتقالٌ من الغيبة إلى الخطاب، وهو ما يُسمَّى عند البلاغيين التفاتًا، وفي الحديث القدسي: ((فإذا قال العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل))، ومعنى ذلك: أنَّ العبادةَ لله والعونَ للعبد من الله.
* * *
стр. 23
قولُه تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) … ﴾ إلى آخر السورة.
هذا هو السؤالُ المشارُ إليه في الحديث القدسي، وقد تضمَّن سؤالَ الهدايةِ إلى الصراط المستقيم وهو: دينُ الإسلام الذي هو الدِّين عند الله، وهو: دينُ النبيين والمرسلين (١). ومعنى «الصراط» في اللغة: الطريقُ المسلوكُ الواضحُ الواسعُ المستقيمُ الموصلُ إلى المقصود (٢).
والهدايةُ المذكورةُ تشملُ الهدايتين: هدايةُ الدلالةِ والإرشادِ، وهدايةُ التوفيق، وكلاهما تُطلَبُ من الله (٣).
والمرادُ بـ ﴿الَّذِينَ﴾ في قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: هم المُنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وهذا الصراطُ يُضافُ إلى الله لأنه هو الذي شَرعَه؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ويُضافُ إلى المنعم عليهم لأنهم سالكوه كما في هذه الآية، ويُضافُ إلى الرسول لأنه الدالّ عليه والداعي إليه كما في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٤).
стр. 24
وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾
معناه: اهدنا طريقَ غير المغضوب عليهم والضالين، وهم: المُنعَمُ عليهم، واجنبنا طريقَ المغضوب عليهم والضالين، فتضمَّن هذا الدعاءُ سؤالَ الهداية لطريق المُفلحين، وتجنيبَ طريق الهالكين.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: أرشدنا إليه، ويبدلُ منه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالهداية، ويبدلُ من «الذين» بصلته ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم اليهود ﴿وَلَا﴾ وغير ﴿الضَّالِّينَ﴾ وهم النصارى. ونكتةُ البدل أفادت أنَّ المهتدين ليسوا يهودًا ولا نصارى.
واللهُ أعلمُ بالصواب، وإليه المرجعُ والمآب، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمَّدٍ وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله العلي العظيم.
وقولُ المؤلِّف: (أرشدنا إليه): فسَّرَ الهدايةَ إلى الصراط بالإرشاد، وهذا تفسيرٌ للهداية بأحد معنييها، فإنَّ الهدايةَ من الله لها معنيان: هدايةُ الإرشاد والدلالة والبيان، وهدايةُ التوفيق، والصواب: أنَّ قولَه: ﴿اهْدِنَا﴾ شاملٌ للنوعين كما تقدَّم.
وقولُه: (ويبدلُ منه): يريد أنَّ صراط الثاني بدلٌ من الأول، فهو منصوبٌ بناصبه.
وقولُه: (بالهداية): يريد أنَّ النعمةَ التي أنعم اللهُ بها على أوليائه هي الهدايةُ إلى الصراط المستقيم بنوعيها.
وقولُه: (ويبدلُ من «الذين» بصلته): يريد أنَّ «غير» بدلٌ مِنْ الموصول ﴿الَّذِينَ﴾، فإنَّ محلَّه الجرُّ بالإضافة، ومن تفسير القرآن بالقرآن أنَّ الذين أنعمَ الله عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ
стр. 25
مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. وقولُه: (بصلته): يريد جملةَ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾؛ لأنَّ الاسم الموصول لا يُعرَفُ المرادُ به إلَّا بصلته.
وقولُه: (﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم اليهود ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وهم النصارى): صحَّ هذا التفسيرُ عن النبي ﷺ (١) ويشهدُ له آياتٌ من القرآن؛ كقوله تعالى في اليهود: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، وقوله في النصارى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
стр. 26
وقولُه: (﴿وَلَا﴾ وغير): يريد أنَّ ﴿لَا﴾ بمعنى غير، فيكون المعنى: غير المغضوب عليهم وغير الضالين.
وقولُه: (ونكتة البدل … ) إلى آخره: يريد أنَّ جعلَ ﴿غَيْرِ﴾ بدل من الموصول ﴿الَّذِينَ﴾؛ ليفيد أنَّ الذين أنعم اللهُ عليهم ليسوا يهودًا ولا نصارى، فدلَّتِ الآيةُ على طوائف الناس الثلاث:
الأولى: المنعمُ عليهم، المهتدون، الذين علموا الحقَّ واتَّبعوه وعملوا به.
الثانية: المغضوب عليهم، وهم الذين علموا الحقَّ فعاندوه ولم يعملوا بما علموا.
الثالثة: الضالون، وهم: الذين لم يعلموا الحقَّ، وعملوا بلا علمٍ.
فالأولون هم أهلُ الصراط المستقيم. والآخرون هم: الناكبون عن الصراط؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤]، وفي الحديث القدسي: ((فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل))، فنسألُ اللهَ أن يجعلنا من أهل هذا الوعدِ الكريمِ من الربِّ الرحيمِ.
* * *
стр. 27
قال المؤلِّف جلال الدين السَّيوطي في مقدمة تفسيره:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا موافيًا لنعمِه مكافئًا لمزيده، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد وآلِه وصحبِه وجنودِه.
هذا ما اشتدَّتْ إليه حاجةُ الراغبين، في تكملة تفسيرِ القرآن الكريم، الذي ألَّفَهُ الإمامُ المحقِّق جلالُ الدين محمد بن أحمد المحلِّي الشافعي ﵀ وتتميمُ ما فاتَه - وهو من أول سورة «البقرة» إلى آخر «الإسراء» - بتتمَّةٍ على نمطِه، مِنْ ذكر ما يُفهَمُ به كلامُ الله - تعالى - والاعتماد على أرجحِ الأقوال، وإعرابِ ما يُحتاج إليه، وتنبيهٍ على القراءاتِ المختلفة المشهورة، على وجهٍ لطيفٍ وتعبيرٍ وجيزٍ، وتركِ التطويل بذكرِ أقوالٍ غير مرضية وأعاريبَ محلُّها كتب العربية.
واللهَ أسألُ النفعَ به في الدنيا، وأحسنَ الجزاء عليه في العُقبي، بمنِّه وكرمه.
قولُ المؤلِّف: (الحمدُ للهِ حمدًا موافيًا لعمِهِ مكافئًا لمزيدِهِ): هذا اللفظُ مُقتَبَسٌ مِنْ حديثٍ ذكر ابنُ القيم أنه لا يصحُّ عن النبي ولم يُرْوَ بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف، وإنما يُروى عن أبي نصر التمَّار (١) عن آدم ﵇ (٢)، قال ابن
стр. 28
القيم: «ولا يدري كم بين آدمَ وأبي نصرٍ إلا اللهُ » (١)، ولابن القيم رسالة تكلَّم فيها عن أصل هذا الحديث ومعناه (٢)، وبيَّنَ أنه لا يصح روايةً ولا معنىً، وذلك أنه لا أحدَ من الخلق يقدر على أن يحمدَ الله حمدًا يوافي نعمه كمًّا ولا كيفًا (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وقوله ﷺ : ((لا أُحصي ثناءً عليكَ)) (٤)، ورحم الله المؤلِّف وعفا عنه.
وقولُه: (سيدنا): لو قال نبيّنا كانَ أولى؛ لأنَّ النبوةَ خاصيتُه ومناطُ الإيمان به ﷺ ، وهو كذلك سيدُ ولد آدم ﷺ (٥)، لكن مطلقُ السيادةِ يثبت لغيرِه من خيار الصحابة وخيار الأمة.
стр. 29
(سورة البقرة)
مدنيةٌ (١)، وهي مائتانِ وستٌّ أو سبعٌ وثمانونَ آيةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قولُه تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ١ - ٥].
اختلف المفسِّرون في المراد بالموصول في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (٢)، فقيل: إنه صفةٌ ثانيةٌ للمتقين، وهو: معطوفٌ على الموصول في قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. وقيل: إنه معطوفٌ على المتقين، والمراد بهم: مؤمنو أهل الكتاب، والمراد بـ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ المؤمنون من غيرِ أهل الكتاب، وعلى هذا فَهُمْ صنفانِ واختارَه ابنُ جرير (٣)، والأظهر أنَّ الآيتين في عموم المؤمنين مِنْ أهل الكتاب وغيرهم، وهو الصواب؛ فكلُّهم يؤمنون بالغيب، وبما أُنزل على محمد ﷺ وبما أُنزل مِنْ قبل ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ (٤).
стр. 30
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ أي: بالدَّار الآخرة، وهي: دارُ القيامة في مقابل دار الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ [الليل: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى﴾؛ أي: على نورٍ وبيِّنةٍ وبصيرةٍ واستقامةٍ وسَدادٍ.
﴿الم﴾ الله أعلمُ بمرادِه بذلك ﴿ذَلِكَ﴾ أي: هذا ﴿الْكِتَابُ﴾ الذي يَقرؤُه محمد ﴿لَا رَيْبَ﴾ لا شكَّ ﴿فِيهِ﴾ أنه مِنْ عند الله، وجملةُ النفي خبرٌ مبتدؤُه «ذلك»، والإشارةُ به للتعظيم ﴿هُدًى﴾ خبرٌ ثانٍ أي: هاد ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الصائرينَ إلى التقوى بامتثالِ الأوامرِ واجتنابِ النَّواهي لاتِّقائِهم بذلكَ النار ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصدِّقون ﴿بِالْغَيْبِ﴾ بما غابَ عنهم من البعثِ والجنةِ والنارِ ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي: يأتونَ بها بحقوقِها ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ أعطيناهم ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في طاعةِ الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: القرآن ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: التوراةُ والإنجيلُ وغيرهما ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعلمون ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفونَ بما ذُكِرَ ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالجنَّة النَّاجونَ مِنْ النار.
وقولُ المؤلِّف: (الله أعلمُ بمرادِه بذلك): هذا أحد الأقوالِ في الحروف المقطَّعة في أوائل السور كالبقرة وآل عمران والأعراف وغيرها، ومعنى: هذا القولُ في الحروف المقطَّعة أنها مِنْ المتشابِه الذي لا يَعلمُ تأويلَه إلا الله، وقد اختار المؤلِّفُ هذا القول (١)، ولهذا قال: (الله أعلمُ بمرادِهِ)، وفيها أقوالٌ أخرى (٢): استوفاها الإمامُ ابن جرير، ورواها بالأسانيد (٣)، واختار أنَّ الحروفَ
стр. 31
المقطَّعة تحتملُ كلَّ المعاني التي قيلت، ولم يذكر أنها مِنْ المتشابه الذي لا يَعلمُ معناه إلا الله (١)، ومن أحسن ما قيل: أنَّ الحروف المقطعة إشارةٌ إلى إعجاز القرآنِ، وذلك أنه مؤلَّفٌ من هذه الحروف التي يتألَّفُ منها سائر الكلام، وقد تحداهم الله أن يأتوا بسورة مثل القرآن فلم يفعلوا، واستُدلَّ لهذا القول بذكر القرآن بلفظ القرآنِ أو الكتابِ أو التنزيلِ في مطلع كلّ سورة افتُتحت ببعض هذه الحروف، إلا قليلٌ من السور إما بالإشارة إليه أو إلى آياته أو القَسَمِ به أو التَّنويهِ بإنزاله أو إحكامه، وهو: قولٌ حسن، ولا ينافي ما جاء عن السلف في تفسير الحروف المقطعة (٢).
وقولُه: (أيْ: هذا): يريد: أن ذلك من قَبيلِ وضع إشارةِ البعيد موضعَ إشارةِ القريب، وتأويل ﴿ذَلِكَ﴾؛ «بهذا» عزاهُ ابنُ جرير إلى عامَّة المفسرين (٣)، وهو: جائزٌ في اللغة (٤)، وقيل: إنَّ الإشارة في الآية على بابِها، وهي: للبعيد، وأنها تدلُّ على علوِّ منزلة القرآن، وقد أشار المؤلِّف إلى ذلك بقوله: (والإشارةُ به للتعظيم) (٥).
وقولُه: (الذي يَقرؤُه محمد): يريد: أن «أل» في الكتاب للعهد الذِّهني.
стр. 32
وقولُه: (لا شَكَّ): هذا تفسيرٌ للرَّيب بالشَّك، وهو المشهور (١)، وسُمِّيَ الشك: ريبًا لأن أصلَ الرَّيب القلقُ والاضطراب، والشَّك: يؤدي إلى ذلك.
وقولُه: (أنه مِنْ عند الله): هذا بيانٌ لمتعلَّقِ الشك المنفي فيكون المعنى: لا ريبَ في أن هذا الكتاب من عند الله.
وقولُه: (وجملةُ النفي خبرٌ): يريد أنَّ جملة ﴿لَا رَيْبَ﴾ فيه خبرٌ، فهي في موضع رفع، واسمُ الإشارة مبتدأ.
وقولُه: (والإشارةُ به للتعظيم): يريد أنَّ وضع إشارةِ البعيد موضعَ إشارة القريب يُفيد التعظيمَ للكتاب.
وقولُه: (خبرٌ ثانٍ): يريد أنَّ ﴿هُدًى﴾ خبرٌ ثانٍ للمبتدأ الذي هو اسمُ الإشارة، والخبر الأول جملةُ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
وقولُه: (هَادٍ): يريد أنَّ ﴿هُدًى﴾ مصدرٌ بمعنى اسم الفاعل.
وقولُه: (الصائرينَ إلى التقوى): معناه: الذين صاروا متَّقين بلزومِهم التقوى بامتثال الأوامر والنواهي، بفعل المأمورات واجتناب المنهيَّات، وسُمِّيَ امتثالُ الأوامر والنواهي تقوى؛ لأن العبد يتقي بذلك غضبَ الله وعقابَه، وخصَّ المتقين بهداية القرآن مع أنه هدىً لجميع الناس؛ لأنهم المنتفعون به (٢)، وهدايةُ القرآن: هي هداية الدَّلالة والإرشاد والبيان.
وقولُه: (يُصدِّقون): هذا هو المشهور في معنى الإيمان في اللغة (٣)، ومعناه في الشرعِ: تصديقٌ خاصٌّ، ويتضمَّن القبولَ والانقياد، ويشمل الاسمُ جميعَ شرائع الدين (٤)، وهي: شُعَبُ الإيمان؛ كما جاء في الحديث (٥).
стр. 33
وقولُه: (بما غابَ عنهم): يُفهم منه أن الغيبَ مصدرٌ؛ بمعنى: اسم الفاعل.
وقولُه: (من البعثِ والجنةِ والنارِ): لو قال: كالبعثِ والجنة والنار كان أولى؛ لأنَّ الغيب الذي يجب الإيمانُ به أعمُّ من ذلك فيدخل فيه الملائكةُ، والعرشُ، وأخبارُ الأمم الماضية، وغير ذلك، وأعظم ذلك ما يتعلَّق بشأن الربِّ تعالى، قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٤٩].
وقولُه: (بحقوقِها): أي بما يجب لها وفيها من الشروط والأركان والواجبات.
وقولُه: (في طاعةِ الله): يريد: أنهم يُنفقون النفقاتِ الواجبة والمستحبة، ولا يَخرجون عن ذلك، وأوجبُ النفقاتِ: الزكاة المفروضة، ولذا يأتي الإنفاق مقرونًا بإقامِ الصلاة في كثيرٍ من الآيات.
وقولُه: (يَعلمونَ): أي علمَ اليقين.
وقولُه: (الموصوفونَ بما ذُكِرَ): أي من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾، وعليه فتشمل الآياتُ المؤمنين من هذه الأمة، ومن أهل الكتاب، فاسم الموصول في الآيتين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ صفتانِ لموصوفٍ واحد، كما تقدَّم (١).
وقولُه: (الفائزون بالجنَّة النَّاجونَ مِنْ النار): يدلُّ له قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وهذا أعظم فلاح.
* * *
стр. 34
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٦ - ٧]:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي جحدوا الحقَّ، وأصلُ الكفر في اللغة: السَّتْرُ والتغطية (١)، والجاحدُ ساترٌ لِما جحدَه.
وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾: خبرٌ من الله عن أولئك الكفار بأنهم مُقيمون على الكفر في حالِ إنزالهم وعدمهم، لذلك كان إنذارُهم وعدمُه سواءٌ بالنسبة لإيمانهم. ثم أخبر - تعالى - عن سببِ إصرارهم على الكفر وعدمِ انتفاعِهم بالنذارة وهو الخَتمُ على قلوبِهم وسمعهم فلا يعقلون الآياتِ ولا يسمعونها سماعَ تدبُّرٍ.
﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾: غطاءٌ (٢) يمنعهم من النظر في آيات الله نظرَ تفكُّرٍ واعتبارٍ. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾: وهو عذابُ جهنم الذي يَصْلَونه يومَ القيامة.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كأبي جهلٍ وأبي لهبٍ ونحوهما ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ﴾ بتحقيقِ الهمزتينِ، وإبدالِ الثانية أَلِفًا وتسهيلها، وإدخالِ ألفٍ بين المسهلة والأخرى وتركه ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لعلمِ اللهِ منهم ذلك فلا تطمعْ في إيمانهم، والإنذارُ: إعلامٌ مع تخويفٍ (٣). ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ﴾ طبعَ عليها واستوثقَ فلا يدخلُها خيرٌ ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ أي:
стр. 35
مواضعُه، فلا ينتفعون بما يسمعونَه مِنْ الحق ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهمْ غِشَاوَة﴾ غطاءٌ فلا يُبصرون الحقَّ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيْمٌ﴾ قويٌّ دائمٌ.
وقولُ المؤلِّف: (كأبي جهلٍ وأبي لهبٍ): يُبيِّنُ بهذا أنَّ المرادَ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الآية هم الذين عَلِمَ اللهُ أنهم يموتون على الكفر (١)، ومنهم: أبو جهل وأبو لهب، وأصحابُ القَلِيب، وهم: الذين قُتلوا في بدر من المشركين، وطُرحوا في القَليب، فهم ممن قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧]، وقال الله فيهم: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠].
وقولُه: (بتحقيقِ الهمزتينِ وإبدالِ الثانية أَلِفًا … ) إلى آخره: يبيِّنُ بذلك القراءاتِ في الهمزتين، وذكرَ فيها أربعَ قراءاتٍ (٢).
وقولُه: (لعلمِ اللهِ منهم ذلك): يريد أنَّ الله أخبرَ بنفي إيمانهم، وما أخبرَ بنفيه لن يكون، ومَن أخبرَ اللهُ بنفي إيمانِه فلن يؤمنَ، وحينئذٍ فإنذارُه وعدمُه سواءٌ، ومَن عُلِمَ أنه لا يؤمن فلا يُشرعُ إنذارُه، ومثل هؤلاء مثل قوم نوحٍ الذين قال الله فيهم: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦]، ولذا أخبر - تعالى - أنَّ الإنذارَ لا يُجدي، ولذا إنذارُه إيَّاهم وعدمُه سواءٌ، فلا طمعَ في إيمانهم.
وقولُه: (والإنذارُ: إعلامٌ مع تخويفٍ): ولذا يقترن الإنذارُ بذكرِ العذاب كثيرًا؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]،
стр. 36
وقوله: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢]، وقوله في نوح: ﴿أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح: ١].
وقولُه: (طبعَ عليها واستوثقَ): يشير ﵀ إلى الفرقِ بين الخَتْم والطَّبْع، وقد ذكر الله الختمَ على القلوب والأسماع في موضعَيْنِ من القرآن؛ في هذه الآية، وفي آية الجاثية، وذكر الختم على القلوب في موضع ثالث من سورة الأنعام، وذكر الطبع على القلوبِ في مواضع كثيرة، والظاهر أن الختم أشدُّ، وهو: يدلُّ على الاستيثاق، كما في عبارة المؤلِّف.
وقولُه: (أي: مواضعُه): يريد أنَّ الختم على مواضعِ السمع، وهي: آذانهم فلا يسمعون بها ما ينفعُهم، وأصل السمعِ: مصدرُ سَمِعَ يَسمَعُ، عبَّرَ به عن الآذان، وأكثرُ ما يرد السمع مفردًا؛ لأنه مصدرُ يَصدقُ على القليلِ والكثير (١).
وقولُه: (غطاءٌ فلا يُبصرون الحقَّ): هذا غطاءٌ معنويٌّ سببُه الإعراض عن التفكُّر في الآيات الكونية، وعن التدبُّر للآيات القرآنية، وكذلك الختم على قلوبِهم وسمعِهم هو أمر معنويٌّ سببُه الإعراض.
وقولُه: (قويٌّ دائمٌ): لو قالَ: «شديد» بدل «قويٌّ» لكانَ أولى؛ لأن هذا مِنْ صفتِهم في آيات أخرى، والمراد به عذابُ النار، وقد وُصِفَ بأنه شديدٌ وأليمٌ ومهينٌ وعظيمٌ.
* * *
стр. 37
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ٨ - ١٠]:
يخبر - تعالى - في هذه الآية وما بعدَها عن الصِّنف الثالث مِنْ الناس، وهم المنافقون الذين يُظهرون الإيمانَ ويُبطنون الكفرَ، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: بعضُ الناس الذي يقولُ بلسانه: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وما هو بمؤمنٍ في الباطن، فهو يقول بلسانِه ما ليس في قلبِه، وهذا هو النفاقُ الأكبر. ثم أخبرَ - تعالى - عن هؤلاء المنافقين أنهم بنفاقِهم يُخادعون الله ويُخادعون المؤمنين؛ أي: يفعلونَ ذلك ظانِّين أنهم يخدعونَ الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسَهم ولكنَّهم لا يشعرون بأنَّ خِدَاعهم راجعٌ إلى أنفسهم، فهم المخدَعون بهذا الخداعِ، ولا يَروجُ على الله ولا على الذين آمنوا؛ لأن الله يعلم السرائرَ فلا يخدعُه المخادعون، والذين آمنوا يعرفونَهم بلحنِ القول، وهذا ما دلَّ عليه الحصرُ في قوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾.
ثم أخبر - تعالى - أنَّ في قلوب المنافقين مرضًا، وهو: الشكُّ في الحقِّ في الله ورسوله وكتابه وفي اليوم الآخر، ولذلك لم يكونوا مؤمنينَ على الحقيقة، بل يقولون بألسنتِهِم ما ليس في قلوبِهم، ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ على مرضِهم الأول فازدادوا كفرًا على كفرٍ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة، وذلك بسبب كذبِهم في دعوى الإيمان، وقد أكذبَهُم الله بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾، وقُرئ: ﴿يُكَذّبون﴾ بفتحِ الكاف وتشديد الذال (١)، ورجَّح ابن جرير القراءة
стр. 38
الأولى: بسكونِ الكاف وكسرِ الذال (١)؛ لقوله في الآية السابقة: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ المعنى: أنهم كاذبون في قولهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
ونزلَ في المنافقينَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: يومَ القيامة؛ لأنه آخرُ الأيام ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ رُوعِيَ فيه معنى «من» وفي ضميرِ ﴿يَقُولُ﴾ لفظُها ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بإظهار خلافِ ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامَه الدنيوية ﴿وَمَا يُخادعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ لأنَّ وبالَ خداعِهم راجعٌ إليهم فيُفتضحون في الدنيا بإطلاع اللهِ نبيَّه على ما أبطنوه ويُعاقَبون في الآخرة ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعلمون أنَّ خداعَهم لأنفسِهم، والمخادعةُ هنا مِنْ واحد كعاقبتُ اللصَّ، وذِكْرُ اللهِ فيها تحسينٌ، وفي قراءةٍ: ﴿وما يَخْدَعُونَ﴾. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شكٌّ ونفاقٌ فهو يمرض قلوبَهم أي: يُضعفُها ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ بما أنزلَهُ من القرآن لكفرِهم به ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مُؤلمٌ ﴿بِمَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ﴾ بالتشديدِ أي: نبيُّ الله، وبالتخفيفِ أي: في قولهم: ﴿آمَنَّا﴾.
وقول المؤلِّف: (ونزلَ في المنافقينَ): يبيِّن أنَّ الآيات الآتية ابتداءً من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾، وهي: ثلاث عشرة آية كلّها في صفة المنافقين، وأنَّ الآيتين المتقدِّمتين - السادسة والسابعة - في شأنِ الكفار وبيانِ مصيرهم.
وقولُه: (يومَ القيامة): يريد أنَّ اليوم الآخر من أسمائِه؛ وقولُه: (لأنه آخرُ الأيام): يريد أنَّ يوم القيامة سُمِّيَ الآخر؛ لأنه لا ليلةَ بعده فلا يوم بعده؛ لأنَّ كلَّ يومٍ مسبوقٌ بليلته، وكلُّ يومٍ من أيام الدنيا تأتي بعده ليلة (٢).
стр. 39
وقولُه: (رُوعِيَ فيه معنى «من» وفي ضميرِ ﴿يَقُولُ﴾ لفظُها): يريد أنَّ «من» في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾: اسمٌ موصولٌ لفظُه مفرد، ومعناه: جمع، ففي قوله: ﴿وَمَا هُمْ﴾ رُوعِي معنى: من، وهو الجمع، وفي قوله: ﴿يقولُ﴾ رُوعِي لفظها، وهو الإفراد.
وقولُه: (بإظهارِ خلافِ ما أبطنوهُ مِنْ الكفر): معنى ذلك أنَّ خداعَهم لله وللمؤمنين هو نفاقُهم؛ فهُم بإظهارِ الإيمان وإبطانِ الكفر يقصدون خداعَ الله والمؤمنين، وهذا من جهلِهم وسَفَههم؛ فالله لا يخدعه أحدٌ؛ لأنه علَّام الغيوب، ويعلم ما في القلوب، وكذلك المؤمنون لا يضرُّهم خداع المنافقين؛ لأنَّ الله يفضحُ المنافقين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُخَادَعُونَ إلَّا أَنَفْسهمْ﴾: مشى المؤلِّفُ على قراءة نافع (١) وابن كثير (٢) وأبو عمرو (٣)، وقرأ جمهور القُرَّاء: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ بحذف الألف (٤)، واختارها ابنُ جرير (٥)، وضعَّفَ القراءةَ الأولى قائلًا: إنها لا
стр. 40
تناسب مع قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأنها تؤدي إلى تضاد بين أول الآية وآخرها، ولأنها خلاف قراءة جمهور القَرَأة.
وقولُه: (لأنَّ وبالَ خداعِهم راجعٌ إليهم): هذا وجهُ الحصر في قوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنَفْسهمْ﴾، فضررُ خداعِهم لا يتعدَّاهم، فلن يضرُّوا الله شيئًا، ولا المؤمنين، والله يجزيهم بخداعِهم بأن يخدعَهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].
وقولُه: (فيُفتضحون في الدنيا … ) إلى آخره: هذا وصفٌ لضرر خِداعهم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فضيحةٌ وتهديدٌ، وفي الآخرة خزيٌ وعذابٌ شديدٌ.
وقولُه: (يعلمون أنَّ خداعَهم لأنفسِهم): الشعورُ بالشيء هو العلم به (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ خبرٌ من الله بأنَّ المنافقين لا يعلمون أنَّ خداعَهم لأنفسهم، فضررُهُ عائدٌ إليهم، ولن يضرَّ اللهَ والمؤمنين شيئًا.
وقولُه: (والمخادعةُ هنا مِنْ واحد كعاقبتُ اللصَّ): يريد أنَّ المخادعة في هذه الآية من طرفٍ واحد، وهم: المنافقون، فلا يقال: إنَّ الله يُخادع المنافقين بل يَخدعهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ … ﴾ الآية [النساء: ١٤٢] (٢)، والصواب: أن المخادعة من الأفعال التي تكون من فاعلين كالمخاصمة والمدافعة، وهذا اختيار ابن جرير (٣).
وقولُه: (وذِكْرُ اللهِ فيها تحسينٌ): يريد أنَّ ذكرَ الله في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾؛ تحسينٌ للكلام وتشنعينٌ على المنافقين بقصدِهم خداعَ الله، وليس لأنَّ الله يُخادع، وهذا مبني على ما اختاره المؤلِّف من أن المخادعة في الآية من واحد، وهم المنافقون؛ كما تقدم، وتقدم أن الصواب خلافه.