وقوله: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢]، وقوله في نوح: ﴿أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح: ١].
وقولُه: (طبعَ عليها واستوثقَ): يشير ﵀ إلى الفرقِ بين الخَتْم والطَّبْع، وقد ذكر الله الختمَ على القلوب والأسماع في موضعَيْنِ من القرآن؛ في هذه الآية، وفي آية الجاثية، وذكر الختم على القلوب في موضع ثالث من سورة الأنعام، وذكر الطبع على القلوبِ في مواضع كثيرة، والظاهر أن الختم أشدُّ، وهو: يدلُّ على الاستيثاق، كما في عبارة المؤلِّف.
وقولُه: (أي: مواضعُه): يريد أنَّ الختم على مواضعِ السمع، وهي: آذانهم فلا يسمعون بها ما ينفعُهم، وأصل السمعِ: مصدرُ سَمِعَ يَسمَعُ، عبَّرَ به عن الآذان، وأكثرُ ما يرد السمع مفردًا؛ لأنه مصدرُ يَصدقُ على القليلِ والكثير (١).
وقولُه: (غطاءٌ فلا يُبصرون الحقَّ): هذا غطاءٌ معنويٌّ سببُه الإعراض عن التفكُّر في الآيات الكونية، وعن التدبُّر للآيات القرآنية، وكذلك الختم على قلوبِهم وسمعِهم هو أمر معنويٌّ سببُه الإعراض.
وقولُه: (قويٌّ دائمٌ): لو قالَ: «شديد» بدل «قويٌّ» لكانَ أولى؛ لأن هذا مِنْ صفتِهم في آيات أخرى، والمراد به عذابُ النار، وقد وُصِفَ بأنه شديدٌ وأليمٌ ومهينٌ وعظيمٌ.
* * *
стр. 37
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ٨ - ١٠]:
يخبر - تعالى - في هذه الآية وما بعدَها عن الصِّنف الثالث مِنْ الناس، وهم المنافقون الذين يُظهرون الإيمانَ ويُبطنون الكفرَ، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: بعضُ الناس الذي يقولُ بلسانه: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وما هو بمؤمنٍ في الباطن، فهو يقول بلسانِه ما ليس في قلبِه، وهذا هو النفاقُ الأكبر. ثم أخبرَ - تعالى - عن هؤلاء المنافقين أنهم بنفاقِهم يُخادعون الله ويُخادعون المؤمنين؛ أي: يفعلونَ ذلك ظانِّين أنهم يخدعونَ الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسَهم ولكنَّهم لا يشعرون بأنَّ خِدَاعهم راجعٌ إلى أنفسهم، فهم المخدَعون بهذا الخداعِ، ولا يَروجُ على الله ولا على الذين آمنوا؛ لأن الله يعلم السرائرَ فلا يخدعُه المخادعون، والذين آمنوا يعرفونَهم بلحنِ القول، وهذا ما دلَّ عليه الحصرُ في قوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾.
ثم أخبر - تعالى - أنَّ في قلوب المنافقين مرضًا، وهو: الشكُّ في الحقِّ في الله ورسوله وكتابه وفي اليوم الآخر، ولذلك لم يكونوا مؤمنينَ على الحقيقة، بل يقولون بألسنتِهِم ما ليس في قلوبِهم، ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ على مرضِهم الأول فازدادوا كفرًا على كفرٍ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة، وذلك بسبب كذبِهم في دعوى الإيمان، وقد أكذبَهُم الله بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾، وقُرئ: ﴿يُكَذّبون﴾ بفتحِ الكاف وتشديد الذال (١)، ورجَّح ابن جرير القراءة
стр. 38
الأولى: بسكونِ الكاف وكسرِ الذال (١)؛ لقوله في الآية السابقة: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ المعنى: أنهم كاذبون في قولهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
ونزلَ في المنافقينَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: يومَ القيامة؛ لأنه آخرُ الأيام ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ رُوعِيَ فيه معنى «من» وفي ضميرِ ﴿يَقُولُ﴾ لفظُها ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بإظهار خلافِ ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامَه الدنيوية ﴿وَمَا يُخادعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ لأنَّ وبالَ خداعِهم راجعٌ إليهم فيُفتضحون في الدنيا بإطلاع اللهِ نبيَّه على ما أبطنوه ويُعاقَبون في الآخرة ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعلمون أنَّ خداعَهم لأنفسِهم، والمخادعةُ هنا مِنْ واحد كعاقبتُ اللصَّ، وذِكْرُ اللهِ فيها تحسينٌ، وفي قراءةٍ: ﴿وما يَخْدَعُونَ﴾. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شكٌّ ونفاقٌ فهو يمرض قلوبَهم أي: يُضعفُها ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ بما أنزلَهُ من القرآن لكفرِهم به ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مُؤلمٌ ﴿بِمَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ﴾ بالتشديدِ أي: نبيُّ الله، وبالتخفيفِ أي: في قولهم: ﴿آمَنَّا﴾.
وقول المؤلِّف: (ونزلَ في المنافقينَ): يبيِّن أنَّ الآيات الآتية ابتداءً من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾، وهي: ثلاث عشرة آية كلّها في صفة المنافقين، وأنَّ الآيتين المتقدِّمتين - السادسة والسابعة - في شأنِ الكفار وبيانِ مصيرهم.
وقولُه: (يومَ القيامة): يريد أنَّ اليوم الآخر من أسمائِه؛ وقولُه: (لأنه آخرُ الأيام): يريد أنَّ يوم القيامة سُمِّيَ الآخر؛ لأنه لا ليلةَ بعده فلا يوم بعده؛ لأنَّ كلَّ يومٍ مسبوقٌ بليلته، وكلُّ يومٍ من أيام الدنيا تأتي بعده ليلة (٢).
стр. 39
وقولُه: (رُوعِيَ فيه معنى «من» وفي ضميرِ ﴿يَقُولُ﴾ لفظُها): يريد أنَّ «من» في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾: اسمٌ موصولٌ لفظُه مفرد، ومعناه: جمع، ففي قوله: ﴿وَمَا هُمْ﴾ رُوعِي معنى: من، وهو الجمع، وفي قوله: ﴿يقولُ﴾ رُوعِي لفظها، وهو الإفراد.
وقولُه: (بإظهارِ خلافِ ما أبطنوهُ مِنْ الكفر): معنى ذلك أنَّ خداعَهم لله وللمؤمنين هو نفاقُهم؛ فهُم بإظهارِ الإيمان وإبطانِ الكفر يقصدون خداعَ الله والمؤمنين، وهذا من جهلِهم وسَفَههم؛ فالله لا يخدعه أحدٌ؛ لأنه علَّام الغيوب، ويعلم ما في القلوب، وكذلك المؤمنون لا يضرُّهم خداع المنافقين؛ لأنَّ الله يفضحُ المنافقين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُخَادَعُونَ إلَّا أَنَفْسهمْ﴾: مشى المؤلِّفُ على قراءة نافع (١) وابن كثير (٢) وأبو عمرو (٣)، وقرأ جمهور القُرَّاء: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ بحذف الألف (٤)، واختارها ابنُ جرير (٥)، وضعَّفَ القراءةَ الأولى قائلًا: إنها لا
стр. 40
تناسب مع قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأنها تؤدي إلى تضاد بين أول الآية وآخرها، ولأنها خلاف قراءة جمهور القَرَأة.
وقولُه: (لأنَّ وبالَ خداعِهم راجعٌ إليهم): هذا وجهُ الحصر في قوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنَفْسهمْ﴾، فضررُ خداعِهم لا يتعدَّاهم، فلن يضرُّوا الله شيئًا، ولا المؤمنين، والله يجزيهم بخداعِهم بأن يخدعَهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].
وقولُه: (فيُفتضحون في الدنيا … ) إلى آخره: هذا وصفٌ لضرر خِداعهم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فضيحةٌ وتهديدٌ، وفي الآخرة خزيٌ وعذابٌ شديدٌ.
وقولُه: (يعلمون أنَّ خداعَهم لأنفسِهم): الشعورُ بالشيء هو العلم به (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ خبرٌ من الله بأنَّ المنافقين لا يعلمون أنَّ خداعَهم لأنفسهم، فضررُهُ عائدٌ إليهم، ولن يضرَّ اللهَ والمؤمنين شيئًا.
وقولُه: (والمخادعةُ هنا مِنْ واحد كعاقبتُ اللصَّ): يريد أنَّ المخادعة في هذه الآية من طرفٍ واحد، وهم: المنافقون، فلا يقال: إنَّ الله يُخادع المنافقين بل يَخدعهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ … ﴾ الآية [النساء: ١٤٢] (٢)، والصواب: أن المخادعة من الأفعال التي تكون من فاعلين كالمخاصمة والمدافعة، وهذا اختيار ابن جرير (٣).
وقولُه: (وذِكْرُ اللهِ فيها تحسينٌ): يريد أنَّ ذكرَ الله في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾؛ تحسينٌ للكلام وتشنعينٌ على المنافقين بقصدِهم خداعَ الله، وليس لأنَّ الله يُخادع، وهذا مبني على ما اختاره المؤلِّف من أن المخادعة في الآية من واحد، وهم المنافقون؛ كما تقدم، وتقدم أن الصواب خلافه.
стр. 41
وقولُه: (شكٌّ ونفاقٌ): الشكُّ ضدُّ اليقين، وهو تردد بين التصديق والتكذيب، وشكُّ المنافقين مرضٌ في قلوبهم، وهو شكُّهم في توحيد الله وصدقِ الرسول، وفي اليوم الآخر، وهذا الشكُّ الذي في قلوبهم مع قولهم بألسنتهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو حقيقةُ النفاق، كما قال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٧]. وسُمِّيَ الشكُّ في الحق مرضًا؛ لأنه علَّةٌ في الإيمان والاعتقاد، وأضافه إلى القلوب؛ لأنها محلُّ الإيمان والاعتقاد؛ قاله ابن جرير (١).
وقولُه: (فهو يمرض قلوبَهم أي: يُضعفُها): أي: يُضعفُ إيمانَهم واعتقادَهم، فعبَّر بالمحلِّ وهو القلوب عن الحالِّ فيها، وهو الاعتقاد، كما تقدَّم.
وقولُه: (بما أنزلَه من القرآن لكفرِهم به): معناه أنَّ الله زادَهم مرضًا؛ بسبب ما أنزله من القرآن لمَّا كفروا به، فكفرُهم به مرضٌ في قلوبهم متضمِّنٌ للشك في قلوبهم، فيكون زيادةً على مرضهم الأول.
وقولُه: (مُؤلمٌ): يريد أنَّ ﴿أَلِيمٌ﴾ فعيل بمعنى اسمِ الفاعل مِنْ آلَمَهُ.
وقولُه: (بِالتَّشْدِيدِ … ) إلى آخره: يشيرُ إلى القراءتين في قوله: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾، بتشديد الذَّال وتخفيفِها، وهي: قراءة الجمهور؛ أي: قراءةُ التخفيف، ورجَّحها ابن جرير (٢)، قال: لأنها المناسبةُ لقوله تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، فدلَّ على أنهم يكذبون في قولهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ولا شك أنَّ قراءة التخفيف هي المناسبةُ لسياق الآيات، ومعناها هو الغالبُ على وصف المنافقين في القرآن، وقراءةُ التشديد صحيحةٌ، ومعناها حقٌّ؛ فإنَّ المنافقين في حقيقة أمرِهم مُكذِّبون، وهم في دعوى الإيمان كاذبون.
* * *
стр. 42
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البقرة: ١١ - ١٢]:
يخبرُ - تعالى - في هاتَين الآيتَين عن هؤلاء المنافقين أنهم إذا قيل لهم: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر والمعاصي والصدِّ عن سبيل الله ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾، فجعلوا الإفسادَ إصلاحًا إمَّا جهلًا وإمَّا عِنادًا، وهذا كقولهم في الآية الأخرى: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء: ٦٢]، فأكذبَهم الله بقولهم: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾، وأخبر خبرًا مؤكدًا أنهم ﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ أي: لا يعلمون.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض﴾ بالكفرِ والتعويقِ عن الإيمان ﴿قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ وليسَ ما نحن فيه بفسادٍ، قال الله - تعالى - ردًّا عليهم ﴿أَلَا﴾ للتنبيهِ ﴿إنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يشعرون﴾ بذلك.
وقولُ المؤلِّف: (لهؤلاء): الإشارة إلى مَنْ تقدَّم ذكرهم قريبًا، وهم: المنافقون.
وقولُه: (بالكفرِ والتعويقِ عن الإيمان): هذا تفسيرٌ للإفساد في الأرض، ولا ريب أن الكفر والصدَّ عن دين الله أعظم فسادٍ وإفسادٍ، كما أن الإيمان والدعوةَ إلى الله أعظم إصلاحٍ في الأرض؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] وقولهم: ﴿إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾: دعوى كاذبة تتضمنُ مغالطةً وهي نفيُ الفساد عن عملهم وأنه إصلاح.
стр. 43
وقولُه: (بذلكَ): أي لا يعلمون أنهم هم المفسدون، وفي قوله تعالى: ﴿إنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ﴾ حصرٌ للإفساد فيهم يدلُّ على أنهم أمكنُ في الإفساد مِنْ سائر المفسدين.
* * *
стр. 44
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ [البقرة: ١٣]:
هذا خبرٌ من الله عن المنافقين إذا دُعُوا إلى الإيمان، وقيل: لهم آمنوا كما آمنَ الناسُ - الذين هم الصحابة ﵃ ردُّوا على مَنْ يَدْعُوهم إلى الإيمان؛ قائلين: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، والسُّفهاء: هم ناقصُو العقل وسَيئُو التدبير، فجمعوا بين ردِّ الحق وتنقُّصِ المؤمنين، فردَّ الله عليهم بنعتِهم بالسَّفَهِ الذي نعتُوا به المؤمنين وقَصَره عليهم؛ فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ أي: لا يعلمون أنهم أحقُّ بهذا الوصف، وأيُّ سَفَهٍ وأيُّ جهلٍ فوق تركِ الإيمان مع ازدراءِ المؤمنين؟
قال المصنف: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاس﴾ أي: أصحابَ النَّبيِّ ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء﴾ الجُهَّال، أَيْ: لَا نفعل كفعلِهم، قالَ - تعالى - رَدًّا عليهم: ﴿أَلَا إنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاء وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلكَ.
وقولُ المؤلِّف: (أَصْحَاب النَّبِيّ): معناه أنَّ المراد بالناس الذين دُعِيَ المنافقون أن يؤمنوا كإيمانهم هم أصحابُ رسول الله ﷺ ، وقولُ المنافقين: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء﴾: تسفيهٌ وتجهيلٌ لأصحاب رسول الله ﷺ في إيمانهم؛ لذلك فهم لا يقتدون بهم في الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاء﴾: ردٌّ على المنافقين في رمي الصحابة بالسَّفَهِ بقَصْرِ السَّفهِ على المنافقين، وفي هذا قلبٌ للحكم عليهم بإثباتِ السَّفهِ لهم، ونفيه عن الصحابة ﵃ (١).
وقولُه: (ذلكَ): أي لا يَعلمون أنَّهم هم السُّفهاء.
стр. 45
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]:
يُخبرُ - تعالى - أنَّ المنافقين إذا لقوا المؤمنين أظهروا الإيمانَ بقولهم: ﴿آمَنَّا﴾، وإذا ذهبوا إلى شياطينِهم - وهم كبراؤهم ورؤساؤهم - وخَلَوا بهم اعتذروا إليهم عن قولهم للمؤمنين: ﴿آمَنَّا﴾ بأنهم مُستهزئون، والاستهزاء: نوعٌ من المَكر بإظهار ما يحبُّه المستهزَئُ به وإخفاء ما يسوؤه.
ثم أخبر - تعالى - أنه يَستهزئُ بهم كما فعلوا مع المؤمنين، ومِن استهزائِه - تعالى - بالمنافقين: إظهارُ قبولِ إيمانهم بعصمة دمائِهم وأموالِهم واعتبارهم في عِداد المؤمنين والعيش بينهم، وقد أعدَّ اللهُ لهم الدَّرْكَ الأسفل من النار، فكان الجزاء من جنس العمل، ومع استهزاء الله بهم يُملي لهم ليزدادوا طغيانًا، وهم: ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: يتحيَّرون لا يهتدون سبيلًا (١).
ثم أخبر - تعالى - عن جزاءِ المنافقين على استهزائِهم بالمؤمنين، وذلك أمران:
الأول: أنَّ الله يستهزئُ بهم وهذا من باب أنَّ الجزاء من جنس العمل، وتقدَّمَ تفسير: الاستهزاء مِنْ الله بالمنافقين.
الثاني: أملى اللهُ لهم بجعلِهم يتمادَون في طغيانهم، وهذا معنى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾، وفرَّقَ أهلُ اللغة والمفسرون بين: مَدَّ يَمُدُّ، وأمدَّ يُمِدُّ؛ فقالوا: مَدَّ في الشر، وأمدَّ في الخير (٢). والطغيان: مجاوزةُ الحدِّ في الباطل. وقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يتحيَّرون.
стр. 46
﴿وَإِذَا لَقُوا﴾ أصلُه لَقْيُوا حُذفتِ الضمة؛ للاستثقالِ، ثم الياءُ؛ لالتقائِها ساكنةً مع الواو ﴿الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا﴾ منهم ورجعُوا ﴿إلَى شَيَاطِينهمْ﴾ رؤسائهم ﴿قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ﴾ في الدِّين ﴿إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ بهم بإظهارِ الإيمان ﴿اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ﴾ يُجازيهِم باستهزائِهم ﴿وَيَمُدّهُمْ﴾ يُمْهِلهُمْ ﴿فِي طُغْيَانهمْ﴾ بتجاوزِهم الحدَّ في الكفر ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يتردَّدون تَحَيُّرًا، حالٌ.
وقولُ المؤلِّف: (أَصله لقيوا): يريد أنَّ أصلَ الفعل قبل إسنادِه إلى واو الجماعة: لَقيَ كرضيَ، فلمَّا أُسند إلى واو الجماعةِ ضُمَّت الياءُ لمناسبةِ واو الجماعة، ثم نُقلت الضمَّةُ إلى القاف. وقولُه: (حُذفت الضمةُ؛ للاستثقال): يريد الضمَّةَ التي على الياءِ، لمناسبة إسنادِ الفعل إلى واو الجماعة، والصواب: أنَّ الضمةَ لم تُحذفْ بل نُقلت مِنْ لام الفعل وهي الياء إلى عين الفعل وهي: القاف، فسُكِّنت الياءُ ثم حُذفت؛ لالتقاءِ الساكنين الياء والواو.
وقولُه: (منهم ورجعُوا … ) إلى آخرِه: يعني خلا المنافقون من المؤمنين بعد لقائِهم، ورجعوا إلى شياطينهم؛ وهم الرؤساء.
وقولُه: (فِي الدِّين): يعنون أننا لم نتحوَّل عن دينِنا في قولنا للمؤمنين عند لقائهم: ﴿آمَنَّا﴾، بل نحن مُستهزئون بهم غيرَ جادِّين.
وقولُه: (يُجازِيهم باستهزائِهم): مضمونُه تفسير الاستهزاء من اللهِ بمجازاةِ المستهزئين، وهذا التفسير يتضمَّن نفيَ حقيقةِ الاستهزاء عن الله، وصرفَ اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، فيكون من قَبيلِ التعبير بالسبب عن المسبَّبِ؛ من أجل المشاكلة اللَّفظية، والصواب: إجراءُ اللفظ على ظاهرِه وإثباتُ حقيقة الاستهزاء من الله بالمنافقين جزاءً على استهزائهم بالمؤمنين، فالجزاءُ من جنسِ العمل،
стр. 47
وهكذا يقال: في المكر والكيدِ من الله - تعالى -، فكلُّ ذلك حقيقةٌ على ما يليق به - سبحانه - ولا موجبَ لصرفِ الكلام عن ظاهرهِ (١).
وقولُه: (يُمهلهُم): هو تفسير يمدُّهم؛ أي: يزيدُهم في المدَّة إملاءً لهم واستدراجًا، وهو مِنْ مَدَّهُ الثلاثي، وذكر ابنُ جرير الخلافَ في الفرق بين مدَّهُ وأمدَّهُ، والمشهور «مدَّهُ» في الشرِّ، و «أمدَّهُ» في الخير، كما تقدَّم.
وقولُه: (تجاوزهم الحدَّ في الكفر): لأنَّ المنافقين أغلظُ كفرًا من غيرهم؛ لجمعِهم بين الكذب والتكذيب مع شدَّة العداوة للمؤمنين.
وقولُه: (يتردَّدون تَحَيُّرًا): يريد أنَّ العَمَهَ هو الترددُ والحيرةُ، وهذه حال المنافقين، ولهذا قال الله في وصفِهم: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقولُه: (حالٌ): يريد أنَّ جملة ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حاليةٌ في موضعِ نصبٍ.
* * *
стр. 48
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦]:
اسم الإشارة راجعٌ إلى المنافقين، والإشارةُ إليهم بإشارة البعيد يُشعر ببعدِ منزلتِهم في الشر، وبُعدهم عن مواطنِ الرحمة والكرامة، يخبرُ - تعالى - عنهم أنهم بإيثارِهم الكفر على الإيمان قد استبدلوا الضلالةَ بالهدى، فسمَّى اللهُ هذا الاستبدال اشتراءً؛ تشبيهًا لهم بالتاجرِ المغبون إذ خسرَ في الصفقة؛ لأنه قد باع الشيءَ الثمين بأبخس الأثمان، وكانت تجارتُهُ تجارةً خاسرةً ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، وفي إسنادِ الربح إلى التجارة مجازٌ عقليٌّ؛ لأنَّ الأصلَ أن يُسندَ إلى صاحبِ التجارة، فإنَّ المعنى: فما ربحُوا ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى﴾ أي: استبدلُوها به ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ﴾ أي: ما ربحُوا فيها بل خسرُوا لمصيرهم إلى النارِ المؤبَّدة عليهم ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ فيما فعلوا.
وقولُ المؤلِّف: (استبدلُوها به): أي استبدلُوا الضلالةَ بالهُدى، يريد أنَّ معنى اشتروا: استبدلوا، وفي التعبير عن استبدلوا بـ ﴿اشْتَرَوْا﴾ استعارةٌ تصريحية، علاقتُها التشبيه؛ لأنه عبَّرَ بالمشبَّه به عن المشبّه، والضمير المنصوب في قوله: (استبدلُوها).
وقولُه: (أي: ما ربحُوا فيها): يشير إلى أنَّ الأصلَ إسنادُ الفعلِ رَبِحَ إلى صاحب التجارة، وقد أسند إلى التجارة، فكان من المجازِ العقلي الذي علاقتُه المحلية أو السببية.
стр. 49
وقولُه: (بلْ خَسِرُوا … ) إلى آخره: يريد أنه لم يقتصر أمرُهم على عدم الربح؛ بل خسروا خسرانًا مبينًا.
وقولُه: (فيما فعلوا): أي لم يكونوا على هدىً في استبدال الضَّلالة بالهدى، وفي هذا تأكيدٌ لنفي الربحِ عنهم، ونفيٌ للاهتداء عنهم قبل أن يُظهروا الإسلام، ويفعلوا ما فعلوا من الاستبدال، وفي هذا احترازٌ من أن يُظنَّ أنهم كانوا على هدىً قبل أن يفعلوا ما فعلوا.
* * *
стр. 50
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٧ - ١٨]:
هذا مَثَلٌ ضربه الله للمنافقين لإظهارِهم الإيمانَ وما حصل لهم مِنْ الانتفاع بذلك في الدنيا مِنْ عصمة أموالهم وأولادِهم وعيشهِم بين المسلمين، فإذا انتقلوا عن هذه الدنيا لم ينتفعُوا بذلك الإيمان؛ لأنه لم يكن إيمانهم صحيحًا؛ بل يُصيَّرون إلى أسوء العواقب، فمثلُهم في ذلك ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ فانتفعَ بضوئِها فيما حوله، ثم انطفأتِ النارُ فذهب الضوءُ واستحكمتِ الظلمة فصاروا ﴿لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾ (١)، واسم الموصول «الذي» بمعنى: «الذين»، فلفظُه مفردٌ ومعناه الجمعُ؛ فعادتِ الضمائرُ أولًا باعتبار اللَّفظ ثم باعتبار المعنى (٢).
ومعنى ﴿مَثَلُهُمْ﴾: صفتهم، ﴿كَمَثَلِ﴾: أي كصفة الذي استوقدَ نارًا، وهذا من التشبيه التمثيلي، وحقيقتُه تشبيهُ هيئةٍ مجتمعةٍ من أشياء بهيئةٍ مجتمعةٍ كذلك.
وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾: هذا وصف آخر للمنافقين، أخبر اللهُ فيه بأنَّ المنافقين صُمٌّ لا يسمعون سماعَ قبولٍ ينفعُهم، بُكمٌ لا يتكلَّمون بخيرٍ، عميٌ: لا ينظرون بأبصارِهم إلى آياتِ الله فيعتبرون ويهتدون، فلم ينتفعوا بأسماعهم ولا بألسنتِهم ولا بأبصارِهم، فلما لم ينتفعوا بشيء من ذلك كان وجودُها كعدمِها، فهذا وجه وصفهم بالصَّمَمِ والبكم والعمى؛ فلذلك لا يرجعونَ من نفاقِهم وطغيانهم وضلالِهم.
стр. 51
﴿مَثَلهمْ﴾ صِفَتُهم في نفاقِهم ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ أوقدَ ﴿نَارًا﴾ في ظلمة ﴿فَلَمَّا أضاءَتْ﴾ أنارتْ ﴿مَا حَوْله﴾ فأبصرَ واستدفأَ وأمِنَ ما يخافُه ﴿ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ﴾ أطفأه، وجُمِعَ الضميرُ مراعاةً لمعنى «الذي»، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ﴾ ما حولهم مُتحيِّرين عن الطريقِ خائفينَ، فكذلك هؤلاء أمنوا بإظهارِ كلمة الإيمان، فإذا ماتوا جاءَهم الخوفُ والعذابُ، هم ﴿صُمٌّ﴾ عن الحق فلا يسمعونَه سماعَ قبولٍ ﴿بُكْمٌ﴾ خُرْسٌ عن الخيرِ فلا يقولونه ﴿عُمْيٌ﴾ عن طريقِ الهدى فلا يرونه ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ عن الضَّلالة.
وقولُ المؤلِّف: (صِفَتُهم): يريد أنَّ معنى المثل الصفة؛ كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] (١)، ووصفُ الشيء قد يكون بتمثيله بشيءٍ آخر؛ كما في هذه الآية، قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤].
وقولُه: (في نفاقِهم): يريد أنَّ المشبَّه في هذا المثَل هم المنافقون، أظهروا الإيمان فانتفعوا بذلك عصمةَ دمائِهم وأموالِهم، والعيشَ بين المسلمين، فشُبِّهوا بالذي استوقد نارًا فأضأت ما حولَهُ فانتفع بذلك وأبصر ما حوله وأَمِنَ، فانطفأَ الضوءُ، وعادت الظُّلمةُ فصار لا يُبصر وعاد الخوف، وهذا المستوقد شُبّه به المنافقون؛ آمنوا ثم كفروا وأبصروا ثم عمُوا (٢)، ويُسمَّى هذا التشبيه تشبيهًا تمثيليًا؛ لأنه تشبيهُ هيئةٍ مجتمعةٍ من أشياء بهيئةٍ مجتمعةٍ من أشياء، كما تقدم.
стр. 52
وقولُه: (أوقدَ): في تفسير استوقد؛ ليدلَّ على أنَّ السين والتاء في ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ليست للطلب، فهي كالتي في استجاب بمعنى: أجاب (١).
وقولُه: (فِي ظلمةِ): معناه أنه أوقدَ النار في مكانٍ مُظلمٍ لظلمة الليل أو غيرها، بدليل قوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ إلى آخر الآية.
وقولُه: (فأبصرَ واستدفأَ): ليس في الآية إشارةٌ إلَّا للأبصار دون الاستدفاء والأمن.
وقولُه: (وجُمِعَ الضميرُ): يريد الضميرَ في قوله: ﴿بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ﴾.
وقولُه: (مراعاةً لمعنى «الذي»): يريد أنَّ الذي استوقد نارًا بمعنى الذين استوقدوا نارًا؛ لأنَّ المناسب تشبيهُ الجمع بالجمع.
وقولُه: (ما حولهم مُتحيِّرين عن الطريقِ … ) إلى آخرِه: هذا بيانٌ لوجه الشَّبَه بين المشبَّه - وهم: المنافقون - والمشبَّه به - وهم: الذين استوقدوا نار -.
وقولُه: (هم ﴿صُمٌّ﴾): يريد أنَّ ﴿صُمٌّ﴾ خبرٌ لمبتدأ محذوف تقديره: هم صم.
وقولُه: (فلا يسمعونَه سماعَ قبولٍ): فكان سماعُهم وجوده كعدمه لذلك قيل فيهم: ﴿صُمٌّ﴾، وهكذا قوله: ﴿بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
وقولُه: (عن الضلالةِ): أي لا يتوبون عن الضلالة، وترتيب نفي الرجوع على ما قبلَه؛ لأنهم لا ينتفعون بالآياتِ والمواعظ بسببِ إعراضِهم عنها.
* * *
стр. 53
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة: ١٩ - ٢٠]:
هذا مثلٌ آخرُ ضربَه اللهُ للمنافقين (١)، فقال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ … ﴾ الآية، والتقدير: أو مثلُهم كأصحاب صَيِّبٍ؛ وهو المطرُ النازل من السحاب، وفي السحاب ظلماتٌ ورعدٌ وبرقٌ ومع الرعد صواعقٌ، ولذا أصحابُ الصَّيِّب الواقعون تحت السَّحاب يجعلون أصابعَهم في آذانهم من أصوات الصواعق يَحْذَرون الموتَ.
فهذا المثل كالذي قبله؛ تشبيهٌ تمثيليٌّ، فالمنافقون مع القرآن وما فيه من الوعدِ والوعيد والتهديد المُرعب للمنافقين هم كأصحاب هذا الصَّيِّب مع ما فيه من الظلمات والرعد والبرق والصواعق، فالظلماتُ مَثَلٌ للشبهات التي يظهرها المنافقون، والرعد والبرق والصواعق مَثَلٌ لِمَا في القرآن من الوعد والوعيد والتهديد الشديد الذي يجعل المنافقين يخافون أن يؤخذوا ويُقتلوا (٢).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾: تهديدٌ للمنافقين وتصريحٌ بإطلاق اسم الكفر عليهم.
وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾: بيانٌ لحال أهل الصَّيِّب مع البرق الشديد، وأنه لشدة لَمَعانِه يقرب أن يخطفَ أبصارَهم، وأنه تارةً يُضيءُ
стр. 54
وتارةً يُظلمُ، فإذا أضاء مشَوا ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: وقفُوا (١)، وهذا مَثَلٌ للمنافقين.
﴿أَوْ﴾ مَثَلُهم ﴿كَصَيِّبٍ﴾ أي: كأصحابِ مطرٍ، وأصلُه صَيْوِبٌ مِنْ صابَ يصوبُ أي: ينزلُ ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ السَّحاب ﴿فِيهِ﴾ أي: السَّحاب ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ بتكاثفه ﴿وَرَعْدٌ﴾ هو الملَكُ الموكَّل به، وقيل: صوتُهُ ﴿وَبَرْقٌ﴾ لمَعَانُ صوتُه الذي يزجرُه به ﴿يَجْعَلُونَ﴾ أي: أصحابَ الصَّيب ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾ أي: أناملُها ﴿فِي آذَانِهِمْ مِنَ﴾ أجل ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ شدة صوتِ الرعد لئلَّا يسمعوها ﴿حَذَرَ﴾ خوف ﴿الموتِ﴾ مِنْ سماعِها، كذلك هؤلاء إذا نزلَ القرآنُ وفيه ذِكْرُ الكفر المشبَّه بالظلماتِ، والوعيدِ عليه المشبَّه بالرعد، والحججِ البيِّنة المشبَّهة بالبرقِ، يسدُّون آذانَهم؛ لئلَّا يسمعوه فيَميلوا إلى الإيمان وتركِ دينِهم، وهو عندهم موتٌ ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ علمًا وقدرةً فلا يفوتونه ﴿يَكَادُ﴾ يقربُ ﴿الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يأخذُها بسرعة ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أي: في ضوئِه ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ وقفوا تمثيلٌ لإزعاجِ ما في القرآن مِنْ الحُجَجِ قلوبهم وتصديقهم بما سمعوا فيه مما يحبُّون ووقوفهم عما يكرهون ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ بمعنى أسماعِهم ﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾ الظاهرة كما ذهبَ بالباطنة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءَه ﴿قَدِيرٌ﴾ ومنه إذهابُ ما ذُكِرَ.
وقولُ المؤلِّف: (مَثَلُهمْ): يريد أنَّ «أو» عاطفة على مَثَلهم الأول، ويحتمل أنها عاطفة على قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، و «أو» للتنويع.
стр. 55
وقولُه: (كَأَصْحَابِ مَطَر): يريد أنَّ ﴿صَيِّبٍ﴾ على تقديرِ مضافٍ محذوف، والتقدير: أصحاب صَيْبٍ، وهم: المشبَّه به؛ فالمعنى: أو مثل المنافقين كأصحاب صيِّبٍ. والصَّيبُ: المطر، وهو: مِنْ صابَ يصوبُ إذا نزل، ووزنُ صَيِّب فَيْعِل، وأصلُه: صَيْوِب (١).
وقولُه: (السحاب): تفسيرٌ للسماء؛ لأنَّ السماءَ تُطلق على كلِّ ما علا وارتفع (٢)، ولذا سُمِّيَ السحابُ سماء.
وقولُه: (هو الملَكُ الموكَّل به، وقيل: صوتُهُ): هذان القولان معناهُما واحد، فمن يقول: «الرعدُ هو الملَك»؛ فإنه يُريد أنَّ ما نسمعُهُ صوت الملَكِ الذي يزجرُ السحاب، ومَن يقول: الرعدُ صوتُ المَلَك؛ فقولُه راجعٌ للأول (٣)، ولا ريب أنَّ الرعد هو ذلك الصوت الذي ينطلقُ من السحاب، فتارةً يكون قاصفًا فيُوجب الخوف، وتارةً يكون هادئًا، وأمَّا مصدرُ الصوت فأكثر المفسِّرين على أنه مَلَكُ السحاب، وإذا لم يكن لهذا التفسير أصلًا من كلام النبي ﷺ فلا يجوزُ الجزم به نفيًا ولا إثباتًا، ولعل هذا التفسيرَ المأثورَ مأخوذٌ عن بعض أهل الكتاب، والله أعلم.
وقولُه: (لمَعَانُ صوتُه): أي صوت الملَك، وتفسيرُ البرق بلَمَعانِ صوتِ الملَك لا يظهر وجهُه، وذكر ابنُ جرير أنَّ البرقَ مخاريقُ يَزجرُ بها الملَكُ السحاب (٤).
وقولُه: (أي: أناملها): الأنامِلُ: أطرافُ الأصابع، يريد أنهم لا يجعلون في الآذانِ كلَّ الأصبع بل طرف الأصبع، وهو الأُنملة، ويقول أهل البلاغة: أنَّ هذا من التعبير بالكلِّ عن البعض، وهو: مجازٌ مرسل.
стр. 56
وقولُه: (أجلِ): يريد أنَّ يُبيّنَ أنَّ «مِنْ» للتعليل؛ فالمعنى: أنهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من أجل ما يسمعون من أصوات الصواعق لئلَّا يسمعوها.
وقولُه: (من سماعِها): يريد أنهم يجعلون أصابعهم في آذانهم خوفًا من الموت بسبب سماعِهم الصواعق.
وقولُه: (كذلكَ هؤلاء … ) إلى آخره: يريد أنْ يُبيِّن وجهَ الشَّبه بين أصحاب الصيِّب والمنافقين، فالظلماتُ ما في قلوبِهم من الكفر، والرعدُ ما يقرعُ أسماعَهم من الوعيد في القرآن، والبرقُ ما في القرآن من الحُجج البيِّنة المبيِّنة للحقِّ، أو هي الآيات الدالَّة على إقرارِهم على ما يظهرون، وذلك نافع لهم في أمر دنياهم.
وقولُه: (علمًا وقدرةً): يريد أنَّ معنى إحاطة اللهِ بالكافرين إحاطةُ علمِه وقدرته، فلا يخفى عليه من أمرِهم خافيةٌ، وأنَّ قدرتَه محيطةٌ بهم فلا يُعجزونه، ولا يمنعُه منهم مانع، ولا يفوتونه إن طلبَهم.
وقولُه: (يقربُ) هذا معنى: يكاد، والنحويون يقولون: كاد من أفعال المقاربة ترفع الاسم، وتنصب الخبر، والبرق اسمها، والمضارع خبرها، ومعنى: يخطف: يذهب بالأبصار بسرعة من شدة ضوئه.
وقولُه: (في ضوئِه) يعني: أصحاب الصيِّب إذا أضاء لهم البَرقُ الطريقَ مشَوا فيه.
وقولُه: (تمثيلٌ … ) إلى آخره: يريد أنَّ ما ذكر من حالِ أصحاب الصيِّب مِنْ أنهم تارةً يُضيء لهم البرق فيمشون، وتارةً ينطفئُ البرق فيظلم عليهم المكان فيقومون؛ أي: يقفون متحيِّرين، فهذه الحال تمثِّلُ بها - أي تشبه - حالَ المنافقين، فإنهم إذا وَرَدَ عليهم من آي القرآنِ ما يَسرُّون به داموا على إيمانهم، وإذا وَرَدَ عليهم ما يفضحهم صاروا متحيِّرين فصارت حالُهم كحال أصحاب الصيب.
стр. 57
وقولُه: (بمعنى: أسماعِهم): يريد أنَّ سمع - وهو مفرد - معناه: الجمع، وهذا مُطَّردٌ في القرآن، يذكر السمع مفردًا، ومعناه: الجمع؛ كقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا﴾ [الأحقاف: ٢٦]، وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [النحل: ٧٨].
وقولُه: (الظاهرة): يريد أسماعَهم وأبصارَهم الحسيَّة بآذانهم وعيونهم.
وقولُه: (كما ذهبَ بالباطنة): يريد أنَّ الله جمعَ لهم بين عمى الأبصار وعمى القلوب.
وقولُه: (شَاءَهُ): عبارته تقتضي أنَّ قدرةَ الله لا تتعلَّق إلَّا بما شاءه، والصواب: عدم التقييدِ بالمشيئة، فالله - تعالى - على كلِّ شيءٍ قديرٌ، سواء ما شاءَه أو لم يشأه.
وقولُه: (ومنه إذهابُ ما ذُكِرَ): يريد أنَّ إذهابَ الأسماع والأبصار داخلٌ في عموم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* * *
стр. 58
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]:
هذا أمرٌ من الله لجميع الناس بعبادتِه وحده لا شريك له، بأنه ربُّهم الذي خلقَهم وخلق مَنْ قبلَهم مِنْ آبائهم، وهو الذي خلقَ الأرضَ وجعلها فِراشًا يستقرُّ عليه الناس، وخلقَ السماء وجعلها بناءً؛ أي: سقفًا مرفوعًا، وهو الذي أنزل على الأرض من السماء ماءً فأخرج به منها الزروعَ والأشجارَ، وأخرج به من أنواع الثمار رزقًا للعباد، فذكر - سبحانه - الحكمَ وهو وجوب عبادته، وذكر البرهانَ العقليَّ على ذلك، وهو أنه خالقُ الأولين والآخرين، وخالقُ السموات والأرض، ومنزلُ الغيث ورازق العباد، وكلُّ هذا من معاني ربوبيتِه ولا شريكَ ولا نِدَّ له في شيءٍ من ذلك، ولهذا نهى أن يجعل له أندادًا؛ أي: نظراء يُعبدون من دونه، فكما أنه - سبحانه - لا نِدَّ له في ربوبيته فلا نِدَّ له في إلهيتِه، فلا ربَّ غيرُه ولا إله سواه، ولهذا قال سبحانه: ﴿لَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾.
وبيَّن - سبحانه - أنَّ الغايةَ من العبادة تكون وقايةً للعبد من عذاب الله، ولهذا قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾، فبدأتِ الآيتان بالأمرِ بالتوحيد: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، وختُمتا بالنهي عن الشرك: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وهذا الأمر والنهي هو معنى لا إله إلا الله، وعُلِمَ مما تقدَّم أنَّ الآيتين قد دلَّتا على توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية.
﴿يأيها النَّاس﴾ أي: أهلَ مكة ﴿اُعْبُدُوا﴾ وحِّدُوا ﴿رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أنشأَكُم ولم تكونوا شيئًا ﴿وَ﴾ خلقَ ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ بعبادتِه عقابَه، ولعلَّ في الأصل للترجي وفي كلامِه - تعالى - للتحقيق ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ خلقَ ﴿لَكُمْ الْأَرْض فِرَاشًا﴾ حالٌ «بساطًا» يفترش
стр. 59
لا غايةً في الصلابة أو اللُّيونة فلا يمكن الاستقرارُ عليها ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ سقفًا ﴿وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ﴾ أنواعِ ﴿الثَّمَرَات رِزْقًا لَكُمْ﴾ تأكلونَه وتَعلفُونَ به دوابَّكم ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ شركاءَ في العبادة ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه الخالقُ ولا تخلقون ولا يكون إلهًا إلا مَنْ يخلق.
وقولُ المؤلِّف: (أي: أهلَ مكة): يريد أنَّ المخاطَب في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هم الكفار مِنْ أهل مكة، وفي هذا التفسير نظرٌ؛ لأنَّ السورة مدنية، والصواب: أنه خطابٌ لجميع الناس من المؤمنين والكفار والمنافقين، وهم الطوائفُ المذكورة قبل.
وقولُه: (وحِّدُوا): فسَّرَ العبادة بالتوحيد؛ لأنَّ التوحيدَ هو عبادة الله وحدَه لا شريك له، وهذا ما بعثَ الله به جميعَ المرسلين.
وقولُه: (أنشأَكُم ولم تكونوا شيئًا): هذا معنى ﴿خَلَقَكُمْ﴾، ومعنى: أنشأكم: أوجدكم بعد العدم.
وقولُه: (خلقَ): يريد أنَّ العامل في الموصول محذوفٌ، والتقدير: وخلق الذين مِنْ قبلكم، والمعطوف هو الموصول، والمعطوف عليه ضميرُ المخاطبين، وكلاهما في موضعِ نصب.
وقولُه: (بعبادتِه عقابَه): يريد أنَّ التقوى تتحققُ بعبادة الله وحده لا شريك له، فمَن عبدَ اللهَ كما أُمر فقد اتقاه، والمُتَّقَى: هو العقاب، ويصحُّ أن يكون التقدير: لعلَّكم تتقون الله. وقولُه: (ولعلَّ … ) إلى آخره: يريد أنَّ معنى «لعل» في الأصل: الرجاء، وهذا مِنْ المخلوق ظاهرٌ، أمَّا مِنْ الله فيقول المؤلِّف: إنها للتحقيق؛ مثل ما قالوا في «عسى» من الله واجبةٌ (١)، وقيل: أنَّ «لعلَّ» في مثل هذا السِّياق للتعليل.
стр. 60
وقولُه: (خلقَ): فسَّر الجعل في هذه الآية؛ بمعنى الخلق، والأظهر أنَّ ﴿جَعَلَ﴾ في الآية بمعنى صَيَّرَ؛ فتَنصب مفعولين؛ المفعول الأول: ﴿الأرضَ﴾، والثاني: ﴿فِرَاشًا﴾ (١).
وقولُه: (حالٌ): أعرب ﴿فِرَاشًا﴾ حال ﴿بِنَاءً﴾، على أن ﴿جَعَلَ﴾ عنده بمعنى: خلق، وهي لا تنصبُ إلَّا مفعولًا واحدًا.
وقولُه: (بساطًا … ) إلى آخره: المعنى: جعل الأرض فراشًا مبسوطًا ومهادًا تصلحُ للاستقرار عليها والعيش فيها، فلم تكن صلبةً كالحديد، ولا رِخوة كالطين؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨].
وقولُه: (سقفًا): المعنى: جعل السماءَ سقفًا؛ أي: بناءً عاليًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢].
وقولُه: (أنواعِ): أي أصناف ثمرات الأشجار والزروع مِنْ الفواكه والحبوب، رزقَا لكم ولدوابِّكم مما يأكل الناس والأنعام، والجار والمجرور الأول حال، و «من» بيانية، والجار والمجرور الثاني صفة لرزق، ومعنى الآية: ﴿وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ﴾ - أي: السحاب - ﴿مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ رزقًا لكم من أنواع الثمار، والباء في ﴿بِهِ﴾ سببية.
وقولُه: (تأكلونَه … ) إلى آخره: يبيّن أنَّ الرزق عامٌّ فيما يأكلُه الناس وما تأكله الأنعام، ويشهد له قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤]، وقوله: ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ﴾ [يونس: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ﴾؛ أي: لا تعتقدوا أنَّ لله أندادًا، وتحكموا بذلك، والفاء للتفريع أو هي الفصيحة،
стр. 61
والأنداد: جمعُ نِد، وهو: المثلُ والنظير (١)، المعنى: لا تجعلوا لله نظراءَ في العبادة فتجعلوا معه آلهةً أخرى.
وقولُه: (﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أنه الخالق) لهذه المخلوقات المذكورة في الآيات، فكما أنه لا خالقَ غيره؛ فلا إله غيره.
* * *
стр. 62
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤]:
هذا خطابٌ من الله للكفار من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين الشاكِّين فيما أُنزل على محمد ﷺ مِنْ هذا القرآن؛ قاله: ابن جرير (١)، واحتجاجٌ عليهم إن كانوا شاكِّين فيما أنزل الله عليهم من القرآن بأن يأتوا بسورةٍ من مثله ثم ليَدعوا شهداءهم؛ أي: أعوانهم وأنصارهم؛ رواه ابن جرير عن ابن عباس (٢)، ورجَّحه، ورجِّح أنَّ الضمير في قوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ يعودُ إلى القرآن (٣).
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾: في زعمِكم أن قد جئتم بسورةٍ مثل القرآن. ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: ما طُلب منكم من الإتيان بسورةٍ - ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ - وإذًا فقد قامت الحجَّة عليكم، فوجب عليكم أن تتَّقوا النارَ بالتوحيد والإيمان بالرسول وبما جاء به، وهي النارُ التي وقودها الناسُ والحجارة، وهي معدَّةٌ للكافرين، فتضمَّنت الآيتان تقريرَ رسالة محمَّد ﷺ ، كما تضمَّنت الآيتان قبل تقريرِ التوحيد، فدلَّت الآيات على الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾: أي من الذي نزَّلناه، وهو القرآن. وقوله تعالى: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾: أي رسولنا الذي جاء بالقرآن، ذكره بوصف العبودية الخاصة، وقد ذكره الله بهذا الوصف في أربع مقامات:
أحدها: مقام التحدي، وهو: المذكور في هذه الآية.
والثاني: مقام الإسراء، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ومنه مقام الوحي، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠].
стр. 63
والثالث: مقام الإنذار، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١].
والرابع: مقام الدعاء، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] (١).
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب﴾ شكٍّ ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدنَا﴾ محمدٍ مِنْ القرآن أنه مِنْ عندِ الله ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله﴾ أي: المُنزَّل، و «مِنْ» للبيان أي: هي مثلُهُ في البلاغةِ وحُسن النَّظمِ والإخبار عن الغيب، والسورةُ قطعةٌ لها أولٌ وآخر أقلُّها ثلاثُ آيات ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ آلهتَكم التي تعبدونَها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مِنْ غيره لِتُعِيْنَكُم ﴿إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنَّ محمدًا قالَهُ مِنْ عند نفسِه، فافعلوا ذلك فإنكم عربيُّون فصحاءُ مثله، ولمَّا عجزوا عن ذلك قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما ذُكِرَ لِعَجْزِكُم ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ذلك أبدًا لظهور إعجازِه - اعتراضٌ - ﴿فَاتَّقُوا﴾ بالإيمان بالله وأنه ليس من كلامِ البشر ﴿النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ الكفارُ ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ كأصنامِهم منها، يعني: أنها مُفرطة الحرارة تتقدُ بما ذُكِرَ، لا كنارِ الدنيا تتقد بالحطبِ ونحوه ﴿أُعِدَّتْ﴾ هُيِّئَتْ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ يُعذَّبون بها، جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أو حالٌ لازمةٌ.
وقولُ المؤلِّف: (شكٍّ): تقدم تفسيرُه للرَّيب بالشك، والرَّيب أخصُّ من الشك؛ لأنه شكٌّ يفضي إلى الحَيرة والقلق (٢).
وقولُه: (أي: المُنزَّل): يريد أنَّ الضمير في قوله: ﴿مِثْلِهِ﴾ يعود إلى الموصول في قوله: ﴿مما نَزَّلْنَا﴾، والمنزَّل: هو القرآن، وهذا أحد الوجهين
стр. 64
في مرجع الضمير، وقيل: أنه يعود إلى العبد (١)؛ في قوله: ﴿عَبْدِنَا﴾ فيكون المعنى: فأتوا بسورةٍ من مثل الرسول؛ فالمماثلة بين من يأتي بالسورة، وبين الرسول ﷺ ؛ فمعنى: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ يعني: في البشرية، والأميَّة، و «مِنْ» على هذا القول ابتدائية.
وقولُه: («مِنْ» للبيان … ) إلى آخره: يريد أن «مِنْ» في قوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ بيانيَّة، والمماثلةُ المطلوبة بين السورة التي يأتون بها والقرآن المنزَّل في البلاغة وحُسنِ النظم، والإخبارِ عن الغيب؛ فتضمَّن الكلام وجهين من الإعجاز؛ أحدها: البلاغة وحسن النظم. الثاني: الإخبار بالغيب.
وقولُه: (والسورةُ قطعةٌ … ) إلى آخره: يريد أنَّ السورة اسمٌ لقطعةٍ من الكلام لها أولٌ وآخر، والمراد: قطعة من القرآن، أقلُّها: ثلاث آيات كسورة الكوثر والعصر (٢)، وتُطلَق السورة في اللغة على المنزلة الرفيعةِ، ومنه: «سُور البلد» لارتفاعه (٣).
وقولُه: (آلهتَكم … ) إلى آخره: في هذا التفسير نظرٌ، بل غير مستقيم؛ لأنه خلافُ ما جاء عن ابن عباس (٤)، واختاره ابن جرير؛ قال: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾: أعوانَكم وأنصاركم على الإتيان بسورة، وأيضًا فإنَّ الآلهة أصنامٌ لا تشهد ولا تُستشهد.
стр. 65
وقولُه: (أي: غيره .. ): فَسَّرَ ﴿دُونِ﴾ بغير، وهذا أحد معاني هذه الكلمة، وجاءت في القرآن بهذا المعنى كثيرًا (١).
وقولُه: (في أنَّ محمدًا قالَهُ مِنْ عند نفسِه … ) إلى آخره: المعنى: إنْ كنتم صادقين في زعمكم أن محمدًا افترى هذا القرآن فهاتوا أنتم سورةً واحدةً مثل الذي جاء به محمد، واستعينوا على ذلك بمن شئتم ثم أخبر - تعالى - أنهم لم يفعلوا، ولن يفعلوا، وجواب الشرط في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ محذوفٌ دلَّ عليه ما قبله.
وقولُه: (ما ذُكِرَ): يريد أن مفعول ﴿تَفْعَلُوا﴾ محذوف؛ تقديره: ما ذكر؛ أي: من الإتيان بسورة مثل القرآن؛ المعنى: فإن لم تأتوا بسورةٍ لعجزكم عن ذلك، وقد عجزوا فلم يفعلوا، ثم أخبر - تعالى - أنهم لن يفعلوا، والجملة معترضةٌ بين الشرط وجوابه، وفي هذا الاعتراض زيادة في التحدي.
وقوله: ﴿فاتَّقُوا﴾ جواب الشرط في قوله: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾، وهو واقعٌ موقع الأمر بالإيمان؛ لأنه من التعبير بالمسبَّب عن السبب؛ لأن مَنْ آمن اتقى.
وقولُه: (بالإيمان بالله وأنه ليس من كلامِ البشر): يريد أنَّ اتقاء النار يكون بذلك فالإيمان بالله ورسوله هو الواقي بتوفيق الله من عذاب النار.
وقولُه: (الكفارُ): بيانٌ للمراد بالناس، فيكون الناس في الآية من العامِّ الذي أُريد به الخصوص.
وقولُه: (كأصنامِهم منها): يريد أن مِنْ الحجارة التي توقد بها النار ما كان يَعبده المشركون من الحجارة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥]:
لمَّا ذكر الله النار ومَن أُعدّت لهم إنذارًا وتحذيرًا أمرَ نبيَّه أن يبشِّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بما أعدَّ لهم من الجنات التي تجري مِنْ تحتها الأنهار، وأخبر - تعالى - أنهم يُرزقون فيها من أنواع الثمرات المختلفة في الطُّعوم واللذات المتشابهة في الألوان لذلك كلما رُزقوا شيئًا من هذه الثمار؛ قالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا﴾، والصواب أنَّ المراد ما رُزقوه مِنْ قبلُ في الجنة، وأخبر - تعالى - أنَّ لهم في الجنة أزواجًا مُطهَّرة من العيوب الخَلقية والخُلقية، وأنهم مع ذلك في الجنة خالدون؛ أي: مقيمون أبدًا؛ نسأل الله من فضله.
﴿وَبَشِّرِ﴾ أخبرْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صدَّقُوا بالله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مِنْ الفروضِ والنوافل ﴿أَنَّ﴾ أي: بأنَّ ﴿لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ حدائقَ ذات أشجارٍ ومساكن ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت أشجارِها وقصورِها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ أي: المياهُ فيها، والنهرُ: الموضعُ الذي يجري فيه الماء؛ لأن الماءَ يَنْهَرُهُ، أي: يحفرُهُ، وإسنادُ الجري إليه مجازٌ ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا﴾ أُطعمُوا من تلكَ الجناتِ ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي﴾ أي: مثلَ ما ﴿رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبله في الجنةِ لتشابهِ ثمارِها بقرينةِ ﴿وَأُتُوا بِهِ﴾ أي: جِيئوا بالرزقِ ﴿مُتَشَابِهًا﴾ يشبهُ بعضُه بعضًا لونًا، ويختلفُ طعمًا ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ مِنْ الحورِ وغيرها ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ مِنْ الحَيضِ وكلِّ قَذَرٍ ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ماكثونَ أبدًا لا يَفْنَوْنَ وَلَا يَخْرُجُونَ.
стр. 68
وقولُ المؤلِّف: (أخبرْ): البشارةُ: الإخبار بما يَسُرُّ المُخبَر، والمبشِّر: الرسول ﷺ ، والمبشَّر هم: الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وقولُه: (صدَّقُوا بالله): فسَّر الإيمان بالتصديق، ولا شك أن الإيمان؛ أصلُه في اللغة: التصديق، أو نوعٌ من التصديق، وفي الشرع: الإيمانُ بالله وبكلِّ ما يجب الإيمان به؛ لقوله ﷺ : ((الإيمانُ أن تؤمنَ باللهِ وملائكتِهِ .. )) الحديث (١).
وقولُه: (من الفروضِ والنوافل): معناه أن الأعمال الصالحة تشمل جميع العبادات من الواجبات والمستحبات، و ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ في الآية صفةٌ لموصوف محذوف؛ المعنى: عملوا الأعمالَ الصالحات، وعَطْفُ الإيمان على الأعمال من عَطْفِ الخاص على العام (٢).
وقولُه: (بأنْ): يريد أنَّ جملة ﴿أَنَّ﴾ وما دخلتْ عليه في تأويل مصدر مجرور بالباء فالمعنى: بشِّرهم أيها النبيُّ بما أعدَّ الله لهم من الجنات وما فيها مِنْ النعيم.
وقولُه: (حدائقَ ذات شجرٍ ومساكن): يريد أن الجنات - وهي البساتين -، وعبَّر عنها بحدائق فيها أشجار وأنهار ومساكن.
وقولُه: (من تحتِ أشجارِها وقصورِها): يريد أن الأنهار ليست تحت أرضِ الجنة، بل فيها تجري تحتَ أشجارها وقصورها (٣).
وقولُه: (أي: المياهُ فيها): يريد أن النهر في الأصلِ هو الحفرُ الذي يجري فيه الماء، فإسناد الجريان إليه مجازٌ مُرسلٌ علاقته المحليَّة؛ لأنه تعبيرٌ بالمحليِّ عن الحال، والأولى أن يُقال: إن النهر يُطلق على المجرى الذي هو الحَفر،
стр. 69
وعلى الماء الجاري، والسياق والتركيب يُعيِّنُ أحدَ المعنيين، إذًا: فالأنهار في الآية هي أنواع الأشربة من الماء واللَّبن والخمر والعسل وغيرها.
وقولُه: (وإسنادُ الجري إليه - أي: إلى النهرِ - مجازٌ): جعله من قَبيل المجاز العقلي، والأظهر أن المجاز في كلمة ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فيكون مِنْ المجاز المرسل؛ كما تقدم.
وقولُه: (أُطعمُوا من تلكَ الجناتِ): يعني أُوتي لهم بطعامٍ من ثمار الجنة، و (مِنْ) في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ ابتدائية، وفي قوله: ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ بيانية، و ﴿رِزْقًا﴾ مفعولٌ ثانٍ لرُزقوا.
وقولُه: (مثلَ ما): يريد أنَّ قولهم: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ مثلَه لا عينه.
وقولُه: (قبلَه في الجنة): يريد أن المعنى أن الذي رُزقوه من قبلُ هو من رزق الجنة، وهذا أحد القولين في الآية (١)، وهو الصواب، وقيل: المراد: بما رُزقوه من قبلُ في الدنيا، واختاره ابن جرير (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا﴾ فيدخل فيه أول رزقٍ يُرزقونه في الجنة، والصواب: هو القول الأول؛ لأن رزق الجنة لا يشبه رزقَ الدنيا، وإن كان يوافقُه في الاسم، ولقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، وهذا مختصٌّ بثمار الجنة (٣).
وقولُه: (جِيئوا بالرزقِ): هذا معنى ﴿أُتُوا بِهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿مُتَشَابِهًا﴾ حالٌ من الرزق، ومعنى ﴿مُتَشَابِهًا﴾ أي: يشبه بعضه بعضًا فاللون واحد والطعم مختلف.
стр. 70
وقولُه: (مِنْ الْحُور وغيرها): يريد أنَّ أزواج المؤمنين في الجنة؛ أي زوجاتُهم بعضُهن من الحور التي خلقهن الله لِيَكُنَّ أزواجًا للمؤمنين، وبعضهن من غيرهن، وبعضُهن من غير الحور من المؤمنات اللاتي يدخلن الجنة فهن من نساء الدنيا سواءً كن في الدنيا مُزوَّجات أو غير مُزوَّجات، كما قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِم﴾ [الرعد: ٢٣]، والله أعلم بتفاصيل ذلك (١).
وقولُه: (مِنْ الحَيضِ وكلِّ قَذَرٍ): المعنى: أنَّ زوجات المؤمنين في الجنة مُطهَّرات، من الحور العين وغيرهن، مُطهَّرات من عيوبِ نساء الدنيا من الحيض والبول والغائط، الخَلقية والخُلقية وكل قذرٍ، بل الأزواج من المؤمنات أكملُ من الأزواج من الحور؛ بفضل الإيمان والعمل الصالح (٢).
стр. 71
وقولُه: (ماكثونَ أبدًا … ) إلى آخره: يعني مقيمون في الجنة أبدًا فلا يموتون ولا يخرجون، كما قال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦]، ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨].
* * *
стр. 72
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البقرة: ٢٦ - ٢٧]:
يخبر - تعالى - أنه لا يستحيي من ضربِ المثل ببعض الأشياء الحقيرة، بأنه - تعالى - حكيمٌ يريد بيان الحقِّ لعباده في كلِّ طريق للعباد ويحصل لهم به الفرقان بين الحق والباطل؛ لهذا ضرب المثل بالذبابِ والعنكبوت، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ الآية [العنكبوت: ٤١]، ولو شاء - تعالى - لضرب المثل بأحقرَ من العنكبوت كالبعوضة.
ومن حكمته - تعالى - في ذلك: ابتلاءُ العباد ليتميَّز المؤمن من الكافر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، وبضرب هذا النوع من الأمثال يهدي الله كثيرًا ويُضِلُّ به كثيرًا؛ يهدي به المؤمنين، ويُضِلُّ به الفاسقين الذين يعترضون على الله في كلامه وبيانه؛ فيقولون فيما ضربه اللهُ من الأمثال مُعترضين على الله: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. وأما الذين آمنوا فلا يعترضون على الله؛ لأنهم يعلمون أن ما جاء عن الله كلُّه حقٌّ.
والفاسقون: هم الخارجون عن طاعة الله بالكفر والنفاق ونقضِ الميثاق، ومِن فِسقِهم قَطْعُ ما أمرَ الله به أن يُوصل، وإفسادهم في الأرض بالمعاصي وبالصدِّ عن سبيل الله وقد حكم - تعالى - عليهم بالخسران؛ فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾، والكفار والمنافقون هم أخسرُ الناس؛ لأنهم صائرون إلى النار خالدين فيها، فبذلك يخسرون أنفسَهم وأهليهم؛ كما قال
стр. 73
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥].
ونزلَ ردًّا لقول اليهود لَمَّا ضرب الله المثلَ بالذبابِ في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبهُمْ الذُّبَاب شَيْئًا﴾ والعنكبوت في قوله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوت﴾ ما أرادَ الله بذكرِ هذه الأشياء الخسيسةِ؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ﴾ يجعلَ ﴿مَثَلًا﴾ مفعولٌ أول ﴿مَا﴾ نكرةٌ موصوفة بما بعدها مفعولٌ ثان أي: مثل كان، أو زائدة لتأكيدِ الخِسَّة، فما بعدها المفعول الثاني ﴿بَعُوضَة﴾ مفردُ البعوضِ وهو صغارُ البَقِّ ﴿فَمَا فَوْقهَا﴾ أي: أكبرُ منها أي: لا يترك بيانُه لِمَا فيه مِنْ الحِكَم ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي: المثل ﴿الحَقُّ﴾ الثابت الواقع موقعه ﴿مِنْ رَبّهمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّه بِهَذَا مَثَلًا﴾ تمييزٌ أي: بهذا المثل، و «ما» استفهامُ إنكارٍ مبتدأٌ و «ذا» بمعنى الذي، بصلته خبرُهُ أي: أيُّ فائدةٍ فيه؟ قال - تعالى - في جوابِهم ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ أي: بهذا المثل ﴿كَثِيرًا﴾ عن الحقِّ لكفرِهم به ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ مِنْ المؤمنين لتصديقِهم به ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ الخارجينَ عن طاعتِه ﴿الَّذِينَ﴾ نَعْتٌ ﴿يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه﴾ ما عَهِدَهُ إليهم في الكتبِ من الإيمان بمحمَّدٍ ﴿مِنْ بَعْد مِيثَاقِهِ﴾ توكيدِهِ عليهم ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل﴾ مِنْ الإيمان بالنبي والرَّحمِ وغيرِ ذلك و «أنْ» بدلٌ مِنْ ضميرِ «به» ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي والتعويقِ عن الإيمان ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفونَ بما ذُكِرَ ﴿هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾ لمصيرِهم إلى النارِ المؤبَّدةِ عليهم.
وقولُ المؤلِّف: (ونزلَ ردًّا … ) إلى آخره: يذكر هنا سببَ نزول هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾، وذلك أنَّ الله لَمَّا ضرب المثلَ بالذباب وبالعنكبوت
стр. 74
لأصنام المشركين قال الكفار والمنافقون: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، ومعنى قولهم: أنَّ هذه الأشياء حقيرةٌ فكيف يضرب اللهُ المثلَ بهذه الأشياء الحقيرة التي يُستحيا من ذكرها؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (١)، فإنَّ ضَرْبَ الأمثال من طرق بيانِ الحق وإبطالِ الباطل، لذلك يضرب الله المثلَ بما شاء بعوضةً أو أكبر من البعوضة أو أصغر من البعوضة. وقولُه: (يجعلَ): فيه تفسيرُ ضربِ المثل بالجَعْلِ، والجَعْلُ: بمعنى: التصيير، ينصبُ مفعولين، وجعل المثل تشبيه الشيء بالشيء، ولذا جعل المؤلِّف مثلًا مفعولًا أولًا، و «ما» نكرة موصوفة.
وقولُه: (لا يترك بيانُه لِمَا فيه من الحِكَمِ): يريد أنَّ معنى الآية أنَّ الله لا يتركُ ضربَ المثَلِ بما شاء من صغيرٍ وكبيرٍ؛ لأنَّ في ضربِ المثل حِكَمًا، وهو بيان الحق.
وقولُه: (أي: المثل): يريد أنَّ الضمير في قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ يعود إلى المثل الذي ضربَه الله، فالمعنى: أنَّ الذين آمنوا بالله ورسوله يؤمنون بأنَّ المثلَ الذي يضربه الله يعلمون أنه الحق، أي: الموافقُ للحكمة المحصِّل للمقصود.
وقولُه: (تمييزٌ): يريد أنَّ ﴿مَثَلًا﴾ منصوبٌ على التمييز؛ لقولهم: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا﴾، وقدَّره المؤلِّف بقوله: «ماذا أراد الله بهذا المثل مثلًا» (٢)، فاسم الإشارة راجعٌ إلى المثل الذي ضربه الله في ضرب المثل بالعنكبوت والذباب.
وقولُه: (و «ما» استفهامُ إنكارٍ مبتدأٌ … ) إلى آخره: يريد أنَّ «ما» في قولهم: «ماذا» اسم استفهام، وهي: مبتدأ فهي في موضعِ رفع، والاستفهام إنكار أي: استنكارٌ واعتراضٌ من الكفار على ما ضربه الله من المثل، فالمعنى: أيُّ فائدةٍ
стр. 75
من ضرب ذلك المثل؟ و «ذا» في قولهم ﴿مَاذَا﴾ اسم موصول بمعنى: الذي، وجملة ﴿أَرَادَ اللَّهُ﴾ صلةُ الموصول، والموصول وصلتُه خبرُ المبتدأ الذي هو: «ما» الاستفهامية.
وقولُه: (قال - تعالى - في جوابِهم … ) إلى آخره: يريد أنَّ قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جوابٌ لقول الكفار: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، وقد تضمَّن الجواب بيانَ حكمته - تعالى - في ضرب المثل؛ وهي ابتلاء العباد فيهتدي به مَنْ آمن بأنه الحق - وهم كثيرٌ - ويُضِلُّ به مَنْ طعن في حكمة لله مِنْ ضرب المثل حتى قالوا: ماذا أراد الله بضرب هذا المثل، فإنه لا تظهرُ فيه حكمة فأيُّ فائدة في ضربه المثلَ؟ فصار ضَرْبُ المثل سببًا لهداية المؤمنين وسببًا لضلال الكافرين، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.
وقولُه: (الخارجينَ عن طاعتِه): يريد أنَّ الفاسقين هم الكفار والمنافقون، فَفِسْقُهُم هو الفِسق الأكبر، وهو: المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]. وفي قول المؤلِّف: (الخارجينَ) إشارةٌ إلى أصل معنى الفِسق في اللغة، وهو الخروج عن الشيء، ومنه قولهم: «فسقتِ الرُّطبةُ مِنْ قشرها» أي: خرجتْ (١).
وقولُه: (نَعْت): يريد أنَّ الاسم الموصول بصلتِه نعتٌ للفاسقين، فالموصول في محل نصب؛ لأنَّ الفاسقين مفعولٌ به ليضل، والاستثناء مُفرَّغ.
وقولُه: (مَا عَهِدَهُ إليهم … ) إلى آخره: هذا تفسيرٌ للعهد الذي ينقضونه، وهو أنَّ مما عهد الله به إلى أهل الكتاب أن يؤمنوا بالنبي محمد ﷺ إذا