وقولُه: (في العفو عنه): يُبيِّنُ أَنَّ أَمرَ العفو بعد التوبة مُفوَّضٌ إلى الله؛ إن شاء عفا، وإن شاء لم يعفُ.
وقولُه: (إلى أَكله … ) إلى آخره: يريد: إلى أَكلِ الربا مُستحلًّا له؛ لأَنَّه شبَّهه بالبيع، وهذا هو المستحقُّ للوعيد الذي في الآية.
وقولُه: (يُنقصُه ويُذهبُ بركتَه): هذا بعضُ معنى المحقِ، وليس في المال المستفادِ من عقود الربا بركةٌ أَصلًا.
وقولُه: (يزيدها … ) إلى آخره: كلُّ هذه العباراتِ متقاربةُ المعنى، ويشهد لمعنى الآية قولُه ﷺ : ((مَنْ تصدَّقَ بعدلِ تمرةٍ من كسبٍ طيِّبٍ … )) الحديث، وفيه أَنَّ اللهَ يُربيها كما يُربي أَحدكم فُلوَّهُ (١) حتى تكونَ مثلَ الجبلِ.
وقولُه: (بتحليلِ الرِّبا): يُبيِّنُ أَنَّ استحلالَ الربا كفرٌ.
وقولُه: (فاجرٍ): تفسيرٌ لـ ﴿أثيمٍ﴾، ولعلَّه أَخذه من اقترانه بـ ﴿كَفَّارٍ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧].
وقولُه: (أي: يعاقبُه): هذا تفسيرٌ لقولِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ﴾، وهو يقتضي تفسيرَ نفي المحبَّةِ بالعقوبةِ، وهذا جارٍ على مذهبِ مَنْ لا يُثبتُ للهِ صفةَ محبَّةِ؛ لذلك يؤوِّلون المحبَّةَ بالثوابِ وعدمَ المحبَّة بالعقاب، فيجمعون بين التعطيلِ والتأويلِ الذي هو في الحقيقة تحريفٌ (٢). والصوابُ: أنَّ اللهَ يحبُّ المؤمنينَ والمتقينَ ولا يحبُّ الكافرينَ بل يمقتُهم كما قالَ تعالى: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠].
* * *
стр. 632
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧]:
هذه الآيةُ اعتراضٌ بين آيات الربا، وفيها عَودٌ إلى الثناء على المؤمنين المتصدِّقين، وفيها مقابلةُ الذمِّ بالمدح، وتعريضٌ (١)؛ لأَنَّ أَكلة الربا على ضدِّ هذه الصفات، ومعنى الآية: خبرٌ من الله بعاقبة الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدَّقوا إيمانَهم بعملِ الأعمالِ الصالحات، وهي: كلُّ ما يُحِبُّه اللهُ ويرضاه من الفرائض والتطوُّعات أَقوالًا وأَفعالًا ظاهرةً وباطنةً، وأَجلُّ ذلك إقامُ الصلاةِ وإيتاءُ الزكاة؛ ولذلك عُطِفَا على الأَعمال الصالحة من عَطفِ الخاصِّ على العام تعظيمًا لشأنهما وتنبيهًا على فضلهما.
وقولُه: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٢٧٧)﴾: بيانٌ لعاقبة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فوعدهم اللهُ بالأجر العظيمِ عنده؛ وهو: ثوابُ ما عملوا، وآمنهم مما يكرهون من الخوف والحزن؛ فقال: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٢٧٧)﴾، فلا يخافون من فوت مطلوبٍ ولا يحزنون على ذهاب محبوبٍ، ولم يتعرض المؤلِّف لهذه الآية بتفسير لظهور معناها، وكثرة ذكر كلماتها، وقد تقدم في أول السورة نظائرها.
* * *
стр. 633
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨١]:
يأمرُ اللهُ عبادَه المؤمنين بتقواه؛ وهي: فعلُ ما أَمر اللهُ به ورسولُه، وتركُ ما نهى اللهُ عنه ورسولُه؛ خوفًا من عذاب اللهِ، وطمعًا في ثوابه، وتلك وصيةُ اللهِ للأَوَّلينَ والآخرينَ والناسِ أَجمعين.
ثم أَمر تعالى المؤمنين أَنْ يتركوا ما بقي لهم من دَين الرِّبا عند المدينين؛ فقال تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾، فإِنَّ الإيمانَ يقتضي ترك ما حرَّم اللهُ والتوبة منه، ثم حذَّرهم من الإصرار على أَخذ ما بقيَ من الربا وأَنَّ ذلك مؤذنٌ بحربٍ من الله ورسولِه؛ فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ أَي: إن لم تتوبوا وتتركوا ما بقيَ من الربا؛ فاعلموا أَنَّ اللهَ ورسولَه حربٌ عليكم، ومَن كان اللهُ حربًا عليه أَخزاه وأَهلكَه، فباءَ بالخُسران المبين، ثم بيَّن حكمَهم إذا تابوا فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾؛ أَي: وإن تُبتم إلى الله من تعاطي الرِّبا؛ فإنكم تستحقُّون رؤوسَ أَموالكم التي عند مَنْ عاملتموه بالربا دون زيادةٍ عليها، لا تظلمون بأَخذ الرِّبا ولا تُظلمون بالنقصِ من رؤوس أموالِكم.
ثم أَرشد تعالى مَنْ له الدَّيْنَ بإنظارِ مَنْ أَعسر فلم يقدر على وفاء الدَّينِ الذي وجبَ عليه أَداؤُه أَوْ التصدُّق عليه بإبرائه وهو خير؛ فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾؛ أَي: وإن وجد ذو عسرة؛ أَي: إِعسارٍ، فكان: تامَّة. و «ذو عُسْرَةٍ»: فاعلٌ، و «نَظرةٌ»: مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ، والتقديرُ: فعليه نَظرةٌ؛ أَي: على صاحب الدَّينِ إِنذارُ المعسر، وبعد: فقد ذكر ابنُ كثيرٍ سببَ نزولِ هذه الآيات ونقلَه عن جمعٍ من السَّلف؛ قالوا: إنَّ هذه الآيات نزلت
стр. 634
في بني عمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلامُ ودخلوا فيه، طلبت ثقيفُ أَنْ تأخذَه منهم، وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإسلام .. فنزلت الآية (١).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾: أي: اتقوا شرَّ ذلك اليوم وهو يومُ القيامةِ، اتقوه بالأعمال الصالحةِ وتركِ المحرَّمات لتنجوا من عذاب اللهِ.
وقولُه: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾: أَي: تُرَدُّون في ذلك اليوم إلى الله فيُجازيكم على أَعمالكم، ومَن اتقى اللهَ وخاف ذلك اليوم وقاهُ اللهُ شرَّ ذلك اليوم وأَناله الفوزَ والكرامةَ.
وقولُه: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: أَي: كلُّ أَحدٍ يُجزى بعمله خيرِه وشرِّه، فمَن يعمل مثقالَ ذرَّةٍ خيرًا يره، ومَن يعمل مثقالَ ذرَّةٍ شرًّا يره. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾: أَي: لا يُنْقَصُ أَحدٌ من ثواب حسناتِه، ولا يُزاد في سيئاته، فحُكمه تعالى الجزائي دائرٌ بين الفضل والعدلِ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]، هذا وقد ذكر ابنُ كثيرٍ عن ابن عباس وغيرِه أَنَّ هذه الآيةَ آخرُ ما نزل من القرآن، وأَنَّ النبيَّ ﷺ عاش بعد نزولها تسعَ ليالٍ (٢).
وفي تعقيب آياتِ الربا بهذه الآية تأكيدٌ لِمَا تقدَّم في الآيات من النهي والوعيدِ، وترهيبٌ شديدٌ من ذلك اليوم الذي يقدمُ العبادُ فيه على الله فيجدون
стр. 635
أَعمالَهم مُحصاةً عليهم، فيُجزون بها جزاءً لا ظُلمَ فيه لمحسنٍ ولا مسيءٍ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٥٤)﴾ [يس: ٥٤].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا﴾ اتركوا ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ صادقين في إِيمانكم، فإِنَّ من شأنِ المؤمنِ امتثالَ أَمرِ اللهِ. نزلت لَمَّا طالب بعضُ الصحابةِ بعد النهي بربًا كان له قبل ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما أُمرتم به ﴿فَأْذَنُوا﴾ اعلموا ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لكم، فيه تهديدٌ شديدٌ لهم. ولَمَّا نزلت قالوا: [لا يَدَانِ] (١) لنا بحربه ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ رجعتم عنه ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ﴾ أُصولُ ﴿أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾ بزيادةٍ ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بنقصٍ.
﴿وَإِنْ كَانَ﴾ وقع غريم ﴿ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ﴾ له؛ أَي: عليكم تأخيره ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ بفتح السِّين وضمِّها؛ أَي: وقتَ يُسره ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ بالتشديدِ على إدغامِ التاءِ في الأصل في الصاد، وبالتخفيفِ على حذفِها؛ أَي: تتصدَّقوا على المعسرِ بالإبراءِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أَنه خيرٌ فافعلوه.
في الحديث: ((مَنْ أَنظرَ مُعسرًا أَوْ وضعَ عنه؛ أَظلَّه اللهُ في ظِلِّه يومَ لا ظلَّ إِلَّا ظلُّهُ)) رواه مسلم (٢). ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ﴾ بالبناء للمفعول، تُرَدُّون، وللفاعل: تصيرون ﴿فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ هو يومُ القيامةِ ﴿ثُمَّ تُوَفَّى﴾ فيه
стр. 636
﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ جزاءَ ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ عملت من خيرٍ وشرٍّ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ حسنةٍ أَوْ زيادةِ سيئةٍ.
وقولُ المؤلِّف: (صادقين في إيمانكم): بيانٌ أَنَّ المرادَ بالإيمان في جملة الشرطِ هو الإيمانُ الصادقُ؛ لأَنَّه هو الذي يمنع من مقارفة الذنوبِ، وبهذا يزول الإشكالُ عن التقييد بالإيمان مع أَنَّ الخطابَ في الآية للمؤمنين.
وقولُه: (فإِنَّ من شأنِ المؤمنِ امتثالَ أَمرِ اللهِ): بيانٌ لوجه تقييدِ تركِ الربا بالإيمان؛ فالمعنى: أَنَّ المؤمنَ هو الذي يترك ما حرَّمَ اللهُ بوازع الإيمان.
وقولُه: (نزلت … ): إلى آخره: يُشير إلى سبب نزول هذه الآياتِ، وقد سبق بيانُه فيما نقله ابنُ كثير.
وقولُه: (ما أُمرتم به): يريد: ما أُمرتم به من ترك ما بقي من الربا في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.
وقولُه: (اعلموا): الأذنُ بالشيء: العلمُ به بعد الإعلام، والإذانُ والأذانُ: هو الإعلام كما قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] (١).
وقولُه: (لكم … ) إلى آخره: يريد: أَنَّ الخطابَ للذين لم يفعلوا ما أُمروا به، وأَنَّ قولَه: ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ تهديدٌ للذين أَصرُّوا على أَخذ الربا.
وقولُه: (لا [يدان] (٢) لنا بحربه): أَي: لا قدرةَ لنا بحربِ اللهِ ورسولِه، فمَن كان اللهُ ورسولُه حربًا له فله الهلاكُ والخسرانُ والعقابُ الشديدُ.
وقولُه: (رجعتم عنه): أي: رجعتم عن المطالبة بما بقي من الربا عند المدينين.
стр. 637
وقولُه: (أُصولُ): يُراد بالأصول في الديون ما عدا الربح، فالمعاملُ بالرِّبا إذا تاب يستحقُّ رأسَ مالِه الذي أَعطاه المدينَ دون الربح الذي هو الربا، فله المطالبةُ به دون الفوائدِ؛ فإنها هي الربا الذي لا تجوز المطالبةُ به.
وقولُه: (بزيادةٍ): أي: لا تظلمون بمطالبة المدينِ بالزيادة على رأس المالِ؛ فإنَّ الزيادةَ هي الرِّبا.
وقولُه: (بنقصِ): أَي: بنقص رأسِ المالِ، فالمطالبةُ بالزيادة ظلمٌ للمدين، والنقصُ من رأس المالِ ظلمٌ للدائن.
وقولُه: (وقع غريم): هذا تفسيرٌ لِكان التامة في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾، فمعنى (وقع غريم)؛ أي: وإن وجد مدينٌ ذو عسرة؛ أَي: مُعسِر.
وقولُه: (عليكم تأخيره): يُبيِّنُ أَنَّ على الدائنينَ إنظار المعسرَ؛ أَي: تأخير المطالبةِ برأس المال توسعةً على المعسر، والإنظارُ واجبٌ؛ لأَنَّ المعنى: فعليه نظرة؛ أَي: إنظار.
وقولُه: (بفتح السِّين وضمِّها): يُشير إلى قراءتين في ﴿مَيْسَرَةٍ﴾، فقُرئَ بفتح السينِ وضَمِّها (١).
وقولُه: (أي: وقتَ يُسره): بيانٌ لغاية الإنظار، وهو وقتُ اليُسرِ.
وقولُه: (بالتشديدِ … ) إلى آخره: يُشير إلى أَنَّ في الآية قراءتين، بتشديد الصادِ وتخفيفها (٢)، وأَصلُ قراءةِ التشديدِ بتاءين فسُكِّنت الثانيةُ وقُلبت صادًا، وأُدغمت الصادُ في الصاد، والتقدير: وأَن تتصدقوا، والمصدرُ المؤول من أَنْ والفعل مبتدأ، وخبرُه ﴿خَيْرٌ﴾؛ فالتقديرُ: وتصدُّقكم على المعسر بإبرائه خيرٌ
стр. 638
من إنظاره. وقولُه: (أَنه خيرٌ … ) إلى آخره: تضمَّن تقدير مفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾، وتقدير جوابِ الشرطِ المحذوف؛ وهو قولُه: (فافعلوه).
وقولُه: (بالبناء للمفعول … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الفعلَ المضارعَ مبنيٌّ للمفعول، فهو بضمِّ التاء وفتح الجيم، وقُرئَ بكسر الجيم وفتح التاء (١)، وفاعلُ ﴿تُرْجَعَونَ﴾ هو اللهُ أَوْ الملائكةُ.
وقولُه: (فيه): أَي: في يوم القيامة.
وقولُه: (جزاءَ): يريد: جزاءَ عملِه، وهو تقدير المفعول الثاني لـ ﴿تُوَفَّى﴾، و «جزاء» مُضاف، والاسمُ الموصولُ مضافٌ إليه.
وقولُه: (عملت من خيرٍ وشرٍّ): يُبيِّنُ أَنَّ المعنى: ﴿كَسَبَتْ﴾ عملت، وأَنه عامٌّ للخير والشر، كما يفيده الاسمُ الموصولُ؛ لأَنَّه من ألفاظ العموم.
وقولُه: (بنقصِ حسنةٍ أَوْ زيادةِ سيئةٍ): يُبيِّنُ أَنَّ الظلمَ في الجزاء يكون بالزيادة على السيئات أَوْ بالنقص من الحسنات، واللهُ -تعالى- منزَّهٌ عن الظلم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤].
* * *
стр. 639
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَنْ تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلَا تَسْأَمُوْاْ أَنْ تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٢٨٢) * وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٢ - ٢٨٣]:
لَمَّا ذكر اللهُ أَهلَ الفضلِ؛ وهم المنفقون، وأَهلَ الظلمِ؛ وهم أَكلةُ الربا؛ ذكر أَهلَ العدلِ؛ وهم الذين يكسبون المالَ للتجارة المشروعة، ومنها: البيعُ إلى أَجلٍ؛ فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ … ﴾ الآية: يأمر اللهُ المؤمنين إذا تداينوا بأَن باعوا سلعةً بثمنٍ إلى أَجلٍ مُسمَّى، أو باعوا سلعةً بثمنٍ حاضرٍ وتسليمها مؤجلًا وهو بيعُ السَّلَم، وقد جاء عن ابن عباسٍ أَنَّ هذه الآيةَ نزلت فيه (١)، فإنَّ النبيَّ ﷺ قدِم المدينةَ وهم يُسلمون في الثمار السنةَ والسنتين؛ فقال رسول الله ﷺ : ((مَنْ أَسلف في شيءٍ فليُسلفْ في كيلٍ
стр. 640
معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أَجلٍ معلومٍ)) (١)، فالدَّينُ تارةً يكون الثمنَ وتارةً يكون المثمَّنَ؛ أي: المبيع، ولَمَّا كان الدَّينُ المؤجَّلُ عرضةً للاختلاف فيه؛ في مِقداره أو نوعِه أو أَجلِه؛ أَمرَ اللهُ المؤمنين في هذه الآية بالكتابة والإشهاد؛ فقال تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، بحفظ الحقوقِ وقطعِ النزاع، وأَمر تعالى الكاتبَ بالكتابة بالعدل، ونهاهُ عن الامتناع عن الكتابة، وهو قولُه تعالى: ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾؛ أَي: وليكتب بين الدَّائن والمدينِ بالعدل في كتابه، فلا يُظلَمُ الدائنُ بالنقص من الحقِّ الذي له، ولا يُظلَمُ المدينُ بالزيادة على الحقِّ الذي عليه، وعلى مَنْ علَّمه اللهُ الكتابةَ أَلَّا يمتنعَ إذا دعاه المتداينان إلى الكتابة بينهما؛ شكرًا لله على ما أَنعم به من تعليمه الكتابةَ، وهذا معنى قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ﴾، ثم أَكَّد سبحانه أَمرَ الكاتبِ أَنْ يكتب، وأَمر أَنْ يُملي على الكاتب مَنْ عليه الحق وهو المدين؛ فقال تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾: وهذا الخطابُ للمملي الذي عليه الحقُّ أمرًا له بتقوى الله ونهيًا عن أَنْ يبخسَ من الحقِّ شيئًا فيما يُمليه؛ أَي: ينقص من الحقِّ شيئًا. وقولُه تعالى: ﴿فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾: أَي: لا يُحسن التصرفَ؛ فقد يُقِرُّ بما لا يَلزمُه، أو ضعيفًا؛ كصبيٍّ، أو لا يستطيع أَنْ يُملَّ هو نفسه؛ لخرسٍ أَوْ غيره؛ ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾؛ أَي: فليكن الإملاءُ على الكاتب من ولي المدين، وعلى الولي أَنْ يكون إِملاؤه بالعدل، لا يزيدُ في الدَّين ولا ينقصُ منه.
وقولُه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾: يعني: اطلبوا شهيدين من رجالكم أَيها المؤمنون يشهدان على إقرار مَنْ عليه الحقُّ عند كتابة العقدِ، وهذا هو الطريقُ الثاني لإثبات الحقِّ وحفظِه وقطعِ النزاعِ؛ وهو استشهادُ شاهدين.
стр. 641
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾: أَي: فإن لم يكن الشهودُ رجلين، ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ أَي: فيشهد أَوْ يكفي رجلٌ وامرأتان.
وقولُه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء: أَي: الرجلُ والمرأتان من الشهود المرضيّين عندكم لعدالِتهم وأَمانتِهم.
وقولُه: ﴿أَنْ تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾: تعليلٌ لاعتبار العدد في المرأتين. وقولُه: ﴿تَضِلَّ﴾: أَي: تنسى فتُذكِّرَها الأُخرى ما نسيت من الشهادة، وأَبهمَ تعالى كلًّا من التي ضلَّت والتي ذَكَّرت، فصار كلٌّ منهما مُذَكِّرةً ومذكَّرةً؛ لاحتمال وقوعِ النسيان من كلِّ واحدةٍ منهما، مما يجعلها محتاجةً إلى التذكير بما نسيت.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ﴾: نهيٌ من الله للشهود عن الامتناع عن تحمُّلِ الشهادةِ أَوْ أَدائها إذا دُعوا إلى ذلك، والإجابةُ لتحمُّلِ الشهادةِ مُستحبَّةٌ، وقيل: فرضُ كفايةٍ، وقيل: مُتعيِّنةٌ على مَنْ دُعي (١)، والإجابةُ لأَدائها واجبةٌ؛ لأَنَّ الشهادةَ أَمانةٌ، ولتوقُّفِ ثبوتِ الحقِّ وأَدائه عليها. ثم نهى تعالى المتداينَيْن عن السآمة من كتابة الدَّينِ صغيرًا أو كبيرًا؛ أي: قليلًا كان الدينُ أو كثيرًا، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوْاْ أَنْ تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ﴾: اسمُ الإشارةِ راجعٌ إلى ما تقدَّم من الأَمر بالكتابة والإشهاد. ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ﴾: أَي: أَعدلُ؛ لأَنه من القِسط الذي أَمر اللهُ به. والقولُ الثاني: أَي: أَحرى أَنْ يقومَ الشهداءُ بالشهادة على وجهها. ﴿وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ﴾: أَي: أَقرب إلى عدم وقوعِ الرَّيبِ في قلوبكم في شأن الدَّين في نوعِه أَوْ قدرِه أَوْ أَجلِه.
стр. 642
وقولُه تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾: استثناءٌ من الأَمر بالكتابة في قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾.
وقولُه: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾: أَي: إِلَّا أَنْ تكون المعاملةُ تجارةً حاضرةً بحضور العوضين؛ لاستغنائهما عن الأَجل. ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾: بتبادل الثمنِ والمثمَّنِ في وقت العقدِ.
وقولُه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾: أي: فلا إِثمَ عليكم في ترك كتابةِ المبايعةِ لبعد أَسباب النزاع. ثم قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾: فأَذن بترك الكتابةِ في التجارة الحاضرةِ وأَمرَ بالإِشهادِ، وقد اختلف العلماءُ في حُكمه؛ فذهب الجمهورُ إلى أنه يُستحَبُّ، واستدلوا على صرف الأَمر عن الوجوب بأَنَّ الرسولَ ﷺ اشترى من أَعرابي فرسًا ولم يُشهد (١)، وباع
стр. 643
عبدًا ولم يُشهد (١)، وذهب جماعةٌ من السَّلف والخلف إلى وجوب الإشهادِ (٢)،
стр. 644
وهو قويٌّ؛ لظاهر الأَمرِ، إِلَّا في المحقِّرات؛ كالصُّرَّة من البقل وعودِ السواك، ونحوهما.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: نهيٌ عن مُضارَّة المتداينين للكاتب والشهيدِ، وعلى هذا: الكاتبُ والشهيدُ نائبُ فاعلٍ، ونهيٌ للكاتب والشهيدِ عن مُضارَّةِ المتداينين، وعلى هذا: فالكاتبُ والشهيدُ فاعلٌ، واللفظُ يحتمل الصورتين؛ لأَنَّ الفعلَ المضعَّفَ يُضار لا تظهر عليه الحركةُ إِلَّا مع فكِّ الإدغامِ، والتقديرُ في الصورة الأولى: «ولا يضارَر»، بفتح الراءِ الأول وسكونِ الثانية، مبنيٌّ للمفعول، والتقديرُ في الصورة الثانية: «ولا يضارِر»، بكسر الراءِ الأولى وسكونِ الثانية، مبنيًّا للمعلوم (١).
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾: يعني: إن تفعلوا المضارة فإِنَّ فعلَكم ذلك فسوقٌ بكم. وقولُه: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾: ختمٌ للأحكام السابقةِ بالوصية الجامعةِ، وتأكيدٌ لامتثالِ ما في الآية من الأوامر والنواهي، فإِنَّ امتثالَها من تقوى الله.
وقولُه: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ﴾: جملةٌ مُستأنفةٌ فيها امتنانٌ من الله على المؤمنين بتعليمه إِيَّاهم كلَّ ما عَلموه وما سيعلمونه، ومن ذلك ما علَّمهم في هذه الآية من أَحكام التجارةِ والمداينةِ، وقد قيل: إِنَّ بين الامتنانِ بالتعليم والوصيةِ بالتقوى تناسبًا؛ وهو أَنَّ التقوى سببٌ للتعليم؛ كقوله تعالى: ﴿يِاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال: ٢٩]، وهذا ظاهرٌ في آية الأنفال دون آيةِ البقرةِ (٢).
стр. 645
﴿وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٢٨٢)﴾: إخبارٌ من الله بإحاطة علمِه بكلِّ شيءٍ، فتدلُّ الآيةُ أَنَّ كلَّ ما يعلمُه العبادُ من العلوم الكونيةِ والشرعيةِ فهو من علمه بتعليمهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾: هذا مُتعلِّقٌ بقوله تعالى في الآية السابقة: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، وبقولُه: ﴿وَلَا تَسْأَمُوْاْ أَنْ تَكْتُبُوْهُ﴾: يُبيِّنُ تعالى ما يحفظُ به الحقُّ إذا لم يوجد كاتبٌ؛ وهو الرَّهنُ، وجَمعُ الرَّهنِ: رِهانٌ ورُهونٌ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾، وخصَّ هذا الحكم بالسفر؛ لأَنَّه مَظنَّةٌ لعدم الكاتبِ. وقيَّدَ الرَّهنَ بالقبض؛ لأَنَّ التوثقة لا تتمُّ إِلَّا به، وذلك إذا لم توجد الثقةُ بين المتداينين، فإِن تحقَّقت الثقةُ بينهما لم يجب على المدين أَنْ يوثِّقَ الدَّينَ برهنٍ، لكن يجب عليه أَنْ يؤدِّي الحقَّ الذي عليه فلا جحدَ ولا مطلَ، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، والأَمانةُ: هي الحقُّ الذي على المدين، والذي اؤتمنَ: هو الذي عليه الحقُّ، أَمِنه صاحبُه الدائن.
وقولُه: ﴿وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ﴾: خطابٌ للذي اؤتمن؛ وهو المدينُ الذي عليه الحقُّ، عليه أَنْ يتَّقي اللهَ في الأَمانة؛ وهي: حقُّ الدائنِ الذي لديه، فلا يجحدُه ولا شيئًا منه، ولا يمطلُ، بل يُؤدِّيه للذي ائتمنه؛ وهو الدائنُ صاحبُ الحقِّ.
وقولُه: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ﴾: نهيٌ للشهداء عن كتمان الشهادةِ، ثم عظَّم تعالى كتمانَ الشهادة فقال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، وأَضافَ الإِثمَ إلى القلب؛ لأَنَّ الكتمانَ يتعلَّقُ بالعلم الذي في القلب (١).
وقولُه: ﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم (٢٨٣)﴾: تهديدٌ لمن يكتمُ الشهادةَ بأَنَّ اللهَ به عليمٌ وسيجزيه بعملِه، وكتمانُ الشهادةِ هو من الضِّرار الذي نهي عنه في قولِه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾، بل هو من أَعظم الضِّرار.
стр. 646
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ تعاملتم ﴿بِدَيْنٍ﴾ كسَلَمٍ وقرضٍ ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ معلومٍ ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ استيثاقًا ودفعًا للنزاع ﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ كتابَ الدَّينِ ﴿بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ بالحقِّ في كتابته، لا يزيدُ في المال والأَجل ولا ينقصُ ﴿وَلَا يَأْبَ﴾ يمتنعَ ﴿كَاتِبٌ﴾ من ﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾ إذا دُعي إليها ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ أَي: فضَّله بالكتابة، فلا يبخل بها، والكافُ متعلقةٌ بـ «يأب» ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ تأكيدٌ ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ يُملَّ الكاتب ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ الدَّينُ؛ لأَنه المشهودُ عليه، فيُقرُّ ليعلمَ ما عليه ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في إِملائه ﴿وَلَا يَبْخَسْ﴾ ينقصْ ﴿مِنْهُ﴾ أَي: الحق ﴿شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ مبذِّرًا ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ عن الإِملاء؛ لصغرٍ أَوْ كِبَرٍ ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ لخرسٍ أَوْ جهلٍ باللغةِ أَوْ نحو ذلك ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ مُتولي أَمره من والدٍ ووصيٍّ وقيِّمٍ ومُترجِمٍ ﴿بِالْعَدْلِ﴾.
﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ أَشهدوا على الدَّين ﴿شَهِيدَيْنِ﴾ شاهدين ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أي: بالغي المسلمينَ الأحرار ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾ أَي: الشاهدان ﴿رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ يشهدون ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ لدينه وعدالته، وتعدُّدِ النساءِ لأَجْلِ ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ تنسى ﴿إِحْدَاهُمَا﴾ الشهادةَ لنقص عقلهنَّ وضبطهنَّ ﴿فَتُذْكِرَ﴾ بالتخفيفِ والتشديدِ ﴿إِحْدَاهُمَا﴾ الذاكرةُ ﴿الْأُخْرَى﴾ الناسيةَ، وجملةُ الإذكارِ محلُّ العلةِ، أَي: لتذكر أن ضلت. ودخلت على الضلال لأَنه سببه. وفي قراءةٍ بكسر «إن» شرطية ورفع «تذكر» استئناف جوابه ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا﴾ زائدةٌ ﴿دُعُوا﴾ إلى تحمُّل الشهادةِ وأَدائها. ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾ تملُّوا من ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ أَي: ما شهدتم عليه من الحقِّ؛ لكثرةِ وقوعِ ذلك ﴿صَغِيرًا﴾ كان ﴿أَوْ كَبِيرًا﴾ قليلًا أو كثيرًا ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾ وقتِ حُلولِه. حالٌ من الهاء في «تكتبوه». ﴿ذَلِكُمْ﴾ أَي: الكَتْبُ ﴿أَقْسَطُ﴾ أَعدلُ ﴿عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ أَي: أَعونُ على
стр. 647
إقامتها؛ لأَنَّه يذكرها ﴿وَأَدْنَى﴾ أَقربُ إلى ﴿أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ تشكُّوا في قدرِ الحقِّ والأَجلِ. ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾ تقعَ ﴿تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ﴾ وفي قراءةٍ بالنصب، فـ «تكون» ناقصة، واسمها ضمير التجارةِ ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ أَي: تقبضونها ولا أَجلَ فيها ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ في ﴿أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ والمرادُ بها المتجر فيه.
﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ عليه، فإِنَّه أَدفعُ للاختلاف. وهذا وما قبله أَمرُ ندبٍ ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ صاحبُ الحقِّ ومَن عليه؛ بتحريفٍ أَوْ امتناعٍ من الشهادة أَوْ الكتابةِ أَوْ لا يضرهما صاحبُ الحقِّ بتكليفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادةِ.
﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ ما نُهيتم عنه ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ﴾ خروجٌ عن الطاعة لاحقٌ ﴿بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أَمره ونهيه ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ مصالحَ أُموركم، حال مقدرة أَوْ مستأنف ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أَي: مسافرين وتداينتم ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرُهُنٌ﴾ وفي قراءةٍ: (فَرِهَانٌ) جمعُ رهنٍ ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ تستوثقون بها. وبيَّنتِ السنَّةُ جوازَ الرَّهنِ في الحضر ووجود الكاتب، فالتقييدُ بما ذكر؛ لأَنَّ التوثقَ فيه أَشدُّ. وأَفاد قولُه «مقبوضة» اشتراطَ القبضِ في الرَّهن والاكتفاءَ به من المرتهنِ ووكيلِه.
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أَي: الدائنُ المدينَ على حقِّه فلم يرتهن ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ أَي: المدين ﴿أَمَانَتَهُ﴾ دَينَه ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في أَدائه ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ إذا دُعيتم لإقامتها. ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ خصَّ بالذِّكر لأَنَّه محلُّ الشهادةِ، وأَنَّه إذا أَثمَ تَبعه غيرُه فيُعاقب عليه معاقبةَ الآثمين ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليه شيءٌ منه.
стр. 648
وقولُ المؤلِّف: (تعاملتم): يريد: بتجارةٍ كالمبايَعة، ولكن المعاملة أعمُّ من المداينة، فالمداينة تختصُّ بما إذا كان أحدُ العِوَضَيْنِ مُؤجَّلًا، ففسَّر المؤلِّفُ لفظَ: ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾ بما هو أعمُّ منه. وقولُه: (كسَلَمٍ وقرضٍ) السَّلَمُ المؤجَّلُ فيه هو المَبيع، والقرضُ دَيْنُ إرفاقٍ لا مُعاوضة، والصحيحُ: أنه يقبلُ التأجيل.
وقولُه: (معلومٍ): أي: بتعيينِ وقتِ حلولِ الدَّين وتحديدِهِ بالسنة والشهر.
وقولُه: (استيثاقًا ودفعًا للنزاع): بيانٌ لحكمةِ الأمر بالكتابة.
وقولُه: (كتابَ الدَّينِ): بيانٌ لمفعولِ ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾. وقولُه: (بالحقِّ في كتابته … ) إلى آخره: فسَّرَ العدلَ بالحقِّ، والحقُّ ضدُّ الباطل، والمراد؛ بالعدل: العدلُ الخالِصُ الذي ليس فيه باطلٌ، ثم بيَّنَ المؤلِّف ما يحصل به العدلُ في قوله: (لا يزيدُ في المال والأَجل ولا ينقصُ).
وقولُه: (يمتنعَ): يريد قولَه تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ أي: لا يمتنعْ كاتبٌ من الكتابة إذا دُعِيَ إليها. وقولُه: (من): أي: من الكتابة؛ يريد: لا يمتنعْ كاتبٌ من الكتابة.
وقولُه: (إذا دُعي إليها): بيانٌ لحال النَّهي عن الامتناع؛ أي: لا يمتنعْ مِنْ الكتابة في هذه الحال. وقولُه: (أَي: فضَّله … ) إلى آخره: يُبيِّن أن عِلْمَ الكتابةِ نعمةٌ من الله على الكاتب، فالواجبُ مقابلتُها بالشكر، والبخلُ بالكتابة ينافي شكرَ هذه النعمة.
وقولُه: (والكافُ؛ متعلقةٌ بـ «يأب»): الصوابُ أن يقالَ متعلِّقة؛ بـ «لَا يَأْبَ»، وتكون للتعليل؛ فالمعنى: لا يأبَ كاتبٌ أن يكتبَ مِنْ أجلِ أنَّ اللهَ علَّمَهُ، فإنَّ ذلك يقتضي شكرَ اللهِ على هذه النعمة، ومِن شكرِ الله: الإجابةُ إلى الكتابةِ إذا دُعِيَ إليها (١).
стр. 649
وقولُه: (تأكيدٌ): يبيِّن أن الأمر بالكتابة تأكيدٌ للنهي عن الإباءِ منها.
وقولُه: (الكاتب): تقديرٌ لمفعول: ﴿يُمْلِلْ﴾ بتضمينِهِ يُسمِعُ؛ أي: يُسمِعُ الذي عليه الحقُّ الكاتبَ ألفاظَ إقرارِه ليكتُبَها.
وقولُه: (الدَّينُ … ) إلى آخره: تفسيرٌ للحقِّ الذي يُقِرُّ به المدين فيعلم ويُشهِدُ عليه.
وقولُه: (فيُقرُّ): يعني: بإملائه بالدَّين الذي عليه.
وقولُه: (في إِملائه): يريد أن على المُمْلِي الذي عليه الحقُّ أن يتقيَ اللهَ ويراقبَه فلا يُحرِّفَ في كلامه، ولا يُلبّس بل يكون كلامُهُ واضحًا لا يلتبسُ على الكاتب ولا على الشهود.
وقولُه: (ينقصْ): أي: لا ينقص في إقراره من الحق شيئًا، وهذا مما يدخلُ في التقوى.
وقولُه: (أي: الحق): بيانٌ لمرجعِ الضمير المجرور في قوله: ﴿لَا يَبْخَسْ مِنْهُ﴾.
وقولُه: (مبذِّرًا): أي: لا يحفظ المالَ ويُفرِّطُ في صرفِه، وهذا عنوانُ السَّفَهِ.
وقولُه: (عن الإِملاء … ) إلى آخره: يتضمن أن الضعيفَ هو الصبي أو الكبير الذي لا يعقلُ، ومَن هذه حالُه لا يُحسنُ الإملاءَ؛ لنقصِ عقله.
وقولُه: (لخرسٍ … ) إلى آخره: بيانٌ لأسباب العجز عن الإملاء.
وقولُه: (مُتولي أَمره … ) إلى آخره: بيان للمراد بوليّ الذي عليه الحق.
وقولُه: (أَشهدوا على الدَّين): يبيِّن أن المراد بالاستشهاد الإشهادُ، فإذا حصل الإشهاد فهو المطلوب، والسِّينُ والتاءُ للطلب عند الحاجة.
وقولُه: (شاهدين): تفسيرٌ لـ ﴿شَهِيدَيْنِ﴾، والشاهد: مَنْ يشهدُ بما علم.
стр. 650
وقولُه: (بالغي … ) إلى آخره: بيانٌ لِما يدل عليه لفظُ ﴿رِجَالِكُمْ﴾ وهو ثلاثة أمور: البلوغُ، والحريةُ، والإسلامُ؛ أَمَّا البلوغُ والإسلامُ فدَلالة اللفظِ عليهما ظاهرةٌ، وأَمَّا الحريةُ ففي دَعوى دَلالة لفظ «الرجال» عليها نظرٌ؛ فإِنَّ عبيدَ المسلمين مِنْ رجالهم؛ قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] (١).
وقولُه: (أي: الشاهدان): بيانٌ لمرجع الضمير في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾ والضمير اسم: «يكون»، و «رَجُلَيْنِ» خبر.
وقولُه: (يشهدون): تقديرٌ لخبر المبتدأ وهو «رجلٌ» وما عُطِفَ عليه، ويمكن جعلُهُ فاعلًا؛ بتقدير: فيشهدُ رجلٌ وامرأتان.
وقولُه: (لدينه وعدالته): بيانٌ لصفة مَنْ يُرضى للشهادة، وهو المسلمُ العَدْلُ.
وقولُه: (وتعدُّدِ النساءِ لأَجْلِ): تنبيهٌ على الحكمة من استشهاد امرأتَين، وهي: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرُها الْأُخْرَى﴾.
وقولُه: (تنسى): تفسيرٌ للضَّلال، وهو نسيانُ الشهادةِ أو شيءٍ منها.
وقولُه: (لنقص عقلهنَّ وضبطهنَّ): بيانٌ لسبب حصولِ النسيان من إحدى المرأتين أو من كلٍّ منهما كما قال ﷺ : ((ما رأيتُ من ناقصاتِ عقلٍ ودِينٍ))، ثم فسَّر ذلك بقوله: ((أليستْ شهادةُ المرأتينِ بشهادةِ رجلٍ؟)) (٢).
وقولُه: (بالتخفيفِ والتشديدِ): يريد بتخفيف الكاف من «أَذْكَرَ»، وتشديدِها من: «ذَكَّرَ» وهو يشير بذلك إلى قراءتين.
стр. 651
وقولُه: (الذاكرةُ): بيانٌ للمراد من ﴿إِحْدَاهُمَاْ﴾ الثانية فـ ﴿إِحْدَاهُمَاْ﴾ الأولى هي الناسيةُ، فالذاكرة هي: التي تُذَكِّرُ الناسيةَ.
وقولُه: (الناسيةَ): بيانٌ للمراد بالأخرى، والمُذكِّرة للناسية هي الذاكرةُ التي لم تنس فالذاكرة تُذَكِّرُ الناسيةَ.
وقولُه: (وجملةُ الإذكارِ): يريد قوله تعالى: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾.
وقولُه: (محلُّ العلةِ): يبيِّن أن العلَّة في تعدُّدِ المرأتين هو: تذكيرُ إحداهُما للأخرى إن نسيتْ، ويؤيِّدُ ذلك أنه قُرِأ: ﴿إنْ تَضِلَّ﴾ بكسر الهمزة وتكونُ شرطيةً وجواب الشرطِ؛ ﴿فتُذَكِّرْ﴾.
وقولُه: (ودخلت على الضلال): يريد: لامَ التعليل؛ لأن التقديرَ عند المؤلِّف: «لأن تَضِلّ». وقولُه: (وفي قراءةٍ … ) إلى آخره: يشير إلى أن قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ في همزة ﴿أن﴾ قراءتان: بفتحِ الهمزة، وهي قراءةُ الجمهور، و ﴿أَنْ﴾ مصدريةٌ، ولذا نصبَ الفعلَ بعدها، والقراءةُ الأخرى: بكسر الهمزة، وتكون شرطيةً، ومَن قرأ بكسرِ همزةِ ﴿إن﴾ قرأ ﴿تُذَكِّرَ﴾ بالرفع (١)، وعلى هذا يقول المؤلِّف: تكون جملة ﴿تُذَكِّرَ﴾ مُستَأْنَفةً، وهي: جوابُ الشرط.
وقولُه: (زائدةٌ): يريد: أن ﴿ما﴾ التي بعد ﴿إذا﴾ زائدةٌ في الإعراب؛ لأنه ليس لها معنى إلا التأكيد.
وقولُه: (إلى تحمُّلِ الشهادةِ وأَدائها): بيانٌ لِما يُدْعَى إليه الشهودُ وهو إما تحمُّلُ الشهادةِ عند كتابةِ العقدِ، وإما إلى أدائِها في حال الخصومة.
стр. 652
وقولُه: (تملُّوا من): بيانٌ لمعنى: السَّأَمِ، وهو الملَلُ والضَّجَرُ، وقولُه: (من) بيانٌ أن المصدرَ المؤوَّل ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ في محلِّ جرّ: بـ «من» فالمعنى: لا تملُّوا من أن تكتبوا الدَّين. وقولُه: (ما شهدتم عليه من الحقِّ): يقتضي: أن الخطاب في قوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ للشُّهداء أُمِرُوا أن يكتبوا ما شهدوا به، والصواب: أن قوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾ خطابٌ للمُتداينين فهو معطوفٌ على قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾؛ تأكيدًا للأمر بالكتابة (١).
وقولُه: (لكثرةِ وقوعِ ذلك): تعليلٌ لوقوع السآمة بسبب كثرة المُدايَنات.
وقولُه: (كان): بيانٌ أن «صغيرًا» و «كبيرًا» خبرٌ لكان المقدَّرة. وقولُه: (قليلًا أو كثيرًا): تفسيرٌ لـ «صغيرًا» و «كبيرًا»؛ لأن الكم هو الذي يوصفُ بالقلَّة والكثرة، والحجمُ يوصف بالصِّغَر والكِبَر.
وقولُه: (وقتِ حُلولِه): بيانٌ لمعنى «أجل الدَّين» فأجلُ الدَّين وقتُ حلولِه وهو وقتُ وجوب القضاء.
وقولُه: (حالٌ من الهاء في «تكتبوه»): يريد: أن الجار والمجرور ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾ في موضعِ نصبٍ على الحال من الضمير المنصوب في قوله: ﴿تَكْتُبُوهُ﴾.
وقولُه: (الكَتْبُ): يعني: كتابةُ الدَّين.
وقولُه: (أَعدلُ): تفسيرٌ لـ ﴿أَقْسَطُ﴾ أفعلُ تفضيل مِنْ القِسط وهو العدل.
وقولُه: (أَعونُ على إقامتها): أي: إقامةُ الشهادة على وجهِها؛ لأن الكتابة تُذَكِّرُ الشاهدَ. وقولُه: (أَقربُ إلى): بيانٌ لمعنى ﴿أَدْنَى﴾؛ أي: أقرب إلى ﴿أَلَّا تَرْتَابُوا﴾؛ أي: أَلا تشكُّوا. وقولُه: (في قدرِ الحقِّ والأَجلِ): بيانٌ لما يقع فيه الشكُّ.
стр. 653
وقولُه: (تقعَ): تفسيرٌ لـ ﴿تكونَ﴾، وعلى هذا فـ ﴿تَكُونَ﴾ تامّة و ﴿تِجَارَةٌ﴾ بالرفع فاعلٌ على قراءة الجمهور.
وقولُه: (وفي قراءةٍ بالنصب): أي: بنصب ﴿تِجَارَةً﴾ (١)، وعلى هذا فتكون ناقصةً، واسمُها ضميرٌ يعود إلى المعاملة، و ﴿تجارةً﴾ خبرُ ﴿تكون﴾ منصوب.
وقولُه: (أَي: تقبضونها ولا أَجلَ فيها): تفسيرٌ لقوله: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ أي: تتقابضون العِوضَيْن لحلولِ كلٍّ منهما فلا دَيْن إذًا.
وقولُه: (في): تقديرٌ لحرف الجرّ العامل في المصدر المؤوَّل؛ فالمعنى: فلا جناحَ عليكم ألا تكتبوها؛ أي: المعاملةُ وهو تأكيدٌ للأمر بكتابة الدَّين.
وقولُه: (والمرادُ بها المتجر فيه): يُبيّن أن المراد بالتجارة المُتَّجرُ فيه وهو العِوضان: الثمنُ والمُثْمَنُ، أو تقول: الثمنُ والسِّلعةُ.
وقولُه: (عليه … ) إلى آخره: المعنى: أشهِدوا على التبايُعِ؛ فإنه أقطعُ على النزاع.
وقولُه: (وهذا وما قبله أمرُ ندبٍ): يريد: الأمرَ بالإشهاد وما قبلَه من الأمر بالكتابة للنَّدبِ، وهو قول الجمهور؛ لما ثبت أن النبي ﷺ اشترى فرسًا من أعرابيٍّ ولم يُشهِد، وباعَ عبدًا ولم يُشهِد.
وقولُه: (صاحبُ الحقِّ … ) إلى آخره: يُبيِّن أن لفظ الآية يشمل نهيَ الكاتب والشاهد عن مُضارَّة المتداينَيْن، ونهيَ المتداينَيْن عن مُضارَّة الكاتب والشهيد أيَّ نوعٍ مِنْ المضارَّة.
وقولُه: (ما نُهيتم عنه): هذا تقديرٌ لمفعول: ﴿تَفْعَلُوا﴾.
وقولُه: (خروجٌ عن الطاعة لا حق): تفسيرٌ للفسوق؛ المعنى: أنَّ فعلَكم ما نُهيتم عنه مِنْ المضارَّة وغيرها فسوق لاحقٌ بكم.
стр. 654
وقولُه: (في أَمره ونهيه): تقوى الله في أمره بفعلِ ما أمر به، وتقوى الله في نهيه بترك ما نهى عنه.
وقولُه: (مصالحَ أُموركم): هذا تقديرُ مفعول ﴿يُعَلِّمُكُمُ﴾؛ أي: يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ما تصلحُ به أمورُكم كالأحكام المتقدمة.
وقولُه: (حال مقدرة أَوْ مستأنف): بيانٌ لمحلّ جملة: ﴿يُعَلِّمُكُمُ﴾، يقول: إنها تحتمل أن تكون حاليةً أو مستأنفةً.
وقولُه: (أَي: مسافرين وتداينتم): بيانٌ لمحلّ هذا الحكم وهو الرهنُ، ومحلُّهُ التداينُ في السفر ولم يوجد كاتِبٌ.
وقولُه: (وفي قراءةٍ: (فرهان) جمعُ رهنٍ): يُبيّنُ أَنَّ في الآية قراءتان: «رُهُنٌ»؛ ككُتبٌ، و «رِهَانٌ» كجبالٌ (١)، وكلاهما جمعُ رَهْنٍ؛ وهو العينُ التي يُوثَّقُ بها الدَّين.
وقولُه: (تستوثقون بها): أي: يستوثقُ بها صاحب الدَّين دينَه وهو القابضُ للرهن، ويقال له: «المُرْتَهِن» ومن عليه الحقُّ هو «الراهنُ»، والعين المستوثَقُ بها «رَهْنٌ».
وقولُه: (وبيَّنتِ السنَّةُ … ) إلى آخره: يُنبِّه إلى أن السفرَ ووجود الكاتبِ ليس شرطًا في جواز الرَّهن؛ لدَلالة السنَّة على ذلك؛ فإِن النبيَّ ﷺ مات ودِرعُه مرهونةٌ (٢). وقولُه: (فالتقييدُ … ) إلى آخره: أي: بما ذُكِرَ من السفر وعدم وجود الكاتب من أجل أن الحاجةَ في هذه الحال إلى التوثُّق أشدّ.
стр. 655
وقولُه: (وأَفاد … ) إلى آخره: يُبيِّن أَنَّ وصفَ الرِّهان بالقبضِ يدلُّ على اشتراط قبض المرتهِن للرهنِ؛ لأن التوثيقَ لا يتحقق إلا بذلك.
وقولُه: (أي: الدائنُ … ) إلى آخره: بيان للمرادِ بالبعض الأول والثاني؛ فالأولُ هو: الدائن، والثاني هو: المَدينُ الذي عليه الحقّ فإذا أملئ الدائنُ المدينَ على حقِّه فلم يرهنهُ شيئًا فعلى المَدين أن يؤدِّي الحقَّ الذي عليه فلا يجحدْ ولا يماطِلْ.
وقولُه: (أَي: المدين): تفسيرٌ لـ ﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ لأنه الذي ائتمنَهُ صاحبُ الدَّين.
وقولُه: (دَينَه): بيانٌ للمراد بالأمانة. وقولُه: (في أَدائه): يبيِّن أن على الذي اؤتُمنَ أن يتقيَ الله. وقولُه: (خصَّ بالذِّكر … ) إلى آخره: يريد: خصَّ القلبَ بالذِّكرِ في قوله: ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وذكرَ لهذا التخصيصِ سببين؛ الأول: أن القلب محلُّ الشهادة. الثاني: أنه إذا أثمَ القلبُ أثمتِ الأعضاء تبعًا له؛ كما في الحديث: ((إذا صلحَ صلحَ الجسدُ كله، وإذا فسدَ فسدَ الجسدُ كله)) (١).
* * *
стр. 656
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٤ - ٢٨٦]:
هذه الآيات الثلاث؛ هي: خواتِم سورة البقرة التي أُنزلتْ مع سورة الفاتحة، نزلَ بهِنَّ ملَكٌ من الملائكة لأول مرةٍ ينزل من بابٍ من السماء لم يُفتَحْ إلا لنزولهِ، وبشَّرَ جبريلُ ﵇ النبيَّ ﷺ بذلك كما روى مسلمٌ في صحيحه بسندِه عن ابن عباس؛ قال: بينما جبريلُ قاعدٌ عند النبيّ ﷺ سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسَهُ فقال: ((هذا بابٌ من السماء فُتِحَ اليوم لم يُفْتَحْ قطُّ إلا اليومَ فنزل منه مَلَكٌ فقالَ: هذا ملكٌ نزلَ إلى الأرض لم ينزلْ قطُّ إلا اليومَ فسلَّمَ)) أي: الملَكُ ((وقال: أَبشر بنورين أُوتيتهما لم يؤتهما نبيٌّ قبلك؛ فاتحةُ الكتابِ وخواتيمُ سورةِ البقرة، لن تقرأَ بحرفٍ منهما إِلا أُعطِيتَه)) (١)، وجاء في فضلِ الآيتين الأَخيرتين أَنَّ: ((مَنْ قَرأهما في ليلةٍ كَفَتاهُ)) رواه البخاري ومسلم عن أبي مسعود ﵁ (٢).
وقد دلَّتِ الآيةُ الأولى أن ﴿لِلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ فهو مالكُهما وما فيهما وله ملكُ السموات والأرض، وأخبر -تعالى- أنه مُحاسِبٌ عبادَهُ بما في نفوسِهم أبدوهُ أو أخفوهُ، ثم يغفرُ لِمَنْ يشاء ويُعذِّب مَنْ يشاء وهو على كلِّ شيء قدير. وقد ذهب جمهورُ المفسرين إلى أَنَّ هذه الآية منسوخةٌ
стр. 657
بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾، وقال آخرون: إنها مُحْكَمَةٌ (١)، ومعناها عندهم: الخبرُ من الله بأنه محاسِبٌ عبادَه بما يُبدون من أعمالهم وما يُخفون، وهي عامةٌ في المؤمنين والكفار؛ ولهذا قال: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاء﴾ وهم: المؤمنون ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء﴾ وهم: الكفار، ولا منافاةَ بين القولَين فمَن قال: إنها منسوخةٌ أراد أنه نسخَ منها ما فهمَهُ الصحابةُ وشقَّ عليهم وهو المحاسبةُ على حديث النفس مما لا يستطاعُ دفعُهُ، وليس هذا رفعًا لحكمِ الآية في كلِّ ما يُبدي العبادُ مما في نفوسِهم وما يُخفونه، وعلى هذا فيكون قولُه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ رافعًا لحكم الآيةِ في بعض أفراد العامِّ، وهذا من قَبيل التخصيصِ، وكان المفسِّرون من السلف يُسمُّونه نسخًا، فالآية على عمومِها، وخصَّ منها ما لا يُستطاعُ التحرُّجُ منه من الخواطر والأفكار التي تَرِدُ على القلب بغيرِ إرادةِ العبد، وهو الذي خاف الصحابةُ ﵃ أنهم مُحاسَبون به، واختار ابنُ جرير أَنَّ الآيةَ محكمةٌ فلا نَسْخَ ولا تخصيصَ، وأيَّدَ ذلك بأَنَّ المحاسبةَ لا تستلزمُ عقوبةً (٢)، وفي قوله هذا نظرٌ؛ لقوله ﷺ : ((مَنْ نُوقِشَ الحسابَ عُذِّبَ)) (٣)، وأيضًا فخوفُ الصحابة من الوعيد بالحساب يدلُّ على أنهم يرونَ الحساب قد يُؤدِّي إلى العذاب؛ قال بعد ذِكْرِ أقوالِ الناس فيها: «وأَولى الأقوالِ التي ذكرناها بتأويلِ الآية: قولُ مَنْ قال: إنها مُحْكَمَةٌ، وليست بمنسوخةٍ؛ وذلك أن النسخَ لا يكون في حكمٍ إلا ينفيهِ بآخرٍ له نافٍ من كلِّ وجوهِه، وليس في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ نفي الحكم الذي أعلم عباده بقوله: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ﴾ لأن المحاسبةَ ليست بموجِبةٍ عقوبة، ولا مؤاخذة بما
стр. 658
حوسب عليه العبدُ من ذنوبه» (١)، ولما نزلت هذه الآيةُ شقَّ ذلك على أصحابِ النبيِّ ﷺ ؛ لِمَا يعلمون من أنَّ هواجسَ النفوسِ والخواطر التي تَرِدُ على القلب ليست بإرادةِ الإنسان ولا يستطيع دفعَها ولا التحرُّزَ منها فجاؤوا إلى النبيِّ ﷺ يَشْكُونَ ما يَجدُون من المشقَّة في هذا التكليفِ، فروى مسلمٌ في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ﵁؛ قال: «لما نزلتْ على رسولِ الله ﷺ ﴿لِلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٢٨٤)﴾ قال: فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسولِ الله ﷺ فأتَوا رسولَ الله ﷺ ثم بركوا على الرُّكَبِ فقالوا: أيْ رسولَ اللهِ، كُلِّفْنَا من الأعمالِ ما نطيقُ، الصلاةَ والصيامَ والجهادَ والصدقةَ، وَقَدِ أُنْزِلَتْ عليك هذه الآيةُ وَلَا نُطِيقُهَا، قال رسول الله ﷺ : ((أَتريدون أَنْ تقولوا كما قال أَهلُ الكتابين مِنْ قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٢٨٥) … )) إلى آخر الحديث (٢).
وقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٢٨٥)﴾: ثناءٌ من الله على رسولهِ والمؤمنين بإيمانِهم بالله وملائكته وكتبه وبجميع رسله، وبقولِهم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٢٨٥)﴾، وقد تضمنَ هذا الإقرارُ السمعَ والطاعةَ لله وسؤالَ المغفرة والإقرارَ بالمصير إليه، فتضمن الإيمانَ باليوم الآخر، فشمل إيمانُهم الأصولَ الخمسة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
стр. 659
وقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ﴾: مقولُ قولٍ محذوفٍ؛ يُقدّر: قالوا أو قائلين؛ المعنى: لا نُفرِّق بين رُسُلِ الله في الإيمان ببعضِهم دون بعضٍ كما فعلتِ اليهودُ والنَّصارى بل نؤمنُ بجميعِهم، وقرأ الجمهور بالنون، وقرأ بعضُ السلف بالياء: ﴿لا يُفرِّقُ﴾ بلفظِ المفرد ردًّا إلى لفظِ ﴿كلّ﴾ (١)، ورجَّحَ ابنُ جريرٍ قراءةَ جمهور القرَّاء، وقال: إنه لا يستجيزُ القراءة بغيرها (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾: معطوفٌ على «آمنوا»؛ المفهوم من قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ﴾ فالمعنى: كلُّهم آمنوا وقالوا، أو معطوف على «قالوا» العامل في ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾، وتقديره: قالوا: لَا نُفَرِّقُ، وقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، ومعنى: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾؛ أي: سَمِعْنا ما أنزلتَ على رسولكَ من الكتاب والحكمة وقَبِلْنَا واستجبْنا وأطعْنا لك فيما أمرتَنا به وما نهيتَنا عنه فامتثلنا وفعلْنا ما أمرْتَنا به واجتنبْنَا ما نهيتَنا عنه. وقولُه: ﴿غُفْرَانَكَ﴾: مفعولٌ لفعلٍ مُقدَّر؛ أي: نسألكَ غفرانكَ يا ربنا. وقولُه: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٢٨٥)﴾: أي: إليك وحدكَ المرجعُ والمآب في يوم الحساب.
وقولُه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾: يخبرُ -تعالى- عن رحمته بعباده في شرعِه بأنه لا يُكلِّفُ نفسًا إلا وسعَها؛ أي: ما تسعُهُ قدرتُها فلا يفرض على أحدٍ شيئًا من الفرائض إلا ما يستطيع ويقدرُ عليه بلا حَرَجٍ يلحقُهُ، وهذا الحكم من الله -تعالى- يرفع الحرجَ الذي خافه الصحابةُ فهمًا من قوله -تعالى- في الآية السابقة: ﴿وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ﴾ ولهذا قيل: إن هذه الآيةَ ناسخةٌ للآية السابقة؛ لأنها دالةٌ على أن ما لا يُستطاعُ
стр. 660
دفعُه من الخواطر لم يُكلَّفوا دفعَه، وقد تقدَّم ذكرُ الخلاف في علاقة هذه الآية بالآية السابقة وهل هي ناسخةٌ أو مُخصصةٌ؟ والصواب: أنها رافعةٌ لحكمِ الآية عن بعض أفرادِ العامِّ فهي ناسخةٌ من حيث رفعِ الحكم ومُخصصةٌ من حيث تعلُّقِ النسخ ببعض أفراد العامّ، فهي ناسخةٌ من وجهٍ ومخصصةٌ من وجهٍ، وبهذا يعلم أنه لا منافاةَ بين القولِ بأنها ناسخةٌ، وبين القول بأنها مُخصصةٌ، وقد جاء هذا التخفيفُ بعد أن قال المؤمنون: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٢٨٥)﴾، وذلَّتْ بها ألسنتُهم فجزاهمُ اللهُ بإيمانِهم وانقيادِهم بإنزالِ هذه الآية: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾.
ثم أخبر -تعالى- أن لكلِّ نفسٍ ما كسبتْ من الخير والعمل الصالح وعليها ما اكتسبتْ من الأعمال السيئة؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]. ثم علَّم اللهُ المؤمنين هذه الدَّعوات: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى قوله: ﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين (٢٨٦)﴾، وهي سبعُ دعواتٍ، وقد أخبر النبيُّ ﷺ أَنَّ اللهَ أجابَ دعاءَ المؤمنين، وأَنَّ اللهَ قال بعد كلِّ دعوة: ((قدْ فعلتُ)) (١)، فعُلِمَ بذلك العفو عن الخطأِ والنسيانِ في هذه الشريعةِ، وأنه لم يُحمِّلْ على هذه الأمة فيما شرعَ لهم إصرًا كما حملَهُ على الأمم الماضية وأنه لا يُحمِّلْهُمْ ما لا يطيقون ووعدَهم العفوَ والمغفرةَ والرحمةَ والنصرَ على الكافرين، وما أحسن ما خُتِمَتْ به هذه السورةُ من هذه الدعواتِ المجابةِ فذلك من فضل الله على أمةِ محمد ﷺ فللَّه الحمدُ والمِنَّة والمُلْكُ والنعمةُ، لا نُحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه.
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا﴾ تُظهروا ﴿مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من السُّوء والعزمِ عليه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ تُسرُّوه ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾
стр. 661
يُخبركم ﴿بِهِ اللَّهُ﴾ يومَ القيامة ﴿فَيَغْفِرْ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ المغفرةَ له ﴿وَيُعَذِّبْ مَنْ يَشَاءُ﴾ تعذيبَه. والفعلان بالجزم عطفًا على جواب الشرطِ، والرفعُ؛ أَي: فهو. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومنه مُحاسبتكم وجزاؤكم.
﴿آمَنَ﴾ صدَّقَ ﴿الرَّسُولُ﴾ محمَّدٌ ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ من القرآن ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف عليه ﴿كُلٌّ﴾ تنوينه عوضٌ من المضاف إليه ﴿آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ بالجمع والإِفرادِ ﴿وَرُسُلِهِ﴾ يقولون ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فنؤمنُ ببعضٍ ونكفرُ ببعضٍ كما فعل اليهودُ والنصارى. ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا﴾ أَي: ما أُمرنا به، سماعَ قبولٍ ﴿وَأَطَعْنَا﴾ نسألُكَ ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ المرجعُ بالبعث.
ولَمَّا نزلت الآيةُ التي قبلها شكا المؤمنون من الوسوسة، وشقَّ عليهم المحاسبة بها، فنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أَي: ما تَسَعُه قدرتُها ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ من الخير؛ أي: ثوابه ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ من الشرِّ؛ أَي: وِزره. ولا يؤاخذُ أَحدٌ بذنب أَحدٍ ولا بما لم يكسبْه مما وسوست به نفسُه.
قولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ بالعقاب ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ تركنا الصوابَ لا عن عمدٍ، كما آخذت به مَنْ قبلنا، وقد رفعَ اللهُ ذلك عن هذه الأُمَّة كما ورد في الحديث. فسؤاله اعترافٌ بنعمة اللهِ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ أَمرًا يثقل علينا حَملُه ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ أَي: بني إسرائيل؛ من قتل النَّفسِ في التوبة وإِخراجِ ربعِ المالِ في الزكاة وقرض موضعِ النجاسة ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ﴾ قوَّةَ ﴿لَنَا بِهِ﴾ من التكاليف والبلاءِ ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ امحُ ذنوبَنا ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ في الرَّحمة زيادةٌ على المغفرة ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ سيدنا ومتولي أُمورنا. ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ بإقامةِ الحجَّةِ والغَلَبةِ في قتالهم، فإِنَّ من شأَن المولى أَنْ ينصرَ
стр. 662
مواليه على الأَعداء، وفي الحديث: لَمَّا نزلت هذه الآيةُ فقرأها ﷺ قيل له عَقِبَ كلِّ كلمةٍ: ((قد فعلت)).
وقولُ المؤلِّف: (من السُّوء والعزمِ عليه): يبيِّن ما تتعلَّق به المحاسبةُ وقد يستلزم الحسابُ العقابَ، ويدخلُ في ذلك ما يَرِدُ على القلب من الخواطر السيئة وما يُحدِّثُ به الإنسانُ نفسَه من ذلك، وهذا هو الذي أشفقَ الصحابةُ حَرَجًا من محاسبتِهم به حتى جاؤوا إلى النبي ﷺ ، وقالوا: «إن هذه الآيةَ لا نُطيقها» كما تقدَّم في حديث أبي هريرة. وقولُه: (يُخبركم): تفسيرٌ للمحاسبة بالإخبار، وفي هذا التفسير قصورٌ، والمحاسبةُ قد تتضمَّنُ التقريرَ بالذنوب وقد تكون مع مناقشةٍ.
وقولُه: (يومَ القيامة): بيانٌ لوقت الحساب.
وقولُه: (المغفرةَ له): تقديرٌ لمفعولِ ﴿يَشَاءُ﴾.
وقولُه: (تعذيبَه): تقديرٌ لمفعولِ: ﴿يَشَاءُ﴾ الثانية.
وقولُه: (والفعلان بالجزم … ) إلى آخره: يشيرُ إلى أنه قُرِئَ الفعلان ﴿يَغْفِرْ﴾، و ﴿يُعَذِّبْ﴾ بالجزم عطفًا على جواب الشرط (١).
وقولُه: (والرفعُ؛ أَي: فهو): يُشير إلى قراءة الفعلين بالرفع: ﴿يَغْفِرُ﴾، و ﴿يُعَذِّبُ﴾ وعليهِ: فالجملة مُستَأْنَفَة، والفعلان خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٌ قدَّرَهُ المؤلِّف؛ بقوله؛ «أي: فهو».
وقولُه: (ومنه مُحاسبتكم وجزاؤكم): بيانٌ لمناسبة هذه الجملة لما قبلَها.
стр. 663
وقولُه: (صدَّقَ): تفسيرُ الإيمان الشرعيّ بالتصديقِ فقط فيه قصورٌ؛ فإن الإيمان الشرعيَّ تصديقٌ وانقيادٌ واتباعٌ، فيدخل فيه العملُ كما يدلُّ لذلك حديثُ وفدِ عبدِ القيسِ (١) وغيره (٢).
وقولُه: (محمَّدٌ): بيانٌ للمراد بالرسول، ومحمدٌ أشهرُ أسماءِ الرسول ﷺ ، وقد ورد في القرآن أربعَ مراتٍ، والرسولُ عَلَمٌ على نبيِّنا ﷺ بالغَلَبةِ. وقولُه: (من القرآن): بيانٌ للمراد بما أَنزلَ، وأكثر ما يُضاف إليه الإنزالُ والتنزيلُ: القرآن، وقد ورد إضافةُ الإنزال إلى السُّنة في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣].
وقولُه: (عطف عليه): أي: عطف على الرسول، وهذا أحدُ الوجهَين في إعرابِ «المؤمنون»، والوجهُ الثاني: أنه مبتدأٌ والجملة التي بعده خبر (٣).
وقولُه: (تنوينه عوضٌ من المضاف إليه): لأَنَّ المعنى كلّهم آمنَ فصار التنوينُ مكانَ الضميرِ المضافِ إليه.
وقولُه: (بالجمع والإِفرادِ): يُشير إلى أنه قُرئ: «كُتْبٌ» بلفظ الجمع، و «كتابٌ» بلفظ الإفراد (٤)، وذكرَ القراءتين ابنُ جريرٍ ورجَّحَ القراءة بالجمع بضمِّ الكاف والتاء (٥).
стр. 664
وقولُه: (يقولون): تقديرٌ لقول المحذوف العامل في ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾.
وقولُه: (فنؤمنُ ببعضٍ ونكفرُ ببعضٍ … ) إلى آخره: بيان لمعنى: التفريقِ بين الرسل بأنه الإيمان ببعضٍ دونَ بعضٍ كما فعل أهلُ الكتاب.
وقولُه: (أَي: ما أُمرنا به، سماعَ قبولٍ): يُبيّن أَنَّ نوع السماعِ في هذه الآية سماعُ القبولِ والاستجابةِ، وأنه ليس المراد مجرَّد سماعِ الصوت.
وقولُه: (نسألُكَ): هذا تقديرٌ للفعل الناصب لغفران.
وقولُه: (المرجعُ بالبعث): تفسيرٌ للمصير وأنَّ ذلك يكون بالبعث يوم القيامة.
وقولُه: (ولمَّا نزلت … ) إلى آخره: بيانٌ لسببِ نزولِ هذه الآية: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقولُه: (ما تَسَعُه قدرتُها): معناه: ما تقدرُ عليه بلا مشقّةٍ ولا حرجٍ، فإضافةُ الوُسْعِ إلى النفسِ من إضافة الصفةِ إلى الموصوف.
وقولُه: (من الخير؛ أي: ثوابه): يُفيد أن المعنى: لها ثواب ما كسبت من الخير.
وقولُه: (من الشرِّ … ) إلى آخره: المعنى: وعلى النفسِ عقوبةُ ما اكتسبَتْ من الشرِّ لا على غيرِها كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقولُه: (ولا بما لم يكسبْه مما وسوست به نفسُه): معناه: لا يُؤاخَذُ أحدٌ بما تُوسوِسُ به نفسُه من الشرّ ما لم يعملْ به في قوله ﷺ : ((إنَّ اللهَ تجاوزَ عن أُمَّتي ما حدَّثتْ به أنفسَها ما لم تعملْ أو تتكلَّم)) (١).
وقولُه: (قولوا): فيه بيانٌ أن هذه الدعوات مقولُ قولٍ محذوفٍ قدَّره المؤلِّف: «قولوا» وعلى هذا فهذه الدعوات قالها المؤمنون بتعليمٍ من الله وإرشادٍ لهم.
стр. 665
وقولُه: (بالعقاب): هذا ما يقتضيه معنى: المؤاخذةِ؛ فالمؤاخذةُ؛ هي: المجازةُ على الذنبِ بما يقتضيه فعلُه.
وقولُه: (تركنا الصواب … ) إلى آخره: يبيّن المؤلِّف أن تركَ الصواب من القولِ والعملِ يكون عمدًا ويكون نسيانًا وخطأً، والمطلوب: في هذا الدعاء عدمُ المؤاخذة بالنسيان والخطأ، وهذا الذي بشَّرَ به النبيُّ ﷺ بقوله: ((إنَّ اللهَ تجاوزَ لي عن أُمَّتي الخطأَ والنسيانَ وما استُكرهوا عليه)) (١)، وجاء في الحديث القدسيِّ أنَّ الله قال بعد كلِّ دعوةٍ: ((نعم، قد فعلتُ))، فكل هذه الدعوات مستجابةٌ، وكلُّ مَنْ دَعا بها فهو موعودٌ بالاستجابة.
وقولُه: (فسؤاله اعترافٌ بنعمةِ الله) معناه: أن الدعاءَ بهذا الدعاءِ إيمانٌ بنعمة الله على هذه الأمة وهي: تركُ المؤاخذة بالخطأ والنسيان.
стр. 666
وقولُه: (أمرًا يثقُل علينا حَملُه): هذا تفسير «الإصرِ» في الآية، وأصلُ الإصرِ: الحِملُ الثقيلُ (١)؛ المعنى: لا تفرض علينا ما يشقّ العمل به وقد تحقق ذلك بقوله تعالى: ((قد فعلتُ)).
ومن صفات نبيِّنا في التوراة والإنجيل أنه يضعُ الإصرَ الذي كان في الشرائع السابقة.
وقولُه: (مَنْ قتل النَّفسِ في التوبة … ) إلى آخره: هذه ثلاثة أمثلةٍ من الآصار التي كانت محمولةً على مَنْ قبلنا، وهم: بنو إسرائيل، وقتلُ النفس في التوبةِ مذكورٌ في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، وأما إخراجُ ربعِ المال في الزكاةِ وقرضُ موضعِ النجاسةِ فلعلَّهُما مذكورانِ في التوراة (٢).
وقولُه: (من التكاليف والبلاءِ): يبيِّن أن ما لا قوةَ عليه ولا يُطاقُ قد يكون في بعض التكاليفِ الشرعيَّة وقد يكون في المصائبِ التي يُبتلى بها العبد.
وقولُه: (سيدنا ومتولي أُمورنا): تفسيرٌ لـ ﴿مَوْلَانَا﴾ والمولى؛ بمعنى: الوليّ، والله وليُّ المؤمنين، وقال يوسف ﵇: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠١].
وقولُه: (بإقامة الحُجة … ) إلى آخره: فيه أن النصرَ يكون بالحجةِ واللسانِ والسيفِ والسِّنانِ، وفيه أن النصرَ على الأعداء من مقتضياتِ الولاية، ولهذا رتَّبتْ هذه الدعوة بالفاء على قوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾.
وقولُه: (وفي الحديث … ) إلى آخره: يشيرُ إلى حديثِ أبي هريرة الذي رواه مسلمٌ، وقد تقدَّم.
стр. 667
قائمة المصادر والمراجع
(أ)
١. الإبانة الكبرى، ابن بطة العكبري، دار الراية للنشر والتوزيع - الرياض.
٢. الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، تحقيق مركز الدراسات القرآنية - مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، سنة النشر: ١٤٢٦ هـ.
٣. اجتماع الجيوش الإسلامية، ابن قيم الجوزية، تحقيق عواد عبد الله المعتق، مطابع الفرزدق التجارية - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.
٤. أحكام القرآن، أحمد بن علي الجصاص الحنفي، تحقيق محمد صادق القمحاوي، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٥. أحكام القرآن، محمد بن عبد الله بن العربي، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.
٦. أحكام القرآن، علي بن محمد إلكيا الهراسي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.
٧. الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، تحقيق عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي - بيروت - دمشق - لبنان.
٨. الأذكار، يحيى بن شرف النووي، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان.
٩. إرشاد الفحول، الشوكاني، تحقيق أبي حفص سامي العربي، دار الفضيلة - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.
١٠. إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم = تفسير أبي السعود، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
١١. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.
١٢. أسباب نزول القرآن، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، تحقيق عصام بن عبد المحسن الحميدان، دار الإصلاح - الدمام، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.
стр. 668
١٣. الأسماء والصفات، أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق عبد الله الحاشدي، مكتبة السوادي - جدة - السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.
١٤. اشتقاق أسماء الله، عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، تحقيق د. عبد الحسين المبارك، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.
١٥. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع - مكة المكرمة - المملكة العربية السعودية.
١٦. إعراب القرآن، أبو جعفر النَّحَّاس، تعليق عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.
١٧. إعراب القرآن وبيانه، محيي الدين بن أحمد درويش، دار الإرشاد للشئون الجامعية - حمص - سورية، دار اليمامة - دمشق - بيروت، (دار ابن كثير - دمشق - بيروت)، الطبعة الرابعة، ١٤١٥ هـ.
١٨. الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشرة، ٢٠٠٢ م.
١٩. إعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية، تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.
٢٠. آكام المرجان في أحكام الجان، محمد بن عبد الله الشبلي، تحقيق إبراهيم محمد الجمل، مكتبة القرآن - مصر - القاهرة.
٢١. الانتصار لأهل الأثر، ابن تيمية، تحقيق عبد الرحمن بن حسن قائد، دار عالم الفوائد - مكة المكرمة.
٢٢. أنوار التنزيل وأسرار التأويل = تفسير البيضاوي، عبد الله بن عمر البيضاوي، تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.
٢٣. إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، إسماعيل بن محمد أمين البغدادي، دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان.
٢٤. إيضاح الوقف والابتداء، أبو بكر الأنباري، تحقيق محيي الدين عبد الرحمن رمضان، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، عام النشر: ١٣٩٠ هـ - ١٩٧١ م.
стр. 669
٢٥. الإيمان، ابن تيمية، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، عمان - الأردن، الطبعة الخامسة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.
٢٦. الإيمان الأوسط = شرح حديث جبريل، ابن تيمية، تحقيق علي بن بخيت الزهراني، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع - المملكة العربية السعودية، عام النشر: ١٤٢٣ هـ.
(ب)
٢٧. البحر الزخار =مسند البزار، أحمد بن عمرو البزار، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله، وعادل بن سعد، وصبري عبد الخالق الشافعي، مكتبة العلوم والحكم - المدينة النبوية، الطبعة الأولى.
٢٨. البحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، دار الكتبي، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.
٢٩. البحر المحيط في التفسير، أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي، تحقيق صدقي محمد جميل، دار الفكر - بيروت، طبعة ١٤٢٠ هـ.
٣٠. بدائع الفوائد، ابن قيم الجوزية، تحقيق علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد.
٣١. البرهان في علوم القرآن، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركائه، الطبعة الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م.
٣٢. بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية - لبنان - صيدا.
٣٣. البداية والنهاية، ابن كثير، تحقيق عبد الله عبد المحسن التركي، دار هجر، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.
٣٤. البدر المنير في تخريج الشرح الكبير، ابن الملقن، تحقيق مصطفى أبو الغيط وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال، دار الهجرة للنشر والتوزيع - الرياض، السعودية - الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.
٣٥. بيان الوهم والإيهام، ابن القطان الفاسي، تحقيق د. الحسين آيت سعيد، دار طيبة - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.
стр. 670
٣٦. بيان تلبيس الجهمية، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.
(ت)
٣٧. تاج العروس من جواهر القاموس، المرتضى الزبيدي، دار الهداية.
٣٨. التاج والإكليل لمختصر خليل، محمد بن يوسف المواق، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٤ م.
٣٩. تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، تحقيق د. بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.
٤٠. تاريخ الرسل والملوك، ابن جرير الطبري، دار التراث - بيروت، الطبعة الثانية - ١٣٨٧ هـ.
٤١. التبيان في إعراب القرآن، أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري، تحقيق علي محمد البجاوي، عيسى البابي الحلبي وشركاه.
٤٢. التبيان في تفسير غريب القرآن، أحمد بن محمد ابن الهائم، تحقيق د. ضاحي عبد الباقي محمد، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى - ١٤٢٣ هـ.
٤٣. تحرير ألفاظ التنبيه، يحيى بن شرف النووي، تحقيق عبد الغني الدقر، دار القلم - دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.
٤٤. التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر - تونس، ١٩٨٤ م.
٤٥. الترغيب والترهيب، عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، تحقيق مصطفى محمد عمارة، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م.
٤٦. التسهيل لعلوم التنزيل = تفسير ابن جزي، ابن جزي الكلبي الغرناطي، تحقيق د. عبد الله الخالدي، دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.
٤٧. التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهت أسمائه وتصرفت معانيه، يحيى بن سلام، تحقيق هند شلبي، الشركة التونسية للتوزيع، عام النشر: ١٩٧٩ م.
٤٨. التعريفات، علي بن محمد الجرجاني، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.