وقولُه: (إبطالًا): هذا مصدرٌ مُبيِّنٌ للنوعِ، قَدَّرهُ المؤلِّفُ ليكون هو المشبّه، والكافُ صفةٌ له؛ فالمعنى: لَا تُبْطِلُوا صدقاتكم إبطالًا مثلَ إبطالِ نفقةِ الذي يُنفقُ مالَه رِئاءَ النَّاسِ. وقولُه: (مرائيًا لهم): جعلَ المصدرَ في موضع الحال، ويُحتمَلُ أنه مفعولٌ لأجله (١).
وقولُه: (وهو المنافقُ): لأَنَّ هذا الوصفَ لا ينطبقُ إلا على المنافقِ دونَ مَنْ يُرائي وهو من المؤمنين.
وقولُه: (حجر أَملس): هذا بيانٌ لمعنى: الصَّفوان.
وقولُه: (مطرٌ شديدٌ): بيانٌ لمعنى الوابلِ، ومعنى شديد؛ أي: شديدُ الوَقْعِ على الأرض وغزيرٌ يجري في الأرض الصَّلبةِ.
وقولُه: (صَلبًا … ) إلى آخره: تفسيرٌ للصَّلد بثلاثةِ أمورٍ؛ بالصَّلابةِ، والمُلوسةِ، وخُلُوِّه عمَّا يُغطِّيه من نباتٍ أو ترابٍ (٢).
وقولُه: (استئنافٌ): إِمَّا أنَّ الجملةَ مُستَأنفةٌ فهو ظاهرٌ، وأما قولُه: (لبيان مثل المنافقِ المنفق رياءً) فليس بظاهرٍ؛ فإن مَثل المنافقِ قد تقدَّمَ قبل الجملةِ المستَأنَفةِ، ولو قال: لبيانِ عاقبةِ المنافقِ الذي ينفقُ رياءً لكانَ أَسَدَّ وأنسبَ.
وقولُه: (وجُمِعَ الضميرُ … ) إلى آخره: يريد: الواو في قوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾. وقولُه: (باعتبارِ معنى: «الذي»): يريد: الموصولَ في قوله: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ﴾؛ فإنَّ لفظَهُ مفردٌ ومعناهُ جمعٌ؛ لأنَّ المرادَ به الجنس، وهذا معنى قوله: (باعتبار معنى: «الذي»).
وقولُه: (عملوا … ) إلى آخره: بيانٌ لوجهِ الشبه بين عملِ المُنْفِق رياءً والصفوانِ، وكلامُ المؤلِّف واضحٌ.
* * *
стр. 597
وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥]:
هذا مَثلٌ آخر ضربَهُ اللهُ لنفقةِ مَنْ يُنفقُ في سبيل اللهِ، والمثلُ الأول في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾، ومعنى المثَل هو: الصِّفةُ؛ المعنى: وصفةُ نفقةِ ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ﴾؛ أي: طلبًا لرضاهُ وتسليةً من أنفسِهم؛ أي: تصديقًا ويقينًا، وقيل: تثبتًا، وضَعَّفَ ذلك ابنُ جريرٍ ورجَّحَ الأولَ (١).
وقولُه: ﴿كَمَثَلِ﴾: أي: كصفةِ ﴿جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾؛ أي: في مُرتَفعٍ من الأرض (٢).
﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾: أي: نزلَ عليها مطرٌ غزيرٌ سقاهَا فَأَرْوَاها.
﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾: أي: فأثمرتْ ثمرَها ضِعفين؛ أي: مثلَ ثمرِها في العادة مرَّتين، أو مثلَ ثمرِ أمثالِهَا من الجنَّاتِ مرتينِ.
وقولُه: ﴿فَإِنْ لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾: أي: إنْ لم يُصبها مطرٌ شديدٌ أصابَها طَلٌّ، وهو المطرُ الخفيفُ (٣)؛ المعنى: أنها لا تَعدمُ ما يَسقيها، فإمَّا وابلٌ وإمَّا طَلٌّ، وهذا التفاوتُ في المشبَّه به راجعٌ إلى التفاوت في المشبَّه؛ وهي: نفقةُ المنفقين في سبيلِ الله، فمنهم مَنْ يكونُ أكملَ إخلاصًا وسخاءً وأكثرَ بذلًا وأعظمَ تصديقًا ويقينًا فتُضاعفُ صدقتُه بحسبِ ذلكَ، ومنهم مَنْ يكون دون ذلك فيما تقدَّم فيَنزلُ عن درجته، ولهذا قال ابنُ القيِّم ﵀: إنَّ المنفقينَ على درجتين: سابقين مُقرَّبينَ، وأبرارٌ أصحابُ يمينٍ (٤)، وبنى على ذلك التفاوتَ في سقي الجنةِ التي بربوةٍ، وهي: المشبَّهُ به، وهذا التشبيهُ في هذه الآيةِ مثل ما
стр. 598
سبقَهُ في المثلَين السابقينِ كلّها من قَبيلِ التشبيهِ التمثيليِّ الذي يُراعَى فيه تشبيهُ جملةٍ بجملةٍ أو هيئةٍ بهيئةٍ كما تقدَّم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٦٥)﴾: أي: بما تعملون عليمٌ علمًا تامًّا بجميعِ أعمالِهِ وأسبابِهَا، وغاياتِها محمودةً أو مذمومةً، وآثارِها حسنةً أو سيئةً، نافعةً أو ضارَّةً، فعلمُ اللهِ محيطٌ بذلك كلِّه، ثم يجزي كُلًّا بعملِه إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شرًا فَشَرٌّ، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم: ٣١]، ففي قوله: ﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٦٥)﴾ وعدٌ ووعيدٌ، وعدٌ للمنفقينَ المخلصينَ الصادقينَ، ووعيدٌ للمُرائينَ والمُتْبِعينَ صدقاتهم المَنَّ والأذى.
﴿وَمَثَلُ﴾ نفقاتِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ﴾ طَلبَ ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: تحقيقًا للثواب عليه، بخلاف المنافقين الذين لا يرجونه لإنكارهم له، و «من»: ابتدائية ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ بستانٍ ﴿بِرُبْوَةٍ﴾ بضمِّ الراءِ وفتحِها: مكانٍ مرتفعٍ مستوٍ ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ﴾ أَعطت ﴿أُكُلَهَا﴾ بضمِّ الكاف وسكونِها: ثمرَها ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ مِثلَي ما يُثمرُ غيرها ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ مطرٌ خفيفٌ يُصيبُها ويكفيها لارتفاعها. المعنى: تُثمرُ وتزكو كَثُرَ المطرُ أم قلَّ، فكذلك نفقات مَنْ ذكر، تزكو عند الله كثُرت أم قلَّت ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيُجازيكم به.
وقولُ المؤلِّف: (نفقاتِ): بيانٌ للمُشبَّهِ على أحد القولينِ، وقيل: المشبَّهُ هو الموصولُ ﴿الَّذِينَ﴾، ومَن يقولُ ذلك يُقدِّرُ في المشبَّهِ به: «كَمَثَلِ صاحبِ جَنَّةٍ» (١).
стр. 599
وقولُه: (طلبَ): يقتضي أنَّ ﴿ابْتِغَاءَ﴾ مفعولٌ لأجلِه.
وقولُه: (أي: تحقيقًا للثوابِ … ) إلى آخره: يريد: احتسابًا للثوابِ الذي وعدَ اللهُ به المنفقينَ ابتغاءَ مرضاتِ الله.
وقولُه: (و «مِنْ»: ابتدائيةٌ): يُبيِّنُ أنَّ تثبيتَهم -وهو تصديقُهم ويقينُهم عند الإنفاقِ- حاصلٌ بمجاهدةٍ من أنفسِهم.
وقولُه: (بستانٍ): بيانٌ لمعنى الجنةِ، ولكن اسم «الجنةِ» يدلُّ على أنها البستانُ كثيرُ الأشجارِ بحيث يسترُ مَنْ فيه، فالجنةُ أخصُّ من البستان، فكلُّ جنةٍ بستانٌ وليسَ كلُّ بستانٍ جَنَّةٌ. وقولُه: (بضمِّ الراءِ وفتحِها): يشيرُ إلى أنَّ فيها لغتينِ وقراءتينِ (١).
وقولُه: (مكانٍ مرتفعٍ مستوٍ): تفسيرٌ للرَّبوةِ، والجنةُ في الربوةِ أطيبُ ما تكونُ ثمرًا وأكثرُهُ؛ لِبُروزها للشمسِ والرياحِ.
وقولُه: (أعطَتْ): هو معنى: «آتَتْ»، والإيتاءُ والإعطاءُ يُضافُ إلى الجنة وإلى الشجرة، فقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] معناه: تُخرِجُ ثمرَها، وذلك بإذنِ الله ومشيئتِهِ.
وقولُه: (بضمِّ الكافِ وسكونِها): يشيرُ إلى اللغتين في «أُكُل» وقد قُرِئ باللُّغتَين (٢).
стр. 600
وقولُه: (ثمرَها): تفسيرُ ﴿أُكُلَهَا﴾، وهو كلُّ ثمرٍ مأكولٍ كالتمرِ والعنبِ وغيرهما.
وقولُه: (مِثلَي ما يُثمرُ غيرُها): ضعفُ الشيءِ: مثلُهُ، وضعفاهُ: مِثْلاه؛ فمعنى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ أي: أثمرتْ مثل ثمرِ غيرها مرَّتين، وهذا في صفة المشبَّهِ به، فيقتضي أنَّ المُشبَّهَ وهو نفقةُ المُخلِص يثابُ عليها مثلَ ما يُثابُ غيرُه مرتين، وبذلك يظهرُ وجهُ الشَّبهِ.
وقولُه: (مطرٌ خفيفٌ … ) إلى آخره: تضمَّنَ تفسيرَ الطَّلِّ بأنه المطرُ الخفيفُ، وبيان أنَّ هذه الجنة يزكو ثمرُها إنْ أصابَها وابلٌ أو طَلٌّ. ثم يُبيِّنُ وجهَ الشبهِ بين المشبَّهِ والمشبَّهِ به بقوله: (فكذلك نفقات مَنْ ذكر، تزكو عند الله كثُرت أم قلَّت).
وقولُه: (مَنْ ذُكر): أي: مَنْ ذُكر في أول الآية، وهم ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أموالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
وقولُه: (فيُجازيكم به): يُنبِّه على أنَّ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيه الإشارةُ إلى الجزاء وعدًا ووعيدًا.
* * *
стр. 601
وقوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون (٢٦٦)﴾ [البقرة: ٢٦٦]:
الخطابُ في هذه الآيةِ للمؤمنينَ؛ فإنَّ معناها مُتَّصلٌ بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، والاستفهامُ إنكاريٌّ معناه: النفيُ، ومُتضمِّنٌ للتقريرِ؛ فالمعنى: لا يحبُّ أحدٌ منكم أنْ تكون لهُ هذه الجنة مع ما ذُكِر من مصيرها، وما ذُكر من ضعفِ صاحبِها وضعفِ ذريتِه، وهذه الجنةُ مثلٌ ضربَه اللهُ لِمَنْ عملَ عملًا صالحًا يستحقُّ عليه الثوابَ، ثم أبطله بقولٍ أو فعلٍ مما يبطلُ الأعمالَ كالمَنِّ والأذى في الصدقةِ، وبهذا يظهرُ اتصالُ هذه الآيةِ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم … ﴾ الآيةَ.
وأعظمُ ما ينطبقُ عليه هذا المثلُ مَنْ أمضى عمرَهُ في طاعة الله وعند الموتِ ارتدَّ عن الإسلام فأبطلَ كلَّ ما مضى منه من أعمالٍ صالحةٍ، وهذا معنى ما جاء عن ابن عباس، وعن عمرَ ﵃ في تفسير الآية (١).
وقولُه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ﴾: أي: من تحت أشجارِها. وقولُه: ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: أي: من أنواع الثمارِ، وهو يدلُّ على أنَّ في هذه الجنةِ أنواعَ الأشجارِ ذاتِ الثمرِ، وخصَّ النخلَ والعنبَ بالذكر؛ إما: لكثرتِهِما فيها، وإما لفضلِهما على سائر الشجرِ لكثرةِ منافعِهما (٢).
وقولُه: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾: الواو واو الحال؛ أي: وقد أصابَه الكِبرُ فهو عاجزٌ عن الكسب. ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء﴾: هم عاجزون كذلك، و ﴿ضُعَفَاء﴾:
стр. 602
جمعُ ضعيفٍ، ويُجمَعُ على ضِعَافٍ، والإعصارُ: هي الريحُ الشديدةُ الباردةُ، وقيل: ريحٌ شديدةٌ فيها سمومٌ (١)، وهو ما يدلُّ عليه قوله: ﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾؛ أي: احترقَتْ أشجارُ الجنةِ وثمارُها فلم يبقَ فيها نفعٌ لصاحبِها مع ما هو عليه من عجزِه وعجزِ ذريتِهِ فذهب عملُهُ فيها وما أنفقَه في غرسها وإصلاحها باطلًا وخسرَ خسرانًا مُبينًا.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾: أي: مثلُ هذا البيانِ والتفصيلِ للآياتِ السابقةِ يُبيِّنُ سائرَ الآياتِ من كتابه.
وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون (٢٦٦)﴾: «لعلَّ»: للتعليل؛ فالمعنى: بيَّنَ لكم الآياتِ لِتتفكَّروا فيها وتتدبَّروها فتَفهموها وتهتدوا بها.
﴿أَيَوَدُّ﴾ أَيحبُّ ﴿أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستانٌ ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا﴾ ثمرٌ ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَ﴾ قد ﴿أَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ فضعفَ من الكبر عن الكسب ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾ أولادٌ صغارٌ لا يقدرون عليه ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ ريحٌ شديدةٌ ﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ ففقدها أَحوج ما كان إليها، وبقي هو وأولادُه عجزةً مُتحيِّرين لا حيلةَ لهم. وهذا تمثيلٌ لنفقة المرائي والمانِّ في ذهابها وعدمِ نفعها أَحوج ما يكون إليها في الآخرة. والاستفهامُ بمعنى النفي. وعن ابن عباس: هو لرجلٍ عملَ بالطاعات ثم بعثَ له الشيطانُ فعمل بالمعاصي حتى أَحرقَ أَعمالَه ﴿كَذَلِكَ﴾ كما بين ما ذُكِر ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ فتعتبرون.
стр. 603
وقولُ المؤلِّف: (أَيحبُّ): قيل: المودّةُ: خالصُ المحبةٍ (١)، وقيل: الودُّ: محبةُ الشيءِ مع تَمنِّيه (٢). وقولُه: (بستانٌ): أي: بستانٌ كثيرُ الأشجارِ.
وقولُه: (ثمرٌ): هو تقديرٌ للمبتدأِ، وخبرُه: الجارُّ والمجرورُ ﴿لَهُ﴾.
وقولُه: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: صفةٌ للمبتدأِ المقدَّرِ.
وقولُه: (قد): يريدُ «وقد أصابَه الكِبَرُ»، فالجملةُ حالٌ.
وقولُه: (فضعفَ … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الكِبر: حالةُ ضعفٍ يعجزُ معها الإنسانُ عن الكسبِ الذي يُغنيهِ عن الحاجة إلى الغير.
وقولُه: (أولادٌ صغارٌ … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ بالذرية الصِّغارِ لقوله: ﴿ضُعَفَاءُ﴾؛ لأنَّ الصِّغر حالةُ ضعفٍ لا يتهيأُ معه الكسبُ.
وقولُه: (ريحٌ شديدةٌ): قيل: باردةٌ شديدةُ البردِ، وقيل: سمومٌ، ويؤيدُ هذا قوله: ﴿فِيهِ نَارٌ﴾. وقولُه: (ففقدَها … ) إلى آخره: بيانٌ لعِظَم المصيبةِ بما أصابَ الجنةَ مع ما عليه صاحبُها من ضعفه وضعفِ ذريتِه، فلم يبقَ لهُ مع هذه الحال نفعٌ من جنَّته، ويُبيِّنُ المؤلِّفُ وجهَ الشبهِ بين مَنْ أبطلَ صدقتَه وعملَه الصالح فلم يجدْ له ثوابًا في الآخرة وصاحبِ هذه الجنةِ. وقولُه: (والاستفهامُ بمعنى: النَّفي): يريد: الاستفهام في أول الآيةِ.
وقولُه: (وعن ابنِ عباسٍ … ) إلى آخره: هذا الأثرُ رواهُ البخاريُّ (٣)، وهو من أحسنِ ما تُفسَّر به هذه الآيةُ، وقد أحسنَ المؤلِّفُ بنقله.
وقولُه: (ما ذُكِر): بيانٌ لمرجع الإشارةِ في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾.
وقولُه: (فتعتبرون): بيانٌ للغاية من التفكُّرِ.
* * *
стр. 604
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيد (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧]:
لَمَّا رغَّب تعالى في الآيات السابقة في الإنفاق في سبيله وحذَّر من كلِّ ما يُبطل الصدقات من المنِّ والأذى والرياء وضربَ الأمثال لذلك؛ أَمرَ تعالى عبادَه المؤمنين في هذه الآية بالإنفاق من الطيبات مما اكتسبوه بالتجارة وغيرِها، ومما أَخرجَ لهم من الأرض من الحبوب والثِّمار، ونهاهم تعالى عن قصد الخبيثِ من المال -وهو: الرديءُـ عند قصْدِ الإنفاق، فبيَّن تعالى ما ينبغي الإنفاق منه وهو الطيِّب؛ أي: الجيد من أنواع المال، وما لا ينبغي قصْدُه في الإنفاق وهو الخبيث، وأَكَّد تعالى هذا النهيَ بأنَّ اختيارَ الرديءِ فيما تنفقونه لله لا يليقُ بكم، وأنتم لا تختارونَه لأَنفسكم؛ بل لا تقبلونه لو أُهديَ إليكم إلَّا على إغماض؛ أي: إلَّا على كراهةٍ وحياءٍ ممن أَعطاكُموه؛ وهو ما يُعبَّرُ عنه بالمجاملة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾.
ثم أَعلمَ تعالى عبادَه بأنه غنيٌّ عن نفقاتهم، فلم يأمرْ بالإنفاق في سبيله من الطِّيبات لحاجتِه إلى ذلك؛ بل ليُظهر ما في قلوب المؤمنين من تقوى اللهِ والتصديق بوعده كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
وهو الحميد؛ أي: المحمودُ على جميع أفعالِه وتدبيرِه في شرعه وقَدَره؛ وذلك لكمال حكمته، فله الحمدُ كلُّه، ولهذا جمعَ تعالى في تعليمه لعباده بين هذين الاسمين «الغني الحميد»؛ فقال: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيد (٢٦٧)﴾، ويُحتمل أَنَّ «حميد» بمعنى: حامد، وهذا معنى صحيحٌ؛ لأَنَّه تعالى يُثني على عباده المؤمنين وعلى المنفقين ويُضاعفُ لهم الأُجور؛ فيكون معنى ﴿حَمِيد﴾
стр. 605
قريبًا من معنى ﴿شَكُور﴾؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُور (٣٠)﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠].
واختلف المفسرون في الإنفاق المأمور به في الآية؛ فقيل: هو الزكاةُ، وقيل: صدقةُ التطوع، وظاهرُ الآية العمومُ؛ كقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون (٣)﴾ [البقرة: ٣]، يشمل النفقةَ الواجبةَ والمستحبةَ (١).
وقد استُدلَّ بالآية على وجوب الزكاةِ في عروض التجارة؛ لقوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، وعلى وجوب الزكاةِ في الخارج من الأرض من قوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾، فأَمَّا عروضُ التجارةِ فذهب جمهورُ العلماءِ على وجوب الزكاةِ فيها (٢)، وهي: كلُّ ما أُعِدَّ للبيع وطُلِبَ به الرِّبحُ، وذهبت الظاهريةُ إلى عدم وجوب الزكاةِ في العروض (٣).
وأَمَّا الخارجُ من الأرض؛ ففي وجوبِ الزكاةِ فيه مذاهب (٤)؛ فقيل: تجبُ الزكاةُ في كلِّ خارجٍ من الأرض؛ من الحبوب والثمارِ والفواكهِ والخضرواتِ؛ لعموم الآية.
وقيل: يختصُّ وجوبُ الزكاة بما يُوسَقُ من الحبوب والثمار؛ كالتمر والعنب والبر والشعير؛ لقوله ﷺ : ((ليس فيما دونَ خمسةِ أَوْسُقٍ من حب أو ثمر صدقةٌ)) (٥).
стр. 606
وقيل: لا تجبُ الزكاةُ إلَّا في أربعة التمر والزبيب والبر والشعير؛ لحديث أبي موسى ومعاذ وفيه أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((لا تأخذوا الصدقةَ إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر)) (١)، وأَدخل بعضُ المفسِّرين في عموم: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ﴾ المعدنَ والرِّكازَ؛ فأَوجب فيهما الزكاةَ من هذه الآية، ويدلُّ لوجوب الزكاةِ في الرِّكازِ قولُه ﷺ : ((وفي الرِّكازِ الخُمسُ)) (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا﴾ أَي: زكُّوا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ جِياد ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ من المال ﴿وَمِـ﴾ ن طيبات ﴿مَا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ من
стр. 607
الحبوب والثمار ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ تقصدوا ﴿الْخَبِيثَ﴾ الرديءَ ﴿مِنْهُ﴾ أَي: من المذكور ﴿تُنْفِقُونـ﴾ هـ في الزكاة: حالٌ من ضمير «تيمَّموا» ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أَي: الخبيثَ لو أُعطيتموه في حقوقكم ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ بالتساهلِ وغضِّ البصرِ. فكيف تؤدُّون منه حقَّ اللهِ؟ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن نفقاتكم ﴿حَمِيدٌ﴾ محمودٌ على كلِّ حالٍ.
وقولُ المؤلِّف: (أي: زكوا): هذا أَحدُ الأقوال في معنى الأمر في هذه الآية؛ وهو أَنَّ المرادَ إِخراجُ الزكاةِ المفروضة. وقيل: المرادُ بالأمر صدقةُ التطوع. وقيل: إِنَّ الأمرَ يَعمُّهما، وهذا أَظهرُ؛ لإطلاقِ الأمرِ بالإنفاق؛ قال ابنُ جرير في تأويل قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا﴾: «زكُّوا وتصدَّقوا» (١).
وقولُه: (جِياد): جمعُ جيِّد، وذكره بلفظ الجمعِ مراعاةً للفظ الطيباتِ، والجيدُ والطيِّبُ: هو المستحسنُ المرضيُّ، خلافَ الرديء.
وقولُه: (من المال): يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ الإنفاقُ من الطيِّب من أنواع المال.
وقولُه: (﴿وَمِـ﴾ ن طيبات): يُبيِّنُ أَنَّ قولَه: ﴿مَا أَخْرَجْنَا﴾ معطوفٌ على قولِه: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾؛ إذن: فهو على تقدير: ومن طيباتِ ما أَخرجنا كما قدَّره المؤلِّف.
وقولُه: (من الحبوب والثمار): بيانٌ للمُراد بالمخرج من الأرض والحبوب والثمار هي أَكثرُ وأَشهرُ ما يمتنُّ اللهُ على عباده بإِخراجه كما في سورة الأنعام والنحل وغيرهما، ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ [فاطر: ٢٧]، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ٩ - ١٠].
стр. 608
وقولُه: (تقصدوا): تفسيرٌ لـ ﴿تَيَمَّمُوا﴾، وأَصلُه تتيمموا، حُذفت منه إحدى التاءين، ويُقال في الماضي: يمَّم كذا، وتيمَّم؛ أي: قصدَ ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]؛ أي: اقصدوا.
وقولُه: (الرديء): تفسيرٌ للخبيث، وهذا في مقابل الطيبات، فأَمرَ بالإنفاق من الطيبات ونهى عن قصد الإِنفاقِ من الخبيث.
وذُكر بسبب نزولِ هذه الآيةِ أَنَّ بعضَ الصحابةِ لَمَّا أَمر اللهُ بالإنفاق علَّقوا قنوان في المسجد للفقراء، فعلَّقَ بعضُهم قنو حشف (١) فأَنزل الله هذه الآية (٢)، وقيل: الخبيثُ هو الحرامُ (٣)، والطيِّبُ هو الحلالُ، وهذا معنىً صحيحٌ، ولكنْ تفسيرُ الطيِّبِ والخبيثِ في الآية بذلك لا يُناسبُ السِّياقَ (٤) إذا عُلم أَنَّ الأصلَ في مال المسلمِ أَنَّه من الحلال.
وسببُ نزولِ الآية يُرجِّحُ القولَ الأَوَّل وهو قولُ الجمهور.
وقولُه: (من المذكور): يُبيِّنُ أَنَّ الضميرَ في ﴿مِنْهُ﴾ يعود على الخبيث المذكور قبل. وقولُه: (حالٌ من ضمير «تيمموا»): معناه: أَنَّ جملةَ ﴿تُنْفِقُونَ﴾ في موضع نصبٍ على الحال من الواو في قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾؛ فالتقدير: ولا تيمَّموا الخبيثَ مُنفقين منه؛ أي: قاصدين الإنفاقَ منه؛ أَي: من الخبيث خاصَّة كما يدلُّ عليه تقديمُ الجار والمجرور.
стр. 609
وقولُه: (أَي: الخبيث … ) إلى آخره: بيانٌ لمرجع الضمير المجرور في قوله: ﴿آخِذِيهِ﴾؛ المعنى: لا تقبلون الخبيثَ لو أُعطيتم حُقوقَكم منه، أَوْ أُهديَ إليكم منه.
وقولُه: (بالتساهل … ) إلى آخره: بيانٌ لمعنى الإغماضِ؛ وهو التساهلُ والمجاملةُ في أَخْذ الحقِّ مع ما فيه من العيب لهم بأَنْ رَضوا للهِ ما لا يرضون به لأنفسهم.
وقولُه: (عن نفقاتكم): خصَّ النفقات بالذكر مراعاةً لسياق الآياتِ، وإِلَّا فاللُه غنيٌّ عن جميع طاعات العبادِ.
وقولُه: (محمودٌ على كلِّ حال): هذا أَحدُ الوجهين في معنى «الحميد»، وقيل بمعنى: حامد، والأَوَّلُ أَظهرُ وأَشهرُ.
* * *
стр. 610
وقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (٢٦٨)﴾ [البقرة: ٢٦٨]:
لَمَّا أَمر اللهُ بالإنفاق في سبيله ورغَّب في ذلك وأَمرَ بالإنفاق من طَيِّبِ المالِ؛ حذَّرَ سبحانه من العدوِّ الذي يأمرُ بضدِّ ما أَمر اللهُ به، ويعدُ بضدِّ ما يعدُ اللهُ به؛ وهو الشيطانُ إبليس وذريته وأَتباعه؛ فقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ يعني: يُخوِّفكم الفقرَ إذا أَنفقتم أَموالَكم. ﴿وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء﴾؛ قيل: هي البخلُ، وقيل: المعاصي عامَّة (١).
﴿وَاللّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾: مغفرةً لذنوبكم مما يحصل من التفريط بما أَوجب عليكم، ويَعدكم فضلًا؛ أي: ثوابًا وزيادةً في أموالكم بما يُخلفه لكم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِين (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩]، وفي هذا تحذيرٌ من طاعة الشيطانِ فيما يأمرُ به، وترغيبٌ في الإِنفاق مع حُسْنِ الظنِّ بالله وتصديقِ وعدِه.
﴿وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (٢٦٨)﴾: لا حدَّ لعطائه، ولا ينفذُ ما عنده. ﴿عَلِيم (٢٦٨)﴾: بكلِّ شيءٍ، وبأَعمال العبادِ، وبما في قلوبهم من النيَّات، وقد ذكر ابنُ كثيرٍ في تفسيره عند هذه الآية (٢) حديثًا رُويَ عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا وموقوفًا، أَخرجه ابنُ أبي حاتمٍ والترمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ حبان؛ قال فيه الترمذي بعد روايته: «حَسنٌ غريبٌ، وهو حديثُ أبي الأحوص -يعني سلام بن سليم- لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديثه» (٣)، ولفظُه عند ابنِ أَبي حاتم كما ذكر ابنُ كثير عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ للشيطان لمَّة بابن آدم، وللملك لمَّة، فأَمَّا لمَّةُ الشيطانِ فإيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، وأَمَّا لمَّةُ المَلَكِ فإيعادٌ
стр. 611
بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، فمن وَجَدَ ذلك فليعْلَم أَنَّه من الله، فليحمد اللهَ، ومَن وَجدَ الأُخرى فليتعوَّذ من الشيطان))، ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾ الآية (١).
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ يُخوفكم به إِنْ تصدَّقتم فتُمسكوا ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ البخلِ ومنعِ الزكاةِ ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ على الإِنفاق ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ لذنوبكم ﴿وَفَضْلًا﴾ رزقًا خَلفًا منه. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ فضلُه ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمنفق.
стр. 612
وقولُ المؤلِّف: (يُخوفكم … ) إلى آخره: تفسيرٌ لوعد الشيطانِ المنفقين بتخويفهم الفقرَ إن هم تصدَّقوا يقول: «يذهب مالُكم وتصيرون فقراءَ بعد أَنْ كنتم أَغنياء».
وقولُه: (البُخل … ) إلى آخره: تفسيرُ الفاحشةِ بالبخل هو أَحدُ القولين لتفسير الفاحشةِ في الآية، وقيل: الفاحشةُ: كلُّ ما فَحُشَ من المعاصي. ومن الفواحش منعُ الزكاةِ، وهو أَفحشُ البخل.
وقولُه: (على الإنفاق): يُبيِّنُ أَنَّ المغفرةَ والفضلَ جزاءٌ على الإنفاق.
وقولُه: (لذنوبكم): يُبيِّنُ أَنَّ من وعد الله للمنفقين مغفرةَ ذنوبهم، فيدلُّ على أَنَّ الإنفاقَ من أَسباب المغفرةِ، وهذا مضادٌ لِمَا يأمرُ به الشيطان من الفواحش، فالشيطانُ يأمر بالذنوب واللهُ يعدُ بمغفرة الذنوب.
وقولُه: (رزقًا خَلفًا منه): هذا تفسيرٌ للفضل الموعود به ببعض مدلولِه، فإِنَّ الفضلَ الذي وعد اللهُ به المنفقينَ يعمُّ الثوابَ العاجلَ والآجلَ.
وقولُه: (فضلُه): خصَّه بالفضل مراعاةً للمقام وسياقِ الكلام، وكذا قولُه: (بالمنفق)؛ لأَنَّه تعالى عليمٌ بكلِّ شيءٍ، وكذا اسمه تعالى «الواسعُ» يشمل سعةَ العلمِ والرحمةِ والعطاءِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
* * *
стр. 613
وقوله تعالى: ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاء وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَاب (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]:
يُخبر تعالى أَنَّه يَمنُّ على مَنْ يشاء فيؤتيه من فضله العظيم، وهو أَنْ يؤتيه الحكمةَ، والحكمةُ: إصابةُ الحقِّ في العلم والعمل، فتشملُ كلَّ علمٍ صحيحٍ وعملٍ صالحٍ، ويجمعُ ذلك الفقهُ في الدِّين، ولهذا فُسِّرت الحكمةُ في هذه الآية بالفقه في كتاب اللهِ وسنَّةِ رسولِه ﷺ ، وأَعلى مراتبِ الحكمة هي النبوةُ، وتُفسَّرُ بها في بعض المواضع من آي القرآن؛ كقوله تعالى في داود: ﴿وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥١] (١).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: وهذا امتنانٌ من الله على مَنْ آتاه الحكمةَ بأنه قد أُوتيَ حظًّا عظيمًا، ومعلومٌ أَنَّ مَنْ آتاه اللهُ العلمَ الصحيحَ النافعَ والعملَ الصالحَ فقد نال أَعظمَ سببٍ للسعادة والفوزِ العظيمِ.
وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَاب (٢٦٩)﴾: أَي: لا يتذكَّرُ بالتذكير ولا ينتفعُ بالذكرى إِلَّا أُولوا الألباب؛ أَي: العقولِ الزكيةِ والفِطَرِ السويَّةِ والقلوبِ التقيَّةِ.
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ أَي: العلمَ النافعَ المؤدِّي إلى العمل ﴿مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ لمصيرِه إلى السعادة الأبدية. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ فيه إِدغامُ التاءِ في الأصل في الذال: يتَّعظُ ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أَصحابُ العقولِ.
وقولُ المؤلِّف: (العلمَ … ) إلى آخره: فسَّرَ الحكمةَ بالعلم؛ أَي: العلم الشرعي، وهو يشمل العلمَ بالقرآن والسنَّةِ، وقيَّده بالعلم المؤدِّي إلى العمل،
стр. 614
فشملت الحكمةُ العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ، ولا يتحقَّقُ ذلك إِلَّا بالفقه في الدِّين في دلائله ومسائله.
وقولُه: (لمصيرِه … ) إلى آخره: لأَنَّ العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ هما سببُ هذا المصير.
وقولُه: (فيه إِدغامُ التاءِ … ) إلى آخره: معناه: أَنَّ أَصلَ ﴿يَذَّكَّرُ﴾: يتْذَكَّرُ، فقُلبت التاءُ ذالًا وأُدغمتْ في الذال، ثم فسَّر ﴿يَذَّكَّرُ﴾ بـ «يتَّعظ».
وقولُه: (أَصحابُ العقولِ): معناه: أَنَّ أَصحابَ العقولِ المتفكرةِ هم الذين إذا ذُكِّروا تذكَّروا؛ أَي: اتَّعظوا وانتفعوا.
* * *
стр. 615
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِنْ نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار (٢٧٠) إِنْ تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧٠ - ٢٧١]:
يُخبر تعالى عن علمه بما يُنفقُ العبادُ من نفقةٍ صغيرةٍ أو كبيرةٍ، وما ينذرون من نذرٍ قليلًا كان أو كثيرًا، ويعلم تعالى نيَّاتهم في نفقاتهم ونُذورهم، والنذرُ: هو أَنْ يوجب الإنسانُ على نفسه ما لم يجب عليه في أَصل الشرعِ (١)، وقرن اللهُ بين النفقةِ والنذرِ؛ لأَنَّ النذرَ كثيرًا ما يكون في الصدقة من المال، فيكون عبادةً باعتبار المآل، وأَمَّا عقدُ النذر فإنه منهيٌّ عنه في السنَّةِ الصحيحةِ؛ من ذلك قولُه ﷺ : ((النذرُ لا يأتي بخيرٍ، وإنما يُستخرجُ به من البخيل)) (٢)، لكنْ مَنْ نذرَ طاعةً وَجبَ عليه الوفاءُ بنذره؛ لقوله ﷺ : ((مَنْ نذرَ أَنْ يُطيعَ الله فليُطعه)) (٣)، وقولِه تعالى مُثنيًا على عباده: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧].
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ﴾: جوابُ الشرط في قوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم﴾، فمعنى الآية: أَيُّ نفقةٍ أَنفقتموها وأَيُّ نذرٍ نذرتموه فاللهُ عالمٌ به وسيجزيكم به ثوابًا حسبَ ما يعلمه من نياتكم.
وقولُه: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار (٢٧٠)﴾: تهديدٌ للظالمين؛ كمانعي الزكاة ومتبعي صدقاتِهم المنَّ والأَذى، والمنفقين رياءً؛ المعنى: ليس للظالمين مَنْ ينصرُهم فيدفعُ عنهم عذابَ اللهِ.
ثم أَخبر تعالى بحُكمِ إبداءِ الصدقات وإخفائها فقال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾، وإبداءُ الصدقات: إظهارُها وإعلانُها، وإخفاؤها: الإسرارُ بها.
стр. 616
وقولُه: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾: مدحٌ للصدقة الظاهرةِ؛ لأَنها عملٌ صالحٌ، فهي شَرفٌ لصاحبها، وإبداؤها؛ كالإنفاقِ في مشهدٍ من الناس، ولا يضرُّ ذلك المنفقَ إذا صحَّت نيَّتُه وخَلُصَ قصدُه؛ كمَن يُظهِرُ صدقته ليُقتدَى به.
وقولُه: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾: تفضيلٌ لصدقة السرِّ إذا وُضعت في موضعها. وقولُه: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: ترغيبٌ في الصدقات سِرِّها وعَلنِها؛ لبيانِ أَنَّ اللهَ يُكفِّرُ بها السيئات كما قال ﷺ : ((الصدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النارَ)) (١)، وفي الحديث الآخر: ((صدقةُ السرِّ تُطفئُ غضبَ الربِّ)) (٢).
стр. 617
وقوله: ﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير (٢٧١)﴾: تأكيدٌ للترغيب في الإنفاق في وجوه البرِّ، ومعناه: أَنَّ اللهَ تعالى ذو خبرةٍ؛ أَي: علمٍ تامٍّ بما يعمل العبادُ، ومن ذلك نفقاتُهم وصدقاتُهم، وإِخبارُه تعالى بذلك يقتضي مُجازاتهم عليه بأَنواع الثوابِ في الدنيا والآخرة، واللهُ أَعلم.
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ أَدَّيتم من زكاةٍ أَوْ صدقةٍ ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ فوفَّيتم به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ فيُجازيكم عليه ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ بمنع الزكاةِ والنذرِ أَوْ بوضعِ الإنفاقِ في غير محلِّهِ من معاصي الله ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ مانعين لهم من عذابه.
﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ تُظهروا ﴿الصَّدَقَاتِ﴾ أَي: النوافلَ ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أَي: نِعم شيئًا إبداؤها! ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ تُسرُّوها ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من إِبدائها وإِيتائها الأغنياء، أَمَّا صدقةُ الفرضِ فالأفضلُ إِظهارُها؛ ليُقتدى به ولئلَّا يُتَّهم، وإيتاؤها الفقراءَ مُتعيِّنٌ ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ بالياء وبالنون مجزومًا بالعطف على محل «فهو»، ومرفوعًا على الاستئناف ﴿عَنْكُمْ مِنْ﴾ بعض ﴿سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالمٌ بباطنه كظاهرِه لا يخفى عليه شيءٌ منه.
وقولُ المؤلِّف: (من زكاة أو صدقة): يُبيِّنُ أَنَّ الآيةَ عامَّةٌ في الزكاة وصدقةِ التطوع، وهو يقتضي أَنَّ ﴿مِنْ﴾ بيانية.
стр. 618
وقولُه: (فوفَّيتم به): يُبيِّنُ أَنَّ الغايةَ المحمودةَ لنذرِ الطاعةِ هي الوفاءُ به.
وقولُه: (فيُجازيكم عليه): يُبيِّنُ أَنَّ المقصودَ من ذكر العلمِ التنبيهُ على الجزاء.
وقولُه: (بمنع الزكاة والنذر … ) إلى آخره: بيانٌ لأنواع الظلمِ في باب الإنفاق.
وقولُه: (مانعين لهم من عذابه): يُبيِّنُ أَنَّ نفعَ الأنصارِ بالدفع.
وقولُه: (أَي: النوافلَ): يُشيرُ إلى الفرق بين الزكاةِ وصدقةِ التطوع في الإبداء والإخفاء، وأَنَّ الأَفضلَ في التطوع الإخفاءُ وفي الزكاة الإظهارُ، والصوابُ: أَنَّ الإخفاءَ في الجميع أَفضلُ؛ لعموم الآيةِ، إِلَّا أَنْ يخشى التهمةَ بمنع الزكاةِ (١).
وقولُه: (أَي: نِعْمَ شيئًا إبداؤها): يُبيِّنُ بهذا أَنَّ «ما» الثانية نكرةٌ وقعت تميزًا؛ ولهذا عبَّرَ عنها بشيءٍ وقدر المخصوص بالمدح بقوله: (إبداؤها)، والأَظهرُ أَنَّ المخصوصَ بالمدح «هي» كما في لفظ الآية؛ فالتقدير المناسب: نِعِمَّا شيئًا هي؛ أي: الصدقات.
وقولُه: (تُسرُّوها): أي: تُعطوها الفقراءَ سرًّا فيما بينكم وبينه لا بمشهدٍ من الناس، وهذا مطلوبٌ في الزكاة وصدقةِ التطوعِ خلافًا لِمَا ذكرَ المؤلِّفُ كما تقدَّم.
وقولُه: (من إِبدائها … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ أَفعل التفضيل يتعلَّقُ بالإخفاء؛ أي: فإخفاؤها خيرٌ من إِبدائها، وإعطاؤها الفقراءَ خيرٌ من إِعطائها الأَغنياءَ.
стр. 619
وقولُه: (وإيتاؤها الفقراءَ مُتعيِّنٌ): أَي: واجبٌ وجوبًا عينيًّا، فلا يجوزُ صرفُ الزكاةِ في الأغنياء؛ بل في الفقراء، كما قال ﷺ : ((تؤخذُ من أَغنيائهم فتُردُّ في فقرائهم)) (١).
وقولُه: (بالياء وبالنون … ) إلى آخره: يُشير إلى القراءتين في ﴿يُكَفِّرُ﴾، وهي: بالياء مسندًا إلى الله بضميرِ الإفرادِ، وقُرئَ بالنون مسندًا إلى الله بضمير الجمعِ.
وقولُه: (مجزومًا): يُشيرُ إلى القراءتين في فعل ﴿يُكَفِّرْ﴾؛ إحداهما: بجزم الفعلِ، والفعلُ معطوفٌ على محلِّ جوابِ الشرط ﴿فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لأَنَّ الجملَة في محلِّ جزم جوابِ الشرط. والثانية: برفعِ الفعلِ، وتكونُ جملةُ ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ مستأنفةً (٢).
وقولُه: (بعض): يُبيِّنُ أَنَّ ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ تبعيضيةٌ؛ فالمعنى: ويُكفرُ عنكم بعضَ سيئاتكم.
وقولُه: (عالمٌ بباطنه … ) إلى آخره: بيانٌ لمعنى ﴿خَبِيرٌ﴾، فالخبرةُ علمٌ خاصٌّ، وهو العلمُ بالخفيَّات (٣).
وقولُه: (بباطنه): أَي: بباطن عملِكم كما يعلمُ ظاهرَه، فالسِّرُّ والإعلانُ عنده سواءٌ ؛ كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠].
* * *
стр. 620
وقوله تعالى: ﴿* لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُون (٢٧٢) لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٢ - ٢٧٤]:
يُخبرُ تعالى نبيَّه ﷺ مُسليًّا له بأَنَّ ليس عليه أَنْ يهديَ الناسَ؛ بل أَمْرُ الهدى إلى الله فإنه القادرُ عليه؛ لأَنَّ المراد بالهدى في هذه الآية هو الهدى الخاص؛ وهو التوفيقُ لقبولِ الحقِّ وشرحُ الصَّدرِ، وذلك لا يقدرُ عليه إلا اللهُ، لا الرسولُ ولا غيرُه، أَمَّا الهدى العامُّ؛ وهو البيانُ والإرشادُ والدلالةُ على الخير؛ فذلك مقدورٌ للرسول ﷺ وكلِّ مَنْ دعا إلى الله من أَتباعه كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون (١٨١)﴾ [الأعراف: ١٨١]. وفي هذا الخبرِ تسليةٌ للنبي ﷺ لأَنَّه ﷺ كان حريصًا على هدى الناس كما قال تعالى في شأن الرسول: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ أَي: حريصٌ على هدايتكم، وقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧].
وجاء ذِكرُ الهدايةِ واختصاصها بالله بين آياتِ الإِنفاقِ؛ للدلالةِ على أَنَّ هدايةَ قلوب المؤمنين لشرح صدورهم للإنفاق في سبيل الله هو كذلك إلى الله، ليس على الرسول ولا إليه، وقد ذكر المفسرون أَنَّ سببَ نزول هذه الآية أَنَّ الأَنصارَ كانوا لا يتصدَّقون على أَقاربهم من أهل الكتاب، ورُوي أَنَّ النبيَّ
стр. 621
صلى الله عليه وسلم أَمر أَلَّا يُتصدَّقَ إِلَّا على مَنْ كان مسلمًا؛ فأَنزل اللهُ هذه الآيةَ (١)، وفيها الندبُ إلى الإنفاقِ على أهل الكتابِ وغيرهم من أهل الأديان، وبهذا يظهر وجهُ ورودها بين آيات الإنفاقِ.
ثم ذكر تعالى في هذه الآيةَ ثلاثَ جُملٍ تضمَّنت كلُّ واحدةٍ معنىً من المعاني المتعلِّقةِ بالإنفاق، أَفادت الأُولى: أَنَّ نفعَ الإنفاقِ وثوابَه عائدٌ إلى أَنفُسِ المنفقين، على حدِّ قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)﴾ [فصلت: ٤٦].
وأَفادتِ الجملةُ الثانيةُ: أَنَّ المؤمنين إذا أَنفقوا لا يُنفقون إِلَّا لوجه الله، لا يريدون ممن أَحسنوا إليه جزاءً ولا شكورًا.
وأَفادت الجملةُ الثالثةُ: أَنَّ ما يُنفقه المنفقون ابتغاءَ وجهِ الله يُوفَّى إليهم؛ أي: يُجزون به فيُعطونَ أُجوره كاملةً غير منقوصةٍ وذلك قولُه: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُون (٢٧٢)﴾.
ثم أَخبر تعالى بأَهمِّ مصارفِ الصدقات؛ وهم الفقراءُ المتعففونَ، فلا يسألون الناسَ، وإن سألوا لم يُلحفوا، لكن يعرفهم أَهلُ الفراسةِ بسيماهم؛ كرثاثةِ ثيابِهم ونحولِ أَبدانهم، قيل: هم فقراءُ المهاجرين، ومنهم أَهلُ الصُّفَّةِ (٢)، ومن تعفُّفهم يحسبهم الجاهلُ أَغنياءَ من التعفُّفِ، وقد أَحصرهم الفقرُ والجهادُ في سبيل الله عن التكسُّب، فلا يستطيعون ضربًا في الأرض ابتغاءَ فضلِ الله. ثم رغَّب في الإنفاق فقال: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم (٢٧٣)﴾؛ فإنه إذا استحضر المؤمنُ أَنَّ اللهَ يعلم ما يُنفقه ابتغاءَ وجه الله كان ذلك من أَعظمِ الحوافز له إلى الإنفاق؛ ولهذا رغَّبَ تعالى في كثرةِ الإنفاقِ، فأثنى على المنفقين
стр. 622
أَموالَهم بالليل والنهار سرًّا وعلانيةً، ورتَّب لهم على ذلك الأَجرَ، ونفى الخوفَ والحزنَ عنهم.
ولَمَّا مَنع رسولُ الله ﷺ من التصدِّق على المشركين ليُسلموا نزل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ أَي: الناس إلى الدخول في الإسلام، إنما عليك البلاغُ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايتَه إلى الدخول فيه ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ مالٍ ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ لأَنَّ ثوابَه لها ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ أَي: ثوابَه لا غيره من أَعراض الدنيا، خبرٌ بمعنى النهي ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ جزاؤُهُ ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ تُنقَصونَ منه شيئًا. والجملتان تأكيدٌ للأولى.
﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: الصدقاتُ لهم ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: حَبسوا أَنفسَهم على الجهاد، نزلت في أَهل الصُّفةِ، وهم أَربعمائةٍ من المهاجرين أُرصِدوا لتعلُّمِ القرآنِ والخروجِ مع السرايا (١) ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾ سفرًا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ للتجارة والمعاشِ؛ لشُغلهم عنه بالجهاد ﴿يَحْسِبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ بحالهم ﴿أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي: لتعفُّفهم عن السؤال وتركِه ﴿تَعْرِفُهُمْ﴾ يا مخاطَبًا ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ علامتِهم من التواضع وأَثرِ الجهد ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ﴾ شيئًا فيُلحفون ﴿إِلْحَافًا﴾ أي: لا سؤالَ لهم أصلًا، فلا يقع منهم إلحافٌ؛ وهو الإلحاحُ ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فمُجازٍ عليه.
وقولُ المؤلِّف: (ولَمَّا مَنع رسولُ الله ﷺ … ) إلى آخره: يُشير إلى سبب نزولِ هذه الآيةِ، وهو نهيُ النبيِّ ﷺ عن التصدُّقِ على غير
стр. 623
المسلمين من أَهل الكتاب والمشركين؛ من أَجل أَنْ يَحملهم مَنعهم من الصدقة على الإسلام، فأَخبر اللهُ نبيَّه أَنْ ليس عليه هدايتهم، فلا ينهى عن التصدُّق عليهم من أَجل ذلك، وأَنَّ أَمْرَ هدايتهم إلى اللهِ تعالى، فهو الذي يهدي مَنْ يشاء.
وقولُه: (أَي: الناس … ) إلى آخره: بيانٌ لمعنى الآيةِ المتعلقِ بالرسول ﷺ ؛ وهو أَنَّه ليس عليه ﷺ أَنْ يهديَ الناسَ فيَجعلهم مُهتدين، وإنما الواجبُ عليه البلاغُ كما قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [النور: ٥٤].
وقولُه: (هدايتَه … ) إلى آخره: فيه تقديرُ مفعولِ ﴿يشاء﴾، والمرادُ بهذه الهدايةِ هدايةُ التوفيق المستلزمة للدخول في الإسلام، وهي هدايةٌ خاصةٌ لا يقدر عليها إِلَّا اللهُ؛ بخلاف هدايةِ البيان؛ فإنها عامَّةٌ ومقدورةٌ للرسول ﷺ ولكلِّ داع إلى الله.
وقولُه: (مالٍ): هذا أَحدُ التفسيرين للخير في الآية، ولفظُ الخيرِ في القرآن يُراد به المال كثيرًا؛ كقوله تعالى في الإنسان: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، وقوله في هذه السورة: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، ويُراد به العملُ الصالحُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٩٧]، (١) والخيرُ في هذه الآيةِ يحتملُ الوجهين، وأَكثرُ المفسرين يُفسِّرونه بالمالِ كما فعلَ المؤلِّف (٢).
стр. 624
وقولُه: (لأَنَّ ثوابَه لها): بيانٌ لِمَا يعود إلى نفس المنفق من إنفاقه؛ وهو ثوابُ ما أَنفقه؛ فصار حظُّ المنفقِ مما أَنفقه أَعظمُ من حظِّ المنفقِ عليه.
وقولُه: (أَي: ثوابَه لا غيره من أَعراض الدنيا): هذا صريحٌ في تفسيرِ الوجهِ بالثوابِ، وهو تأويلٌ بل تحريفٌ؛ لأنَّه صرفٌ للكلامِ عن ظاهرِه بغيرِ دليلٍ، وإنَّما يفعلُ هذا من لا يثبتُ حقيقةَ الوجهِ للهِ كما هي طريقةُ المعطِّلةِ من الجهميَّةِ ومَن تبعَهم (١).
وأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يثبتون الوجهَ للهِ ولا يكيِّفونَ ولا يمثِّلونَ ولا يحرِّفونَ النصوصَ عن ظاهرِها.
والمؤلِّفُ ﵀ مشى على طريقةِ المعطِّلةِ فلذا أوَّلَ الآيةَ وصرفَها عن ظاهرها حيثُ فسَّرَ الوجهَ بالثوابِ، فتنَبَّهْ أيُّها القارئُ، واسلكْ طريقَ أهلِ السُّنَّةِ.
وقولُه: (خبرٌ بمعنى النهي): يريدُ جملةَ ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾؛ فالجملةُ خبريَّةٌ، ومعناهُ: لا تنفقوا إلَّا ابتغاءَ وجهِ اللهِ وهذا على أَنَّ الخطابَ عامٌّ، وقيل: أَنَّ الخطابَ خاصٌّ؛ وهم الصحابة، وعليه: فالنفيُ على بابه، ويكون الخبرُ ثناءً على الصحابة بالإخلاص، وهذا وجهٌ حسنٌ (٢).
وقولُه: (جزاؤه): هذا تقديرُ مفعول ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾.
وقولُه: (تُنقَصونَ منه شيئًا): فسَّرَ الظلمَ بالنقص، وأَصلُ معنى الظلمِ: وضعُ الشيءِ في غير موضعه، ويأتي بمعنى النقصِ؛ كما قال تعالى في الجنتين: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] (٣).
стр. 625
وقولُه: (والجملتان تأكيدٌ للأولى): يريد بالجملتين ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾، والجملة الأولى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾.
وقولُه: (خبرُ مبتدأ محذوف … ) إلى آخره: يُبيِّنُ مُتعلقِ الجار والمجرور ﴿للفقراء﴾ وأَنه مُتعلقٌ بمحذوفٍ هو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ قدَّره المؤلِّف: الصدقاتُ للفقراء؛ أَي: حقٌ للفقراء.
وقولُه: (أَي: حَبسوا أَنفسَهم … ) إلى آخره: تفسيرٌ لقوله تعالى: ﴿أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وأَنَّ معنى ﴿أُحْصِرُوا﴾: حَصروا؛ أي: حبسوا أَنفسَهم عن الجهاد فمنعَهم ذلك من التكسُّبِ والضربِ في الأرض للتجارة.
وقولُه: (سفرًا): فسَّرَ الضربَ في الأرض بالسفر، وهو صحيحٌ، كما يشهد له قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. وقولُه: (للتجارة … ) إلى آخره: بيانٌ للغرض من الضَّربِ في الأرض.
وقولُه: (لشُغلهم عنه بالجهاد): تعليلٌ لعدم استطاعتهم الضربَ في الأرض.
وقولُه: (عنه): أَي: عن الضرب في الأرض.
وقولُه: (بحالهم): خَصَّ الجهلَ في الآية بالجهل بحالِ أُولئك الفقراءِ؛ لدلالةِ السياقِ على ذلك. وقولُه: (لتعفُّفهم عن السؤال وتركِه): تعليلٌ لحسبان الجاهلِ أَنهم أغنياء، وهذا التعليلُ مُستفادٌ من ﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾؛ فإنها للتعليل.
وقولُه: (يا مخاطَبًا): يريدُ أنَّ قولَه تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ﴾ خطابٌ عامٌّ لكلِّ من يصلحُ له الخطابُ، النبيُّ أو غيره.
стр. 626
وقولُه: (علامتهم): تفسيرٌ لـ «سِيماهم»؛ لأَنَّ السِّيما في اللغة: العلامةُ (١)، وأَوضحَ المؤلِّفُ هذه العلامةَ بقوله: (من التواضع وأَثر الجَهد): لأَنَّ الفقرَ يُورثُ ضعفًا وجهدًا.
وقولُه: (شيئًا فيُلحفون): يريد أَنَّ نفيَ السؤال عنهم ثناءٌ عليهم بترك السؤال مُطلقًا، وأَنَّ السؤالَ يُفضي إلى الإِلحاف وهو الإِلحاحُ في المسألة، وليس المرادُ نفيَ السؤالِ بإلحافٍ؛ فإِنَّ تركَ السؤالِ مُطلقًا أَفضلُ وأَكملُ في التعفُّف.
وقولُه: (لا سؤالَ لهم أصلًا … ) إلى آخره: يؤكدُ ما سبق؛ أَنَّ المرادَ نفيُ السؤالِ عنهم مُطلقًا، وإذا لم يسألوا مُطلقًا؛ لم يكن منهم إِلحافٌ؛ لأَنَّه إذا انتفى المعنى العامُّ انتفى الخاصُّ فَلَزِم أَلَّا يقعَ منهم سؤالٌ بإِلحافٍ.
وقولُه: (فمُجازٍ عليه): يريدُ أنَّ قولَه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّه به عليمٌ﴾ يتضمَّنُ الإخبارَ بالجزاء، فإنَّ إخبارَه تعالى بعلمِه بأعمالِ العبادِ يتضمَّنُ الوعدَ أو الوعيدَ بحسبِ المقامِ.
* * *
стр. 627
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (٢٧٥) يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٦]:
لَمَّا أَمر اللهُ في الآيات السابقة بالإنفاق والصدقات وأثنى على المنفقين في سبيله ووعدَهم الأَجرَ العظيم عنده ونفى عنهم الخوفَ والحزنَ وذمَّ المُتْبعين صدقاتِهم المنَّ والأذى والمرائين فيها؛ ذَكَر تعالى في هذه الآيات ضدَّ المحسنين إلى الناس بأَنواع النفقات فرضِها ونفلِها، بالليل والنهار، سرًّا وعلانيةً، وضدُّ المحسنين هم الظالمون للناس؛ وهم أَكلةُ الربا أَضعافًا مضاعفةً، فأَخبر تعالى عن سوء حالِهم يومَ القيامة إذا قاموا من قبورهم، وأَنهم يقومون بهيئة المجانين، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، وذلك بسبب استحلالهم الربا حتى قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، فردَّ اللهُ عليهم قولَهم فقال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.
ثم أَخبر تعالى أَنَّ مَنْ انتهى عن أَكل الربا بعدما جاءته موعظةٌ من ربِّه بالنهي عن الربا؛ فإنه يحلُّ له ما كسبه في الجاهلية؛ لأَنَّه معذورٌ بجهله، وأَمرُه إلى الله، يحكمُ فيه بحكمه العدلِ ويعفو عنه، وأَنَّ مَنْ عاد لأكل الربا بعد إسلامه وبعد نزول الآيات في تحريم الربا فذلك هو الظالمُ المستوجبُ لوعيد الله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (٢٧٥)﴾. فدلَّت الآيةُ على أَنَّ أَكل الربا من كبائر الذنوب، فمَن كان مُستحلًّا لأَكل الربا فهو كافرٌ مخلَّدٌ في النار كسائر الكفرة، ومَن لم يكن مستحلًّا فالوعيدُ بالخلود مخصوصٌ بمَن لم يتبْ، وبمَن لم يَقمْ به مانعٌ؛ وهو التوحيدُ، فإنَّه لا يخلدُ في
стр. 628
النار أَحدٌ من أَهل التوحيد كما استفاضت بذلك السنَّةُ في حديث الشفاعة (١) وغيره، وأَجمع على ذلك أَهلُ السنَّة.
وأَصلُ الربا في اللغة: الزيادة (٢)، وهو في الشرع نوعان: ربا فَضْلٍ، وربا نسيئةٍ (٣)، وفي كلٍّ منهما معنى: الزيادة؛ فربا الفضل: هو الزيادةُ في أَحد العوضين اللذين هما من جنسٍ واحدٍ من الأجناس الربويةِ الستَّة المذكورة في حديث عبادة، وهي: الذهبُ، والفضةُ، والبُرُّ، والشعيرُ، والتمرُ، والملحُ (٤)، وجمهورُ أَهلِ العلم يقيسون عليها ما أَشبهها، حَسب ما يُعلِّلون به تحريمَ الربا في هذه الأجناس (٥).
وربا النسيئة: هي الزيادةُ في الدَّين في مُقابل الزيادةِ في الأَجل، ويُقال له: ربا الجاهلية؛ يقول: الدائنُ للمَدين إذا حلَّ الدَّين: إِمَّا أَنْ تقضي أو تُربي.
ثم توعَّد تعالى أَكلةَ الربا بمحقِ ما كسبوه من الربا، وذلك بإتلافه أو حرمانهم الانتفاعَ به، ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾؛ أَي: يُنميها ويُكثرها بمضاعفة أَجرها كما في الحديث الصحيح: ((مَنْ تصدَّقَ بعدلِ تمرةٍ من كَسْبٍ طيِّبٍ ولا يقبلُ اللهُ إِلَّا الطيبَ، وإِنَّ اللهَ يتقبلها بيمينه ثم يُربيها لصاحبها كما يُربي أَحدكم فلوَّه؛ حتى تكون مثل الجبل)) (٦).
стр. 629
وقولُه تعالى: ﴿وَاللّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم (٢٧٦)﴾: أَي: يُبغضه، ومَن أَبغضه اللهُ فاته كلُّ خيرٍ وباءَ بالشقوة فكان من الخاسرين، والكفَّارُ: المبالغُ بالكفر، والأَثيم: المقترف للآثام، وهي: المعاصي.
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ أي: يأخذونه، وهو الزيادةُ في المعاملة بالنقود والمطعومات في القَدْر أو الأَجَل ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ مِنْ قبورهم ﴿إِلَّا﴾ قيامًا ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ﴾ يصرعُه ﴿الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الجنونِ بهم متعلقٌ بـ «يقومون». ﴿ذَلِكَ﴾ الذي نزل بهم ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ في الجواز. وهذا من عكس التشبيه مبالغةٌ.
فقال تعالى ردًّا عليهم: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ﴾ بَلغَه ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ وعظٌ ﴿مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾ عن أكله ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ قبل النهي؛ أي: لا يستردّ منه ﴿وَأَمْرُهُ﴾ في العفو عنه ﴿إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ﴾ إلى أَكله مُشبِّهًا له بالبيع في الحلِّ ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ يُنقصُه ويُذهبُ بركتَه ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ يزيدها وينميها ويُضاعفُ ثوابَها ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ بتحليلِ الرِّبا ﴿أَثِيمٍ﴾ فاجرٍ بأَكله؛ أَي: يُعاقبُه.
وقولُ المؤلِّف: (أَي: يأخذونه … ) إلى آخره: تفسيرٌ للأكل بالأَخذ، وهو من التعبير بالشيء عن سببه، وفسَّر الربا بالزيادة؛ لأَنَّه من ربا يربو: إذا زاد، وأَشار إلى أَنَّ الربا في الشرع نوعان: ربا فضل، وربا نَسَأ؛ بقوله: (وهو الزيادةُ في المعاملة بالنقود والمطعومات في القدر أو الأجل)؛ فقولُه: (في القَدْر): يريد: ربا الفضلِ، وقولُه: (الأَجَل): يُشير إلى ربا النسأ.
стр. 630
وقولُه: (من قبورهم): هذا معنى ما جاء عن ابن عباس (١).
وقولُه: (قيامًا): يُبيِّنُ أَنَّ قولَه تعالى: ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَان﴾ صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ؛ فالمعنى: إِلَّا قيامًا كقيام الذي يتخبَّطُه.
وقولُه: (يصرعُه): هذا تفسيرُ ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾.
وقولُه: (الجنون بهم): بيانٌ لمعنى من المسِّ؛ أي: من الجنون الذي بهم.
وقولُه: (متعلِّقٌ بـ «يقومون»): الصوابُ: أَنَّ الجارَ والمجرور ﴿مِنَ المَسِّ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿يَقُومُ﴾؛ لأنَّ المعنى لا يقوم أَكَلَةُ الرِّبا من قبورِهم إلا مثل ما يقومُ المجنونُ الذي يصرعُه الشيطان من المسِّ؛ أي: الجنونِ الذي به (٢).
وقولُه: (الذي نزل بهم): يُبيِّنُ أَنَّ المشارَ إليه في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾: هو ما يحصل لهم عند قيامهم من قبورهم كالمجانين.
وقولُه: (بسبب أَنهم): يُبين أَنَّ الباءَ بقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ سببيةٌ.
وقولُه: (في الجواز): بيانٌ لوجه الشَّبَه بين البيع والربا.
وقولُه: (وهذا من عكس التشبيه مبالغةً): لأَنَّ الأصلَ المناسب لهم أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع؛ فعكسوا التشبيهَ مُبالغةً في حلِّ الربا.
وقولُه: (ردًّا عليهم): يُبيِّنُ أَنَّ جملةَ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ من كلام اللهِ لا من الكلام المحكي عن آكلي الربا.
وقولُه: (بَلغَه): يُبيِّنُ أَنَّ مجيءَ الحجَّةِ هو بلوغُها للمكلَّف.
وقولُه: (وعظٌ): يُبيِّنُ أَنَّ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ مصدرٌ ميميٌّ من وعظ، والمصدر: الوعظُ.
وقولُه: (قبل النهي … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ معنى الآية: أَنَّ ما مضى من العقود الربوية ما نتج عنها من المكاسب هو حلالٌ له لا يجب ردُّه.
стр. 631
وقولُه: (في العفو عنه): يُبيِّنُ أَنَّ أَمرَ العفو بعد التوبة مُفوَّضٌ إلى الله؛ إن شاء عفا، وإن شاء لم يعفُ.
وقولُه: (إلى أَكله … ) إلى آخره: يريد: إلى أَكلِ الربا مُستحلًّا له؛ لأَنَّه شبَّهه بالبيع، وهذا هو المستحقُّ للوعيد الذي في الآية.
وقولُه: (يُنقصُه ويُذهبُ بركتَه): هذا بعضُ معنى المحقِ، وليس في المال المستفادِ من عقود الربا بركةٌ أَصلًا.
وقولُه: (يزيدها … ) إلى آخره: كلُّ هذه العباراتِ متقاربةُ المعنى، ويشهد لمعنى الآية قولُه ﷺ : ((مَنْ تصدَّقَ بعدلِ تمرةٍ من كسبٍ طيِّبٍ … )) الحديث، وفيه أَنَّ اللهَ يُربيها كما يُربي أَحدكم فُلوَّهُ (١) حتى تكونَ مثلَ الجبلِ.
وقولُه: (بتحليلِ الرِّبا): يُبيِّنُ أَنَّ استحلالَ الربا كفرٌ.
وقولُه: (فاجرٍ): تفسيرٌ لـ ﴿أثيمٍ﴾، ولعلَّه أَخذه من اقترانه بـ ﴿كَفَّارٍ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧].
وقولُه: (أي: يعاقبُه): هذا تفسيرٌ لقولِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ﴾، وهو يقتضي تفسيرَ نفي المحبَّةِ بالعقوبةِ، وهذا جارٍ على مذهبِ مَنْ لا يُثبتُ للهِ صفةَ محبَّةِ؛ لذلك يؤوِّلون المحبَّةَ بالثوابِ وعدمَ المحبَّة بالعقاب، فيجمعون بين التعطيلِ والتأويلِ الذي هو في الحقيقة تحريفٌ (٢). والصوابُ: أنَّ اللهَ يحبُّ المؤمنينَ والمتقينَ ولا يحبُّ الكافرينَ بل يمقتُهم كما قالَ تعالى: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠].
* * *
стр. 632
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧]:
هذه الآيةُ اعتراضٌ بين آيات الربا، وفيها عَودٌ إلى الثناء على المؤمنين المتصدِّقين، وفيها مقابلةُ الذمِّ بالمدح، وتعريضٌ (١)؛ لأَنَّ أَكلة الربا على ضدِّ هذه الصفات، ومعنى الآية: خبرٌ من الله بعاقبة الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدَّقوا إيمانَهم بعملِ الأعمالِ الصالحات، وهي: كلُّ ما يُحِبُّه اللهُ ويرضاه من الفرائض والتطوُّعات أَقوالًا وأَفعالًا ظاهرةً وباطنةً، وأَجلُّ ذلك إقامُ الصلاةِ وإيتاءُ الزكاة؛ ولذلك عُطِفَا على الأَعمال الصالحة من عَطفِ الخاصِّ على العام تعظيمًا لشأنهما وتنبيهًا على فضلهما.
وقولُه: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٢٧٧)﴾: بيانٌ لعاقبة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فوعدهم اللهُ بالأجر العظيمِ عنده؛ وهو: ثوابُ ما عملوا، وآمنهم مما يكرهون من الخوف والحزن؛ فقال: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٢٧٧)﴾، فلا يخافون من فوت مطلوبٍ ولا يحزنون على ذهاب محبوبٍ، ولم يتعرض المؤلِّف لهذه الآية بتفسير لظهور معناها، وكثرة ذكر كلماتها، وقد تقدم في أول السورة نظائرها.
* * *
стр. 633
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨١]:
يأمرُ اللهُ عبادَه المؤمنين بتقواه؛ وهي: فعلُ ما أَمر اللهُ به ورسولُه، وتركُ ما نهى اللهُ عنه ورسولُه؛ خوفًا من عذاب اللهِ، وطمعًا في ثوابه، وتلك وصيةُ اللهِ للأَوَّلينَ والآخرينَ والناسِ أَجمعين.
ثم أَمر تعالى المؤمنين أَنْ يتركوا ما بقي لهم من دَين الرِّبا عند المدينين؛ فقال تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾، فإِنَّ الإيمانَ يقتضي ترك ما حرَّم اللهُ والتوبة منه، ثم حذَّرهم من الإصرار على أَخذ ما بقيَ من الربا وأَنَّ ذلك مؤذنٌ بحربٍ من الله ورسولِه؛ فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ أَي: إن لم تتوبوا وتتركوا ما بقيَ من الربا؛ فاعلموا أَنَّ اللهَ ورسولَه حربٌ عليكم، ومَن كان اللهُ حربًا عليه أَخزاه وأَهلكَه، فباءَ بالخُسران المبين، ثم بيَّن حكمَهم إذا تابوا فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾؛ أَي: وإن تُبتم إلى الله من تعاطي الرِّبا؛ فإنكم تستحقُّون رؤوسَ أَموالكم التي عند مَنْ عاملتموه بالربا دون زيادةٍ عليها، لا تظلمون بأَخذ الرِّبا ولا تُظلمون بالنقصِ من رؤوس أموالِكم.
ثم أَرشد تعالى مَنْ له الدَّيْنَ بإنظارِ مَنْ أَعسر فلم يقدر على وفاء الدَّينِ الذي وجبَ عليه أَداؤُه أَوْ التصدُّق عليه بإبرائه وهو خير؛ فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾؛ أَي: وإن وجد ذو عسرة؛ أَي: إِعسارٍ، فكان: تامَّة. و «ذو عُسْرَةٍ»: فاعلٌ، و «نَظرةٌ»: مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ، والتقديرُ: فعليه نَظرةٌ؛ أَي: على صاحب الدَّينِ إِنذارُ المعسر، وبعد: فقد ذكر ابنُ كثيرٍ سببَ نزولِ هذه الآيات ونقلَه عن جمعٍ من السَّلف؛ قالوا: إنَّ هذه الآيات نزلت
стр. 634
في بني عمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلامُ ودخلوا فيه، طلبت ثقيفُ أَنْ تأخذَه منهم، وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإسلام .. فنزلت الآية (١).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾: أي: اتقوا شرَّ ذلك اليوم وهو يومُ القيامةِ، اتقوه بالأعمال الصالحةِ وتركِ المحرَّمات لتنجوا من عذاب اللهِ.
وقولُه: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾: أَي: تُرَدُّون في ذلك اليوم إلى الله فيُجازيكم على أَعمالكم، ومَن اتقى اللهَ وخاف ذلك اليوم وقاهُ اللهُ شرَّ ذلك اليوم وأَناله الفوزَ والكرامةَ.
وقولُه: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: أَي: كلُّ أَحدٍ يُجزى بعمله خيرِه وشرِّه، فمَن يعمل مثقالَ ذرَّةٍ خيرًا يره، ومَن يعمل مثقالَ ذرَّةٍ شرًّا يره. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾: أَي: لا يُنْقَصُ أَحدٌ من ثواب حسناتِه، ولا يُزاد في سيئاته، فحُكمه تعالى الجزائي دائرٌ بين الفضل والعدلِ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]، هذا وقد ذكر ابنُ كثيرٍ عن ابن عباس وغيرِه أَنَّ هذه الآيةَ آخرُ ما نزل من القرآن، وأَنَّ النبيَّ ﷺ عاش بعد نزولها تسعَ ليالٍ (٢).
وفي تعقيب آياتِ الربا بهذه الآية تأكيدٌ لِمَا تقدَّم في الآيات من النهي والوعيدِ، وترهيبٌ شديدٌ من ذلك اليوم الذي يقدمُ العبادُ فيه على الله فيجدون
стр. 635
أَعمالَهم مُحصاةً عليهم، فيُجزون بها جزاءً لا ظُلمَ فيه لمحسنٍ ولا مسيءٍ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٥٤)﴾ [يس: ٥٤].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا﴾ اتركوا ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ صادقين في إِيمانكم، فإِنَّ من شأنِ المؤمنِ امتثالَ أَمرِ اللهِ. نزلت لَمَّا طالب بعضُ الصحابةِ بعد النهي بربًا كان له قبل ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما أُمرتم به ﴿فَأْذَنُوا﴾ اعلموا ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لكم، فيه تهديدٌ شديدٌ لهم. ولَمَّا نزلت قالوا: [لا يَدَانِ] (١) لنا بحربه ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ رجعتم عنه ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ﴾ أُصولُ ﴿أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾ بزيادةٍ ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بنقصٍ.
﴿وَإِنْ كَانَ﴾ وقع غريم ﴿ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ﴾ له؛ أَي: عليكم تأخيره ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ بفتح السِّين وضمِّها؛ أَي: وقتَ يُسره ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ بالتشديدِ على إدغامِ التاءِ في الأصل في الصاد، وبالتخفيفِ على حذفِها؛ أَي: تتصدَّقوا على المعسرِ بالإبراءِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أَنه خيرٌ فافعلوه.
في الحديث: ((مَنْ أَنظرَ مُعسرًا أَوْ وضعَ عنه؛ أَظلَّه اللهُ في ظِلِّه يومَ لا ظلَّ إِلَّا ظلُّهُ)) رواه مسلم (٢). ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ﴾ بالبناء للمفعول، تُرَدُّون، وللفاعل: تصيرون ﴿فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ هو يومُ القيامةِ ﴿ثُمَّ تُوَفَّى﴾ فيه