← Тараджим

Тараджим · id 28

تاريخ البرزالي المقتفي لتاريخ أبي شامة - ت تدمري

علم الدين البرزالي

Полный текст (2 138 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وكانت امرأة كبيرة من بيت علم وصلاح. [عمارة جامع ظاهر دمشق] /٢٥٩ أ/وفي شهر صفر شرع في عمارة جامع ظاهر دمشق خارج باب النصر قبالة حكر السّمّاق، وحضر إليه القضاة والعلماء لتحرير قبلته، وتردّدوا بسبب ذلك مرّات، واستقرّ الحال في أمرها في يوم الأحد الخامس والعشرين من صفر وذلك بمرسوم السلطان، وإعانته، وإشارة الأمير سيف الدين نائب السلطنة ورغبته في ذلك طلبا للأجر والثواب (١). [وفاة شيخين بمكة] وفي يوم الخميس ثامن صفر توفي بمكة الشيخان الصالحان: ٥٥٠ - علي بن بحير (٢) الشيني. ٥٥١ - ونجم الدين (٣)، عبد الله بن محمد بن أبي المكارم الحمويّ. ودفنا في اليوم المذكور بالمعلّى. فأمّا الأول [ابن] بحير، فكان فاتح الكعبة المعظّمة، وشيخ الحرم. روى عن أمين الدين عبد الصمد بن عساكر. سمع منه ابن قطرال، والغرناطي، وابن خليل. وهو من أقران نجم الدين الطبري قاضي مكة. ومولد القاضي في سنة سبع وخمسين وستماية. وأمّا نجم الدين الحموي فكان شيخا صالحا، أقام مدّة طويلة بمكة، وصاهر شيخ رضيّ الدين، إمام المقام. وكان من أصحاب الشيخ نجم الدين ابن الحكيم الحموي، ويحفظ عنه حكايات وأشياء حسنة. [السيل ببعلبك] وفي يوم الخميس التاسع والعشرين من صفر وصلت الأخبار إلى دمشق بأنّ السيل حصل ببعلبك (٤) وأهلك شيئا كثيرا من الناس والدّور والعماير، وأخرب سور البلد، وحائط الجامع.

стр. 1892

ووقفت على كتاب من نجم الدين ابن المقرئ إلى الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني (١) حرسه الله، فيه: وينهي أنه لما كان نهار الثلاثاء سابع عشري صفر وقع في المدينة راعد عظيم، ووقع عقيب ذلك سيل عظيم، وخسف سور البلد من جهة الشمال ودخل المدينة، وأخرب أماكن كثيرة تزيد على ثلث البلد، ووصل إلى الجامع ودخل إليه، وارتفع فيه ما يزيد على قامة ونصف، ثم إنّه قوي على الحائط الغربي وأخربه، وأخرب من رباع الجامع وغيرها شيئا كثيرا، وعدم تحت الردم خلق كثير لا يعلمهم إلاّ الله تعالى من الرجال والنساء والأطفال، وعدم جميع ما كان في الجامع من الآلات، وكان يوما مشهودا، وتهتّك الناس. /٢٥٩ ب/والنّدب والعويل في أقطار البلد، وهذا الذي ذكره المملوك هو بعض ما جرى، وليس الخبر كالعيان. ووجد الشيخ علي بن محمد بن الشيخ على الحريري (٢) غريقا في الجامع، ومعه خلق كثير، ولطف الله تعالى بخلقه كونه ما جاء في الليل. ثم قرأ علينا قاضي القضاة نجم الدين-أيّده الله تعالى-كتاب العمادي النائب لبعلبك إليه، وكتاب نائبه القاضي جمال الدين الرحبي قاضي بعلبك بنحو من ذلك، وتوجّه من دمشق الأمير بدر الدين محمد بن معبد إلى بعلبك لرؤية الحال وكشف الأمور، فرجع ومعه هذا الكتاب: «قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفاً﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (٤)، فمن لمح هذه الواقعة العظيمة بعين الاعتبار، وشاهدها بقلب الافتكار، حمد الله تعالى حيث أراده بخير، وجعل عبرة نفسه بغيره، ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥).

стр. 1893

ولما كان بين الظهر والعصر من نهار الثلاثاء السابع والعشرين من صفر سنة سبع عشرة وسبع ماية أرسل الله تعالى سحابة عظيمة ذات رعد وبرق ومطر غزير وبرد وودق، فسالت منها الأودية شرقيّ بعلبك المحروسة، وحملت ما أتت عليه من أشجار العنب وغيره، فانفرقت على البلد فرقتين، فرقة في الناحية الشرقية بقبلة سالت حتى انتهت إلى النهر، وبحرت بحرة عظيمة على السور حتى كادت تبلغ شرفاته ارتفاعا، وتزايدت في طوله عظما وارتفاعا، فلطف الله تعالى وثبت السور وما كاد، فتصرّفت مع جريان النهر، ولم يحصل بحمد الله بسببها كبير أمر ولا كثير فساد. والفرقة الثانية ركبت البلد فيما بين باب دمشق وباب نحلة (١) شرقيّ البلد بشمال، وانزجرت هناك على السور نحوا من ذلك المنوال، فلما اجتمعت وثقلت خرقت من السور ما مساحته في الطول أربعون ذراعا، /٢٦٠ أ/مع أنه محكم البنيان، شديد الأركان، وحصل لما يليه التصدّع مع أنّ سمكه خمسة أذرع، فأخذت برجا على التمام والكمال، وبعض بدنة عن اليمين، وبعض بدنة عن الشمال. وهذا البرج ذرعه من كل جانب خمسة عشر ذراعا، فحمله الماء وهو على حاله لم ينقض حتى مرّ على فسحة عظيمة نحو خمس ماية ذراع من الأرض. وأخذ السيل في البلد إلى جهة الغرب جاريا، فما مرّ بشيء من طريقه إلاّ جعله خاويا، ولا على شاخص من البناء وغيره إلاّ جعله للأرض مساويا، فخرّب المساكن، وأذهب الأموال، وغرق الرجال والحريم والأطفال، وأثكل الأمّهات والآباء، وأيّم الأزواج، وأيتم الأبناء، ثم لم يزل حتى دخل الجامع الأعظم والمدرسة التي تليه فانجزر بهما حتى كاد يبلغ رؤوس العمد في تناهيها، فأتلف ما فيهما من المصاحف والربعات وكتب العلوم والأحاديث المجموعات، وشعّث فيها وخرّب وغرّق ما أزعج القلوب وأقلق، وانفجر الجدار الغربيّ من الجامع فهدمه، وأخذ ما مرّ عليه من البنيان، وهذا مشاهد العيان، حتى بلغ خندق القلعة المنصورة، فجرف من سور البلد الغربيّ الملاصق لها ما مقداره خمسة وعشرون ذراعا، وخرج من البلد، فما مرّ على بستان إلاّ ذهب بأشجارها بأسرها، وما ﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ (٢) حتى صارت ذو المساكن على الطرقات، وأصحاب الأموال يستحقّون الصدقات، وتهدّمت المساجد وتعطّلت الصلوات. ولقد جرى في هذا اليوم من العجائب ما لا يعدّ، ومن الغرائب ما لا يحدّ، حتى أخبر الثقات أنّه نزل من السماء عمود عظيم من نار في أوائل السيل، ورؤي من الدخان، وسمع من الصرخات في الأكوان ما يضعف الحيل، وسلم في مظنّة العطب من كتبه الله سالما على ضعفه، وعطب في مظنّة السلامة من قضى بحتفه. وكانت

стр. 1894

مساحة ما أخذ من البنيان في العرض/٢٦٠ ب/نحوا من مساحة ما انخرق من السور المتقدّم يزيد في بعض الأماكن وقد ينقص في بعض. وطول ما خرقه السيل المذكور من السور إلى السور. وأمّا ما على جنبات مجر (١) الماء من المساكن القريبة إليه والبناء الذي يحكم الماء عليه فشعّث في ذلك ما لا يحدّ، وتلف فيه من الأموال والأثاث والمتاع والغلال ما لا يحدّ، وهلك في بعض الحمّامات من النساء والأطفال سبعة نفر مع سلامة خلق كثير، ووجد في الأماكن المستفلة من الغرقى جمع كبير، وتعطّلت بعض الطواحين والأوقاف والحمّامات، وتشعّث البيمارستان، وأفضت المرضى فيه إلى الممات، ومع هذا، فما دفع الله كان أعظم وأكبر، وما بقي من العامر والأحياء فهو أكثر، وحصلت الشهادة الموجبة للجنان للأموات، والموعظة المودية إلى رضى الرحمن للأحياء في جميع الجهات. ويشهد بصحّة ذلك خطّ الحاكم بها، وشهادة من يضع شهادته فيه. وخط الحاكم ثبت عندي مضمونه، وعاينت بعض ذلك، وكتب أبو بكر الخابوري (٢). وممّن شهد فيه: الشيخ قطب الدين ابن اليونيني (٣)، وابن أخيه محيي الدين (٤)، وشمس الدين ابن المجد (٥)، ومحيي الدين الخطيب (٦)،

стр. 1895

ونجم الدين باجوك (١)، وصدر الدين بن زيد (٢)، وهو كتب الكتاب المذكور، وأخوه تاج الدين زيد (٣)، وعزّ الدين ابن العنبري (٤)، ونور الدين (٥) (رضيّ) (٦)، وشمس الدين فريح (٧)، وخلق كثير سواهم. وبعد ذلك وقفت على ورقة فيها: إنّ البيوت والحوانيت التي تهدّمت في هذه الواقعة ببعلبك نحو ستماية بيت وحانوت، وخرب من البساتين نحو العشرين، ومن الطواحين ثمانية، خارجا عن الجامع والمدرسة الأمينية. وأمّا الدور التي دخل إليها السيل وعدم ما فيها فكثيرة لم تحصر، وعدم من الناس المعروفين ماية وأربعة وأربعون من الرجال والنساء والصبيان، وذلك سوى الغرباء. ربيع الأول [وفاة العماد عبد الرحيم الموصلي] ٥٥٢ - في يوم الثلاثاء/٢٦١ أ/ثاني عشر شهر ربيع الأول توفي العماد عبد الرحيم بن الشيخ علي بن إبراهيم الموصلي (٨)، الجابي بالمدرسة الدولعية، ودفن بسفح قاسيون. وكان موته فجأة. وكان شابّا عاقلا، وله شيء جمعه، وكان يقرض ويقضي حوائج الناس، ويخرج الزكاة. [وفاة الفقيه شبل الحواري] ٥٥٣ - وفي ليلة الأربعاء الثالث عشر من ربيع الأول توفي الشيخ الفقيه، الصالح، الفاضل، أبو أحمد، شبل (٩) بن سعد الحواري، الحنبلي، ودفن من الغد بمقبرة الباب الصغير، وله خمسة (١٠) وخمسون سنة.

стр. 1896

وكان رجلا جيّدا، مباركا، كثير الفضيلة والديانة والعفّة والنزاهة من خيار المسلمين. [الوعظ بجامع دمشق] وفي يوم السبت السادس عشر من شهر ربيع الأول جلس بجامع دمشق على المنبر الصدر، كمال الدين، محمد بن (١) شيخنا عزّ الدين محفوظ بن البزوري، البغدادي، التاجر ووعظ الناس وأجاد وأحسن، وفرح الناس، وتذاكروا مجالس أخيه الشيخ نجم الدين معتوق، ووصفوا حسنها، رحمه الله تعالى. [وصول الأمير ابن مهنّا من القاهرة] وفي يوم الأحد السابع عشر من شهر ربيع الأول وصل من القاهرة إلى دمشق الأمير محمد بن الأمير عيسى بن مهنّا من حضرة السلطان مكرما مبجّلا، منعما عليه، وتلقّاه نائب السلطنة وحضر إليه غير مرة، وهو رجل كبير القدر، فيه الخير والدين والعقل الوافر، وفرح الناس بحضور أمير العرب بين يدي السلطان وإقباله عليه ورجوعه سالما إلى قومه (٢). وهو أخو الأمير مهنّا بن عيسى. [وفاة الفقيه شهاب الدين المراغي] ٥٥٤ - وفي ليلة الخمس الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول توفي الشيخ الفقيه، الإمام، المقرئ، شهاب الدين، أحمد بن محمد بن إبراهيم المراغي (٣)، الرومي، ودفن بمقبرة الصوفية. وكان إمام الحنفية بجامع دمشق، ومدرّسا بالمدرسة المعينية، وشيخا بالخانقاه الخاتونية ظاهر دمشق، وباشر غير ذلك من الجهات، وترك الجهات المذكورة لولديه في حياته، وكان باشر إمامة نائب السلطنة/٢٦١ ب/الأمير جمال الدين الأفرم مدّة، وتقدّم عنده، وكان يحبّه ويكرمه. وكانت فيه مروءة وافرة وإعانة للضعيف وقيام في الحق. وكان بنى على الشرف زاوية حسنة فيها أماكن نزهة ومواضع طيّبة، وكان الناس يقصدونه ويقيمون عنده فيلقاهم بانشراح وسعة صدر ومكارم أخلاق. [وفاة فاطمة بنت عميرة الفرّاء] ٥٥٥ - وفي ليلة الجمعة الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول توفيت الشيخة

стр. 1897

الصالحة، المباركة، أمّ محمد، فاطمة (١) بنت عبد الرحمن بن عمرو بن موسى بن عميرة، المعروف والدها بالفرّاء وبالمنادي أيضا، الصالحية الحنبلية، وصلّي عليها عقيب الجمعة بالجامع المظفّري، ودفنت بتربة الشيخ موفّق الدين ابن قدامة. وقد جاوزت التسعين. وكان مولدها تقريبا في سنة ستّ وعشرين وستماية. سمعت من ابن الزبيدي حضورا ميعادين من «صحيح البخاري»، وهما التاسع والعاشر من اثنين وعشرين ميعادا، وأولها باب الركاب والغرر للدابة، وآخرهما باب نسبة أهل اليمن، وروت ذلك غير مرة، ولا يعلم لها رواية غيره، ولم يوجد اسمها في الطبقة، وإنّما وجدناه في أوراق الأسماء، وعلى اسمها علامة سماعها للميعادين المذكورين. وكانت امرأة صالحة، خيّرة، مباركة، وأقعدت في آخر عمرها. وهي زوجة ابن عمّها الشيخ إبراهيم بن أبي الحسن بن عمرو الفرّاء. سمعنا منها ومن زوجها المذكور، ومن أخويها: الشيخ عزّ الدين إسماعيل، وصفيّة، رحمهم الله تعالى. وكان أبوها دلاّلا بالخوّاصين (٢). [وفاة القاضي نجم الدين داود الملطي] ٥٥٦ - وفي يوم الأحد ثالث شهر ربيع الأول توفي القاضي، الفقيه، الإمام، نجم الدين، أبو سليمان، داود بن مروان بن داود الملطي (٣)، الحنفيّ بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة، ودفن من الغد بالقرافة. وكان شيخا كبيرا من أعيان الحنفية، درّس بعدّة مدارس، وولي قضاء العسكر. وكان تقدّم إلى دمشق ويحكم فيها نيابة عن قاضي القضاة حسام الدين أيّام إقامته. وكان فيه مروءة وتعصّب. /٢٦٢ أ/ ربيع الآخر [الحريق بجوار المارستان الصغير] في يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الآخر وقع حريق جوار المارستان الصغير بدمشق، وسلّم الله تعالى المارستان، وتشعّثت أماكن يسيرة.

стр. 1898

[وفاة تاج الدين فائد القرشي] ٥٥٧ - وفي ليلة الثلاثاء السابع عشر من شهر ربيع الآخر توفي الشيخ الأجلّ، تاج الدين، أبو محمد، فائد (١) بن رضوان بن فائد بن راضي بن سلامة بن حسن بن أحمد القرشي، العجلوني، وصلّي عليه ظهر هذا اليوم بجامع دمشق، ودفن بسفح جبل قاسيون. ومولده بمنا (٢)، شرّفها الله تعالى، في أحد أيام منى من سنة ثلاث وخمسين وستماية. وكان يجلس مع الشهود، وكتب بين يدي قاضي القضاة حسام الدين الحنفي مدّة، ثم خدم في جهات الكتابة، وتنقّل في جهات كبار وصغار، ولما مات كان عاملا بديوان الحشر. روى لنا عن ابن أبي اليسر. [وفاة المقرئ بدر الدين ابن أبي الفضل القرشي] ٥٥٨ - وفي سحر الأربعاء الثامن عشر من شهر ربيع الآخر توفي الشيخ المقرئ، بدر الدين، عثمان بن سيف (٣) بن أبي الفضل القرشي، الدمشقي، القوّاس، ودفن بمقبرة الباب الصغير، وبلغ التسعين. وكان شيخا مباركا، كثير التلاوة، حافظا لكتاب الله، وكان قرأ القراءات بالروايات على الشيخ علم الدين القاسم الأندلسي، والشيخ زين الدين الزواوي، وكانت له حلقة تصدّر بالجامع. وهو والد صاحبنا ناصر الدين محمد بن القوّاس. [الغارة على آمد] وفي العشر الأول من شهر ربيع الآخر حصلت غارة من عسكر حلب على مدينة آمد، ووقع أسر ونهب وسبي، ووصل خبرها إلينا بدمشق في أول جمادى الأولى (٤). [وفاة الصدر فخر الدين ابن نعم الله العزازي] ٥٥٩ - وفي عصر يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر توفي الشيخ الصالح، الأمين، العادل، الصدر، فخر الدين، أبو محمد، عثمان بن أبي الوفاء بن

стр. 1899

نعم الدين العزازي (١)، ولم يجتمع في جنازة ما اجتمع له من العالم، وصلّي عليه ضحوة يوم الأربعاء بجامع دمشق، ودفن بتربته بمقبرة الباب الصغير. وكان رجلا جيّدا، صالحا، مباركا، كثير الأمانة، وافر المروءة، مواظبا على التلاوة والبرّ والصدقة وفعل/٢٦٢ ب/المعروف، مشكور السيرة، أجمع الناس يوم موته على الثناء عليه ووصفه بكل جميل. روى لنا عن ابن أبي اليسر، وأيوب الحمّامي. وممّا اشتهر من أمانته ردّه لوديعة الأمير عزّ الدين الجناحي نائب غزّة، وكان أودعه إيّاها، ومقدارها ستّون ألف دينار من عين وجوهر وغير ذلك. ومات المذكور في التجريد بحلب، ولم يكن اطّلع على الوديعة أحد، فاجتمع فخر الدين بولاة الأمر وعرّفهم بالوديعة ديانة وأمانة، وبراءة لذمّته، جزاه الله خيرا. جمادى الأولى [إعادة الأمير منصور بن جمّاز إلى المدينة المنوّرة] وصلت الأخبار في جمادى الأولى أنّ الأمير منصور بن جمّاز أعيد إلى المدينة الشريفة النبويّة، حضر معه أمير من الديار المصرية إليها وقرّره فيها على عادته، وقد كان في آخر السنة الخارجة بعد الحج أخذه من المدينة الأمير سيف الدين أرغون نائب السلطنة إلى الديار المصرية، وقرّر عوضه ابن أخيه فبقي في القاهرة مدّة يسيرة، ثم أنعم عليه السلطان ورضي عنه وأعاده (٢). [التشويش في المدينة] وبلغنا أيضا أنّ بعد استقراره في المدينة أغار عليه أولاد أخيه وألجأوه إلى جبل، وحصل بالمدينة تشويش، ثم سلّمه الله تعالى واستقرّ أمره. [جلوس ابن خربندا على تخت الملك] وفي مستهلّ هذا الشهر جلس أبو سعيد ابن خربندا على تخت الملك وذلك بالمدينة السلطانية وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة. [خروج السلطان إلى الكرك والشوبك وعودته] وفي يوم الخميس الرابع من جمادى الأولى خرج السلطان-أعزّ الله أنصاره- من القاهرة، ووصل إلى غزّة في ليلة الجمعة الثاني عشر منه، وتوجّه من دمشق نائب

стр. 1900

السلطنة لتلقّي السلطان في يوم الثلاثاء تاسعه، فاجتمع به بالقرب من حسبان وبركة زيزا وخلع عليه وعلى من صحبه من الأمراء، وأذن لهم في الرجوع فعادوا إلى دمشق ووصلوا إليها في يوم الخميس الخامس والعشرين من هذا الشهر. وتوجّه السلطان إلى الكرك وأقام في أراضيه وأراضي الشوبك أياما، /٢٦٣ أ/ثم ردّ راجعا إلى القاهرة ودخلها في الثامن عشر من جمادى الآخرة (١). [تولية قضاء القضاة بالشام] وفي يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى قدم دمشق المحروسة قاضي القضاة، فخر الدين، أبو العباس، أحمد بن القاضي تاج الدين أبي الخير سلامة ابن القاضي الإمام زين الدين أبي العباس أحمد بن سلامة الإسكندري، المالكي، متولّيا قضاء القضاة بالشام المحروس على مذهب الإمام مالك ﵁، وخرج القضاة والأعيان للقائه، وقرئ تقليده بجامع دمشق يوم الأحد ثاني يوم وصوله بحضور الأعيان والفقهاء وعامّة الناس وهو مؤرّخ بالثاني عشر من شهر ربيع الآخر، وفيه أنه ولّي (٢) عوضا عن القاضي جمال الدين الزواوي لضعفه واشتداد مرضه (٣). جمادى الآخرة [الدرس بجامع دمشق والمدرسة النورية] في يوم الأربعاء مستهلّ جمادى الآخرة ذكر الدرس قاضي القضاة، فخر الدين ابن سلامة المالكي بجامع دمشق والمدرسة النورية، وحضر عنده القضاة والأعيان، وهو إمام كبير من فضلاء مذهبه المشهورين بالديار المصرية، جمع بين الفقه والدين والصرامة، وشرف البيت، وطهارة النشأة، ونزاهة النفس، ونقاء الساحة، وهو من قضاة العدل، مرضيّ الدين، محمود الطريقة. [خلاص الأمير بهادر آص من الترك] وفي يوم الإثنين السادس من جمادى الآخرة وصل الخبر إلى دمشق بخلاص الأمير سيف الدين بهادر آص بأنه حمل من الترك إلى القاهرة مكرما منعما عليه، وأنّ السلطان رضي عنه، ففرح أهله وغلمانه وجميع الناس، فإنّه

стр. 1901

أمير محبوب إلى الرعيّة لجودته وكثرة صدقاته وعقله وسكونه (١). [وفاة عماد الدين ابن أبي الزهر التنوخي] ٥٦٠ - وفي عشيّة الثلاثاء سابع جمادى الآخرة توفي عماد الدين، أحمد بن الصدر شهاب الدين أحمد بن فخر الدين عثمان بن أبي الرجاء بن أبي الزهر (٢) التنوخي، الدمشقي، المعروف بابن السلعوس، ببستانه بالربوة، ودفن بكرة الأربعاء بمقبرة الباب الصغير. وكان حجّ كثيرا، وفيه ميل إلى الفقراء وله إحسان إليهم، وكان يعتريه في بعض الأوقات نقص في عقله، وله تجارة وتكسّب، وفيه عشرة وكيس، وكان في/ ٢٦٣ ب/أيام عمّه شهد على قاضي القضاة شهاب الدين ابن الخوئي. ومولده في سنة ستّ وستين وستماية بدمشق. وأسمعه والده كثيرا. ومن شيوخه القاضي ابن عطاء، وابن علاّن، وابن البخاري، وحدّث بطريق الحجاز بالعلا (٣). قرأت عليه لابني محمد، ﵀ «نسخة غنجار»، بسماعه من القاضي شمس الدين بن عطاء. [وفاة الفقيه بدر الدين أبي القاسم الحرّاني] ٥٦١ - وفي يوم الأربعاء الثامن من جمادى الآخرة توفي الشيخ الفقيه، الإمام، العالم، الفاضل، بدر الدين، أبو القاسم (٤) بن محمد بن خالد بن إبراهيم الحرّاني، ودفن آخر هذا اليوم بمقابر الصوفية عند والدته، وحضره جمع كبير. ومولده تقريبا في سنة خمسين وستماية، أو إحدى وخمسين بحرّان. وتفقّه ولازم الاشتغال على شيوخ مذهبه مدّة، وسمع من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وابن الصيرفي، والقاضي شمس الدين الحنبلي، والقاضي شمس الدين الحنفي، وجماعة كبيرة. وكان إماما بالمدرسة الجوزية، وفقيها بالمدارس، ودرّس بالمدرسة الحنبلية نيابة عن أخيه لأمّه الشيخ الإمام، شيخ الإسلام تقيّ الدين ابن تيميّة، نفع الله تعالى به، وباشر إمامة المسجد الكبير بالرمّاحين المعروف بالحنابلة، وأفتى، وكان فقيها مباركا، كثير الخير، قليل الشرّ، حسن الخلق، منقطعا عن الناس،

стр. 1902

وحصّل شيئا من المال، وكان يتّجر ويتكسّب، وخلّف لأولاده تركة. وروى «جزء ابن عرفة» مرّات عديدة. [وفاة قاضي القضاة جمال الدين الزواوي] ٥٦٢ - وفي يوم الخميس التاسع من جمادى الآخرة توفي قاضي القضاة جمال الدين، أبو عبد الله، محمد بن الشيخ الصالح أبي الربيع سليمان بن سومر الزواوي (١)، المالكي، بدمشق، بالمدرسة الصمصامية المالكية، وصلّي عليه عقيب صلاة الجمعة بجامع دمشق، ودفن بمقبرة الباب الصغير في طرف المقبرة قبالة مسجد النارنج، وحضر خلق كثير، وأثنى الناس عليه وعلى سيرته. ومولده في سنة تسع وعشرين (٢) وستماية، أو في سنة ثلاثين تقريبا. وقال لي: دخلت الإسكندرية من المغرب يوم عيد الفطر سنة خمس وأربعين وستماية ولم أكن احتلمت، وإنّما احتلمت بعد ذلك بسنتين، وبلغني موت والدي/ ٢٦٤ أ/في سنة سبع وأربعين، فلم أرجع إلى المغرب، وكان يذكر له نسبا أكثر من عشرين اسما، ولكنّ غالبها مشكلة تحتاج إلى ضبط، فلذلك تركتها. واشتغل بالفقه بالديار المصرية، وسمع الحديث من الشيخ شرف الدين المرسي، والإمام أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي، والشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام، وأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن برطلة المرسي، وغيرهم. وكان بالقاهرة من أعيان العدول والقصّاد، وناب في الحكم بالشرقية والغربية، وناب بالقاهرة، وترجّح لتولية القضاء بالديار المصرية عقيب وفاة ابن شاس، فلم يتمّ ذلك، وولّي ابن مخلوف. ثم إنه ولّي قضاء دمشق. وقدم علينا في عاشر جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وستماية، واستمرّ قاضيا بدمشق نحو ثلاثين سنة، وكان فيه صرامة وقوّة في الأحكام، وبذلها، وظهر في أيامه من أحكام مذهب مالك ما لم يكن معروفا قبل ذلك، وعمّر المدرسة النورية والمدرسة الصمصامية، وحصل له في وسط ولايته رعشة واشتدّت به، وكان يقوم

стр. 1903

بوظيفة القضاء بكلفة ومشقّة، وثقل لسانه عن الكلام، وبقي كذلك إلى أن مات، وانصرف عن الحكم قبل موته بنحو عشرين يوما (١). وحدّث ب «صحيح مسلم» وب «موطّأ مالك» رواية يحيى بن يحيى، وبكتاب «الشفاء» للقاضي عياض، وغير ذلك. [وفاة شمس الدين ابن بلال المقدسي] ٥٦٣ - وفي ليلة السبت الحادي عشر من جمادى الآخرة توفي الشيخ شمس الدين، أبو عبد الله، محمد ابن الشيخ الإمام، الزاهد، القدوة، صلاح الدين، موسى بن الشيخ الإمام، الفقيه، المحدّث، الزاهد، شهاب الدين أبي عبد الله محمد بن خلف بن راجح (٢) بن بلال المقدسي، ثم الصالحي، الحنبليّ، ودفن من الغد بتربة الشيخ موفّق الدين بسفح قاسيون. ومولده في حادي عشر شوال سنة إحدى وأربعين وستماية. وكان شيخا حسنا، له نظم، وعنده فضيلة، وسافر إلى البلاد في طلب الأسرى، واجتمع بأعيان تلك الديار، وأكرموه. سمع من ابن قميرة الجزء الرابع من «حديث الصفّار» بسماعه من شهدة، وحدّث به مرّات عدّة، وسمع من ابن مسلمة، /٢٦٤ ب/والمرسي، واليلداني، وابن سعد، وخطيب مردا، ومحمد وعبد الحميد ابني عبد الهادي، وإبراهيم بن خليل، وجماعة غيرهم. وكان والده فقيها، وقرأ طرفا من الخلاف، وكتب الخط الحسن، ثم إنه سلك طريقة الفقر والتجريد، وساح في البلاد، وله شعر حسن يسلك فيه مسلك أهل التصوّف. ومات في سنة ثلاث وأربعين (٣)، وكان ولده هذا رضيعا. [وفاة الطواشي ظهير الدين مختار العزّي] ٥٦٤ - وفي ليلة الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الآخرة توفي الطواشي

стр. 1904

الصالح، ظهير الدين، مختار العزّي (١)، القلانسيّ، ودفن من الغد بسفح قاسيون. وكان رجلا مباركا فيه خير ومودّة وتواضع ونصح وشفقة، وحجّ غير مرة، وكان كثير التلاوة، ملازما للتكرار، مات ولم يبلغ خمسين سنة. ورافقناه في الحجّ، وسمع معنا من بعض الشيوخ. [وفاة الأمير علاء الدين كشتغدي] ٥٦٥ - وفي الثاني عشر من جمادى الآخرة توفي الأمير الكبير، المعمّر، علاء الدين، (أبو أحمد) (٢) كشتغدي (٣) بن عبد الله الصيرفي، الخطائي بالجوذريّة بالقاهرة. وكان شيخا معمّرا، جاوز التسعين. سمع من النجيب الحرّاني، ومن بعض أصحاب البوصيري، والخشوعي، وله ولدان سمعا معه، وهما: ناصر الدين محمد، وشهاب الدين أحمد، جنديّان بالحلقة المصرية. وضبط وفاته لنا ابن المزّي في يوم الإثنين ثالث عشر الشهر المذكور. [هلاك برصوما النصراني] ٥٦٦ - وفي يوم الأحد تاسع عشرين جمادى الآخرة هلك برصوما (٤) النصرانيّ، وكان مقيما بدير شعرانة في آخر مصر المحروسة، ويتردّد إليه جماعة من أهل ملّته، وجماعة من المسلمين من ضعفاء العقل. كتب إليّ بذلك فخر الدين المقاتلي. رجب [خلاص الأمير بهادر آص من السجن] وفي ليلة الإثنين رابع رجب وصل إلى دمشق الأمير الكبير، سيف الدين، بهادر آص المنصوري، ودخل داره وقت العشاء، وسرّ الناس بسلامته وخلاصه من السجن، وتوفّرت الأدعية للسلطان، أعزّ الله أنصاره (٥).

стр. 1905

[توجّه ابني غانم إلى القاهرة وإكرامهما] وفي يوم الإثنين رابع رجب توجّه الشيخ علاء الدين ابن غانم، وأخوه الشيخ شهاب الدين إلى القاهرة المحروسة على البريد بطلب من السلطان، /٢٦٥ أ/ولما وصلا أكرما، ورسّم للشيخ علاء الدين بكتابة السرّ بحلب، فاستعفى من ذلك، وعرض عليه الإقامة بالقاهرة، فلم يختر سوى بلده ووطنه، فرسّم له بزيادة في معلومه بدمشق، ورسّم لهما بخلعتين، فرجعا إلى دمشق على البريد، ووصلا في مستهلّ شهر رمضان، وحملت إليهما الخلعتان فلبساها، وحضر الناس إليهما للتهنئة بالقدوم والسلامة واستقرار الخاطر بدمشق. [خروج المحمل السلطاني] وفي يوم الإثنين الحادي عشر من رجب أخرج المحمل السلطاني من القلعة المحروسة من دمشق، وركب الناس أمامه، وخرج الناس للتفرّج، ولم يحضر نائب السلطنة لمرضه، ولا قاضي القضاة الشافعي لسفره، وعلم الناس بالحجّ والإذن بتوجّه الركب، وحمل السنجق إلى الجامع أيام الجمع، وتوفّرت الأدعية للسلطان، نصره الله تعالى. [وفاة الصدر مجد الدين الحرّاني] ٥٦٧ - وفي يوم الأربعاء الثالث عشر من رجب توفي الصدر مجد الدين، محمد ولد الشيخ الصدر الكبير، القاضي شمس الدين محمد بن يحيى بن قاضي الحرّاني (١)، وهو ولد ناظر الأوقاف بدمشق، ودفن بسفح قاسيون. وكان شابا، مات في عشر الثلاثين من العمر. [خسوف القمر] وفي ليلة الخميس رابع عشر رجب خسف القمر وصلّينا صلاة الخسوف بجامع دمشق. [وفاة أبي العباس ابن ملاعب] ٥٦٨ - وفي يوم الخميس رابع عشر من رجب توفي أبو العباس، أحمد بن الشيخ محمد بن علي بن ملاعب (٢) بن (. . .) (٣) الصالحي، القبّاني، وكذلك كان أبوه، وصلّي عليه ظهر اليوم المذكور بالجامع المظفّري، ودفن بسفح قاسيون.

стр. 1906

ومولده تقريبا سنة سبع وخمسين وستماية. وسماعه من ابن عبد الدائم في سنة اثنتين وستين وستماية، روى لنا عنه. وكان يزن بالقبّان بدمشق عند العطارين بالسوق الكبير. وروى والده عن موسى بن الشيخ عبد القادر الجيلي، والشيخ موفّق الدين. [وفاة برهان الدين البخاري] ٥٦٩ - وفي يوم الجمعة منتصف رجب توفي الشيخ برهان الدين () (١) البخاري، الصوفي، القصّار، بالخانقاه السميساطية، وصلّي عليه بالجامع المعمور، ودفن بمقابر الصوفية. وكان رجلا حسنا، كثير السكون، يحضر معنا دار الحديث الأشرفية. [وفاة أبي بكر الإسعردي المتطبّب] ٥٧٠ - /٢٦٥ ب/وفي يوم الجمعة منتصف رجب توفي الشيخ أبو بكر بن حمد الإسعردي (٢)، المتطبّب وكان مشتغلا وله كتب. وهو أخو عبد الله السعرتي الإصطرلابيّ. [وفاة زين الدين ابن حميد المقدسي المعروف بابن القيراط] ٥٧١ - وفي ليلة الأحد السابع عشر من رجب توفي زين الدين، أبو محمد، عبد الرحمن بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن حسن بن حامد بن حسن بن إدريس بن حميد المقدسي، الحنبلي، المعروف بابن القيراط (٣)، بقرية الأشعريّ، من الشعراء، ودفن هناك يوم الأحد بعد الظهر. ومولده يوم الثلاثاء سادس عشر رمضان سنة إحدى وستين بسفح قاسيون. روى لنا «جزء ابن عرفة» عن ابن عبد الدائم، وسمع من جماعة من شيوخ الصالحية، من أصحاب ابن طبرزد، وغيرهم. وكان يحضر عند قاضي القضاة تقيّ الدين الحنبلي ويشهد عليه وعلى غيره. [وفاة العدل شهاب الدين ابن ضرغام المنشاوي] ٥٧٢ - وفي يوم السبت الثالث والعشرين من رجب توفي العدل، شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن (٤) شيخنا كمال الدين عبد الرحيم بن عبد المحسن بن

стр. 1907

حسن بن ضرغام المنشاوي (١)، الحنبليّ بالقاهرة، ودفن من الغد بالقرافة. ومولده في سنة سبع وخمسين وستماية. سمع «جزء ابن عرفة» من النجيب عبد اللطيف الحرّاني، وكان شاهدا بين القصرين، ويخدم على المطبخ السلطاني. [زيادة النيل] ووصل كتاب فخر الدين المقاتلي يخبر فيه أنه حصل في هذه السنة من زيادة النيل ما لم يتفق من سنين، وهو أنه بلغ ستة أصابع من تسعة عشر ذراعا، وكسر بالوفاء قبل النيروز مدّة، وخاف الناس من الغرق بسبب ذلك، وتقطّعت (به) (٢) جسور كبيرة، وغرق كثير من البلاد المستفلة، وغرقت منية الشيرج ليلا، وذهب للناس فيها من الأموال الذهب والفضّة والبساتين والدّور والكتّان والغلال شيء كثير (٣). [الخلاف بين الأمير بكتمر الساقي وورثة الملك الظاهر] وأنه كان للأمير سيف الدين بكتمر الساقي إصطبل بأرض بركة الفيل، والأرض لورثة الملك الظاهر وقف عليهم، فتعرّض إليهم. وقيل إنّ الأرض زادت معهم، فأرسل وكيل بيت المال ونوّاب الحكم والعدول وأمير لقياس الأرض فلم تزد شيئا، /٢٦٦ أ/ فأرسلوا مرة أخرى، وقيل إنها زادت قطعة، فقالوا اعطونا أرض الإصطبل عوضا عن هذه القطعة الزائدة، فقيل: الأرض وقف، وما يمكن التعويض، لكن نشهد علينا بقبض أجرة الأرض مهما أردتم من السنين، فلم يحصل الرضى بذلك، فقيل للسلطان إنّ مذهب أبي حنيفة يجوز فيه التعويض. فطلب قاضي القضاة شمس الدين ابن الحميري الحنفي وطلب منه ذلك، فامتنع من الحكم بالمقايضة، وقال: هذه رواية عن أبي يوسف (٤) وحده، وأنا لا أعمل بها. فولّى السلطان بمصر القاضي سراج الدين عمر صهر السروجي حاكما، وعزل قاضي القضاة شمس الدين عن مصر، فأجاب سراج الدين إلى الحكم بالتعويض واختاره، وبقي على قضاء مصر مدّة يسيرة ومات. وأعيد قاضي القضاة شمس الدين وعظمت مكانته بهذه الواقعة، وخلع عليه خلعة سنيّة. شعبان [وفاة الفقيه عبد الله الشريشي] ٥٧٣ - في يوم الخميس الخامس من شعبان توفي الشيخ الصالح، الفقيه، أبو

стр. 1908

محمد، عبد الله بن علي بن أحمد الشّريشي (١)، الشافعيّ، المؤدّب، ودفن من يومه بمقبرة الباب الصغير. وكان رجلا جيّدا، مواظبا على وظائفه ومسجده ومكتبه، وفيه فضيلة، وجوّد الخط وأحسن على طريقة (بلادنا) (٢)، ونسخ جملة من الكتب. وله نظم حسن، مدح قاضي القضاة عزّ الدين ابن الصائغ، وقاضي القضاة بهاء الدين ابن الزكي، والشيخ زين الدين (الفارقي، وغيرهم) (٣). ويحفظ القرآن حفظا متقنا. وسألته عن مولده فقال: في سنة اثنتين وأربعين وستماية تقريبا بمدينة إشبيلية. وقال: لي أذكر (٤) (أخذ إشبيلية من المسلمين)، وكان ذلك في رجب سنة ستّ وأربعين وستماية. وكان أبوه أيضا مؤدّبا بشريش معروفا بذلك. وسمع أبو محمد هذا كثيرا من الأحاديث النبوية بدمشق من الكتب والأجزاء. وكان مواظبا لذلك. وحدّث معنا بمجالس رمضان الثلاثة من «أمالي الجوهري» عن ابن علاّن. وله مرثيّة رثى بها الشيخ محيي الدين النواوي، رواها لنا عنه الشيخ علاء الدين ابن العطار في جمعه لأخبار الشيخ، وكان هو حاضرا فسرّ بذلك. [وفاة فخر الدين عثمان بن يعقوب المارديني] ٥٧٤ - وفي/٢٦٦ ب/يوم الإثنين التاسع من شعبان توفي الشيخ الصالح، فخر الدين، عثمان بن يعقوب بن إبراهيم المارديني، المعروف بالفرّاش (٥)، المقيم بمقصورة الحلبيّين، بجامع دمشق، ودفن بمقابر الصوفية. وكان رجلا مباركا، حسن الخلق، خيّر الطباع، كثير المودّة والتواضع. سمع معنا كثيرا لما قدم الشيخ جمال الدين ابن الظاهري لتسميع ولده فخر الدين وكان يخدمه ويواظبه. [وفاة الفقيه شمس الدين ابن اللبّان] ٥٧٥ - وفي ليلة الخميس الثاني عشر من شعبان توفي الفقيه الفاضل، شمس الدين، محمد بن النجم إبراهيم بن عثمان بن علي بن اللبّان (٦) الشافعي، وصلّي عليه من الغد بجامع دمشق، ودفن بمقابر الباب الصغير.

стр. 1909

وكان رجلا جيّدا، فقيها، فاضلا، صالحا، كثير الخير، محبّا لأهل العلم والصلاح، ملازما للاشتغال بالفقه، وكتب بخطه عدّة كتب، وصاهر الشيخ شمس الدين بن النقيب وتزوّج بابنته، وأسكنه بمدرسته الصارمية، وبها مات. [وفاة القاضي عماد الدين ابن يعقوب الأنصاري] ٥٧٦ - وفي حادي عشر شعبان توفي القاضي، عماد الدين، محمد بن محمد بن يعقوب الأنصاري، المصري، الكاتب، المعروف بالنويريّ (١)، بطرابلس، ودفن بها. وكان يومئذ صاحب ديوانها. كان من أجود الناس طباعا، ويحفظ الكتاب العزيز، وهو كثير التلاوة له، ويصوم الخميس دائما، وله حسن عقيدة في الفقراء، وعنده برّ كثير وصدقة، وخدم في الأنظار الكبار بمصر والشام. تولّى نظر المرج والغوطة والإقليم، ونقل منه إلى صحابة الديوان بدمشق وإلى نظر صفد، ومن صفد إلى الكرك مدّة طويلة، وأعيد إلى صفد، وآخر وقت ولّي صحابة ديوان طرابلس. وكان كريما متواضعا لا يدّخر شيئا، كثير النفقات، ومات في عشر الثمانين، ﵀. ضبطه وذكر ذلك من أمره الشيخ شمس الدين الجزريّ المؤرّخ (٢). [وفاة عماد الدين محمد بن عبد المؤمن البوصري] ٥٧٧ - وفي الخامس والعشرين من شعبان توفي الشيخ عماد الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد المؤمن بن عبد الكريم بن عبد المحسن بن عبد الله بن محمد البوصيري (٣)، الصعيدي، الإسكندريّ، بها، ويلقّب أيضا بالجمال. وكان شيخا كتّانيّا، سمع من سبط السلفي، وحدّث. وأجاز لنا/٢٦٧ أ/قبل موته بنحو ثلاثين سنة. [وفاة الأمير زين الدين مبارك المنصوري] ٥٧٨ - وفي يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان توفي الأمير زين الدين، مبارك المنصوري (٤)، ودفن بسفح قاسيون.

стр. 1910

وكان أمير خمسين بدمشق، ثم نقل إلى طرابلس فعمي هناك، فقطع خبزه، ثم إنّه قدح عينيه فأبصر ولم يعد إليه الخبز. [وفاة القاضي سعد الدين سعد الله الفارقي] ٥٧٩ - وفي يوم الجمعة السابع والعشرين من شعبان توفي القاضي الأجلّ، الصدر، الرئيس، العالم، الفاضل، عزّ الدين، أبو عبد الله، محمد ابن شيخنا القاضي، الإمام العالم، الصدر، الرئيس، سعد الدين أبي الفضل سعد الله بن الشيخ الفقيه، العدل، بدر الدين، مروان بن عبد الله الفارقي (١)، وصلّي عليه عقيب الجمعة بجامع دمشق، ودفن بمقبرة المزّة. وعمره اثنان وخمسون سنة. وسمع معي من ابن علاّن، وغيره. وكان فاضلا، حسن الكتابة، متعيّنا بين كتّاب الدّرج، مشكور السيرة، مواظبا على وظيفته، وخلّف عدّة أولاد، منهم اثنان خدما عقيب موته في ديوان الإنشاء. [وفاة صلاح الدين محمد بن أيوب الشعّار] ٥٨٠ - وفي ليلة الأحد التاسع والعشرين من شعبان توفي صلاح الدين، محمد بن أيوب بن خليفة (٢) الدمشقي، الشعّار والده، ودفن من الغد بمقبرة الباب الصغير. وله من العمر أربعة وعشرون سنة. سمع معنا على جماعة من الشيوخ، وكمّل حفظ «التنبيه» و «الأحكام»، ونظم شيئا من الشعر. وكان شابّا عاقلا، فيه نباهة ومعرفة وحسن مودّة. شهر رمضان [وفاة القاضي الصدر شرف الدين ابن المجلّي القرشي] ٥٨١ - وفي يوم الثلاثاء الثاني من شهر رمضان توفي القاضي، الصدر الكبير، العالم، الفاضل، البارع، الكامل، شرف الدين، أبو محمد، عبد الوهّاب بن الصدر جمال الدين فضل الله بن المجلّي القرشي، العدوي، العمريّ (٣)، وصلّي عليه ضحى يوم الأربعاء بجامع دمشق، ودفن بسفح جبل قاسيون.

стр. 1911

ومولده في سابع ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين وستماية بدمشق. وكان مقدّم كتّاب الإنشاء بالديار المصرية والبلاد الشامية، ومتولّي أمر أسرار الدولة. وكان فاضلا، عارفا بتدبير/٢٦٧ ب/الممالك. قضى معظم عمره في ذلك، ولم يزل قائما بهذه الوظيفة، مثابرا عليها، كافيا فيها إلى أن توفي، ولم يتغيّر عليه شيء من حواسّه، بل كان يركب ويسافر، ويكتب كتابة حسنة، ويضبط أمر الديوان، ويخدم السلطان أتمّ خدمة، وكان مشكور السيرة، حسن الخلق، محبّا للخير، له عقيدة في أهل العلم والدين، لا يسمع منه إلاّ الخير ويقضي حاجة من قصده. سمع وهو كبير ابن خمسة (١) وأربعين سنة من ابن عبد الدائم المقدسي «جزء ابن عرفة»، و «جزء الحوراني»، وحدّث بهما عنه، وأجاز له الرشيد بن مسلمة، والسديد بن علاّن، وجماعة، ولم تكن روايته على مقدار عمره. ورثاه القاضي شهاب الدين محمود بقصيدة عدّتها ثلاثة وأربعون بيتا، أوّلها: لتبك المعالي والنّهى الشرف الأعلا (٢) … وتبك الورى (٣) الإحسان والحلم والفضلا وفارق منه الدّست صدرا مكملا (٤) … رحيبا يردّ الحزن تدبيره سهلا تولّى حميدا ما أساء إلى امرئ … فأغضبه قولا وكم سرّه فعلا ولا شان مرزوقا، ولا سبّ مسلما … ولا تاه كبرا منذ كان، ولا استعلى سأندبه عمري (٥) …، وأرثيه جاهدا، وأكثر فيه من بكائي وإن قلا ولم لا وقد صاحبته جلّ مدّتي … أراه أبا برّا ويعتدّني بخلا (ومنها) (٦) … عزاؤك محيي الدين في الذاهب الذي قضى إذ (٧) قضى فرض المناقب والنّفلا وقالوا قضى عمرا طويلا، نعم قضى … زمانا ولم تعرف له صبوة أصلا

стр. 1912

وكان حميد (١) … الظنّ جدّا بربّه ويحسن في أهل التّقى القول والفعلا (٢) ورثاه أيضا الشيخ علاء الدين ابن غانم (٣)، (والشيخ نجم الدين حسن بن محمد القرشي، الصفدي بقصيدة تقارب خمسين بيتا، ومطلعها: نكبت شموس العلم على الشرف … وأصبحت في حضيض من نجوى الأسف وأجاد فيها أتمّ الإجادة. وعدّة القصائد التي رثي بها تناهز خمس عشرة قصيدة) (٤)، وجمال الدين ابن نباتة، وغيرهم. [وفاة الفقيه ابن نائل المرداوي] ٥٨٢ - وفي ليلة السبت السادس من شهر رمضان توفي الشيخ الفقيه، الصالح، أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن عزاز (٥) بن نائل المرداوي، الحنبليّ، ودفن من الغد بسفح قاسيون بمقبرة المرداويّين. وكان شيخا صالحا، سمع من خطيب مردا، وابن عبد الدائم، وروى لنا عنهما. ومولده تقريبا سنة ثلاثين وستماية بقرية مردا. /٢٦٨ أ/سمعت أنه من أقران ابن عبد القوي، وكان غالب إقامته بمردا، ويتردّد إلى الصالحية ويقيم بها. [وفاة الفقيه جمال الدين ابن عبد الجبّار الشاطبي] ٥٨٣ - وفي ليلة الخميس الحادي عشر من شهر رمضان توفي الفقيه، الإمام، العالم، الفاضل، جمال الدين، أبو المحاسن، يوسف بن أحمد بن جعفر بن يوسف بن عبد الجبّار الشاطبي (٦)، الشافعيّ، وصلّي عليه من الغد على باب جامع جرّاح عقيب الظهر، ودفن بمقبرة الباب الصغير بالقرب من قبّة القلندريّة (٧).

стр. 1913

ومولده في شوال سنة ثمان وسبعين وستماية بجزيرة الأندلس. وكان رجلا فاضلا، اشتغل بفنون، وحصّل فضائل، وله نظم ونثر، وفيه أمانة ونهضة وديانة، وشهد له قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة وغيره بأهليّة التدريس والإشغال والإفادة، وولّي خطابة جامع جرّاح أشهرا يسيرة، وكان يخطب من إنشائه، وأدركه أجله. ولم يبلغ الأربعين. أنشدني من نظمه عدّة قصائد، وكتبها لي بخطّه في جزء (١). [وفاة أمّ إبراهيم خديجة بنت بلبان] ٥٨٤ - وفي ليلة الإثنين منتصف شهر رمضان توفيت أمّ إبراهيم، خديجة (٢) بنت بلبان بن عبد الله، عتيق الشيخ شمس الدين سبط الجوزي، وصلّي عليه ظهر الإثنين، بجامع دمشق، ودفنت بسفح قاسيون بتربة الشيخ شمس الدين المذكور. وكانت امرأة مباركة، خيّرة، جاوزت السبعين. سمعت (من) (٣) معتق والدها المذكور في سنة إحدى وخمسين وستماية حضورا. وهي زوجة ناصر الدين ابن المقدّم أمّ ولده فخر الدين عثمان. وروت «جزء ابن عرفة» قبل موتها بيومين بجامع دمشق عن معتق والدها، وعن ابن عبد الدائم. سمعه منها جمع كبير، واغتبط الطلبة بالأخذ عنها، فإنّها ماتت فجأة، وفرحنا لها (٤) بالتحّديث في آخر عمرها، رحمها الله تعالى. [وفاة صدر الدين ابن طعان المدلجي] ٥٨٥ - وفي شهر رمضان توفي الشيخ صدر الدين، محمد بن الشيخ نجم الدين عثمان بن عبد الله بن علاّق بن طعّان (٥) المدلجي، بالقاهرة، في اليوم الذي مات فيه علاء الدين ابن عبد الظاهر الموقّع.

стр. 1914

ومولده في ثامن رمضان سنة ستين وستماية. وكان روى عن/٢٦٨ ب/أصحاب البوصيري: ابن عزّون، وابن زين الدين، وغيرهما. ومن سماعاته «الجمعة» للنّسائيّ، و «مجلس البطاقة»، و «سداسيّات الرازي»، وكان شاهدا بباب زويلة، ومقرئا بالمنصورية. ويعرف بابن الأعمى. [وفاة القاضي علاء الدين ابن عبد الظاهر] ٥٨٦ - وفي يوم الأربعاء الثالث (١) من شهر رمضان توفي القاضي، الصدر، الرئيس، العالم، الفاضل، علاء الدين، أبو الحسن، علي بن (٢) شيخنا القاضي فتح الدين أبي عبد الله محمد بن شيخنا القاضي محيي الدين أبي الفضل عبد الله بن الشيخ الصالح المقرئ رشيد الدين أبي محمد عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر (٣) بن علي بن نجدة السيدي، الجذامي، المصري، بالقاهرة، ودفن يوم الخميس بالقرافة، مرض أسبوعا واحدا. وكان صدرا فاضلا، رئيسا، كامل الرئاسة، من أعيان الموقّعين بالديار المصرية. ورثاه القاضي شهاب الدين محمود بقصيدة عدّتها تسعة وأربعون بيتا، أولها: الله أكبر أيّ ظلّ زالا … عن آمليه وأيّ طود مالا ومنها: أنعي إلى الناس المكارم والنّدى … والجود والإحسان والإفضالا أنعي علاء الدين صدر زمانه … خلقا وخلقا بارعا وجلالا ومهذّبا ملأ القلوب مهابة … والسّمع فضلا والأكفّ (٤) نوالا (٥)

стр. 1915

وكان فيه ديانة وخير. كتب مصحفا بخطّه، وسمع الحديث من جماعة، ونسخ عدّة كتب من الأحاديث النبوية، وكان مثابرا على قضاء الحوائج، وبيته مجمع الفضلاء (١). [وفاة الأمير بهاء الدين رسلان الدوادار] ٥٨٧ - وفي الثالث والعشرين من شهر رمضان توفي الأمير الكبير، بهاء الدين، رسلان (٢) الدوادار الملكي، الناصري، بالقاهرة. وخلّف تركة طائلة من المال والأثاث والقماش والدّوابّ والرقيق والأمتعة، وكان دوادار السلطان ومن أعيان الدولة، وتردّد مرات إلى دمشق وغيرها في المهمّات السلطانية. [وصول ابن خربندا إلى بغداد] وبلغنا أنّ في الخامس من رمضان وصل إلى بغداد ملك تلك البلاد، وهو أبو سعيد بن خربندا بن أرغون، وهو صبيّ دون البلوغ، ومعه نحو خمسة عشر ألف من الجيش. [وفاة الأديب شمس الدين ابن أبي نصر الطيّبي] ٥٨٨ - /٢٦٩ أ/وبلغنا في نصف رمضان أنّ الشيخ الأديب الفاضل، شمس الدين، أبا العباس، أحمد بن أبي المحاسن يعقوب بن إبراهيم بن أبي نصر الطيّبي (٣)، الأسديّ، توفي في السادس من شهر رمضان المذكور. وكانت وفاته بطرابلس. وكان كاتب الدّرج هناك من مدّة سنين، وكان فاضلا في النظم والنثر.

стр. 1916

ومولده في العشرين من ذي الحجّة سنة تسع وأربعين وستماية. كتبت عنه قصيدة نظمها في واقعة شقحب (١)، عدّتها خمسة وتسعون بيتا، وغير ذلك. [وفاة الصدر زين الدين علي بن عبد السلام التاجر] ٥٨٩ - وبلغنا في نصف رمضان أنّ الصدر، زين الدين، علي بن فخر الدين عبد السلام (٢) بن علي التاجر توفي بمدينة تبريز. وهو من التجار الأعيان المشهورين، وهو الذي أنفق على جنازة القطب الشيرازي مع وفاء دين كان عليه نحو عشرين ألف درهم، الدّين من ذلك ثمانية عشر ألف درهم، وكلف الجنازة ألف وثمان ماية درهم. وزين الدين علي المذكور هو ابن عمّة شمس الدين الطيّبي (٣). وكانت وفاة زين الدين علي المذكور في رابع عشر رجب من السنة. ضبط ذلك وحرّره الشيخ عزّ الدين حسن الإربلي، الطبيب، الصوفيّ. [وفاة الإمام شرف الدين ابن سلاّم الدمشقي] ٥٩٠ - وفي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من شهر رمضان توفي الإمام العالم، الفاضل، الصدر، شرف الدين، أبو عبد الله، حسين (٤) بن الإمام كمال الدين علي بن إسحاق بن سلاّم (٥) الدمشقي، الشافعي، ودفن من الغد بمقبرة الباب الصغير. ومولده في سنة ثلاث وسبعين وستماية. وكان رجلا فاضلا، صحيح الذهن، حسن المناظرة، فصيح العبارة، أفتى وأعاد بالمدرسة الظاهرية، ودرّس بالمدرسة الجاروخية وبالمدرسة العذراوية، وقرّر له معلوم على الفتوى بدار العدل. وكان يحضر مع القضاة والأعيان. وكان كريم النفس، واسع الصدر، كثير النفقة، وترك عليه دينا كثيرا، وكان فيه مروءة وعصبيّة وحياء.

стр. 1917

[وفاة شجاع الدين عبد الرحمن الحلبي] ٥٩١ - وفي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من شهر رمضان توفي شجاع الدين، عبد الرحمن بن بدر الحلبي (١)، ثم الدمشقي، /٢٦٩ ب/الأقباعيّ، ودفن بمقبرة باب الفراديس. وكان شيخا حسنا. وهو والد الفقيه بدر الدين محمد بن الأقباعيّ. [وفاة المقرئ حسن بن مزيد المراغي] ٥٩٢ - وفي يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر رمضان توفي الشيخ الصالح، المقرئ، حسن بن مزيد (٢) بن أميلة بن جمعة المراغي بقرية المزّة، ودفن من الغد هناك. وكان شيخا كبيرا، صالحا، مباركا. وكان يسمع معنا على الشيوخ ويسمع أولاده، ثم إنّه انقطع وضعف. [تعزير أربعة من شهود المالكي] وفي يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر رمضان أمر قاضي القضاة (فخر الدين المالكي) (٣) بتعزير أربعة من شهود المالكي بدمشق بسبب شهادة وقعوا فيها، فطيف بهم على دوابّ، ورفعت العمائم عن روسهم (٤)، ومرّوا بهم في أسواق البلد وطافوا بهم حول البلد، والنداء عليهم، والضرب بالدّرّة في ظهورهم. وكان يوما عظيما بدمشق تألّم الناس لهم، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله. شوّال [وفاة علي بن زكري الإربلي] ٥٩٣ - في يوم الإثنين السادس من شوال توفي الشيخ علي بن زكري (٥) بن عمر الإربلي، المعروف بالكركيّ، ودفن بمقابر باب الصغير. وكان رجلا جيّدا، يحفظ «التنبيه»، ويكرّر عليه، ويحفظ قطعة كبيرة من شرحه، ويعيد للطلبة ويقرأون (٦) عليه محفوظاته، وعنده طولة روح في ذلك. وكان فقيها ومقرئا بالمدرسة الظاهرية وساكنا بها، ويصلّي عن الإمام بها إذا غاب.

стр. 1918

[وفاة شمس الدين محمد بن سلامة الدمياطي] ٥٩٤ - وفي ليلة الإثنين سادس شوال توفي شمس الدين، محمد بن الشيخ سلامة (١) بن رشيد الدمياطي، القيّم أبوه بالعذراويّة. وهو محمد الكبير، بلغ من العمر ثمانية (٢) وعشرين سنة. وكان فقيها بالمدارس، وشاهدا بالعقيبة. وعاش أبوه بعده ثلاث سنين. [التدريس بالجاروخية] وفي يوم الإثنين السادس من شوال ذكر الدرس بالمدرسة الجاروخية (٣) القاضي جمال الدين محمد ولد الشيخ الإمام كمال الدين ابن الشريشي، عوضا عن شرف الدين ابن سلاّم، وحضر عنده القضاة والأعيان وأثنوا عليه، وفرحوا لوالده به (٤). [التدريس بالحنبلية] وفي يوم الأربعاء الثامن من شوال/٢٧٠ أ/ذكر الدرس بالمدرسة الحنبلية بدمشق الشيخ الإمام، الزاهد، مفتي المسلمين، بقيّة السلف الصالحين، شرف الدين، أبو محمد، عبد الله بن الشيخ شهاب الدين ابن تيميّة، وحضر عنده جماعة من الأعيان، وأقام وظيفة المدرسة عوضا عن أخيه لأمّه الشيخ بدر الدين أبي القاسم الحرّاني، ﵀، وتوجّه عقيب ذلك إلى الحجاز، فأقام الوظيفة أخوه الأكبر شيخ الإسلام تقيّ الدين، واستمرّ يتردّد إلى المدرسة في بعض أيام الأسبوع، ثم حضر شرف الدين من الحجاز، ولم يختر التردّد إلى المدرسة وإلقاء الدروس، فاستمرّ الشيخ تقيّ الدين، نفع الله بهما (٥). [خروج المحمل السلطاني والركب الشامي] وفي يوم الخميس التاسع من شوال خرج المحمل السلطاني والركب الشامي من دمشق، وأمير الحاجّ الأمير الكبير سيف الدين كجكن المنصوري. وممّن توجّه قاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى الحاكم بالشام المحروس-أيّده الله تعالى-وابن أخته شرف الدين، ووالدته، وجماعة من أهلهم، والقاضي جلال الدين الحنفي، وأهله، وجماعة معه، وبدر الدين ابن العزازي، وبني الشيرازي تاج الدين،

стр. 1919

(وكمال الدين أبوه) (١)، ﵀، وعزّ الدين ابن القلانسي ناظر الخزانة، وعماد الدين ابن بدر الدين ابن الشيرجي ناظر الشامية البرّانية، وأمين الدين ابن الموصلي، وشرف الدين حسين بن العماد الكاتب، وضياء الدين ابن الإسكندري، والأخوان الشيخان: إبراهيم، وعبد القادر ابنا بركات البعلبكي، والشيخ الإمام شرف الدين عبد الله بن تيميّة، وابن عمّه عزّ الدين، وصارم الدين ابن خلف، وأخوه شمس الدين محمود (٢). [إبطال الخمور بطرابلس] وفي العشر الأول من شوال وصلت الكتب والأخبار بإبطال الخمور والفواحش من طرابلس والساحل جميعه، وقرئت بذلك الكتب السلطانية على المنابر بتلك البلاد جميعها، وسرّ المسلمون بذلك، وتوفّرت الأدعية للسلطان (٣) -نصره الله تعالى-، وفي المرسوم إبطال جهات الأفراح بالفتوحات وتقديرها في السنة سبعون ألف درهم، وإبطال السجون عشرة آلاف، وسخر الأقصاب خمسة آلاف، وعفاية/٢٧٠ ب/البيّاتة، عشرة آلاف، وحقّ الديوك ثلاثة آلاف، وهبة البيادر ألف، وضمان المشعل أربعة آلاف، وما استجدّ من حشيش وملح وضيافة ستة آلاف، وأن يعمّر ببلاد النصيريّة، في كل قرية مسجد، ويمنعوا من الخطاب. وتاريخ المرسوم سابع شوال (٤). [وفاة محمد المغربي الضرير] ٥٩٥ - وفي يوم السبت الثامن عشر من شوال توفي الشيخ محمد المغربي (٥) الضرير، فقيه عين عرب وخطيبها، ودفن بمقبرة الباب الصغير. وكان فقيها صالحا، ذكيّا، عنده فقه وفرائض وأحاديث وفوائد، وأقام بالقرية المذكورة خطيبا أكثر من عشرين سنة، وولد له بها الأولاد. [التدريس بالعذراوية] وفي يوم الأحد التاسع عشر من شوال ذكر الدرس الشيخ الإمام، العلاّمة، صدر الشافعية، كمال الدين ابن الزملكاني، نفع الله به، بالمدرسة العذراوية،

стр. 1920

وحضر عنده جماعة من الفضلاء، عوضا عن شرف الدين ابن سلاّم (١). [وفاة المحدّث فخر الدين عثمان بن بلبان] ٥٩٦ - وفي ليلة الخميس الثالث والعشرين من شوال توفي المحدّث الفاضل، فخر الدين، أبو عمرو، عثمان بن بلبان بن عبد الله المقاتلي (٢)، ودفن يوم الخميس بمقابر باب النصر خارج القاهرة المحروسة، وكانت له جنازة حفلة. ومولده سنة خمس وسبعين وستماية بدمشق. وكان طلب الحديث، وسمع من جماعة بدمشق، وكان فيه نباهة وفضيلة وذكاء، وخرّج لجماعة، ورحل إلى حلب والقاهرة، وسمع من جماعة، ثم إنّه رجع إلى القاهرة وأقام بها أكثر من إحدى عشرة سنة إلى أن أدركه أجله هناك، وحصل له بالقاهرة وجاهة، وتعرّف بالأكابر بحيث صار معيدا في الحديث بالقبّة المنصورية، وكانت فيه مروءة وعصبيّة، وله همّة ومعرفة بمخالطة الناس والتقرّب إليهم، وحصّل كتبا جيّدة وأجزاء وفوائد. وبلغنا خبر وفاته بدمشق بعد تاريخ موته بنصف شهر، فصلّي عليه بجامع دمشق يوم الجمعة تاسع ذي القعدة بالنّيّة، رحمه الله تعالى. [وفاة فتح بن سعيد الإشبيلي] ٥٩٧ - وفي شوال توفي الشيخ الصالح، أبو نصر، فتح بن سعيد بن جابر الإشبيلي (٣)، المغربي، ودفن بمقابر باب الصغير. وكان شيخا كبيرا جاوز الثمانين. وفيه صلاح ومعرفة/٢٧١ أ/وفهم، وأقام بدار الحديث النورية مدّة إلى أن مات بها، رحمه الله تعالى. [وفاة أم محمد سارة بنت عبد الرحمن المقدسي] ٥٩٨ - وفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من شوال توفيت أمّ محمد، سارة (٤)

стр. 1921

بنت شيخنا الشيخ الفقيه، الصالح، المسند، العدل، شمس الدين، أبي الفرج عبد الرحمن بن الشيخ زين الدين أحمد بن عبد الملك بن عثمان بن عبد الله بن سعد بن مفلح بن هبة الله بن نمير المقدسي، الصالحي، وصلّي عليها عقيب الجمعة بالجامع المظفّري، ودفنت عند والدها بسفح قاسيون. سمعت من إبراهيم بن خليل، وروت لنا عنه. قرأت عليها بطريق الحجاز في اللجون من عمل الكرك، وفي الحجر. وهي زوجة الأمير جمال الدين آقوش الجلبّاني البريديّ. [وفاة كمال الدين ابن شبل الحارثي] ٥٩٩ - وفي يوم الأحد السادس والعشرين من شوال توفي كمال الدين، محمد بن علي بن عبد المؤمن ابن الشيخ كمال الدين أبي نصر عبد العزيز بن عبد المنعم بن الخضر بن شبل بن عبد الحارثي (١)، الدمشقي، ودفن من الغد بمقبرة لهم بمقابر باب الفراديس. وكان شابّا يشهد تحت الساعات، وصاهر الشيخ علاء الدين ابن النصير الكاتب. [وصول الصدر شهاب الدين محمود من القاهرة] وفي بكرة الثلاثاء الثامن والعشرين من شوال وصل إلى دمشق من القاهرة القاضي، الإمام، العالم، الصدر، الكبير، الكامل، شهاب الدين، محمود بن سلمان الحلبي، الكاتب، متولّيا كتابة السرّ بدمشق المحروسة، عوضا عن الشيخ شرف الدين ابن فضل الله، رحمه الله تعالى، وحضر بين يدي نائب السلطنة، فأكرمه وسرّ به (٢). [وفاة المحدّث جمال الدين ابن دواله الحرّاني] ٦٠٠ - وفي أوائل شوال توفي المحدّث الفاضل، جمال الدين، يوسف بن عبد العزيز بن يوسف بن أبي العزّ بن عزيز بن يعقوب بن نعمون (٣) بن دوالة الحرّاني، بالقاهرة. وكان رجلا فاضلا، صاحب حديث ولغة، من طلبة الحديث المعروفين. روى شيئا عن العزّ عبد العزيز الحرّاني، وسمع كثيرا.

стр. 1922

[وفاة الصدر أنيس الملوك ابن قنيتوا الإربلي] ٦٠١ - وفي سلخ شوال من السنة المذكورة توفي الصاحب الصدر، الكبير الفاضل، أنيس الملوك، بدر الدين، عبد الرحمن بن إبراهيم، سبط ابن قنيتوا الإربلي (١)، الشاعر، بمدينة إربل. وكان مولده يوم الثلاثاء تاسع ذي الحجّة/٢٧١ ب/سنة ثمان وثلاثين وستماية، بمدينة الموصل، لكنّ منشأه (٢) وداره إلى حين وفاته مدينة إربل. وكان شاعرا فاضلا، مدّاحا للملوك ولأعيان الناس، كثير الأسفار إليهم، وحصّل بالشعر رزقا كثيرا، ثم صار بعد ذلك يعاني التجارة. وشعره كثير بإربل. وكان كثيرا ما يقول: «وهذا شعري ممّا ينبذ ويلقى لا ممّا يحفظ ويروى». فمن مشهور شعره قوله تشبيبا: ولقد رأيت الأقحوانة جادها … غيث كثغر أشنب فيه لمى فلثمتها وجدا بثغر معذّبي … وجرت شؤون مدامعي شوقا دما وقال: ومدامة حمراء تش … به خدّ من أهوى ودمعي يسعى بها قمر أع … زّ عليّ من نظري وسمعي وقال يصف مغنّيّة: وغريرة هيفاء ناعمة الصبي (٣) … طوع العناق مريضة (٤) الأجفان غنّت وماس قوامها فكأنها (٥) … ال ورقاء تسجع فوق غصن (٦) البان وأشعاره كثيرة لكن ليس منها في هذه البلاد شيء، وأكثرها بإربل والموصل، فاعلم ذلك. ضبط لنا وفاة هذا الرجل وحاله الشيخ عزّ الدين حسن الإربلي الطبيب، فإنّه بلديّه وهو خبير به من البلاد.

стр. 1923

ذو القعدة [وفاة الفقيه شمس الدين البعلبكي المعروف بابن الحبّال] ٦٠٢ - في ليلة الأحد الحادي عشر من ذي القعدة توفي الفقيه، المقرئ، شمس الدين، محمد بن الشيخ العدل نجم الدين أبي محمد عبد الرحيم بن علي بن حاتم بن عمر بن محمد بن يوسف البعلبكي، الحنبليّ، المعروف بابن الحبّال (١) بالقاهرة. وكان أقام مدّة بدمشق وطرابلس، وتوجّه إلى القاهرة لشغل فأدركه أجله هناك، وكان كهلا. سمع من ابن علاّن ببعلبك، وسمع معنا من جماعة من الشيوخ بدمشق وبعلبك، وكان فيه مروءة وقضاء حاجة، وله اشتغال وفيه خير. ووالده من شيوخنا، وهو حيّ إلى الآن، جاوز الثمانين، وهو من أعيان العدول ببلده. [وفاة الفقيه نبيه الدين نبيه بن بيان] ٦٠٣ - /٢٧٢ أ/وفي يوم الأربعاء رابع عشر ذي القعدة توفي الشيخ الفقيه، الفاضل، نبيه الدين، أبو محمد، نبيه (٢) بن بيان بن ثابت الحلبي، الشافعيّ بالمدرسة الباذرائية بدمشق، وصلّي عليه ظهر اليوم المذكور بجامع دمشق، ودفن بمقابر الصوفية. وسألته عن مولده فقال: كنت سنة أخذ التتار حلب ابن سبع أو ثمان، فيكون مولده، تقريبا، سنة خمسين وستماية، أو نحوها. سمع من عمر بن محمد الكرماني، وابن أبي اليسر، ويوسف بن مكتوم، وغيرهم. وروى وسمع منه الطلبة، وكان مواظبا على الاشتغال بالفقه وشيء من العربية، وهو مطبوع، حسن الأخلاق، مقتنع بالمدرسة الباذرائية، لا يتردّد إلى أحد، ولا يخالط غير فقهاء المدرسة. وهو من المعروفين بصحبة الشيخ تاج الدين، رحمه الله تعالى، وكان الشيخ يحبّه ويباسطه. وأمّا ولده الشيخ برهان الدين فكان يكرمه ويثني عليه بالفضيلة والدين، وهو صاحب ظرف ونوادر وتواضع، هداه الله للإسلام من صغره، وربّاه الشيخ شرف الدين التاذفي.

стр. 1924

[وفاة محيي الدين يوسف المعروف بابن السلعوس] ٦٠٤ - وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي القعدة توفي الشيخ محيي الدين، يوسف بن محمد بن أبي الرجاء بن أبي الزهر التنوخي، المعروف بابن السلعوس (١)، الطبيب، الكحّال. وكان رجلا جيّدا، مواظبا على الجلوس بالفسقار، وفيه ديانة وشفقة على الفقراء. وقارب الثمانين من العمر. وهو ابن عمّ الصاحب شمس الدين ابن السلعوس. وكان في أيّامه صار له تقدّم ووجاهة بين الأطبّاء. [التدريس بالصمصامية] وفي يوم الأحد الخامس والعشرين من ذي القعدة ذكر الدرس بالمدرسة الصمصامية المالكية، القاضي، الفقيه، الإمام، العالم، نور الدين، أبو الحسن، علي بن عبد النصير (٢) السخاوي، المصري، المالكي، نائب الحكم العزيز بدمشق، وحضر الدرس جماعة من العلماء وأعيان الناس. وكان الصاحب شمس الدين ناظر الديوان بدمشق وقف على هذه المدرسة وقفا، ونظر في أمرها، ورتّب فيها فقهاء (٣). [التدريس بالدخوارية] وفي يوم الأحد الخامس والعشرين من ذي القعدة/٢٧٢ ب/ذكر الدرس بالمدرسة الدخوارية مدرسة الطبّ جمال الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد الكحّال، وترتّب في رياسة الطبّ بدمشق، عوضا عن أمين الدين سليمان الطبيب، وذلك بمرسوم نائب السلطنة واختياره لذلك (٤). [إيقاع التتار بقفل التجار] واجتمع في ماردين قفل كبير تجّار، وفيهم جماعة من الجفّال بسبب الغلاء وخرجوا منها إلى رأس العين قاصدين الشام، فلما تكمّلوا برأس العين سافروا منها في اليوم الثامن من ذي القعدة، فلما جاوزوا رأس العين بمرحلتين ووصلوا إلى المكان المعروف بخان التاجر أدركهم جماعة من التتار نحو ستين فارسا من أصحاب أمير

стр. 1925

اسمه توماي مقدّم ألف فارس من أمراء سوتاي النائب بديار بكر وما جاورها إلى حدود العراق، فطلبوا لبيان القفل وعنّتوهم، وقالوا للتجار: أنتم خرجتم وما أدّيتم كل ما عليكم، وقالوا للجفّال: أنتم أخربتم البلاد وهربتم، ونحن معنا مرسوم بقتل كل من يهرب إلى الشام. وقالوا للتجّار أيضا: إنّما تمكّن هؤلاء من النزوح إلى الشام بسببكم، وقبضوا على عشرة منهم، وأبعدوا بهم عن القفل، وأظهروا أنهم يستخرجون منهم ما تأخّر عليهم من حقوق ومداراة، فقتلوهم، ثم شرعوا بعد ذلك يستخرجون أموالهم ويقتلونهم حتى قتلوا الجميع، وبقي من أولاد الجفّال نحو سبعين صبيّا، فقالوا: من يقتل هؤلاء منّا، فقال رجل منهم: أنا أقتلهم بشرط أن تجعلوا لي زيادة في القسمة، فأعطوه عن قتل كل صبيّ دينارا، فقتلهم بأسرهم، وهناك صهاريج قديمة ليس فيها ماء، فجعلوا كلّما قتلوا جماعة ألقوهم فيها حتى ملأوا خمس (١) صهاريج، وبلغ القتلى تسع ماية، منهم تجّار ستماية، ومن الجفّال ثلاثماية، منهم من رأس عين ماية وخمسون، ومن ماردين ماية، /٢٧٣ أ/ ومن دنيسر خمسون، وفيهم من النساء ثمانون، ومن الصبيان سبعون، وهم الذين تقدّم ذكر قتلهم، ولم يسلم من الجميع سوى تركمانيّ خرج من بعض الصهاريج وبه رمق، وتوصّل إلى جملين، وعرّف الناس الخبر منه، فوصل الخبر إلى رأس العين في تاسع عشر ذي القعدة. ووصل خبر هذا القفل إلى دمشق في أيام عيد الأضحى. وبلغنا بعد ذلك أنّ سوتاي (٢) مسك الحراميّة وحبسهم ولم ينفلت منهم سوى اثنين، وأنه جمع الأموال والتزم بإيصالها إلى مستحقّيها، وأنّه حضر جماعة وأخذوا ما عرفوه من أموال أقاربهم، ولحقهم في ذلك غرامة ما بين النصف إلى الثلث، وتألّم الناس لهذه الواقعة كثيرا، وضاقت الصدور، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله (٣). ضبطها لنا وفحص عن أمرها، وسأل عنها التجار والمسافرين حتى تحرّرت: عزّ الدين حسن الإربلي الصوفي الطبيب. [وفاة عماد الدين إسماعيل بن مسعود الجولاني] ٦٠٥ - وفي ليلة السبت ثالث ذي القعدة توفي الأمير، عماد الدين، إسماعيل بن مسعود (٤) بن محمد بن أحمديل المقدسي، الجولانيّ، بمنزله بقلعة بعلبك، ودفن يوم السبت المذكور جوار تربة الشيخ عبد الله اليونيني. ومولده سنة ثمان وثلاثين وستماية، أو تسع وثلاثين، نيّف على ثمانية (٥) وتسعين سنة من العمر.

стр. 1926

(وهو أسنّ) (١) من الشيخ قطب الدين ابن اليونيني تقريب سنة. وكان (طال مرضه نحو سنتين) (٢) سمع الجزء الثالث من «حديث علي بن بحر» على الشيخ شمس الدين محمد بن (سعد) (٣) المقدسي في جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وستماية. وحدّث، وكان متولّيا قلعة بعلبك، وقبل ذلك كان ينوب ببعلبك عن شجاع الدين ابن شهري مدّة طويلة. وكان يحفظ أشياء حسنة، وله أخلاق جميلة، وكان أهل البلد يحبّونه، ولما مات تألّمنا لفقده. ذو الحجّة [وفاة الفقيه علاء الدين ابن أبي القاسم التنوخي] ٦٠٦ - في بكرة الخميس السادس أو السابع من ذي الحجّة توفي الشيخ الفقيه، المقرئ، العدل، الرضيّ، علاء الدين، أبو الحسن، علي بن (٤) شيخنا العدل الكبير، الفاضل زين الدين أبي الفضائل/٢٧٣ ب/المهذّب (٥) بن أبي الغنائم بن أبي القاسم التنوخي بمسجد فيروز، خارج باب الفراديس، ظاهر دمشق، وصلّي عليه ظهر الخميس بجامع العقيبة، ودفن بسفح قاسيون. ومولده في ثامن عشر ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستماية بدمشق، كمّل الستّين. وكان عدلا، جيّدا، محترزا، وعنده معرفة بالشروط، وكتب لجماعة من نواب القضاة، وكان يشهد تحت الساعات، ويشهد على الحكام، وولّي نظر ديوان السبع، ثم عزل عنه. وكان حفظ «الشاطبية»، وقرأ ببعض الروايات على ابن مزهر، وكان فيه ديانة وأمانة، وعنده تقوى، وله خلق صعب. روى لنا عن ابن عبد الدائم، وسمع من ابن أبي اليسر، وجماعة من أصحاب ابن طبرزد، والكندي من شيوخنا، وغيرهم. [وفاة الصدر شرف الدين ابن صصرى التغلبي] ٦٠٧ - وفي عشيّة الجمعة وقت المغرب السابع من ذي الحجّة توفي الصدر الرئيس، شرف الدين، محمد ابن القاضي الصدر الكبير جمال الدين إبراهيم بن الصدر شرف الدين عبد الرحمن بن العدل أمين الدين سالم بن الحافظ بهاء الدين

стр. 1927

أبي المواهب الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى (١) التغلبي، الدمشقيّ، حاجّا، ملبّيا، محرما، بظاهر مكة-شرّفها الله تعالى-، ودفن ضحوة السبت يوم التروية بمقبرة الحجون على باب مكة. وكان مرض ببدر، واستمرّ مرضه أسبوعا. وعمره خمسة (٢) وثلاثون سنة. وشهد له الناس بالخير بسبب هذه الخاتمة، وكان باشر بدمشق نظر الإشراف، ونظر الجامع، وصحابة الديوان الكبير، وباشر بحماه نظر الديوان. وكان له همّة، وفيه معرفة وكفاءة وتنفيذ للأمور، وكان سمع كثيرا من الأحاديث النبويّة. وحضر بقراءتي وهو رضيع على والدته وجدّه وخاله، ثم سمع معنا على الشيخ فخر الدين ابن البخاري «مشيخته» بكمالها. [وفاة الفقيه نجم الدين موسى البصروي] ٦٠٨ - وفي يوم الجمعة الخامس عشر من ذي الحجّة توفي الشيخ العدل، الفقيه، نجم الدين، موسى بن الشيخ بهاء الدين يحيى بن إسرائيل (٣) البصروي ابن أخت زكيّ الدين زكري/٢٧٤ أ/البصروي، مدرّس الشبلية، ﵀، وكانت وفاته بمكة، شرّفها الله تعالى. وكان مرض بالإسهال، واشتدّ الأمر به في أيام الحجّ، وكان مشكور السيرة، مرضيّ الطريقة. [وفاة المقرئ زين الدين محمد بن سليمان الصنهاجي] ٦٠٩ - وفي ليلة الجمعة الثامن من ذي الحجّة توفي الشيخ الصالح، المقرئ، زين الدين، أبو عبد الله، محمد بن سليمان بن أحمد بن يوسف بن علي الصنهاجي (٤)، المالكي، البياتي، المرّاكشي، بالإسكندرية. سمع من ابن رواج الستّة الأجزاء الأواخر من «الثقفيّات»، وسمع من مظفّر بن الفوّيّ.

стр. 1928

ومولده تقريبا في سنة أربعين وستماية. وكان إمام مسجد قدّاح بالثغر المحروس. وأجاز لنا ما يرويه، كتب إليّ بوفاته زكريّا الطرابلسيّ. [وفاة ناصر الدين ابن أحمديل المقدسي] ٦١٠ - وفي العشر الأول من ذي الحجّة توفي ناصر الدين، محمد بن يوسف (١) بن مسعود بن أحمد بن أحمديل المقدسيّ، ببعلبك المحروسة. وهو ابن أخي عماد الدين الجولاني المقدّم ذكره، بينهما في الوفاة نحو الشهر، وكان أسنّ من عمّه المذكور. سمع من إسماعيل العراقي قطعة من «سنن النّسائي»، وسمع منه «التوكّل» لابن أبي الدنيا، وغير ذلك. وله إجازة الرشيد بن مسلمة، وغيره. وحدّث. وكان معتمدا بقلعة بعلبك. [وفاة شرف الدين ابن برق الفقير] ٦١١ - وفي ذي الحجّة توفي الشيخ شرف الدين ابن برق الفقير الحريري (٢). وكان شيخا كبيرا، معروفا بين الفقراء الحريرية. [وفاة محمد المعروف بالأرغل] ٦١٢ - والشيخ محمد المعروف بالأرغل (٣). وكان ذكيّا فطنا يعرف صنائع كثيرة ويتقن ما يعمله. وحجّ معنا، واستصحب معه طاقة من عمله وركبها بالحرم النبوي. وجاءت (مليحة) (٤). [وفاة الحاج شرف الدين الخشاب] ٦١٣ - والحاج شرف الدين، عبد الرحمن بن نصر الله بن أبي بكر الخشاب (٥)، المعمار. وكان رجلا جيّدا، مقبول القبول. وخلّف أولادا صغارا، وكان مصاهرا للفقراء السلاّوية، وفيه خير وسكون. وكانت وفاتهم بدمشق. ***

стр. 1929

[من أخبار السنة] [حجّ بعض الأمراء] وحجّ في هذه السنة الأمير مهنّا بن عيسى، وولده سليمان في نحو من ستة آلاف، ولم يجتمع بأحد من المصريين والشاميّين (١). وحجّ أخوه محمد بن عيسى في نحو أربعة آلاف. /٢٧٤ ب/وحجّ الأمير سيف الدين قجليس، والأمير شرف الدين حسين بن جندر (٢) الروميّ. [خروج النصيرية وادّعاء المهديّ] وفي آخر السنة وصل الخبر إلى دمشق أنه خرج جماعة من النصيريّة عن الطاعة بجبلة، وأقاموا شخصا ادّعوا أنه المهديّ، وقاتلوا المسلمين، واجتمع القضاة والفقهاء بجامع دمشق، وعرض ذلك عليهم، وأفتوا بما ينبغي اعتماده معهم. وبعد ذلك وقفت على محضر ملخّصه أنه لما كان يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي الحجّة سنة سبع عشرة بعد صلاة الجمعة حضرت النصيريّة الكفرة الفجرة إلى مدينة جبلة، وعدّتهم أكثر من ثلاثة آلاف، يقدمهم شخص يدعى تارة أنه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله، وتارة يدّعي أنه عليّ بن أبي طالب فاطر السماوات والأرض، وتارة يدّعي أنّه محمد بن عبد الله، وأنّ البلاد بلاده، والمملكة الإسلامية مملكته، وأنّ المسلمين كفرة، وأنّ دين النصيريّة هو الحقّ، وأنّ السلطان الملك الناصر صاحب البلاد مات من ثمانية أيام، واحتوى المذكور على عقول جماعة من مقدّمي النصيريّة، وعيّن لكلّ إنسان منهم تقدمة ألف، ونيابة قلعة من قلاع المسلمين من المملكة الإسلامية، وفرّق عليهم إقطاعات الأمراء والحلقة. وافترقت الطائفة المذكورة ثلاث فرق على مدينة جبلة، فرقة ظهرت قبليّ البلد بشرق، فخرج عليهم عسكر المسلمين فكسرهم وقتل منهم جماعة عدّتهم ماية وأربعة وعشرون نفرا، وقتل من المسلمين نفر يسير، وهزمت الفرقة المذكورة، وجرح من المسلمين جمال الدين مقدّم العسكر بجبلة. وفرقة ثانية ظهرت قبليّ جبلة بقرب على جانب البحر. وفرقة ثالثة ظهرت شرقيّ جبلة بشمال، وكثروا على المسلمين وكسروهم، وهجموا جبلة، ونهبوا الأموال، وسبوا الأولاد، وهتكوا الحريم، وقتلوا جماعة بجبلة من المسلمين، ورفعوا أصواتهم بقول: لا إله إلاّ عليّ، ولا/٢٧٥ أ/حجاب إلاّ محمد، ولا باب إلاّ سلمان، وبسبّ أبي بكر وعمر ﵄. وبقي الشيوخ والصبيان والنساء من المسلمين يضجّون: وا إسلاماه، وا سلطاناه،

стр. 1930

وا أمراءاه (١). ولم يكن لهم منجد في تلك الحالة إلاّ الله تعالى، وجعلوا يتضرّعون ويبتهلون. وجرى في هذا اليوم أمر عظيم. ثم إنّ الشيخ المذكور جمع الأموال المأخوذة وقسّمها على مقدّميهم بقرية يقال لها بسيسيل، وقال إنه لم يبق للمسلمين ذكر ولا خبر ولا دولة، ولو كنت في عشرة أنفس بقضيب واحد بلا سيف ولا رمح انتصرت على المسلمين وقتلتهم، وأظهر دين النصيريّة، ونادى في البلاد: إنّ المقاسمة عليهم بالعشر لا غير، وأمر أصحابه بخراب المساجد وجعلها خمّارات، ومسك النصيرية جماعة من المسلمين بجبلة وأرادوا قتلهم وقالوا لهم آمنوا بمحمد بن الحسن، وقولوا لا إله إلاّ عليّ واسجدوا لمحمد بن الحسن المهدي فإنّه إلهكم يميتكم ويحييكم، فمن قالها حقن دمه وصان ماله، وأعطى فرمانا. وكانوا في اليوم المذكور قبل دخول جبلة كبسوا زوق سليمان التركمان، وزوق تركمان من جهة حلب، وأخذوا أموالهم وأولادهم وحريمهم. وكان الغالب على الجمع المذكورين طائفة يقال لها البلديون، ومنهم الشخص المذكور، وطائفة من الجرانة، وجمع هؤلاء من بلد) (٢) المرقب والعليقة والمنيقة. وفي عشيّة اليوم المذكور وصل الأمير بدر الدين التاجي مقدّم عسكر اللاذقية، وبات يحرس جبلة، ولولا حضوره ومعه العسكر كان عزم المذكورين على دخول جبلة مرة ثانية والشخص المذكور جامع بخيله ورجله بقرية اسمها الصريفة من عمل جبلة. وهذا المحضر ثابت عند قاضي جبلة نائب قاضي طرابلس (٣). [مقتل داعي النصيرية] ثم بعد ذلك (بقليل قتل مقدّمهم) (٤) واضمحلّ أمرهم وتلاشى، وكفى الله تعالى الشرّ ودمّرهم ومزّقهم، وكان ذلك جرأة عظيمة منهم وقلّة عقل وجهل مفرط (٥).
следующие страницы →