Полный текст (318 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
***************
الظاهرة القرآنية
دار الفكر المعاصر- بيروت لبنان
دار الفكر-دمشق سورية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الظاهرة القرآنية
стр. 3
مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
الظاهرة القرآنية
ترجمة عبد الصبور شاهين
تقديم محمد عبد الله دراز - محمود محمد شاكر
بإشراف ندوة مالك بن نبي
دار الفكر
دمشق-سورية
стр. 4
جميع الحقوق محفوظة
١٤٢٠ هـ =٢٠٠٠م
ط٤: ١٩٨٧م
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في عام ١٩٧١م ترك أستاذنا مالك بن نبي- ﵀ في المحكة الشرعية في طرابلس لبنان، وصية سجلت تحت رقم ٢٧٥/ ٦٧ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١ هـ الموافق ١٠ حزيران ١٩٧١م، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والادبية. وتحملا مني لهذه الرسالة، ووفاء لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذا لوصية المؤلف " ندوة مالك بن نبي ".
والتسمية هذه دعوة إلى أصدقاء مالك بن نبي وقارئيه، ليواصلوا نهجا في دراسة المشكلات، كان قد بدأه.
وهي مشروع نطرحه بوصفه نواة لعلاقات فكرية، كان ﵀ يرغب في توثيقها.
وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف في كل ما ينشر بالعربية أو غيرها مترجما من قبل المترجمين أوغير مترجم. فقد حملني- ﵀ مسؤولية حفظ هذه الحقوق والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيها إشارة إلى إذن صادرمن قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها.
طرابلس لبنان ١٨ ربيع الأول ١٣٩٩هـ
١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩م
عمر مسقاوي
стр. 6
الإهداء
إلى روح أمي ...
إلى أبي ...
الوالدين اللذين قدما لي في المهد أثمن الهدايا ... هدية الإيمان
مالك
стр. 7
تلبية لرغبة العديد من القراء، عمدنا إلى ترجمة المقدمة، التي صدر بها المرحوم فضيلة الدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز، الطبعة الفرنسية من كتاب (الظاهرة القرآنية) عام ١٩٤٧م.
وحينما ننشر "لأول مرة" مقدمة الشيخ دراز للطبعة الفرنسية، نكون قد أتممنا نشر وثائق هذا الكتاب، الذي استقبله قراء العربية بالاهتهام والتقدير.
والأستاذ الدكتور دراز من كبار العلماء الذين خدموا القرآن والفلسفة وعلم الأخلاق، ومن الرواد الأزهريين الأوائل، الذين اتصلوا بالثقافة الغربية، وأوسعوا لها فسيحاً من علمهم وعميقا من تأملهم. وهو من الذين بلغوا الفكر الإسلامي بوسائل الحضارة الحديثة لغة ومنهجا.
لذا تبدو مقدمة الدكتور دراز، صدى لذلك التكوين الفكري المتأثر بالديكارتية بوصفها منهج تفكير. وهي من هذا الجانب، تبرز لنا ما للثقافة الغربية وما لفلاسفتها من نفوذ على مناهج التفكير ذي الأصول الأزهرية في تلك الفترة من الزمن.
على أن أهمية هذه المقدمة تبدو في تلك الإيضاحات التاريخية، على هامش الفكرة الأساسية، التي تنتظم كتاب الظاهرة، وفي تلك الدعوة إلى تطوير وسائل تفكيرنا كلما تطورت وسائل العلم، وفي إبراز المنهج القرآني خطة موضوعية تستهدف الحقيقة المطلقة. وهي إذا أضفناها إلى مقدمة الأستاذ الكبير محمود محمد شاكر استقام لنا كتاب الظاهرة القرآنية خطة في إرساء العقيدة عن طريق العقل والإيمان معاً.
عمر مسقاوي
стр. 8
مقدمة الطبعة الفرنسية
للمرحوم الدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز
عزيزي السيد بن نبي
فرغت لتوي من قراءة كتابك القيم (الظاهرة القرآنية)، ومما أعطى لموضوعك أهمية كبرى أنه قديم وحديث معاً.
ففي ضوء العلم الحديث، ولجت قضية رئيسية ما فتئت تشغل المفسرين في كل زمن. ولعلي أنا لامستها في دراسات عديدة سابقة، سواء ما كان منها بالعربية أو الفرنسية.
إن الغبطة التي شعرت بها وأنا أقرؤه، لهي من العمق بقدر ما أتاحت لي هذه القراءة أن أدرك من جديد، ذلك الجهد الجاد المستقل والمتجرد، يقود الباحثين عن الحقيقة إلى نتائج متماثلة بل موحدة على الرغم من المسافة التي يمكن أن تفصل بينهم في الم كان والزمان.
وإذا نحينا جانباً أسلوبك الفني في الكتابة، وطريقتك الرائعة في عرض الأشياء، فإننا نجد طرقنا في الدراسة متشابهة بصورة بارزة.
ليس هذا فحسب، بل من غير النادر أن يحمل تفحصنا للأمر المثل نفسه وأن يشير إلى المعنى ذاته.
إن المسألة هي في البحث عن المصدر الحقيقي للقرآن. وأن نعرف ما إذا كان يمكن أن يكون هذا الكتاب قد استخرج من علم أو إدراك من أرسل به. أو من
стр. 9
معرفة بشرية على وجه العموم، أم أنه على العكس من ذلك، هنالك أسباب لا يمكن دفعها تحدونا للأعتقاد بمصدره العلوي الإلهي.
تلك هي المسألة التي جئتَ بدورك تلزم نفسك بالعمل على حلها، بإيجاد الأسس الثابتة والعقلية، للإيمان بالمصدر الإلهي لهذا الكتاب، وتسليط الأضواء عليها.
وإذا كان المفسرون التقليديون، توصلاً إلى الهدف نفسه، قد أكدوا بصورة خاصة على الجانب الأدبي من المسألة، فإن هذا الموقف على كل حال يجد تفسيره وما يسوغه في المسلمة الأعم للقرآن. تلك المسلمة التي تميز بها الأسلوب القرآني في جمال لا يضاهى وجلال مميز، وبالاعتراف الفوري بالعجز عن الإتيان بمثله، وهو الوجه الأقرب منالاً لسائر البلغاء من البدو. على أنه من الصحيح أيضاً أن هؤلاء المفسرين، وهم ينظرون في محتوى القرآن، قد رأوا في اتساع وعمق المعرفة التي يحملها للإنسانية، دليلاً في ذاته على خصائصه التي تتجاوز طاقة البشر، وأن التعارض بين توجيه بعض الآيات، كآية ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٣/ ٣٧] مثلاً، والمشاعر الشخصية للرسول ﷺ ، لشهادة لا تُرَدُّ على استقلالية القرآن عن النبي.
فهل يمكن أن يقال إن هذه النتائج المستخلصة من قبل أجدادنا، تجعل كل محاولة لتفسير جديد عديمة الجدوى؟.
هل يقال إن واجبنا يتحدد من الآن فصاعداً، بتدوين هذه النتائج الجاهزة، وبالنظر إليها كأنها الكلمة الأخيرة حول حقيقة الأشياء؟.
كلا، ثم كلا.
إذ أنه بقدر ما تتطور معارفنا حول الطبيعة والنفس الإنسانية، وكلما اكتسبنا سبباً جديداً يحملنا على أن نرى الأشياء من زاوية مختلفة، فإن ذلك
стр. 10
يدعونا إلى أن نضع المشكلات حين ندرسها بما يتفق وهذا الجديد من واقع العلم.
والمسألة القرآنية لا ينبغي لها أن تخرج عن هذه القاعدة.
فإذا كان صحيحاً أن القرآن معجزة مستمرة، وإذا كانت علائم صدقه من ناحية أخرى لا تنحصر في عبارته فحسب، بل في عالمي الطبيعة والنفس أيضاً كما يقول القرآن نفسه ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت ٤١/ ٥٣].
إذا كان الأمر كذلك فإن واجباً يقع على كل مؤمن متصل بمعطيات العلم.
إنه التقريب بين جانبي روحه: بين معتقده وعلمه. حين يواجه النصوص المنزلة، لا أقول بفرضيات العلماء التي لم تتحقق أو التي لا تقبل التحقيق، ولكن بالنتائج الثابتة والمستخرجة من تجاربهم، وأن يأخذ من تلك الواجهة ما ينتج عنها من دروس.
وإذا كان في الواقع هنالك حقيقتان، فإنه لا يحق لواحدة منهما أن تنكر الأخرى، بل على العكس من ذلك، عليها أن تؤكدها وتشد من أزرها.
وإذا اتفق لمؤمن متعلم أن ملك موهبة الكتابة فوق هاتين الصفتين من الإيمان والعلم، فإن واجباً آخر يقع على عاتقه: إنه إخراج ثمار علمه بلغة عصره، كما يفعل نبي يخاطب قومه بلغتهم.
إنني أستطيع أن أؤكد بأنك قمت بكلا الواجبين.
فقد تأملت بنضج، ذلك الاتصال بالعقل والتراث، بالعلم والعقيدة ة وأفرغت في عرض جميل واضح ومتماسك شرارة ما تفجر من ذلك اللقاء.
فسداد حكمك، وحرارة عقيدتك، وحداثة مصطلحاتك، وجمال أسلوبك؛ هذه كلها ميزات بارزة لا أستطيع أن أفيك ما تستحق من تهنئة عليها.
стр. 11
ولكني أرى من الواجب أن أوجه كلمة إلى الشباب المثقف كيما يتفادى التباساً يمكن أن يقع فيه حول الهدف الحقيقي من هذه الدراسة.
أريد أن أقول لهؤلاء الشباب: إن الأمر لا يعني هنا نشرة لجمع المعلومات وتخزينها في الذاكرة، ولكن نموذجاً حياً من نقاش جدلي، فائدته الحيوية الكبرى بما يذكي من الطاقة الروحية لسائر القراء القادرين على التفكير بمنهجية، كما يضع كل منهم بدوره قضية (الحقيقة) ويبحث بوسائله الذاتية عما يتعين عليه اتخاذه في سبيلها.
فإذا استطاعت نشرة من هذا النوع أن تخدم بوصفها علاجاً للتشكك الديني فتلك زيادة في الخير، إنما يبقى الهدف الأساسي قبل كل شيء محاربة اللامبالاة حول مسألة (الحقيقة العلوية).
على كل حال فإن دراسة كهذه، لا تفكر في أن تفرض نفسها على أنها نوع من العقيدة، نقبله بعيون مغمضة وبغير نقاش. فهذا على ما يبدو لي أبعد ما يكون عن فكر المؤلف، فضلاً عن أنه يتنافى مع المبادئ القرآنية التي يدافع عنها.
فالقرآن لم يعلن فحسب بأن الإيمان لا يفرض من الخارج، ولكنه أدان بقوة كل اتباع أعمى يلقي بزمامه إلى سلطة لا تستند إلى العقل. وقد دعا دائماً باستمرار إلى التأمل الفردي المنسحب من تأثير الوسط الخارجي والأفكار المسبقة، ومن كل فكرة مستقاة بعفوية دون تمحيص.
إن (ديكارت) لم يفعل غير ذلك، حينما رفض أسلوب الهيمنة، مطالباً بحق العقل، مؤكداً واجب كل امرئ بألا يأخذ بغير الثابت والبديهي الذي لامراء فيه.
أكثر من هذا؛ ففي هذا الإطار يبدو لنا المذهب الديكارتي من هذه الناحية، أقل تشدداً وتمسكاً من القرآن.
стр. 12
فمن المعروف بأية عناية أوضح الفيلسوف الفرنسي تأملاته، وهو يضع تلك القاعدة المنهجية التي لا تقبل غير الأفكار الواضحة والمحددة. فهو لم يشأ بذلك التكلم عن الأمور التي تنظر إلى الإيمان والمثل، ولكن عن الحقائق المجردة التي لا يمكن معرفتها إلا بالضوء الطبيعي وحده.
فإذا كان (ديكارت) قد اضطر إلى مثل هذا التحفظ، لأنه يعد الإيمان المسيحي تكتنفه أمور غامضة بوصفه موضوعاً، فمنذا الذي لا يرى أن هذا التحفظ لا محل له في العقيدة القرآنية؟.
مهما يكن من أمر فإنني لا أرى جيداً السبب الذي يستطيع أن يسوغ التقليل من شأن الفكر الديكارتي. فهناك انطباع بأنك تضعف بطريقة منهجية من شأن هذا الفكر، كما لو أن ديكارت ذلك الوجه الكبير في الفلسفة الحديثة، كان كافراً أو متشككاً أو رجلاً يعتقد بسذاجة، بكمال الفكر الإنساني واستقلاليته المطلقة تجاه كل تحسس خارجي، مستمد من الطبيعة أو مما هو فوق الطبيعة.
ولهذا أتمنى أن تحمل الطبعات القادمة ما يبدد بعناية هذا الالتباس.
وهناك ملاحظة أخرى صغيرة.
إنها تتعلق بحياة محمد ﷺ .
يبدو لي أنك أخذاً بتأكيدات بعض المستشرقين، قبلت بدون صعوبة افتراضهم حول مدة اعتكاف النبي قبل نزول الوحي.
فنحن نعلم موضوعهم المفضل في هذا الإطار.
إنه يرتكز على القول إنها فترة احتضان وتخمر للأفكار الدينية التي سبقت وضوح القرآن في الوعي المحمدي.
وبما أن فكرة تهدف لعمل واسع عظيم كالقرآن، لا يمكن التصور بأن تتحدد
стр. 13
معالمها بين ليلة وضحاها، ويقتضي لها الوقت الضروري والطبيعي لتحضيرها، فإن هؤلاء الكتاب قد التزموا جانب الافتراض، وافترضوا لهذا الاعتزال مدة تمتد عبر سنين عديدة.
وهكذا تحتم على محمد أن يختفي منذ زواجه في سن الخامسة والعشرين، ليفرغ إلى تأملاته، ولا يعود للظهور إلا وهو يحمل رسالته ذات صباح.
وعلى الرغم من أنك جهدت في تفنيد ورفض فكرة الاعتكاف هذه، فإنك تبدو مع ذلك قد أفسحت المجال لوجود خلفية وسند مادي لها، أعني بذلك انطواء الرسول لمدة خمسة عشر عاماً.
إن فرضية غياب كهذا، ليست فحسب مجانبة لا سند لها، بل إنها غير صحيحة على الإطلاق من الوجهة التاريخية.
فالمصادر الوثيقة جداً تحدد في الواقع تاريخ هذا الاعتكاف بالضبط بشهر قبل نزول القرآن. كما تحدد بدقة أكثر أن هذا الشهر تخللته عودة إلى منزله مرات عدة كليما يتزود. وقد سبقت هذا الشهر أيضاً رؤى واضحة كان يراها الرسول في منامه ثم ما يلبث أن يجدها حقيقة كفلق الصبح.
لقد حدثت هذه الإرهاصات جميعها في الأربعين من عمره، أي في عام هبوط الوحي.
وإذا ذهبنا بعيداً، وافترضنا جدلاً أن هذا الشهر من الاعتكاف، قد داوم عليه الرسول في كل عام، منذ زواجه وحتى نزول الوحي؛ يبقى أن نلاحظ بأن أحد عشر من اثني عشر شهراً من سني حياته في هذه الفترة قد قضاها في محيط اجتماعي، وأمام أعين مواطنيه.
والقرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس ١٦/ ١٠] إنما يستخرج
стр. 14
بالضبط، حجة من استمرار إقامة الرسول بين قومه فترة واسعة وكافية، ليدرك الناس جميعاً ميزاته واهتماماته، وعجزه الشخصي عن القيام بوضع آيات القرآن.
فماذا كانت أعماله في تلك المرحلة الانتقالية؟.
هناك حدث محدد وأكيد على الأقل. ففي نحو الثلاثين من عمره شارك في إعادة بناء الكعبة. ومن المعلوم من ناحية أخرى أنه تحمل بكفاءة ونشاط أعباءه العائلية؛ إذ رزق أكثر أولاده قبل قيامه بالرسالة.
وإذا كنا لا نملك تفاصيل أكبر حول أعماله اليومية قبل البعثة، فمرد ذلك بدون شك، إلى أنه فيما عدا المسلمة البارزة لعظيم أخلاقه، لا نجد في تلك الفترة من الزمن أمراً منفصلاً عن مألوف وسطه يمكن التحدث عنه.
فسكوت سائر رجال السيرة، عن التفصيلات الإضافية في هذا الخصوص، نقطة نسجلها كما لاحظت بحق، لصالح التراث الإسلامي الذي تحلى دائماً بأمانة تاريخية متشددة إلى أقصى حد، حين عزف عن كل توسيع أو تقليص، للمعطيات الثابتة التي يجدها في متناوله، سواء كانت هذه المعطيات لصالح قضيته أو في غير صالحها.
بعد هذا كله، أعود لأهنئك مرة أخرى على واسع الجهد، الذي به نجحت في إلقاء ضوء جميل حول المسألة الدينية في عمومها، وحول الفكر القرآني خاصة، كيما تسهم في دعم الأساس العقلاني للإيمان.
فعساك تجد أعظم ثوابك في ذلك النجاح المعنوي الذي يستحقه كتابك. وعسى نداؤك المنطقي والشاعري الذي أطلقته ليلامس أصحاب العقول النيرة، يتسرب إلى عميق نفوسهم فيبعث فيهم من جديد حياة القلب والعقل معاً.
باريس ١٥ أيلول (سبتمبر) ١٩٤٦م
محمد عبد الله دراز
أستاذ في الأزهر الشريف
стр. 15
شكر وتنبيه
كان من فضل الله أن تولى أستاذنا الكبير (محمود محمد شاكر) تقديم كتاب (الظاهرة القرآنية) إلى القراء، هذا التقديم الثمين، الذي يعد بحق من أروع ما كتب في مسألة اتصال بيان العرب في الجاهلية بقضية (إعجاز القرآن).
وإني لأرجو الله مخلصاً أن يتولى عنا جزاء أستاذنا بقدر ما بذل من جهده، وما ضحى من وقته على عظيم تبعاته وخطر مسؤولياته.
وإني لأتقدم بالشكر هنا إلى الأستاذ الدكتور (محمود قاسم) رئيس قسم الدراسات الفلسفية بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة، على توجيهاته التي أفدت منها كثيراً، وإلى الأستاذ المحدث (محمد فؤاد عبد الباقي) على تفضله بتحقيق ما عسر علي تحقيقه من أحاديث الكتاب، وهي التي رمزنا إليها في الهامش بحرف (ف).
والحمد لله الذي هدانا لهذا. وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المترجم
стр. 16
تقديم
فصل في إعجاز القرآن
للأستاذ محمود محمد شاكر
الحمد لله وحده لا شريك له، حمدا يقربنا إلى رضوانه، وصلاة الله وسلامه على نبيه المصطفى من أبناء الرسولين الكريمين إبراهيم وإسماعيل، صلاة تزلفنا إلى جنته.
...
هذا كتاب (الظاهرة القرآنية)
وكفى، فليس عدلا أن أقدم كتاباً هو يقدم نفسه إلى قارئه. وبحسب أخي الأستاذ مالك بن نبي وبحسب كتابه أن يشار إليه، وإنه لعسير أن أقدم كتاباً هو نهج مستقل، أحسبه لم يسبقه كتاب مثله من قبل. وهو منهج متكامل يفسره تطبيق أصوله، كما يفسره حرص قارئه على تأمل مناحيه. ولا أقول هذا ثناء، فأنا أعلم أن رجلا أثنى على رجل عند النبي ﷺ فقال له: " ويلك! قطعت عنق صاحبك "، قالها ثلاثا. ومالك أعزُّ عليَّ من أن أقطع عنقه بثنائي أو أهلكه بإطرائي.
ولكن أحسبني من أعرف الناس بخطر هذا الكتاب، فإن صاحبه قد كتبه لغاية بيّنها، ولأسباب فصّلها. وقد صهرتني المحن دهراً طويلاً، فاصطليت
стр. 17
بالأسباب التي دعته إلى اتخاذ منهجه في تأليف هذا الكتاب ثم أفضيت إلى الغاية التي أرادها، بعد أن سلكت إليها طرقاً موحشة مخوفة. وقد قرأت الكتاب وصاحَبتُه، فكنت كما قرأت منه فصلا وجدت نفسي كالسائر في دروب قد طال عهدي بها، وخيل إليَّ أن مالكاً يؤلف هذا الكتاب إلا بعد أن سقط في مثل الفتن التي سقطتُ فيها من قبل، ثم أقال الله عثرته بالهداية فكان طريقه إلى المذهب الصحيح، هو ما ضمنه كتابه من بعض دلائل إثبات إعجاز القرآن، وأنه كتاب منزّل، أنزله الذي يعلم الخبء في المسلموات والأرض، وأن مبلغه إلى الناس، ﷺ ، رسول صادق قد بلغ عن ربه ما أمره بتبليغه، وأن بين هذا الرسول الصادق وبين الكلام الذي بلّغه حجازاً فاصلاً، وأن هذا الحجاز الفاصل بين القرآن وبين مبلغه حقيقة ظاهرة، لا يخطئها من درس سيرة رسول الله فاحصاً متأملاً، ثم درس كتاب الله بعقل يقظ غير غافل.
وهذا المنهج الذي سلكه مالك، منهج يستمد أصوله من تأمل طويل في طبيعة النفس الإنسانية، وفي غريزة التدين في فطرة البشر، وفي تاريخ المذاهب والعقائد التي توسم بالتناقض أحياناً، ولكنها تكشف عن مستور التدين في كل إنسان. ثم هو يستمد أصوله من الفحص الدائب في تاريخ النبوة وخصائصها، ثم في سيرة رسول الله، بأبي هو وأمي، منذ نشأته إلى أن لحق بالرفيق الأعلى. ثم في هذا البلاغ الذي جاء ليكون بنفسه، دليلاً على صدق نفسه، أنه كلام الله، الفارق لكلام البشر من جميع نواحيه.
وخلال هذا المنهج تستعلن لك المحنة التي عاناها مالك، كما عانيتها أنا، وكما عاناها جيل من المسلمين في هذا القرن. بل إنك لتجد المحنة ماثلة في (مدخل الدراسة) وهو الفصل الذي استفتح به كتابه، فقد صور لك مشكلة الشباب المسلم المتعلم في هذا العصر، وما كان قاساه وما يزال يقاسيه، من العنت في إدراك إعجاز القرآن، إدراكاً يرضاه ويطمئن إليه.
стр. 18
وهذا (العقل) الحديث الذي يفكر به شباب العالم الإسلامي، والذي يريد أن يدرك ما يرضيه ويطمئن إليه من دلائل إعجاز القرآن، هو لب المشكلة، فإن (العقل) هبة الله لكل حي، ولكن أساليب تفكيره كسب يكتسبه من معالجة النظر ومن التربية ومن التعليم، ومن الثقافة ومن آلاف التجارب التي يحياها المرء في هذه الحياة. فينبغي، قبل كل شيء، أن نتدبر أمر هذا (العقل) الحديث في العالم الإسلامي، لأن فهم هذا (العقل)، هو الذي يحدد لنا طريقنا ومنهجنا في كل دراسة صحيحة، نحب أن نقدمها إليه حتى يطمئن ويرضى.
فمنذ أول الإسلام، خاضت الجيوش الإسلامية معارك الحرب في جميع أنحاء الدنيا، وخاض معها العقل الإسلامي معارك أشد هولاً حيث نزل الإنسان المسلم. وتقوضت أركان الدول تحت وطأة الجند المظفر، وتقوضت معها أركان الثقافات المتباينة تحت نور العقل المسلم المنصور، وظلت الملاحم دائرة الرحى قروناً متطاولة، في ميادين الحرب وميادين الثقافة، حتى كان هذا العصر الأخير.
انبعثت الحضارة الأوربية، ثم انطلقت بكل سلاحها لتخوض في قلب العالم الإسلامي، أكبر معركة في تاريخنا وتاريخهم. وهي معركة لم يحط بأساليبها وميادينها أحد بعد في هذا العالم الإسلامي ولم يتقص أحد آثارها فينا. ولم يتكفل بدراستها من جميع نواحيها من يطيق أن يدرس، ولست أزعم أني سأدرسها في هذا الموضع، ولكن سأدل على طرف منها، ينفع قارئ هذا الكتاب، إذا صح عزمه على معاناة دراسته دراسة الحريص المتغلغل.
لم تكن المعركة الجديدة بين العالم الأوربي المسيحي، وبين العالم الإسلامي، معركة في ميدان واحد، بل كانت معركة في ميدانين: ميدان الحرب، وميدان الثقافة. ولم يلبث العالم الإسلامي أن ألقى السلاح في ميدان الحرب، لأسباب
стр. 19
معروفة. أما ميدان الثقافة، فقد بقيت المعارك فيه متتابعة جيلاً بعد جيل، بل عاماً بعد عام، بل يوماً بعد يوم. وكانت هذه المعركة أخطر المعركتين، وأبعدهما أثراً، وأشدهما تقو يضاً للحياة الإسلامية والعقل الإسلامي. وكان عدونا يعلم ما لا نعلم، كان يعلم أن هذه هي معركته الفاصلة بيننا وبينه، وكان يعلم من خباياها ما لا نعلم، ويدرك من أسرارها ووسائلها ما لا ندرك، ويعرف من ميادينها ما لا نعرف، ويصطنع لها من الأسلحة ما لا نصطنع، ويتحرى لها من الأسباب المفضية إلى هلاكنا ما لا نتحرى أو نلقي إليه بالاً. وأعانه وأيده أن سقطت الدول الإسلامية جميعاً هزيمة في ميدان الحرب. فسقطت في يده مقاليد أمورها في كل ميدان من ميادين الحياة، وصار مهيمناً على سياستها واقتصادها وصحافتها، أي سقطت في يده مقاليد التوجيه الكامل للحياة الإسلامية، والعقل الإسلامي.
وميادين معركة الثقافة والعقل ميادين لا تعد، بل تشمل المجتمع كله في حياته وفي تربيته وفي معايشه، وفي تفكيره وفي عقائده وفي آدابه وفي فنونه وفي سياسته، بل كل ما تصبح به الحياة حياة إنسانية، كما عرفها الإنسان منذ كان على الأرض. والأساليب التي يتخذها العدو للقتال في معركة الثقافة، أساليب لا تعد ولا تحصى، لأنها تتغير وتتبدل وتتجدد على اختلاف الميادين وتراحبها وكثرتها، وأسلحة القتال فيها أخفى الأسلحة، لأن عقل المثقف يتكون يوماً بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، وهو يتقبل بالتربية والتعليم والاجتماع، أشياء يُسَلَّمها بالإلف الطويل وبالعرض المتواصل وبالمكر الخفي، وبالجدل المضلل وبالمراد المتلون وبالهوى المتغلب، وبضروب مختلفة من الكيد الذي يعمل في تحطيم البناء القائم، لكي يقيم العدو على أنقاضه بناء كالذي يريد ويرجو.
وقد كان ما أراد الله أن يكون، وتتابعت هزائم العالم الإسلامي في ميدان الثقافة جيلا بعد جيل، وكما بقيت معارك الحرب متتابعة سراً مكتوماً
стр. 20
لا يتدارسه قادة الجيوش الإسلامية وجندها حتى هذا اليوم، بقيت أيضاً معارك الثقافة على تطاولها، سراً خافياً لا يتدارسه قادة الثقافة الإسلامية وجندها؛ بل أكبر من ذلك: فقد أصبح أكثر قادة الثقافة في العالم الإسلامي وأصبح جنودها أيضاً، تبعاً يأتمرون بأمر القادة من أعدائهم، عارفين أو جاهلين أنهم هم أنفسهم قد انقلبوا عدواً للعقل الإسلامي الذي ينتسبون إليه، بل الذي يدافعون عنه أحياناً دفاع غيرة وإخلاص.
لم يكن غرض العدو أن يقارع ثقافة بثقافة، أو أن ينازل ضلالاً بهدى، أو أن يصارع باطلاً بحق، أو أن يمحو أسباب ضعف بأسباب قوة؛ بل كان غرضه الأول والأخير أن يترك في ميدان الثقافة في العالم الإسلامي، جرحى وصرعى لا تقوم لهم قائمة، وينصب في أرجائه عقولاً لا تدرك إلا ما يريد لها هو أن تعرف، ف كانت جرائمه في تحطيم أعظم ثقافة إنسانية عرفت إلى هذا اليوم، كجرائمه في تحطيم الدول وإعجازها مثلاً بمثل. وقد كان ما أراد الله أن يكون، وظفر العدو فينا بما كان يبغي ويريد.
وقد فصل مالك في (مدخل الدراسة) محنة (العقل) الحديث في العالم الإسلامي، على يد أمضى أسلحة العدو في تهديم بعض جوانب الثقافة، بل أهم جوانبها، وهو سلاح (الاستشراق)، سلاح لم يدرسه المسلمون بعد، ولم يتتبعوا تاريخه، ولم يكشفوا عن مكايده وأضاليله، ولم يقفوا على الخفي من أسرار مكره، ولم يستقصوا أثره في نواحي حياتهم الثقافية؛ بل في أكثر نواحي حياتهم الإنسانية، كيف؟ بل كان الأمر عكس ما كان ينبغي أن يكون، فهم يتدارسون ما يلقيه إليهم على أنه علم يتزوده المتعلم، وثقافة تتشربها النفوس، ونظر تقتفيه العقول، حتى كان كما قال مالك: ((إن الأعمال الأدبية لهؤلاء المستشرقين، قد بلغت درجة خطيرة من الإشعاع لا نكاد نتصورها)) وتفصيل أثر هذا الإشعاع في تاريخنا الحديث، وفي سياستنا وفي عقائدنا، وفي كتبنا وفي
стр. 21
ديننا وفي أخلاقنا وفي مدارسنا وفي صحافتنا، وفي كل أقوالنا وأعمالنا، شيء لا يكاد يحيط به أحد.
وهذا الإشعاع كما سماه مالك، كان من أعظم الأسباب وأبعدها خطراً في (العقل) الحديث، الذي يريد أن يدرك دلائل إعجاز القرآن إدراكاً يرضى عنه ويطمئن إليه. وهو الذي أوقع الشك في الأصول القديمة التي قامت عليها أدلة إعجاز القرآن، بل أكبر من ذلك، فإنه قد أتى أساليب غاية في الدهاء والخفاء، أفضت إلى تدمير الوسائل الصحيحة التي ينبغي أن يتذرع بها كل من درس نصاً أدبياً، حتى يتاح له أن يحكم على جودته أو رداءته، فضلاً عن بلاغته أو إعجازه.
وقد ذكر مالك في (مدخل الدراسة) تلك القضية الغريبة التي عرفت بقضية (الشعر الجاهلي)، والتي أثارها المستشرق (مرجليوث) في بعض مجلات المستشرقين، ثم تولى كبرها (طه حسين) في كتابه (في الشعر الجاهلي)، يوم كان أستاذاً للأدب العربي بالجامعة المصرية. ولن أذكر هنا تلك المعارك التي أثارها كتاب (في الشعر الجاهلي)، ولكني أذكر، كما ذكر مالك، أن هذه القضية بأدلتها ومناهجها، قد تركت في (العقل) الحديث في العالم الإسلامي، أثراً لا يمحى إلا بعد جهد جهيد؛ والعجب أن (مرجليوث) قد أتى في بحثه بزيف كثير، كان هو الأساس الذي بنى عليه هذا (العقل)، وقد حاول مئات من رجال الفكر أن يزيفوا الأدلة والمناهج، ولكن هذا الزيف بقي بعد ذلك طابعاً مميزاً لأكثر ما ينشره الطلبة والأساتذة إلى يومنا هذا. ولا تحاكم مرجليوث وأشياعه إلى رأيك ونظرك، بل دع محاكمته إلى مستشرق مثله، هو (آربري)، يقول في خاتمة كتابه (المعلقات السبع) وقد ذكر أقوال مرجليوث وفندها: ((إن السفسطة- وأخشى أن أقول: الغش- في بعض الأدلة التي ساقها الأستاذ (مرجليوث)، أمر بيِّن جداً، ولا تليق البتة برجل كان، ولا ريب من أعظم أئمة العلم في عصره)).
стр. 22
وهذا حكم شنيع، لا على (مرجليوث) وحده، بل على كل أشياعه وكهنته وعلى ما جاؤوا به من حطام الفكر.
ولكن العجب عندي بعد ذلك أن مالكاً ارتكز على ذكر هذه القضية، وعلى أثرها في العقل الحديث، ثم انطلق منها إلى نتيجة أخرى فقال: ((وعلى هذا فالمشكلة بوضعها الراهن تتجاوز في مداها نطاق الأدب والتاريخ، وتهم مباشرة منهج التفسير القديم كله، ذلك التفسير القائم على الموازنة الأسلوبية، معتمداً على الشعر الجاهلي بوصفه حقيقة لا تقبل الجدل؛ وعلى أية حال فقد كان من الممكن أن تثور هذه المشكلة تبعاً للتطور الجديد في الفكر الإسلامي، وإنما بصورة أقل ثورية، فمنهج التفسير القديم يجب أن يتعدل في حكمة وروية، لكي يتفق مع مقتضيات الفكر الحديث)).
ثم قال: ((لقد قام إعجاز القرآن حتى الآان على البرهان الظاهر على سمو كلام الله فوق البشر. وكان لجوء التفسير إلى الدراسة الأسلوبية لكي يضع لإعجاز القرآن أساساً عقلياً. فلو أننا طبقنا نتائج فرض (مرجليوث)، لانهار ذلك الأساس، ومن هنا توضع مشكلة التفسير على أساس هام بالنسبة لعقيدة المسلم، أعني: برهان إعجاز القرآن في نظره)).
ثم أفضى إلى هذا الحكم: ((والحق أنه لا يوجد مسلم، وخاصة في البلاد غير العربية- يمكنه أن يوازن موضوعياً بين آية قرآنية، وفقرة موزونة أو مقفاة من أدب العصر الجاهلي. فمنذ وقت طويل، لم نعد نملك في أذواقنا عبقرية اللغة العربية، ليمكننا أن نستنبط من موازنة أدبية نتيجة عادلة حكيمة)).
وأنا أحب أن أناقش هذه المقالة حتى أعين القارئ على أن يضع كتاب (الظاهرة القرآنية) في مكانه الذي ينبغي له، وحتى تتبين له معالم الطريق الذي يسير فيه وهو يقرأ هذا الكتاب، وحتى يستفيد من أدلته وبراهينه قوة تعينه على أن يضع أساساً يقيم عليه عقيدته وإيمانه.
стр. 23
ولا أدري ما الذي ألجأ أخي مالكاً إلى ذكر (تفسير القرآن) ومنهجه القديم في هذا الوضع .. ؟ .. إنه إقحام لباب من علوم الإسلام قائم برأسه لا يمسه فرض (مرجليوث) من قريب أو بعيد. وعلم تفسير القرآن كما أسسه القدماء، لا يقوم على موازنة الأساليب، اعتماداً على شعر الجاهلية أو شعر غير الجاهلية، وإذا اقتضتنا الحاجة أن ندخل تعديلاً على منهج التفسير القديم، فإنه عندئذ تعديل لا علاقة له البتة بالشعر الجاهلي، لا من قبل الشك في صحته، ولا من قبل موازنة الأساليب الجاهلية بأسلوب القرآن. وكل ما عند القدماء من ذكر الشعر الجاهلي في تفسيرهم، فهو أنهم يستدلون به على معنى حرف في القرآن، أو بيان خاصة من خصائص التعبير العربي، كالتقديم والتأخير والحذف وما إلى ذلك، وهذا أمر يصلح له شعر الجاهلية، كما يصلح له شعر الإسلام؛ وغاية علم تفسير القرآن- كما ينبغي أن يعلم- إنما هي بيان معاني ألفاظه مفردة، وجمله مجتمعة، ودلالة هذه الألفاظ والجمل على المباني، سواء في ذلك آيات الخبر والقصص، وآيات الأدب وآيات الأحكام، وسائر ما اشتملت عليه معاني القرآن. وهو أمر عن (إعجاز القرآن) بمعزل.
أما الأمر المرتبط بالشعر الجاهلي، أو بقضايا الشعر جميعاً، والمتصل بأساليب الجاهلية وغير الجاهلية، وأساليب العربية وغير العربية وموازنتها بأسلوب القرآن، فهو علم (إعجاز القرآن)، ثم (علم البلاغة).
ولا مناص لمتكلم في (إعجاز القرآن)، من أن يتبين حقيقتين عظيمتين قبل النظر في هذه المسألة، وأن يفصل بينهما فصلاً ظاهراً لا يلتبس، وأن يميز أوضح التمييز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينهما:
أولاهما: أن (إعجاز القرآن) كما يدل عليه لفظه وتاريخه، وهو دليل النبي ﷺ على صدق نبوته، وعلى أنه رسول الله يوحى إليه هذا القرآن، وأن النبي ﷺ كان يعرف (إعجاز القرآن) من الوجه الذي عرفه منه سائر من آمن به
стр. 24
من قومه العرب، وأن التحدي الذي تضمنته آيات التحدي، من نحو قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود ١١/ ١٣ و ١٤]. وقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء١٧/ ٨٨]. إنما هو تحدٍّ بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك. فما هو بتحدٍّ بالإخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهر من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان.
ثانيهما: أن إثبات دليل النبوة، وتصديق دليل الوحي، وأن القرآن تنزيل من عند الله، كما نزلت التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب الله سبحانه، لا يكون منها شيء يدل على أن القرآن معجز، ولا أظن أن قائلاً يستطيع أن يقول إن التوراة والإنجيل والزبور كتب معجزة، بالمعنى المعروف في شأن إعجاز القرآن، من أجل أنها كتب منزلة من عند الله. ومن البين أن العرب قد طولبوا بأن يعرفوا دليل نبوة رسول الله، ودليل صدق الوحي الذي يأتيه، بمجرد سماع القرآن نفسه، لا بما يجادلهم به حتى يلزمهم الحجة في توحيد الله، أو تصديق نبوته، ولا بمعجزة كمعجزات إخوانه من الأنبياء مما آمن على مثله البشر، وقد بيّن الله في غير آية من كتابه أن سماع القرآن يقتضيهم إدراك مباينته لكلامهم، وأنه ليس من كلام بشر، بل هو كلام رب العالمين وبهذا جاء الأمر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة ٩/ ٦].
فالقرآن المعجز هو البرهان القاطع على صحة النبوة، أما صحة النبوة فليست برهاناً على إعجاز القرآن.
стр. 25
والخلط بين هاتين الحقيقتين، وإهمال الفصل بينهما في التطبيق والنظر، وفي دراسة (إعجاز القرآن)، قد أفضى إلى تخليط شديد في الدراسة قديماً وحديثاً، بل أدى هذا الخلط إلى تأخير علم (إعجاز القرآن) و (علم البلاغة)، عن الغاية التي كان ينبغي أن ينتهيا إليها.
وحسن أن أزيل الآن لبساً قد يقع فيه الدارس لكتاب (الظاهرة القرآنية)، ففي (مدخل الدراسة)؛ وفي بعض فصول الكتاب ما يوهم أن من مقاصده تثبيت قواعد في (علم إعجاز القرآن)، من الوجه الذي يسمى به القرآن معجزاً. وهو خطأ، فإن منهج مالك في تأليفه دالّ أوضح الدلالة على أنه إنما عني بإثبات صحة دليل النبوة، وبصدق دليل الوحي، وأن القرآن تنزيل من عند الله، وأنه كلام الله لا كلام بشر، وليس هذا هو (إعجاز القرآن) كما أسلفت، بل هو أقرب إلى أن يكون باباً من (علم التوحيد)، استطاع مالك أن يبلغ فيه غايات بعيدة، قصر عنها أكثر من كتب من المحدثين وغير المحدثين: فجزاه الله عن كتابه ونبيه أحسن الجزاء.
أما مسألة (إعجاز القرآن)، فقد بقيت خارج هذا الكتاب، وهي عندي أعقد مشكلة يمكن أن يعانيها (العقل) الحديث، كما يسمونه، حتى بعد أن يتمكن من إرساء كل دعامة يقوم عليها إيمانه بصدق نبوة رسول الله ﷺ ، وبصدق الوحي وبصدق التنزيل. وأيضاً فهي المسألة التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقضية الشعر الجاهلي، وبالكيد الخفي الذي اشكلت عليه هذه القضية، بل إنها لترتبط ارتباطاً لا فكاك له بثقافتنا كلها، وبما ابتلي به العرب في جميع دور العلم، من فرض منهاج خال من كل فضيلة في تدريس اللغة وآدابها. بل إنها لتشمل ما هو أرحب من ذلك، تشمل بناء الإنسان العربي أو المسلم، من حيث هو إنسان قادر على تذوق الجمال في الصورة والفكر جميعاً.
ومعرفة معنى (إعجاز القرآن)، وما هو وكيف كان، أمر لا غنى عنه لمسلم
стр. 26
ولا لدارس، وشأنه أعظم من أن يتكلم فيه أمرؤ بغير تثبت من معناه، وتمكن من تاريخه، وتتبع للآيات الدالة على حقيقته. وأنا لا أزعم أني مستقصيه في هذا الوضع، ولكني مستعين بالله، فذاكر طرفاً مما يعين المرء على معرفته.
وذلك أن رسول الله ﷺ ، بأبي هو وأمي، حين فجأه الوحي في غار حراء، وقال له: ((اقرأ))، فقال: ((ما أنا بقارئ))، ثم لم يزل حتى قرأ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٩٦/ من الآية ١ - ٥].
رجع بها وهو يرجُف فؤاده، فدخل على خديجة فقال: ((زملوني زملوني))، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. وذلك أنه قد أتاه أمر لا قِبَل له به، وسمع مقالاً لا عهد له بمثله، وكان رجلاً من العرب، يعرف من كلامها ما تعرف، وينكر منه ما تنكر؛ كان هذا الروع الذي أخذه، بأبي هو وأمي، أول إحساس في تاريخ البشر، بمباينة هذا الذي سمع، للذي كان يسمع من كلام قومه، وللذي كان يعرف من كلام نفسه. ثم حمي الوحي وتتابع، وأمره ربه أن يقرأ ما أنزل عليه على الناس على مُكثِ. فتتبع الأفراد من عشيرته وقومه، يقرأ عليهم هذا الذي نزل إليه. ولم يكن من برهانه ولا مما أُمِر به أن يلزمهم الحجة بالجدال حتى يؤمنوا أنما هو إله واحد، وأنه هو نبي الله، بل طالبهم بأن يؤمنوا بما دعاهم إليه، ويقروأ له بصدق نبوته، بدليل واحد هو هذا الذي يتلوه عليهم من قرآن يقرؤه. ولا معنى لمثل هذه المطالبة بالإقرار لمجرد التلاوة، إلا أن هذا المقروء عليهم، كان هو في نفسه آية فيها أوضح الدليل على أنه ليس من كلامه هو، ولا من كلام بشر مثله. ثم أيضاً لا معنى لها البتة إلا أن يكون وكان في طاقة هؤلاء السامعين أن يميزوا تمييزاً واضحاً بين الكلام الذي هو من نحو كلام البشر، والكلام الذي ليس من نحو كلامهم.
стр. 27
وكان هذا القرآن يُنَزَّل عليه منجماً، وكان الذي نزل عليه يومئذ قليلاً كما تعلم، فكان هذا القليل من التنزيل هو برهانه الفرد على نبوته. وإذن، فقليل ما أوحي إليه من الآيات يومئذ، وهو على قلته وقلة ما فيه من المعاني التي تتامَّت وتجمعت في القرآن جملة كما نقرؤه اليوم، منطوٍ على دليل مستبين قاهر، يحكم له بأنه ليس من كلام البشر. وبذلك يكون دليلا على أن تاليه عليهم، وهو بشر مثلهم، نبي من عند الله مرسل.
فإذا صح هذا، وهو صحيح لا ريب فيه، ثبت ما قلناه أولاً من أن الآيات القليلة من القرآن، ثم الآيات الكثيرة، ثم القرآن كله، أياً ذلك كان، في تلاوته على، سامعه من العرب، هو الدليل الذي يطالبه بأن يقطع بأن هذا الكلام مفارق لجنس كلام البشر، وذلك من وجه واحد، وهو وجه البيان والنظم.
وإذا صح أن قليل القرآن وكثيره سواء من هذا الوجه، ثبت أن ما في القرآن جملة- من حقائق الأخبار عن الأمم السالفة، ومن أنباء الغيب ومن دقائق التشريع، ومن عجائب الدلالات على ما لم يعرفه البشر من أسرار الكون إلا بعد القرون المتطاولة من تنزيله- كل ذلك بمعزل عن الذي طولب به العرب، وهو أن يستبينوا في نظمه وبيانه انفكاكه من نظم البشر وبيانهم، من وجه يحسم القضاء بأنه كلام رب العالمين. وههنا معنى زائد، فإنهم إذا أقروا أنه كلام رب العالمين بهذا الدليل، كانوا مطالبين بأن يؤمنوا بأن ما جاء فيه من أخبار الأمم وأنباء الغيب ودقائق التشريع، وعجائب الدلالات على أسرار الكون، هو كله حق لا ريب فيه، وإن ناقض ما يعرفون، وإن باين ما اتفقوا على أنه عندهم أو عند غيرهم حق لا يشكون فيه. وإذن فإقرارهم من وجه النظم والبيان أن هذا القرآن كلام رب العالمين، دليل يطالبهم بالإقرار بصحة ما جاء فيه من كل ذلك، أما صحة ما جاء فيه، فليست هي الدليل الذي يطالبهم بالإقرار بأن
стр. 28
نظم القرآن وبيانه، مباين لنظم البشر وبيانهم، وأنه بهذا من كلام رب العالمين. وهذا أمر في غاية الوضوح.
فمن هذا الوجه كما ترى طولب العرب بالإقرار والتسليم، ومن هذا الوجه تحيرت العرب فيما تسمع من كلام يتلوه عليهم رجل منهم، تجده من جنس كلامها لأنه نزل بلسانهم، لسان عربي مبين؛ ثم تجده مبايناً لكلامها، فما تدري ما تقول فيه من طغيان اللدد والخصومة. وإنه لخبر مشهور، خبر تحير النفر من قريش فيه وعلى رأسهم (الوليد بن الغيرة). لقد ائتمرت قريش يومئذ حين حضر الموسم، لكي يقولوا في هذا الذي يتلى عليهم وعلى الناس قولاً واحداً لا يختلفون فيه، وأداروا الرأي بينهم في تاليه على أهل المواسم، وتشاوروا أن يقولوا: كاهن، أو مجنون، أو شاعر أو ساحر، فلما آلت المشورة إلى ذي رأيهم وسنهم وهو (الوليد بن المغيرة)، رد كل ذلك بالحجة عليهم، ثم قال: ((والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة؛ وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته)).
فهذا التحير المظلم الذي غشَّاهم وأخذ منهم بالكظم، والذي نعته الوليد فاستجاد النعت، كان تحيراً لما يسمعون من نظمه وبيانه، لا لما يدركون من دقائق التشريع، وخفي الدلالات، وما لا يؤمنون به من الغيب، وما لا يعرفون من أنباء القرون التي خلت من قبل.
وحمي الوحي وتتابع عاماً بعد عام، وأقبل ﷺ يلح جهرة فيقرأ القرآن عليهم وعلى من طاف بهم من العرب في بطن مكة، وفي مواسم الحج والأسواق؛ وهبت قريش تناوئه وتنازعه، وتلج في اللدد والخصومة، وفي الإنكار والتكذيب، وفي العداوة والأذى؛ فلما طال تكذيبهم وإنكارهم، على ما يجدون
стр. 29
في أنفسهم من مثل الذي وجد الوليد، ومن مثل الذي آمن عليه مَن آمن مِن قومه العرب، صب الله عليهم من الوحي ما هالهم وأفزعهم؛ كانوا يتحيرون في هذا الذي يتلى عليهم، وظل رسول الله ﷺ بمكة ثلاثة عشر عاماً والمسلمون قليل مستضعفون في أرض مكة، وظل الوحي يتتابع وهو يتحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ثم بعشر سور مثله مفتريات. فلما انقطعت قواهم، قطع الله عليهم وعلى الثقلين جميعاً منافذ اللدد والعناد، فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ١٧/ ٨٨]. وكذلك كان!
فكان هذا البلاغ القاطع الذي لا معقب له، هو الغاية التي انتهى إليها أمر هذا القرآن، وأمر النزاع فيه، لا بين رسول الله وبين قومه من العرب فحسب، بل بينه وبين البشر جميعاً على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، لا .. بل بينه وبين الإنس والجن مجتمعين متظاهرين. وهذا البلاغ الحق الذي لا معقب له من بين يديه ولا من خلفه، هو الذي اصطلحنا عليه فيما بعد، وسميناه (إعجاز القرآن).
وهذا الذي اقتصصته لك، تاريخ مختصر أشد الاختصار، ولكنه مجزئ في الدلالة على تحديد معنى (إعجاز القرآن) بالمعنى الذي يفهم من هذا اللفظ على إطلاقه، ومجزئ في الدلالة على هذا (الإعجاز). من أي وجوه الإعجاز كان إعجازاً، وإنه ليكشف عن أمور لا غنى لدارس عن معرفتها:
الأول: أن قليل القرآن وكثيره في شأن (الإعجاز) سواء.
الثاني: أن الإعجاز كائن في رصف القرآن وبيانه ونظمه، ومباينة خصائصه للمعهود من خصائص كل نظم وبيان في لغة العرب، ثم في سائر لغات البشر، ثم بيان الثقلين جميعاً، إنسهم وجنهم متظاهرين.
стр. 30
الثالث: أن الذين تحداهم بهذا القرآن قد أوتوا القدرة على الفصل بين الذي هو من كلام البشر، والذي هو ليس من كلامهم.
الرابع: أن الذين تحداهم به كانوا يدركون أن ما طولبوا به من الإتيان بمثله، أو بعشر سور مثله مفتريات، هو هذا الضرب من البيان الذي يجدون في أنفسهم أنه خارج من جنس بيان البشر.
الخامس: أن هذا التحدي لم يقصد به الإتيان بمثله مطابقاً لمعانيه، بل أن يأتوا بما يستطيعون افتراءه واختلاقه، من كل معنى أو غرض، مما يعتلج في نفوس البشر.
السادس: أن هذا التحدي للثقلين جميعاً إنسهم وجنهم متظاهرين، تحدّ مستمر قائم إلى يوم الدين.
السابع: أن ما في القرآن من مكنون الغيب، ومن دقائق التشريع ومن عجائب آيات الله في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي إلى الإعجاز، وإن كان ما فيه من ذلك كله يعد دليلاً على أنه من عند الله تعالى، ولكنه لا يدل على أن نظمه وبيانه مباين لنظم كلام البشر وبيانهم، وأنه بهذه الباينة كلام رب العالين، لا كلام بشر مثلهم.
فهذه أمور تستخرجها دراسة تاريخ نزول القرآن، ومدارسة آياته في جدال المشركين من العرب في صحة الآيات التي جاءتهم من المسلماء، كما جاءت سائر آيات الأنبياء ومعجزاتهم، وحسبك في بيان ذلك ما قال رسول الله ﷺ : ((ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحي إليّ، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة))، فالقرآن هو آية الله في الأرض، آيته المعجزة من الوجه الذي كان به معجزاً للعرب، ثم للبشر، ثم للثقلين جميعاً.
стр. 31
وكل لبس يقع في ضبط هذه الأمور المتعلقة بمعنى (إعجاز القرآن)، وكل اختلال في تمييزها وتحديد ما تقتضيه في العقل والنظر، سبيل إلى انتشار أغمض اللبس، وأبلغ الخلل في فهم معنى (إعجاز القرآن)، من الوجه الذي صار به القرآن معجزاً للعرب، ثم لسائر البشر على اختلاف ألسنتهم، ثم للثقلين جميعاً متظاهرين.
****
هذا بعض ما أدى إليه النظر المجرد في استخراج المعنى الذي هو مناط التحدي ومفصل الإعجاز؛ وأرجو أن أكون قد بلغت في كشفه مقنعاً ورضى. ولكنه بقي ما لا بد منه: أن نستنبط بهذا الأسلوب من النظر المجرد، صفة القوم الذين تحداهم، وصفة لغتهم.
فإذا صح أن (الإعجاز) كائن في رصف القرآن ونظمه وبيانه بلسان عربي مبين، وأن خصائصه مباينة للمعهود من خصائص كل نظم وبيان تطيقه قوى البشر في بيانهم، لم يكن لتحديهم به معنى إلا أن تجتمع لهم وللغتهم صفات بعينها: أولها: أن اللغة التي نزل بها القرآن معجزاً، قادرة بطبيعتها هي، أن تحتمل هذا القدر الهائل من المفارقة بين كلامين: كلام هو الغاية في البيان فيما تطيقه القوى، وكلام يقطع هذه القوى ببيان ظاهر المباينة له من كل الوجوه.
ثانيها: أن أهلها قادرون على إدراك هذا الحجاز الفاصل بين الكلامين. وهذا إدراك دالّ على أنهم قد أوتوا من لطف تذوق البيان ومن العلم بأسراره ووجوهه، قدراً وافراً يصح معه أن يتحداهم بهذا القرآن، وأن يطالبهم بالشهادة عند سماعه، أن تاليه عليهم نبي من عند الله مرسل.
ثالثها: أن البيان كان في أنفسهم أجلَّ من أن يخونوا الأمانة فيه، أو
стр. 32
يجوروا عن الإنصاف في الحكم عليه. فقد قرَّعهم وعيرهم وسفَّه أحلامهم وأديانهم، حتى استخرج أقصى الضرورة في عداوتهم له. وظل مع ذلك يتحداهم، فنهتهم أمانتهم على البيان عن معارضته ومناقضته وكان أبلغ ما قالوه: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال ٣١/ ٨]، ولكنهم كفوا ألسنتهم فلم يقولوا شيئا؛ هذه واحدة. وأخرى: أنه لم ينصب لهم حكماً، بل خلّى بينهم وبين الحكم على ما يأتون به معارضين له، ثقة بإنصافهم في الحكم على البيان، فهذه التخلية مرتبة من الإنصاف لا تدانيها مرتبة.
رابعها: أن الذين اقتدروا على مثل هذه اللغة، وأوتوا هذا القدر من تذوق البيان، ومن العلم بأسراره، ومن الأمانة عليه، ومن ترك الجور في الحكم عليه، يوجب العقل أن يكونوا قد بلغوا في الإعراب عن أنفسهم بألسنتهم المبينة عنهم، مبلغاً لا يدانى.
وهذه الصفات تفضي بنا إلى التماس ما ينبغي أن تكون عليه صفة كلامهم، إن كان بقي من كلامهم شيء، فالنظر المجرد أيضاً، يوجب أمرين في نعت ما خلفوه:
الأول: أن يكون ما بقي من كلامهم، شاهداً على بلوغ لغتهم غاية من التمام والكمال والاستواء، حتى لا تعجزها الإبانة عن شيء مما يعتلج في صدر كل مبين منهم.
الثاني: أن تجتمع فيه ضروب مختلفة من البيان، لا يجزئ أن تكون دالة على سعة لغتهم وتمامها، بل على سجاحتها أيضاً، حتى تلين لكل بيان تطيقه ألسنة البشر على اختلاف ألسنتهم.
فهل بقي من كلامهم شيء يستحق أن يكون شاهداً على هذا ودليلاً. نعم، بقي (الشعر الجاهلي)!
стр. 33
وإذن! ينبغي أن نعيد تصور المشكلة وتصويرها. فإن النظر المجرد والمنطق المتساوق والتمحيص المتتابع، كل ذلك قد أفضى بنا إلى تجريد معنى (إعجاز القرآن) مما شابه وعلق به، حتى خلص لنا أنه من قبل النظم والبيان، ثم ساقنا الاستدلال إلى تحديد صفة القوم الذين تحداهم وصفة لغتهم، ثم خرج بنا إلى طلب نعت كلامهم، ثم التمسنا الشاهد والدليل على الذي أدانا إليه النظر، فإذا هو (الشعر الجاهلي).
وإذن، فالشعر الجاهلي هو أساس مشكلة (إعجاز القرآن) كما ينبغي أن يواجهها العقل الحديث؛ وليس أساس هذه المشكلة هو تفسير القرآن على المنهج القديم كما ظن أخي مالك، وكما يذهب إليه أكثر من بحث أمر إعجاز القرآن على وجه من الوجوه.
ولكن الشعر الجاهلي قد صُبَّ عليه بلاء كثير، آخرها وأبلغها فساداً وإفساداً ذلك المنهج الذي ابتدعه (مرجليوث) لينسف الثقة به، فيزعم أنه شعر مشكوك في روايته، وأنه موضوع بعد الإسلام؛ وهذا المكر الخفي الذي مكره (مرجليوث) وشيعته وكهنته والذين ارتكبوا له من السفسطة والغش والكذب ما ارتكبوا، كما شهد بذلك رجل من جنسه هو (آربري)، كان يطوي تحت أدلته ومناهجه وحججه، إدراكاً لمنزلة الشعر الجاهلي في شأن إعجاز القرآن، لا إدراكاً صحيحاً مستبيناً، بل إدراكاً خفياً مبهماً، تخالطه ضغينة مستكينة للعرب وللإسلام.
وهذا المستشرق وشيعته وكهنته، كانوا أهون شأناً من أن يحوزوا كبيراً بمنهجهم الذي سلكوه، وأدلتهم التي احتطبوها لما في تشكيكهم من الزيف والخداع؛ ولكنهم بلغوا ما بلغوا من استفاضة مكرهم وتغلغله في جامعاتنا، وفي العقل الحديث في العالم الإسلامي، بوسائل أعانت على نفاذهم، ليست من العلم ولا من النظر الصحيح في شيء؛ وقد استطاع رجال من أهل العلم، أن يسلكوا
стр. 34
إلى إثبات صحة الشعر الجاهلي مناهج لا شك في صدقها وسلامتها، بلا غش في الاستدلال وبلا خداع في التطبيق؛ وبلا مراء في الذي يسلم به صريح العقل وصريح النقل، إلا أنهم لم يملكوا بعد من الوسائل ما يتيح لهم أن يبلغوا بحقهم ما بلغ أولئك بباطلهم.
وقد ابتليت أنا بمحنة (الشعر الجاهلي)، عندما ذرَّ قرن الفتنة أيام كنت طالباً في الجامعة؛ ودارت بي الأيام حتى انتهيت إلى ضرب آخر من الاستدلال على صحة (الشعر الجاهلي)؛ لا عن طريق روايته وحسب، بل عن طريق أخرى هي ألصق بأمر (إعجاز القرآن). فإني محصت ما محصت من الشعر الجاهلي، حتى وجدته يحمل هو نفسه في نفسه أدلة صحته وثبوته. إذ تبينت فيه قدرة خارقة على (البيان)، وتكشف لي عن روائع كثيرة لا تُحَد، وإذا هو علم فريد منصوب لا في أدب العربية وحدها، بل في آداب الأمم قبل الإسلام وبعد الإسلام. وهذا الانفراد المطلق، ولا سيما انفراده بخصائصه عن كل شعر بعده من شعر العرب أنفسهم، هو وحده دليل كاف على صحته وثبوته.
ولقد شغلني (إعجاز القرآن) كما شغل العقل الحديث، ولكن شغلني أيضاً هذا (الشعر الجاهلي)، وشغلني أصحابه فأدى بي طول الاختبار والامتحان والمدارسة إلى هذا المذهب الذي ذهبت إليه، حتى صار عندي دليلاً كافياً على صحته وثبوته. فأصحابه الذين ذهبوا ودرجوا وتبددت في الثرى أعيانهم، رأيتهم في هذا الشعر أحياناً يغدون ويروحون، رأيت شابهم ينزو به جهله، وشيخهم تدلف به حكمته، ورأيت راضيهم يستنير وجهه حتى يشرق، وغاضبهم تربدّ سحنته حتى تظلم، ورأيت الرجل وصديقه، والرجل وصاحبته، والرجل الطريد ليس معه أحد، ورأيت الفارس على جواده، والعادي على رجليه، ورأيت الجماعات في مبداهم ومحضرهم، فسمعت غزل عشاقهم، ودلال فتياتهم، ولاحت لي نيرانهم وهم يصطلون، وسمعت أنين باكيهم وهم للفراق مزمعون؛ كل
стр. 35
ذلك رأيته وسمعته من خلال ألفاظ هذا الشعر، حتى سمعت في لفظ الشعر همس الهامس وبُحة المستكين، وزفرة الواجد وصرخة الفزع، وحتى مثلوا بشعرهم نصب عيني، كأني لم أفقدهم طرفة عين، ولم أفقد منازلهم ومعاهدهم، ولم تغب عني مذاهبهم في الأرض، ولا مما أحسوا ووجدوا، ولا مما سمعوا وأدركوا، ولا مما قاسوا وعانوا، ولا خفي عني شيء مما يكون به الحي حياً في هذه الأرض التي بقيت في التاريخ معروفة باسم (جزيرة العرب).
وهذا الذي أفضيت إليه من صفة الشعر الجاهلي كما عرفته، أمر ممكن لن اتخذ لهذه المعرفة أسبابها، بلا خلط ولا لبس ولا تهاون ولا ملل. وهذه المعرفة هي أول الطريق إلى دراسة شعر أهل الجاهلية، من الوجه الذي يتيح لنا أن نستخلص منه دلالته على أنه شعر قد انفرد بخصائصه عن كل شعر جاء بعده من شعر أهل الإسلام. فإذا صح ذلك- وهو عندي صحيح لا أشك فيه- وجب أن ندرس هذا الشعر دراسة متعمقة، ملتمسين فيه هذه القدرة البيانية التي يمتاز بها أهل الجاهلية عمن جاء بعدهم، ومستنبطين من ضروب البيان المختلفة التي أطاقتها قوى لغتهم وألسنتهم. فإذا تم لنا ذلك، فمن الممكن القريب يومئذ أن نتلمس في القرآن الذي أعجزهم بيانه، خصائص هذا البيان المفارق لبيان البشر.
وههنا أمر له خطر عظيم، فلا تظنن أن الشأن في دراسة (الشعر الجاهلي)، هو شأن المعاني التي تناولها، والأغراض التي قيل فيها، والصور التي انطوى عليها، واللغة التي استخدمها من حيث الفصاحة والعذوبة وما يجري مجراهما، بل الشأن في ذلك أبعد وأعمق وأعوص، إنه تمييز القدرة على البيان، وتجريد ضروب هذا (البيان) على اختلافها، واستخلاص الخصائص التي أتاحت للغتهم أن تكون معدناً للسمو، بالإبانة عن جوهر إحساسهم، سمواً يجعل للكلام حياة كنفخ الروح في الجسد القائم، وكقوة الإبصار في العين الجامدة، وكسجية النطق في البضعة المتجلجلة المسماة باللسان.
стр. 36
فإذا اتخذنا لهذه الدراسة أهبتها، وأعددنا لها من الصبر والجد والحذر ما ينبغي لها، واللسان لساننا، والقوم أسلافنا، والسلائق مغروزة في أعماق طباعنا، ثم أصّلنا للدراسة مناهج تعين عليها، واستحدثنا لها أسلوباً يلائمها، فعندئذ يدنو الذي نراه بعيداً، ويتجلى لنا ما كان غامضاً، ويكشف لنا (الشعر الجاهلي) عن أروع روائعه، ويبذل لنا ما استكن فيه واستتر من أصول (البيان) الإنساني، بغير تخصيص للغة العرب، فنراها ماثلة على أدق وجوهه وأغمضها، وفي أتم صوره وأكملها.
وهذا الذي أفضت فيه من ذكر الشعر الجاهلي، وما وجدته فيه في نفسي باب عظيم، أسأل الله أن يعينني بحوله وقوته، حتى أكشف عنه وأجليه، وحتى أؤيده بكل برهان قاطع على تميزه عن كل شعر العرب بعده، وبذلك يكون نفسه دليلاً حاسماً على صحة روايته، وعلى أن الرواة لم ينحلوه الشعراء افتراء عليهم.
وغير خافٍ أن الذي وصلنا إلى هذا اليوم من شعر الجاهلية، قليل مما روته الرواة منه، والرواة القدماء أنفسهم لم يصلهم من شعرها إلا الذي قال أبو عمرو بن العلاء، في أوائل القرن الثاني من الهجرة: ((ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير)). ومع ذلك فهذا القليل مجزئ إن شاء الله في الدلالة على ما نريد من الإبانة عن تميز شعرهم عن شعر من جاء بعدهم، وفيه جمّ واف من خصائص البيان التي امتاز بها أهل الجاهلية. ولكن كيف بقي هذا الشعر إلى يومنا هذا؟ .. بقي مادة للغة العرب، وشاهداً على حرف من العربية، وعلى باب من النحو، وعلى نكتة في البلاغة. وبقي ذخراً للرواة، وركازاً يستمد منه شعراء الإسلام، ومنبعاً لتاريخ العرب في الجاهلية، بل بقي كنزاً لعلوم العرب جميعاً، لكل علم منه نصيب على قدره. ولكن غاب عنا أعظم ما بقي له هذا الشعر: أن يكون مادة لدراسة البيان المفطور في طبائع البشر، مقارناً بهذا البيان، الذي فاق طاقة بلغاء الجاهلية،
стр. 37
وكانت له خصائص ظاهرة، تجعل كل مقتدر بليغ مبين، وكل متذوق للبلاغة والبيان، لا يملك إلا الإقرار له، بأنه من غير جنس ما يعهده سمعه وذوقه، وأن مبلغه إلى الناس نبي مرسل، وأنه لا يطيق أن يختلقه أو يفتريه لأنه بشر لا يدخل في طوقه إلا ما يدخل مثله في طوق البشر، وأنه إن تقوَّل غير ما أمر بتبليغه وتلاوته، بان للبشر كذبه، وحقّ عليه قول منزله من المسلماء سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [سورة الحاقة ٦٩/ ٤٤ - ٤٧].
ولسائل أن يسأل: فحدثني إذن، لم بقي شعر الجاهلية بهذه المنزلة لم يتجاوزها؟ وكيف غاب هذا الذي زعمت عن أئمة العلم من قبلك؟ وكيفط أخطأه علماء البلاغة، وهم الذين قصدوا بعلمهم قصد الإبانة عن إعجاز القرآن، وهم أقرب بالتنزيل عهداً منا ومنك؟. وما الذي صدَّ العقول البليغة عن سلوك هذا المنهج، وما نهضت إلا للمراماة دون إعجاز القرآن، في القديم والحديث؟. وحق علي أن أجيب، ولكن يقتضيني جواب هذه المسألة أن أقتص قصة أخرى، لا أستوعب القول في حكايتها تفصيلاً، بل أوجز المقال فيها إيجازاً مدفوعاً عنه الخلل ما أطقت، وعلى سامعها أن يدفع عن نفسه الغفلة ما أطاق؟.
فأهل الجاهلية هم من وصفت لك منزلتهم من البيان، وقدرتهم على تصريفه بألسنتهم، وتمكنهم من تذوقه بأدق حاسة في قلوبهم ونفوسهم، وعلمهم بأسراره، وتغلغلهم في إدراك الحجاز الفاصل بين ما هو من نحو بيان البشر، وما ليس من بيانهم؛ أهل الجاهلية هؤلاء، هم الذين جاءهم كتاب من المسلماء بلسانهم؛ هو في آيات الله بمنزلة عصا موسى، وإبراء الأكمه والأبرص في آيات أنبيائه، لتكون تلاوته على أسماعهم برهاناً قاهراً يلزمهم بالإقرار له بصحة تنزيله من المسلماء على قلب رجل منهم، وأن هذا الرجل نبي مرسل، عليهم أن يتبعوه وأن يستجيبوا لما
стр. 38
دعاهم إليه، فما كذبوه وأنكروا نبوته، تحداهم أن يأتوا بمثل هذا الذي يسمعون في نظمه وبيانه، وألح عليهم يتحداهم في آيات منه كثيرة، ولكنهم وجدوا في أنفسهم مفارقته لبيان البشر، وجداناً ألجأهم إلى ترك المعارضة إنصافاً للبيان أن يُجار على حقه، وتنزيهاً له أن يزري به جورهم عن هذا الحق.
وعلى الذي تلقوه به من اللدد في الخصومة والعناد لم يلبث أن استجاب له النفر بعد النفر إقراراً وتسليماً بأن الكتاب كلام الله، وأن الرجل نبي الله، ثم تتابع إيمان المؤمنين منهم، حتى لم تبق دار من دور أهل الجاهلية إلا دخلها الإسلام أو عمَّها، وألقوا إليه المقادة على أنه لا يتم إيمان أحدهم حتى يكون هذا الرجل، بأبي هو وأمي؛ أحب إليه من أهله وولده. وهذه أعمالهم تصدق ذلك كله.
فأقبل كل بليغ منهم مبين، وكل متذوق للبيان ناقد يتحفظ ما نزل من القرآن ويتلوه ويتعبد به، ويتتبع تنزيله تتبع الحريص المتلهف، ويصيخ له وينصت حين يتلى في الصلوات وعلى المنابر يوماً بعد يوم؛ وشهراً بعد شهر؛ وعاماً بعد عام، وكلهم مخبت خاشع لذكر الله وما نزل من الحق، يصدق إخباتهم وخشوعهم ما قال الله سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [سورة الزمر ٢٣/ ٣٩]. ثم صار للقرآن في جزيرة العرب دوي كدوي النحل، وخشعت أسماع للجاهلية كانت بالأمس، للذي يتلى عليهم من كلام الله الذي خلقهم، وجعل لهم المسلمع والأبصار والأفئدة، وأخبتت ألسنة للجاهلية كانت بالأمس، إقراراً لهذا القرآن بالعبودية، كما أقروا هم للذي اصطفى لغتهم لكلامه سبحانه بالعبودية، وماجت بهم جزيرة العرب مهللين مكبرين مسبحين، كلما علوا شرفاً أو هبطوا وادياً، وأقاموا تالين للقرآن بالغدو والآصال، وبالليل والأسحار وانطلقوا يتتبعون سنن نبيهم ويتلقفونها، وخلعوا عن قلوبهم ونفوسم وعقولهم وألسنتهم
стр. 39
ظلمة الجاهلية، ودخلوا بألسنتهم وعقولهم ونفوسهم وقلوبهم في نور الإسلام.
ثم طار بهم هذا القرآن في كل وجه، يدعون الناس أسودهم وأحمرهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويحملون إليهم هذا الكتاب المعجز بيانُه لبيان البشر، والذي نزل بلسانهم حجة على الخلق، وهدى يخرجهم من الظلمات إلى النور. فكان من أمرهم يومئذ ما وصفه ابن سلام في كتاب (طبقات فحول الشعراء) حين ذكر مقالة عمر بن الخطاب في أهل الجاهلية: ((كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه)). فقال ابن سلام تعليقاً على ذلك: ((فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب. وألفوا ذلك، وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير)).
ولا يغررك ما قال (ابن سلام)، فتحسب أن أهل الجاهلية الذين هداهم الله للإسلام، طرحوا شعر جاهليتهم دبر آذانهم، فانصرفوا عنه صماً وبكماً، وخلعوه عن عقولهم وألسنتهم كما خلعوا جاهليتهم، فهذا باطل تكذبه أخبارهم، وينقضه منطق طبائع البشر وتاريخ حياتهم، بل كان أكبر ما لحقه من الضيم: أن نازعه القرآن فصرف همهم إليه، فكان نصيبه من إنشادهم وتقصيدهم القصائد أقل مما كان في جاهليتهم، ولكنه بقي مع ذلك هو الذي يؤوبون إليه إذا شق عليهم طول مدارسة القرآن، وهو الذي يستريحون إليه إذا فرغوا مما فرض عليهم ربهم، وسن لهم نبيهم ﷺ . وظل ذلك دأبهم في أول إسلامهم، ونشأ أبناؤهم يسمعون منهم شعر جاهليتهم ويستمعون إلى مكنون بيانهم في ألسنتهم، فيخرجون أيضاً مركوزاً ذلك البيان في طباعهم، وينتقل ذلك بما يشبه العدوى إلى مُسْلمَةِ الأعاجم وأبنائهم.
стр. 40
وحيث نزل أهل الجاهلية الذين أسلموا نزل معهم الذكر الحكيم، ونزل شعر الجاهلية وتدارسوه وتناشدوه، وقوموا به لسان الذين أسلموا من غير العرب. وأصبح زاد المتفقه في معرفة معاني كتاب ربه، هو مدارسة الشعر الجاهلي، لأنه لا يستقل أحد بفهم القرآن حتى يستقل بفهمه وحسبك أن تعرف مصداق ذلك قول الشافعي فيما بعد، في القرن الثاني من الهجرة: ((لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله، إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه ومحكه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله ومكيه ومدنيه وما أريد به. ويكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله ﷺ وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة بصيراً بالشعر، وما يحتّاج إليه للسنة والقرآن)). فليس يكفي أن يكون عارفاً بالشعر، بل بصيراً به أشد البصر، كما قال الشافعي ﵀، والذي قاله الشافعي بعد قرن، هو الذي جرى العمل عليه في أول الإسلام.
واستفاضت بالمسلمين الفتوح، واستفاض معهم شعر جاهليتهم، وأسلمت الأمم ودخلت في العربية كما دخلت في الإسلام، ونزل بيان القرآن كالغيث على فطرة جديدة، فطرة أهل الألسنة غير العربية، بعد أن رويت من بيان الجاهلية في الشعر الجاهلي. وامتزجت العرب من الصحابة والتابعين وأبنائهم، بأهل هذه الألسنة التي دخلت في العربية، فنشأ من امتزاج ذلك كله بيان جديد، ظل ينتقل ويتغير ويتبدل جيلاً بعد جيل، ولكن بقي أهله بعد ذلك كله، محتفظين بقدرة عتيدة حاضرة، هي تذوق البيان تذوقاً عليماً، يعينهم على تمييز بيان البشر كما تعهده سلائقهم وفطرهم، وبيان القرآن الذي يفارق خصائص بيانهم من كل وجه.
ثم فارت الأرض بالإسلام من حد الصين شرقاً إلى حد الأندلس غرباً، ومن حد بلاد الروم شمالاً إلى حد الهند جنوباً، وسمع دوي القرآن العربي في أرجاء الأرض المعمورة. وقامت المساجد في كل قرية ومدينة وازدحمت في ساحاتها
следующие страницы →