← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2910

الظاهرة القرآنية

مالك بن نبي

Полный текст (318 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فإذا اتخذنا لهذه الدراسة أهبتها، وأعددنا لها من الصبر والجد والحذر ما ينبغي لها، واللسان لساننا، والقوم أسلافنا، والسلائق مغروزة في أعماق طباعنا، ثم أصّلنا للدراسة مناهج تعين عليها، واستحدثنا لها أسلوباً يلائمها، فعندئذ يدنو الذي نراه بعيداً، ويتجلى لنا ما كان غامضاً، ويكشف لنا (الشعر الجاهلي) عن أروع روائعه، ويبذل لنا ما استكن فيه واستتر من أصول (البيان) الإنساني، بغير تخصيص للغة العرب، فنراها ماثلة على أدق وجوهه وأغمضها، وفي أتم صوره وأكملها. وهذا الذي أفضت فيه من ذكر الشعر الجاهلي، وما وجدته فيه في نفسي باب عظيم، أسأل الله أن يعينني بحوله وقوته، حتى أكشف عنه وأجليه، وحتى أؤيده بكل برهان قاطع على تميزه عن كل شعر العرب بعده، وبذلك يكون نفسه دليلاً حاسماً على صحة روايته، وعلى أن الرواة لم ينحلوه الشعراء افتراء عليهم. وغير خافٍ أن الذي وصلنا إلى هذا اليوم من شعر الجاهلية، قليل مما روته الرواة منه، والرواة القدماء أنفسهم لم يصلهم من شعرها إلا الذي قال أبو عمرو بن العلاء، في أوائل القرن الثاني من الهجرة: ((ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير)). ومع ذلك فهذا القليل مجزئ إن شاء الله في الدلالة على ما نريد من الإبانة عن تميز شعرهم عن شعر من جاء بعدهم، وفيه جمّ واف من خصائص البيان التي امتاز بها أهل الجاهلية. ولكن كيف بقي هذا الشعر إلى يومنا هذا؟ .. بقي مادة للغة العرب، وشاهداً على حرف من العربية، وعلى باب من النحو، وعلى نكتة في البلاغة. وبقي ذخراً للرواة، وركازاً يستمد منه شعراء الإسلام، ومنبعاً لتاريخ العرب في الجاهلية، بل بقي كنزاً لعلوم العرب جميعاً، لكل علم منه نصيب على قدره. ولكن غاب عنا أعظم ما بقي له هذا الشعر: أن يكون مادة لدراسة البيان المفطور في طبائع البشر، مقارناً بهذا البيان، الذي فاق طاقة بلغاء الجاهلية،

стр. 37

وكانت له خصائص ظاهرة، تجعل كل مقتدر بليغ مبين، وكل متذوق للبلاغة والبيان، لا يملك إلا الإقرار له، بأنه من غير جنس ما يعهده سمعه وذوقه، وأن مبلغه إلى الناس نبي مرسل، وأنه لا يطيق أن يختلقه أو يفتريه لأنه بشر لا يدخل في طوقه إلا ما يدخل مثله في طوق البشر، وأنه إن تقوَّل غير ما أمر بتبليغه وتلاوته، بان للبشر كذبه، وحقّ عليه قول منزله من المسلماء سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [سورة الحاقة ٦٩/ ٤٤ - ٤٧]. ولسائل أن يسأل: فحدثني إذن، لم بقي شعر الجاهلية بهذه المنزلة لم يتجاوزها؟ وكيف غاب هذا الذي زعمت عن أئمة العلم من قبلك؟ وكيفط أخطأه علماء البلاغة، وهم الذين قصدوا بعلمهم قصد الإبانة عن إعجاز القرآن، وهم أقرب بالتنزيل عهداً منا ومنك؟. وما الذي صدَّ العقول البليغة عن سلوك هذا المنهج، وما نهضت إلا للمراماة دون إعجاز القرآن، في القديم والحديث؟. وحق علي أن أجيب، ولكن يقتضيني جواب هذه المسألة أن أقتص قصة أخرى، لا أستوعب القول في حكايتها تفصيلاً، بل أوجز المقال فيها إيجازاً مدفوعاً عنه الخلل ما أطقت، وعلى سامعها أن يدفع عن نفسه الغفلة ما أطاق؟. فأهل الجاهلية هم من وصفت لك منزلتهم من البيان، وقدرتهم على تصريفه بألسنتهم، وتمكنهم من تذوقه بأدق حاسة في قلوبهم ونفوسهم، وعلمهم بأسراره، وتغلغلهم في إدراك الحجاز الفاصل بين ما هو من نحو بيان البشر، وما ليس من بيانهم؛ أهل الجاهلية هؤلاء، هم الذين جاءهم كتاب من المسلماء بلسانهم؛ هو في آيات الله بمنزلة عصا موسى، وإبراء الأكمه والأبرص في آيات أنبيائه، لتكون تلاوته على أسماعهم برهاناً قاهراً يلزمهم بالإقرار له بصحة تنزيله من المسلماء على قلب رجل منهم، وأن هذا الرجل نبي مرسل، عليهم أن يتبعوه وأن يستجيبوا لما

стр. 38

دعاهم إليه، فما كذبوه وأنكروا نبوته، تحداهم أن يأتوا بمثل هذا الذي يسمعون في نظمه وبيانه، وألح عليهم يتحداهم في آيات منه كثيرة، ولكنهم وجدوا في أنفسهم مفارقته لبيان البشر، وجداناً ألجأهم إلى ترك المعارضة إنصافاً للبيان أن يُجار على حقه، وتنزيهاً له أن يزري به جورهم عن هذا الحق. وعلى الذي تلقوه به من اللدد في الخصومة والعناد لم يلبث أن استجاب له النفر بعد النفر إقراراً وتسليماً بأن الكتاب كلام الله، وأن الرجل نبي الله، ثم تتابع إيمان المؤمنين منهم، حتى لم تبق دار من دور أهل الجاهلية إلا دخلها الإسلام أو عمَّها، وألقوا إليه المقادة على أنه لا يتم إيمان أحدهم حتى يكون هذا الرجل، بأبي هو وأمي؛ أحب إليه من أهله وولده. وهذه أعمالهم تصدق ذلك كله. فأقبل كل بليغ منهم مبين، وكل متذوق للبيان ناقد يتحفظ ما نزل من القرآن ويتلوه ويتعبد به، ويتتبع تنزيله تتبع الحريص المتلهف، ويصيخ له وينصت حين يتلى في الصلوات وعلى المنابر يوماً بعد يوم؛ وشهراً بعد شهر؛ وعاماً بعد عام، وكلهم مخبت خاشع لذكر الله وما نزل من الحق، يصدق إخباتهم وخشوعهم ما قال الله سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [سورة الزمر ٢٣/ ٣٩]. ثم صار للقرآن في جزيرة العرب دوي كدوي النحل، وخشعت أسماع للجاهلية كانت بالأمس، للذي يتلى عليهم من كلام الله الذي خلقهم، وجعل لهم المسلمع والأبصار والأفئدة، وأخبتت ألسنة للجاهلية كانت بالأمس، إقراراً لهذا القرآن بالعبودية، كما أقروا هم للذي اصطفى لغتهم لكلامه سبحانه بالعبودية، وماجت بهم جزيرة العرب مهللين مكبرين مسبحين، كلما علوا شرفاً أو هبطوا وادياً، وأقاموا تالين للقرآن بالغدو والآصال، وبالليل والأسحار وانطلقوا يتتبعون سنن نبيهم ويتلقفونها، وخلعوا عن قلوبهم ونفوسم وعقولهم وألسنتهم

стр. 39

ظلمة الجاهلية، ودخلوا بألسنتهم وعقولهم ونفوسهم وقلوبهم في نور الإسلام. ثم طار بهم هذا القرآن في كل وجه، يدعون الناس أسودهم وأحمرهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويحملون إليهم هذا الكتاب المعجز بيانُه لبيان البشر، والذي نزل بلسانهم حجة على الخلق، وهدى يخرجهم من الظلمات إلى النور. فكان من أمرهم يومئذ ما وصفه ابن سلام في كتاب (طبقات فحول الشعراء) حين ذكر مقالة عمر بن الخطاب في أهل الجاهلية: ((كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه)). فقال ابن سلام تعليقاً على ذلك: ((فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب. وألفوا ذلك، وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير)). ولا يغررك ما قال (ابن سلام)، فتحسب أن أهل الجاهلية الذين هداهم الله للإسلام، طرحوا شعر جاهليتهم دبر آذانهم، فانصرفوا عنه صماً وبكماً، وخلعوه عن عقولهم وألسنتهم كما خلعوا جاهليتهم، فهذا باطل تكذبه أخبارهم، وينقضه منطق طبائع البشر وتاريخ حياتهم، بل كان أكبر ما لحقه من الضيم: أن نازعه القرآن فصرف همهم إليه، فكان نصيبه من إنشادهم وتقصيدهم القصائد أقل مما كان في جاهليتهم، ولكنه بقي مع ذلك هو الذي يؤوبون إليه إذا شق عليهم طول مدارسة القرآن، وهو الذي يستريحون إليه إذا فرغوا مما فرض عليهم ربهم، وسن لهم نبيهم ﷺ . وظل ذلك دأبهم في أول إسلامهم، ونشأ أبناؤهم يسمعون منهم شعر جاهليتهم ويستمعون إلى مكنون بيانهم في ألسنتهم، فيخرجون أيضاً مركوزاً ذلك البيان في طباعهم، وينتقل ذلك بما يشبه العدوى إلى مُسْلمَةِ الأعاجم وأبنائهم.

стр. 40

وحيث نزل أهل الجاهلية الذين أسلموا نزل معهم الذكر الحكيم، ونزل شعر الجاهلية وتدارسوه وتناشدوه، وقوموا به لسان الذين أسلموا من غير العرب. وأصبح زاد المتفقه في معرفة معاني كتاب ربه، هو مدارسة الشعر الجاهلي، لأنه لا يستقل أحد بفهم القرآن حتى يستقل بفهمه وحسبك أن تعرف مصداق ذلك قول الشافعي فيما بعد، في القرن الثاني من الهجرة: ((لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله، إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه ومحكه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله ومكيه ومدنيه وما أريد به. ويكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله ﷺ وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة بصيراً بالشعر، وما يحتّاج إليه للسنة والقرآن)). فليس يكفي أن يكون عارفاً بالشعر، بل بصيراً به أشد البصر، كما قال الشافعي ﵀، والذي قاله الشافعي بعد قرن، هو الذي جرى العمل عليه في أول الإسلام. واستفاضت بالمسلمين الفتوح، واستفاض معهم شعر جاهليتهم، وأسلمت الأمم ودخلت في العربية كما دخلت في الإسلام، ونزل بيان القرآن كالغيث على فطرة جديدة، فطرة أهل الألسنة غير العربية، بعد أن رويت من بيان الجاهلية في الشعر الجاهلي. وامتزجت العرب من الصحابة والتابعين وأبنائهم، بأهل هذه الألسنة التي دخلت في العربية، فنشأ من امتزاج ذلك كله بيان جديد، ظل ينتقل ويتغير ويتبدل جيلاً بعد جيل، ولكن بقي أهله بعد ذلك كله، محتفظين بقدرة عتيدة حاضرة، هي تذوق البيان تذوقاً عليماً، يعينهم على تمييز بيان البشر كما تعهده سلائقهم وفطرهم، وبيان القرآن الذي يفارق خصائص بيانهم من كل وجه. ثم فارت الأرض بالإسلام من حد الصين شرقاً إلى حد الأندلس غرباً، ومن حد بلاد الروم شمالاً إلى حد الهند جنوباً، وسمع دوي القرآن العربي في أرجاء الأرض المعمورة. وقامت المساجد في كل قرية ومدينة وازدحمت في ساحاتها

стр. 41

صفوف عباد الرحمن، وعلا منابرها الدعاة إلى الحق، وتحلقت الحلق في كل مسجد، وتداعى إليها طلاب العلم، فطائفة تتلقى القرآن من قرائه، وطائفة تدرس تفسير آياته، وطائفة تروي حديث رسول الله عن حفاظه، وطائفة تأخذ العربية عن شيوخها، وطائفة تتلقف شعر الجاهلية والإسلام عن رواته، طوائف بعد طوائف في أنحاء المساجد المتدانية، طوائف من كل لون وجنس ولسان، كلهم طالب علم، وكلهم يتنقل من مجلس شيخ إلى مجلس شيخ آخر، فكل ذلك علم لا يستغني عنه مسلم تال للقرآن. لا بل حتى أسواقهم قام فيها الشعراء ينشدون شعرهم، أو يتنافرون به ويتهاجون، والرواة تحفظ، والناس يقبلون ينصتون، وينقلبون يتجادلون، وعجَّت نواحي الأرض بالقرآن وباللسان العربي، لا فرق بين ديار العجم كانت وديار العرب. وبعد دهر نبتت نابتة الشيطان في أهل كل دين، وجاؤوا بالمراء والجدل، وباللدد والخصام، وشققوا الكلام بالرأي والهوى، فنشأت بوادر من النظر في كل علم، وعندئذ نجم الخلاف، وانتهى الخلاف إلى الجرأة، وأفضت الجرأة يوماً إلى رجل في أواخر دولة بني أمية يقال له (الجعد بن درهم)، وكان شيطاناً خبيث المذهب، تلقى مذهبه عن رجل من أبناء اليهود، يقال له: (طالوت)، فكذب القرآن في اتخاذ إبراهيم خليلاً، وفي تكليم موسى، إلى هذا وشبهه، وكان من قوله: إن فصاحة القرآن غير معجزة، وإن الناس قادرون على مثلها وأحسن منها!! .. فضحى به خالد بن عبد الله القسري في عيد الأضحى، في نحو سنة ١٢٤ من الهجرة. وكلام (الجعد) كما ترى، استطالة رجل جريء اللسان خبيث النبت، بلا حجة من تاريخ أو عقل. ولم تكد دولة بني العباس ترسي قواعدها حتى دخلت بعض العقول إلى فحص (إعجاز القرآن)، من باب غير باب السفه والاستطالة، فقام بالأمر كهف

стр. 42

المعتزلة ولسانها: (أبو اسحق إبراهيم بن سيار النظام). فأتاه من قبل الرأي والنظر، حتى زعم أن الله قد صرف العرب عن معارضة القرآن، مع قدرتهم عليها، ف كانت هذه الصرفةُ هي المعجزة؛ أما معجزة القرآن فهي في إخباره بكل غيب مضى وكل غيب سيأتي. وهذه مقالة لا أصل لها إلا الحيرة والابتهار من هذا الذي أعجز أهل الجاهلية وأسكتهم. وهب قوم يعارضونه ويجادلونه، منهم صاحبه أبو عثمان الجاحظ، فألف كتابه في (نظم القرآن)، وأنه غاية في البلاغة، وقال الجاحظ وغيره ومن يليهم، ولكن ظل الأمر محصوراً في إثبات (الصرفة) وإبطالها، وفي طرف من الاستدلال على بلاأغة القرآن وسلامته مما يشين لفظه، وخلوه من التناقض، واشتماله على المعاني الدقيقة، وما فيه من نبأ الغيب، إلى آخر ما تجده مبسوطاً في كتب القوم، والذي عرفت قولنا فيه فيما مضى من كلامنا. ثم كثرت اللجاجة بين هذه الفئات ممن عرفوا باسم المتكلمين، وكان أمرهم أمر جدال وبسطة لسان وغلبة حجة ومناهضة دليل بدليل، حتى إذا صارت مسألة (إعجاز القرآن) مسألة تستوجب أن ينبري لها رجل صادق، انبرى لهؤلاء المتكلمين (أبو بكر الباقلاني) المتوفى سنة ٤٠٣ هـ، والناس يومئذ بين رجلين، كما قال هو نفسه: ((ذاهب عن الحق، ذاهل عن الرشد، وآخر مصدود عن نصرته مكدود في صنعته؛ فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين في أصول الدين، وتشكيكهم أهل الضعف في كل يقين، وذكر لي عن بعض جهالهم أنه جعل يعدله ببعض الأشعار، ويوازن بينه وبين غيره من الكلام، ولا يرضى بذلك حتى يفضله عليه، وليس هذا ببدع من ملحدة هذا العصر، وقد سبقهم إلى عُظْمِ ما يقولون إخواخم من ملحدة قريش وغيرهم)) (كتابه إعجاز القرآن ص٥، ٦) فهذا هو الذي حفزه وأهاجه، حتى كتب كتابه المعروف (إعجاز القرآن). وكتب الباقلاني كتابه وأهل اللسان العربي يومئذ هم الناس، ولم يزل

стр. 43

تذوقهم للبيان ما وصفت لك، تذوق ملتبس بالطباع مردود إلى السلائق، مشحوذ بمدارسة الشعر وسماعه وروايته؛ ولكن لم يضر جمهور هذا الطباع شيئاً أن استفاض الجدل وظهر سلطانه، وأن صارت كل فرقة تمضغ كلاماً، تناضل به عن رأيها، وتقطع به حجة خصمها، طلباً للغلبة لا تمحيصاً للرأي، وفحصاً عن الحق. ورضي الله عن أبي بكر الباقلاني، فقد جمع في كتابه خيراً كثيراً، واستفتح بسليم فطرته أبواباً كانت قبله مغلقة، وكشف عن وجوه البلاغة حجاباً مستوراً. ولكنه زل زلة كان لها بعد ذلك آثار متلاحقة، وإن لم يقصد بها هو قصد العاقبة التي انتهت إليها. كان الباقلاني حقيقاً أن ينهج النهج الذي أدناه إليه تمحيص مسألة (الإعجاز)، ويومئذ يجعل الشعر الجاهلي أصلاً في دراسة بيان عرب الجاهلية، من ناحية تمثله لخصائص بيان البشر، والباقلاني ﵁ كان يجد في نفسه وجداناً واضحاً أن خصائص بيان القرآن مفارقة لخصائص بيان البشر، وقد ألح إلى ذلك في كتابه، كما ألح إليه من سبقه. بيد أن جدل المتكلمين قبله وعلى عهده، وخوض الملحدين في أصول الدين كما قال، ومنهجهم في اللجاجة وطلب الغلبة، كل ذلك لم يدَعْه حتى استغرقه في الرد عليهم، على مثل منهاجهم من النظر. ثم دارت به الدنيا، لما بلغه أن بعض جهالهم يعدل القرآن ببعض الأشعار، ويوازن بينه وبين غيره من الكلام. وأنت تستطيع أن تقرأ كتابه فصلاً فصلاً لتجد مصداق ما أقول لك. حتى إذا انتهى إلى الذي هاجه، من موازنة القرآن ببعض الأشعار، هب إلى تسفيه هذه الموازنة، فدعاك في أوسط كتابه أن تعمد معه إلى ما لا تشك في جودته من شعر امرئ القيس، وما لا ترتاب في براعته، ولا تتوقف في فصاحته، كما قال في كتابه [ص:٢٤١]، فطرح بين يديك هذه القصيدة، وجعل يفصلها وينقدها

стр. 44

ويمحو من محاسنها ويثبت، ويقف بك على مواضع خللها، ويفضي بك إلى مكامن ضعفها، ولم يزل يعريها حتى كشف الغطاء عن عوارها، ثم ختم ذلك بقوله: ((وقد بينا لك أن هذه القصيدة ونظائرها، تتفاوت في أبياتها تفاوتاً بيناً في الجودة والرداءة، والسلاسة والانعقاد، والسلامة والانحلال، والتمكن والاستصعاب، والتسهل والاسترسال، والتوحش والاستكراه، وله شركاء في نظائرها، ومنازعون في محاسنها، ومعارضون في بدائعها)). فلما انتهى من ذلك افتتح فصلاً شريفاً نبيلاً، ذكر فيه آيات من القرآن، وحاول أن يقف بك على بدائع نظمها وبيانها، وهذا الفصل هو أدل الدليل على أن الباقلاني، لو كان استقام له المنهج الذي ذكرناه، لبلغ فيه غاية يسبق فيها المتقدم، ويكد فيها جهد المتأخر. ولكنه لم يزد في هذا الفصل على أن جعل يقف بك على بيان شرف الآيات لفظاً ومعنى، ولطيف حكايتها، وتلاؤم رصفها وتشاكل نظامها، وأن نظم القرآن لا يتفاوت في شيء، ولا يتباين في أمر، ولا يختل في حال، بل له المثل الأعلى والفضل الأسنى (كتابه ص ٣٠٢، ٣٠٥)؛ وذكر تناسب الآيات في البلاغة والإبداع، وتماثلها في السلاسة والإعراب؛ وانفرادها بذلك الأسلوب، وتخصصها بذلك الترتيب. أما غيرها من الكلام، فهو يضطرب في مجاريه ويختل تصرفه في معانيه، وهو كثير التلون دائم التغير والتنكر، ويقف بك على بديع مستحسن، ويعقبه بقبيح مستهجن، ويأتيك باللفظة المستنكرة، بين الكلمات هي كاللآلئ الزهر، (كتابه ص ٣١٣، ٣١٤). ثم انتهى إلى قوله في القرآن: ((وعلى هذا فقس بحثك عن شرف الكلام، وما له من علو الشأن، لا يطلب مطلباً إلا انفتح، ولا يسلك قلباً إلا انشرح، ولا يذهب مذهباً إلا استنار وأضاء، ولا يضرب مضرباً إلا بلغ فيه المسلماء، ولا تقع منه على فائدة فقدرت أنها أقصى فوائدها إلا قصرت، ولا تظهر بحكمة فظننت أنها زبدة حكمها إلا قد أخللت. إن الذي عارض القرآن بشعر امرئ القيس، لأضل من حمار باهلة، وأحمق من هبنقة)) (كتابه ص ٣٢١، ٣٢٢).

стр. 45

وصدق الباقلاني في كل ما قال، إلا أنه لم يزد على أن بيَّن خلو القرآن من الاختلاف والتغير، وبراءته من كل ما يلحق كلام الناس من عيب وخلل، وكل ما هو قرين لضعف طبائعهم، وإن استحكمت قواهم، ودالّ على عماهم عن كثير من الحق، وإن استنارت بصائرهم. ولعمري إنه الحق لا ينال منه الباطل، ولكنه غير الذي ينبغي أن نتطلبه من كشف أصول البيان التي يفارق بها بيان القرآن بيان البشر من الوجه الذي فصلناه. وليس هذا موضع بحثنا الآن، ولكن بحثنا عن الشعر الجاهلي، وما كان من أمره. فهذه الموازنة التي هاجت الباقلاني كما ذكر هو، حملته على هتك الستر عن معلقة امرئ القيس، ليكشف للناس عيبها وخللها، لا ليستخرج منها خصائص بيانهم، وكيف كانت هذه الخصائص مفارقة لخصائص بيان القرآن، فلما زلّ الباقلاني هذه الزلة وأخطأ الطريق، زلّ به من بعده وأخطأه، وأخذوا الشعر الجاهلي كله هذا المأخذ، ولكن العجب بعد ذلك أن (الشعر الجاهلي) ظل عند البلغاء وجمهور الناس هو مثقف الألسنة والحجة على اللغة، والشاهد على النحو وما إلى ذلك. ولكنهم إذا جاؤوا لذكر القرآن وإعجازه، اتخذوه هدفاً للنقد والتفلية وإظهار العيب وتبيين الخلل، بإزاء كلام بريء من كل عيب وخلل؛ فيبقى الأمر أمر موازنة لا عدل فيها. وكان حسبهم من الدليل أن أهل الجاهلية بتركهم معارضة القرآن بشعرهم أو كلامهم، هو إقرارٌ لا معقب عليه بفضل هذا القرآن على شرهم وكلامهم، فلم تكن بالباقلاني حاجة إلى سلوك هذا الطريق الذي سلكه، إلا ما حمله عليه ما نعق به جاهل من جهال المتلحدة، من الموازنة بين الكلامين، وتفضيل شعرهم على القرآن. وكان قد نازع ذلك بابٌ آخر من اللجاجة، في الموازنة بين شعر الجاهلية، وشعر المحدثين من شعراء الإسلام، وظل الجدال في تفضيل أحدهما على الآخر باباً تقتحمه الألسنة طلباً للمغالبة والظهور، وداخل ذلك من الإزراء على الشعر

стр. 46

الجاهلي وعيبه ما داخل، فكان هذا أيضاً صارفاً عن مدارسته على الوجه الذي طلبناه في صدر حديثنا. وفي خلال ذلك كله، تجمعت على فهم الشعر الجاهلي أخطاء شديدة الخطر، غَشَّت حقيقته بحجاب كثيف من الغموض، زاده كثافة ما لحق الشعر الجاهلي من التشتيت والضياع، وما أصابه من اختلال الرواية بالزيادة والنقصان والتقديم والتأخير، حتى اختلطت فيه المعاني أحياناً اختلاطاً، سهّل لكل عائب أن يقول فيه ما عنَّ له. ومع كل ذلك أيضاً بقي الشعر الجاهلي مثقفاً للألسنة، ومعدناً لشواهد اللغة والنحو والبلاغة. فليت شعري أي بلاء ترى أصاب هذا الشعر!! ثم تتابعت العصور على ذلك وعلى ما هو أشنع منه، حتى أفضينا به في هذا العصر الحديث إلى أقبح الشناعة، يوم فرض الاستعمار الغربي الغازي، على مدارسنا منهجاً من الدراسة لا يقوم على أصل صحيح، كان يرمي في نهايته إلى إضعاف دراسة العربية إضعافاً شائناً، لا مثيل له في كل لغات العالم التي يتلقاها الشباب في معاهد التعليم على اختلاف درجاتها. ثم طمت الشناعة بعد سنين، حين عزلت اللغة العربية كلها عزلاً مقصوداً عن كل علم وفن، وأصبح الشباب يتعلم لغته على أنها درس محدد، هو ثقيل بهذا التحديد المجرم على كل نفس، وخاصة نفوس الشباب الغض. ثم لما أنشئت الجامعة، ودخلها هؤلاء الشباب على ما هم فيه من الملل بلغتهم، ومن الاستهانة بأمرها، طلع قرن الشيطان بفتنة (الشعر) والتشكيك في صحة روايته، وطار الشر إلى الصحافة، فاتخذت اللغة القديمة كلها لا الشعر الجاهلي وحده، مادة للهزء والسخرية، وللنكتة والزراية، لا بل تندروا بكل من بقي علما شيء من المحافظة على سلامة اللغة، سلامة هي كإبراء الذمة لا أكثر ولا أقل. هذا تاريخ مختصر للأسباب التي وقفت بالشعر الجاهلي حيث وقف قديماً، فحالت بين علماء البلاغة والمنهج الذي كشفته وبينته، وكان لزاماً عليهم وعلينا

стр. 47

أن نسلكه لدراسة إعجاز القرآن، دراسة صحيحة سليمة من الآفات. وهو تاريخ أشد اختصاراً للذي تبع ذلك في العصر الحديث، لما صار (الشعر الجاهلي) ملهاة يتلهى بها كل من ملك لساناً ينطق، حتى ألقى ذلك كله ظلاً من الكآبة والظلمة على دراسات المحدثين في الجامعة وغير الجامعة، حين يدرس أحدهم هذا الشعرَ. هذا الشعرُ الذي كان حين أنزل الله القرآن على نبيه ﷺ ، نوراً يضيء ظلمات الجاهلية، ويعكف أهله لبيانه عكوف الوثني للصنم، ويسجدون لآياته سجدة خاشعة لم يسجدوا مثلها لأوثانهم قط. فقد كانوا عبَدة البيان قبل أن يكونوا عبدة الأوثان! وقد سمعنا بمن استخف منهم بأوثانهم، ولم نسمع قط بأحد منهم استخف ببيانهم. وأنت خليق أن تعرف أن الشيء الذي طلبته واحتججت له، وحاولت أن أكشف عن منهاجه ومذهبه، إنما يتعلق بخصائص البيان على القرآن، وخصائص بيان البشر على اختلاف ألسنتهم، وأن مخرج هذا غير مخرج هذا، وأن الشعر الجاهلي، إنما هو مادة الدراسة الأولى، لأن القرآن نزل بلسان العرب، والذين نزل عليهم ثم تحدّاهم وأعجزهم، هم أصحاب هذا الشعر والمفتونون به وببيانه. وهذا باب غير الباب الذي افتتحه الباقلاني، ثم فجر عيونه إمام البلاغة (عبد القاهر الجرجاني) المتوفى سنة ٤٧٤ هـ في كتابيه (دلائل الإعجاز)، و (أسرار البلاغة)، ثم أبدع فيه العلماء ما أبدعوا، وزادوا فيه عليه ونقصوا. وكان ذلك بعد أن أغلق الباب الذي فصلنا القول فيه، كان هو الجدير بأن يفتتحه الباقلاني وعبد القاهر. فإذا تم ما دعونا إليه لأهل هذا اللسان العربي يوماً ما، وعسى أن يكون ذلك بتوفيق الله، فسيكون ذلك فتحاً مبيناً لا في تاريخ البلاغة العربية وحدها، بل في تاريخ بلاغة الجنس الإنساني كله. وسيكون أيضاً مقنعاً، ورضي لهذا (العقل الحديث) الذي يتطلب في معرفة (إعجاز القرآن) ما يرضى عنه

стр. 48

ويطمئن إليه، وليس هذا فحسب، بل إن أهل الحق من أهل الإسلام، سيجدون يومئذ وسيلة لا تدانيها وسيلة، تسهل لهم ما استغلق عليهم من دعوة الناس إلى كتاب الله الذي خصّ به العرب، وجعل فيه ذكرهم على الدهر حين أنزله بلسانهم، ولكنه جعله هدى للبشر جميعاً عربهم وعجمهم. ويومئذ ستبطل فتنة (ترجمة القرآن) من أصلها، لسبب ظاهر أشد الظهور. فإن البشر إذا لم يكن في طاقتهم بألسنتهم التي يبدعون في شعرها ونثرها، أن يأتوا ببيان كبيان القرآن، تدل تلاوته على أنه بيان مفارق لبيان البشر، فمن طول السفه وغلبة الحماقة، أن يدعي أحد أنه يستطيع أن يترجم القرآن، فيأتي في الترجمة ببيان مفارق لبيان البشر. فإذا لم يكن ذلك في طاقة أحد، لم يكن لهذه الترجمة معنى بل سيكون فيها من القصور والتخلف، ما يجعل القرآن كلاماً كسائر الكلام، لا آية فيه ولا حجة على أحد من العالمين، ولا توجب ترجمته على أحد أن يؤمن بما فيه، وإن خالف ما جرى عليه اعتقاده أو علمه، إلا إذا آمن من قبل أنه كتاب منزل من المسلماء. وهذا عكس لآية القرآن، وهي أن بيانه هو الدليل القاطع على أنه ليس من كلام البشر، وأنه كتاب منزل من المسلماء، وأنه هو كلام رب العالين الذي تعبدنا بتلاوته، والذي قال فيه رسول الله ﷺ : ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق، له أجران)). وقال أيضاً: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول ﴿ألم﴾ حرف، ولكن أقول ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)). ... وأما بعد، فعسى أن يكون الله قد ادخر لآخر هذه الأمة، بعض ما يلحقها بفضل أولها، فتفتح بالقرآن آذاناً صماً وعيوناً عمياً وقلوباً غلفاً، وتخرج بهديه الناس من ضلالتهم، وتذودهم به عن اتباع خطوات الشيطان، إلى اقتفاء

стр. 49

الصراط المستقيم، والله تعالى يقول لنبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون ٧٣/ ٢٣ و ٧٤]. وعسى أن يتم على يد آخرها ما خبأه الله عن أولها، وعسى أن يكون ذلك مخبوءاً في هذا الفصل الذي نجده في أنفسنا بين بيان الله سبحانه، وبيان عباده من البشر. ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الأنعام ١٤٩/ ٦]. ورحم الله مالك بن أنس إذ يقول: ((لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها))، فإذا كان أولها لم يصلح إلا بالبيان، فآخرها كذلك لن يصلح إلا به، وإن امرأ يقتل لغته وبيانها، وآخر يقتل نفسه لمثلان، والثاني أعقل الرجلين!. وشكر الله لأخي مالك بن نبي، وقد دعاني إلى كتابة مقدمة لكتابه: (الظاهرة القرآنية)، ففتح لي به باباً من القول في (إعجاز القرآن) كنت أتهيب أن ألجه، وباباً آخر من القول في (الشعر الجاهلي) كنت أماطل نفسي دونه، وأنا أعلم أني قد قصرت في ذلك كله واختصرت، وإن كنت قد أطلت، وأخشى أن أكون قد أمللت، ولكن عذري أن الرأي فيهما كان قد شابه ما كدره، فبذلت جهدي أن أمحص القول فيهما، حتى أنفي عنهما القذى، وأخلصهما من الأذى، مبتغياً بذلك وسيلة إلى ربي سبحانه، طلبت القربة عنده، ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل ١١١/ ١٦]. والحمد لله وحده، ولا حول ولا قوة إلا به، ولا فضل إلا من عنده. محمود محمد شاكر ***

стр. 50

مدخل إلى دراسة الظاهرة القرآنية

стр. 51

مَدْخَلٌ إِلَى دِرَاسَةِ الظَّاهِرَةِ الْقُرْآنِيَّةِ (١) لم يُتَح لهذا الكتاب أن يرى النور في صورته الكاملة، فالواقع أننا قد أعدنا تأليف أصوله التي أحرقت في ظروف خاصة. وهو كما هو الآن، لا يكفي في علاج فكرتنا الأولى عن المشكلة القرآنية؛ فإن الموضوع يتطلّب عملاً شاقاً طويل الأنفاس، ومراجع ذات أهمية قصوى؛ لم يكن بوسعنا الحصول عليها في محاولتنا الثانية. غير أننا لا زلنا نشعر بقيمة الفكرة التي ساقتنا إلى هذه الدراسة، حتى لقد آمنا بضرورة بذل ما نستطيع من الجهد في سبيل تحقيقها، مهما تكن صعوبات المشروع، ومهما تكن المعوقات دون تحقيقه. ولذا حاولنا أن نجمع العناصر التي بقيت من الأصل مكتوبة في قصاصات، أو مسجلة في الذاكرة، فأنقذنا بذلك- على ما نعتقد- جوهر الموضوع، وهو الاهتمام بتحقيق منهج تحليلي في دراسة الظاهرة القرآنية، وهو منهج يحقق من الناحية العملية هدفاً مزدوجاً هو: ١ - أنه يتيح للشباب المسلم فرصة التأمل الناضج في الدين. ٢ - وأنه يقترح إصلاحاً مناسباً للمنهج القديم في تفسير القرآن. وهذه المهمة وتلك ترجعان إلى أسباب مختلفة، يتصل بعضها بالتطور الثقافي الذي حدث في العالم الإسلامي بصورة عامة، وبعضها يرجع إلى عنصر

стр. 52

آخر، يمكن أن نسميه (تطور نظرتنا في مشكلة الإعجاز) بصورة خاصة، ولا بد إذن من عرض هذه الأسباب بترتيبها: أولاً: الأسباب التاريخية: ينبغي أن ندرك أن التطور الثقافي في العالم الإسلامي يمر برحلة خطيرة، إذ تتلقى النهضة الإسلامية أفكارها واتجاهاتها الفنية عن الثقافة الغربية، وخاصة من طريق مصر. هذه الأفكار الفنية لا تقتصر على أشياء الحياة الفكرية الجديدة التي يتعودها الشباب المسلم شيئاً فشيئاً، بل إنها تمس أيضاً وبطريقة غامضة، ما يتصل بالفكر وما يتصل بالنفس؛ وفي كلمة واحدة: ما يتصل بالحياة الروحية. وإنه لمما يثير العجب أن نرى كثيراً من الشباب المسلم المثقف يتلقون اليوم عناصر ثقافة تتصل بمعتقداتهم الدينية، وأحيانا بدوافعهم الروحية نفسها، من خلال كتابات المتخصصين الأوربيين. إن الدراسات الإسلامية التي تظهر في أوربا بأقلام كبار المستشرقين واقع لا جدال فيه، ولكن هل نتصور المكانة التي يحتلها هذا الواقع في الحركة الفكرية الحديثة في البلاد الإسلامية؟ إن الأعمال الأدبية لهؤلاء المستشرقين قد بلغت في الواقع درجة خطيرة من الإشعاع لا نكاد نتصورها، وحسبنا دليلاً على ذلك أن يضم مجمع اللغة العربية في مصر بين أعضائه عالماً فرنسياً. وربما أمكننا أن ندرك ذلك إذا لاحظنا عدد رسالات الدكتوراه، وطبيعة هذه الرسالات التي يقدمها الطلبة السوريون والمصريون كل عام إلى جامعة باريس وحدها، وفي هذه الرسالات كلها يصرون - وهم أساتذة الثقافة العربية في الغد وباعثو نهضة الإسلام- يصرون كما أوجبوا على أنفسهم، على ترديد الأفكار التي زكاها أساتذهم الغربيون.

стр. 53

وعن هذا الطريق أوغل الاستسراق في الحياة العقلية في البلاد الإسلامية، محدداً بذلك اتجاهها التاريخي إلى درجة كبيرة. تلكم هي الأزمة الخطيرة التي تمر بها ثقافتنا الآن، مثيرة هنا وهناك صدى مناظرات مدوية، كما حدث في مصر بين الدكتور زكي مبارك والدكتور طه حسين، فقد عبرت مناظرتهما في أنشودة أدبية تهزها الحماسة عن المأساة الحديثة للفكر الإسلامي. ولكن لهذه الأزمة العامة مظهراً يهم موضوع دراستنا هذه، وأعني به تأثير دراسات المستشرقين على الفكر الديني لدى شبابنا الجامعي، الشباب الذي يتجه إلى المصادر الغربية، حتى فيما يخص معارفه الإسلامية الشخصية، سواء أكان هذا الاتجاه ناشئاً عن افتقار مكتباتنا أم لمجرد التجانس والقرابة العقلية. لقد نضبت فعلاً المصادر المحلية من كنوزها الثقافية، مولية وجهها شطر المكتبات الأهلية في أوربا، والحق أن مصر قد بذلت جهداً عظيهاً كيما تضع في متناول الفكر الإسلامي أدوات جديدة للعمل وذلك بما أتيح لها من مطابع حديثة، وعمل جاد اضطلع به شبابها الفتي المتعلم. ولكن هذا الجهد نفسه يعيش في كنف الدهاء الإداري الموروث من عهد الاستعمار. وأياً ما كان الأمر، فإنما الشباب المسلم المثقف في بعض ديار الإسلام يرى نفسه مضطراً إلى أن يلجأ إلى مصادر المؤلفين الأجانب خضوعاً لمقتضيات عقلية جديدة، ولعله يقدر إلى حد كبير منهجها الوضعي الديكارتي، حتى إننا نجد قضاة وشيوخاً معممين يتذوقون فيها رشاقتها الهندسية. وهذا كله لا غبار عليه لو اقتصر الاستشراق بمناهجه على الموضوع العلمي، ولكن الهوى السياسي الديني كشف عن نفسه أحياناً بكل أسف في تآليف هؤلاء المتخصصين الأوربيين في الدراسات الإسلامية، على الرغم من أنها تدعو إلى الإعجاب حقاً.

стр. 54

فلم يكن الأب (لامانس R,P,Lamance) المثل الفريد للمستشرق الطاعن على الإسلام ورجاله، والحالة الوحيدة التي يمكن أن نلحظ فيها العمل الصامت لتقو يض دعائم الإسلام، فقد كان لهذا الرجل (الشاطر) على الأقل، فضل في الكشف عن بغضه الشديد للقرآن، ولمحمد ﷺ ولا شك أن العمل في ظل هذا التعصب الصاخب خير من تلك الميكيافيلية الصامتة المستهجنة التي اتبعها مستشرقون آخرون، متسترين بستار العلم. ومن العجيب أن نذكر ما تتمتع به هذه الأفكار الحمقاء من مجاملة، ولا سيما في مصر عندما تصدرها جامعات الغرب، وأصدق مثال على ذلك بلا جدال، الفرض الذي وضعه المستشرق الإنجليزي (مرجليوث) عن (الشعر الجاهلي)، فقد نشر هذا الفرض في تموز عام ١٩٢٥م في إحدى المجلات الاستشراقية؛ وفي خلال عام ١٩٢٦م نشر (طه حسين) كتابه المشهور (في الشعر الجاهلي)، فهذا التسلسل التاريخي معبر تماماً عن تبعية أفكار بعض قادة الثقافة العربية الحديثة للأساتذة الغر بيين (١). وربما لم يكن فرض (مرجليوث) ليحتوي على شيء خاص غير عادي لو أنه حين نشر لم يصادف ذلك الترحيب الحار من المجلات المستعربة، ومن بعض الرسالات التي تقدم بها دكاترة عرب محدثون، حتى لقد كسب هذا الفرض قيمة (المقياس الثابت) في دراسة الدكتور (صباغ) عن (المجاز في القرآن)، فقد رفض هذا الدكتور رفضاً مقصوداً مغرضاً الاعتراف بالشعر الجاهلي بوصفه حقيقة موضوعية في تاريخ الأدب العربي.

стр. 55

فالمشكلة بوضعها الراهن إذن تتجاوز نطاق الأدب والتاريخ، وتهم مباشرة منهج التفسير القديم كله، ذلك المنهج القائم على الموازنة الأسلوبية معتمداً على الشعر الجاهلي بوصفه حقيقة لا تقبل الجدل. وعلى أية حال، فقد كان من الممكن أن تثور هذه المشكلة تبعاً للتطور الجديد في الفكر الإسلامي، وإنما بصورة أقل ثورية لأن ضرورات التطور تقضي بتعديل منهج التفسير القديم تعديلاً، يناسب في حكمة وروية مقتضيات الفكر الحديث. ولكن يخيل إلينا أن (مرجليوث) أراد بفرضه أن يفرض على المشكلة تطوراً ثورياً، حين أدخل في الوقت المناسب ما يشبه (الديناميت) الذي قد ينسف كل مناهج التفسير القديم. لقد قام إعجاز القرآن حتى الآن على البرهان الظاهر على سمو كلام الله فوق كلام البشر، وكان لجوء التفسير إلى الدراسة الأسلوبية لكي يضع لإعجاز القرآن أساساً عقلياً ضرورياًت فلو أننا طبقنا نتائج فرض (مرجليوث) كما فعل الدكتور (صباغ) لانهار ذلك الأساس. ومن هنا توضع مشكلة التفسير في صورة خطيرة بالنسبة لعقيدة المسلم، أعني بالنسبة إلى إعجاز القرآن في نظر هذا المسلم. وربما لم يكن التطور العقلي ليقصر عن دفع شبابنا الجامعي إلى ملاحظة تقادم القياس القديم إن آجلاً أو عاجلاً، ذلك القياس الذي كان يقدم حتى ذلك الحين الدليل القاطع على المصدر الغيبي للقرآن. أما بالنسبة للعقل ذي الصبغة الديكارتية فأية قيمة تبقى لبرهان يبدو منذئذ وقد فقد موضوعيته، وأصبح ذاتياً محضاً. وهذا الموضوع لا يتصل ببيان القرآن الذي بقي على ما هو عليه حين نزوله، ولكن بوضع المسلم نفسه. والحق أنه لا يوجد مسلم وخاصة في البلاد غير العربية، يمكنه أن يوازن موضوعياً بين آية قرآنية، وفقرة موزونة أو مقفاة من أدب العصر الجاهلي، فمنذ وقت طويل لم نعد نملك في أذواقنا عبقرية اللغة العربية، ليمكننا أن نستنبط

стр. 56

من موازنة أدبية نتيجة عادلة حكيمة، ومنذ وقت طويل أيضاً تكتفي عقائدنا في هذا الباب بالتقليد الذي لا يتفق وعقول المتعلقين بالموضوعية. فمشكلة التفسير توضع إذن في ضوء جديد، وربما نظر إليها المصريون المحدثون في هذا الضوء الجديد. ولكن يبدو أن جهود هؤلاء العلماء على الرغم من أنها لا تغفل الجانب الاجتماعي في علم التفسير لم تحدد منهجها الكامل، فالتفسير الكبير الذي ألفه الشيخ (طنطاوي جوهري) إنتاج علمي أشبه بدائرة معارف، ولا ينطوي على أقل اهتمام بتحديد منهج، أما تفسير الشيخ (رشيد رضا) الذي اتبع فيه إمامه الشيخ (محمد عبده) فلم يضع هو الآخر هذا المنهج، فقد كان همه أن يخلع على المنهج القديم صبغة عقل جديد. ومع أنه لم يعدل طريقة التفسير القديم تعديلاً جوهرياً، فإنه قد خلق في الصفوة المسلمة التي تعشق التجديد الأدبي اهتماماً بالنقاش الديني. ومع ذلك فمشكلة التفسير تظل خطيرة بالنسبة لاعتقاد الفرد الذي شكلته مدرسة ديكارت من جهة، وبالنسبة لمجموع الأفكار الدارجة التي هي أساس الثقافة الشعبية من جهة أخرى. ومن المعلوم أن كل مجتمع يحتوي مشكلة أفكار دارجة محرك الجماهير، كما يحتوي مشكلة أفكار علمية تخص المثقفين، وكما أن هذه تحدد لدى القادة والعلماء حلولاً نظرية لبعض المشكلات، فإن تلك تحدد السلوك العملي للجماعات إزاء هذه المشاكل التي تصادفهم في الحياة، ففي العالم الإسلامي توجد الآن طبقة مثقفة مقتنعة بحركة الأرض، ولكن هناك جمهوراً كبيراً من الدراويش، وشعباً من الجهال من كل نوع يصر على اعتقاده ((بأن الأرض ساكنة تحملها العناية على قرن ثور)). وهذه الفكرة الدارجة قد تؤثر في توجيه التاريخ أكثر من الفكرة العلمية، لأنها تستند إلى خرافة مفسر غير موفق يرى الأرض على قرن ثور. ولنأخذ على ذلك مثلاً: (البوصلة ومقياس الزاوية)، فعلى الرغم من أنهما من

стр. 57

إنتاج أفكار المسلمين الفنية، فإن العالم الإسلامي لم يستخدمهما مثلاً في اكتشاف أمريكا، لأنه كان مشلولاً آنذاك عن التقدم العقلي والاجماعي بأفكار شعبية ميتة. أليست هذه هي المأساة التي أراد الغزالي أن يعبر عنها في بيته المشهور: غَزَلْتُ لَهُمْ غَزْلاً رَقِيقًا فَلَمْ أَجِدْ ... لِغَزْلِيَ نَسَّاجًا فَكَسَّرْتُ مِغْزَلِي إن مشكلة التفسير القرآني على أية حال هي مشكلة العقيدة الدينية لدى التعلم، كما أنها مشكلة الأفكار الدارجة لدى رجل الشارع. ومن هاتين الوجهتين ينبغي أن يعدل منهج التفسير في ضوء التجربة التاريخية التي مر بها العالم الإسلامي. وبالتالي فإذا كانت هذه الأسباب التي قدمناها تدل على ضرورة هذا التعديل فهناك أسباب أخرى تدل على محتواه، أعني على صورة المنهج الذي يجب أن نسلكه في مشكلة الإعجاز. ثانياً: الأسباب العائدة إلى المنهج: ذكرنا فيما تقدم من هذا المدخل الأسباب التي دعت إلى هذه الدراسة، نظراً لما حدث في العالم الإسلامي من تطورات اجتماعية وثقافية، تؤثر في موقف المسلم المثقف إزاء الإسلام بصورة عامة. وينبغب الآن أن نذكر الأسباب التي حددت المنهج المتبع في هذه الدراسة، نظراً إلى إدراك هذا المسلم للقرآن بوصفه كتاباً منزلاً على وجه الخصوص، ولأنه لا يمكن فصل هذه الأسباب عن تاريخ الأديان السماوية بصورة عامة. إننا نجد هذه الصورة في الحديث الذي أورده أخي الأستاذ شاكر في مقدمته حيث يقول الرسول ﷺ : ((ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحي إلي فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة))، يجب إذن أن نحدد الإعجاز في القرآن بالنظر إلى مفهوم الإعجاز في الأديان عامة. وإذن لابد من تحديد هذه الكلمة لغة واصطلاحاً وفي حدود التاريخ، لأن

стр. 58

عنصر الزمن ذو دخل في هذه القضية إذا ما اعتبرناها من دين إلى آخر، أعني في اتجاه تطورها. أهل اللغة يرون أن الإعجاز هو الإيقاع في العجز. وأهل الاصطلاح يرون أن الإعجاز هو الحجة التي يقدمها القرآن إلى خصومه من المشركين ليعجزهم بها. فأما حين نريد تحديد هذا المصطلح في حدود التاريخ أي في تطور إدراك البشر لـ (حجة) الدين، وإدراك المسلم لـ (حجة) الإسلام خاصة، فلابد من مراجعة القضية في ضوء تاريخ الأديان. وهذا هو الإعجاز من نواحيه الثلاث. أما الآيات التي تدل عليه في القرآن، بل تلفت النظر إليه متعمدة، فهي كثيرة مثل قوله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء١٧/ ٨٨]. وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود ١٣/ ١١ و ١٤]. وقوله جل شأنه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٣/ ٢ و ٢٤]. ويجب أن نلاحظ أن هذه الآيات الثلاث لم يسقها القرآن لتنشئ الحجة، وإنما جاءت إعلاناً هنا، وإشهاراً لوجودها في سائر القرآن. كيم تؤتي تأثيرها في العقول المتربصة، وتنتج أثرها في القلوب التي لا زالت في أكنتها. فإلى أي مدى بلغ هذا التأثير في الوسط الجاهلي؟

стр. 59

إن لكل شعب هواية يصرف إليها مواهبه الخلاقة، طبقاً لعبقريته ومزاجه. فالفراعنة مثلاً كان لهم اهتمام بفنون العمارة والرياضيات، يدلنا عليه ما بقي بين أيدينا من آثارهم العظيهة؛ تلك الآثار التي أثارت اهتمام رجال العلم، مثل الأب (مورو) الذي خصص أحد كتبه لدراسة تصيم الهرم الأكبر، وما يتضن من نظريات هندسية غريبة، وخصائص رياضية وميكانيكية عجيبة. كما كان اليونان مغرمين بصور الجمال، على ما أبدعه فن (فيدياس)، وبآيات المنطق والحكمة على ما جادت به عبقرية (سقراط). أما العرب في الجاهلية، فقد كانت هوايتهم في لغتهم، فلم يقتصروا على استخدامها في ضرورات الحياة اليومية، شأن الشعوب الأخرى، وإنما كان العربي يفتن في استخدام لغته، فينحت منها صوراً بيانية لا تقل جمالاً مما كان ينحته (فيدياس) في المرمر، وما كانت ترسمه ريشة (ليونار دوفانسي) في لوحاته المعلقة في متاحف العالم الكبرى. فالشعر العربي كما قال أخي الأستاذ محمود شاكر في مقدمة هذا الكتاب: ((كان حين أنزل الله القرآن على نبيه ﷺ نوراً يضيء ظمات الجاهلية، ويعكف أهله على بيانه عكوف الوثني للصنم، ويسجدون لآياته سجدة خاشعة لم يسجدوا مثلها لأوثانهم قط، فقد كانوا عبدة البيان، قبل أن يكونوا عبدة الأوثان، وقد سمعنا من استخف منهم بأوثانهم، ولم نسمع قط منهم من استخف ببيانهم)). هذه صورة الظروف النفسية التي نزل فيها القرآن، فكان لإعجازه أن ينفذ إلى الأرواح- بصفة عامة في زمن النزول- على هذا السبيل، أي بما ركب في الفطرة العربية من ذوق بياني. ثم تغيرت هذه الظروف مع تطورات التاريخ الإسلامي، وفاض طوفان العلوم في أواخر عهد بني أمية والعهد العباسي. فصار إدراك جانب الإعجاز في

стр. 60

القرآن بالمعنى الذي حددناه- لغة واصطلاحاً- من طريق التذوق العلمي، أكثر من أن يكون من طريق الذوق الفطري. وهذا يعني أن الإعجاز كما أدركته العرب وقت النزول، أصبح من أختصاص طائفة قليلة من المسلمين، بيدها وسائل التذوق العلمي. ومن الممكن أن نتتبع هذا التطور في مرحلتيه في مراجع التاريخ الإسلامي: ١ - فمن ذلك أن السيرة تروي لنا بعض المواقف التاريخية، التي يظهر فيها أثر الإعجاز على الذوق الفطري عند العرب في الجاهلية، ويظهر ذلك في صورتين: أولاهما: إسلام عمر بن الخطاب ﵁ عندما تأثر بآيات سمعها من أخته، أو قرأها في صحيفتها. وثانيتهما: حكم الوليد بن المغيرة حين يقول في القرآن ((والله لقد سمعت كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة)). وهنا نرى الوليد يقف على قيد شبر من الإيمان، وقد هزه بيان القرآن، ولكن ما كان للحجة أن تغير أمراً أراده الله، فترى الوليد ينتكس، ويختم كلامه منكراً صدق الرسالة بقوله: " وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء يفرق بين المرء وأبيه .. الخ .. ". وهذا هو صدى الإعجاز في فطرة العرب في صورتين مختلفتين. حتى إذا تقدم الزمن وتغيرت الظروف الاجمتاعية، وتقدمت العلوم، صار الإعجاز موضوع دراسة قائم بذاته، فكتب فيه أئمة البيان، من أمثال الجاحظ في كتابه (نظم القرآن) (وعبد القاهر) صاحب (دلائل الإعجاز). ومن هذا الأخير نستعير نبذة لتوضيح المقام والمقال؛ نستعيرها على سبيل

стр. 61

المثال، من تعليق له على قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ... ﴾ [مريم ١٩/ ٥]. يقول معلقاً: ((إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من طريق العلم بالنظم، والوقوف على حقيقته، ومن دقيق ذلك وخفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها، ولم يروا للمزية موجباً سواها. هكذا ترى الأمر في كلامهم، وليس الأمر على ذلك ... )). ولا لزوم لذكر النص بأكله، وإنما أوردته فقط لأبين مباشرة عجزي عن إدراك (الإعجاز) من هذا الوجه، أي بوسائل التذوق العلمي، بعد أن اعترفت بعجزي عن إدراكه من طريق الذوق الفطري. وهكذا أراني حيران، فاقد الحيلة والوسيلة في قضية هي أمس القضايا بالنسبة لي بصفتي مسلماً. وهنا تواجهنا مشكلة (الإعجاز) في صورتها الجديدة بالنسبة لهذا المسلم، أعني بالنسبة لأغلبية المسلمين المثقفين ثقافة أجنبية، بل ربما بالنسبة لذوي الثقافة التقليدية، في ظروفهم الثقافية والنفسية الخاصة، فلابد إذن من أعادة النظر في القضية في نطاف الظروف الجديدة التي يمر بها المسلم اليوم، مع الضرورات التي يواجهها في مجال العقيدة والروح. وعلى الرغم مِما يبدو في القضية من تعقد، بسبب موقفنا التقليدي إزاءها، فإني أعتقد أن مفتاحها موجود في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف ٤٦/ ٩]. فإذا اعتبرنا هذه الآية على أنها حجة يقدمها القرآن للنبي كي يستخدمها في جداله مع المشركين، فلا بد أن نتأمل محتواها المنطقي من ناحيتيها: فهي تحمل، أولاً، إشارة خفية إلى أن تكرار الشيء في ظروف معينة يدل على صحته، أي أن سوابقه في سلسلة معينة تدعم حقيقته بوصفه (ظاهرة

стр. 62

بالمعنى الذي يسبغه التحديد العلمي على هذه الكلمة: فالظاهرة هي: ((الحدث الذي يتكرر في الظروف نفسها، مع النتائج نفسها)). وهي تحمل في مدلولها، ثانياً، ربطاً واضحاً بين الرسل والرسالات خلال العصور، وأن الدعوة المحمدية يجري عليها أمام العقل ما يجري على هذه الرسالات. ومن هذا نستخلص أمرين: ١ - أنه يصح أن ندرس الرسالة المحمدية في ضوء ما سبقها من الرسالات. ٢ - كما يصح أن ندرس هذه الرسالات في ضوء رسالة محمد ﷺ ، على قاعدة أن ((حكم العام ينطبق على الخاص قياساً، وحكم الخاص ينطبق على العام استنباطاً)). ولا مانع إذن من أن نعيد النظر في معنى (الإعجاز) في ضوء منطق الآية الكريمة. وحاصل هذا أننا إذا عددنا الأشياء في حدود الحدث المتكرر، أي في حدود الظاهرة، فالإعجاز هو: ١ - بالنسبة إلى شخص الرسول: الحجة التي يقدمها لخصومه ليعجزهم بها. ٢ - وهو بالنسبة إلى الدين: وسيلة من وسائل تبليغه. وهذان المعنيان للإعجاز يضفيان على مفهومه صفات معينة: أولاً: أن الإعجاز- بوصفه (حجة) لابد أن يكون في مستوى إدراك الجميع، وإلا فاتت فائدته، إذ لا قيمة منطقية لحجة تكون فوق إدراك الخصم، فهو ينكرها عن حسن نية أحياناً. ثانياً: ومن حيث كونه وسيلة لتبليغ دين: أن يكون فوق طاقة الجميع.

стр. 63

ثالثاً: ومن حيث الزمن: أن يكون تأثيره بقدر ما في تبليغ الدين من حاجة إليه. وهذه الصفة الثالثة تحدد نوع صلته بالدين، الصلة التي تختلف من دين إلى آخر، باختلاف ضرورات التبليغ كما سنبين ذلك. فهذا هو القياس العام الذي نراه ينطبق على معنى الإعجاز، في كل الظروف المحتملة بالنسبة إلى الأديان المنزلة. فإذا قسنا به في نطاق رسالة موسى ﵇، مثلاً، نرى أن الله اختار لهذا الرسول معجزتي اليد والعصا، وإذا تأملناهما وجدناهما ((بوصفهما حجة)) يدعم الله بها نبيه- تتصفان بأنهما: ١ - ليستا من مستوى العلم الفرعوني الذي كان من اختصاص أشخاص معدودين، يكونون هيئة الكهنوت، بل كانت المعجزة في صورتيهما كلتيهما، من مستوى السحر الذي يقع أثره في إدراك الجميع عن طريق المعاينة الحسية، دون إجهاد فكر. ٢ - هاتان المعجزتان تتصلان بتاريخ الدين الموسوي لا بجوهره، إذ ليس لليد أو العصا صلة بمعاني هذا الدين ولا بتشريعه، فهما على هذا مجرد توابع للدين، لا من صفاته اللازمة له. ٣ - ودلالة هاتين المعجزتين على صحة الدين محدودة بزمن معين، إذ لا نتصور مفعول اليد والعصا (حجة) إلا في الجيل الذي شاهدهما، أو الجيل الذي بلغته تلك الشهادة بالتواتر من التابعين وتابع التابعين، أي أن مفعوله لا يكون إلا في زمن محدد، لحكمة أرادها الله. ولو فكرنا في هذه الحكمة لوجدنا أنها تتفق مع حقائق نفسية، وحقائق تاريخية سجلها الواقع فعلاً، هي:

стр. 64

أولاً: أن القوم الذين يدينون اليوم بدين موسى- أي اليهود- يفقدون، لأسباب نفسية لا سبيل لشرحها هنا، نزعة التبليغ، فلا يشعرون بضرورة تبليغ دينهم إلى غيرهم من الأمم، أي: الأميين- كما يقولون- حتى إننا إذا استخدمنا لغة الاجتماع قلنا: إن (الإعجاز) قد ألغاه في هذا الدين عدم الحاجة إليه. ثانياً: إن مشيئة الله قد قدرت أن يأتي عيسى رسولاً من بعد موسى، وأتى الدين الجديد لينسخ الدين السابق، فينسخ طبعاً جانب الإعجاز فيه، وتزول الحجة بزوال ضرورتها التاريخية. ثم أتى عيسى بالدين الجديد، وبما يتطلب هذا الدين من وسائل لتبليغه، أي بما يتطلب من حجة، فأتى بإعجازه الخاص، بالمعنى المحدد لغة واصطلاحاً كما سبق، فكان لعيسى إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. ولسنا بحاجة أن نكرر بالنسبة إلى الدين الجديد ما قدمنا من اعتبارات عامة بالنسبة إلى خصائص (الإعجاز) في الدين السابق، لأن القضية تتعلق هنا وهناك بالتركيب النفسي الذي عليه الإنسان، من جهة أنه إنسان يدرك الأشياء بعقله، مع ما في عقله من عجز عن إدراك حقيقة الدين مباشرة إن لم يكن هنا حجة خاصة، تسند تلك الحقيقة لدى عقله في صورة (إعجاز). فالأسباب تتكرر، وإنما يتغير شكلها نظراً لما حدث من تطور في الظروف النفسية والاجتماعية حول الدين الجديد في البيئة التي ينشر فيها عيسى دعوته، تلك البيئة التي تشع عليها الثقافة اليونانية والرومانية. ولكن دلالة ما أوتي عيسى من إعجاز ستزول أيضاً مع زوال موضوعها، للأسباب نفسها التي ألغت جانب الإعجاز في دين موسى، لأنه يأتي بعد عيس رسول جديد ودين جديد يلغيان الدين السابق، دين عيسى ﵇، فيلغي ضرورة التدليل على صحة الإنجيل.

стр. 65

وهكذا تأتي رسالة الرسول الأمين، ولكنها تتسم بصفة خاصة تميزها عما سبقها من الرسالات، إذ أنها الحلقة الأخيرة في سلسلة البعث. ويأتي محمد (خاتم الأنبياء) كما ينوه بذلك القرآن، ويشهد به مرور الزمن منذ أربعة عشر قرناً. وما كانت هذه الميزة التاريخية في الدين الجديد، دون أن يكون أثرها في كل خصائصه، وفي نوع إعجازه على وجه الخصوص، فإن حاجة التبليغ ستبقى مستمرة فيه، سواء من الناحية النفسية، لأن كل مسلم- بعكس اليهودي- يحمل في نفسه (مركب التبليغ)، أم من الناحية التاريخية لأن الدين الجديد- الإسلام- سيكون دين آخر الزمن، أي الدين الذي لا يعقبه دين سماوي آخر، بل لا يأتي دين بعده بصورة مطلقة كما تشهد بذلك القرون، حتى إن حاجة الإسلام إلى وسائل تبليغه ستبقى ملازمة له، من جيل إلى جيل، ومن جنس إلى جنس، لا يلغيها شيء في التاريخ، وهذا يعني أن هذه الوسائل يجب ألا تكون- مثل الأديان الأخرى- مجرد توابع يتركها الدين في الطريق عبر التاريخ بعد مرحلة التبليغ، مثل اليد عند موسى أو عصاه التي لم يبق لها أثر حتى في متاحف العالم، كما بقيت عصا (توت عنخ آمون) المذهبية. وعليه يجب أن يكون (إعجاز) القرآن صفة ملازمة له عبر العصور والأجيال، وهي صفة يدركها العربي في الجاهلية بذوقه الفطري كعمر رضي الله تعالى عنه أو الوليد، أو يدركها بالتذوق العلمي كما فعل الجاحظ في منهجه الذي رسمه لمن جاء بعده. ولكن المسلم اليوم قد فقد فطرة العربي الجاهلي وإمكانيات عالم اللغة في العصر العباسي، وعلى الرغم من هذا فإن القرآن لم يفقد بذلك جانب (الإعجاز) لأنه ليس من توابعه بل من جوهره؛ وإنما أصبح المسلم مضطراً إلى أن يتناوله في صورة أخرى وبوسائل أخرى، فهو يتناول الآية من جهة تركيبها النفسي الموضوعي، أكثر مما يتناولها من ناحية العبارة، فيطبق في دراسة مضمونها طرقاً للتحليل الباطن، كما حاولنا أن نطبقها في هذا الكتاب.

стр. 66

وإذا كانت هذه الضرورة ملحة بالنسبة للمسلم، الذي حاول تعقيد عقيدته على أساس إدراك شخصي لقيمة القرآن بوصفه كتاباً منزلاً، فإنها أكثر إلحاحاً بالنسبة لغير المسلم الذي يتناول القرآن بوصفه موضوع دراسة أو مطالعة. فهذه في مجملها الأسباب التي دعتنا إلى تطبيق التحليل النفسي خاصة لدراسة القرآن بوصفه ظاهرة. بيد أن تنفيذ هذه المهمة قد أظهر نقائص جهازنا الفني دونما تواضع، بل عن معرفة تامة بالقضية التي نعدّ تنفيذها مجرد إرشاد لما سيتلوها من دراسات، نحتاج للقيام بها أن نحشد وسائلنا الفنية ووثائقنا التي لم نستطع بكل أسف أن نجمعها للقيام بهذه الدراسة. ومن المفيد هنا أن نذكر كم سيكون مفسر الغد بحاجة إلى معرفة لغوية وأثرية واسعة، فإن عليه أن يتتبع الترجمة اليونانية السبعينية للكتاب المقدس، والترجمة اللاتينية الأولى من خلال الوثائق العبرية، وبصورة أعم عليه أن يتتبع جميع الوثائق السريانية والآرامية ليدرس مشكلة الكتب المقدسة. هذه مهمة جليلة لا يمكننا الشروع فيها، على الرغم من رغبتنا الحارة في تحقيق هذا الأمل والله يوفقنا. مصر الجديدة ١/ ١١/ ١٩٦١ ... مالك بن نبي

стр. 67

الظَّاهِرَةُ الدِّينِيَّةُ كما أوغل المرء في الماضي التاريخي للإنسان، في الأحقاب الزاهرة لحضارته، أو في المراحل البدائية لتطوره الاجتماعي، وجد سطوراً من الفكرة الدينية. ولقد أظهر علم الآثار دائماً- من بين الاطلال التي كشف عنها- بقايا آثار خصصها الإنسان القديم لشعائره الدينية، أياً كانت تلك الشعائر. ولقد سارت هندسة البناء من كهوف العبادة في العصر الحجري، إلى عهد المعابد الفخمة، جنباً إلى جنب مع الفكرة الدينية التي طبعت قوانين الإنسان بل علومه، فولدت الحضارات في ظل المعابد كمعبد سليمان أو الكعبة. من هنالك كانت تشرق هذه الحضارات لكي تنير العالم، وتزدهر في جامعاته ومعامله، بل لكي تجلي المناقشات السياسية في برلماناته. فقوانين الأمم الحديثة لاهوتية في أساسها، أما ما يطلقون عليه قانونهم المدني فإنه ديني في جوهره، ولا سيما في فرنسا فقد اشتق من الشريعة الإسلامية (١). وعوائد الشعوب وتقاليدها تتشكل بصورة يمليها اهتمام ميتافيزيقي يدفع

стр. 68

أقل القرى الهمجية، التي تشيد كوخاً بسيطاً في مركزها، تتجه نحوه الحياة الروحية القبلية، وهي حياة تتفاوت في بدائيتها إلى حد كبير. وما التوتمية والأساطهير واللاهوت إلا حلول مقترحة للمشكلة نفسها التي تساور الضمير الإنساني كلما وجد نفسه مأخوذاً بلغز الأشياء وغاياتها النهائية. ومن جميع الضمائر ينطلق السؤال نفسه الذي يصوره في خشوع هذا المقطع من أغنية (الفيدا) الهندوسية: ((من يعرف هذه الأشياء؟ ... ومن يستطيع الحديث عنها؟)) ((من أين تأتي هذه الكائنات؟ ... وما حقيقة هذا الإبداع؟)) ((هل (هو) قدخلق الآلهة ... ولكن من يعرف كيف وجد الخالق (١)؟)) هل الذي يفصح عن نفسه هكذا ضمير يؤمن بتعدد الآلهة؟ ولماذا يلمح الضمير فيما وراء هياكل آلهته وجود من خلقها؟ وتردُّد المشكلة الغيبية- هكذا بانتظام- على الضمير الإنساني في جميع مراحل تطوره، هو في حد ذاته مشكلة أراد علم الاجتماع حلها حين وصف الإنسان بأنه في أصله (حيوان ديني). ومن هذا التعريف الموضوعي تنبع نتيجتان نظريتان مختلفتان: ١ - هل الإنسان (حيوان ديني) بشكل فطري غريزي، وبسبب استعداد أصيل في طبيعته؟ ٢ - أو أنه اكتسب هذه الصفة إثر عارض ثقافي مفاجئ لدى مجموعة بشرية معينة، شمل مفعوله الإنسانية كلها، بنوع من الامتصاص النفسي؟

стр. 69

فهناك إذن نظريتان رئيسيتان متضادتان بصدد المشكلة التي تعرضها علينا الظاهرة الدينية. وسيكون من السذاجة طبعاً أن نزيل هذا التعارض الفلسفي بحل رياضي، كما أراد ذلك بعض مفكرينا المغرمين بالطريقة العلمية. ربما لأنهم تناسوا المبادئ الأولية للعلم الوضعي نفسه. ومع ذلك يجب ألا ننسى أن هندسة إقليدس ذاتها الموغلة في الدقة العلمية لا تعتمد إلا على فرض، لا على برهان رياضي. وإن الأمر لكذلك بالنسبة إلى جميع النظريات الهندسية التي نشأت بعد إقليدس. وأياً ما كان الأمر، فإن ما يطلب من أي مذهب- حين يضع مبدأه الأساسي- أن يكون دقيقاً متواثقاً مع نفسه، متوافقاً في جميع نتائجه. وهذه هي الطريقة العلمية الوحيدة للحكم على القيمة العقلية لأي مذهب في ذاته، وعلى قيمته بالنسبة لأي مذهب آخر. وليس التناقض في المسألتين اللتين قررناهما بوصفهما نتيجتين للظواهر الدينية، قائماً بين الدين والعلم على غرار ما يوحي به بعضهم، إذ أن العلم لم يبرهن على عدم وجود الله أو وجوده- كما نسلم بذلك مبدئياً- بل النزاع هنا بين دينين، بين الألوهية والمادية، بين الدين الذي يسلم بوجود الله! وذلك الذي (افترض) المادة!! والهدف من هذا الفصل هو الموازت بين هذين المذهبين الفلسفيين: ذلك الذي يعد الضمير الديني للإنسان ظاهرة أصلية في طبيعته، ظاهرة معترفاً بها بوصفها عاملاً أساسياً في كل حضارة ة والآخر الذي يعد الدين مجرد عارض تاريخي للثقافة الإنسانية، ومع ذلك فإن نتائج هذا الفصل ستعتمد على نتائج الفصول التالية، التي ستقدم نوعاً من البرهان اللاحق المدعم بما يسمى (الظاهرة

стр. 70

النبوية) و (الظاهرة القرآنية) التي تضع الدين في سجل الأحداث الكونية بجانب القوانين الطبيعية. وعلى ذلك فإن موازنة مذهبين، أحدهما مادي في جوهره، يرى أن كل شيء متوقف على المادة، والثاني غيبي (ميتافيزيقي) يعد المادة في ذاتها محددة محكومة، هذه الموازنة لا تكون قاطعة مقنعة إلا إذا اعتبرنا عناصرهما المتجانسة المتقابلة التي تكمن في فكرتهما عن الكون، والتكوين. وبناء على هذه النظرة يجب أن نبدأ في دراسة موازنة للمذهبين المذكورين. ***

стр. 71

الْمَذْهَبُ الْمَادِّيُّ من حيث المبدأ: المادة هي العلة الأولى لذاتها، وهي أيضاً نقطة البدء في ظواهر الطبيعة؛ وبديهي أنه لا يحق لنا أن نعد المادة شيئاً عرضياً (حادثاً)، إذ أنها حينئذ ستكون منبثقة عن بعض الأشياء، أي عن سبب خالق مستقل، وهذا يتنافى مع الفرض. وإذن بكل بساطة: هي موجودة، وهي أيضاً غير مخلوقة. وهكذا نتفق على أصل المادة مبدئياً، ونهتم فقط بتطورها (١) في حالاتها المتعاقبة بادئين من نقطة التسليم هذه. فيمكن القول: إن الخاصة الوحيدة للمادة في مبدأ الأمر هي أنها كانت (كماً) معيناً أو كتلة. وبناء عليه يجب أن نعد جميع الخواص الأخرى نتائج لهذه (الخاصة الوحيدة)، ولها وحدها. ويجب على الأخص أن نعد هذه المادة من حيث الأصل في حالة بساطة وتجانس تام، لأن كل تنوع في ذاتها يستتبع تدخل عوامل متنوعة بالضرورة، مما يتنافى مع المؤثر الوحيد، وهو خاصة (الكم). هذا الشرط يستتبع حالة مبدئية

стр. 72

لا يمكننا فيها أن نتصور المادة منظمة بأية طريقة، وإلا فإن التركيب الذري - الذي اكتشف العلم تنظيمه وتركيبه- يوحي بتدخل جزيئات نووية متنوعة منذ البدء، مما يتنافى أيضا مع شرط البساطة والتجانس التام. وبالتالي فإن المادة بالضرورة من حيث أصلها في حالة تحلل كلي وهي- كهربياً- متعادلة، أي لا توصف بأنها سالبة أو موجبة. فهي- مثلاً- (كمية) من (النترونات) لا توجد بينها في ذاتها سوى علاقة تجاذب، فتنظيمها الذري في المستقبل سيكون مرحلة لتطورها، وتطورها هو الذي يؤدي إلى إظهار الجزيئات النووية: (البوزيترون Positrons) ، و (الميزوترون Mesotrons) ، و (الألكترون Electrons) .. الخ .. والقوى الكهربية الاستاتيكية المقابلة. ومن غير أن نتسرع في الحكم على هذا التنوع الجزيئي، فإن هناك سؤالاً يفرض نفسه عن إمكان تكوين الذرة الأولى، وهو تكوين يمكن إدراكه بصعوبة، وهو أيضاً غريبا في نظر قانون (كولب Coulomb) الذي يحكم الظاهرة ضرورة. وفي الحق إنه لمن الصعب أن نتصور كيف تكونت النواة الأولى من أجزاء من النوع نفسه، وتسمى بالاسم نفسه، وتتنافر بفعل قانون الكهربا الأستاتيكية الأساسي. ومع ذلك فإننا سنسلم بإمكان ذلك، ولكن هل تبدأ دورة الاندماج بين الجزيئات بالنسبة للنواة الأولى في وقت واحد للعناصر الاثنين والتسعين (١) التي رتبها (ماندليف)؟ أم أن ذلك يحدث بالتتابع من عنصر لآخر؟ فإن كان هناك ما يسمى (بالاقتران الزمني) فإن عنصراً واحداً فقط يمكن أن يوجد

стр. 73

طبيعياً بواسطة تدخل مؤثر واحد، أي حالة المادة في بساطتها وخلوها من التكهرب. ولكن ستبقى إحدى وتسعون حالة شاذة عن القاعدة، لا يمكن أن يوجدها المؤثر نفسه في الوقت نفسه. وعلى العكس من ذلك إذا كان هناك تتابع في خلق المادة لعناصر الطبيعة، فمن الواجب تفسير تكون هذه العناصر على أنه مجموعة من واحد وتسعين تحولاً عنصرياً، ابتداء من عنصر واحد أولي، وليكن (الإيدروجين). وهنا يمكن أن تحتل الظاهرة مكانها سواء أكان ذلك بواسطة سلسلة وحيدة: تخلق المادة الأولى العنصر الأول، بم تتوالد العناصر الباقية منه في سلسلة واحدة، أم كان بسلاسل متعددة: تخلق المادة الأولى العنصر الأول (الإيدروجين)، ومن هذا العنصر الأول تتولد عائلة من الأجسام البسيط ولتكن أربعة مثلاً، يتسلسل من كل منها مجموعة من العناصر الباقية والكل ناتج، عن عنصر أولي. ففي الحالة الأولى: تتطلب السلسلة الوحيدة واحداً وتسعين تحولاً عنصرياً محدداً؛ إن كل عنصر يتشكل في الوقت الذي تبقى فيه العناصر التي سبقته، وهي على ذلك تتعرض لإحدى وتسعين حالة من التعادل الطبيعي الكيماوي المختلف، الذي يتضن تدخل عامل مختلف أيضاً عن قانون الاندماج الأولي. ولكننا افترضنا أصلاً أن هذا القانون وحيد، وأنه مستقل عن الزمان وعن سائر العوامل الحرارية الديناميكية. فلدينا إذن سلسلة مكونة من واحد وتسعين تحولاً عنصرياً تتولد من العنصر الأول، وهذه السلسلة لم تحظ بتفسير طبقاً لقانون واحد. وعلى هذا ففي كلتا الحالتين لا يجد جدول (ماندليف) تفسيراً كافياً في نظر المبدأ الذي نسلم به، وهذا يثبت ضعف المذهب المادي. ثم يزيد هذا الضعف وضوحاً- في نظرنا- إذا نحن تتبعنا تطور المادة في

стр. 74

الحالة الثانية، فهي بعد أن أصبحت في حالة منظمة غير عضوية، ستصل إلى تحول عنصري حيوي، وستصبح كمية منها مادةً عضويةً حية هي (البروتوبلازم). وعندما تتطور هذه المادة بدورها خلال سلسلة حيوانية معينة تصبح بناء على تحول عنصري جديد مادة مفكرة، هي الإنسان. فعندنا معادلة (١) معينة هي: مؤثرات حرارية ديناميكية + عوامل كيمائية = مادة حية >> الإنسان وهذه المعادلة صحيحة طوال العهد الجيولوجي المطابق للعوامل أو المؤثرات الحرارية الديناميكية التي تبدو في الجزء الأول من معادلتنا (مؤثرات حرارية ديناميكية + عوامل كيمائية)، فإذا نحن سلّمنا جدلاً بمدة هذا العهد، وكذلك بمدة الدورة الحيوانية التي تنتقل بالمادة الحية من حالة عدم التشكل (للبروتوبلازم) إلى الحالة المنتظمة الفكرة للإنسان، فإن هناك بالضرورة عدداً من الأجيال مطابقاً للنسبة بين هاتين الفترتين، وعليه فإن الجيل الأول يكون قد سبق بالنسبة لما أعقبه بمدة طويلة معادلة لطول العصر الجيولوجي الذي تصح فيه شروط المعادلة. وفي نهاية ذلك السباق يكون الجيل الأول قد وعى حقيقة دنياه، والظواهر التي مرت عليه. وينبغي خصوصاً أن يكون الجيل السابق قد سجل في ذاكرته ظاهرة الأجيال التي تليه، ولكن الجيل الإنساني الحالي لم يسجل في مفكرته حدثاً

стр. 75

كهذا، ولا نجد لديه إلا أثراً يتعلق بالجيل الآدمي الحاضر. فمن الضروري إذن أن نقر أن المعادلة البيولوجية المشار إليها لم تحدث سوى مرة واحدة، ومن أجل جيل وحيد فريد؛ وبعبارة أخرى: هنالك حتمية بيولوجية لا تستطيع العوامل المادية وحدها أن تبرهن عليها، وهذا يلفت انتباهنا إلى نقص في المذهب المادي، وهو نقص يثبت ضعف مبدئه الأساسي، وسيزيد هذا النقص في نظرنا إذا ما اعتبرنا أن المعادلة المذكورة لا تعطينا تفسيراً لظاهرة التوالد الحيواني. وهناك في الواقع مشكلة جديدة تخص وحدة النوع التي لا يمكن أن ترى في الفرد، وإنما في الزوج: الذكر والأنثى؛ ولذلك فإن النظرية المادية لا تقدم أي تسويغ لهذا الازدواج الذي يعد شرطاً لوظيفة التوالد الحيوانية. فإذا كان هناك حدث (بيولوجي) عرضي فيما يخص الرجل، فإن المشكلة تظل تواجهنا على الرغم من ذلك فيما يتعلق بالمرأة، إلا إذا قررنا حدثا مزدوجاً في الأصل، نتج عنه الزوج المتوالد الضروري لتناسل النوع الإنساني، وإذا نحن قررنا على الرغم من كل شيء هذا الحدث المزدوج للمادة، يكون من الصعب أن نقرر أن نتيجته كانت متسقة تماماً مع هدف وظيفة التناسل الواحدة المشتركة بين الذكر والأنثى. وعلى كل فإن حتمية المادة يمكن أن تصح إذا كانت تتحقق في صورة خنوثة زوجية لنوعين متماثلين مستقلين: نوع الرجل ونوع المرأة، وبهذا يوجد أيضاً بقية نقص تثير عدم التوافق في المبدأ. ومن وجهة النظر الآلية: من الثابت أن المادة تخضع لمبدأ (القصور الذاتي) خضوعاً تاماً، فالمادة الحية على هذا تعد استثناء من القاعدة: فإن الحيوان مزود بميزة تعديل وضعه بنفسه، وهنا يظهر أيضاً ضعف المذهب المادي. وهناك ظواهر أخرى لا تقل عن السابقة في إثارة الاهتمام بغرائب المذهب
следующие страницы →