الْمَذْهَبُ الْمَادِّيُّ
من حيث المبدأ: المادة هي العلة الأولى لذاتها، وهي أيضاً نقطة البدء في ظواهر الطبيعة؛ وبديهي أنه لا يحق لنا أن نعد المادة شيئاً عرضياً (حادثاً)، إذ أنها حينئذ ستكون منبثقة عن بعض الأشياء، أي عن سبب خالق مستقل، وهذا يتنافى مع الفرض. وإذن بكل بساطة: هي موجودة، وهي أيضاً غير مخلوقة. وهكذا نتفق على أصل المادة مبدئياً، ونهتم فقط بتطورها (١) في حالاتها المتعاقبة بادئين من نقطة التسليم هذه. فيمكن القول: إن الخاصة الوحيدة للمادة في مبدأ الأمر هي أنها كانت (كماً) معيناً أو كتلة.
وبناء عليه يجب أن نعد جميع الخواص الأخرى نتائج لهذه (الخاصة الوحيدة)، ولها وحدها.
ويجب على الأخص أن نعد هذه المادة من حيث الأصل في حالة بساطة وتجانس تام، لأن كل تنوع في ذاتها يستتبع تدخل عوامل متنوعة بالضرورة، مما يتنافى مع المؤثر الوحيد، وهو خاصة (الكم). هذا الشرط يستتبع حالة مبدئية
стр. 72
لا يمكننا فيها أن نتصور المادة منظمة بأية طريقة، وإلا فإن التركيب الذري - الذي اكتشف العلم تنظيمه وتركيبه- يوحي بتدخل جزيئات نووية متنوعة منذ البدء، مما يتنافى أيضا مع شرط البساطة والتجانس التام. وبالتالي فإن المادة بالضرورة من حيث أصلها في حالة تحلل كلي وهي- كهربياً- متعادلة، أي لا توصف بأنها سالبة أو موجبة. فهي- مثلاً- (كمية) من (النترونات) لا توجد بينها في ذاتها سوى علاقة تجاذب، فتنظيمها الذري في المستقبل سيكون مرحلة لتطورها، وتطورها هو الذي يؤدي إلى إظهار الجزيئات النووية: (البوزيترون Positrons) ، و (الميزوترون Mesotrons) ، و (الألكترون Electrons) .. الخ .. والقوى الكهربية الاستاتيكية المقابلة.
ومن غير أن نتسرع في الحكم على هذا التنوع الجزيئي، فإن هناك سؤالاً يفرض نفسه عن إمكان تكوين الذرة الأولى، وهو تكوين يمكن إدراكه بصعوبة، وهو أيضاً غريبا في نظر قانون (كولب Coulomb) الذي يحكم الظاهرة ضرورة.
وفي الحق إنه لمن الصعب أن نتصور كيف تكونت النواة الأولى من أجزاء من النوع نفسه، وتسمى بالاسم نفسه، وتتنافر بفعل قانون الكهربا الأستاتيكية الأساسي.
ومع ذلك فإننا سنسلم بإمكان ذلك، ولكن هل تبدأ دورة الاندماج بين الجزيئات بالنسبة للنواة الأولى في وقت واحد للعناصر الاثنين والتسعين (١) التي رتبها (ماندليف)؟ أم أن ذلك يحدث بالتتابع من عنصر لآخر؟ فإن كان هناك ما يسمى (بالاقتران الزمني) فإن عنصراً واحداً فقط يمكن أن يوجد
стр. 73
طبيعياً بواسطة تدخل مؤثر واحد، أي حالة المادة في بساطتها وخلوها من التكهرب. ولكن ستبقى إحدى وتسعون حالة شاذة عن القاعدة، لا يمكن أن يوجدها المؤثر نفسه في الوقت نفسه.
وعلى العكس من ذلك إذا كان هناك تتابع في خلق المادة لعناصر الطبيعة، فمن الواجب تفسير تكون هذه العناصر على أنه مجموعة من واحد وتسعين تحولاً عنصرياً، ابتداء من عنصر واحد أولي، وليكن (الإيدروجين).
وهنا يمكن أن تحتل الظاهرة مكانها سواء أكان ذلك بواسطة سلسلة وحيدة:
تخلق المادة الأولى العنصر الأول، بم تتوالد العناصر الباقية منه في سلسلة واحدة، أم كان بسلاسل متعددة: تخلق المادة الأولى العنصر الأول (الإيدروجين)، ومن هذا العنصر الأول تتولد عائلة من الأجسام البسيط ولتكن أربعة مثلاً، يتسلسل من كل منها مجموعة من العناصر الباقية والكل ناتج، عن عنصر أولي.
ففي الحالة الأولى: تتطلب السلسلة الوحيدة واحداً وتسعين تحولاً عنصرياً محدداً؛ إن كل عنصر يتشكل في الوقت الذي تبقى فيه العناصر التي سبقته، وهي على ذلك تتعرض لإحدى وتسعين حالة من التعادل الطبيعي الكيماوي المختلف، الذي يتضن تدخل عامل مختلف أيضاً عن قانون الاندماج الأولي. ولكننا افترضنا أصلاً أن هذا القانون وحيد، وأنه مستقل عن الزمان وعن سائر العوامل الحرارية الديناميكية. فلدينا إذن سلسلة مكونة من واحد وتسعين تحولاً عنصرياً تتولد من العنصر الأول، وهذه السلسلة لم تحظ بتفسير طبقاً لقانون واحد.
وعلى هذا ففي كلتا الحالتين لا يجد جدول (ماندليف) تفسيراً كافياً في نظر المبدأ الذي نسلم به، وهذا يثبت ضعف المذهب المادي.
ثم يزيد هذا الضعف وضوحاً- في نظرنا- إذا نحن تتبعنا تطور المادة في
стр. 74
الحالة الثانية، فهي بعد أن أصبحت في حالة منظمة غير عضوية، ستصل إلى تحول عنصري حيوي، وستصبح كمية منها مادةً عضويةً حية هي (البروتوبلازم).
وعندما تتطور هذه المادة بدورها خلال سلسلة حيوانية معينة تصبح بناء على تحول عنصري جديد مادة مفكرة، هي الإنسان.
فعندنا معادلة (١) معينة هي: مؤثرات حرارية ديناميكية + عوامل كيمائية = مادة حية >> الإنسان
وهذه المعادلة صحيحة طوال العهد الجيولوجي المطابق للعوامل أو المؤثرات الحرارية الديناميكية التي تبدو في الجزء الأول من معادلتنا (مؤثرات حرارية ديناميكية + عوامل كيمائية)، فإذا نحن سلّمنا جدلاً بمدة هذا العهد، وكذلك بمدة الدورة الحيوانية التي تنتقل بالمادة الحية من حالة عدم التشكل (للبروتوبلازم) إلى الحالة المنتظمة الفكرة للإنسان، فإن هناك بالضرورة عدداً من الأجيال مطابقاً للنسبة بين هاتين الفترتين، وعليه فإن الجيل الأول يكون قد سبق بالنسبة لما أعقبه بمدة طويلة معادلة لطول العصر الجيولوجي الذي تصح فيه شروط المعادلة.
وفي نهاية ذلك السباق يكون الجيل الأول قد وعى حقيقة دنياه، والظواهر التي مرت عليه.
وينبغي خصوصاً أن يكون الجيل السابق قد سجل في ذاكرته ظاهرة الأجيال التي تليه، ولكن الجيل الإنساني الحالي لم يسجل في مفكرته حدثاً
стр. 75
كهذا، ولا نجد لديه إلا أثراً يتعلق بالجيل الآدمي الحاضر. فمن الضروري إذن أن نقر أن المعادلة البيولوجية المشار إليها لم تحدث سوى مرة واحدة، ومن أجل جيل وحيد فريد؛ وبعبارة أخرى: هنالك حتمية بيولوجية لا تستطيع العوامل المادية وحدها أن تبرهن عليها، وهذا يلفت انتباهنا إلى نقص في المذهب المادي، وهو نقص يثبت ضعف مبدئه الأساسي، وسيزيد هذا النقص في نظرنا إذا ما اعتبرنا أن المعادلة المذكورة لا تعطينا تفسيراً لظاهرة التوالد الحيواني. وهناك في الواقع مشكلة جديدة تخص وحدة النوع التي لا يمكن أن ترى في الفرد، وإنما في الزوج: الذكر والأنثى؛ ولذلك فإن النظرية المادية لا تقدم أي تسويغ لهذا الازدواج الذي يعد شرطاً لوظيفة التوالد الحيوانية.
فإذا كان هناك حدث (بيولوجي) عرضي فيما يخص الرجل، فإن المشكلة تظل تواجهنا على الرغم من ذلك فيما يتعلق بالمرأة، إلا إذا قررنا حدثا مزدوجاً في الأصل، نتج عنه الزوج المتوالد الضروري لتناسل النوع الإنساني، وإذا نحن قررنا على الرغم من كل شيء هذا الحدث المزدوج للمادة، يكون من الصعب أن نقرر أن نتيجته كانت متسقة تماماً مع هدف وظيفة التناسل الواحدة المشتركة بين الذكر والأنثى.
وعلى كل فإن حتمية المادة يمكن أن تصح إذا كانت تتحقق في صورة خنوثة زوجية لنوعين متماثلين مستقلين: نوع الرجل ونوع المرأة، وبهذا يوجد أيضاً بقية نقص تثير عدم التوافق في المبدأ.
ومن وجهة النظر الآلية: من الثابت أن المادة تخضع لمبدأ (القصور الذاتي) خضوعاً تاماً، فالمادة الحية على هذا تعد استثناء من القاعدة: فإن الحيوان مزود بميزة تعديل وضعه بنفسه، وهنا يظهر أيضاً ضعف المذهب المادي.
وهناك ظواهر أخرى لا تقل عن السابقة في إثارة الاهتمام بغرائب المذهب
стр. 76
المادي، ومن ذلك ظهور بقع في بشرة الزنوج، فهل يمكن أن يعزى هذا إلى تأقلم عضوي في بيئات يؤثر عامل الشمس فيها تأثيراً كبيراً؟ ومع ذلك ففي المستوى نفسه نجد البشرة البيضاء والصفراء أو النحاسية، فهل يمكن أن يعزى هذا إلى الغابة العذراء؟ وفي هذه الحالة يجب أن تتلون بشرة الإنسان في البرازيل مثلاً.
وأخيراً ففي علم الفلك نصادف أيضاً غرائب غامضة في نطاق المذهب المادي، فقد كشف تحليل ألوان الطيف عام ١٩٣٩م لعالم الطبيعة (هابل) اتجاه حركة النجوم السديمية الخارجية عن سمائنا بالنسبة لعالمنا، فإن هذه السديميات تبتعد عن كوكبنا، فيما عدا ستاً تقترب منه على عكس سالفاتها.
وهكذا تحتمل المادة في مجموعها- بالنسبة لنا- تفسيرين متعارضين، فإذا وضح أحدهما في ضوء قانون أساسي معين، فإن معنى الآخر يظل معلقاً، وكل هذا الشذوذ الذي يتنافى مع الحتمية المادية المحضة- أساساً- يحتم إعادة النظر في بناء المذهب كله، فإن المبدأ الأساسي نفسه يبدو عاجزاً عن تزويدنا بنظرية متسقة عن الخلق وعن تطور المادة.
** *
стр. 77
الْمَذْهَبُ الْغَيْبِيُّ
من الضروري هنا أن نفرض مبدأ متميزاً عن المادة، فالله خالق ومدبر للكون، وسبب أول ينبثق عنه كل موجود، وهذا هو مبدأ المذهب الجديد. وسيتولى هذا المبدأ بيان أصل المادة، وقد وجدناه غامضاً موغلاً في الإبهام في المذهب السابق: فهي مخلوقة بواسطة حتمية مستقلة عن جميع خواصها.
وهذه الحتمية الغيبية (الميتافيزيقية) تسعفنا حين تعجز القوانين الطبيعية عن إعطاء تفسير واضح للظواهر. وبذلك ينتج عنها مذهب كامل متسق متجانس لا نقص فيه ولا تعارض، مما لزم المذهب المادي.
وفي الوقت الذي يعبر فيه المذهب الغيبي عن المطالب الفلسفية للعقل، الذي يرمي إلى ربط الأشياء والظواهر ربطاً منطقياً في تأليف متسق، نجده ينصب علاوة على ذلك جسراً يتجاوز حدود المادة إلى مثال أعلى للكمال الروحي، إلى الهدف الأساسي الذي لم تكف الحضارة عن الاتجاه نحوه، فحلق المادة هنا ينتج من الأمر القاهر لإرادة عليا، تقول لكل شيء حسب كلمة سفر التكوين: (كن).
وتطور هذه المادة سيكون طبقاً لأوامر إرادة، توزع التوازن والاتساق اللذين قد يلاحظ علم البشر قوانينهما الثابتة.
ولكن بعض مراحل هذا التطور ستخفى على الملاحظات المألوفة لرجال العلم، دون أن ينطوي المذهب من أجل هذا على نقص ما، ففي هذه الحالات الاستثنائية نستعين بالحتمية الغيبية التي لا تعارض بينها وبين طبيعة المبدأ.
стр. 78
فحيثما يوجد نقص في المذهب السابق، يوجد تدخل سبب خاص خالق، عالم بخلقه، ومريد.
ولقد نجهل مؤقتاً القانون الذي يسيطر على ظاهرة ما زالت تخفى علينا طريقة حدوثها، ومع ذلك فإن المذهب يظل منسجماً منطقياً مع مبدئه الأساسي، لأن مثل هذه الظاهرة يمكن تسويغها في التحليل النهائي بناء على حتمية مطلقة، فإرادة الله هي التي تتدخل هنا، بينما كانت الصدفة هي التي تتدخل هناك، تلك الصدفة التي تُعَدّ الإله القادر على كل شيء في المذهب المادي.
ولا يغيبن عن نظرنا أن الأمر لا يتعلق هنا- كما سبقت الملاحظة- بالموازنة بين نوعين من العلم، بل بين عقيدتين: عقيدة تؤله المادة، وأخرى ترجع كل شيء إلى الله تعالى.
وليس من نافلة القول أن نقرر أن عالماً كبيراً يستطيع أن يكون مؤمناً كبيراً، على حين أن مسكيناً جاهلاً يمكنه أن يكون جاحداً كبيراً أيضاً؛ والأمر هكذا غالباً. وعندما نصادف حالة عجيبة لعالم يقول إن القرد جد للإنسان، فيجب أن نفكر أيضاً في ذلك الوثني المتواضع على شاطئ نيجيريا، الذي يعتقد تماماً أنه قد انحدر من جَدٍ تمساح، فليس لدى كل من هذين الرجلين، العالم والبدائي، سوى فكرة غيبية يعبر عنها كل منهما بطريقته.
إن عصور الاضطرابات الاجتماعية، والاختلال الروحي هي وحدها التي تخلق الصراع بين الدين والعلم.
ولكن كما تواردت أحداث التاريخ، في روسيا مثلاً إبان الحرب الأخيرة، وفي فرنسا عقب ثورة ١٧٨٩م، وجدنا أن آلهة العلم قد انهارت على نحو يدعو إلى الرثاء، لتفسح مجالاً للعلم وحده، ذلك الخادم المتواضع للتقدم الإنساني، ومع
стр. 79
ذلك فمنذ الاستكشافات الأخيرة لعلم الفلك فطن العلم إلى نطاقه المنتهي المحدود؛ وفيما وراء السديميات السحيقة في البعد، وراء ملايين السنين الضوئية، وربما ملياراتها، تمتد الهاوية التي لا قرار لها، إلى اللانهائية التي يستحيل الوصول إليها، أو حتى إدراكها بالنسبة للفكر العلمي، إذ لا يجد هذا التفكير موضوعه الخاص وهو: الكم والعلاقة والحالة.
فأي كم؟ وأية علاقة؟ وأية حالة؟
كل هذه الأسئلة لا معنى لها خارج حدود المادة، والعلم نفسه لا معنى له وراء السديميات الأخيرة التي تقف على الحدود بين عالم الظواهر، واللانهاية اللامادية.
وراء هذه الحدود يستطيع الفكر الدينى وحده أن يقول شيئاً واضحاً بيناً: (الله يعلم).
***
стр. 80
الحركة النبوية
стр. 81
الحركة النبويّة
إن الدراسة الموجزة، لا تؤدي إلى فهم الظاهرة الدينية المعقدة، لأن لها مظاهر متنوعة ومتعددة في مختلف البيئات الإنسانية، ولقد قامت نظريات غريبة عن طبيعة هذه الظاهرة وتاريخها. فالمؤلفون المعاصرون يحاولون شرحها في ضوء تفسير تاريخي مجرد، تبعاً لمنهج (ديكارت) الذي يرجع كل شيء إلى معيار أرضي.
كذلك قرر (شوريه) Shurré مؤلف كتاب (كبار الواصلين) Grands Initiés أن الفكرة الدينية ظلت سراً تحفظه صدور بعض أولئك الواصلين، يكشفه بعضهم لبعض، من جيل إلى جيل، بواسطة انكشاف باطني، تضل ذكراه مع ما يحتوي من سر ية في أعماق التاريخ.
هذه الفكرة البسيطة تزيد في تعقيد موضوع سبق أن قررنا أنه معقد، وهم يدَّعون مع ذلك أنهم إنما أرادوا توضيح أركانه بهذا الفرض الخاطئ المضحك؛ وهو الفرض الذي يزعم حدوث انكشاف دوري للسر الديني، بواسطة جمعية سرية غامضة يرأسها بعض (اللاأمات) في أحد جبال التبت البعيدة!! ...
ولم يعبأ (شوريه) في نظريته هذه بالتفسير التاريخي للسلسلة التي تربط مثلاً حدثين مختلفين تماماً، كالبوذية والإسلام، ولم يعبأ أيضاً بأن يعرض علينا في هذه الحالة القاسم المشترك الذي كان من المفروض أن يعكسه ضمير (بوذا) من ناحية، وضمير بدوي كمحمد ﷺ من ناحية أخرى.
стр. 82
وإنه ليبدو حقاً أن تعقيد الظاهرة الدينية قد أضل الأفكار الديكارتية، وأننا ما زلنا- بلا شك- مزعزعين أمام المشكلة التي تشتمل على ربط أحداث متباينة، كمذهب وحدة الوجود والشرك والوحدانية في نطاق واحد.
ولقد لاحظنا في الفصل السابق ضرورة وضع فرض هو التسليم بوجود (الله)، وسنبحث هنا واقعاً خاصاً هو (التوحيد) الذي قدم لنا برهانه الأسمى على ألسنة الأنبياء، وبذلك أصبح فيصلاً في مجموع الظاهرة الدينية.
والواقع أن تتابع ديانات التوحيد دليل يمكن فحصه دائماً من الناحية الاعتقادية فحصاً يقوم على أساس النقد، ويتمثل هذا التتابع في ظهور النبوة وجميع المظاهر الأدبية والروحية التي تصحبها.
ومنذ (إبراهيم) ﵇ تتابع أفراد مدفوعون بقوة لا تقاوم، جاؤوا يخاطبون الناس باسم (حقيقة مطلقة) يقولون إنهم يعرفونها معرفة شخصية، وخاصة، بوسيلة سرية هي الوحي.
ويقول هؤلاء الرجال إنهم مرسلون من (الله) ليبلغوا كلمته إلى البشر، هؤلاء الذين لا يستطيعون أن يسمعوها مباشرة.
وخصوصية هذا الوحي ومضونه، هما الأمارتان الميزتان المثبتتان لرسالة النبي. هذا إلى أنها هي السمة المميزة للنبوة، وهي الحقيقة الجوهرية في مذهب التوحيد وبرهانه الواقعي.
***
стр. 83
مبدأ النبوة
إن مبدأ النبوة يعرض نفسه بفضل شاهده الوحيد- النبي- بوصفه ظاهرة موضوعية مستقلة عن الذات الإنسانية التي تعبر عنه.
والمشكلة على وجه التحديد هي معرفة ما إذا كان الأمر يتعلق بأشياء ذاتية محضة، أو بظاهرة موضوعية كالمغناطيسية مثلاً؛ إن وجود المغناطيسية ينكشف لنا بواسطة الإبرة الممغنطة التي تجسم لنا كماً وكيفاً الحقائق النوعية؛ لكننا لا نستطيع ملاحظة ظاهرة النبوة إلا من خلال شهادة النبي، وفي محتويات رسالته المتواترة المنزلة، فالأمر يتعلق إذن بمشكلة نفسية من ناحية وتاريخية من ناحية أخرى، ولنا أن نلاحظ أولاً وقبل كل شيء أن بعث نبي ما ليس حدثاً فرداً، ليكون غريباً نادراً، بل هو على العكس من ذلك ظاهرة مستمرة تتكرر بانتظام بين قطبين من التاريخ، منذ إبراهيم إلى محمد ﷺ . واستمرار ظاهرة تتكرر (١) بالكيفية نفسها، يعدّ شاهداً علمياً يمكن استخدامه لتقرير مبدأ وجودها؛ بشرط التثبت من صحة هذا الوجود بالوقائع المتفقة مع العقل، ومع طبيعة المبدأ.
ومن المعلوم بناء على وجهة نظر (هيجل) - التي تعتمد على ملاحظة الظواهر- أننا إذا وجدنا حالة نبوية خاصة لا تفسر شيئاً ولا تثبته، فإن تكررها في ضل بعض الشروط يبرهن على الوجود العام للظاهرة بطريقة علمية، ويبقى علينا أن نبحث في ماهية هذا التكرار، لكي نستخلص من صفاته الخاصة القانون العام الذي يمكن أن يسيطر على الظاهرة في جملتها. فليس هناك من
стр. 84
سبب وجيه لكي نسلم مقدماً بالنبوة بالممعادلة الشخصية (١) للنبي، وهو يقرر أن الأمر يتعلق أو يمكن أن يتعلق بالأعصاب الثائرة، والخيال الشاطح، والفكر الذي أزاغته ظواهر ذاتية محض.
إن حياة الأنبياء وتاريخهم يمنعاننا من أن نعدهم مؤمنين مندفعين دون تعقل وبكل بساطة، إلى الخوارق والمعجزات، أو أن نحكم بأنهم معتوهون بأصل خلقتهم، اختلت عقولهم وبصائرهم بنقائص مزمنة؛ فهم يمثلون- على العكس- الإنسان في أسمى حالات كماله البدني والخلقي والعقلي، وشهاداتهم الإجماعية تحظى في نظرنا بالثقة التي تستحقها. وإذن فمن الواجب في المقام الأول أن نلجأ إلى هذه الشهادة لكي نثبت القيمة التاريخية للوقائع التي نخضعها لنقدنا، ثم يبقى علينا أن نحلل مجموع هذه الوقائع في ضوء العقل المتحرر من ربقة الشك المطلق الذي لا هدف له.
ولذا فسنحاول أن نبحث حالة النبي (أرمياء) الذي اخترناه من أجل الضمانات التاريخية، التي تخول كتابه وتاريخه الشخصي قيمة الحقيقة الموضوعية، والواقع أن البروفسور (مونتيه، Montet) قد توصل في دراسته للوثائق الدينية إلى تجريد الكتاب المقدس من كل صفات الصحة التاريخية، فيما عدا كتاب (أرمياء) (٢)، ومع ذلك فنحن نريد أن نتحاشى مساوئ النقد الحديث للكتاب المقدس، الذي يبدو لنا أنه قد أخطأ في فهم طبيعة الموضوع بهذا التعميم المفرط للشك الديكارتي، والذي يؤدي غالباً إلى تفسير متعسف للحقائق النفسية التي هي الأساس في هذا الموضوع.
стр. 85
ادعاء النبوة
إن التعميم الؤسف الذي وصفناه قد أدى إلى وضع (مبدأ النبوة) بين مجموعة ظواهر نفسية تدرس تحت اسم (الظواهر الباطنة) Phènomènes Pneumaiques، ويبدو لنا أن هذا التعميم منسوب إلى المصدر العبري خاصة، لأن النقد الحديث يستقي منه أسانيده عن الموضوع.
هذه الأسانيد هي في الواقع الخطوطات الإسرائيلية في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، وهي التي كانت مصدراً للمعلومات الرئيسية عن الحركة النبوية.
على حين أن هذه الحقبة من التاريخ الإسرائيلي لم تكن فترة ارتقاء روحي، بل هي الأخرى فترة تدهور خلقي وديني، ناتج عن الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، وهذا التدهور هو على وجه التحديد موضوع دعوة الأنبياء منذ (عاموس) Amos ومعاصريه (ميخا) Michée و (هوشع) Osée الذين لم يأتوا ليعلنوا وعد البشارة والغفران، بل ليبلغوا وعيد العقوبة والبلاء.
وتفسير ذلك من وجهة نظر التاريخ هو أنه حدث في ذلك العصر أمران هامان هما: هبوط درجة (رب العالمين) إلى مجرد إله قومي- من ناحية-، ودخول كثير من الشعائر والطقوس الآشورية الكلدانية في العبادة من ناحية أخرى، حتى أصبحت الشمس تتمتع بتقديس حار في بيت المقدس، فقد كان هناك (رجال يعبدون الشمس المشرقة، وفي أيديهم غصن، بالقرب من هيكل الرب نفسه) كما يقول مؤرخو تلك الفترة.
стр. 86
ولكن إذا كان المستوى الروحي قد انحط تبعاً لهذا التلفيق والتأميم لفكرة الإله الواحد، فإن النشاط الديني الذي التزمته طقوس العبد أو نمّته، كان يغذي في روح إسرئيل المتصوفة حمية واندفاعاً تمسك الإسرائيليون بمظاهرهما العامة على أنهما أجزاء مكلة للحركة الدينية.
فقد تكاثر الكهان والعرافون وأهل الكشف في بيت المقدس، وكانوا موضع احترام الشعب أو خوفه، لما خصهم به من المقدرة الخارقة. ولا كان من الضروري إطلاق اسم على هؤلاء الذين يحظون بهذا الاحترام، فقد أطلق عليهم جميعاً اسم (الأنبياء) نظراً لعدم وجود مصطلح اشتقاقي مناسب لهم (١).
ونحن نعرف في إفريقيا الشمالية مثالاً لتطور المفردة ذات المعنى الأصلي االخاص إلى مضمون عام، فإن لفظ (المرابط) كان يطلق في الأصل على عضو في إحدى جمعيات الأخوة الدينية العسكرية، الذي كان من مهمتهم السهر على حدود (دار الإسلام)، وما حدث لهذه اللفظة فيما بعد معروف (٢).
وعلى كل حال فإن الاستعمال الدارج لهذا اللفظ لم يقتصر على الاستعمال الشعبي، فقد كان له أيضاً حق التطرق إلى الأدب الديني في هذا العصر. وكان يطلق خاصة على الموظف الكهنوتي المكلف رسمياً بالتبشير في العهد.
стр. 87
وسيطلق لفظ (النبي) أيضاً على كاهن الإله (بعل)، كما يلاحظ ذلك في كتاب (يونان) أو يونس. وعندما جاء الأنبياء مثل (عاموس وأرمياء) ليقلبوا هذا المجتمع البدعي بصرخاتهم وتنبؤاتهم المروعة التي خلقت جواً مضطرباً، وأستحوذ على الجماهير لون من المحاكاة أو التقليد تبعاً للموقف الجديد، بدأ جميع (الأنبياء) في التنبؤ، كلٌّ من ناحيته، وبذلك نشأت حركة التنبؤات المزعومة، فوجدنا كلا الوجهين: رجل الدعوة الصادق ومدعي النبوة، يتطوران معاً في تاريخ هذه الحقبة التي منحت إقبالها أحياناً لنبي مدّعٍ هو (حنانيا)، بينما تصاممت عن الدعوة اليائسة المروعة للنبي (أرمياء).
وعلى كل، فإن هذا العصر قد خلط بين شخصيتين متميزتين، وغالباً متخاصتين، وتمثلان تيارين مختلفين للفكر متعارضين غالباً.
ولقد تجلى هذا الخلط في التعميمات المفرطة في الدراسات الحالية للظاهرة النبوية، وهي التعميمات التي تقحم الصفات الخاصة بالنبي في نموذج مطرد هو: (العراف). ومن خلال هذا النموذج يريد النقد الحديث أن يكشف حقيقة النبوة التي سبق أن اعتبرها ظاهرة ذاتية، وهو بذلك يعطل منذ البداية دراسة الظاهرة حين يؤكد (أن ما يراه العراف ويسمعه في حالات انجذابه وغيبوبته رهن بشخصيته، وربما يكون هذا ثمرة ناضجة في اللاشعور، من تأملاته ومن أحواله الدينية السابقة، ومن ميوله الداخلية المتعمقة في وجوده كله، التي تتجلى حينئذ أمام ضميره كأشياء تبدو له خارجة عنه).
هذا النص يهدف بوضوح إلى جعل النبوة من المجال الذاتي للنبي، دون أن يهتم بشهادة هذا الأخير الذي يؤكد بكل قوة أنه يرى ويسمع موضوعه خارج مجاله الشخصي.
***
стр. 88
النبي
لو أتيح لعلماء الطبيعة أن يحملوا قطعة من الحديد على الكلام عندما تكون متعرضة للتأثير المغناطيسي، لأسعدهم دون ريب أن يسألوها عن مجموعة من المعلومات الخاصة بحالتها الباطنة، بدلاً من أن تتحول معلوماتهم آخر الأمر- كما هو الواقع- إلى فروض لا يبرهن عليها الحساب بشكل قاطع.
ومع ذلك فإن النبي (ذات) يمكن أن تحدثنا عن حالتها الداخلية، ويمكن أن تبرهن عليها: أولاً لاقتناعه وتحققه الشخصي، وثانياً من أجل ما يسمى بالاقتصاد الخارجي، أو السياسة الخارجية لرسالته.
فإذا حدث أن جاءت نبوة فيجب أولاً أن تعد سبباً يثير الاضطراب في ذات إنسانية، ويدفعها دفعاً لا سبيل إلى مقاومته نحو رسالة ما، لا تتضح دوافعها وأهدافها بوصفها حقائق محددة لهذه الذات.
ولهذا فإن معرفة النبي الظاهرة أساس لأية دراسة نقدية للموضوع، فيونس وأرمياء ومحمد عليه الصلاأة والسلاأم أفراد أرادوا أولاً أن يتملصوا طواعية من دعوة النبوة فقاوموا، ولكن دعوتهم استولت عليهم أخيراً، فمقاومتهم تدل على التعارض بين اختيارهم والحتمية التي تطوق إرادتهم، وتتسلط على ذواتهم، وفي هذه الدلائل قرينة قوية للنظرية الموضوعية عن الحركة النبوية.
***
стр. 89
أرمياء
هذا هو أنصع مثال يمكن استخلاصه من الحركة النبوية الإسرائيلية ليعرض علينا الأفكار العامة عن النبوة، وعن نفسية النبي.
ولقد سبق أن اتخذنا الصحة التاريخية المقررة لكتاب هذا النبي أحد بواعث اختيارنا لحالته.
وهناك باعث آخر هو أننا نريد أن نعقد موازنة علمية بين النبوة وادعاء النبوة. ولقد سبق أن بيّنا مصير كلمة (النبي) في الآداب الدينية الإسرائيلية في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد. وإذن فإذا كان هناك مقياس يسمح بالتمييز بين نوعين من الفكرة الدينية في ذلك العصر متمثلين في أرمياء وحنانيا، فهو استمرار فكرة التوحيد خلال الحركة النبوية كلها، منذ (عاموس) إلى (أشعياء الثاني). ويتميز النبي الموحى إليه عن منافسه المحترف، بمقاومته العنيفة ضد الألوهية القومية، التي صارت لب العقيدة الشعبية، فجميع الاتجاهات الخلقية للنبي الموحى إليه قائمة على أساس الفكرة المتسلطة الملازمة: فكرة إله واحد عام، يريد النبي أن يثبت فرائضه الخاصة في شعائر قومه.
ولم تكن آيات الوعيد المرعب، وإنذارات السيطرة الخارجية والتهديد بهدم المعبد، إلا توابع لهذه الفكرة على الرغم من أنها كانت أكثر إثارة لاهتمام الشعب، كما هي اليوم أكثر إثارة لاهمام النقد الحديث بكل أسف.
وفي مقابل ذلك يقف مدعي النبوة موقف أحد الانتهازيين الذين يتبعون
стр. 90
التيار الشعبي، فهو بهذا لا أثر له أخلاقياً وليس ملهماً، بل إن موقفه تجاه عقائد عصره هو موقف المبالغة في التساهل تساهلاً يصل إلى درجة التملق والملاينة. ومع ذلك فإذا لم يكن هناك مجال للحديث بعد محمد ﷺ عن الحركة النبوية بمعنى الكلمة في التاريخ الديني للإنسانية، فقد استمرت حركة ادعاء النبوة في الظهور في جميع العصور وفي كل مكان تقريباً. فهناك كثير من المنقذين في الهند، وهناك الأب الرباني في أمريكا قبل سنوات الحرب، كما ظهر (الباب) في فارس، فمتى ميزنا بين هاتين الوظيفتين: النبوة وادعاء النبوة، بناء على صفاتهما التاريخية ومبادئهما الفلسفية، فبديهي أن نميز بين العاملين اللذين يؤديانهما، وهما النبي ومدعي النبوة؛ فمهمة الأول في سماتها الخالصة: أن لها مبدأ وثيق الصلة بالأفكار العامة للحركة النبوية، ولها زمن يتناسب مع عرض هذا المبدأ وتبليغه، وهذه حالة (عاموس) الذي عاد يرعى كباشه في (تكوا) (١) في هدوء بعد تبليغ دعوته وتحذيراته المروعة. على حين لا يبشر مدعي النبوة بمبدأ شخصي بالمعنى الصحيح، بل يكتفي إما بأن يطنب في شرح رسالة النبي، وإما بأن يبشر بنوع من المعارضة في مقابل رسالة النبي: فعندما حمل أرمياء النير الرمزي، وبالغ في إنذاره بالتشاؤم، جاء حنانيا المتنبئ ليحطم هذا النير ويبشر بالتفاؤل، حتى أثّر على النبي المتشائم نفسه مؤقتاً؛ هذه الموازنة الموجزة تبين تياري الفكرة الدينية، والرجلين اللذين يعبران عنها، وهكذا نرى الأسباب التي توجب عدم الخلط بينهما.
...
стр. 91
الظاهرة النفسية عند أرمياء
لقد قدم لنا (أرمياء) على الظاهرة النبوية شهادة من أقيم الشهادات وأصرحها، فقد أورد تفصيلاً وصفياً ذا أهية قصوى لسلوكه الخاص حيال الظاهرة، وأشركنا في تأملاته المرة أحياناً، تلك التأملات التي توحي بها إليه حالته، فقال: ((لقد صرت محور سخرية طيلة النهار، فالجميع يهزؤون بي، لأني كلما تكلمت وجدتني مضطراً لأن أصرخ، وأعلن الجبروت والخراب؛ لقد صارت كلمة الله بالنسبة لي مصدر عار واستهزاء مستمر، فإذا قلت: لم أعد أذكره، أو أتكلم باسمه، وجدت في قلي كالنار المضطرمة المستكنة في عظامي، فأحاول أن أطفئها، ولكني لا أستطيع)) (١).
وإذن فـ (أرمياء) يرسم بطريقة ما الخطوط الداخلية لذاته، ونحن نجد في وصفه هذا ثلاثة عناصر مترتبة متميزة:
أولها: الاحتراق العميق لمشاعره المضطربة، من جراء الاستهزاء الذي يلقاه.
وثانيها: إرادته أن يتخلص من دعوته، بامتناع ناتج عن تأمل وإعمال فكر.
وثالثها: عنصر ثابت يبدو أنه يطبع هذه الحالة النفسية كلها، ويطوق إرادة ذات النبي، وهو الذي يشير إليه ما يجده في قلبه (كالنار المضطرمة).
هذا العنصر الأخير هو الذي نعده العنصر الجوهري في الحالة الداخلية للنبي،
стр. 92
إذ هو يحدد بصفة نهائية سلوكه في المستقبل، وهذا السلوك يعد قطعاً جوهر حياة النبي. ولنا أن نعد هذا العنصر عاملاً دائماً مطلقاً عند النبي، فإن (أرمياء) كان يستطيع أن يعطينا سمات أخرى لذاته متمثلة في أحوال أخرى للضمير، ربما لا نصادف فيها عوامل (الحساسية) و (الميل إلى الامتناع)، وإنما نلقى (النار المضطرمة) نفسها مسهمة في عوامل نفسية جديدة، تحذف من السلوك الأساسي للنبي في النهاية.
ولنأخذ على ذلك مثلاً: حينما جاء (حنانيا) (ليحطم الطوق الخشبي الذي كان في عنق النبي) قائلا: (هاك ما قال الله، وسأحطم هكذا نير ملك بابل) .... لقد أجابه (أرمياء) في براءة وحسن طوية مدفوعأ بمحض اختياره: (آمين .... حقق الله ما تقول).
ثم لم يروه عدة أيام ينشر دعوته، ومع ذلك فإنه لم يلبث أن ظهر في الأماكن العامة وليس معه هذه المرة طوق خشب، بل طوق من حديد، إمارة على تصميمه القاطع النهائي على الاستمرار في دعوته العابسة.
وأياً ما كانت الأسباب النفسية التي حتمت هذا التوقف المؤقت لنشاط النبي، فإنه مما له دلالته الكبرى أنه عاد أخيراً إلى رسالته.
فالعنصر الدائم الذي وصفناه ينفي أخيراً ودائماً جميع العوامل النفسية عند النبي، ذلك العنصر الذي ينظم له نهائياً سلوكه في المستقبل. فهذا العامل له إذن بعض القهر بالنسبة لذات (أرمياء)، إذ هو ينتصر تماماً على مقاومته، فيذل حساسيته، وينفي ثقته الشخصية في تنبؤ (حنانيا)، وإن كانت تلك إلى أجل. وهذا العامل هو الذي قمع ألمه عندما وضعه كاهن المعبد في (الفلقة) بتهمة التحريف، قمع ألمه قمعاً محا لديه الغريزة الأولية للمحافظة على النفس، عندما كبدته تنبؤاته المشؤومة أن يلقى به ذات يوم في (الجب) حتى كاد يهلك.
стр. 93
إلى جانب هذا القهر الذي رأيناه في الإطار النفسي للنبي، والذي يقهره على قضائه بصورة لا تقاوم، يجب أن نضم قهراً من نوع آخر، ذلك الذي يتجلى في أحكام (أرمياء) على أحداث عصره. والحق أن النبي قد حكم على هذه الأحداث على نحو يختلف تماماً عن أحكام معاصريه، وطريقته الفذة في النظر إلى الأشياء صدقتها الأحداث بشكل عجيب.
هل يجب أن تعزى هذه (النظرة العميقة) إلى مواهب شخصية، أي إلى مقدرة هائلة على الاستنتاج، وذوق نقدي نادر لمجرى التاريخ؟!
إن النقد الحديث يفسر لغز النبوة بهذه الطريقة، حين يخص الأنبياء بهبة معينة، تخول لهم الحكم العميق على التاريخ، ولكن يبدو أن هذا الرأي العقلي (المنكر للوحي) قد فاته أن ما ينقص (أرمياء) - مثلاً- بصفة موضوعية هو الأساس العقلي لأحكامه على أحداث التاريخ. وأكثر من ذلك، فإن الأنبياء باعتبارهم مصادر لنبوءاتهم لم يرجعوا إلى منطق الأحداث، بل لقد تجاوزوا هذا المنطق. ولهذا يظهرون أحياناً في نظر معاصريهم بمظهر عدم الاتساق في التفكير، فإن هؤلاء المعاصرين يبرهنون بطريقة أكثر اتفاقاً مع العقل ويجعلون لنظراتهم أساساً مستمداً من أحداث التاريخ.
ولنأخذ مثلاً: حالة الإسرئيليين أثناء أسرهم ببابل. لقد كانوا يأملون العودة القريبة إلى وطنهم. وهم ينظرون- في دهشة وأمل- ارتقاء حاميهم (إميل مردوخ Emel Mardoukh) على العرش، فقد كان ارتقاؤه غير متوقع!! أي شيء يمكن أن يكون مطابقاً للعقل أكثر من أمل كهذا؟. وكان ملك بابل في ذلك الوقت قد انتهج فعلاً (سياسة يهودية جديدة) يإطلاق سراح (جيكونياس Jeconias) ملك (جودا Juda) الأسير الذي أصبح الجليس المبجل لمعتقه. فالأمل إذن كان المنطق بعينه!!.
стр. 94
لكن (أرمياء) قد ذهب منذ البداية إلى نقيض هذا الأمل الذي حقر من شأنه بمواعظه التشاؤمية، فقد حذر الأمة من نير أقسى. ولقد صدق التاريخ بطريقة عجيبة تشاؤم (أرمياء) الرهيب، فقد هلك (مردوخ) في الواقع مقتولاً.
ويمكن أن يقال: إن المفاجآت قد صدقت تشاؤم النبي، ولكن لا يمكن القول: إنه قد تنبأ بالصدفة. ومع ذلك فإن هذا التشاؤم لم يبدأ في الدعوة النبوية بـ (ـأ رمياء) المعاصر للأحداث، فمنذ (عاموس) وصوت الأنبياء يردد النذير فوق رأس الأمة اليهودية: (فليهدم بيت المقدس Delunda est jérusalem) حسب تعبير (لودز A.Lods) ، فلم يفعل (أرمياء) إلا أن شدد عليهم النذير، ورأى وقوعه فعلاً.
***
стр. 95
خصائص النبوة
وهكذا تسمح دراسة حالة (أرمياء) بوضع صفات تحدد بوجوه مختلفة، وبطريقة موضوعية مبدأ النبوة، فهناك:
أولاً: صفة القهر النفسي الذي يقصي جميع العوامل الأخرى للذات، بإلزام النبي في النهاية بسلوك معين ودائم.
وثانياً: حكم فذ على أحداث المستقبل، يمليه نوع من القهر الذي ليس له أي أساس منطقي.
وثالثاً: استمرار مظاهر السلوك النبوية، وتماثلها الظاهر والخفي عند جميع الأنبياء.
هذه الصفات المميزة، لا يمكن أن تلقى ببساطة تفسيراً نفسياً، قائماً على الحوادث التي تخضع لها ذات النبي، تلك الذات التي يبدو أنها لا تبرز هنا إلا في مجرد صورة مترجم مرهف الحس- متمنع أحياناً- لظاهرة مستمرة تلزمه بقانونها، كما ألزمت ذوات جميع الأنبياء، كما يثبت المجال المغناطيسي، اتجاه جميع الإبر الممغنطة.
فمن الصعب أن نفسر ظاهرة- هذا وصفها- تفسيراً ذاتياً شخصياً. فهناك لغز فسره النقد- المولع بإرجاع كل شيء إلى أفكار ديكارت مهما كلف الأمر- تفسيراً عجيباً هو: أن النبي شخص مزدوج، مزود بذاتين تسأل إحداهما الأخرى، وتتأثر بانكشافاتها!
стр. 96
ولكنهم لم يهتموا بتحديد موضع هذه الذات الثانية في الفرد، الذي يعده علم النفس التحليلي منقسماً إلى ميدانين: اللاشعور، والشعور. فهل الذات الثانية موضعها الشعور أو اللاشعور؟ أو كلا المجالين في وقت واحد ... ؟.
لم يقل أحد شيئاً كهذا. وهل هذا يستدعي منا فرضا آخر؟
فإذا كانت الذات الإنسانية الواحدة لا تقدم تفسيراً كافياً للظاهرة، فلن يتحقق هذا بمزاوجة هذا الكيان النفسي أو تضعيفه، لكي يقدّم للظاهرة تفسير أفضل.
وحينئذ يبدو أنه لم يعد هناك تفسير آخر ممكن إلا أن نضع الظاهرة خارج الذات، ومستقلة عنها استقلال المغناطيس عن الإبرة.
ومما يدعم هذا الرأي: شهادة الأنبياء على أنفسهم، تلك الشهادة الوحيدة، والمباشرة على الظاهرة، فقد وضعوها بالإجماع خارج كيانهم الشخصي.
فإذا صلح هذا الرأي لأن يكون فرضاً، فإن هذا الفرض لن يكون أقل صحة من افتراض النقد الحديث.
وهذا هو الفرض الذي نريد أن نجعله- أساساً- ختام هذا الفصل، محتفظين بالتوسع فيه خاصة في الفصول التالية.
***
стр. 97
أصول الإسلام
بحث المصادر
стр. 98
أصول الإسلام
بحث المصادر
في دراسة نقدية للإسلام، لا نستطيع أن نغفل أهمية فحص الوثائق المدونة أو التاريخية، التي يمكن أن تلقي ضوءاً على الظاهرة القرآنية. على أن هذه المشكلة التاريخية قد حلت بالنسبة للإسلام بصفة استثنائية: فهو الوحيد من بين جميع الأديان الذي ثبتت مصادره منذ البداية، وعلى الأقل فيما يختص بالقرآن. ولقد امتاز القرآن الكريم بميزة فريدة هي أنه تنقل منذ أربعة عشر قرناً، دون أن يتعرض لأدنى تحريف أو ريب، وليست هذه حال العهد القديم (التوراة)، الذي لم تعترف له بالصحة الدراسة النقدية للشراح المحدثين، فيما عدا واحداً من كتبه هو كتاب (أرمياء) (١).
وليس العهد الجديد (الإنجيل) بأسعد حالاً، فقد ألغى مجمع أساقفة (نيقية) كثيراً من أخباره، مما زرع الشك حول ما تبقى منه، وهو (الإنجيل).
وهذا الأخير بدوره لا يعد الآن من الصحاح: لأن النقد أثبت أنه قد (وضع) بعد المسيح بأكثر من قرن، أي بعد عصر الحواريين الذين تنسب إليهم التعاليم المسيحية.
وعلى هذا فإن شكوكاً كثيرة تحوم حول القضية التاريخية للوثائق اليهودية والمسيحية.
стр. 99
هذا التحديد الكامل للنص القرآني على عهد النبي نفسه، يعد ظاهرة جديرة بالملاحظة من وجهة علم الاجتماع وعلم النفس بخصوص الوسط العربي في العصر المحمدي. فتلك نقطة جوهرية تستحق البحث والوقوف أمامها، إذ ليست هنا مشكلة تدوين بالنسبة للقرآن، كما هو الأمر بالنسبة للكتاب المقدس؛ وهي أيضاً مؤيدة بحقائق التاريخ التي ينبغي أن نلفت إليها انتباه القارئ ليلاحظ هو أيضاً توافق واقع التاريخ مع هذه الآية القرآنية ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف ١٢/ ١٢]، ومع ذلك فإن لهذا (الحفظ) تاريخه: فكلما كان الوحي يتنزل، كانت آيات القرآن تثبت في ذاكرة الرسول وصحابته، وتسجل فوراً بأيدي أمناء الوحي، فقد كانوا يستخدمون من أجل ذلك كل ما يصلح للكتابة كعظام الكتف أو قطع الجلد ... الخ ..
حتى إذا قبض رسول الله ﷺ كان القرآن محفوظاً في الصدور، مدوناً في الصحف، فكان من الممكن كما دعت الحاجة موازنة الآيات بعضها ببعض، ولا سيما حين يعرض اختلاف من نوع صوتي أو لهجي.
وفضلاً عن ذلك فسنجد أن هذه الموازنة تحدث مرتين، والطريقة التي نفذت بها هي في ذاتها حدث فذ في تاريخ الصناعة العقلية الإنسانية، فللمرة الأولى تتجلى صفات الطريقة المنهجية في عمل عقلي، كما تتجلى الدقة التي هي الآن وقف على التفكير العلمي.
فقد اختار الخليفة أبو بكر الصديق ﵁ لجنة يرأسها زيد بن ثابت، الذي كان أميناً للوحي على عهد الرسول، كتبت القرآن منظماً لأول (١) مرة. ويبدو ان زيدا أحجم أولا عن القيام بهذه المهمة لأمرين:
стр. 100
أولهما: أنه لا يريد بوصفه صحابياً أن يقوم بمحاولة لم يقم بها النبي، أو يأمر بها.
وثانيهما: أنه بوصفه مؤمناً يتحاشى مثل هذا العمل، لأنه يخشى مقدماً أبسط الأخطاء المتوقعة في تنفيذ مهمته، وعلى الرغم من هذا فقد تمت هذه المهمة بفضل الجهود المتعاونة الواعية لأعضاء اللجنة. وكانت الطريقة التي اتبعت بسيطة، ولكنها مدققة، لأنهم كانوا يحفظون القرآن عن ظهر قلب، بالنظام نفسه الذي تعلموه في صحبتهم بإرشاد الرسول لهم، فإن حدث اختلاف رجعوا إلى القطع التي كتبت فيها الآيات عند نزولها؛ حتى يرفعوا الشك عن موضوعها. ولم يكتفوا بكل هذه الاحتياطات الملحوظة، فإن زيداً وعمر ﵄ قد ذهبا إلى باب مسجد المدينة، وهنالك أشهدا بقية الصحابة لتوثيق الرواية المكتوبة بواسطة اللجنة نفسها.
بيد أن هذه الجهود قد أجازت نص القرآن مع بعض الاختلاف في اللهجات الشائعة بين عرب الجاهلية.
لم يسترح عثمان- الخليفة الثالث- لهذا الاختلاف، وأمر بأن تكتب رواية موحدة فريدة بلغة قريش.
فاختيرت لجنة ثانية على رأسها زيد أيضاً، وكلفت أدء هذه المهمة الجديدة، وكان عليها هذه المرة أن تثبت النص القرآني نهائياً في لغة واحدة، حتى لا يتسبب تنوع اللهجات في إحداث الشقاق والتدابر في المجتمع الإسلامي، وأنهت اللجنة عملها عام ٣٥ هـ.
ومنذ ذلك العصر والقرآن يتنقل من جيل إلى جيل، بصورة وحيدة فريدة متعارف عليها، من مراكش إلى حدود منشوريا.
стр. 101
فهو على هذا، الكتاب الديني الوحيد الذي يتمتع بامتياز الصحة التي لا جدال فيها، لأنه لم يثر النقد أية مشكلة حوله، سواء أكان ذلك شكلاً أم موضوعاً.
والصدر الثاني المدون عن الإسلام ينحصر في أحاديث الرسول ﷺ ، ومن المؤسف أنه لم يتوافر لهذا الصدر ما توافر للأول من الصحة التاريخية، فإن الأحاديث لم تحفظ بالعناية المنهجية نفسها التي ظفر بها القرآن، فلقد منع الرسول في حياته الصحابة بقوة وصراحة من أن يكتبوا أقواله، حتى لا يحدث أدنى خلط ممكن بين ما ينطق به، والآيات المنزلة أي بين السنة والقرآن.
ولم تظهر أهمية الحديث إلا بعد وفاة النبي ﷺ ، وخاصة من الناحية الشرعية بوصفها مصدراً ثانياً للتشريع الإسلامي.
وظهرت هذه الفكرة في تاريخ التشريع الإسلامي عند سفر معاذ بن جبل، الصحابي الذي اختاره الرسول ليقضي بالإسلام بين أهل اليمن، بعد غزوة حنين، وعندما أراد الرسول أن يوصيه سأله: كيف تقضي فيما يعرض لك؟ فقال معاذ: " أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فيه، أخذت بسنة رسول الله، فإن لم أجد فيها أجتهد رأيي ولا آلو" (١).
ولقد أيد الرسول ﵊ طريقة معاذ في النظر، تلك التي تعرض ضمناً المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وتعرض أيضاً القياس مصدره الثالث.
ومع تكاثر الحاجات في المجتمع الإسلامي نما هذا التشريع، فاتجه الفقهاء إلى أن يثبتوا- ما وسعهم الجهد- الأحاديث التي يجب أن تصبح عنصراً جوهرياً في
стр. 102
الفقه القانوني، ومع ذلك فإن المسافة بين وفاة الرسول وعصر تدوين الحديث كانت ذات أهمية، إذ حدث خلالها خلط كثير، وشكوك مضاعفة بين الأحاديث الصحيحة وغيرها.
ومنذ ذلك الحين وضعت طريقة نقدية صالحة لتمييز ما هو صحيح عما ليس كذلك، فطبقت طريقة النقد التاريخي التي تشمل تحقيق اتصال الرواية، وقيمة الرجال الذين وصل عن طريقهم الحديث.
وقد أدى هذا الوضع بالمحدثين إلى أن يصنفوا الحديث ثلاث مجموعات تبعاً لدرجة التثبت التاريخي: الصحيح، والضعيف، والمكذوب.
فهذه هي مصادر الإسلام المدونة، في حالتها الراهنة: الآيات القرآنية الصالحة لأن تستخدم وثيقة تاريخية مطلقة الصحة؛ والحديث الذي يختلف في درجة الصحة، والذي لا يصح أن يستخدم- على كل حال- في أية دراسة نقدية إلا مع الاحتياطات المستخلصة من الطرق نفسها التي اتبعها العلماء المحدِّثون المنزهون عن الكذب أو الغش أو التدليس، كالبخاري ومسلم.
وبهذه الاحتياطات يصبح المصدران اللذان يستخدمهما الباحثون في الإسلام، صحيحين على سواء، وسيكون من النفج والادعاء أن نرفض منذ البداية باسم المنهج ما تقدمه لنا السنة من أسانيد.
***
стр. 103
الرسول
ربما لا يمكننا الاستغناء في دراسة الظاهرة القرآنية عن معرفة الذات المحمدية، معرفة صحيحة بقدر الإمكان، وهذه المعرفة ضرورية هنا ضرورة تحديد الأبعاد الثلاثة في دراسة الخصائص التحليلية لمنحنى هندسي.
فالظاهرة التي ندرسها مرتبطة في الواقع بذات محمد ﷺ ، ولكي نخرج بنتيجة عن طبيعة هذا الارتباط لابد أن نخطو خطوة أولى لنضع مقياساً أول مدعماً بكل العناصر الخاصة بتجلية (الذات)، التي هي موضوع القضية وشاهدها وقاضيها.
وبالتالب يجب أن نحوط أنفسنا فيما يتصل بهذا الشاهد القاضي بضمانات تكفل لنا الثقة الضرورية لشهادته ولحكمه. ولن يمنعنا هذا من أن نقوم من ناحية أخرى بخطوة ثانية، هي أن نضع مقياسا ثابتا يتيح لنا أن نحكم مباشرة بأنفسنا على الظاهرة.
ومن الطبيعي الآن أن توضع أسئلة فيما يتصل بموضوع هذا الشاهد، وهي الأسئلة التي توضع عادة من أجل الاستيثاق الخلقي والعقلي ممن يحتاج لأمر إلى تسجيل شهادته. فإن ذكاء عقله، وإخلاص قلبه يجب ألا يثيرا أو يحتملا أدنى شك، كيما يمكن استخدامهما كعنصر تاريخي جوهري في المشكلة.
وفي سبيل هذا ربما كان من الواجب أن نعرض التفاصيل كلها في حياة رسول الله، فكل تفصيل يقدم لنا حقيقة تهم هذا القياس.
стр. 104
ولكننا لا نرى من الضروري أن نعلق في متحف جد غني صورة جديدة للنبي، فإن لدى القارئ مندوحة ليطلع على المؤلفات العديدة في سيرته، إذا هو أراد أن يشبع رغبته في معرفة الصورة الباهرة لهذا الإنسان، سواء في تلك المؤلفات التقليدية كابن إسحاق وابن مسعود، أم في دراسات تراجم الرجال التي أخرجتها المطابع الحديثة لـ (دينيه Dinet) و (درمنجهام Dormengham) ... ! لخ.
أما نحن فلا نهتم إلا بتخطيط صورة نفسية لا تهمنا فيها التفاصيل التاريخية، إلا بقدر ما تعيننا على ما نريد تخطيطه. وهكذا تنقسم حياة النبي ﷺ في نظرنا إلى مرحلتين متتابعتين:
الأولى: عصر ما قبل البعثة وهو يمتد إلى أربعين سنة.
والثانية: العصر القرآني وهو يضم كل زمن الوحي، وهو عبارة عن ثلاثة وعشرين عاماً، ومع ذلك فكل من هاتين المرحلتين مطبوعة بحدث رئيسي يعد فاصلاً يقسمها إلى مرحلتين ثانويتين:
فزواج خديجة ﵂ يعد في الواقع فاصلاً خطيراً فيما يتعلق برحلة ما قبل البعثة، فنحن نجد نبي المستقبل ينزوي في خلوة روحية، حتى تلك الليلة الخالدة ... ليلة الوحي (١).
والهجرة هي الفجوة التي تفصل زمن تبليغ الدعوة فحسب، عن زمن الانتصارات الحربية والسياسية التي فتحت للإمبراطورية الإسلامية الفتية باب التاريخ.
стр. 105
وسنبحث الآن بإيجاز هاتين الحقيقتين المتتاليتين، موردين في كل منهما الأحداث التي تطبع شخصية النبي، والتي انطبعت بشخصيته، كيما نكشف بقدر الإمكان عن طبيعة الارتباط بين الذات المحمدية، والظاهرة القرآنية.
...
عصر ما قبل البعثة
طفولة النبي- مراهقته
إن هناك تقاليد طيبة مشتركة بين جميع الشعوب، تحوط مهود عظماء الرجال وقبورهم بالأساطهير؛ ولقد أحاطت الروايات الإسلامية الوسط العائلي للنبي وميلادَه وطفولته بالخوارق المنبئة بما ينتظره من مستقبل فريد رائع، ولكن ليس من الضروري أن نهتم بدرجة صحتها التاريخية لأنها لا تهم موضوعنا مباشرة، بل إننا سنصرف كثيراً من اهتمامنا إلى التفاصيل التي ستكشف شيئاً فشيئاً عن الصفات الخاصة بذلك (الطفل)، الذي ظل بالنسبة لمرضعته (حليمة) مصدر سرور وقلق معاً.
لقد شب الطفل عندها كأنه نبتة قوية من نبات الصحراء، ولكنه حين كان في دور الرضاعة كان يبكي كلما كشف من أجل النظافة (١)، فإذا أرادت مرضعته أن تهدئ من بكائه خرجت به في الليل أمام الخيمة، فيغرم الطفل بمنظر الفلك الداجي، الذي يبدو أنه كان يسلط جاذبية مؤثرة على مقلته، لا زالت تتلألأ فيها العبرة الأخيرة.
كببر الطفل الآن، وصار يلعب في نواحي الخيمة مع إخوته في الرضاعة.
стр. 106
ومع ذلك فإن عارضاً قد حدث بالتأكيد فغير مجرى حياته. فما هو هذا الذي حدث؟ لقد جاء أحد إخوته في الرضاعة ذات يوم مبهور الأنفاس، ليقص متلعثماً على حليمة المذعورة حادثاً غريباً فاجأ محمداً، فهبت حليمة من فورها تبحث عن رضيعها، فلما لقيته أكد لها ما حدث قائلاً: (جاءني رجلان يلبسان البياض فأمسكاني وفتحا صدري وقلبي وأخرجا منه علقة سوداء) (١).
وترى السيرة في هذه القصة اقتلاعاً رمزياً للإثم من جذوره، وربما أورد لها بعض المفسرين قوله تعالى:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الانشراح ٩٤/ ١ و٣ و٣].
ولكن من الثابت أن حليمة قد أعادت الطفل إلى مكة عندما كان في الرابعة أو الخامسة من عمره.
فماذا يمكن أن ينطبع في عقله من هذه الحقبة من الحياة الوثنية والبدوية؟.
لا شيء- بكل تأكيد- يمكن أن يكون قد علق بذاته فيما يتعلق بالدعوة المقبلة.
وبعد قليل ماتت أمه (آمنة)، ولم يعد للغلام منزل أبوة، فضمه جده (عبد المطلب) إليه.
стр. 107
ثم مات الجد العجوز، فكفله عمه (أبو طالب)، أبو (علي)، وكانت سنه آنذاك سبعاً أو ثمانياً.
وفي منزل الوصي حيث لا ثروة تغني أهل البيت عن العمل، كان عمه يعمل قائداً ورائداً للقوافل المكية، فكان يذهب في مواسم معينة إلى مراكز التجارة الشامية، لمقايضة منتجات الهند واليمن بمنتجات بلاد البحر الأبيض المتوسط، وفي أحد هذه الأسفار، حين بلغت سن النبي إحدى عشرة أو اثنتا عشرة سنة، توسل إلى عمه أن يصطحبه، ولكنه رفض لأنه لم يكن يريد أن يصطحب رفيقاً حدثاً مثله، في سفر طويل قاس.
ومع ذلك فقد ألح الغلام وذاب في دموعه، وألقى بنفسه بين ذراعي عمه الذي استجاب أخيراً لطلبه المؤثر.
تلك إذن هي المرة الأولى التي اتصل فيها النبي ﷺ بالعالم الخارجي، أي إنه عاش حتى الثانية عشرة، في بيئة عربية وثنية، يرعى إبل عمه في ضواحي مكة؛ ومعنى ذلك أن حياته لم تنطبع بأي ظرف خاص من نوع ثقافي، بل لقد عاش تلك الفترة يتيماً راعياً. هذا السفر غير المتوقع سيضع في طريق الغلام الحادث العارض الأول الذي يتصل مباشرة بالدعوة المستقبلة.
فعندما بلغت القوافل مدينة (بصرى) بالشام، استقبلهم راهب الدير استقبالاً حاراً، وقدم لهم الضيافة المسيحية ثم انتحى ذلك الراهب المسمى (بحيرا) بأبي طالب جانباً وقال له: ((ارجع إلى مكة بابن أخيك، واحذر عليه اليهود فإنه كائن له شأن عظيم)) (١).
فهل أولى أبو طالب هذه الحادثة العادية في السفر ما تستحق من الاهتمام،
стр. 108
ليشترك مع ابن أخيه في رسالته المقبلة، وهو الذي مات دون أن يعترف مطلقاً بالإسلام؟ ...
وعلى كل، فإن رئيس القافلة المكية كان يجب عليه أولاً أن يكمل مهمته التجارية، قبل أن يأخذ طريق العودة.
أما فيما يخص الغلام- حتى على فرض أن القصة طرقت سمعه، فإن الحادث- فيما يبدو- لم يغير شيئاً من سلوكه كسائر شباب قريش.
والسيرة اليقظة لوقائع حياته لم تذكر شيئاً خاصاً- منذ هذا الحادث التاريخي- يدل على أن نبي المستقبل قد تجلى له مستقبله.
لقد بلغ (محمد) مرحلة المراهقة في مدينة مولده، فقد كان يختلط بالفتيان، ماراً بشهواتهم وأهوائهم دون أن ينزلق فيها، مع أن أحيان الفساد لم تكن قليلة هناك، فقد كانت المصابيح الحمراء المعلقة على أبواب الجواري المنحرفات يجتذبن شباب مكة، المولعين بحمل السلاح، وعشق النساء، ومطارحة الأشعار، وهم يحملون بشجاعة عنترة وغرام امرئ القيس، وكل منهم يمني نفسه بتخليد اسمه، ويود لو يعلق ذات يوم معلقته (على أستار الكعبة)، والرسول ﷺ نفسه قد حدثنا عما كان يراوده من نزعات الشباب، فقد ورد في الخبر: أنه كان يرعى غنماً لأهله مع فتى من قريش بأعلى مكة، فاستأذنه في أن يبصر له غنمه حتى يسمر بمكة كما يسمر الفتيان، فخرج فما جاء أدنى دار من دور مكة سمع غناء وصوت دفوف ومزامير في عرس بالمدينة، فلها بذلك حتى غلبته عيناه فنام، ثم عراه مرة أخرى مثل ذلك. ومن هذا يظهر أن حادثاً عارضاً غير متوقع يحدث دائماً ليحوله عن قصده، وليست الخرافة هي التي تتكلم في هذا الشأن، ولكنه الشاهد نفسه، أعني التاريخ القائم على الأحاديث الصحيحة، ولدينا في هذه النقطة مرجع مهم: فإن نبي المستقبل كان ولا شك يلقى في غمار
стр. 109
هذا الشباب كثيرين من أصحابه الذين أصبحوا فيما بعد- مثل عمر- أبطالاً وشهداء في سبيل دعوته.
وفي هذا المرجع التاريخي شهادة ضمنية من ألمع الأسماء في التاريخ الإسلامي، مثل خالد بن الوليد وعثمان بن عفان وغيرهما.
أولئك الذين أصدروا على نبي المستقبل حكماً موجزاً، ولكن كم هو بليغ حين أسموه (الأمين). لقد كان في أعينهم في ذلك العصر الصادق الأمين، وهذه الشهادة التاريخية تعطينا تفصيلاً ثميناً للصورة النفسية التي نحاول رسمها، ومع ذلك فإن حياته العادية البسيطة تستمر دون شيء خاص في قطار أيامه؛ حتى سن الخامسة والعشرين. فلم يزل (محمد) عزباً، لأنه لم يستطع الزواج، إذ لكي يطلب يد إحدى شريفات مكة ربما وجب عليه أن يدفع صداقاً كبيراً لا تسمح له به ثروته المتواضعة.
الزواج والعزلة
ومع ذلك ففي سن الخامسة والعشرين، جاءه غلام يسمى (ميسرة) ليفاتحه في أمر الزواج؛ ودار الحديث حول أرملة غنية شريفة من نساء مكة، تسمى (خديجة). ولقد رفض النبي مقدراً حالته المتواضعة بالنسبة لوضع الزوجة المقترحة، ولكن الغلام الذي عرف كيف يبدد وساوسه، وتدخلت خديجة بنفسها لتأييده.
ونحن ندين لهذا التدخل ذاته بتفصيل قيم بالنسبة لتاريخ (الظاهرة القرآنية)، فقد كانت توجد في مكة إبان تلك الحقبة حالة نفسية خاصة، كما يوجد دائماً في كل مكان قبيل الأحداث الهامة كالحرب مثلاً.
كان أهل مكة ينتظرون النبي الموعود في سلالة إسماعيل، وكانت خديجة
стр. 110
تغذي سر طموحها إلى أن تتزوج النبي المنتظر، وتراه في (محمد)، الذي صارحته تماماً بمشاعرها نحوه، ولكن (محمداً) لم يكن أقل صراحة حين دافع عن نفسه أن يكون ذلك النبي المنتظر.
في هذه الظروف النفسية تم الزواج، وقد ترك لنا ضمناً- من حيث المبدأ- شهادة هامة عن الذات المحمدية التي تتجلى لنا في ضوء هذه المناقشة الأولى عن مجيء النبي الموعود.
ونحن نجد فيه شهادة أخرى ليست بأقل أهمية، فقد ترك لنا وثيقة قيمة في سيرة النبي، وردت في الخطبة التي قالها أبو طالب عم النبي في خطبة ابن أخيه حسب عادة قريش، قال:
((أما بعد: فإن محمداً ممن لا يوازَن به فتى من قريش إلا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلا، وإن كان في المال قُلاً، فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك (١))).
هذه السطور تصلنا جيداً بصورة الأمين؛ وتتفق من كل وجه مع الصورة التاريخية لبطل أعظم ملحمة في التاريخ الديني.
ولكن ها هي ذي حياته العادية تتغير فجأة، فإن (محمداً) سينسحب من مجتمع مكة، وينعزل عن بيئته ويجمع نفسه متأملاً، وهي عزلة ستكون لها نتيجتها في غار حراء (٢).