← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 291

جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية

ابن تيمية

Полный текст (194 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يُلتَفت إلى غيِره من قياسٍ أو عملٍ. وكان هو وغيره من الأئمة يجعلون من أكابر أهل البدع من يردُّ الأخبار الصحاح في الأمور الخبرية أو العملية في أصول أو فروع. ولهذا كان الشافعي يقول دائمًا: إذا صحَّ الحديثُ فاضربوا بقولي الحائط (١). وكان يُقدِّم الخبر الصحيح على كلِّ ما يُدَّعَى من هذه المعارضات. وهذا القدر إنما استقام لأئمة الحديث لأنهم أعرفُ به وبصحيحه، فعندهم من اليقين بصحتِه ما ليس عند غيرهم ممن لم يَعلَم منه ما علموه، وقد علموا من ضعف المعارض ما لم يعلمه غيرهم. ولهذا تجد غيرَهم يذكر أحاديث مستفيضةً متلقاةً بالقبول وأحاديثَ ضعيفةً أو موضوعةً، والجميع عنده من جنس واحدٍ، وهو خبر واحد، فيقبل هذا الجنس الذي فيه الحقُّ والباطل مطلقًا إذا وافق بعض أصولِه، ويخالفه إذا خالفَ بعض أصولِه، وهؤلاء لا يُدْعَون من أهلِ الحديث، بل هذا (٢) من فعل أهل الأهواء والبدع، كما قال وكيع بن الجراح: مَن طلبَ الحديثَ كما جاءَ فهو صاحبُ سنةٍ، ومن طلبه ليُقوِّيَ به رأيَه فهو صاحبُ بدعةٍ (٣). ويُروى عن وكيع وعبد الرحمن بن مهدي أو أحدهما قال: أهلُ العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهلُ الأهواء لا يكتبون إلّا ما لهم (٤). وهذا حقٌّ، فإن الذي يقبل من الحديث ما وافقَ رأيه وهواه بمنزلة

стр. 107

الذين ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور/ ٤٧ - ٥٢]، وبمنزلة ﴿الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ الآية [المائدة/ ٤١ - ٤٢]. ولهذا كان طائفة من أهل الحديث لا يُحدِّثون بحديث النبي ﷺ لأهل الأهواء، لأنهم لا يقبلونه على وجهه، بل يقبلون منه ما وافق آراءهم وأهواءهم، لموافقته لآرائهم وأهوائهم لا لكونه في نفسه من كلام النبي ﷺ ، فيصيرون بمنزلة أهل الكتاب والمنافقين الذين يقولون: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾. وهؤلاء قد خيَّر الشارع ﵇ بين الحكم بينهم وتركه، وقد يكون الترك أصلح، كما قد يكون الحكم أصلح. وهذا حال جميع أهل الأهواء في الحديث، وهو حال كثير منهم في القرآن في المواضع التي يزعمون أنها لا تُقبل إلا بعقلهم، مثل مسائل

стр. 108

التوحيد والصفات والقدر ونحو ذلك مما يقع فيه خلائقُ من المتكلمة والمتصوفة، لا يرون أن يحتجوا بالقرآن للاعتماد بل للاعتضاد، ولهذا يقبلون الآيات الموافقة لظنونهم وأهوائهم التي يسمونها معقولات، ويجعلون الآيات المخالفة لهم من المتشابهات التي لا يجوز اتباعُها، ولهذا كان السلف يسمونهم أهلَ الأهواء. وهو موجود أيضًا في غالب الخلق من العلماء والأمراء ومن دخل فيهم من المشايخ والملوك ونحوهم في كثير من أمور الدين القولية والعملية، وإن كانت مما يَسُوغ فيه الاجتهادُ. فإن من اعتقد قولًا أو عملًا وصار لا يُحِبُّ من نصوص الكتاب والسنة وأدلة الحق إلّا ما وافق هواه في ذلك القول والعمل، ويُبغِض الحقَّ الذي يخالفه، فهو صاحبُ هوى. وكذلك لو علم أن قوله وعمله أصحُّ، ولم يُعطِ منازِعَه ما يَستحقُّ من الحق، بل زادَ في ذمِّه على ما شرعَه الله ورسوله، كان صاحبَ هوى. وهذا هو أصل التفرق بن أهل الأرض قديمًا وحديثًا، فإن اتباع الهوى بعد ظهور الحق بَغْيٌ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة/ ٤ - ٥]. وهذه آية عظيمة في سورة عظيمة أمر الله رسوله أن يخص أبيًّا بتبليغها له وقراءتها عليه، ليستمعها ويتلقَّنها [و] هو مختص من النبي ﷺ ، وقال: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك هذه السورة"، قال: أَوَ سُمِّيتُ؟ قال: نعم، فبكى أبيٌّ (١). فأخبر بتفرقهم وبما أُمِروا به بعد قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة/ ١ - ٣].

стр. 109

وينبغي أن يتدبر المؤمن قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، فإن الله أخبر أنه لم يأمر إلّا بهذا، وأن هذا هو دين القيمة، وهكذا في جميع الرسل، حتى إن خاتم الرسل أخبر أنه أُمِرَ بقتال الناس على هذا، فقال في الحديث المتفق عليه في الصحيحين (١): "أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"، وفي رواية: "حتى يعبدوا الله وحدَه". هذا تحقيق قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة/ ١٩٣]. ولهذا قال سبحانه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف/ ٤٥]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء/ ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/ ٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات/ ٥٦]. فأخبر سبحانه أنه خلق الخلق لعبادته، وأرسل جميع الرسل تأمرُ بعبادته وحده، وبذلك وُصِفَ المؤمنون الذين ظُلِمُوا، كقول مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر/ ٢٨]، وقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج/ ٤٠]. وأمرَ خاتم الرسل مع دعوتِه جميعَ الناس إلى ذلك أن يُقاتلَ جميعَ الناس على ذلك، وأباحَ له ممن امتنع عن عبادة الله وحده أن يَسترِقَّه ويَستعبدَه ويَستَفيءَ ماله، فإن الله إنما خلقه لعبادته، وجعل المال عونًا

стр. 110

على عبادته وطاعته، فإذا امتنع من عبادة ربه أباحَ أن يَفِيءَ المال إلى عباده المؤمنين الذين يعبدونه وحدَه، فإنهم (١) المستحقون لذلك في دينه الذي هو عبادته وحده، وأن يسترقُّوا تلك الأنفس، فإنَّ خدمتها لمن يعبد الله خيرٌ من معاندتها لهم. فسبب الرقِّ الكفرُ (٢)، وهو من العقوبات، والعقوبات لا تسقُطُ بمجرد التوبة بعد القدرة. ولهذا كان المحارب إذا أسلم قبل القدرة عليه (٣) عُصِمَ دَمُه وما هو في سلطانه من ولدِه الصغار وماله، [و] كان حرًّا، كما قال النبي ﷺ للأسير العقيلي لما قال: إني مسلم: "أما إنك لو قُلتها وأنت تملكُ أمرك أفلحتَ كلَّ الفلاح" (٤). وإذا أسلم بعد القدرة عليه عُصِمَ دمُه فقط، لأن الإسلام هو المطلوب بالقتال، ولهذا من كانت ردَّتُه مجردةً فأسلم بعد القدرة عليه عُصِمَ أيضًا دمُه، لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله من عقوبة الكفر. ولهذا لما كان الله تعالى إنما خلق [الخلقَ] لعبادته وحدَهُ لا شريك له، وبذلك بَعَث رُسُلَه وأنزل كُتُبَه، كان الخروج عن ذلك بالكلية - وهو الشرك - غيرَ مغفورٍ، كما قد بُيِّن في غير هذا الموضع، و [من] كان معه مثقال ذرَّةٍ من إيمان يخرجُ من النار. والعبادة أصلُها عبادة القلب، وهي غاية الذلِّ بغاية الحبِّ، وذلك إنما يكون بشعورٍ في القلب وعلمٍ وإحساس وبإرادةٍ وقصدٍ واختيار،

стр. 111

فالمستكبر عن عبادة الله تعالى ليس بمسلم، والمشرك الذي يعبده ويعبد غيرَه ليس بمسلم، والإسلام يُضادُّ الاستكبارَ والإشراك جميعًا. ومن المعلوم أن كلَّ من أعرض عن عبادة الله وحدَه فلا بُدَّ أن يهوَى قلبُه ويُحِبَّ شيئًا آخر، فإن العبد كما قال النبي ﷺ : "أصدقُ الأسماءِ الحارثُ وهمَّام" (١) هو همَّامٌ، لا بدَّ له من نيَّةٍ، والهمَّةُ أولُ النية، فالهمَّةُ من "هَمَّ" مثل النية من "نَوَى"، وهي الفِعلة يُراد بها نوعٌ من الإرادة، ويُراد بها نفسُ الشيء المراد، إذ المصدرُ يُطلق على المفعول، فنفسُ المَنْوِيّ المقصود يقال له: نَوًى وقَصْد، كما يقال: هذه النَّوَى، للجهة التي يقصدُها المسافر. وكلُّ من لم يعبد الله وحده فإنما يعبدُ هواه أي ما يهواه، فإنه إذا كان همَّامًا مريدًا ولم يُرِد الله فلا بدَّ أن يريد غيره، وذلك هو هواهُ، والهوى يقال له المَهْوِيُّ المحبوب، كما يقال النوى والنية [و] القصدُ للمَنْوِيِّ المقصود، كما تقدم. فلما كان كلُّ من لم يعبد الله فإنما يعبد هواه وما يهواه ويُحبُّه بنفسه قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان/ ٤٣ - ٤٤]، وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية/ ٢٣]. فأخبر أنه جعل إلهه الذي يعبده هو ما يهواه ويُحبُّه. ولهذا قال الفقهاء في صفة المشركين: يعبدون ما يستحسنون. وقد أشرنا إلى هذا المعنى في قولِ إبراهيم: ﴿لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام/ ٧٦].

стр. 112

ومن المعلوم أن الحيّ متى اتبعَ ما يهواه بلا علمٍ كان ضالًّا بمنزلة الذي يتحرَّك ويسيرُ لا يدري إلى أين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام/ ١١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص/ ٥٠]. فمن يُرِد الله بعلمه وقولِه فهو صاحبُ هُدًى، ومن أراده ولم يسلك الطريق التي شرعها فهو صاحب هوًى، ولهذا كانت سِيْما أهل البدع أنهم أهلُ الأهواء. ولهذا كان الواجب أن يكون العملُ لله وأن يكون على السنة، وهذا مقصود الشهادتين: شهادةِ أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله، فإن عبادة الله وحدَه لا شريك له هو إخلاصُ الدينِ له، واتباعُ رسوله فيما بلَّغه عنه من الشريعة هو العمل بالسنة، وذلك هو العمل الصالح. ولهذا كان عمر بن الخطاب يدعو فيقول: اللهمَّ اجعلْ عملي كُلَّه صالحًا ولا تجعلْ لأحدٍ فيه شيئًا (١). وهذا تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف/ ١١٠]. وقال الفضيل بن عياض في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود/ ٧]، قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصُه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبَلْ، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (٢). معنى أن يكون مما شرعَه الله، وهو

стр. 113

ما أمر به أمرَ إيجابٍ أو استحبابٍ، فإن أراد غيرَ الله لم يكن عابدًا لله، سواءٌ عبدَهما جميعًا أو عبدَ ما دونه فقط، كما ثبت في الصحيح (١) أن الله تعالى يقول: "أنا أغنى الشركاء، فمن عمل عملًا فأشْرَك فيه غيري فأنا منه بريءٌ، وهو كلُّه للذي أشرك". ومن عبدَه بما ليس من الواجب والمستحب الذي يُحبُّه لم يكن عملُه حسنًا ولا صالحًا ولا خيرًا، فإن كلَّ حسنٍ وكلَّ صالحٍ وكلَّ خيرٍ فالله يُحِبُّه ويأمرُ به ويشرعُه، وهو من شِرعتِه وسنتِه وسبيله ومنهاجِه، فما لم يكن من المشروع لم يكن من المحبوب ولا من الحسن، وإن كان قد يكون من المشروع ما يعتقد قومٌ أنه ليس منه، كما قد يكون في غيرِ المحبوب ما يعتقد قومٌ أنه منه. وإذا كان كذلك فما جعله الله سبحانَه في الإنسان من المحبة والبغضة لما يستعين به على المحبة المقصودة لنفسها، وهي عبادة الله وحده، مثل محبة الأكل والشرب والنكاح وبُغض المُؤذِيات = إن فعلَه بنية الاستعانة على ما خُلِقَ له كان داخلًا في عبادته، وكان له عليه الأجر، كما قال ﷺ لسعد بن أبي وقاص: "إنك لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلّا ازْددتَ بها درجةً ورفعةً، حتى اللقمة تَضعُها في فيّ امرأتك" (٢). وقال: "نفقةُ المسلم على أهله يَحتسِبُها صدقةٌ" (٣). بل نفقة المرء على نفسه وعيالِه أفضلُ من نفقتِه على من لا تلزمُه نفقتُه، لأن ذلك واجبٌ، وما تقرب العبادُ إلى الله بمثلِ أداءِ ما

стр. 114

افترض عليهم. ولهذا قال ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع من يَقُوتُ" (١). وقال: "خيرُ الصدقةِ ما كان عن ظهرِ غِنًى، وابدأْ بمن تَعُول" (٢). وقال أيضًا: "يا ابنَ آدمَ، إنك إن تُنفِقِ الفضلَ خيرٌ لك، وإن تُمسِكِ الفضلَ شرٌّ لك، ولا تُلامُ على كَفافٍ" (٣). و "اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى، وابدأْ بمن تَعُول" (٤). وكلُّ هذه الأحاديث في الصحاح. وقال: "دينارٌ أنفقتَه في سبيل الله، ودينارٌ أعطيتَه لمسكينٍ، ودينارٌ أنفقتَه على أهلِك، أعظمها أجرًا الذي أنفقتَه على أهلك" (٥). وهذا حديث ثابتٌ أيضًا. ولكن أكثر الناس يفعلون ذلك طبعًا وعادةً لا يبتغون به وجهَ الله تعالى، كما يفعلون في قضاء الديون من أثمان المبيعاتِ والقروضِ وغيرِ ذلك من المعاوضات والحقوق، وهذه كلها واجبات، فمن فعلها ابتغاءَ وجهِ الله كان له عليها من الأجر أعظمُ من أجرِ المتصدِّق نافلةً. لكن يتصدَّقُ أحدُهم بالشيء اليسير على المسكينِ وابنِ السبيل ونحوِ ذلك لوجهِ الله تعالى، فيجدُ طعمَ الإيمانِ والعبادةِ لله، ويُعطِي في هذه ألوفًا فلا يجِدُ في ذلك طعمَ الإيمانِ والعبادة، لأنه لم يُنفِقه ابتغاءَ وجهِ الله. فمن هذا الوجه صار في عُرْفِهم أن هذه النفقات التي لا بُدَّ منها ليستْ عبادةً، وقد لا يَستشعرون إيجابَ الشارع لها، وإنما يَستشعر

стр. 115

أحدُهم ما في تركِه من المضرة العاجلة، إما في نفسه وإما من جهة الخلق، فإنهم لا يتركون حقوقَهم، فهو يَفعلُها لرغبتهم ورَهْبتهم وللعادةِ التي هو عليها، وقد يفعلها محبةً للحقّ ورغبةً فيه من غيرِ أن يرجوَ أحدًا ولا يخافه، ومن غير أن يفعلها تعبُّدًا. وهذا حسنٌ لا بأس به، فإن مَن فعلَ الحسناتِ لأنها حسناتٌ نفعه ذلك، كما ينفعُ الحيوان أكلُه وشربُه، لكن لا يكون عبادةً لله. بخلاف من لا يفعله إلّا خوفًا من الخلق، فإن هذا مذموم. ولهذا لما قيل للنبي ﷺ : الرجلُ يقاتِلُ شجاعةً ويُقاتِلُ حَمِيّةً ويُقاتِل ليُرِي مكانَه، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العُليا فهو في سبيل الله" (١). وهذا يكون في القتال باليد واللسان وإنفاقِ المال، وذلك كلُّه يكون جهادًا، لكن ما ليس في سبيل الله: منه ما لا يُعاقَب عليه المرءُ، ومنه ما يُعاقَبُ عليه. والمقصود هنا أن هذه الأمور العادية المباحة تُفعَل لمحبة وهوًى وإرادةٍ، فإن كان ذلك يُستعان بها على عبادةِ الله كانت طاعةً وعبادةً، وإن كان ذلك لمجرد العادةِ والطبع على الوجهِ الحقِّ لم يكن ذلك معصيةً ولا إثمًا، وإن لم يَقصِدْ بها صاحبُها العبادةَ لله. فقولنا: "كل من لم يعبد الله ويُرِدْه (٢) بعمله فلا بدَّ أن يعبد غيرَه ويعبدَ هواه"، ليس هو في هذه الأمور التي تُراد لمصلحة الجسد، وهي مشتركة بين المؤمن والكافر، وكلاهما يستعين بها على دينه، وقد يقال لها الأمور الدنيوية ومصالح الدنيا، وهي

стр. 116

الدماء والأموال والأعراض التي خصَّها (١) النبي ﷺ يومَ الحج الأكبر وقال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا"، وقال: "لِيُبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ". وهذا الحديث من أشهر الأحاديث التي في الصحاح من حديث أبي بكرة وابن عباس وابن عمر (٢). ويتبع ذلك الأبضاع ومنافع الأموال والأبشار، فإن هذه لا تخرج عن النفوس والأموال. وإنما هو فيما يكون مرادَ القلب ومقصوده الذي ينتهي إليه قصدُه وإرادتُه، إذ هذه الأمور تُراد لغيرها، وهي تابعةٌ لمريدِها وخادمةٌ له، فذلك هو الدين، وقد أمر الله تعالى أن يكون الدين كله لله، وأمرَ بقتال الخلق حتى يكون الدين كلُّه لله، وهو نوعان: أقوالٌ من جنس الاعتقادات العلمية، وأفعالٌ تتضمن الإرادات العملية (٣)، فهذانِ الصنفانِ يجب أن يكونا لله وحده، وأن يكونا مأخوذين عن رسولِ الله. فإن الدين هو شهادة أن لا إله إلّا الله وشهادة أن محمدًا رسولُ الله، فمن قَصَدَ بالاعتقادات الدينية والأعمال الدينية غيرَ الله فهو مشرك في ذلك. والشركُ في هذه الأمة أخفَى من دبيب النمل، والناس كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف/ ١٠٦]، وإن كان شِركٌ دونَ شركٍ وكفرٌ دون كفرٍ، لكن نعلم من كان هكذا أنه ليس

стр. 117

دينُه كلُّه لله، بل بعضُه لغيرِ الله وإن زعَم (١) أن يكون دينه كلُّه لله، وأنّ ما لم يكن من دينِه لله فهو فيه متبعٌ هواه. ولهذا كان أمر التوحيد وإخلاص الدين لله هو مقصود القرآن ، وهو الذي يعظم أمره ويكثر ذكره، فإن العبد محتاجٌ إليه في كلّ وقتٍ وفي كلِّ شيء. والرياءُ والسُّمعة وإن كان فيه شركٌ كما جاء في الحديث: "من صلَّى يُرائي فقد أشرك، ومن صام يُرائي فقد أشرك" (٢). وجاء أيضًا في الصحيح (٣): "من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن رَاآى رَاآى الله به". فلا ريبَ أن المُرائي يكون عملُه حابطًا، فلا يُثابُ عليه، وشِركُه دونَ شِركِ الذي يَعتقدُ دينًا ويَقصِده لغير الله، فإن المرائي والمُسمِّع يَعلم من نفسه أنه إنما فعلَ وتقوَّلَ ليراه الناسُ ويسمعوا ذلك، فهو يفعل ذلك للرغبة إليهم والرهبة، وليس ذلك عنده دينًا ثابتًا وإلهًا يطمئن إليه، إلّا أن يكون ممن يَتألَّه بعضَ البشر، كعُبَّادِ فرعونَ والدجَّالِ وعُبَّادِ بعض المشايخ والملوكِ وغيرِهم، فهذا شركٌ عظيم، لكن لا يكون في مسلمٍ صحيح الإسلام، وإن كان قد وقع منه شيء كثيرٌ من المنتسبين إلى الإسلام. ولا ريب أن ذلك إذا وقع كان من أعظم الشرك، وهذا لا يفعله إلّا لمعبودِه لا يُرائي به غيرَه. وأما الرياء الذي يقع من منافقي هذه الأمة وذوى المرض في قلوبهم، فهو الذي قصدنا أنه لا يتخذ دينًا في الباطن وإن كان شركًا، وإنما الذي يتخذ دينًا ما يُحبُّه المرء وما يهواه ويَدِيُن به سِرًّا وعلانيةً،

стр. 118

فهذا إذا لم يقصد به وجه الله وطاعة رسوله كان ذلك اتباعًا لهواه، وكان خارجًا عن موجب الإسلام في هذا الموضع، وإن كان في موضعٍ آخر داخلًا فيه. وبهذا يتبيَّن أن كثيرًا من الأحبار والرهبان والعلماء والعُبَّاد يأكلون أموالَ الناسِ بالباطل، ويَصدُّون عن سبيل الله، وأن العالم الذي يعتقد الاعتقادَ في المسائل الخبرية والعلمية والعابد الذي يتعبَّدُ لنفسه = إن لم يَسلُكا السبيلَ المشروعة وإلّا كان كلٌّ منهما متبعًا لهواه، فإن العالم يأمر وينهى ويُخبِر، والأمر والنهي يتضمن الحبَّ والإرادةَ والبغضَ والكراهةَ في نفسِ الدين، فإن لم يكن الحبُّ لله والبغضُ لله في الدين وإلّا كان هوًى وشركًا. والإخبار يتضمن الأمر باعتقاد الخبر. ولهذا لمّا تنازع الناس: هل يُسمَّى الفقهاءُ ونحوُهم من أهل الأهواء؟ فجعلهم منهم طائفةٌ كأبي حامد الإسفراييني والقاضي أبي يعلى، وأبَتْ ذلك طائفةٌ كابن عقيل = كان التحقيق أن غالبهم لهم هوًى، لكن ليسوا من أهل الأهواءِ المطلقة المفارقة للسنة والجماعة. فلهذا على المسلم أن يَتلقَّى ما جاءتْ به الرسلُ على وجهِه، فيُرِيد اللهَ بجميع ذلك، وإلّا وقعَ في بدعةٍ وشركٍ واتباع هوًى بلا ريب، وإن كان مخالفوه (١) أعظمَ منه في ذلك، فإنهم يكونون مفرّقين، والله تعالى إنما أمرهم أن يعبدوه مخلصين لله الدين، فكل ما دخل في الدين يجب أن يُخلَص لله لا لغيره، فيكون دينُ المرء كلُّه لله. كما أن الدين في نفسه كاملٌ لا نقصَ فيه ولا تناقضَ كما بيناه، وأن

стр. 119

نصوص الكتاب والسنة لا تحتاجُ إلى غيرها أصلًا كما ذكرناه أولًا، فإن ذكر أحدٌ قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل/ ٢٣] وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف/ ٢٥] ونحو ذلك من العمومات والظواهر التي يُعلَم انتفاءُ المعنى الذي لم يُردْ منها بالحس والعقل، فنقول: هذا فيه طريقان: من الناس من يقول: هي على ظاهرها، وظاهرُها عنده المعنى الصحيح المتفق عليه، ولهؤلاء مأخذان: أحدهما: أن القرينة المتصلة باللفظ إذا كانت لفظيةً بيَّنتْ معناه، وكان ظاهرُه ما دلَّت عليه، قالوا: فكذلك القرينة المتصلة وإن لم تكن لفظية، فالحسُّ والظاهر والعقل الذي يُعلَم به أن المخاطب لم يُرِدْ بكلامه ما يخالفه عندهم قرينةٌ متصلة، إذ لا يَظُنُّ المستمعُ بالمخاطب أنه أراد ذلك. ومن المعلوم أن فهم الخطاب لا بدَّ فيه من علم المخاطَب والمخاطِب جميعًا، فكما أن عِلْمَ المخاطَب المستمع أنّ المخاطِب المتكلم لا يُريد بلفظه إلّا مفهومَه ومعناه يُوجِبُ (١) أن لا يحمله على غيرِه، فكذلك عِلْمُ المخاطِب المتكلم أن المخاطَب المستمعَ لا يفهم أنه أراد ما يخالف حِسَّه وعقلَه قرينةٌ وضميمةٌ يضمُّها إلى كلامه. والمأخذ الثاني: أن لفظ "كلّ شيء" هو للعموم في كلّ موضع بحسبِ سياقِه، وهذه قرينة متصلة، ولهذا قالوا: هذا اللفظ ليس على عمومه المطلق إلّا في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة/ ٢٣١] مما يَصلُح أن يعلم، و ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام/ ١٠٢] مما يصلح أن يُخلق، و ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف/ ٢٥] مما يَصلُح أن تدمّر، ﴿وَأُوتِيَتْ

стр. 120

مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل/ ٢٣] مما يَصلُح أن يؤتاه مثلها. فهذه القيود عندهم معلومة في هذا اللفظ بالسياق، وهذه (١) حقيقة عرفية في هذا اللفظ لم تُستعمل إلّا فيه. قالوا: ولم نجدْه (٢) مستعملًا لمطلقٍ قطُّ إلّا أن السياق اقتضى ذلك. وأما الطريق الثاني: أن يُسلَّم أن ظاهر هذه الألفاظ هو المعنى الذي يمتنع إرادتُه، لكن يقال: قد بيَّنَ الله بخطابٍ آخر أنه لم يُرِد المعنى الممتنع، فقد بيَّن بما ذكره من قصة سليمان أنها لم تُؤتَ ملكَ سليمان ونحو ذلك، وبيَّن في القصة أنها كانت ملكة سبأ، وللملوك حدٌّ لا يتجاوزونه، فيُعلَم بهذا الخطاب أنها لم تملك السماوات ونحوها. وكذلك ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مع ما أخبر به. وإذا كان في القرآن ما يبيِّن عدَم إرادةِ الظاهر كان هذا من بيان الله ورسوله، ولم يكن الله ورسولُه تركَ بيانَ كلامه، فأما إذا كان الظاهر ممتنعًا ولم يُبيِّن الله ورسوله عدمَ إرادتِه، فهذا الذي (٣) من ادعاه فليُظهِرْه ليُنظَر فيه. فصل وأما قوله: "قابلةٌ للتأويل"، فيجب أن يُعلَم معنى التأويل الذي ليس فيه نزاعٌ بين أحدٍ من عُقلاءِ الآدميين، لا من المسلمين ولا من غيرهم، وهو أن تأويل كلام المتكلم الذي هو تفسيره وبيان المراد به، سواء كان مصروفًا عن ظاهره أو لم يكن، إنما هو بيانُ مرادِه ومقصودِه وإظهارُ معناه ومغزاه، فإذا قيل: نتأوَّل هذه الآيةَ أو هذا الحديثَ أو غير ذلك من

стр. 121

كلام سائر المتكلمين، فمعناه أنا نُبيِّن مُراده بهذا الكلام وإن كان مخالفًا للظاهر، لكن لا خلاف أنه بيان مرادِ المتكلم. فإذا عُلِمَ أن المتكلم لم يُرِدْ هذا المعنى، وأنه يمتنع أن يريد هذا المعنى، أو أنّ في صفاته ما علمنا معه أنّ هذا المعنى لا يليق به، ويستحيلُ عليه في العادة أو في غيرها أن يُريده = لم يَصلُح أن يكون ذلك تأويلَ كلامه، وإن كان لنا أدلَّةٌ نعلم بها أن بعض المعاني الفاسدة التي تظهر لبعض (١) الناس غيرُ مرادةٍ حتى نقول: ما ظهر لهذا المخطئ غيرُ مرادٍ، فلأن يكون لنا أدلة نعلم بها أنَّ ما تأوَّله عليه المتأوِّل المخطئ غيرُ مرادٍ أولى وأَحْرى. فليس للرجل كلُّ ما ساغ في اللغة لبعض الشعراء والأعراب أو العامة أن يحمل عليه كلام الله وكلام رسوله، إلّا إذا كان ذلك غير مخالفٍ لما عُلِمَ من نَعْتِ الله ورسوله، وكانت إرادة ذلك المعنى بذلك اللفظ مما يَصلُح أن يُنسَب إلى الله ورسوله. فهذا أصل عظيم تجبُ معرفتُه، ومن اعتنَى به علمَ أن أكثرَ أو كثيرًا مما يدَّعيه المحرِّفون في التأويلات هو مما يُعلم به أن الرسول لا يَصلُح أن يُريدَه بذلك الكلام، وإن كان ذلك مما يسُوغُ في اللغة لبعض العوامِّ، وفيما يدَّعَى من التأويل مواضعُ كثيرة لا تسوغُ في اللغة. فلا بدَّ أن يكون المعنى الذي يَصرِفُ إليه المتأوِّلُ الخطابَ مما يسُوغ في اللغة ويَسُوغ إضافتُه إلى الشارع صاحب الخطاب عند أهل العلم وأولي الألباب. ولهذا كان المصنِّفون في إبطال التأويلات إذا كشفوها تبيَّنَ بطلانُها بأدنى نظرٍ، وقد فصلنا بطلانَ التأويل الذي ذكره مثل علو العظمة، وذكرنا أيضًا الاستيلاء. ومن نظر باقي التأويلات المخالفة للدلالة

стр. 122

الظاهرة رأى من العجائب ما يُضحِك عجبًا ويُبكِي خشيةً وهربًا، فانظر تأويلات القرامطة والفلاسفة والمعتزلة والرافضة ومن اتبعهم ومن اتبعَ بعض هؤلاء المتكلمين من متكلمة الجماعة وأهل الحديث ومتصوِّفتهم يرى ملحًا أُجاجًا أقبحَ من الأحاديث الموضوعة والمغازي المصنوعة، مثل ما يَحكيه السُّؤَّالُ في سيرة عنترةَ والبطّالِ من أنواع الكذب والمحال، وما يُدخِلونه في مغازي علي ﵁ مع رسول الله ﷺ وغيره من أنوع الأحاديث التي هي عند من يَعلم صفةَ الحال من الأعاجيب، فهؤلاء في الرواية. وكذلك المتأولون إذا رأيتَ ما يَصرِفون إليه الكلامَ من المعاني، وما يُقدِّرونه لذلك من المباني، وما يَحمِلون عليه أحسنَ الكلام المتشابهِ المثاني = تجدُ من أنواع الهُراء التي هي فوق مطلق الكذب والافتراء، ما يليقُ أن يُقْرَن بحكايات السُّؤَّال، ولو ذكره المَساخِرُ لمن يضحك منه لأخذوا به الأموال، لكن هو عند المؤمن بالله ورسوله مما يُعَدُّ صاحبُه من أهل الافتراء على الله ورسوله. وقد يكون العيبُ لهم والهجاءُ لهم من نوع الجهاد في سبيله، كما أمر النبي ﷺ حسان بن ثابت أن يهجو المشركين، وقال: "هو أَنْكأُ فيهم من وَخْزِ الإبَر" (١)، وقال: "اهْجُهم وهَاجِهمْ وجبريلُ معك" (٢)، وقال: "اللهم أيِّدْهُ بروحِ القُدُسِ" (٣)، وقال: "إنّ روحَ القُدُس معك ما دُمتَ تُنافِحُ عن رسول الله" (٤). وفي

стр. 123

ذلك حيث يقول: فإنَّ أبي ووالدَه وعِرْضِي ... لِعِرْضِ محمدٍ منكم وِقاءُ (١) وأكثرُ هذه التأويلات المخالفة لمذهب السلف وأهل الحديث تتضمن من عيب كلام الله ورسوله والطعن فيه ما هو من جنس الذين يَلمِزُون النبيَّ من المنافقين، لما فيها من دعوى أن ظاهرَ كلامه إفكٌ ومحالٌ وكفرٌ وضلالٌ، ثم صرفها إلى معانٍ يُعلم أن إرادتها بتلك الألفاظ من الفهاهة والعِيِّ وسبيل أهل الضلال والغَيِّ. فالمدافعةُ عن الله ورسوله من سبيل المؤمنين والمجاهدين، كما قال: "جاهدوا المشركين بألسنتكم وأيديكم وأموالكم" (٢). ومن ذلك بيانُ سخافةِ عقول هؤلاء المحرِّفين وكونهم من أهل الضلال المبين، كالذين ذمَّهم الله من الذين يحرِّفون الكلم عن مواضعه (٣)، والذين لا يفقهون (٤) ولا يتدبرون القول (٥)، وشبَّههم بالأنعام (٦) والحُمُر المستنفرة (٧) والحمار الذي يحملُ الأسفار (٨). ولهذا كان المسلمون يعيبون ويطعنون على أصحاب مسيلمة

стр. 124

الكذَّاب بما قَبِلوه من قرآنِه المفترى من دونِ الله، وإن كان قد زعم أنه شريكٌ لرسولِ الله في الرسالة. وما من أحدٍ خرج عن الكتاب والسنة إلّا وقد جَعَل مع الرسول كبيرًا له يُشرِكه معه في التصديق والطاعة، لا سيَّما الغالية من الجهمية والاتحادية والباطنية ونحوهم عند [هم] كلامُ سادتهم وكُبرائهم مُضاهٍ لكلام الله ورسوله، وكثيرًا ما يُقدِّمونه عليه ذوقًا ووجْدًا وحالًا واعتقادًا ومقالًا. ومنهم من يُفضِّلُه على كلام الله، حتى يقول: كلامُ الله يُوصِلُ إلى الجنة، وكلامُنا يُوصِل إلى الله تعالى. والقرآنُ للعوامِّ وكلامُنا للخواصّ. ويقول أحدهم: رأيتُ النبيَّ ﷺ في المنام وقال لي: هؤلاء غلمانٌ وأنت خُشْداش (١). وهذا بعينه قول مسيلمة الكذَّاب، إذ ادَّعى أنه أُوحي إليه وأنه نظيرٌ لمحمد ﷺ من هؤلاء. وأما المقتصد منهم فلا يعتقدون ذلك، لكنه لازم لهم في مواضع كثيرة. فليتدبّر المؤمن هذا الموضعَ، فإنه عظيم الفائدة، وذلك أن الذين كانوا مقرِّين برسالة محمد ﷺ وفيهم نوع إيمانٍ به كان فيهم من يجعل له شريكًا في الطاعة، مثل ما كانوا يطيعون عبد الله بن أبيّ رئيس المنافقين وكبيرهم، وكان أهلُ المدينة قد عزَمُوا على عقْدِ الملك له قبل مجيء رسول الله ﷺ إليها، فلما ردَّ الله ذلك بالحقّ الذي بعث به رسوله شَرِقَ بذلك. ولما خرج النبي ﷺ معسكرًا إلى أحد رجع ابنُ أُبيّ ورجع معه ثلثُ الناس. وكان يقوم في المسجد ويحُضُّ على طاعة النبي ﷺ ، وأخباره معروفة. وكان من المسلمين مَن يُطيعه في كثيرٍ من الأمور ويَقبل منه وإن لم

стр. 125

يكن منافقًا محضًا، كما قال تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة/ ٤٧]. ولهذا غضب له سعد بن عبادة في نوبة الإفك، وكان أيضًا في المؤمنين به مثلُ ذي الخُوَيصِرة التميمي رأس الخوارج والمبتدعين المفارقين للسنة والجماعة. ثم إنه في آخر عمره ادَّعى مسيلمةُ الكذاب أنه أُشرِك معه في الأمر، وأن كلاهما (١) رسول الله، وكان يُقيم الصلوات ويُقْرَأ عنده قرآنُه والقرآنُ الذي جاء به رسولُ الله ﷺ ، وسيرتُه في الرِّدّة معروفة. فمُسيلمة وأمثالُه نظيرٌ لكل من ادعى أنَّ له في الدين حكمًا مع الرسالة، إما في أصول الدين وإما في فروعِه، بحيث يُطاعُ كما يُطاعُ الرسولُ، سواء كان ذلك دعوى قياسٍ ونظرٍ أو ذوقٍ أو بَصَرٍ أو غير ذلك، وإن كان الواحد من هؤلاء يُشبِه مسيلمة من وجهٍ دون وجهٍ، ففيهم من هو أكذبُ منه، وفيهم من هو خيرٌ منه. ومن قَرَنَ بالرسالةِ وآثارها طريقةً عقليةً أو ذوقيةً يناظرها بها فهو شبيهٌ بالذين قرَنوا ما جاءَ به مسيلمة بما جاء به محمد، فإن كلاهما في الحقيقة كذب، وإن اشتبه بالحق على خلق كثير، فقد اتبعَ مسليمةَ ألوفٌ مؤلفة، وما حاربَ المسلمين أحدٌ أعظم من (٢) أصحابه، وكان قتالُه من أعظم فضائل الصدّيق الذي صدَّق الرسالةَ، للكذَّاب الذي قرنَها بما يقولُه. ومن قرن بالرسالة رئاسةً دنيويةً بحيث يجعل طاعتها كطاعتِها، كما يفعل أتباعُ الملوك والرؤساءِ والأغنياء، ففيهم شَوْبٌ من المطيعين لابن

стр. 126

أبيّ، فإنه كان بمنزلة الملوك الرؤساء المُطاعين في أتباعِهم. ومن اعترض على السنة والجماعة بنوع تأويلٍ: قياسٍ أو ذوقٍ أو تأويلٍ منه خالفَ به سنة رسولِ الله ﷺ ففيه شَوْبٌ من الخوارج أتباعِ ذي الخُويصرة. وإنما الحق أن يكون الدينُ كلُّه لله، وتكون كلمة الله هي العليا، والمبلِّغُ لكلمة الله الآمرُ بطاعةِ الله هم رُسُلُ الله الذين خُتِمُوا بمحمدٍ ﷺ ، ختمَ الله به النبوةَ والرسالةَ، فليس بعده نبي ولا رسولٌ. ومن أُطِيعَ من الأمراء والملوك والمشايخ فلأنهم يأمرون بما أمر الله به ورسولُه طاعةَ متابعةٍ واتباعٍ، لا طاعةَ مشاركةٍ وابتداع. فهذا هذا، والله أعلم. فصل وأما الوجهُ الثالث: فقوله: "قد تأوَّل السلفُ كثيرًا منها ومن الآياتِ، وأذِن لنا في التأويل ابنُ عباسٍ، وهو حَبْر هذه الأمةِ وترجمانُ القرآنِ في غير ما آيةٍ في هذا الباب، قال: إذا خفيَ عليكم شيء من القرآن فابتغُوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، وقال في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم/ ٤٢]: أما سمعتم قولَ العرب: قامتِ الحربُ على ساق" (١). ف الجواب من وجوهٍ: أحدها: إن كان المرادُ بالسلف الصحابةَ فهذا النقلُ عنهم باطلٌ، لم يتأوَّلْ أحدٌ قَطُّ من الصحابة شيئًا من آيات القرآن التي ظاهرُها أنها صفةٌ لله

стр. 127

تعالى. ولقد بحثتُ عن هذا الباب وكشفتُه، وطالعتُ التفاسير المنقولة عن الصحابة نقلًا صحيحًا، فلم أجدْ عن أحدٍ من الصحابةِ أنه تأوَّلَ آيةً واحدةً من الآيات التي ظاهرُها صفةٌ على نفْيِ الصفة، بل وجدتُ عنهم من الآثار التي تُقَرِّرُ النصوصَ وتُثبِتُ الصفاتِ وتُصرِّحُ بمنافاةِ قولِ المتأوِّلين والمعطِّلين ما لا يتسع هذا الموضع لكتابته، ولا يَحضُرني تفاصيلُ ذلك، وليست الكتبُ عندي، وكتابةُ مثل هذا من الحفظ متعذر. فهذا السؤال الذي أوردَه قد انقلبَ عليه، وهو من أعظم الحجج القطعية على صحة مذهب المثبتةِ للصفات المانعين عما يُضادُّها من التأويلات، إذ جميع الصحابة قد ثبتَ عنهم بأنواع الثابت من المنقولات إثباتُ صفة العُلُوِّ وغيرِها من الصفاتِ، بالنصوص الصريحة التي لا تحتمل خلافَ ذلك، ولم يُنقَل عن أحدٍ منهم تأويلٌ يخالف ذلك بما يخالف الظاهرَ. فالمتأوِّل بما يخالف الظاهرَ مع أنه مبتدعٌ لهذه التأويلات، فهي بدعةٌ مخالِفةٌ لإجماع السلف، لا بدعةٌ مسكوتٌ عنها. ومع أنهم لم يتأوَّلوا ما ظاهرُه الصفةُ فلم أعلم عن الصحابة نزاعًا فيما يُقال: إنه من الصفات، إلّا في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾، فإن هذا مُتنازَعٌ فيها زمنَ الصحابة، فعن ابن عباس وطائفةٍ ما ذكره المعترض أن المراد به الكشفُ عن شدَّةٍ. وقد بَعُدَ عَهْدِي بالإسناد عن ابن عباسٍ هل هو متصلٌ أو منقطعٌ (١). وعن أبي سعيد الخدري وغيرِه جعله من الصفات، وفي الصحيحين (٢) حديث أبي سعيد (٣) وغيره.

стр. 128

وسببُ النزاع أنه ليس في ظاهر الآية ما يدلُّ على أنها من الصفات، لأنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾، ولم يُضِفْ ذلك إلى الله بل نكَّرَه، ومعلومٌ أن هذا لا يدلُّ بنفسِه على أنه صفةٌ لله، بخلاف ما أضيفَ إليه، ولهذا تنازعَ فيه الصحابةُ، فمن أثبته احتجَّ بحديثِ أبي سعيد المتفق عليه في الصحيحين، وقال أيضًا: فرقٌ بين أن يُقال: كُشِفَ الشيءُ وأن يقال: كَشَفتُ عنه، فإن الشدَّة يقال فيها: كشَفَها الله أي أزالها، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ﴾ [الأعراف/ ١٣٤ - ١٣٥]، وقال تعالى في حق أيوب: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ [يونس/ ٢٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام/ ٤٠ - ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون/ ٧٥]. قالوا: فالشدَّة يقال فيها كشفَها، ولا يقال: كشفَ عنه. وأما الكشف عن الشيء فهو إظهاره وإبرازه، كما يُكشَف العذاب عن الناس، فالعذاب نفسه مكشوف، وأما الناس فهم مكشوفٌ عنهم لظهورهم وبروزهم بعد زوال العذاب عنهم. وإن كان المراد بقوله "السلف" التابعين فلا أعلم أحدًا من التابعين

стр. 129

تأوَّل شيئًا من النصوص التي ظاهرها الصفة، بل القول فيهم كالقول في الصحابة، إلّا أن دعوى الإحاطة بكلامهم أصعب، وعامة الأئمة والمفسرين على إثبات الصفات كما تقدَّم عن الصحابة، والنقول بذلك عنهم كثيرة لا تنحصر، وبينهم نزاعٌ في الساق كما تقدم. وقد نُقِلَ عن مجاهد (١) في قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة/ ١١٥] أي فثّمَّ قبلة الله، ومن قال ذلك منع أن يكون لفظ الوجه هنا ظاهرًا في الصفة، بل الوجه كالوجهة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة/ ١٤٨]، ومن أثبت الصفة مع ذلك سلك طريقةً أخرى. والمقصود هنا بيان أنه لا نسلِّم أن ظاهر الخطاب إذا كان صفةً لله تأوَّلها السلف. وإن كان المراد بالسلف من كان في زمن الأئمة من أهل البدع مثل الجهم والجعد، أو من بعد هؤلاء مثل أبي الهذيل العلاف وطبقته وبِشر المريسي ونحوه، فهؤلاء الذين ابتدعوا هذه التأويلات، والكلام فيها معهم ومع أتباعهم. الوجه الثاني: أنه لو ثبت عن بعض الصحابة أو التابعين تأويلٌ فهو مثل تنازعهم في تفسير الآيات وبعض الأحكام، فمن المعلوم أن الآية التي ذكر تأويلها عن ابن عباس قد نازعه فيها غيرُه، وقد قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء/ ٥٩]. وليس قول بعض الصحابة حجةً على بعض.

стр. 130

الوجه الثالث: أن المنقول عن الصحابة والتابعين من إثبات الصفات وتقرير النصوص الدالة عليها لا يُحصِيه إلّا الله، فكيف يُترك المنقولُ بالتواتر ويُدَّعَى ما لا حقيقةَ له أو يُحتجُّ بموردِ النزاع؟ الوجه الرابع: أن نقله عن ابن عباسٍ أنه تأوَّل غيرَ ما آيةٍ لا أصل له ، بل المحفوظ عن ابن عباس في تقرير النصوص الدالة على الصفات وإثبات الصفات أكثرُ من المحفوظ عن غيرِه (١) من الصحابة، ولستَ تجد في هذا الباب شيئًا أكثر من المنقول عن ابن مسعودٍ وابن عباسٍ وأصحابهما، وهم أعلم الناس بالتفسير وتأويل القرآن. الوجه الخامس: أن نقله عن السلف أنهم تأولوا الأحاديث فهذا أغرب، هل يَقدِرُ أحدٌ قطُّ أن ينقل عن أحدٍ من الصحابة والتابعين أنه تأول شيئًا من أحاديث الصفات؟ بل هم الذين كانوا يروونها ويُحدِّثون بها من غير تحريفٍ لمعناها ولا ذكرٍ لتأويلٍ فيها، وعنهم أخذها تابعو التابعين، ولما صار الناس في زمن تابعي التابعين يسألون عنها علماءَ ذلك الزمن من صغارِ التابعين مثل الزهري ومكحول، وتابعيهم مثل الأوزاعي ومالك وغيرهما، أمرُّوها كما جاءتْ، ولم ينقلوا عن أحدٍ من التابعين تأويلًا لها أصلًا، بل المنقول عنهم كما قال الأوزاعي: "كنّا والتابعون متوافرون نقول: إن الله فوقَ عرشِه، ونؤمن بما وردتْ به السنةُ من صفاته" (٢). فهذا نَقْله لِما كان زمنَ التابعين، وهو الإيمان بالصفات، ولم يُرِدْ بذلك الإيمانَ بمجرد حروفها، فإن هذا لم يتغير، وقد سماها صفاتٍ، ولو كانت متأولةً لم تكن صفاتٍ. ولهذا لا يُسمِّيها محققو أهل

стр. 131

التأويل أحاديثَ صفات، بل يقولون: أحاديث الإضافات، كما يقول ابن عقيل وطائفة معه، أو يقولون: مشكل الحديث أو متشابهه. وأما قول الأوزاعي: كنّا نؤمن ما وردت به السنة من صفاته (١). الوجه السابع (٢): أن نقله عن ابن عباس "إذا خفي عليكم شيءٌ من القرآن فابْتغُوه في الشعر" لا يدلُّ على مورد النزاع ، فإن هذه الآياتِ والأحاديثَ المفهومَ معناها الظاهرَ مدلولُها لم يَخْفَ علينا حتى نطلبه من الشعر، وإنما قال ذلك في الألفاظ الغريبة المتداولة، مثل قَسْورة وضِيْزَى ونحو ذلك من الألفاظ الغريبة. ولهذا رُوي أن نافع بن الأزرق كان يسأل ابنَ عباسٍ عن شيء من غريب القرآن، فيُجيبه عنه ويستدلُّ لمعناه بما يرويه من الشعر (٣)، فأين الاستدلالُ بالشعر على اللفظ الذي لا ظاهرَ له ولا يُفهم له معنًى من الاستدلالِ به على صرفِ النصوص عن مدلولها ومعناها؟ ينبغي لمن تكلم أن يَعقِل ما يقول ثمَّ يتكلم، فبمثل هذه الاستدلالات وقع التحريفُ في الكتاب والسنة، فلا حول ولا قوةَ إلّا بالله. الوجه الثامن: أن هذه المسألة فيها نزاعٌ، وهو التمثُّلُ للقرآن ببيتٍ من الشعر وتفسيرُه بمجردِ اللغة، وفيه روايتان عن أحمد، إحداهما جواز ذلك لما تقدم، والثانية المنع من ذلك، لما تقدم من أن الصحابة

стр. 132

والتابعين نقلوا معاني القرآن عن النبي ﷺ ، فلا حاجةَ إلى أخذ معانيه من أحدٍ، ومن قال هذا طالبَ بصحة النقل عن ابن عباسٍ، أو حملَ هذا على الصورة التي يتعذَّرُ فيها النقلُ عن الصحابة. وهذا قريب، ولهذا قال: "إذا خفي عليكم"، وإنما يخفى عليهم إذا لم يكن منقولًا عن الصحابة والتابعين. الوجه التاسع: أن نقول لهم: إن كان قول الصحابي في التفسير حجةً فعن الصحابة من التفسير المُثبِت للصفات المُبطِل لتأويلات الجهمية ما لا يعلمه إلا الله، وإن لم يكن مقبولًا فلا حجةَ لكم في قولكم عن ابن عباس هذا، فعلى التقديرين حجتكم باطلة، والتفسير المنقول عنهم في إثبات الصفات منصوص في موارد النزاع. فصل وأما الوجه الرابع - وهو قوله: "عارضتْها الأدلةُ القطعية" - ف جوابُه من وجوه: أحدها: أن المثبتة لا تُسلِّم أن موجب النصوص عارضَها دليلٌ قطعيٌّ قطُّ، وكل ما يقال إنه قطعي تبيَّنَ أنه ليس بدليل أصلًا، فضلًا عن أن يقال: إنه قطعي، وكان الواجب عليه بيان هذا الدليل القطعي. بل المثبتةُ تقول: الأدلة العقلية القطعية تُبطِل مذاهبَ المعطِّلةِ النفاة، فهم يمنعون صحة الأدلة العقلية التي احتج بها النفاة، ويعارضون بأدلتهم العقلية التي هي أثبت وأقوى، بل يُثبِتون فسادَ حجةِ النفاة بالعقل الصريح وصحةَ قولهم بالعقل الصريح. الوجه الثاني أن يقال: من المعلوم أن الدليل القطعي مبنيٌّ على مقدمتين، إحداهما أن موجب الصفات مستلزم للتجسيم والتشبيه،

стр. 133

والتجسيمُ والتشبيه منتفٍ، فيجب نفيُ موجبِها ويتعيَّن تأويلُها. وإذا كان هذا أُجِيبَ عنه بالاستفسار المتضمن لمنع إحدى المقدمتين، وهو أن يقال: إن كان التجسيم الذي تَعنيه قد دلَّتْ عليه النصوصُ فلا نُسلِّم انتفاءَه، وإن لم تكن دلَّتْ على منع المقدمة الأولى. وحقيقة الجواب أن ما هو مدلولُها لم يَنفِه العقلُ، والذي نفاه العقلُ ليس مدلولها، وإنما وقعت الشبهةُ في الاشتراك والإجمالِ الواقع في لفظ التجسيم، واشتباهِ ما لا ينفيه العقلُ بما يَنفِيه، وذلك أن في لفظ التجسيم تنازعًا كثيرًا بين الناس قد بسطنا القول فيه في "قاعدة التعطيل والتجسيم"، ورُبَّما نذكرها إن شاء الله تعالى. ولكن نذكر هنا التنبيهَ على النكتة، فإن المُثبِتَ لمدلول النصوص والصفات لله تعالى يقول للنافي: قولك "ظاهرها التجسيمُ" أتريدُ به أن الله جسمٌ من جنس الأجسام المخلوقة، بحيث يكون من جنس البشر لحمًا ودمًا وعصبًا وعظمًا، كما يُذكر هذا عن بعض المشبِّهة، أو من غير جنس البشر من السماوات أو الأرض أو الملائكة أو الجن أو غير ذلك من المخلوقات؟ إن أردتَ به أن هذا ظاهرها - وهذا منتفٍ - أصبتَ في قولِك: "هذا منتفٍ"، وهو المقدمة الثانية، وقولِك: "التجسيم منتفٍ، والله منزَّهٌ عن التجسيم"، وأخطأتَ في قولك: "إن هذا ظاهرها". أما الأول فقد روي من وجوهٍ عن النبي ﷺ أن قومًا من المشركين من أهل الكتاب سألوه عن ربه ومعبوده الذي يدعو إليه ممّا هو؟ من ذهبٍ أو فضةٍ أو كذا أو كذا، وسَمَّوا ما سَمَّوا من أجناس الأجسام، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص/ ١]، وأنزلَ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ

стр. 134

الْمِحَالِ﴾ [الرعد/ ١٣]، وأصابتْه صاعقةٌ فأذهبتْ بقِحْفِ رأسِه (١). فأهلك الله تعالى من سأل عن مجانسته المخلوقات. وهو من جنس سؤال فرعون ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء/ ٢٣]، فإنه لا يمكن أن يذكر أن الله تعالى أو شيئًا من المخلوقات يشتركان في الحقيقة الجنسية، كاشتراك الإنسان وسائر الحيوان في الحيوانية، أو كاشتراك الحيوان والنبات في النموّ والاغتذاء، ولا كاشتراك الأجسام النامية والجامدة فيما تتجانس فيه. ومن سأل عن ذلك فهو كمن سأل عن نسبِه وقال: مَن أبوه ومَن ابنُه؟ ولهذا أنزل الله تعالى سورة الإخلاص التي هي نسبتُه وصفتُه، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، فنزَّهه وقدَّسه عن الأصول والفروع والنُّظَراء والأمثالِ. وليس في المخلوقات شيءٌ إلا ولا بدَّ أن يُنسَب إلى بعض هذه من الأعيان والمعاني، فالحيوان من الآدمي وغيرِه لا بدَّ أن يكون له إما والدٌ وإما مولودٌ وإما نظيرٌ هو كفؤه، وكذلك الجن والملائكة، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات/ ٤٩]، قال بعض السلف: لعلكم تذكَّرون فتعلمون أن خالق الأزواج واحدٌ. وقال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالوَتْرِ﴾ [الفجر/ ٣]، قال مجاهد: كل شيء خلقه فهو شفع، السماءُ شفعٌ والأرض شفع، والوتر الله تعالى. وهذا هو

стр. 135

الذي ذكره البخاري في صحيحه (١)، فإنهم يعتمدون على تفسير مجاهد لأنه أصح التفسير، قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسْبُك به (٢). وهذا القول اختيار جدِّي أبي البركات ﵀ في هذه الآية. ولهذا قال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)﴾ [الأعلى/ ١ - ٢]، والتسوية: التعديل، والتعديل لا يكون إلّا بين شيئين متناظرين متشابهينِ. فالمخلوقات لا بد فيها من التشابه والتماثل المقتضي التسوية والتعديل. والله تعالى لا عِدْلَ له، ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام/ ١]، ولا يستوي هو وغيرُه. ولكن كما قال الله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء/ ٩٤ - ٩٨]. ولا سَمِيَّ له، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم/ ٦٥]. ولا نِدَّ له، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة/ ٢٢]. ولا شريك له، لا في ربوبيته، بل هو خالق كل شيء وربُّه، ولا في ألوهيته، بل لا إله إلا هو وحدَه لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ولا كفؤَ له، كما قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. ولا مثلَ له، كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى/ ١١]. ومما يجب أن يُعلَم ويُضَمَّ إلى ما ذكرناه قبلُ: أن نفيَ المِثْلِ عنه والسَّمِيِّ والمساوي يقتضي نفي ذلك في كل شيء، فلا يماثلُه شيء من المخلوقات في شيء من الأشياء قطُّ، لا في شيء من معاني أسمائهِ

стр. 136

وصفاته، ولا في شيء من أفعاله ومخلوقاته، ولهذا قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء/ ٩١ - ٩٨]. فأخبر سبحانه أنه يُكبكَبُ في جهنم المعبودون من دون الله هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون، وأنهم يقولون لما دعوه من دون الله: لقد كنا في ضلالٍ مبين إذ نسويكم برب العالمين. ومعلومٌ أنهم لم يجعلوهم مساوينَ له في كل شيء، فإن أحدًا من الخلق لم يقل: إن العالم صدَرَ عن خالقينِ متكافئينِ في الصفات والأفعال، وإنما تسويتُهم إياهم بالله أنهم عبدوهم كما عبدوهُ، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة/ ١٦٥]، فجعلوهم مثله في العبادة، وهذه تسوية. وفي الصحيحين (١) عن عبد الله بن مسعود قلت: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظمُ؟ قال: "أن تجعلَ لله نِدًّا وهو خلقك"، قلت: ثمَّ أيٌّ؟ قال: "أن تزني بحليلةِ جارِك". فعُلِم أن الله تعالى لا يجوز أن يُساوَى بغيرِه في شيء من الأشياء. ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام/ ١] أي يجعلون له عِدْلًا، والعدل: المثل. وقد قدَّمنا أن المعادلة في كل شيء لم يفعلها أحدٌ، فعُلِمَ أن من جَعل له عِدْلًا في شيء من الأشياء فقد عدل بربه.

стр. 137

وكذلك قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة/ ٢٢]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة/ ١٦٥]. والندُّ: المُنادُّ المُناوِئ، ومن المعلوم أن أحدًا لم يجعل لله من يُكافئه في كل شيء، ولكن في بعض الأشياء دون بعضٍ، فعُلِمَ أن الله لا يكون له نِدٌّ في شيء من الأشياء. ولهذا لما سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: ما شاءَ الله وشِئتَ، فقال: "أجعلتَني لله ندًّا؟ قُلْ: ما شاءَ الله وحدَه" (١). وفى السنن (٢) أن رجلًا رأى يهوديًّا يُعيِّرُ المسلمين يقول: نِعْمَ القومُ أنتم لولا أنكم تُندِّدون! تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك وقال: "قولوا: ما شاء الله ثمَّ شاء محمد". فمن جعل لشيء من صفاتِه من علمِه أو قدرتِه أو حياتِه أو سمعِه أو بصرِه أو رضاه أو غضبِه أو رحمتِه أو خَلْقِه بيديْه أو إتيانِه أو مجيئِه أو استوائه أو نزوله أو غير ذلك عِدْلًا أو مِثْلًا مما يُوجد في المخلوقين فقد سَوَّاه بربِّ العالمين في ذلك، وجعلَ له عِدْلًا في ذلك، كما أن المشركين إنما جعلوا له عِدْلًا ونِدًّا ومساويًا في بعض الأمور. ولهذا قال الإمام أحمد في رواية حنبل: المشبِّه الذي يقول: بصرٌ كبصري ويدٌ كيدي وقدمٌ كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبَّهَ الله بخلقِه، ومن قال هذا فهو ممثِّلٌ بربِّه عادلٌ به مُسوٍّ به، ولو جعل أحدهما أكبر من

стр. 138

الآخر. فلو جعل صفاته مثل صفاتِ خلقه في الجنس وجعلها أعظم في القدر، مثل أن يجعل بصره من جنس بصر العبد لكنه أعظم منه، كما يُحكى عمن قال من المشبِّهة: إنه على صورة الإنسان لحمٌ ودمٌ، ولكنه عظيم القدر كبير الجُثَّةِ، فهؤلاء قد سَوَّوا برب العالمين في حقيقته وعدَلوا به. كما قدمنا أن المنفيَّ بالنصوص والذي ذمَّ الله به العالمين هو التسوية والعدلُ به ولو في بعض الأمور، وذكرنا أن الذين سألوا عن جنسه من المخلوقات بيَّن الله لهم أنه لا كفؤَ له، فبيَّن انتفاء المكافأة في شيء من الأشياء، لأن الاشتراك في الجنس والحقيقة تكافؤٌ (١) في ذلك، وهو نفَى الكفؤَ مطلقًا. فالماء القليل من جنس الماء الكثير كفؤٌ له في ذلك، وكذلك سائر الأجسام المتجانسة المتماثلة في الحقيقة، وإن تفاوتت في المقدار. وانتفاء هذا كما دلَّت عليه نصوص الكتاب والسنة [ووردتْ] (٢) أخبارٌ بذلك، فقد بيَّن الله تعالى أن انتفاءَ ذلك معلومٌ بالعقل أيضًا في مثل قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم/ ٦٥] وغير ذلك، فإنا نعلم بعقلنا أنه لا سَمِيَّ له ولا عِدْلَ ولا كُفُؤَ ولا نِدَّ في شيء من الأشياء، وذلك أن المتماثلينِ في الحقيقةِ وإن تفاوتا في المقدار كالماءين والترابين والعظمين واللحمين [و] (٣) غيرِ ذلك من الأجسام لا بدَّ أن يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما

стр. 139

يمتنع عليه. وهذا حدُّ المِثلين عند أهل النظر، وهو أنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع على الآخر، ويجب له ما يجب له. وقد يُعبِّرون عنه بعبارة أخرى: هو ما سَدَّ أحدُهما مَسَدَّ الآخرِ وقامَ مقامَه. والعبارتان تؤديان إلى حقيقةٍ واحدةٍ، فإن الماء يَسُدُّ مَسَدَّ الماء في الحقيقة، وكذلك التراب، وكذلك العظم واللحم ونحو ذلك، ويشتركان في الواجب والجائز والممتنع في الحقيقة. فلو كان في المخلوقات ما هو عِدْلٌ أو مِثْلٌ للبارئ في الحقيقة والصفات - وإن كان أصغَر منه في القدر- لجازَ على البارئ، ما يجوز عليه من العدم والفقر إلى الصانع والحدوثِ، وأنه بنفسِه ممكنٌ مفتقرٌ إلى من يُوجِدُه ويُوجِب له ما يجب للبارئ من القدم والقيام بنفسه والاستغناءِ عن خالقٍ والصمديةِ، ولجاز عليه ما يجوز على من خلق الخلقَ وأبدعَ العالم، وامتنعَ على العبد من العدم والموتِ والحاجةِ ما يمتنع عليه. فيلزمُ أن يُوصفَ كلٌّ منهما بالصفات التي لحقيقة الآخر. وهذا مع أنه محالٌ في حقِّ الرب أن يكون موصوفًا بالصفات التي لحقيقة العبد، ومحالٌ في حقّ العبد أن يكون موصوفًا بصفات حقيقة الرب، فإنه متناقض إذا فُرِض تماثلُهما وتساويْهما في الصفات مع كون أحدهما خالقَ الآخر، فيجب أن يكون كلٌّ منهما خالقًا مخلوقًا، فيجب أن يكون الخالقُ قد خلق [خالقَ] نفسه إذ كان مثله، وخَلْقُه لنفسه محالٌ، فكيف بخالق نفسه؟ ويجب أن يكون الخالقُ مخلوقًا لمخلوقِه، وهو ممتنع عليه أن يكون مخلوقًا لنفسه، فكيف لمخلوقِهِ؟ وهذا هو السؤال الذي يُقال: إن بعض ملوك الهند أورده على بعض

стр. 140

متكلمة المسلمين في إمارة هارون، فقال: هل يستطيعُ ربُّك أن يخلُق مثل نفسِه؟ إن قلتَ: نعم فقد جعلتَ له مثلًا، وإن قلتَ: لا فقد عجَّزتَه، فقال له: هذه المسألة ممتنعة مستحيلة في نفسها، وإذا كانت في نفسها ممتنعةً لم يكن جوابها إلا كذلك، لأنك إذا قلتَ: خلقَ مثلَ نفسه فقد فرضتَ مِثلين أحدهما خالقُ الآخر، ولو كان مثله لم يكن مخلوقًا له ولا كان الآخر خالقًا له، فإن التماثلَ يمنعُ هذا الاختلاف ويُوجب التساوي في القدم والحدوث. فبُهِتَ الذي كفر. وهذا جوابٌ سديد، فإن السائل إذا فرضَ اجتماع ما يمنع اجتماعهما فقال: ماذا يكون على هذا التقدير؟ قيل له: لا يكون على هذا التقدير الممتنع المحالِ إلّا ما هو ممتنعٌ محالٌ، واجتماعُ متماثلين أحدهما خالقُ الآخرِ محالٌ في نفسه. كما يقال: لو فُرِضَ أن صانعَ (١) العالمِ موجودٌ معدومٌ أكان يصنعه أم لا؟ ولو فُرِض أنه خلق العالم ولم يُرِدْ أن يخلُقَه، أو خلقَه ولم يكن قادرًا على خلقه، أو خلقه ولم يعلمْ كيف يخلقُه، أو لو فُرِض أن الذي خلق العالم كان عدمًا أو مواتًا، أو غير ذلك من التقديرات الممتنعة في نفسها. ومثل هذه الأغلوطات من المسائل يَسلكها أهل اللَّدّ في الجدل في أمر الدنيا والدين في الأصول والفروع، من جنس الأغلوطات الذي ابتدعهُ العَمِيْدي السمرقندي (٢) في مثل نُكتِه التي يُسمِّيها البرهان ويَدَّعي أنها قطعية وغير ذلك بفرض أمور ممتنعة، ويستنتج نتائجها على ذلك

стр. 141

التقدير الذي يمتنع وجودُه، فإن هذه المقدَّرات التي لم تُوجَدْ: منها ما هو ممتنعٌ في نفسه، فيكون لازمُه ممتنعًا، ومنها ما قد علمنا أنه لا يكون، وإن كان في نفسه غير ممتنعٍ، فيكون لازمه ما لا يكون، ويسمَّى هذا ممتنعًا لغيره، لمشيئة الله ولعلمِه وإخباره بأن ذلك لا يكون. مثل قولهم: لو لم يُقتَل المقتول هل كان يعيش؟ فهذا التقدير معلوم العدم ممتنعٌ لغيره، فإن الله شاء ذلك وعَلمَه وكتبَه، فلم يكن يمكن لمشيئة الله وعلمِه أن يقع إلا ذلك. فإذا قُدِّر عدم المشيئة لقتله وعدمُ تعلق العلم كان هذا تقدير عدم الوجود، فيلزم عدمُ الموجود وهو قتلُه، فإذا لم يُقتل أمكن أن يعيش وأن يموتَ بسببٍ آخر، فلو لم يُقتل لزمَ أحدُ الأمرين، لكن قتلَه لا بدَّ من وجودِه. وقد يُقدَّر الممتنع لذاتِه، كما يقال: لو لم يكن خالقٌ لم يكن مخلوقٌ (١)، مثل قول النبي ﷺ والصحابة حيث يقولون وهم يرتجزون: لاهُمَّ لولا أنتَ ما اهتدينا ... ولا تصدَّقْنا ولا صلَّينا (٢) وربما قالوا: والله لولا أنتَ ما اهتدينا ... ولا تصدَّقْنا ولا صلَّينا وكذلك قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور/ ٢١]، و ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال/ ٦٨]، ونظائره متعددة. فقد يُقدَّر عدمُ الموجود ليُعلَم كيف الأمورُ مع عدمِه، ويُقدَّر وجودُ

стр. 142

المعدوم ليُعلم كيفَ الأمرُ مع وجودِه، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء/ ٢٢]. ومن الأول قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور/ ٣٥]، يقول تعالى: أيُتصوَّر أن يكونوا مخلوقين من غير خالقٍ خلقهم؟ أم هم الخالقون؟ أيُتصوَّر أن يكون الشيء خلقَ نفسَه؟ فإذا قُدِّر عدمُ الخالق لزِمَ أن يكونوا خُلِقوا من غير خالقٍ أو يكونوا هم خلقوا أنفسَهم، وكل ذلك ممتنع، فتعيَّن أن يكون لهم خالقٌ خلقهم. ولهذا قال جبير بن مطعم: لما سمعتُ النبي ﷺ يقرأ هذه الآية في الصلاة أحسَسْتُ بفؤادي قد انْصدَع (١). وكان جبير قد قدِمَ في فداء الأسرى عام بدرٍ، وكان ذلك أول ما دخلَ الإسلامُ في قلبه. فهذه التقديرات التي تكون في العلم والكلام هي طرقٌ وأدلة وبراهين قد تُبيَّن بها حقيقةُ الأمور، حتى في الأمور العملية دون الخبرية، فإن الإنسان قد يكون في حالٍ موجودة محمودةٍ، لا يعرف ما يكون إذا عُدِمتْ من الضرر، فيتركها، فيحصل له من الضرر ما لم يكن يظنه. وربّما يطلب وجودَ أمرٍ لا يُقدِّرُ إذ وُجِدَ ما يكون معه من الضرر، فإذا وُجِدَ كان من الضرر ما لا يعلمه. وصاحب النظر والقياس والتدبير يُقدِّر وجودَ ذلك المعدوم وعدم هذا الموجود ليبين له بذلك الحال كيف يكون، فيعلم ما يأتي وما يَذَر. فهذه التقديرات إذا كانت لطلب معرفة الحق الذي ينبغي معرفتُه، والعمل الذي ينبغي فعلُه كانت حسنةً، وإن كانت لردِّ الحقِّ الذي يجب قبولُه والعملِ الذي نُهِي عنه كانت من السيئات المذمومة. مثل تقدير فيلسوف قريش ورئيسها الوليد بن المغيرة لما سمع القرآن، وأراد أن

стр. 143

يجمع قومه المشركين على قولٍ يُلقونه إلى الناس يَصُدُّونهم عن اتباع الرسول، فعرضوا على آلاتهم (١)، هذا يقول: ساحر، وهذا يقول: كاهن، وهذا يقول: مجنون، وهو يَرُدُّ ذلك، ويُبيِّن أن مثل هذا القول لا يَنفُق على الناس ولا يقبلونه لظهور بطلانه، ثمَّ ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر/ ١٨ - ٢٥]. ووجهُ قولِه: إنه سحر أي إنه يسحر قلوب المتبعين له، حتى يُفرِّق بين المرء ووالده، والمرءِ وولدِه، والمرءِ وأخيه. فيجعل هذا القدر المشترك الذي يفعل الساحرُ مثله هو وجه كونه سحرًا. وأما وجهُ كونِه قول البشر فهو يُشبِه من بعض الوجوه ما يقول البشر، فهو نظير قولِ الفلاسفة الذين قالوا: إنه فيضٌ يَفِيضُ عليهم من العقل الفعَّال، كما يفيض سائر كلام المتكلمين على قلوبهم. وشاركهم في بعض قولهم من يقول: القرآن مخلوق، أو يقول: إن حروف القرآن مخلوقة. فهذا التفكير والتقدير الذي يطلب به معارضة القدر الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله، كما يفعله فضلاءُ المتفلسفة والمتكلمة من جميع الطوائف في دفع ما جاء به الكتاب والسنة، هو التفكير والتقدير الذي ذمَّه الله تعالى، وقال في مثله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر/ ٤]، وقال: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد/ ١٣]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي

стр. 144

صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر/ ٥٦] إلى أمثال ذلك. وأما التفكير والتقدير والقياس والتنظير الذي يحبه الله ورسوله فهو الأمثال المضروبة التي ضربها الله في كتابه، فقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم/ ٥٨]. فإن ضرب المثل هو تقديرُه وجمعه، فإن لفظ الضرب يُشعِر بذلك، ومنه ضرب الدرهم، والضرب في الأرض، والضريبة: الطبيعة، وكذلك الضرب بالعصا، كل ذلك من أصل واحد في اللفظ. والمقصود هنا أنه قد عُلِمَ من المعدوم الممتنع في نفس الأمر أن يكون لله مِثْلٌ، لكن إذا قُدِّر ذلك في النفس تبيَّن بتقديره ما يلزمه من الأمور الممتنعة التي يُعلم بها أنه ممتنع. وقد تبيَّن أنه إذا قُدِّر مِثْلانِ أحدهما خالقٌ والآخر مخلوق، كان هذا ممتنعًا متناقضًا من وجوهٍ كثيرة لا تنحصر، فإن المثل الذي يجوز عليه ويجب عليه ويمتنع عليه ما يجب ويجوز ويمتنع على الآخر، فحينئذٍ يجوز أن يكون هذا خالقًا لخالق نفسه، ويكون هذا مخلوقًا لمخلوقِ نفسه فيكون مخلوقًا لنفسه، والشيء لا يكون خالقًا لنفسه ولا يكون مخلوقًا لنفسه. ويكون هذا مستغنيًا بنفسه واجبًا بنفسِه فلا يكون مخلوقًا، ويكون أيضًا مفتقرًا إلى صانِعه ممكنًا بنفسه فيكون مخلوقًا، فيكون كلٌّ منهما خالقًا مخلوقًا، وهذا محال كما تقدم. ويكون هذا قديمًا فلا يحتاج إلى مُحدِث، ويكون هذا مُحدَثًا فيحتاج في وجودِه إلى قديم، فيكون كلٌّ منهما قديمًا بنفسه لا يحتاجُ ومُحدَثًا محتاجًا، وهذا محال. ويكون هذا واجبًا بنفسه له العلمُ بكلِّ شيء والقدرةُ على كلِّ شيء،

стр. 145

وهذا جائزٌ عليه الجهلُ بكل شيء والعجزُ عن كلِّ شيء، فيكون كلٌّ منهما واجبًا له بنفسه وجائزًا عليه العلم بكل شيء والقدرةُ على كلِّ شيء، وهذا ممتنع. ويكون هذا واجبًا له أن يكون سميعًا لكل مسموع وبصيرًا بكل مرئيٍّ، وهذا جائزٌ عليه أن لا يسمع ولا يُبصر شيئًا، فيجتمع هذان الوصفان، وهو محال. ويكون هذا يمتنعُ عليه الآفات المذكورة، [وهذا يجوز عليه الآفات المذكورة]، فيكون كلٌّ منهما يجوز عليه الآفاتُ ويمتنع، وهو ممتنعٌ. ويكون هذا معدومًا بنفسه لا يُوجَد إلّا بخالقِه، [وهذا] واجب الوجود بنفسِه لا تقبلُ ذاتُه العدم، وهذا محال. فقد تبيَّن أنه يلزم اجتماع النقيضين من وجوهٍ كثيرةٍ على تقديرِ إثباتِ المثل. وهذا بابٌ واسع تبين فيه بهذه التقديراتِ المحالاتُ اللازمةُ من فرضِ تماثلِ الخالق والمخلوق، ليُعلَم أن هذا ممتنعٌ في نفسه متناقض لا يُتصوَّر، وإن كان يلزم من التمثيل أيضًا ما هو ممتنعٌ، من وصفِ الخالق بصفات المخلوق الناقصة، ووصفِ المخلوق بصفات الخالق التي هي من خصائصه، فإن ذلك يُبيِّن استحالة تماثلِ الخالق والمخلوق من غير تعيين، وهذا بيان الاستحالة في الخالق الحق المعيّن الموجود وفي المخلوق الموجود المعلوم، وكل هذه طرق صحيحة. ولهذا قال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم/ ٦٥]، وهذا من الأمثال المضروبة، كما سمَّى الله بذلك قول القائلين: ﴿مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس/ ٧٨] لما قال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ
следующие страницы →