← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 291

جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية

ابن تيمية

Полный текст (194 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

التقدير الذي يمتنع وجودُه، فإن هذه المقدَّرات التي لم تُوجَدْ: منها ما هو ممتنعٌ في نفسه، فيكون لازمُه ممتنعًا، ومنها ما قد علمنا أنه لا يكون، وإن كان في نفسه غير ممتنعٍ، فيكون لازمه ما لا يكون، ويسمَّى هذا ممتنعًا لغيره، لمشيئة الله ولعلمِه وإخباره بأن ذلك لا يكون. مثل قولهم: لو لم يُقتَل المقتول هل كان يعيش؟ فهذا التقدير معلوم العدم ممتنعٌ لغيره، فإن الله شاء ذلك وعَلمَه وكتبَه، فلم يكن يمكن لمشيئة الله وعلمِه أن يقع إلا ذلك. فإذا قُدِّر عدم المشيئة لقتله وعدمُ تعلق العلم كان هذا تقدير عدم الوجود، فيلزم عدمُ الموجود وهو قتلُه، فإذا لم يُقتل أمكن أن يعيش وأن يموتَ بسببٍ آخر، فلو لم يُقتل لزمَ أحدُ الأمرين، لكن قتلَه لا بدَّ من وجودِه. وقد يُقدَّر الممتنع لذاتِه، كما يقال: لو لم يكن خالقٌ لم يكن مخلوقٌ (١)، مثل قول النبي ﷺ والصحابة حيث يقولون وهم يرتجزون: لاهُمَّ لولا أنتَ ما اهتدينا ... ولا تصدَّقْنا ولا صلَّينا (٢) وربما قالوا: والله لولا أنتَ ما اهتدينا ... ولا تصدَّقْنا ولا صلَّينا وكذلك قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور/ ٢١]، و ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال/ ٦٨]، ونظائره متعددة. فقد يُقدَّر عدمُ الموجود ليُعلَم كيف الأمورُ مع عدمِه، ويُقدَّر وجودُ

стр. 142

المعدوم ليُعلم كيفَ الأمرُ مع وجودِه، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء/ ٢٢]. ومن الأول قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور/ ٣٥]، يقول تعالى: أيُتصوَّر أن يكونوا مخلوقين من غير خالقٍ خلقهم؟ أم هم الخالقون؟ أيُتصوَّر أن يكون الشيء خلقَ نفسَه؟ فإذا قُدِّر عدمُ الخالق لزِمَ أن يكونوا خُلِقوا من غير خالقٍ أو يكونوا هم خلقوا أنفسَهم، وكل ذلك ممتنع، فتعيَّن أن يكون لهم خالقٌ خلقهم. ولهذا قال جبير بن مطعم: لما سمعتُ النبي ﷺ يقرأ هذه الآية في الصلاة أحسَسْتُ بفؤادي قد انْصدَع (١). وكان جبير قد قدِمَ في فداء الأسرى عام بدرٍ، وكان ذلك أول ما دخلَ الإسلامُ في قلبه. فهذه التقديرات التي تكون في العلم والكلام هي طرقٌ وأدلة وبراهين قد تُبيَّن بها حقيقةُ الأمور، حتى في الأمور العملية دون الخبرية، فإن الإنسان قد يكون في حالٍ موجودة محمودةٍ، لا يعرف ما يكون إذا عُدِمتْ من الضرر، فيتركها، فيحصل له من الضرر ما لم يكن يظنه. وربّما يطلب وجودَ أمرٍ لا يُقدِّرُ إذ وُجِدَ ما يكون معه من الضرر، فإذا وُجِدَ كان من الضرر ما لا يعلمه. وصاحب النظر والقياس والتدبير يُقدِّر وجودَ ذلك المعدوم وعدم هذا الموجود ليبين له بذلك الحال كيف يكون، فيعلم ما يأتي وما يَذَر. فهذه التقديرات إذا كانت لطلب معرفة الحق الذي ينبغي معرفتُه، والعمل الذي ينبغي فعلُه كانت حسنةً، وإن كانت لردِّ الحقِّ الذي يجب قبولُه والعملِ الذي نُهِي عنه كانت من السيئات المذمومة. مثل تقدير فيلسوف قريش ورئيسها الوليد بن المغيرة لما سمع القرآن، وأراد أن

стр. 143

يجمع قومه المشركين على قولٍ يُلقونه إلى الناس يَصُدُّونهم عن اتباع الرسول، فعرضوا على آلاتهم (١)، هذا يقول: ساحر، وهذا يقول: كاهن، وهذا يقول: مجنون، وهو يَرُدُّ ذلك، ويُبيِّن أن مثل هذا القول لا يَنفُق على الناس ولا يقبلونه لظهور بطلانه، ثمَّ ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر/ ١٨ - ٢٥]. ووجهُ قولِه: إنه سحر أي إنه يسحر قلوب المتبعين له، حتى يُفرِّق بين المرء ووالده، والمرءِ وولدِه، والمرءِ وأخيه. فيجعل هذا القدر المشترك الذي يفعل الساحرُ مثله هو وجه كونه سحرًا. وأما وجهُ كونِه قول البشر فهو يُشبِه من بعض الوجوه ما يقول البشر، فهو نظير قولِ الفلاسفة الذين قالوا: إنه فيضٌ يَفِيضُ عليهم من العقل الفعَّال، كما يفيض سائر كلام المتكلمين على قلوبهم. وشاركهم في بعض قولهم من يقول: القرآن مخلوق، أو يقول: إن حروف القرآن مخلوقة. فهذا التفكير والتقدير الذي يطلب به معارضة القدر الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله، كما يفعله فضلاءُ المتفلسفة والمتكلمة من جميع الطوائف في دفع ما جاء به الكتاب والسنة، هو التفكير والتقدير الذي ذمَّه الله تعالى، وقال في مثله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر/ ٤]، وقال: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد/ ١٣]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي

стр. 144

صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر/ ٥٦] إلى أمثال ذلك. وأما التفكير والتقدير والقياس والتنظير الذي يحبه الله ورسوله فهو الأمثال المضروبة التي ضربها الله في كتابه، فقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم/ ٥٨]. فإن ضرب المثل هو تقديرُه وجمعه، فإن لفظ الضرب يُشعِر بذلك، ومنه ضرب الدرهم، والضرب في الأرض، والضريبة: الطبيعة، وكذلك الضرب بالعصا، كل ذلك من أصل واحد في اللفظ. والمقصود هنا أنه قد عُلِمَ من المعدوم الممتنع في نفس الأمر أن يكون لله مِثْلٌ، لكن إذا قُدِّر ذلك في النفس تبيَّن بتقديره ما يلزمه من الأمور الممتنعة التي يُعلم بها أنه ممتنع. وقد تبيَّن أنه إذا قُدِّر مِثْلانِ أحدهما خالقٌ والآخر مخلوق، كان هذا ممتنعًا متناقضًا من وجوهٍ كثيرة لا تنحصر، فإن المثل الذي يجوز عليه ويجب عليه ويمتنع عليه ما يجب ويجوز ويمتنع على الآخر، فحينئذٍ يجوز أن يكون هذا خالقًا لخالق نفسه، ويكون هذا مخلوقًا لمخلوقِ نفسه فيكون مخلوقًا لنفسه، والشيء لا يكون خالقًا لنفسه ولا يكون مخلوقًا لنفسه. ويكون هذا مستغنيًا بنفسه واجبًا بنفسِه فلا يكون مخلوقًا، ويكون أيضًا مفتقرًا إلى صانِعه ممكنًا بنفسه فيكون مخلوقًا، فيكون كلٌّ منهما خالقًا مخلوقًا، وهذا محال كما تقدم. ويكون هذا قديمًا فلا يحتاج إلى مُحدِث، ويكون هذا مُحدَثًا فيحتاج في وجودِه إلى قديم، فيكون كلٌّ منهما قديمًا بنفسه لا يحتاجُ ومُحدَثًا محتاجًا، وهذا محال. ويكون هذا واجبًا بنفسه له العلمُ بكلِّ شيء والقدرةُ على كلِّ شيء،

стр. 145

وهذا جائزٌ عليه الجهلُ بكل شيء والعجزُ عن كلِّ شيء، فيكون كلٌّ منهما واجبًا له بنفسه وجائزًا عليه العلم بكل شيء والقدرةُ على كلِّ شيء، وهذا ممتنع. ويكون هذا واجبًا له أن يكون سميعًا لكل مسموع وبصيرًا بكل مرئيٍّ، وهذا جائزٌ عليه أن لا يسمع ولا يُبصر شيئًا، فيجتمع هذان الوصفان، وهو محال. ويكون هذا يمتنعُ عليه الآفات المذكورة، [وهذا يجوز عليه الآفات المذكورة]، فيكون كلٌّ منهما يجوز عليه الآفاتُ ويمتنع، وهو ممتنعٌ. ويكون هذا معدومًا بنفسه لا يُوجَد إلّا بخالقِه، [وهذا] واجب الوجود بنفسِه لا تقبلُ ذاتُه العدم، وهذا محال. فقد تبيَّن أنه يلزم اجتماع النقيضين من وجوهٍ كثيرةٍ على تقديرِ إثباتِ المثل. وهذا بابٌ واسع تبين فيه بهذه التقديراتِ المحالاتُ اللازمةُ من فرضِ تماثلِ الخالق والمخلوق، ليُعلَم أن هذا ممتنعٌ في نفسه متناقض لا يُتصوَّر، وإن كان يلزم من التمثيل أيضًا ما هو ممتنعٌ، من وصفِ الخالق بصفات المخلوق الناقصة، ووصفِ المخلوق بصفات الخالق التي هي من خصائصه، فإن ذلك يُبيِّن استحالة تماثلِ الخالق والمخلوق من غير تعيين، وهذا بيان الاستحالة في الخالق الحق المعيّن الموجود وفي المخلوق الموجود المعلوم، وكل هذه طرق صحيحة. ولهذا قال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم/ ٦٥]، وهذا من الأمثال المضروبة، كما سمَّى الله بذلك قول القائلين: ﴿مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس/ ٧٨] لما قال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ

стр. 146

قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، فإن هذه الجمل الاستفهامية هي استفهامُ إنكارٍ، إنكار نفيٍ وسلبٍ ونهي ومنْعٍ، فهي متضمنةٌ لشيئين: أحدهما نفي أن يُعلم له سمِيٌّ، وهو أنك لا تعلم له سميًّا. والثاني: الإنكار على من يقول: إن ذلك يُعلم، إذْ لو أراد سبحانه النفيَ البحتَ لقال: ما تعلَمُ له سميًّا. فهذا يكون فيه نفيُ علمِه لا إنكارُ وجودِه، فلما قال: "هل تعلم" كان إنكارًا لوجود ذلك ونفيًا لأن يكون، ولهذا قال: "هل تعلم"، ولم يقل: "هل علمتَ"، ليبيِّن الإنكار والنفي لوجود العلم مطلقًا، فإن الفعل المضارع مطلق بَنَوه لما هو كائنٌ لم ينقطع، هذا لفظ سيبويه (١). كما بَنَوا الماضي لما مضى، وبنَوا الأمرَ لما لم يكن بعدُ. ونظيرُه أن تقول: هل يأتي نبيٌّ بعد محمد؟ هل تقوم الساعة الآن؟ هل يتخذ الله ولدًا؟ هل يَعلم أحدٌ أو يقول عاقل: إن الواحد مثل الاثنين؟ ونحو ذلك مما تبيَّن فيه امتناعُ ذلك وإنكارُ وجودِه، وتبيَّن أن وجودَه ممتنع، وأنه مما يجب إنكارُه ويُنكَر على من ادَّعاه. ثم دَلّ ذلك على نفي متعلقه أيضًا، فإن الحق لا يُنكَر العلمُ به، وإنما يُنكَر العلمُ بما لا حقيقة له، لقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس/ ١٨]، فدلَّ هذا المثل (٢) على أنه لا سميَّ له، وعلى أن لا يعلم أحد له سميًّا، وعلى أنه لا يمكن أن يكون له سميٌّ، وعلى أنه لا يمكن أن يُعلَم له سميٌّ، دلَّ على نفيه ونفي إمكانِه، ونفيِ العلم به وبإمكانه، في هذا اللفظ الوجيز المختصر.

стр. 147

فالعقل الشريف عَقَلَ هذه الأمثال، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت/ ٤٣]، فالعالمون يعقلون هذا المثل كما قال تعالى، وعَقْلُهم له معرفتُهم بما فيه من الحق وبدلالته على الحق المطلوب، حتى يَبقَوا عالمين بعقلهم للحق المطلوب، لا على وجه التقليد لمجرد صدق المخبر، لكن كما قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ/ ٦]. فإذا أوتوا العلم عقلوا أن الذي أُنزِل إليه من ربه من الأحكام الخبرية والأمرية والأدلة الدالة عليها - ك الأمثال المضروبة في القرآن - أنه هو الحق، فإن العاقل إنما يعقل ما لم يكن عنده من العلم بما هو عنده، وبالعلم بالمقدمات تُعلَم نتائجُها. ولهذا قال تعالى: إن الأمثال المضروبة ﴿مَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت/ ٤٣]، وأخبر أن الذين أوتوا العلم يرون الذي ﴿أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ/ ٦]. وإذا تبين بالقرآن وبعَقْلِ (١) الأمثال المضروبة فيه امتناعُ السَّمِيِّ لله، وأنه يمتنع أن يكون سميًّا في شيء من الأشياء حصل المقصودُ. والسميُّ هو المِثْل والشَّبهُ، كما نُقِل عن ابن عباسٍ (٢)، وهو إما أن يكون مأخوذًا من المساماةِ وهي المرافعةُ والمعالاةُ، كما قالت عائشةُ عن زينب: "وهي التي كانت تُسامِيني من أزواج النبي ﷺ " (٣). فيكون "فعيل" بمعنى الفاعل، كالأكيل والقعيد والنظير.

стр. 148

وإما أن يكون بمعنى المسمَّى باسمِه، كما قال في قصة يحيى: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم/ ٧]، فمن سمِّيَ باسم غيره فهو سميٌّ له، إذ الاسمُ هو مشتق في الاشتقاق التامّ من سَما يَسمُو، وإن كان في الاشتقاق الأوسط من وسَمَ يَسِمُ، كما قال ذلك من قاله من نُحاةِ الكوفةِ، كما بيَّنا أنواع الاشتقاق في غير هذا الموضع. فسواءٌ كان السمِيُّ من التسمية أو المساماة فإن مرجعهما إلى شيء واحد، فإن المسمَّى باسم الشيء هو مُسامٍ له وإن لم يقصد ذلك، والمُسَامِي للشيء لا بدَّ أن يُسمَّى بأسمائه، إذ المراد بالاسم في هذه المواضع ليس هو مجرد اللفظ الذي يكون عَلَمًا كأسماء الأعلام، وإنما المراد بالأسماء ما يدلُّ على نُعوتِ المسمَّى وصفاتِه، فإن الاسم يرفعُ المسمَّى ويُعلِيه، وإذا ارتفع وعلا ظهر وتجلَّى، وذلك هو وصفُه وإظهارُ ما فيه. وهذا هو الذي عابَه الله تعالى على من سَمَّى الأوثانَ بأسماءٍ ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [النجم/ ٢٣]. ولهذا كان أسماء الله الحسنى صفاتٍ له قولية، وهي دالةٌ على صفاته المعنوية، فيكون الله تعالى قد نفَى الإمكانَ أن يكون للهِ من يُسمَّى بأسمائه أو يُسامِيه، وهذا لا يُنافي ما ذكرناه أولًا مما في كتاب الله تعالى أن الله تعالى سمَّى نفسه بأسماءٍ وسمَّى بعضَ مخلوقاتِه بتلك الأسماء، لأنا قد بينّا فيما تقدم ما في الأسماء من الدلالة على المشترك والمميز، ونحنُ نُلخِّص في هذا المكان مقصوده: وهو أن أسماء الله - مثل العليم والقدير والرحمن والرحيم - دالة على نفسه المقدَّسةِ بما لها من نفسِ علمِه وقدرته ورحمته، وهذا الاسم الذي دلَّ على هذا المعنى لا يجوز أن يُسمَّى به سِواه أصلًا، وإذا أطلقناه

стр. 149

على المخلوق وقلنا في الإنسان: سميع بصير، فهذا الاسم الذي دلَّ على حقيقة سَمْع المخلوق وبَصرِه لا يُسمَّى الله به قطُّ، وأما الاسم المطلق الذي لا يُضاف فهو دالٌّ على القدر المشترك. فالاسم وإن كان لفظه قبلَ الإضافة والتعريف واحدًا، فهو بالإضافة والتعريف يصير دالًّا على أكثر مما كان دالًّا عليه حينَ التجرُّد. ولهذا قال الفقهاءُ في باب الأيمان: إن أسماءَ الله ثلاثةُ أصنافٍ: منها: ما هو نصٌّ، كقوله: الله، ورب العالمين، وأرحم الراحمين، ونحو ذلك. فهذه تكون يمينًا لا تحتمل غيرَ ذلك. ومنها: ما هو ظاهر، وهو ما يكون بإطلاقِه لله، وقد يُسمَّى به غيرُه بالقرينة، كقوله: العزيز والحكيم والرؤوف والرحيم، ونحو ذلك. ومنها: ما هو مجمل، لا ينصرف إطلاقُه إلى الخالق والمخلوق إلا بالقرينة، كقوله: الموجود ونحوه، فهذا لا يكون يمينًا إلا إذا نَوَى به الله، وهل يكون يمينًا بالنية على قولين بناءً على أن اليمين بالله تعالى هل تنعقد بالكناية: أحدهما يكون يمينًا، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما. والثاني: لا يكون يمينًا، وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول القاضي أبي يعلى في بعض كتبه. وهذا ثابت في جميع الأسماء التي تتغيَّرُ دلالتُها بالتقييد والإضافة في أسماء المخلوقين، فكيف بالاسم الدالّ على الخالق والمخلوق؟ فلفظ "الرسول" واحد، ومع هذا فلما قال: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل/ ١٦] وقال لنا: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ [النور/ ٦٣] لم تكن صفةُ الرسالة وقَدْرُها المدلولُ عليها باسم الرسول في أحد الموضعين هي الصفة والقدر المدلول عليها به في الموضع الآخر.

стр. 150

ويقال: هذا رسولُ هذه الأمة، ويقال في ذلك: رسولُ بني إسرائيل، فلا يُسمَّى أحدُهما باسم الآخر مطلقًا، وإن اشتركا في بعض مدلول الاسمين. ولهذا كان من أسماء هذا الرسول: محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب والمقفّي ونبي الرحمة ونبي الملحمة والضَّحوك والقتَّال (١)، ونحو ذلك من الأسماء التي يختصُّ هو بمعاني بعضها، ويختصُّ بكمال معاني باقيها، فليس في الرسل من يُسمَّى بأسمائه مطلقًا، وإن كان يَشرَكه في بعض إطلاق بعض أسمائه عليه لمشاركته له في بعض معانيها. وهذا لما قدَّمناه من أن الأسماء المتواطئة تَدُلُّ بمجرَّدِها على القدر المطلق المشترك الذي لا يُوجد مطلقًا مشتركًا إلّا في الذهن، وتدلُّ عند تعيينها بالتعريف على خصوص المعنى المعيَّن الموجود في الخارج الذي لا شركةَ فيه، فمدلولُها عند التعيين ليس فيه اشتراك أصلًا، كما أنه ليس فيها اشتراك ولا إطلاق، ولكن الذهن يأخذ القدر المشترك بين المعنيين، كما ينطق اللسانُ باللفظ المشترك المتواطئ الموجود في المحلَّين، وإن كان حالُ المطلق المشترك المتواطئ كالمعنى المطلق المشترك، وليس هذا بشرط الإطلاق إلّا في الذهن، كما أن اللفظ المطلق بشرط الإطلاق لا يكون في كلام الناس واستعمالهم، واللفظ المقيّد بتعريف الإضافة وغيرها يطابق المعنى الذهني المقيد بفهم تلك

стр. 151

الحقيقة المعينة، والحقيقة الخارجة المعينة مطابقة لذلك المعنى المفهوم من هذا اللفظ المعين، واللفظان في حال تعيينهما والمعنيان الذهنيان (١) والحقيقتان الخارجتان كل منهما متميز بنفسه، ليس فيه شركة مع غيره، ولكن معنى قولنا: "إنه يشاركه" أن الذهن يُدرِك أن هذا يُشبِه هذا من تلك الجهة، وكلٌّ منهما لا يكون في نفسه مطلقًا بشرط الإطلاق ولا مشتركًا بشرط الاشتراك، ولكن المعنى المطلق يوجد فيه لا بشرط الإطلاق، والمشترك يوجد فيه لا بشرط الاشتراك، بل مع تقييد وتخصيص. ومن هنا قيل: كما أن بين اللفظين اشتراكًا واشتباهًا فكذلك بين المعنيين اشتراكًا واشتباهًا (٢)، لكن هذا القدر المشترك المشتبه ليس داخلًا في حقيقة أحدهما الخارجة الموجودة أصلًا مشتركًا، إذ الذي فيها لا يكون مطلقًا بشرط الإطلاق، وإنما هو مطلق لا بشرط الإطلاق، بل هو مقيد بالتعيين، ولا مشتركًا بشرط الاشتراك، وإنما يقال: هو مشترك للمشابهة، بل هو مختصٌّ متميز. ثم إذا عُرِف هذا [في] جميع الأسماء المتواطئة وأنها إذا دلَّت على معنيينِ لم يكن في المدلولين الخارجين اشتراك، بل كلٌّ منهما متميز بنفسه، فلا يكون اسمُ هذا اسمًا لهذا ولا اسمُ هذا اسمًا لهذا قطُّ من جهة التعيين، فإن اسم المعيَّن لا يكون اسمًا لغيره، لكن إن كان المسمَّيانِ متماثلين في بعض الأمور صحَّ أن يُسمَّى أحدهما باسم الآخر، ويقال: هو سَمِيُّه، فإن التَّماثل في الحقيقة يُوجب التماثل في أسمائها، فيقال:

стр. 152

هذا الإنسانُ سَمِيُّ هذا، وهذا السواد سميُّ هذا، وهذا العالم سميُّ هذا، لتماثلهما في العلم وإن تفاوتَا في غيره. وأما إن كان المسمَّيان غير متماثلين في شيء من الأشياء لم يكن أحدُهما سميًّا للآخر بحالٍ، فإذا قيل لجبريل: الروح، وقيل: الذبابةُ فيها روحٌ، لم تكن روحُ الذبابة سميًّا لجبريل الذي اسمُه الروح، وإذا [قيل] عن جبريل: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير/ ٢١]، وقيل عن بعض أهل الكتاب: ﴿إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران/ ٧٥] لم يكن هذا الأمين سميًّا لذلك الأمين، وذلك لأن اللفظ دلَّ على أن بينهما تشابهًا من بعض الوجوه، وهو أصل الأمانة، وأما حقيقتها وصفتها وقدرُها فلم يشتبها فيه، فلم يكن اسمُ أحدهما دالًّا على مثل مدلول اسم الآخر، فلم يكن سميًّا له. فالله تعالى هو السميع البصير، فإذا سُمِّي بعضُ مخلوقاته بالسميع البصير لم يكن مدلولُ اسمِه تعالى مِثْلًا لمدلولِ اسم ذلك المخلوق بوجهٍ من الوجوه، فإذا لم يكن مُسمَّى السميع البصير الذي هو الذات والصفة مِثْلًا لذلك، لا الذات مثل الذات ولا الصفة مثل الصفة، امتنع أن يكون اسمُ هذا يُقال على هذا، وأن يكون سميًّا له، وإن كان من مدلولِ الاسمين تشابهٌ من بعض الوجوه. والتشابه ليس هو التماثل بوجهٍ من الوجوه، فإن الشيء قد يُشبِه ما يكون مخالفًا له، إذ ما من شيئين إلّا وقد يَشتبهانِ ولو في أدنى شيء، ولو أن في أحدهما غير الآخر وخلافه وضدّه، ومثلُ هذه المشابهة لا توجب تماثلًا بوجهٍ من الوجوه، بل رفعُ الاشتباه من كلِّ وجهٍ يقتضي عدم أحدهما. وقد قدّمنا كلام العلماء في ذلك، وامتناعَ محققيهم أن يَنْفُوا المشابهةَ من كل وجهٍ، وإن نفَوا

стр. 153

المماثلة من كل وجه. فهو سبحانه ليس له شِبْهٌ ولا له مِثلٌ بوجهٍ من الوجوه، إذ التماثل بوجهٍ من الوجوه منفيٌّ عن الله تعالى بالنصوص المتقدمة، وبالأمثال العقلية المضروبة التي أرشد إليها النصُّ، إذ لو حصلَ له مثلٌ في بعض الأمور لزِمَ الجوازُ والوجوب والامتناع من كل الوجه، فيلزم التناقُض والمحالات المتقدمة، وأما الاشتباه في بعض الأمور فلا يستلزم الاشتراك في الوجوب والجواز والامتناع، بل لا بدَّ منه بين كلِّ موجودين. فمن فَهِمَ هذه المعاني الشريفة فهمَ ما بين الأسماء من التواطئ والافتراق، وما بين مدلولها من التباين والاشتباه، وعلمَ أن الله ليس له مِثلٌ ولا سَميٌّ، لا في نفسه ولا في شيء من صفاته ولا من أفعاله، ولا يُسمَّى أحدٌ بشيء من أسمائه أصلًا، وعلمَ أن المخلوق إذا سُمِّي بالأسماء التي تصير اسمًا لله إذا أضيفتْ إليه، فلم يُسَمَّ بأسماء الله ولا بمثل أسماء الله، ولا صار شيء من الأسماء سميًّا لله، ولكن الاسم الذي يكون اسمًا لله إذا سُمِّي الخلق به يصير اسمًا لهذا إذا سُمِّيَ به، وكونُه يصير اسمًا له إذا سُمِّي به لا يُوجب كونه سميًّا له، وإنما لأجل ما في اللفظين من التواطئ دلَّا على معنًى مشترك، وهو ما بين الحقيقة من تشابه في معنى الاسم، وأنه بثبوت ذلك المعنى الذي يأخذه الذهن مشتركًا يكون الموجود موجودًا، وإلّا كان معدومًا، كما قد بيناه لما تكلمنا على الوجود الواجب والممكن. وبهذا تبيَّن لك أن المشبِّهة أخذوا هذا المعنى وزادوا فيه على الحقِّ فضلُّوا، والمعطِّلة أخذوا نفي المماثلة بوجهٍ من الوجوه، وزادوا فيه على

стр. 154

الحق حتى ضلُّوا، وأن كتاب الله دلَّ على الحقّ المحض الذي تَعْقِله العقولُ السليمةُ الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه. فالنُّفاة أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه أو التمثيل بشيء من خلقه بوجهٍ من الوجوه، فإن المماثلة بوجهٍ من الوجوه تقتضي التناقض والمحال، فإنه لو فُرِض أن الله تعالى يُماثِلُ شيئًا من خلقه في علمه أو إرادته أو غضبه أو حِلْمِه بوجهٍ من الوجوه، كان ذلك الوجه الذي تماثلا فيه يقتضي أن يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر. ولهذا جاءت هذه الشريعةُ بكمال التوحيد والتحميد والتنزيه، فقال رجلٌ للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتَني لله نِدًّا؟ قل: ما شاء الله وحدَه". فجعله بمماثلتِه له في المشيئة جاعلًا له نِدًّا، مع أنه لا بدَّ بين المشيئتين من قدرٍ مشتركٍ واشتباهٍ، ولكن ليس بينهما تماثلٌ وتَنَادٍ. ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد/ ١٦]، وقال تعالى: "ومن أظلمُ ممن ذهبَ يخلقُ كخلقي؟ فليخلقوا ذرَّة وليخلقوا بعوضةً! " (١). وقال النبي ﷺ : "إن أشدَّ الناس عذابًا يوم القيامة الذين يُضاهُون بخلق الله" (٢)، حيث فعلوا مثلَ ما فعلَ، ولو أنه في الصورة فقط، ولهذا يقال: "أحْيُوا ما خلقتم" (٣). وقال: "من صوَّر صورةً كُلِّف أن يَنفُخَ فيها الروح وليس بنافخ" (٤). لأنه لما فعلَ مثلَ الصورة في الجسم صار مضاهيًا ذاهبًا يَخلُق كخلقِ الله، فقيل له: حَقِّقِ التماثلَ فانفُخْ

стр. 155

فيها الروحَ، ولستَ بفاعل. فكان التماثلُ من كل وجه معجوزًا عنه، فنُهي عن المماثلة من بعض الوجوه، لأنه همٌّ بإظهار التماثل من غير تحقيق. ومع هذا فالإنسان له أفعالٌ لها أسماءٌ، ولله تعالى [أفعالٌ لها] أسماءٌ تُسمَّى هي بتلك الأسماء، مثل: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات/ ٤٧]، ومثل قوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل/ ٨٨]، ومثل قوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف/ ١٤٥]. ولم يكن العبد ظالمًا بهذه الأفعال، لأنه لم يُماثل الربَّ فيها بوجهٍ من الوجوه، وإنما [فيها] اشتباهٌ من بعض الوجوه التي لا تُوجب محذورًا، بل تُحقِّق الثابتة في الموضعين. فتدبَّرْ ارتفاعَ التماثُل بين الخالق والمخلوق من كل وجه، ولم تكن المماثلة ثابتةً من كل وجه، وتدبَّر ثبوتَ الحقائق التي لا بدَّ أن يكون بينها قدرٌ مشترك واشتباهٌ سُمِّيَ أحدهما من تلك الجهة بالاسم الذي تسمَّى به الآخر، وإن لم يكن أحدهما اسم الآخر، إذ الاسم هو مجموع المجرَّد والمقرونِ به من الإضافة أو لام التعريف، وإنما وجود الاسم المجرد في الموضعين مثل وجودِ المضافين في موضعي الإضافة، وأحدِ جُزئَي المركَّب في موضعَي التركيب، فإذا قلتَ: غلامُ زيدٍ وغلامُ عمرو لم يكن أحد الاسمين هو الآخر، ولم يكن أحدهما سمِيَّ الآخر، وأينَ عبد الله وعبد الرحمن من عبد شمس وعبد اللات؟ ولهذا غيَّر النبيُّ ﷺ أسماء من كان متعبَّدًا لغير الله من المسلمين، مثل من كان سُمِّيَ عبد شمس وعبد اللات، فسمَّاهم عبد الله وعبد الرحمن، لم يكن أحدُ الاسمين مثلَ الآخر. وإذا كان شخصان أحدهما اسمه عبد الله والآخر عبد شمس لم

стр. 156

يكن أحدهما سَمِيَّ الآخر ولا مُسمًّى باسمه، وإن كان لفظ الاسمين متفقًا في النصف، وهو لفظ المضاف، لأن الإضافة الاختصاصية قَطعتْ ذلك الاشتراك الذي كان موجودًا قبلها. فإذا قلتَ: سميع وسميع، فهو كقولك: عبد وعبد، وإذا قلت: الله السميع البصير والإنسان السميع البصير كان هذا التباين أعظم من قولك: عبد الله وعبد شمس، إذ التعريف باللام كالتعريف بالإضافة. فتدبَّرْ هذا، فإن هذه المعاني الشريفة نافعة في هذه المسائل التي كثر الاضطراب فيها، فالمنزِّهُ أحسنَ في نفي المماثلة من كل وجهٍ وإثباتِ المباينة والمخالفة كما تقدم، ولكن إذا زاد بنفي المعاني الثابتة لله في نفس الأمر ونفي حقيقة أسمائه لما في ذلك من نوع اشتراكٍ في الاسم واشتباهٍ في المعنى = كان مبطلًا معطِّلًا، لأن الذي كذَّب به من الحق ونفاه قد يكون أعظم مما كذَّب به من الباطل ونفاه. والمُثبِتةُ أحسنوا في إثباتِ حقيقة الله بما له من الصفات التي (١) لا يكون هو هو إلّا بها، وفي إثباتِ أسمائه الحسنى المبيِّنة لحقائق صفاته، فإنه لولا ثبوتُ هذه الصفات التي هي العلم والقدرة والكلام ونحوها، لم يكن ربًّا ولا خالقًا، بل لولا ثبوت أصل الصفات لم يكن موجودًا أصلًا. وإثباتُ ما لا صفةَ له إثباتُ ما لا وجودَ له، وهو إثباتُ معدوم. ولهذا كانت النفاة معطلةً متناقضةً ممثّلةً له بالمعدوم، أما تناقضُها فمن حيث أقرتْ بوجوده واستحقاقه الكمالَ المطلقَ والوجود الأتم، ثم وصفتْه بما يستلزم أنه لا يكون شيئًا أصلًا، فضلًا عن أن يكون قائمًا حيًّا.

стр. 157

ومثَّلتْه بالمعدوم، فكانت أضلَّ ممن مثَّله بالموجود الشيء، وكانوا مع ذلك معطلة عطَّلوا صفاته بإقرارهم واعترافهم، وعطَّلُوا حقيقتَه بما هو لازمٌ لهم. كما قد (١) بيَّنا أن إثباتَ المثلِ له بوجهٍ من الوجوه يُوجِب التناقض في نفسه، فرفعُ الصفات بالكلية ونفيُ وجود معنى مشترك ومشابهةٍ بوجهٍ من الوجوه متناقض أيضًا في نفسه. ثم هذا يقتضي عدمه، وذلك يقتضي نقصه، فلهذا كان التعطيلُ شرًّا من التمثيل. وإنما تناقض لأن من (٢) أثبته موجودًا عالمًا قادرًا، وقد علم أن في خلقه موجودًا عالمًا قادرًا، إن لم يُثبِتْ لوجودِه خصائص الوجود، ولعلمِه خصائص العلم، ولقدرتِه خصائص القدرة، وهو أن يكون وجودُه ثابتًا متميزًا بنفسه عن غيرِه من الموجودات ذي حقيقة ثابتةٍ بحقيقة الإثبات، ويثبت لعلمه خصيصة الإدراك والتمييز والمعرفة والإحاطة بالأشياء، ولقدرتِه خصائص القدرة التي بها يفعل الأفعال = وإلّا لم يُثْبِت موجودًا ولا عالمًا ولا قادرًا، ومتى أثبت هذه الخصائص فمن المعلوم بالضرورة أن لأحدنا منها نصيبًا، فإن لنا وجودًا وعلمًا وقدرة، [و] لنا ثبوتٌ (٣) محقق، وتمييز وقدرة بها نفعل، فإن رفعت هذا المطلق المشترك فقد عطَّلتَ الذات بالكلية وجعلتَها معدومةً بعد إقرارك بوجودها، وهذا تناقض، وهذا المعنى قد أوضحناهُ فيما تقدم. فإذا زاد (٤) المثبِتُ وجعل بينه وبينَ غيرِه مماثلةً من بعض الوجوه،

стр. 158

مثل أن يجعل علمه أو قدرتَه أو رحمته أو غضبَه مثلَ شيء من صفاتِ خلقه، أو يجعل ذاتَه مثل ذاتِ شيء من خلقِه من ذهبٍ أو فضَّةٍ أو بِلَّورٍ أو لحم، كما يُحكَى عن بعض المشبِّهة أنه قال: هو سَبِيكةٌ من فضَّةٍ، وعن بعضهم أنه قال: هو لحمٌ ودم ونحو ذلك = فهذا غلوٌّ في إثبات الحقيقة أدَّى (١) إلى التماثل الموجب لنقصِه وعدمه. فقد تبيَّن أن الغُلوَّ في تحقيقه حتى يُمثَّل ببعض المخلوقات يُوجِب الحكمَ بالعدم، وأن الغُلوَّ في تنزيهه حتى يُرفَع ما يُعلَم من القدر المشترك المشتبه يُوجِب العدم، فكلٌّ من فريقي الغُلاة في النفي والإثبات يَستلزمُ قولُه عدمَه، لكن النفاة يلزمهم الحكمُ بالعدم ابتداءً من أولِ أمرِهم، إذ لم يُثبوا شيئًا محقَّقًا أصلًا، وإنما ظنُّوا أنهم أثبتوا، والمثبتة يلزمهم الحكمُ بالعدم انتهاءً في آخر أمرهم، لأنهم أثبتوا شيئًا محققًا، واعتقدوا اعتقادًا صحيحًا، ثم زادوا في تمثيله ما يُوجِب أن يكون في صفة المعدوم. فلهذا كان الأولون أضلَّ، ولكن ليس في المسلمين ولا من مُثبِتي الصانع من يبتدئ بالنفي، بل لا بدَّ أن يُثبِتَ أولًا الصانعَ ويُقِرّ به، ثم يبالغ إما بالنفي وإما في الإثبات، فلهذا لم يُصرِّح أحدٌ من مثبتة الصانع بعدمِه، وإن كان قولُه يستلزم ذلك، وهو للنفاة ألزمُ وأبلغُ لزومًا وأسبقُ لزومًا وأوضحُ لزومًا. فهذا هذا، والله أعلم. فإن قلتَ: إن الفقهاء الأصليين (٢) وغيرهم تنازعوا في نفي المساواة هل يقتضي نفيَها من كل وجهٍ أو يقتضى نفيَ كمال المساواة؟ على قولين، ومَيلُ أصحاب أبي حنيفة وكثيرٍ من أهل الأصول إلى عدم

стр. 159

العموم، ومَيلُ كثيرٍ من أصحابي الشافعي وأحمد إلى أن هذا يوجب دفع جميع المساواة، فلا يكون الكافر كُفؤًا للمسلم ومساويًا له في باب الدماء، فلا يكون دمه كدمه، ولا يكون كفؤًا له. وإذا انتفت المساواة والمكافأة لم يُقتَل المسلم بالكافر الذمي. ويقول طوائف: إن هذا يوجب انتفاء المساواة المطلقة، والاشتراك في بعض الأحكام لا يمنع انتفاءَ المساواة، بدليل أنهما يستويانِ في كثير من الأحكام. وأنتم قد ذكرتم أن ما نفاه الله عن نفسه من الكفؤ والسَّمِيِّ والمِثْل يقتضي نفي ذلك من جميع الوجوه، وهذا الأصل اللفظي متنازَعٌ فيه، ولا بُدَّ من تقريرِ ذلك بالدليل. قلت: هذه المسألة تُشبِه دخولَ حروف النفي والنهي على ألفاظ العموم، مثل أن يقول: لا كلَّمتُ القومَ ولا أكلتُ هذا الرغيفَ، ففعلَ بعضَ المحلوفِ، أو مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر/ ٢٠] هل تُوجِب اللغةُ عمومَ النفي أو نفيَ العموم؟ وفي هذا الأصل قولان في مذهب أحمد وغيره. ومسألة اليمين مشهورةٌ عند الفقهاء، فالمشهور في مذهب أحمد - وهو مذهب مالك - أنه يَحنَث بفعلِ بعضِ المحلوف عليه، والرواية الأخرى عنه - وهى ظاهر مذهب أبي حنيفة والشافعي - أنه لا يَحنَث بفعل بعض المحلوف عليه عندهم كلهم مع الإطلاق، فأما مع قرينة العموم أو الخصوص فلا يبقى نزاعٌ، مثل إذا قال: لا أكلتُ الخبز أو اللحم، أو قال لامرأته: لا كلَّمتُ الرجال، فهنا يَحنَث بفعلِه البعضَ، إذ لا يُراد هنا عمومُ النفي بل مطلق النفي. ولو قال: واللهِ لا بَينتُ هذا الحائطَ وحدي، ولا نقلتُ هذا الترابَ وحدي، مما تُبيِّن القرينة أنه امتنع من فعل الجميع، لم يَحنَث بفعل البعض، أما في الأصول فيذكرون القولين مطلقًا في مذهب أحمد

стр. 160

وغيره، ولا يَثبتُ لأحدٍ في ذلك قولٌ مطّردٌ، فإنّ ما في القرآن من ذلك قد يُراد به عمومُ النفي، كقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة/ ٧]، وقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر/ ٢٠]، وغير ذلك. وإنما قلنا: إنها مثلها، لأن إثبات المساواة المطلقة يعمُّ المساواة في كل شيء عند الإطلاق، فإن عموم الكلِّ لأجزائه لعموم الجمع لأفرادِه، إذ لا فرق بين أن يكون المشمول الذي تناوله اللفظُ أفرادًا متباينةً أو أجزاءً متصلةً أو صفاتٍ قائمةً، كعموم قوله تعالى: ﴿وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة/ ٦] لجميع أجزاء اليد والوجه. إذا عُرِف ذلك فنقول: المساواة المثبتة تكون مطلقةً وتكون مقيَّدةً، فإذا كانت مقيَّدةً ببعض الأشياء لم يكن النفي إلّا لتلك فقط، [و] إن كانت مقيدة بمساواةٍ في شيء معين يقيد النفي به، وإن كانت مطلقةً في المساواة في أيّ شيء كان النفي لذلك، وإن كانت عامة المساواة في كلّ شيء فالعام المنفي نفيًا مطلقًا هو مورد النزاع. وأشهر القولين عند أصحابنا وعليه أكثرُ العلماء أنه لعموم النفي، فتنتفي المساواة من كلِّ وجهٍ، كما أن النفي الداخل على صيغ العموم يعمُّ ما يَعمُّه الإثبات، وذلك أن النفي يُناقض الإثبات، فيرفعُ ما أوجبَه الإثباتُ. ولهذا كانت النكرة في سياق النفي تَعُمُّ ، لأن مسمَّى اللفظ النكرة مثل وجهٍ وفرسٍ هو الحقيقة المطلقة، فإذا نُفِيَتْ فقيل: لا رجلَ في الدار، ولا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ، ولا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ في الحج، ولا نبيَّ بعدي، ولا إله إلّا الله = اقتضى نفي الحقيقة، والحقيقة المطلقة لا تنتفي إلا بانتفاء جميع أفرادِها، وإلّا فأيُّ فردٍ ثبتَ كانت الحقيقةُ

стр. 161

المطلقةُ ثابتةً بثبوتِه. فلهذا كانت النكرة في سياقِ العموم تَعُمُّ إما عمومًا قطعيًّا إذا تُيقِّن أن اللفظ لنفي الجنس، مثل أن يُقْرَن بمِن النافية للجنس مظهرةً أو مقدَّرةً، كقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة/ ٧٣]، وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد/ ١٩]. وإمّا عمومًا ظاهرًا إذا كان اللفظ ظاهرًا في نفي الجنس. ويجوز أن يُراد به نفيُ الواحدِ منه، كقولك: ما كلَّمتُ رجلًا ولا أكلتُ رغيفًا؛ إذ يجوز أن يقال: بل رجلين وبل رغيفين. وإن كان اللفظ لنفي الواحد من الجنس، كقولك: ما كلَّمتُ رجلًا بل رجلينِ، ولا أكلتُ رغيفًا بل رغيفينِ، انتفى العمومُ؛ لأن المنفيَّ واحدٌ من الجنس لا نفس الجنس. وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن إثبات اللفظ العام لأفرادِه لا يُشترط فيه التلازم ، فلا يكون إثباتُ بعضِ الأفراد مشروطًا بإثباتِه لبعضها، بل قالوا: أدواتُ التثنية والجمع في المؤتلفات كحروف النسق في المختلفات، فإذا قال: جاء الرجالُ، فقال النافي: ما جاء الرجالُ، فقد نفَى ما أثبتَه، وهو إنما أثبتَ الحكمَ مجرَّدًا، والعمومُ جاء من الصيغة، فالنفيُ ينفي الحكمَ مجردًا، لا ينفي مجرَّد العموم. بخلاف ما لو قال القائل: جاء كلُّ القوم، أو ما جاء كلُّ واحدٍ منهم، ولو قال: أطعمتُهم كلَّهم، أو غسلتُ وجهي كلَّه، فقال: ما أطعمتَهم كُلَّهم، وما غسلتَ وجهك كلَّه، فهنا لما كان المقصود الأول إثبات نفسِ العموم، لا الحكم الذي عرضَ له العمومُ، كان مقصودُ النافي العموم، لا نفي الحكم الذي عرضَ له العمومُ، إذ النفي يطابق الإثبات.

стр. 162

وكذلك الحقائق المركبة التي (١) ينتفي مجموعُها بانتفاء جزءٍ من أجزائها، إذا نفيتَها لم يلزمْ نفيُ جميع أجزائها، بل يكفي انتفاءُ جزءٍ من أجزائها، وإن بَقي بعض أجزائها. ولهذا صحَّ عند السلف ومن اتبعهم أن يقال عن الفاسق الملّي: ليس بمؤمنٍ، كما قال النبي ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يَسرِق السارقُ حين يَسرِق وهو مؤمن، ولا يشربُ الخمرَ حين يشربُها وهو مؤمن" (٢)، ولا يكون ذلك نفيًا لجميع أجزاء إيمانِه، فإن الإيمان عندهم وإن كان مؤلَّفًا من أمورٍ واجبةٍ، فإذا انتفَى بعضُها انتفَى الإيمانُ الواجبُ الذي به يَستحقُّ الجنَّةَ وينجو من النار، ولم يَنتفِ جميعُ أجزاء الإيمان، بل قد يبقى معه بعض أجزائه التي (٣) ينجو بها من النار بعد دخولها، كما أخبر النبي ﷺ أنه "يَخرجُ من النار من كان في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من إيمان" (٤). فإن الإيمان عندهم يَنقُص ولا يزولُ بالكلية، كما أنه قد يزيد على أداء الواجبات بالطاعات، فلهذا قالوا: يزيد بالطاعة ويَنقُص بالمعصية. ولهذا قال النبي ﷺ : "الإيمان بضعٌ وستون أو وسبعون شعبةً، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان" (٥). ومن خالفهم من الخوارج والمعتزلة والمرجئة

стр. 163

والجهمية فإنه عندهم لا يَنقُص إلّا أن يزول بالكلية، ظنًّا منهم أن المركب متى زال بعضُ أجزائه زال جميعُه. ولم يعلموا أن الصلاة والحج وغيرهما من المركبات التي يتناول اسمها لأركانها وواجباتها ومستحباتها، قد يزول بعض واجباتِها ولا يزول أصلُ الاسم، وهي عبادة واحدة، فكيف الإيمان الذي يدخل فيه كلُّ طاعةٍ؟ فإذا قلنا: ليس بمؤمنٍ دَلَّ على زوالِ بعض ما يجب من الإيمان، لا على زوالِ كلِّه كما يقوله هؤلاء. وكذلك إذا قال الشارع: مَن فعلَ ذلك فليس منَّا، اقتضى خروجَه عن هذه الحقيقة، وهي الإيمان الواجب الذي (١) يستحق به الثوابَ دون العقاب، لا يقتضي خروجَه عن جميع أجزاءِ الإيمان كما يقوله الخوارج والمعتزلة، ولا يقتضي نفيَ التطوعاتِ حتى يقال: معناه ليس مثلَنا أو ليس من خيارنا، كما يقوله المرجئة والجهمية. فإذا كان النفي مقابلًا للإثبات: إن أثبتَ المثبتُ نفسَ العموم رفعه النفيُ، كما في قوله: أكلتُ هذا كلَّه فقال النَّافي: ما أكلتَ هذا كُلَّه. وإن أثبتَ الحكم للمذكور بصيغة العموم كان النفيُ نفيًا لذلك الحكم المذكور بصيغة العموم، فإذا قال: جاء القوم، قال النافي: ما جاء القوم. ثم هنا ثلاث احتمالات: إما أن يقال: النافي نفَى إثباتَ الحكم للمذكورين، ولم يتعرضْ لنفيه عن بعضهم لا بإثباتٍ ولا نفي، بل نفى عينَ ما أثبتَه المثبت، فيُعلَم أنه حكم أنه لم يجئ المذكورون جميعهم، ويكون مجيءُ بعضِهم

стр. 164

مسكوتًا عن نفيه وإثباته. وإما أن يقال: بل نفى العمومَ، وأفاد بطريق المفهوم ثبوتَ البعض، فهذا إنما يكون إذا كان النافي أثبتَ العمومَ كما تقدم. وإما أن يقال: نفَى الحكم من كل عينٍ أثبتَه له، وناقضَ الإثبات العام بالسلب العام. فهذا الاحتمال والأول هما القولان المذكوران في المسألة، وأما أن يقال: هو لسلب العموم فقط فهذا لا يكون إلّا في موادَّ معينة ومع القرينة، بل يقال: سَلَب الحكم سلبًا عامًّا، أو سلبَ الحكم العام الذي أثبته المثبت، لا أنه سلبَ عمومَه فقط. لكن يقال: ليس في نفس الأمر إلّا السلب العامُّ أو سلبُ العموم، إذ سلبُ الحكم العام إما أن يكون مع العموم في السلب أو لا معه، فإن كان مع العموم في السلب فهو القسم الأول، وإن كان بلا عمومٍ في السلب فقد سلب عموم السلب. وهذه المسألة تُشبِه الاستثناءَ من الإثبات والنفي، هل هو لإثبات النقيضِ أو لرفع الحكم ؟ والأقوى في عامة الكلام إذا لم يكن فيه قرينة تَقتضي أن المراد رفع العموم وهو سلب العموم، فإن المراد عمومُ السلب والنفي، وذلك لأن إعراض المتكلم عن ذلك لا يكاد يقع، فلا بدَّ أن يقصد المتكلم أحدَ الأمرين، وسلبُ العموم فقط لا بدَّ له من قرينة في النفي، كما أنه لا بدَّ له من قرينةٍ في الإثبات، فيبقى النوع الآخر، وهو أنه لنفي ما أثبته اللفظ الأول، والأول أثبت الكلَّ، والثاني نفَى الكلَّ، وهذا أيضًا يوجب التعادلَ بين الإثبات والنفي، فإنه إذا كان الإثباتُ يُثبت الحكمَ لكلِّ واحدٍ فالنفيُ ينفيه عن كلِّ واحدٍ، وإلّا لم يكن النفي قد نفى ما أثبته الإثباتُ، وهذا واضح، فإن الإثبات أثبتَ حكمًا حاصلًا

стр. 165

للجميع، فلا بدَّ من رفع هذا الحكم، ولا يرتفع إلا برفعِه عن الجميع، كما قيل في نفي الجنس. فإن الحكم الذي أثبته الإثبات هو جنسٌ، فإذا قلتَ: قام القومُ، أثبتَّ جنسَ القيام للقوم، فإنهم لما قالوا: النكرةُ في سياق النفي تعمُّ، دخلَ في ذلك نكراتُ الأسماء والأفعال. فإذا قال: لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ، عمَّ كلَّ نوع من أنواع القتل، كما عمَّ كل مسلم وكلَّ كافر، والفعل نكرة مطلقًا، سواء كان فاعله ومفعوله نكرةً أو معرفة. فإذا قيل: جاء القوم أو أسلموا، فقيل: ما جاءوا ولا أسلموا، كان المنفي هو الفعل الذي هو نكرة، والنكرة في النفي تعمُّ. وهذه حجه جيدة بينة، والمفهوم في الاستعمال في الكتاب والسنة وكلام العرب يوافق ذلك الموالاة في جميعهم (١)، ولذلك لما حرَّم الله الدمَ والخمر والربا وغير ذلك كان تحريمًا لأفرادِه، وكذلك الرجل إذا قال لابنه: لا تُكلِّمْ هؤلاء، أو لا تُخاصِمْهم، أو لا تأكلْ هذا الطعام، أو لا تأخذْ هذه الدراهم = فَهمَ جميعُ الناس من ذلك العمومَ. وكذلك الحالف (٢) إذا قال: واللهِ لا آكلُ هذا الرغيف أو هذا الطعام، أو لا أضرِبُ هؤلاء أو لا أعتدي عليهم، فَهِمَ جميعُ الناس من ذلك العمومَ. وسببُه - والله أعلم - ما ذكرناه من نفي النكرة التي لا تنتفي إلّا بانتفاء جميع أفرادِها، فأما إذا عُلِمَ سببُ النهي وعمومه فذاك يكون عمومًا من جهة فهم العلة، وهو عمومٌ معنوي، وهذا يقتضى في قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر/ ٢٠] رفعَ المساواة من هؤلاء وكلِّ واحدٍ من هؤلاء، هذا في نفي العام المطلق، وأما النفي المبيَّن فيه

стр. 166

العموم مثل أن يقال: ما جاء منهم أحد، أو ما جاءني من أحدٍ من هؤلاء، أو ما جاء لا هذا ولا هذا = فهذا لا ريب [فيه]، كما أن الذي قصد به نفي العموم فقط لا ريبَ فيه، ومثلُ: هذا يُساوي هذا في كلِّ شيء، فيقال: ما يُساويه في شيء. إذا تبيَّن هذا قلنا: من المعلوم أن أحدًا لم يُثبِت لله مثلًا مطلقًا ولا كفوًا مطلقًا ولا سميًّا مطلقًا، فلم يقل أحدٌ من بني آدم: إن للبارئ سبحانه من يساويه في جميع صفاته وأفعالِه. فهذا أصلٌ. والأصل الثاني أنا قد قدمنا أنّ الندَّ والمساويَ والعِدْل إذا أُطلق في جانب الله فإنما يُراد به من جعل لله نِدًّا في بعض الأشياء، أو جعل له عِدْلًا في بعض الأشياء، كقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام/ ١]، وقوله: ﴿إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء/ ٩٧ - ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة/ ١٦٥]، وقول النبي ﷺ : "أجعلتَني لله نِدًّا؟ " (١). وهذا كالذين جعلوا لله شركاء، إنما أشركوهم معه في بعض الأمور. وأما أن يُجعل له شريك يَشرَكُه في جميع خلقِه وأمرِه فهذا لم يقله أحد، ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الروم/ ٢٨] أي كخيفة بعضِكم بعضًا، فأخبرَ أنكم لا تجعلون مماليككم شركاءكم، فكيف تجعلون مملوكي شريكي؟ وكانوا في تلبيتهم يقولون: لبيك لا شريك لك إلّا شريكًا هو لك، تَملِكُه

стр. 167

وما ملك (١). ولهذا نفَى سبحانه قليل الشرك فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾ [سبأ/ ٢٢]، فنفى نفيًا عامًّا لمسمَّى شركٍ، نكرة في سياق النفي، ليبيِّن أن الشريك المنفيَّ عنه من جُعِلَ شريكًا له في أدنى شيء من ملكِه. فنفيُ الشريك كنفي الندِّ والعِدْلِ. فإذا كان الشريك والندّ والعِدل ونحو ذلك في حق الله إنما هو اسمٌ لما أثبتَه الكفّار، وهم لم يُثبِتوا ذلك إلّا في بعض الأمور لا في جميعها، وثبت إطلاقُ هذه الأسماء في الكتاب والسنة وغير ذلك لمن أثبتَ لغيرِه معه معادلةً في شيء أو مساواةً في شيء أو مشاركةً في شيء، عُلِمَ أن مسمَّى العِدل والندّ والشريك في حق الله مطلق، ولا يُوجب المساواة في كلِّ شيء، بل يتناول ما ادعيتْ له المساواةُ في أيِّ شيء كان. وسبب ذلك أن هذه المسمَّيات ليس لها حقائق خارجية، فإن الله تعالى ليس له في نفس الأمر من يَصلُح أن يكون عِدلًا أو شريكًا أو كفوًا أو نِدًّا، ولكن لما صار في بني آدمَ من يَعدِل به بعضَ خلقِه في بعض الأشياء نفَى ذلك، فالنفيُ هو لما في نفوسِ بني آدم، ويلزمُ مِن نفي ذلك نفيُ الندّ العام، لكن ذلك لم يحج إلى نفيه ابتداءً، لأن أحدًا لم يُثبِته، وليس له مسمًّى خارجي. والأسماء إنما توضع للصور الذهنية أو للحقائق الخارجية، فإذا كان المماثلُ لله من كلّ وجهٍ ليس له وجود خارجي، ولا أثبتَه أحدٌ في ذهنِه واعتقادِه، لم يحتج أن يجعل له لفظٌ

стр. 168

يخصُّه، ولكن هو ينتفي عن الله بطريق اندراجِه في العموم، أو بطريق دلالة الفحوى والتنبيه. فتدبَّرْ هذا فإنه موضع شريف، فلهذا قلنا: إن نفي السمِيّ والمثل والندّ والكفو والشريك عن الله يقتضي نفيَ ذلك في كل الأمور، فليس له سميٌّ في شيء من الأشياء. وأما قولنا: "بين الوجودين قدر مشترك"، وهذا يقتضي أن يكون وجوده مشاركًا لوجود غيرِه، فهذا لفظي اصطلاحي، ليس هو الشرك المذكور في القرآن، فإن القرآن نفَى أن يكون في الموجودات من يكون شريكًا لله فيما يستحقه من خلقِه وأمرهِ وعبادته وحدَه لا شريك له، ولم يَنفِ أن يخلقَ هو سبحانه مخلوقاتٍ ويجعل لها صفاتٍ، وأنها تُسمَّى بأسماء توافِقُ أسماءه، فيَعقِل الذهنُ أن بين المسمَّيينِ قدرًا مشتركًا، وذلك القدر المشترك ليس له مشاركةٌ في شيء موجودٍ أصلًا، في خلقٍ ولا أمرٍ ولا عبادةٍ، وإنما هو في اعتبارٍ ذهني، كما يشارك اسمُه اسمَ بعضِ عباده في بعض حروفه، فالاشتراك بينه وبين عبادِه في بعض حروف الأسماء التي تُعقَل بالجَنان، وليس هذا بشركٍ في حقيقة موجودة أصلًا. ثم هذا من نعمه وفضله، فإنه الذي خلقَ الإنسان علَّمه البيان، وهو الذي بالقلم علَّم الإنسانَ ما لم يعلم. ولهذا قال النبي ﷺ لمن قال له: ما شاء الله وشئتَ: "أجعلتَني لله ندًّا؟ " وقال: "قل: ما شاء الله ثم شاء محمد". وأثبتَ المشيئة في مرتبة العبودية (١)

стр. 169

لا في مرتبة المنادَّة لتلك (١) المخلوقات، لما أعطاها من فضله الوجودَ العيني، كما قال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق/ ٢]، علَّم أيضًا من فضله العلمَ بها والتعبيرَ عنها، كما علَّم العلمَ به والتعبيرَ عنه بأسمائه. فكما أن وجودنا وحقائقنا من فضله، كذلك عِلْمنا بأنفسِنا وتعبيرُنا عن علومنا تابعٌ للعلم به والتعبير عن علمنا به، وأسماؤنا من أسمائه، كما روى الربيع بن أنس عن المسيح ﵇ قال: يتكلمون بأسمائه ويتقلبون في نَعمائه ويكفرون بآلائه. فقد تبين أن الله تعالى ليس له مثل ولا كفؤ ولا سميٌّ بوجهٍ من الوجوه، وتبين أن من أثبتَ لله ما يُماثِله في بعض الأمور، مثل من يقول من المجسِّمة: هو فضة أو كالفضة أو لحم أو دم، ومثل من طلب من المعطِّلة أن يكون له جنسٌ من المخلوقات، فهؤلاء مُبطِلون كلُّهم، وليس في ظاهر آياتِ الله ما يُوافِقُ قولَ أحدٍ من هؤلاء. ومن ادَّعى أن في الكتاب والسنة ما يدلُّ ظاهرُه على التجسيم والتشبيه فقد افترى على كتاب الله، وإن وصفَ الله بذلك فقد افترى على الله. فالمشبِّه المثبت لذلك مفترٍ على الله أو على كتابه، والمعطِّل المتأول لكتاب الله ظانًّا أن ظاهره كذلك مفترٍ على كتاب الله. بل يجب أن يبيَّن أن هذا ليس هو ظاهره، بل فيه نصوصٌ كثيرة دلَّت بالمعقول أيضًا كما دلَّت بالسمع على تنزيه الله عن مماثله المخلوقات بوجه من الوجوه. فإن قيل: قد تقدم تضعيفكم لاستدلالِ طائفة بمثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى/ ١١] على ما يدَّعونه من نفي. فهذا الجواب بعد الاستفسار هو بمنعِ المقدمة الأولى إذا فُسِّر الجسم بما ذكرناه من

стр. 170

المعنى المنفيّ بالنص والعقل، وادُّعي أنه ظاهر الكتاب والسنة، فإن هذا لم يدلَّ [عليه] ظاهر الكتاب والسنة. وهو إن قال: ظاهر النصوص أن صانع العالم متميزٌ عن المخلوقات بائنٌ عنها، وأن ذاته وحقيقته فوقَ حقيقة المخلوقات وذواتها، بحيث يرفع الناس أبصارَهم وأيديَهم إليه، تَعرُج الملائكة والروحُ إليه، وعُرِج بالرسولِ إليه، وتَصعَد أرواحُ العباد، وأن الناس يمكن أن يروه يومَ القيامة بأبصارهم فوقَ رؤوسهم ويشيرون إليه بأبصارهم وأيديهم، وأنه فوقَ الأمكنة كلِّها، وأنه خلقَ آدم بيديه اللتين هما اليدان، وأنه استوى فوقَ العرش فارتفع عليه وعلا عليه، وذاته فوقَ ذاتِ العرش، ونحو ذلك، وأن له ذاتًا حقيقةً ليس عدمًا ولا شَبَحًا ولا خيالًا، بل حقيقتُه أعظمُ الحقائق، وإن كان لا يعلم ما هو إلّا هو، ولا يَبلُغ قدرتَه غيُره، ونحو ذلك. فإن قال: هذه المعاني وما أشبهها هي ظاهر النصوص. قلنا: هذا مسلَّمٌ، لكن بمنع المقدمة الثانية، وهو قولك: هذا منتفٍ، وإذا سمَّاه من سمَّاه تشبيهًا وتجسيمًا، لكن مجرد تسميتهم له بهذا الاسم لم يكن موجبًا لتركِ ما دل عليه (١) الكتاب والسنة، أو لتركِ ما عُلِمَ بالفطرة والعقلِ وإجماع السلفِ وأتباعِهم من الخلفِ أهل العلم والإيمانِ، فإن هذا الاسم إن لم يكن مطابقًا للمسمَّى كان كذبًا، كتسمية قريشٍ للنبي ﷺ مذمَّمًا، وتسميتهم له شاعرًا وساحرًا ومجنونًا، ونحو ذلك مما يجدون بينه وبين المسمَّى به من اشتراكٍ في أمرٍ من عوارضِ

стр. 171

الرسالة. جعلوه شاعرًا للمطابقة التي بين رؤوس الآي، ومجنونًا لخروجه عن عقلهم وعادتهم، وساحرًا لقوةِ تأثير كلامه في نفوس المستمعين، فكذلك هؤلاء إذا سمَّوا هذا تشبيهًا وتجسيمًا، لما فيه من إثبات حقيقة الربِّ وحقائقِ أسمائه وصفاتِه التي يُوافِق لفظُها لفظَ ما يُوصَف به العبادُ = لم يَضُرَّ ذلك، إذا كان الله في نفسه ليس هو من جنس المخلوقاتِ ولا مماثلًا لها في شيء من الأشياء، وان كان هذا الاسم مطابقًا لمسماه فإنه يكون مذمومًا إذا عُلِمَ ذَمُّه بالشرع أو بطلانُ المسمَّى بالعقل. وليس في كتاب الله ولا سنة رسولِه ولا قولِ أحد من سلفِ الأمة ذمُّ التجسيم، حتى يكون الاسم مذمومًا في الشرع، وثبت معناه في حقّ الخصم، ولا أيضًا في الكتاب والسنةِ ولا لفظِ أحدٍ من الأئمة ذمُّ التشبيه بهذا التفسير، بل الذين ذَمُّوا المشبِّهة من سلفِ الأمة كانوا مثبتةً للصفات، وكانوا لنُفاتِها أشدَّ ذمًّا. والتشبيه المذموم عندهم هو المعنى الأول الذي أبطله المثبتة، ومنعوا دلالةَ النصوص عليه في أصله. [ثم] إن لفظ التشبيه فيه إجمال، فهو مذموم لما ذمَّه السلف من ذلك، وليس هو مذمومًا بالمعنى الذي ينفيه نُفاةُ الصفاتِ. وكذلك لفظ التجسيم في كلام المتأخرين، لكن معه زيادة أنه ليس [له] ذكرٌ في كلام السلف لا بنفي ولا بإثبات، بخلاف ذلك اللفظ، فإنه ذُكِر بالأمرين في كلامهم. فإن أخذَ المنازعُ المعترضُ يَنفي هذا المعنى بما يذكره من الحجج العقلية تُكُلِّم معه في ذلك، وبُيِّن له أن ما ينفيه النُّفاة من هذه المعاني التي أثبتتْها النصوصُ النبوية وفُطِرَت عليها العقولُ الإيمانية، لا تَنتفي بما يذكرونه من الشُّبَه القياسية بألفاظٍ مجملةٍ تَظهر حقائقُها عند الاستفسار.

стр. 172

كما يُقال لمثل هؤلاء النُّظَّار (١): سَوفَ تَرَى إذا انْجلَى الغُبارُ ... أفَرَسٌ تحتَكَ أم حِمارُ وسنعود إن شاء الله إلى تكميل هذا المقام، فإن المعترض لما أجملَ ما ذكر من الحجج العقلية التي بها يَدفَع موجبَ الكتاب والسنة، نَهَجْنَا الطريقَ إلى وجهِ بيانِ فسادِها بالممانعة بعدَ الاستفسار، وبمعارضتها بما هو أقوى في العقل منها عند النُّظّار، لنظر سلامة القرآن والحديث عن تحريف الغالين وانتحالِ المبطلين وتأويل الجاهلين، وبُيِّن أنه ليس ظاهره الكفر ولا الضلال كما يلزم حزبَ المعترض الجهّال، ولا أن الرسول أهملَ أصولَ الدين وبيانَ معرفةِ ربّ العالمين كما يقوله طوائف من المعطِّلين، ولا أنّ الربَّ مُشبه بالعدم والموات كما يصفه به النُّفاة، ولا أن السلف الذين هم خيار القرون كانوا أمِّيين كما يُلزِمُ به طوائف من المتكلمين، ولا حول ولا قوةَ إلا بالله. ونحن نتكلم على التفصيل في مواضعِه إن شاء الله تعالى، آمين.

стр. 173

فصل في الكلام على حديث "خلق آدم على صورته "

стр. 174

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (من الأسوِلَةِ المصرية على الفُتْيا الحمويَّة، والرَّدِّ على صاحب الأسْوِلةِ، وهو القاضي السَّرُوْجِيُّ) قال في الأسولة: وأمَّا كيف يُعمَل بقوله: خلق آدم على صُورتِه، وعلى صُورةِ الرحمن؟ قال شيخ الإسلام ﵀: فالجوابُ أنه يُعمَل فيه ما عَمِلَه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وتابعو التابعين، وأئمة المسلمين، فإن هذا الحديث هو في الصحاح من غير وجهٍ، أَعني (على صورته)، واللفظة الثانية مرويةٌ عن ابن عمر موقوفًا ومرفوعًا (١)، ومثله عن ابن عباس (٢) وغيره من السلف، وهو مرويٌّ بألفاظٍ متنوعةٍ، ومثله موجود

стр. 175

فيما عند أهل الكتب من الكُتُب المأثورة عندهم عن الأنبياء في التوراة وغيرها. فأما السلف فلم يكن فيهم من تأوَّله، لكن في علماء السنة أهل الحديث الأكابِرِ من تأوَّلَه، كما سنذكره، ولكن كان في السلف من يترك روايته؛ فإن مالكًا رحمةُ الله عليه رُوي عنه أنه لما بلغه أن محمد بن عجلان حدَّث به كره ذلك، وقال: إنَّما هو صاحبُ أُمراءَ (١). والمقتصدون يقولون (٢): إنما كره مالكٌ ذلك لأنَّ العلم الذي قد يكون فتنةً للمستمع لا ينبغي للعالم أن يُحدِّثَه به؛ لأنَّهُ مَضرةٌ بل فتنة، وأن يكون بلَّغه لمن لا يفتتن به؛ لوجوب تبليغ العلم، ولئلا يُكْتَم ما أنزل الله من البينات والهدى. وهذا كما قال عبد الله بن مسعود: ما من رجلٍ يُحدِّث قومًا حديثًا لا تَبلُغه عقولهم، إلا كان فتنةً لبعضهم (٣). وقال ﷺ (٤): "حدِّثوا الناسَ بما يعرفون، ودَعُوا ما يُنكرون؛

стр. 176

أتُحِبُّون أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه؟ ! ". ولذلك كان الإمام أحمد وغيره من الأئمة إذا خَشُوا فتنةَ بعض المستمعين بسماع الحديث لم يُحدِّثُوه به، وهذا الأدب مما لا يتنازع فيه العلماء؛ فإن كثيرًا من العلم يَضُرُّ أكثرَ الخلق، ولا ينتفعون به، فمُخاطبتُهُم به مَضرَّةٌ بلا منفعةٍ. وقد سأل رجلٌ ابنَ عباس عن تفسير قوله [تعالى]: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق/ ١٢] فلم يُجبهُ، وقال: ما يمنعك أنِّيْ لو أخبرتُك بتفسيرِها لكفرتَ؟ وكفرُك بها تكذِيبُك بها (١). وسأله رجل عن قوله [تعالى]: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج/ ٤]، فقال: يوم من أيَّام الرب، أخبر الله به، الله أعلمُ به (٢). وسأل بعضهم زرَّ بن حُبيشٍ عن حديث عبد الله أن النبي ﷺ رأى جبريل، وله سِتُّمئة جناحٍ، فلم يُحدِّثْهُ (٣). ومن المعلوم أنَّ فيما (٤) رُوِيَ [في] هذا الحديث ما قد يَفْتِنُ بعضَ الناس؛ إمَّا بتكذيبٍ لحق، وإما بتصديقٍ بباطل فيعتقد اعتقادًا فاسدًا،

стр. 177

أو يرُدُّ اعتقادًا صحيحًا، أو يُوقعُ تباغُضًا وتعاديًا، وغير ذلك من الأمور المُحرَّمة المتعلقة بالأمور الخبريَّة، وبالأفعال الأمريَّة. وقولُ مالكٍ ﵀ في ابن عجلان: هو صاحبُ أُمراءَ؛ كأنَّه - والله أعْلمُ - يُريدُ بذلك أن [جُلَساءَ] (١) الملوك لا يضعون العلم مواضعه، وإنما يقولون ما عنده مُطلقًا؛ لطلب التقرب إلى الملوك أو لغير ذلك، من غير تمييزٍ بين ما ينتفع به الملوك وما لا ينتفعون به. وهذا الحديث فيه ما يجب تبليغُه للملوك؛ من نهي النبي ﷺ [عنْ] ضَرْبِ الوجهِ، ولذلك روى مالكٌ هذا المعنى عن ابن عجلان نفسه، كما سنذْكُرُهُ إنْ شاء الله، ورواهُ البُخارِيُّ في صحيحه (٢)، لكنَّه كَنى عنهُ في هذا الموضع؛ لئلا يُعابَ عليه صُورةُ التناقُض في كونه يَكره له روايتَه، ثُمَّ يرويه هو عنه. وأنكر بعضُ الناس على مالكٍ إنكارَه لروايته، وقال: كيف يُنكِرُ

стр. 178

تبليغَ حديثٍ صحيحٍ لرسول الله ﷺ ، ولا يُنكر الكلام بالرأي المخالف لحديث رسول الله ﷺ ؟ وقَرَنوا هذا بما يُذكَرُ عن رَبيعَةَ وأبي ... (١) ونحوهما من أهل رأي المدينة؛ أنهم كانوا ينكرون على ابن شهابٍ وأبي الزِّناد الأحاديثَ الصحيحةَ، وهما أوَّلُ من أحدثَ [في مدينة] (٢) النبيِّ ﷺ الحدَثَ بالقول بالرأي في الدين، وقد عُلِمَ ما قاله النبيُّ ﷺ فيمن أحدثَ في مدينته ﷺ حدثًا (٣). وضمُّوه إلى ما قاله ابنُ أبي ذِئْبٍ في ذلك لحديث "البَيِّعَين بالخَيارِ" (٤)، وذكروا أشياء لا أُحِبُّ ذكرها؛ لأن المتكلِّم بها عظيمٌ، والمتكلَّم به عظيم، وهم أئمة مجتهدون، فالكلام في ذلك يُشبِه الكلام فيما وقع بين الصحابة؛ إذ المعنى المقتضي لذلك يَعمُّ الصحابةَ وسائرَ طبقات الأمة (٥)؛ إذْ كُلُّ طبقةٍ مُتأخِّرة ينبغي أن تستعمل من الطبقة المتقدمة معنى هذه الآية: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر/ ١٠].

стр. 179

ومعلومٌ أن كلام العلماء بعضهم في بعضٍ - بالاجتهاد تارةً، وبنوع من غيره أخرى - يُشبِه ما وقع بين بعض الصحابة وبعضٍ من القال والفعال. فالمؤمن يجمع بين القيام بحق الله، بمعرفة دينه والعمل به، وحقوق المؤمنين متقدميهم ومتأخِّريهم؛ بالاستغفار وسلامة القلوب، فإنه من كان له في الأمة لسانُ صدقٍ - بل ومن هو دونه - إذا صدر منه ما يكون مُنكرًا في الشرع (١)، فإما أن يكون مجتهدًا فيه، يَغفِر الله له خطأه، وإما أن يكون مغمورًا بحسناته، وإما أن يكون قد تاب منه. بل من هو من دون هؤلاء إذا فعل سيئةً عظيمةً فالله يَغفرِها له؛ إما بتوبةٍ، وإما باستغفاره، وإما بحسناته الماحية، وإما بالدُّعاء له، والشفاعة فيه، والعمل الصالح المُهدَى إليه، وإما أن يُكفِّر عنه بمصائب الدنيا، أو البرزخ، أو عَرَصات القيامة، أو برحمة الله تعالى، فلهذا ينبغي للمؤمن أن يتوقَّى القولَ السيئَ في أعيان المؤمنين المتقين، ويُؤَدِّي الواجبَ في دين الله، والقولَ الصدق، واتباع ما أمَر الله به، واجْتنابَ ما نَهى الله عنهُ. وكما أنَّ هذا الواجبُ في المسائل العملية، فكذلك في هذه المسائل الخبرية، لا سيما فيما يَغمُض معناهُ، ويَشتبه على عموم الناس الحقُّ فيه بالباطل، فهذا المسلك يجب اتِّباعه، إذْ قلَّ عظيمٌ في الأمة إلا وله زلَّةٌ، وقد جاء في الحديث التحذيرُ من زلَّةِ العلماء (٢).

стр. 180

وهذه المسألة التي نحن فيها لا بدَّ فيها [من ذلك]، إمَّا من جانب النفي والنهي، وإما من جانب الإثبات؛ فالمُثْبِتَةُ تجدُ في النُّفاة من هو عظيمٌ عندها، والنُّفاةُ تجدُ في المُثْبِتَةِ من هو عظيمٌ عندها، فلا بُدَّ من رعاية حق الله بالواجب في الإثبات أو النفي، والأمر والنهي، وحقِّ عبادِهِ المؤمنين، بما لهم من إيصال حقوقهم إليهم، من المحبَّة والموالاة وتوابع ذلك، واجتناب البغي والعُدوان عليهم. وقد حَملتْ طائفةٌ ثالثةٌ نهيَ مالك لرواية هذا الحديث على العموم، وقد رُوِي عنهم أنَّه كَرِه رواية أحاديثَ في هذا الباب، فجعلوا هذا قُدوةً في المنع من رواية أحاديث النبي ﷺ الصحيحة الثابتة (١) عنه، ثمَّ يُنزِلون ذلك على رأيهم، فمنهم من يجعل ذلك عامًّا في رواية جميع أحاديث الصفات، كما يقوله من يقوله من المعتزلة ونحوهم من الجهميَّة، من النهي عن رواية هذه الأحاديث والتكذيب بها، كما يفعلون ذلك في مُكْنتِهم، كما فعلوه في إمارة أبي إسحاق (٢) ونحوه، ومنهم من يَخُصُّ ذلك ببعضها. وفي الجملة فالكلام في حق رواية الأحاديث وقُبح ذلك فيه تفصيلٌ ليس هذا موضعه، والذين قَبِلوا (٣) هذا قد يوافقونهم على أنَّ هذا كان مقصودَ مالك؛ لكون ذلك سببًا للقدح فيه، ولنظرائه وأصحابه من أئمة الفقهاء فيه من الكلام، فلا أُحبُّ ذكره هنا.
следующие страницы →