أتُحِبُّون أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه؟ ! ".
ولذلك كان الإمام أحمد وغيره من الأئمة إذا خَشُوا فتنةَ بعض المستمعين بسماع الحديث لم يُحدِّثُوه به، وهذا الأدب مما لا يتنازع فيه العلماء؛ فإن كثيرًا من العلم يَضُرُّ أكثرَ الخلق، ولا ينتفعون به، فمُخاطبتُهُم به مَضرَّةٌ بلا منفعةٍ.
وقد سأل رجلٌ ابنَ عباس عن تفسير قوله [تعالى]: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق/ ١٢] فلم يُجبهُ، وقال: ما يمنعك أنِّيْ لو أخبرتُك بتفسيرِها لكفرتَ؟ وكفرُك بها تكذِيبُك بها (١).
وسأله رجل عن قوله [تعالى]: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج/ ٤]، فقال: يوم من أيَّام الرب، أخبر الله به، الله أعلمُ به (٢).
وسأل بعضهم زرَّ بن حُبيشٍ عن حديث عبد الله أن النبي ﷺ رأى جبريل، وله سِتُّمئة جناحٍ، فلم يُحدِّثْهُ (٣).
ومن المعلوم أنَّ فيما (٤) رُوِيَ [في] هذا الحديث ما قد يَفْتِنُ بعضَ الناس؛ إمَّا بتكذيبٍ لحق، وإما بتصديقٍ بباطل فيعتقد اعتقادًا فاسدًا،
стр. 177
أو يرُدُّ اعتقادًا صحيحًا، أو يُوقعُ تباغُضًا وتعاديًا، وغير ذلك من الأمور المُحرَّمة المتعلقة بالأمور الخبريَّة، وبالأفعال الأمريَّة.
وقولُ مالكٍ ﵀ في ابن عجلان: هو صاحبُ أُمراءَ؛ كأنَّه - والله أعْلمُ - يُريدُ بذلك أن [جُلَساءَ] (١) الملوك لا يضعون العلم مواضعه، وإنما يقولون ما عنده مُطلقًا؛ لطلب التقرب إلى الملوك أو لغير ذلك، من غير تمييزٍ بين ما ينتفع به الملوك وما لا ينتفعون به.
وهذا الحديث فيه ما يجب تبليغُه للملوك؛ من نهي النبي ﷺ [عنْ] ضَرْبِ الوجهِ، ولذلك روى مالكٌ هذا المعنى عن ابن عجلان نفسه، كما سنذْكُرُهُ إنْ شاء الله، ورواهُ البُخارِيُّ في صحيحه (٢)، لكنَّه كَنى عنهُ في هذا الموضع؛ لئلا يُعابَ عليه صُورةُ التناقُض في كونه يَكره له روايتَه، ثُمَّ يرويه هو عنه.
وأنكر بعضُ الناس على مالكٍ إنكارَه لروايته، وقال: كيف يُنكِرُ
стр. 178
تبليغَ حديثٍ صحيحٍ لرسول الله ﷺ ، ولا يُنكر الكلام بالرأي المخالف لحديث رسول الله ﷺ ؟ وقَرَنوا هذا بما يُذكَرُ عن رَبيعَةَ وأبي ... (١) ونحوهما من أهل رأي المدينة؛ أنهم كانوا ينكرون على ابن شهابٍ وأبي الزِّناد الأحاديثَ الصحيحةَ، وهما أوَّلُ من أحدثَ [في مدينة] (٢) النبيِّ ﷺ الحدَثَ بالقول بالرأي في الدين، وقد عُلِمَ ما قاله النبيُّ ﷺ فيمن أحدثَ في مدينته ﷺ حدثًا (٣).
وضمُّوه إلى ما قاله ابنُ أبي ذِئْبٍ في ذلك لحديث "البَيِّعَين بالخَيارِ" (٤)، وذكروا أشياء لا أُحِبُّ ذكرها؛ لأن المتكلِّم بها عظيمٌ، والمتكلَّم به عظيم، وهم أئمة مجتهدون، فالكلام في ذلك يُشبِه الكلام فيما وقع بين الصحابة؛ إذ المعنى المقتضي لذلك يَعمُّ الصحابةَ وسائرَ طبقات الأمة (٥)؛ إذْ كُلُّ طبقةٍ مُتأخِّرة ينبغي أن تستعمل من الطبقة المتقدمة معنى هذه الآية: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر/ ١٠].
стр. 179
ومعلومٌ أن كلام العلماء بعضهم في بعضٍ - بالاجتهاد تارةً، وبنوع من غيره أخرى - يُشبِه ما وقع بين بعض الصحابة وبعضٍ من القال والفعال.
فالمؤمن يجمع بين القيام بحق الله، بمعرفة دينه والعمل به، وحقوق المؤمنين متقدميهم ومتأخِّريهم؛ بالاستغفار وسلامة القلوب، فإنه من كان له في الأمة لسانُ صدقٍ - بل ومن هو دونه - إذا صدر منه ما يكون مُنكرًا في الشرع (١)، فإما أن يكون مجتهدًا فيه، يَغفِر الله له خطأه، وإما أن يكون مغمورًا بحسناته، وإما أن يكون قد تاب منه. بل من هو من دون هؤلاء إذا فعل سيئةً عظيمةً فالله يَغفرِها له؛ إما بتوبةٍ، وإما باستغفاره، وإما بحسناته الماحية، وإما بالدُّعاء له، والشفاعة فيه، والعمل الصالح المُهدَى إليه، وإما أن يُكفِّر عنه بمصائب الدنيا، أو البرزخ، أو عَرَصات القيامة، أو برحمة الله تعالى، فلهذا ينبغي للمؤمن أن يتوقَّى القولَ السيئَ في أعيان المؤمنين المتقين، ويُؤَدِّي الواجبَ في دين الله، والقولَ الصدق، واتباع ما أمَر الله به، واجْتنابَ ما نَهى الله عنهُ.
وكما أنَّ هذا الواجبُ في المسائل العملية، فكذلك في هذه المسائل الخبرية، لا سيما فيما يَغمُض معناهُ، ويَشتبه على عموم الناس الحقُّ فيه بالباطل، فهذا المسلك يجب اتِّباعه، إذْ قلَّ عظيمٌ في الأمة إلا وله زلَّةٌ، وقد جاء في الحديث التحذيرُ من زلَّةِ العلماء (٢).
стр. 180
وهذه المسألة التي نحن فيها لا بدَّ فيها [من ذلك]، إمَّا من جانب النفي والنهي، وإما من جانب الإثبات؛ فالمُثْبِتَةُ تجدُ في النُّفاة من هو عظيمٌ عندها، والنُّفاةُ تجدُ في المُثْبِتَةِ من هو عظيمٌ عندها، فلا بُدَّ من رعاية حق الله بالواجب في الإثبات أو النفي، والأمر والنهي، وحقِّ عبادِهِ المؤمنين، بما لهم من إيصال حقوقهم إليهم، من المحبَّة والموالاة وتوابع ذلك، واجتناب البغي والعُدوان عليهم.
وقد حَملتْ طائفةٌ ثالثةٌ نهيَ مالك لرواية هذا الحديث على العموم، وقد رُوِي عنهم أنَّه كَرِه رواية أحاديثَ في هذا الباب، فجعلوا هذا قُدوةً في المنع من رواية أحاديث النبي ﷺ الصحيحة الثابتة (١) عنه، ثمَّ يُنزِلون ذلك على رأيهم، فمنهم من يجعل ذلك عامًّا في رواية جميع أحاديث الصفات، كما يقوله من يقوله من المعتزلة ونحوهم من الجهميَّة، من النهي عن رواية هذه الأحاديث والتكذيب بها، كما يفعلون ذلك في مُكْنتِهم، كما فعلوه في إمارة أبي إسحاق (٢) ونحوه، ومنهم من يَخُصُّ ذلك ببعضها.
وفي الجملة فالكلام في حق رواية الأحاديث وقُبح ذلك فيه تفصيلٌ ليس هذا موضعه، والذين قَبِلوا (٣) هذا قد يوافقونهم على أنَّ هذا كان مقصودَ مالك؛ لكون ذلك سببًا للقدح فيه، ولنظرائه وأصحابه من أئمة الفقهاء فيه من الكلام، فلا أُحبُّ ذكره هنا.
стр. 181
وأمَّا أهل الاقتصاد العارفون بقدر مالكٍ، فيقولون: هو كان أعلمَ وأبينَ من أن ينهى عن رواية الحديث الصحيح عن النبي ﷺ نهيًا عامًّا، فإنَّ هذا أمرٌ بكتمان ما أمر الله بتبليغه، ومخالفةٌ لما أمر به النبي ﷺ من التَّبليغ، حيثُ دعا لصاحبه بالنَّضْرَة في مقالتها وتأديتها عنه (١).
قالوا: والنهي إنما يكون لسببٍ خاصٍّ كضعف حفظ المحدِّث، أو لدينه، أو اشتغال المحدِّث به عمّا أُوجِب عليه، ونحو ذلك، كما كان عمرُ ينهى عن الحديث الذي لم يَضبِطه صاحبه، وينهى أن يشتغل الناس عما يؤمرون به في القرآن بما لم يجب عليهم من الحديث، ونحو ذلك.
فهذا الكلام فيما نُقِل عن مالك في هذا، وأما بقية السلف الذين كانوا قبله وبعده ونظراءه فقد رووه كلَّه وبلَّغوه، وحملهُ أكابر العلماء بعضُهم عن بعضٍ.
منهم: اللَّيثُ بنُ سَعْدٍ نَظيرُ مالك، قال الشافعيُّ: كان أفقه منه، رواهُ عن محمد بن عجلان، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يقولنَّ أحدكم لأحدٍ: قبَّح الله وجهَك، ووجهًا أشبهَ وجهَك، فإنَّ الله خلق آدم على صورته". وقال: "إذا ضرب أحدُكم فليجتنبِ الوجهَ، فإن الله خلقَ آدمَ على صورته". ورواهُ عن الليث ابنهُ شعيبٌ المشهور، وعن شعيبٍ الرَّبيعُ بن سليمان صاحب الشافعيِّ، وعن
стр. 182
الربيعِ الإمام محمد بن إسحاق بن خُزيمة (١).
ورواه أيضًا عن ابن عجلان: يحيى بنُ سعيد القَطَّانُ (٢)، إمامُ أهل الحديث مُطْلقًا في المعرفة والإتقان، ورواهُ عنهُ العلماءُ المشاهير. وكان ابنُ عجلان يرويه عن أبيه [وسعيد] (٣) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا ضربَ أحدُكم فليجتنبِ الوجهَ" (٤)، لم يزد على ذلك، لم يُفرِّق بين روايته عن المقبري وعن أبيه. وقد أخرج أصله البخاري في صحيحه (٥) من حديث مالك عن ابن عجلان، ولم يُسمِّه.
ورواه معمرٌ نظيرُ مالك عن همام عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "خلق الله آدمَ على صورته؛ طوله سُتُّون ذراعًا، فلما خلقه قال: اذهبْ فَسَلِّمْ على أولئك النفر، وهم نفرٌ من الملائكة جلوسٌ، فاستمِعْ ما يُحيُّونك؛ فإنها تحيتُك وتحيَّةُ ذُرِّيتك. قال: فذهب، فقال: السلام عليكم، فقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله، قال: فزادُوهُ (ورحمة الله). قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم؛ طوله ستون ذراعًا، فلم يَزلِ الخلقُ ينقصُ حتى الآن". أخرجاهُ في الصحيحين من هذا الوجه (٦).
стр. 183
ورواه مسلمٌ (١) من حديث قتادة عن أبي أيوب عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قاتلَ أحدُكم أخاه فليجتنب الوجهَ؛ فإن الله خلق آدم على صورته".
ورواه عبد الرحمن بن مهديٍّ الإمام المشهور، عن سفيان الثوري الإمامِ الكبيرِ عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ عن عطاءِ بن أبي رباح (٢).
ورواه الأعمش عن حبيبٍ، وأسنده عن [عطاء عن] (٣) ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "لا تُقبِّحِ الوجهَ؛ فإن ابنَ آدم خُلِق على صورة الرحمن" (٤).
وحدث به أيضًا سفيانُ بنُ عيينة الإمام (٥)، وذكر الإمام أحمد (٦) لما حدث به جعل عبد الله بن الزبير الحميدي الإمام صاحبُ الشافعي يقول: هذا الحقُّ، وهذا، وهذا، وابن عُيينة ساكتٌ لا يرُدُّ عليه.
ورواه الخلَّال في كتاب السنة (٧) عن المرُّوْذيِّ، قلتُ لأبي عبد الله: كيف تقول في حديث النبي ﷺ : "خلق الله آدم على صورته"؟ قال:
стр. 184
الأعمش يقول عن حبيب بن أبي ثابتٍ، [عن عطاء] (١) عن ابن عمر: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن". وأما الثوري فأوقفه، يعني حديث ابن عمر. قال: وقد روى أبو الزّنادِ عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "على صورته" (٢)، فنقول كما جاء في الحديث.
قال (٣): وسمعتُ أبا عبد الله يقول: لقد حضرتُ الحميديَّ بحضرة سُفيان بن عيينة، فذكر هذا الحديث: "خلق آدم على صورته"، فقال: من لا يقولُ بهذا فهو كذا وكذا، يعني من الشَّتم، وسفيانُ ساكتٌ، لا يرُدُّ عليه شيئًا.
وقدْ ذكر هذه القصةَ صالحٌ عن أبيه في (كتاب السُّنة) أيضًا، وذكر حديث الحميدي وابن عيينة.
قال المرُّوذي (٤): سمعت أبا عبد الله - قيل له: أيُّ شيء أُنكِرَ على بِشْر بن السَّرِيّ؟ وأيُّ شيءٍ كانتْ قصتُه بمكة؟ قال: تكلم بشيء من كلام الجهميَّة، فقال: إنَّ قومًا يَحُدُّون. قيل: التشبيه؟ فأومأ برأسه: نعم، قال: فقام به مؤمل حتى خَنَسَ، فتكلم ابن عيينة في أمره حتى أُخرج، قال: إنه صاحب كلام.
وليس الغرض تعديدَ طرقه، وإنما الغرض الأصلي أن الأئمة المتفق
стр. 185
على إمامتهم في الأمة (١) ما زالوا يروونه ولا ينكرونه، ولا يتأولونه، على المحفوظِ عنهم في (٢) ذلك، وأول من بلغنا أنه تأوَّله ممن هو من العلماء المعروفين: أبو ثور، فلما تأوله أنكر ذلك عليه الإمام أحمد وغيره، وقصته في ذلك معروفة، ذكرها المرُّوذي في (كتاب القصص)، وذكرها الخلَّالُ وغيره، وذكرها أبو طالب المكيُّ في كتابه المسمى بـ (قُوْتِ القلوب) (٣) وقد ذكر [ها] غير واحدٍ؛ كالقاضي أبي يعلى في كتاب (إبطال التأويلات لأخبار الصفات) (٤).
وكذلك تأوله الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزيمة، وجعل الضمير عائدًا على المضروب، وعلَّلَ رواية (الرحمن) وتأوَّلها - بتقدير صحَّتها - على أن الإضافة إلى الله إضافة خلق؛ لأنَّ الله خلقه تشريفًا وتكريمًا (٥). وقد قيل: إن أبا الشيخ الأصفهاني أيضًا ممَّنْ تأوَّله (٦). فهؤلاء الثلاثة من المشهورين بالسُّنة، لكن جماهيرهم أنكروا ذلك.
قال المحافظ أبو موسى المدينيُّ في (مناقب الإمام إسماعيل بن محمد التيمي قِوامِ السنة) (٧): سمعتُه يقول: أخطأ محمد بن إسحاق بن
стр. 186
خزيمة في حديث الصورة، ولا نطعن عليه بذلك، بل لا يُؤخذُ عنه هذا فحسبُ.
وقال الشيخ أبو الحسن بن الكَرَجي، أحدُ الأئمة الكبار من أصحاب الشافعي، في كتاب (الفصول من الأصول عن الأئمة الفُحول) (١): فإن قيل: قد منعتم التأويل، وعددتموه من الأباطيل، فما قولكم في تأويل السلف؟ وما وجهُ نحوٍ مما يُروى عن ابن عباس في معنى ﴿اسْتَوَى﴾: استقر؟ (٢) وما رويتم عن سفيان في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد/ ٤]، قال: بعلمه (٣).
فقال في الجواب: إن كان السلف صحابيًّا، فتأويله مقبول. وقَرَّرَ ذلك.
قال: فإن صح عن ابن عباس هذا وضعنا له الحدَّ، وعرفنا من الاستقرار ما عرفناه من الاستواء، وقلنا: إنه ليس باستقرار يتعقَّبُ (٤) تبعًا واضطرابًا، بل كيف شاء وكما شاء.
فأما إذا لم يكن السلف صحابيًّا، فإن تابعه عليه الأئمة المشهورون من نقلة الحديث والسنة، ووافقهُ الثقاتُ الأثباتُ، تابعناهُ ووافقناهُ، فإنه إن لم يكن إجماعًا حقيقةً، ففيه مُشابِه الإجماع؛ إذْ هو سبيلُ المؤمنين،
стр. 187
وتوافقُ المتقين، الذين لا يجتمعون على ضلالة، ولأنَّ الأئمة (١) لو [لم] يعلموا (٢) أنّ ذلك عن الرسول والصحابة [لم] يتابعوه.
فأمَّا تأويلُ من لم يتابعه عليه الأئمة فغيرُ مقبولٍ، وإن صدر ذلك التأويل من إمامٍ معروفٍ غير مجهول؛ نحو ما يُنسَب إلى أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة تأويلُ حديث "خلق آدم على صورته"، فإنه تفرَّد بذلك التأويل، ولم يُتابعه عليه من قبله من أئمة الحديث، كما روينا عن أحمد ﵁، ولم يُتابعه أيضًا من بعده، حتى رأيتُ في كتاب (الفقهاء) للعبادي الفقيه أنه ذكر الفقهاء، وذكر عن كُلِّ واحدٍ منهم مسألةً تفرَّد بها، فذكر الإمام ابن خزيمة، وأنه تفرَّد بتأويل هذا الحديث: "خلق آدم على صورته" (٣). على أنِّي سمعتُ عدَّةً من المشايخ رووا: أن ذلك التأويل مزوَّرٌ مرفوضٌ (٤) على [ابن] خُزيمة، وإفكٌ افتُري عليه (٥)، فهذا وأمثال ذلك من التأويل لا نقبله، ولا نلتفت إليه، بل نوافقُ ونتابع ما اتفق الجمهور عليه (٦).
وجماعُ ذلك أنَّ منهم من جعل الضمير عائدًا إلى المضروب، ومنهم من جعله عائدًا إلى آدم، وهذا الذي يُذكر عن أبي ثور، وهو الذي أنكره أحمد وغيره.
стр. 188
والذين قالُوا: الضميرُ عائدٌ إلى الله، كما يدلُّ عليه سياقُ الحديث وألفاظُه المنقولة، ويوافقُ حديث ابن عمر وابن عباس وغيرَ ذلك، فقد قيل: إنَّه أضافه إليه إضافة تشريفٍ وتكريم، كما قال ابنُ خزيمةُ. قال (١): هو من إضافة الخلق إليه، كقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان/ ١١]، و ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ [الأعراف/ ٧٣]، وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ﴾ [النساء/ ٩٧]، وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم/ ٣٠].
وسلك آخرون مسلكًا آخر؛ فجعلوا الصورة هي الصورة المعنوية، وبهذا قال ابنُ عقيل والغزاليُّ وغيرُهما.
ثُمَّ منهم من قال: هي صورةُ المُلْكِ والتدبير، فإن الآدمي أُعطِيَ من الملك في جميع أجناس الحيوان ما فيه نوعٌ من صورة الرُّبوبية، وهذا اختيارُ ابنِ عقيلٍ.
ومنهم من قال: صورةُ الصفات، وهو أنه حيٌّ عليمٌ قديرٌ سميعٌ بصيرٌ متكلمٌ مريد، والذين أبطلوا هذا التأويل ردُّوا ذلك (٢) بأنَّ صورة الصفات مشتركة بين الملائكة والجن، وصورة المُلْك لا تختص بآدم، وقد قالوا: سياق الأحاديث وألفاظها يردُّ ذلك.
وقد تكلم أبو محمد بنُ قتيبة في (مختلف الحديث) (٣) عليه، وقرَّره
стр. 189
على مذهب السلف وأهل السنة، وقال: هذه صفة من الصفات، كالصفات الواردة في القرآن. وتكلم بكلام قد بَعُدَ عهدي به.
وهؤلاء لا يدفعون ما استنبطَ أولئك من المعاني الصحيحة التي أثبتُوها، وإنما يُنازعونهم في معنى ما نَفَوه من الحق في أحاديث الصورة الأخرى وإثبات التأويلات، كما ينازعون الممثِّلةَ في إثبات الباطل. وطائفة من متأخِّري العلماء والصوفية سلكوا هذا المسلك؛ كأبي الفرج بن الجوزي وغيره.
ورأى (١) آخرون أنه أراد الصورة الفعلية، وهو أن الإنسان هو العالم الصغير، الذي اجتمع فيه ما تفرَّق في العالم الكبير، فهو على صورة العالم. وزاد الاتحادية على هؤلاء؛ إذ هم يقولون: إنه هو العالم، والإنسان مخلوقٌ على صورة العالم.
وبالجملة فهذا الحديث بعينه قد ثبت عن أئمة السنة وعلماء الأمة إنكارُ تأويله، وليس هؤلاء ممن بان جهلُهم، وسقطتْ مكانتُهم، بل من تأمَّل كتبَ المناظرة التي بين المناظرين وبين منازيعهم علم أيُّ الفريقين أهدى وأقومُ حجةً. ولكن العالم يعرفُ الجاهل لأنه كان جاهلًا، والجاهلُ لا يعرف العالم لأنه ما كان عالمًا. فما عند المنازعين شُبَهٌ عقلية ونقلية (٢) ما لم تخطر ببالهم، ولكن قد يُمسِكُ العالمُ عن الكلام؛ لقصور المخاطب أو لهواه، فأما عند قوَّة عقله وقوة دينه فإنه يخاطب بقدر عقله ودينه، فإن مخاطبة الناس إنما تكون بقدر عقولهم.
стр. 190
ثم ليعلم أن ليس في السلف من أنكره أو دَفَعه، بل اتفق العلماء والفقهاء على رواية أصله في الجملة؛ إذْ كان فيه أمرٌ ونهيٌ لا يُمكِنُ الفقهاءَ تركُه، وهو نهيُ النبيِّ ﷺ عن ضرب الوجه وتقبيحه، فاحتاجوا إلى ذلك ليُبيِّنوا أنه لا يجوز ضرب الوجه في الحدود والتعزير، ولا في المقاتلة، حتى إن مالكًا ﵀ احتاج إلى روايته، فرواه عن ابن عجلان أيضًا، وكنى عنه (١) لكن تركَ روايةَ الجملة الثانية. ورواه البخاري في صحيحه (٢) من طريقه هكذا. وقرن معه رواية همامٍ، لكن ذكر البخاري رواية همام في خلق آدم (٣) بتمامها.
فقال البخاري (٤): (باب: إذا ضرب العبدَ فليجتنبِ الوجهَ) ثنا محمد بن عُبيد الله، ثنا ابن وهب، حدثني مالك بن أنس قال: وأخبرني ابنُ فلان عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وحدثني عبد الله، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه".
وهذا شطر الحديث، ومعلومٌ أن هذا الشطر الذي رواه الناس كُلُّهم، [و] اتفق العلماءُ على تلقيه بالقبول والعمل به، يُبطِلُ جميعَ التأويلات الفاسدة التي نُقلت في الشطر الآخر، وهذا من حكمة الله [و] حِفْظِ الله للذكر الذي أنزله على رسوله، فإن قوله: "خلق آدم على صورته" لم يُنازِعْ أحدٌ من العلماء في صحته عن النبي ﷺ ، بل رواه
стр. 191
الخلقُ كلُّهم من أهل الحديث والفقه، والكلام والتصوف، والخاصة والعامة، وتلقَّوه بالقبول كما تلقَّوا حروفَ القرآن، وإن تُرِكتْ روايتُه في بعض المواضع لمصلحة راجحةٍ. وإنما تنازعوا في صحة قوله: "على صورة الرحمن"، وتنازعوا في الضمير في قوله: "على صورته" إلى من يعود؟ فقيل: يعود على مضروب قيل له: "قبح الله وجهَك، ووجهَ من أشبهَ وجهَك"، فقال: "إن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب"، كما يذكر ذلك طائفةٌ من أهل الكلام، ويروون فيه حديثًا باطلًا عند أهل الحديث، لا أصل له (١).
وفيمن جعلَ الضميرَ عائدًا على المضروب ابنُ خزيمة، لكنه لم يَحتجَّ في ذلك بحديث؛ لأنه كان إمامًا في الحديث والفقه، يعلم أن ليس في هذا حديثٌ، لكنه لما روى الحديث الصحيح: "لا يقولن أحدُكم لأحد: قبح الله وجهك، ووجهًا أشبه وجهك؛ فإن الله خلق آدم على صورته" (٢)، وقوله: "إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته" (٣)، قال: الهاءُ في هذا الموضع كنايةٌ عن اسم المضروب والمشتوم، أراد ﷺ أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب، الذي أمرَ الضاربَ باجتناب وجهه بالضرب، والذي قبَّح وجهه. فزجرَ ﷺ أن يقول: "ووجهَ من أشبهَ وجهَك"؛ لأن وجه آدم شبيهُ وجوهِ بنيه، فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم: قبَّح الله وجهَك ووجهَ من
стр. 192
أشبه وجهك، كان مُقبِّحًا وجهَ آدم. فتفهَّموا رحمكم الله معنى الخبر، لا تَغلَطوا ولا تُغالِطُوا، فتصُدُّوا عن سيبل الله، وتَحمِلوه على القول بالتشبيه الذي هو ضلال (١).
وقيل: يعود على آدم، كما يُذكرُ عن أبي ثورٍ وطائفةٍ أخرى.
والذين أعادوا الضمير إلى الله لهم فيه أيضًا أقوال.
فتبليغُ جميع العلماء والفقهاء للفظِ بعض الحديث وحُكمِهِ، يُبيِّنُ لهم ما نازع فيه بعضهم من معنى باقيه، وهو نهيهُ عن ضرب الوجه مطلقًا. فقوله: "إذا قاتل أحدُكُم فليجتنب الوجهَ، فإن الله خلقَ آدم على صورته"، أو "إذا ضرب أحدكم"، فنهى عن ضرب الوجه نهيًا عامًّا، وعلَّلَهُ بأنَّ الله خلق آدم على صورته، وكونُ آدم خُلِقَ على صورةِ هذا المضروب لا يُناسبُ النهيَ عن ضربه؛ فإنَّ آدم خُلِقَ على صورةِ سائرِ جسده، ومع هذا فيُضرَب أكثرُ جسده ولم يَنهَ عن تقبيح شيءٍ غيرِ الوجه، ولأنَّ مشابهة الإنسان للإنسان في الصورة لا تقتضي اشتراكهما في ثوابٍ ولا عقابٍ، ولا مدح ولا ذمٍّ، كما قال النبي ﷺ في وصف الدجال، فقال: "رأيتُ أشبهَ الناس به عبد العُزَّى بن قَطَن"، فقال: [يا] رسول الله ﷺ ! أيضرُّني شَبَهُهُ؟ فقال: "لا؛ أنت مؤمنٌ، وهو كافرٌ" (٢).
وأيضًا، فكان ينبغي أن يُقال: خُلِقَ على صورة آدم، لو أراد ذلك المعنى فإنه هو المخلوقُ على مثال آدم، لم يُخلَقْ آدمُ على مثالِهِ.
стр. 193
وأيضًا فإن هذا من المعلوم الذي يعلمه الجميع (١) أنَّ بعض بني آدم مخلوقون على صورة سائرهم، من آدم وإبراهيم ومحمد ﷺ ، فلو أُريد بتعليل التَّقبيح هذا لقيل: هذا التقبيح يتناولُ آدم، ويشملُ الأنبياءَ والصالحين، أمَّا نفسُ الإخبار بأنه (٢) الخَلْق المعلومُ فلا يَصلُح ولا يَحسُنُ. كما لو شتم رجلٌ رجلًا، بأن قال: قبَّح الله بدنًا أشبهَ بدنَك، أو أعضاءً أشبهتْ أعضاءك أو رأسًا أشبهَ رأسك، لكان يُقال: هذا شتمٌ لجميع البشر من النبيين والصديقين، ولا يقال: بأن الله خلق آدم على بدن هذا، ولهذا لا يحسن: لا تُقبِّحوا أو لا تضرِبوا، البدن ولا الرأس ولا الأعضاء؛ فإن الله خلق آدم على رأسه أو بدنه أو أعضائه.
وأيضًا فلو نهى عن ذلك لما فيه من شتم الأنبياء لذكر جميع الانبياء؛ إذْ فيهم من هو أفضلُ من آدم، لا يخُصُّ آدم بذلك، وإنْ كان هو الأبُ؛ لأنَّ المقصود بيان (٣) ما في اللفظ من شتم الأنبياء والصالحين على ما ذكروه، لا نفسُ الإخبار بالأمر المعلوم لكلِّ أحدٍ.
وكذلك كونُ آدم خُلِقَ على صورة آدم، هذا لا يناسبُ النهيَ عن ضربه أو تقبيحه، سواءٌ قيل: على الصورة التي كانت في علم الله وكتابه، أو على صورة الطين، أو صورتِه ابتداءً، لم يُنقَل من صغر إلى كبر، كما خُلِق أولادُه، أو نحو ذلك من الأمور التي تُذْكَرُ في معنى قول القائل: خلق آدم على صورة آدم، ليس شيءٌ [من] ذلك مما يصلحُ أن يكون علَّةً للنهي عن ضرب الوجه وتقبيحه، فإن ظهره وبطنه وسائر أعضائه التي
стр. 194
تُضربُ ضربًا، والتي قد [يكون] (١) تقبيحها بمنزلة الوجه في ذلك، بل مذاكيرُ الآدميِّ كوجهه في ذلك، فلمَّا كان الحكمُ المذكور ليس مشتركًا بالنصِّ وإجماع المسلمين، لم يَصلُحْ أن تكون العلةُ مشتركة، مثل من يقول: لا نقبل هذا، فإنه آدميٌّ، أو من ذرية آدم، هذا لو كانت العلةُ مشتركة، فكيف وهي منتفيةٌ عن هذا المحل؟
وهنا (٢) أيضًا وجهٌ آخرُ قاطعٌ بفساد ما زعموهُ، وذلك أن النهي عن الضرب والتقبيح إنّما (٣) هو لوجوه بنيه التي لم تُخلَقْ كما خُلِقَ آدمُ من الطين ابتداءً، بل خُلِقَتْ من نطفةٍ، ثم من علقةٍ، ثم من مضغةٍ، فإذا نهى عن ضرب هذه وتقبيحها لمعنًى لا يُوجَد فيها، كان هذا من فاسد الكلام، فعلةُ الحكم لا تتناول هذا المحل، وقيل: هذا بمنزلة أن يقال: لا تَضرِبْ هذا أو لا تشتُمْهُ؛ لأن آدم كان نبيًّا، أو لأن الله علَّم آدمَ الأسماء كلها، أو لأنَّ الله أسجد له ملائكتهُ، ونحو هذه الصفات التي خصَّ الله بها آدمَ في الفضل.
(نقلته من خطِّ شيخ الإسلام مؤلِّفه ﵀ ورضي عنه - وبقي منه قائمة ووجه وقليل من الوجه الآخر، في ثالث شهر جمادى .. ).