بالأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ؟
وأما الطريق الثاني فمن وجوهٍ:
أحدها: أن نقول: [من] لم يَرجعْ إلى الصحابة والتابعين في نقل معاني القرآن وما [يُراد] بها كما رجع إليهم في نقل حروفه وإلى لغتهم وعادتهم في خطابهم، فلا بدّ أن يرجع في ذلك إلى لغة مأخوذة عن غيرهم، لأن فهم الكلام موقوف على معرفة اللغة، وغايته أن يباشر عربًا غيرهم، فيسمع لغتهم ويَعرِف مقاصدهم، ويقيس معاني ألفاظ القرآن على معاني تلك الألفاظ. وهذا إنما يصح إذا سَلِمَ اللفظُ من كلام العربي هذا ويَسْلَم في القرآن أيضًا من احتمال المعاني المختلفة لمجازٍ واشتراك، وإلّا فمتى كان اللفظ من أحدهما دون الآخر دالًّا على معنى آخر بطريق الاشتراك والمجاز لم يكن المراد من أحد المتكلمين به مثل المراد به من المتكلم الآخر، فغايته فيه القياس، وهو موقوف على اتحاد معنى اللفظين.
ثم من المعلوم أن جنس ما دلَّ على القرآن ليس من جنس ما يتخاطب به الناس في عادتهم، وإن كان بينهما قدرٌ مشترك، فإن الرسول جاءهم بمعانٍ غيبية لم يكونوا يعرفونها، وأمرَهم بأفعالٍ لم يكونوا يعرفونها، فإذا عبّر عنها بلغتهم كان بين ما عناه وبين معاني تلك الألفاظ قدرٌ مشترك، ولم تكن مساويةً لها، بل تلك الزيادة التي هي من خصائص النبوة لا تُعرَف إلّا منه. فعُلِمَ أن عامة من يأخذُ معاني القرآن من اللغة التي سمعها من العرب العرباء وباشرَهم فيها أن يكون قائسًا قياسًا يحتمل الضدَّ، وأن يكون ما فاتَه من الفارق أعظمَ مما أدركَه بالجامع، وهذا برهان واضح، ولهذا كانوا يقولون ما ذكره عبد الرزاق في
стр. 37
تفسيره (١) عن ابن عباس أنه قال: التفسيرُ على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير تَعْلَمه العلماءُ، وتفسيرٌ لا يُعذَر أحدٌ بجهله، وتفسيرٌ لا يعلمه إلّا الله، ومن ادَّعى عِلْمَه فقد كذب.
الوجه الثاني: أن الدرجة الثانية أن يسمعَ اللغة ممن نقل الألفاظ عن العرب نظمًا ونثرًا، وكل ما تعتري نقلَ الحديث من الآفات فهو هنا أكثر، وهذا أمرٌ معلوم لمن كان خبيرًا بالواقع، فيكون نقل ألفاظ اللغة ثم معرفة مرادِهم من تلك الألفاظ يَرِدُ عليه أكثر مما يَرِدُ على معرفة مراد الرسول، لأن معرفة مراد الرسول توفرت عليها الهِممُ والدواعي، وصانَه الله فهو محفوظٌ بحفظ الله ثم بالعادة العامة والخاصة، أكثر من معرفة مراد شاعرٍ مادحٍ أو رَاثٍ أو هاجٍ أو مُشبِّبٍ أو واصفِ ناقةٍ أو امرأةٍ أو فلاةٍ أو مفتخرٍ.
الوجه الثالث: أن الدرجة الثالثة أن يسمع اللغة ممن سمعَ الألفاظ، وذكر أنه فهم معناها من العرب، كالأصمعي فيما سمعه من الأعراب وذكر أنه فهم معناه. ومن هذا الباب كتب اللغة التي (٢) يذكرون فيها معانيَ كلامِ العرب بألفاظ المصنفين، ومعلومٌ أن هذا يَرِدُ عليه (٣) أكثر مما يَرِدُ على من سمع الكلام النبوي من صاحبه وقال: إنه فهم معناه، وبيَّنه لنا بعبارته.
الوجه الرابع: أن ينقل له كلام هؤلاء الذين ذكروا أنهم سمعوا كلامَ العرب ، ومن المعلوم أنه يَرِدُ على هذا من الأسولة أكثر مما يَرِدُ على نقل
стр. 38
الحديث.
الوجه الخامس: أن الدرجة الخامسة أن يُعلَّمَ اللغةَ بقياسٍ نحوي أو تصريفيٍّ قد يدخلُه تخصيصٌ لمعارضٍ راجح، وقد يكون فيه فرقٌ لم يتفطَّن له واضع القياس القانوني. ومن المعلوم أن هذا يَرِدُ عليه أكثر مما يَرِدُ على من تعلَّم المعاني الشرعية من القواعد الكلية التي وضعها الفقهاء.
وإذا كان الأمر كذلك فمن لم يأخذ معاني الكتاب والسنة من الصحابة والتابعين ومن أخذ عنهم لم يكن له طريقٌ أصلًا إلّا ما يَرِدُ عليه من الآفاتِ أضعافُ ما يَرِدُ على هذه الطريق، فلا يجوز له ترجيحُ غيرها عليها، فيكون أحد الأمرين لازمًا له:
إما أن يَستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويَعدِلَ عن الطريق التي فيها من العلوم اليقينية والأمور الإيمانية والاعتقادات الراجحة والظنون الغالبة ما لا يوجد في غيرها إلى ما هو دونها في ذلك كلِّه، بل يَستبدل باليقين شكًّا وبالظنّ الراجح وهمًا، ويستبدل بالإيمان كفرًا وبالهدى ضلالة، وبالعلم جهلًا، وبالبيان عِيًّا، وبالعدل ظلمًا، وبالصدق كذبًا، وبالإيمان بكتب الله وبكلماتِه تحريفًا عن مواضعها.
وإما أن يُعرِضَ عن ذلك كلِّه، ولا يجعلَ للقرآن معنًى مفهومًا، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف/ ٢] فلا يَعقِله، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء/ ٨٢] فلا يتدبره، وقال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾ [ص/ ٢٩]. فلا يتدبر ولا يتذكر، وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت/ ٤٣] فلا يكون من العالمين العاقلين لها. وإذا سلكَ هذا
стр. 39
المسلك استطار شررُه وتعدَّى ضررُه، فيلزمُ تعطيلُ معاني الكتاب والسنة وفتورُ الرسالة، إذ الرسول الذي لم يُبيِّن بمنزلة عدم الرسول، والكلامُ الذي بلَّغَه الرسولُ ولم يُعقَل معناه يَدخُل في حدِّ الأصوات المسموعة التي ليس فيها حروفٌ مُبيِّنةٌ للمعاني.
وقد ذمَّ الله تعالى من كان حالُه في كتابه هكذا، وجعلهم كفَّارًا بمنزلة الأموات، وحَمِدَ من سَمِعَ كلامَه فعَقَلَه ووعاه، وجعل ذلك صفة المؤمن الحيّ، فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة/ ١٧١]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان/ ٧٣] وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد/ ٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام/ ٣٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف/ ٤٠]، وقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة/ ٧]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد/ ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء/ ١٥٥].
وإذا كان من عَدَلَ عما فسَّر به رسولُ الله ﷺ وأصحابُه والتابعون القرآنَ فأحدُ الأمرين لازمٌ له: إمّا أن يَعْدِلَ إلى تفسيره بما هو دون ذلك، فيكون محرِّفًا للكلم عن مواضعه، وإمّا أن يبقَى أصمَّ أبكمَ لا يسمعُ من كلام الله ورسوله إلّا الصوتَ المجرَّد الذي يَشْرَكُه فيه البهائمُ ولا يَعقِلُه. وكلٌّ من هذين الأمرين باطلٌ محرَّمٌ = ثبتَ تعيُّنُ الطريقة النبوية السلفية
стр. 40
وبطلانُ الطريقة التحريفية والأمِّيَّة، فالتحريفية لها الجهلُ المركّب والكفر المركَّب، والأمية لها الجهلُ البسيط والكفر البسيط.
وقد ذمَّ الله تعالى الطريقين في القرآن، فقال تعالى في الأولى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾ [البقرة/ ٧٥ - ٧٧]. فهذه الطريقة المذمومة التي سلكها علماءُ اليهود وأشباههم في أنهم يُحرِّفون كلام الله أو يكتمونه لئلا يُحتَجَّ به عليهم في خلافِ أهوائهم. فمن عَمَدَ إلى نصوص الكتاب والسنة فحرَّفها أو كتمها ففيه شَبَهٌ من هؤلاء، كما تجدُ ذلك في كثيرٍ من أهل الأهواء، يكتم ما أنزله الله تعالى من الكتاب والسنة عمن يحتج بها على خلافِ هواه، فيَغُلُّ الكتبَ المسطورة عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، ويمنع تبليغَ الأحاديث النبوية وتفسير القرآن المنقول، ولو قدرَ على منع القرآن لفعلَ، وما ظهرَ من ذلك حرَّفَه عن مواضعِه بتأويلِه على غيرِ تأويلِه، ثمّ يَعمِدُون إلى كتبٍ يضعونَها، إمَّا منقولات موضوعة عن النبي ﷺ والصحابةِ والأئمة، فكم عند أهل الأهواء من الآثار المكذوبة، ويقولون: هذه منزَّلةٌ من عند الله، إذ ما جاء به النبي فهو من عند الله، أو يضعون كلامًا ابتدعوه أو رأيًا اخترعوه، ويُسمُّونه مع ما وضعوه من المنقولات دينَ الله وأصولَ دينه وشرعَ الله والحقَّ الذي أوجبه الله، وأكثرهم [يأخذُ] على ذلك أعواضًا من مالٍ أو رئاسة. ففيهم شَبَهٌ من الذين قال الله فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِمَّا
стр. 41
يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة/ ٧٩]. ولا ريبَ أن غالبَهم ليس مثلَ اليهود، إذ لا يكون إلّا من كان كافرًا محضًا، لكن فيهم من الشَّبَه بهم بقدر ما شاركوهم فيما ذمَّهم الله تعالى عليه. وقد يكون في الشخص أو الطائفة بعضُ المذموم من الخصال والأفعال التي هي مما ذمَّ الله تعالى عليه أهلَ الكفر والنفاق، وإن كان فيه أيضًا ما يُحمَد عليه من الإيمان. هذه صفة من حرَّف التنزيلَ أو كتمه أو استدلَّ بما وضعه (١) وابتدعه.
وأما المعرض عن الكلام في معناه بالكلية فقد قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة/ ٧٨]. والأماني التلاوة والقراءة، فهم لا يعلمون إلّا مجردَ تلاوتِه وقراءته بألسنتهم، يُقيمون حروفَه ويُضيِّعون حدودَه علمًا وعملًا، لا يعرفونها ولا يعملون بها.
فهذه أربعة أمورٍ ذمها الله تعالى: تحريف ما أنزله الله، وكتمانه، وكتابة ما ينسب إليه مما يخالفه، والإعراض عن تدبُّر كلامِه. فمن الناس من يجمع الأربعةَ، وهم رؤوس أهل البدع وأئمتهم الذين وضعوا مذاهبَ مخالف الكتاب والسنةَ، وجعلوها من دينِ الله وأصولِ الدين وفروعِه التي أوجب الله قولها واعتقادها، وقالوا عن الله: إنَّ الله أمرَ بهذا القول والاعتقاد وهذا العمل والاعتماد، فإخبارُهم عن الله بإيجابِ ذلك واستحبابِه أعظمُ من مجرَّدِ إخبارِهم عنه بأن ذلك جائزٌ عند الله إذ قد يجيء من عند الله ما لا يجب علينا به عملٌ، لكونه منسوخًا أو لكونه خبرًا لا يجب علينا به عملٌ ونحو ذلك. وتحريفُهم لنصوص الكتاب والسنة ظاهرٌ، وكذلك كتمانُهم ما يَحتجُّ به أهلُ الإيمان عليهم من الآثار
стр. 42
المعروفة والكتب المنقولة نقلًا صحيحًا.
ثم إن هؤلاء لهم حالانِ: تارةً يرون تحريف النصوصِ على وَفْقِ آرائهم، ويُسمُّون ذلك تأويلًا، وتارةً يرون الإعراضَ عن تدبُّرِها وعَقْلها، ويُسمُّونه تفويضًا. فهم بين التحريف والأمِّيَّة، منهم من يُوجِب هذا، ومنهم من يوجب هذا، ومنهم من يستحبُّ هذا، ومنهم من يستحب هذا، ومنهم من يُوجب أو يستحبُّ هذا لطائفةٍ وهذا لطائفةٍ، أو هذا في حالٍ وهذا في حالٍ.
وكثير من الناس لا يجمعُ هذه الصفاتِ الأربعة المذمومة، بل يكون منها خصلة أو خصلتان: إمّا الأمية وإمّا التحريف وإمّا الكتمان أو غير ذلك، ثم من كان مؤمنًا لا يكون هذا حاله في جميع القرآن، لكن في بعضِه أو في كثيرٍ منه، كما عليه طوائفُ من أهلِ الكلام ومن اتبعَهم، وربما فعلَ ذلك في أكثر القرآن، كحالِ الفلاسفة من القرامطة والباطنية ونحوهم.
ثم اعلم أن طريقة التحريف لا تُسلَكُ ابتداءً، لأن تفسير الكلام بخلاف مقتضاه لا يقبله القلبُ إلّا بموجب، بل تُسلَك ابتداءً طريقةُ الكلام والكتاب المضافِ إلى الدين وليس منه، وهو ما يُسمُّونه المعقولات التي هي المجهولات، ويجعلون ذلك هو الاعتقاد وأصول الدين التي أمرَ الله بها، والحكمة الحقيقية والعلوم اليقينية التي ينبغي للفضلاء تحصيلُها، ويَصُدُّون الناسَ عن القرآن بالطريقة الأمية، ويتفاوضون فيما بينهم بطريقة التحريف.
ولهذا يُقرِّرون أن الأدلة اللفظية لا تُفيد اليقينَ، فإن هذا يمنع ما أمر الله به من عَقْلِه وتدبُّرِه وتذكُّرِه والتفكُّرِ فيه، ويجعل الطريقة الأمّيّة حجةً،
стр. 43
إذ كان ذلك لا يُفيد علمًا ويقينًا. وطريقة التحريف تتقابل فيها الاحتمالات، فإنه إذا لم يكن إلى العلم بالمراد سبيلٌ تَعيَّن الإعراضُ عن مُرادِ القرآن، وهى الطريقة الأمية. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة/ ٧٨]، ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الجاثية/ ٢٤].
ومما يجب أن يُعلَم أن من أعظم أبواب الصدِّ عن سبيل الله وإطفاءِ نورِ الله والإلحادِ في آياتِ الله وإبطالِ رسالةِ الله دعوى كون القرآن لا يُفهَم معناه، ولا طريق لنا إلى العلم بمعناه، أو لا سبيل إلى ذلك إلّا الطرق الظنية. ولهذا يَسلك هذا الطريق من نافقَ هنا من المتكلمة والمتفلسفة ونحوهم، فإنهم إذا انسدَّ عليهم بابُ الرسالة والأخذ منها رجعَ كلٌّ منهم إلى ما يوحيه الشيطانُ إليه، ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام/ ١٢١].
ثم القرآن إما أن يحرفوه، فيكونون في معناه منافقين يُظهرون الإيمان بلفظه وهم بمعناه كافرون، وأما أن يُعرِضوا عن معناه فيكونوا به كافرين، كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (١٢٦)﴾ [طه/ ١٢٣ - ١٢٦]. والنسيان تركُها والإعراض عنها، وكذلك ترك استماعها وترك تدبُّرِها وفَهْمِها، وترك الإيمان بها والعمل بها، كل ذلك من نسيانها. وقراءةُ مجرد حروفها وحفظه أو استماع مجرد صوت القارئ بها لا يمنع النسيان المذموم، فلا بدَّ من الإيمان الذين يتضمن معرفتَها والعملَ بها، وهذا وإن لم يكن واجبًا على كل أحدٍ في كل آيةٍ على سبيل التفصيل، لكن الإيمان بالله
стр. 44
أوجبَ مجموعَ هذا على مجموعِ الأمة.
فمن كان يرى أن الذي أمر الله به [إما] أن تكون الأمة كلها أميةً لا تَعقِلُ معاني الكتاب، وإما أن يكون فيها من يُحرِّفه بالتأويلات المبتدعة، فهو ممن يدعو إلى الإعراض عن معاني كتاب الله ونسيانها. ولهذا صار هؤلاء يَنْسَون معانيَه حقيقةً كما يُنسَى اللفظُ، فلا يَخطُر بقلوبهم المعنى الذي أراده الله ولا يتفكرونه، وهذا نسيانٌ حقيقي لمعاني كتاب الله، وإن كان فيهم من يحفظ حروفه.
ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي والدارمي (١) وغيرهما: "هذا أوانُ يُقبَضُ العلمُ" فقال زياد بن لبيد: يا رسولَ الله! كيف يُقبَضُ وقد قرأنا القرآن، فوالله لنقرأنَّه ولنُقرِئنَّه أبناءَنا ونساءنا، فقال: "إن كنتُ لأحسبُكَ من أفقهِ أهلِ المدينة، أوَ ليست التوراةُ والإنجيلُ عند اليهود والنصارى فما أغنَتْ عنهم؟! ". بيَّن ﷺ أن وجودَ الكتب المسطورة والحروف المسموعة المقروءة بالأصوات المسموعة لا تُغنِي من العلم شيئًا إذا لم يَقترِنْ بها فهمُه وفقهُه ومعرفتُه.
ولهذا قال عبد الله بن مسعود: "إنكم في زمانٍ كثيرٍ فقهاؤه قليلٍ قُرَّاؤه - وفي روايةٍ: كثيرٍ فقهاؤه قليلٍ خطباؤه - كثيرٍ مُعطوه قليلٍ سائلوه، وسيأتي عليكم زمانٌ كثيرٌ قراؤه أو خطباؤه قليلٌ فقهاؤه قليلٌ معطوه كثيرٌ سائلوه" (٢). فبيَّن أن الزمان المحمود هو الذي يكون [فيه] فقهاءُ يفقهون معاني القراءةِ والخطاب، أمّا كثرة من يقرأ القول ويتكلم بالخطاب بلا
стр. 45
فقهٍ فإن ذلك مذموم، ذكر هذا في نعت أبناء الدين، ثم قال في نعت أبناء الدنيا: إن المحمود كثرة المعطي وقلةُ السائل، لا كثرة السائل وقلة المعطي. فعُلِمَ أن ما أوجبَ تركَ فقه القرآن فهو مذموم، فكيف بما أوجبَ تحريفه وتبديلَه!
واعلم أنه لما حرَّف من حرَّف من المنتسبين إلى العلم كثيرًا من معاني القرآن، وجعلوا ذلك هو فقهه وفهمه ومعرفة معانيه في أصول دينهم وفروعه، ووضعوا من الكلام الذي ابتدعوه، والكتب التي (١) كتبوها بأيديهم، وجعلوها مأمورًا بها من عند الله أو مأثورةً من عند الله، وكثُرَ هؤلاءِ وكبُرَ أمرُهم = صارَ آخرون من المؤمنين الذين علموا بطلانَ ما ابتدعوه وتحريمَ ما قالوه، وكتبوه ينهون عن ذلك كما أمر الله ورسولُه، وينهونهم عما ابتدعوه من التأويل الذي هو تحريف الكلمِ عن مواضعه، ويقولون: هذا بدعة وضلالة، والسلفُ لم يتأوَّلوا هذه التأويلات، ورأى أولئك أن في هذه التأويلات من الفساد، ما لا تقبله العقول والقلوب، [و] من الاختلاق ما يوجب الافتراقَ والشقاقَ. وضعُفَ أولئك المؤمنون عن تحقيق الإيمان بمعاني القرآن، إمّا في بواطنهم لما عارضوهم به من الشبهات، وإما في ظواهرهم لما قاموا به من المجادلات والمجالَدات، أخلَد الفريقانِ إلى الطريقة الأميةِ المتضمنةِ الإعراضَ عن معاني كثيرٍ من القرآن، وصار ممن يرى هذه الفتن والافتراق يَصُدُّ قلبه عن تدبُّر القرآن وفهمِه ومعرفةِ الحديث وعلمِه، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء/ ٦١] خوفًا من شبهات المنافقين التي يُوحيها شياطين إنسِهم وجنِّهم إلى قلبِه،
стр. 46
أو خوفًا منهم في الظاهر.
وهذا الثاني يُعذَر، وأما الأول فلا يُعذَر، إذ يجب على المؤمن الإيمانُ في قلبِه في كلِّ حال، ويكون في المنكر كما قال النبي ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانِه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان" (١). وكيف يُنكِر المنكرَ بقلبِه من لا يعرِف أنه منكرٌ، فالعلمُ قبلَ الحبِّ والبغضِ، والإيمانُ بالقرآن لفظِه ومعناه واجب، ومحبةُ لفظِه ومعناه واجب، وإنكارُ ما خالفَه ولو بالقلبِ واجبٌ، لكن يُعذَرُ المؤمنُ بعجزه. فالقلب كالبدن، فمن عجز عن معرفته فهو كالعاجز عن حفظ حروفه، ويَسقُط عنه خطابُ الإيمان بذلك، ويُخاطَب به القادرون، لكن لا يكاد يَعجِزُ مثلُ هذا أن يعلم أيُّ القولينِ أو القائلين أولى بالإيمان بالله ورسولِه، فعليه أن يكون مع أهل الإيمان بحسب إيمانهم، وإن ابتُلِي بمخالفة الفاجر خالفَه.
وهذا الذي ذكرتُه بيِّنٌ لمن تدبَّره، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله. فإنّ الله تعالى إنما أنزل كتابَه لِيُعقَل ويُتدَبَّر، وتتبُّعُ المعاني أشرفُ من الألفاظ والكمال المقصود بالألفاظ، وهى معها كالأرواح مع الأجساد، فاللفظ بلا معنًى جسمٌ بلا روحٍ، و من لم يَعلم من الكلام إلا لفظَه فهو مثلُ من لم يعلم من الرسولِ إلّا جسمَه ، ومن لم [يعلم] من الصلاة إلّا حركةَ البدن بالقيام والقعود والركوع والسجود. ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية [البقرة/ ١٧٧]، وقد رُوي في حديثٍ أن النبي ﷺ قال: "إنما هلكَ بنو إسرائيلَ حين شَهِدتْ أجسادُهم وغابتْ
стр. 47
قلوبُهم" (١). ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق/ ٣٧]، قالوا: شاهدُ القلب غير غائبِه.
ولهذا ذمَّ العلماء، الراسخون والمؤمنون الصادقون من اقتصر في إعجاز القرآن على ما فيه من الإعجاز من جهة لفظه أو تأليفه أو أسلوبه، وقالوا: هذا وإن كان معجزًا فنسبته إلى ما في معانيه من الإعجاز نسبة الجسد إلى الروح، ومحاسن الخَلْق إلى محاسنِ الخُلُق، وهو يُشبِهُ مَن عظَّم النبي ﷺ بمحاسنِ خَلْقِه وبدنِه، ولم يعلم ما شرَّف الله به قلبَه الذي هو أشرفُ القلوب ونفسَه التي هي أزكى النفوس، من الأمور التي تَعجزُ القلوبُ والألسنةُ عن كمال معرفتها وصفتها، كما قال ابن مسعود (٢): "إنّ الله نظَر في قلوبِ العباد، فوجدَ قلبَ محمدٍ خيرَ القلوب، فاصطفاه لرسالته، ثم نظر في قلوب أصحابِه بعد قلبِه، فوجدَ قلوبهم خيرَ القلوب، فاختارهم لصحبة نبيِّه وإقامةِ دينِه". وأظنُّه فيه أو في غيره (٣): "فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيء". وقال (٤): "من كان منكم مستنًّا فليستنَّ بمن قد مات،
стр. 48
فإن الحيَّ لا تُؤمَن عليه الفتنة، أولئك أصحابُ محمد ﷺ أبرُّ هذه الأمة قلوبًا وأعمقُها علمًا وأقلُّها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيِّه وإقامةِ دِينه، فاعرِفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكوا بهَدْيِهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم".
وهذا القدر الذي ذكرناه - من أن المقصود بالقرآن معانيه ومِن ذمِّ المعرضِ عن معناه - هو أجلُّ في نفسه وأظهرُ معرفةً من أن يُحتاج إلى بسطٍ، فإذا كان كذلك فمن أعرضَ عن معناه بالكلية فهو مُعرِضٌ عن البرّ المقصود منه، ومن أعرض عن معاني كثيرٍ منها فهو مُعرِضٌ عن كثيرٍ منه، فإذا كان يأمر بذلك الإعراض ويرغب فيه فهو أمر بالإعراض عن القرآن وأمر بنسيانه وتركه، ومعلومٌ أن هذا كفرٌ صريح. وإذا كان يقول: إنه ليس بمعرِضٍ عن معناه، ويتأوَّله على غير تأويله، ويقول: هذه معانيه، ويأتي بمعانٍ تُضادُّ معانيَه، فهو منافق كاذبٌ، بمنزلة من يقول: أنا أؤمنُ بحروفِه، وأتَى بكلامٍ ليس هو القرآن وقال: هذا هو القرآن، فهو منافق كاذب، ولهذا كان أضرَّ وأخبثَ، فإن الأول بمنزلة الكافر المعرض عن المسلمين، والثاني بمنزلة المنافق الذي أظهرَ الإيمانَ وفعلَ في المسلمين ما ينافي الإيمان.
ولهذا كان مبدأ هذه البدع الكبار - مثل الرفض والتجهُّم ونحو ذلك - من منافقين زنادقةٍ أبطنوا الكفرَ وأظهروا الإسلام، وجاء في الحديث من غير وجهٍ: "إن أخوفَ ما أخاف عليكم زَلَّةَ عالمٍ، وجدالُ منافقٍ بالقرآن، وأئمةٌ مُضِلُّون" (١). وهذه الثلاثة تتفق في الأمور الخبرية
стр. 49
والعلمية جميعًا، فإن الأمور الخبرية قد يَزِلُّ بعضُ العلماء فيها بالتأويل الذي هو تفسير آيةٍ أو حديث، أو في الحكم على مضمونِ ذلك بإثباتٍ أو نفيٍ يخالف مضمونَ النصِّ، وهذا كثير. وقد كان كثير من أهل البدع منافقين حقيقةً، يجادلون الناسَ بالقرآن ويُفسِدونَه بالتأويلات التي ابتدعوها، ويؤيدون مقاييسَهم الفاسدة بشواهدِ ذلك من غريب اللغة ونادِرها.
والأئمة المُضِلُّون من الأمراء والعلماء والمشايخ والملوك، الآمرون بخلاف ما أمر الله به ورسولُه، والناهون (١) عما أمر الله به ورسولُه، والمخبرون (٢) بخلاف ما أخبرَ الله به ورسولُه، ففيهم الكذبُ في خبرِهم والظلمُ في أمرِهم وعلمِهم، ولهذا قال فيهم النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أهل السنن (٣) أنه قال لكعب بن عُجْرَة: "أُعِيذُك بالله من إمارة السفهاء"، قال: وما ذاك يا رسولَ الله؟ قال: "أمراءُ يكونون من بعدي، مَن دخلَ عليهم فصدَّقَهم بكذبهم وأعانَهم على ظلمهم فليسوا منِّي ولستُ منهم، ولن يَرِدُوا عليَّ الحوضَ، ومن لم يَدخُلْ عليهم ولم يُصَدِّقهم بكَذِبهم ولم يُعِنْهم على ظلمِهم فأولئك مني، ويَرِدُون عليَّ الحوضَ".
فهذا الكلام قليلٌ من كثيرٍ يتبيَّن به أن مَن عَدَلَ عن تفسير الصحابة
стр. 50
وما رووه عن النبي ﷺ في ذلك - إمَّا سالكًا [طريقًا] أخرى إلى فهم القرآن أو مُعرِضًا عن الجميع - فلا بدَّ له من الجهل والضلال والإفك والمحال، وهو على شفا جُرُفٍ هارٍ يؤديه إلى الكفر والنفاق، فإن انهارَ به وقعَ في نارِ جهنم، وصار من أهل الحراب والشقاق، ﴿وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال/ ١٣]، و ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة/ ٣٣].
ولهذا ما زال كل ذي عقلٍ ودين يردُّون علم معاني الكتاب والسنة إلى العلماء والفقهاء فيه، الذي تَلقَّوه طبقةً بعد طبقةٍ ميراثًا محفوظًا، كما قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في خطبته التي رويناها عنه لكُمَيل بن زياد (١): "احفَظْ ما أقول لك، القلوبُ أوعيةٌ فخيرُها أوعاها، الناسُ ثلاثة: عالم ربَّاني، ومتعلمٌ على سبيل نجاةٍ، وهَمَجٌ رَعَاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ يميلون مع كلِّ صائحٍ، لم يَستَضِيئوا بنورِ العلم، ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيقٍ. يا كُمَيل! العلم خيرٌ من المال، العلمُ يَحْرُسُك وأنتَ تَحرُسُ المال، العلمُ يَزكُو على العملِ والمالُ يَنقُصُه النفقةُ، العلمُ حاكمٌ والمالُ محكومٌ عليه، ماتَ خُزَّانُ المال وهم أحياءٌ، والعلماءُ باقونَ ما بقيَ الدهرُ، أعيانُهم مفقودةٌ وأمثالُهم في القلوب موجودةٌ. آهِ آهِ! إن ههنا - وأشارَ بيده إلى صدرِه - علمًا لو أصبتُ له حَمَلةً، بلى أصَبْتُ لَقِنًا غيرَ مأمون عليه، يستعمل آلةَ الدين في طلب الدنيا، يَستظهرُ بِنعَمِ اللهِ
стр. 51
على عبادِه وبحُججه على كتابه، أو مُنقادًا لأهل الحق لا بصيرةَ له في أحنائِه، ينقدح الشكُّ في قلبِه بأوَّلِ عارضٍ من شبهة، لا ذَا ولا ذاك، فمنهومٌ باللذات سَلِسُ القياد للشهوات، أو مُغْرًى بجمع المال والادخار، أقرب [شيء] شبهًا بهما الأنعامُ السائمة، كذلك يموتُ العلم بموتِ حامليه". ثم قال: "اللهم بلى! لن تَخلُوَ الأرضُ من قائمٍ لله بحجته".
هذا لفظ الحديث الذي رواه أهل العلم بذلك، وأما قولهم "إمَّا ظاهر مشهور وإمَّا غائب مستور" فمن أكاذيب الرافضة الذين يزعمون أنه أشار به إلى ما لا حقيقة له. وليست هذه الزيادات في شيء من الروايات إلّا في مثل "نهج البلاغة" (١) الذي أكثره موضوع، وضعه واخترعَه الشاعر المعروف بالرضي. وتمام الحديث: "أولئك الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا، هَجَمَ بهم العلمُ على حقيقة الأمر، فاستلانُوا ما استوعَره المُتْرَفون، وأَنِسُوا بما استوحشَ منه الجاهلون، صَحِبُوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلَّقةٌ بالمحلِّ الأعلى. آهِ آهِ! شوقًا إلى رؤيتهم".
ففي هذا الحديث أن أمير المؤمنين قسمَ حملةَ العلمِ المذمومين ثلاثة أصناف:
المبتدع الفاجر الذي ليس عنده أمانةٌ وإيمان، يَبْطَرُ الحقَّ الذي جاء به الكتابُ ويَغْمِطُ الخلقَ، يجادل في آياته بغير سلطانٍ أتاه، إنْ في صدره إلَّا كِبرٌ ما هو ببالغِه. وهؤلاء مثل المتفلسفة والمتكلمة الذين يعارضون القرآنَ ويَعتَدُون على أهلِ الإيمان.
стр. 52
والصنف الثاني: المقلِّد المنقاد بلا بصيرة ويقين، مثل ما يوجد في كثير من العلماء والفقهاء الذين لهم ذَكاءٌ وصحةُ إيمان. وإنما ذكر الثالث لأن النفس يكون ذنبها تارةً بالجهل، وتارةً بالظلم، إما بالقوة الشهوانية، وإما بالقوة الغضبية، فهؤلاء أهلُ الاعتداءِ في القوةِ الغضبية بالكبرِ والطعنِ هم القسم الأول، والجهال هم المقلدون وهم القسم الثاني، وأهل الشهوة هم القسم الثالث.
ثم ذكر خلفاءَ الرسل القائمين بحجج الله وبيِّناتِه، فقال: "لن تخلو الأرضُ من قائمٍ لله بحجته، لكيلا تَبطُل حُجَجُ الله وبيناتُه". ومعلومٌ أن الله تعالى إنما أقامَ الحجةَ على خلقِه برسُلِه، فقال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء/ ١٦٥]، فلم يَبقَ لهم بعد الرسلِ حجةٌ، وإنما تقوم الحجةُ في مغيبهم ومماتهم بمن يُبلِّغ عنهم، كما قال: "لكيلا تَبطُل حججُ الله وبيناتُه"، ولا تقوم الحجةُ حتى يُبلِّغ اللفظَ والمعنى جميعًا، إذ تبليغُ اللفظ المجرد الذي لا يدلُّ على المعنى المقصود لا تقوم به حجةٌ، بل وجودُه كعدمِه. فالقائمون بحجة الله هم المبلِّغون لما جاءت به الرسلُ لفظًا ومعنًى، ولهذا قال: "وبيناتُه" وهي ما يبين الحق.
ثم وصفَهم فقال: "هم الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا، هَجمَ بهم العلمُ على حقيقةِ الأمرِ، فاستلانُوا ما استوعَرَه المُتْرَفُون، وأَنِسُوا بما استوحشَ منه الجاهلونَ". فإنه قد ذكر أن مَن سِوى هؤلاءِ جاهلٌ أو مُتْرَفٌ، والمرءُ عدوُّ ما جَهِلَ، فيستوحشُ مما عداه ويَنفِر عنه، كما يُصيبُ المكذبين ببعض ما جاءتْ به الرسلُ من استيحاشِهم لكثيرٍ منه لجهلِهم به، وكما يُصيبُ المؤمنَ بلفظ الجاهل بمعناه، وأما العلماء فكما قال الله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ
стр. 53
الْحَقَّ﴾ [سبأ/ ٦]. والمترف هو الذي ترك العملَ بعلمه واستحسن ذلك، كما تقدم في وصفِ صاحبِ الاعتداء في كِبْره وشهوتِه. فأخبرَ أن هؤلاء علموا ما جاءت به الرسلُ، فأَنِسُوا به وعَمِلُوا بذلك واستلانوه، فقال: "فاستلانوا ما استوعَره [المُترفون]، وأَنِسُوا بما استوحشَ منه الجاهلون".
وهذه صفه أئمة الهدى من الصحابة والتابعين، كسعيد بن المسيَّب والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، ومن بعدهم مثل الثوري ومالك وإبراهيم بن أدهم وعبد الله بن المبارك وفُضيل بن عياض ونحوهم، وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد وعبد الله بن وهب وأبى سليمان الداراني ومعروف الكرخي والشافعي ونحو هؤلاء. ثم كان من أقوم هؤلاء بهذه المنزلة في وقته أحمد بن حنبل ومن يقاربُه في ذلك، كإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وبشر بن الحارث الحافي وغير هؤلاء. فإن الإمام أحمد كما قال فيه أبو عمر النحاس الرملي (١) ﵀: "عن الدنيا ما كان أصبَره! وبالماضين ما كان أشبَهَه! أتتْه الدنيا فأباها، والبدع فنَفاها"، فهو من أعظم من أَنِسَ بما استوحشَ منه الجاهلون، واستلانَ ما استوعَره المترفون.
وهؤلاء وأمثالُهم من الأئمة كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة/ ٢٤]. فأيُّهم كان أعظمَ يقينًا بآيات الله وصبرًا (٢) على الحقّ فيها كان أعظمَ إمامةً عند الله من غيرِه، ومن مثلِ هؤلاء يُؤخَذ تفسير القرآن والحديث، كما
стр. 54
قال أبو عبيد - وعلمه باللغة في الطبقة العليا، مع ما له من البراعةِ في بقية العلوم - لمّا ذكرَ تنازعَ بعض أهلِ اللغة وعلماء الفقه والحديث في تفسير نهي النبي ﷺ عن اشتمالِ الصمَّاءِ، وأن بعض أهلِ الغريب فَسَّره بالتجليل، وأن علماء الدين فسَّروه بإبداءِ المنكب، قال أبو عبيد (١): "والفقهاءُ أعلمُ بالتأويل"، والتأويل هو التفسير، وهو حقيقة المراد. يعني أن الفقهاء يعلمون ما عُنِي بالأمر والنهي، لأن ذلك مطلوبُهم، وأهل الغريب يتكلمون فيه من جهة اللفظ فقط وما تريده به العربُ كما قدمناه.
وكذلك ذكر هلال بن العلاء الرقّي - فيما أظنُّ - أنهم لمّا سمعوا نهْيَ النبي ﷺ عن العَقْر قال: سألنا فلانًا وفلانًا من أهل العلم باللغة فلم يَعرِفوا معناه، وأظنُّه ذكر أبا عمرو الشيباني وطبقتَه، قال: فقلنا: ارجعوا بنا إلى أهلِه، فجاؤوا به إلى أحمد بن حنبل، فسألوه فقال: كانوا في الجاهلية إذا ماتَ فيهم كبيرٌ ذبحوا عند قبرِه، فنهى النبي ﷺ عنه، لما فيه من تعظيم الميت الذي يُشبِه النياحةَ ويُشبِه الذبحَ لغير الله. ولهذا كرِه أحمد الأكلَ مما يُذبَح على القبور. قال هلال: فقلنا: هذا والله العلمُ، ثم أنشدَ لبعضِ عربِ الجاهلية (٢):
وإذا مَررتَ بقبرِه فاعْقِرْ بِه ... كُومَ الرِّكابِ وكلَّ طِرْفٍ سَابحِ
فهذا بعض ما يتعلق بكون الأحاديث والآثار موافقةً للقرآن ومفسِّرةً له.
стр. 55
وأما الطريق الثاني
وهو بيان وجوب قبول الأخبار الصحيحة، فنقول:
أما قوله: "هذه الأخبار آحادٌ لا تُفيد العلمَ بل تُفيد الظنَّ، كما عُرِف في الأصول"، فنقول: الأخبارُ في هذا الباب - وهو باب الأمور الخبرية والعلمية - ثلاثة أقسام:
أحدها: متواترٌ لفظًا ومعنًى .
والثاني: مستفيضٌ متلقًّى بالقبول.
والثالث: خبرُ الواحدِ العدلِ الذي يجب قبولُه.
أما الأول فمثلُ الأحاديثِ الواردة في عذاب القبر وفِتنتِه، وفي الشفاعة، وفي الحوض، ونحو ذلك. فإن هذه متواترةٌ في باب الأمور الخبرية كتواتُر الأحاديث الواردةِ في فرائضِ الزكاةِ والصوم والصلاة والحج والمناسك، وفى رجم الزاني ونصابِ السرقة ونحو ذلك. وأبلغُ منها الأحاديثُ الواردةُ في رؤية الله تعالى في الآخرة، وعلوِّه على العرش، واثبات الصفاتِ له، فإنه ما من بابٍ من هذه الأبواب إلّا وقد تواتَر فيها المعنى المقصود عن النبي ﷺ تواترًا معنويًّا، لنَقْلِ ذلك عنه بعباراتٍ متنوعةٍ من وجوهٍ كثيرةٍ يمتنع بمثلِها في العادةِ التواطؤُ على الكذب أو وقوعُ الغلظ، والخبرُ لا تأتيه الآفةُ إلّا من كَذِبِ المخبر عمدًا أو من جهةِ خطئِه، فإذا كانت [العادة] العامة البشرية والعادة الخاصة المعروفة من حالِ سلفِ هذه الأمة وخَلَفِها تَمنَع التواطُؤَ والتشاعر (١)
стр. 56
على الاتفاق على الكذب في هذه الأخبار، وتمنع في العادةِ وقوعَ الغلطِ فيها، أفادت (١) العلمَ اليقيني بمُخْبَرِها.
وللناس بمخبر التواتر طريقان:
منهم من يقول: هو ضروري، فنحن نستدلُّ بحصولِ العلم الضروري على حصولِ التواتر الموجِبِ له، والأمر هنا كذلك، فإنه ما من عالمٍ بهذه الأحاديث وبطُرُقِها ونَقَلَتِها سَمِعَها كلَّها إلّا أفادَتْه علمًا ضروريًّا لا يُمكِنُه دفعُه عن نفسِه، أعظمَ من علمِ عمومِ الناسِ بِسخاء حاتم وشجاعةِ عنتر وعَدْلِ كِسرى وحَرْبِ البَسُوس ونحو ذلك من الأمور المتواترة عندهم من جهة المعنى. بل هذا عند أهلِ الحديث أبلغُ من العلمِ بمشهورِ مذاهبِ الأئمةِ عند أتباعِهم، كما يعلمُ أصحابُ أبي حنيفة أن مذهبه أن اللمس لا يَنقُض الوضوءَ، وأن المسلم يُقتَل بالذمّي، وأنه لا يُحلِّف المدَّعِين، وأنه يقول بالاستحسان في مواضع. ويعلم أصحابُ مالك أن مذهبه سدُّ الذرائع واتباعُ مذهب أهل المدينة ونحو ذلك. ويعلم أصحاب الشافعي أن مذهبه اتباعُ الخبر الصحيح وتقديمُه على القياسِ والعملِ، وأنه لا يُقتَل المسلمُ بالذمّي، وأنه أخذَ عن مالكٍ ونحوه. ويعلم أصحابُ أحمد أنه كان معظِّمًا لسنةِ رسول الله ﷺ وللحديث في أصولِه وفروعِه، وأنه كان يقول بفقهِ أهلِ الحديث، ويُقدِّمه على القياس والعمل ونحو ذلك.
فتواتُر العملِ بما ذكرناه عن النبي ﷺ عند أهل العلم بحديثِه أعظمُ من تواترِ ما ذكرناه من أقوالِ المتبوعين عند أتباعهم، ومن سمعَ ما
стр. 57
سمعوه وتدبَّر ما تدبَّروه حصل له من العلم ما يَحصُل لهم. ولكن أكثر أهلِ الكلام وأتباعهم في غايةِ قلةِ المعرفةِ بالحديث، وتجدُ أفضلَهم لا يَعتقد أنه رُويَ في البابِ الذي يتكلم فيه عن النبي ﷺ شيءٌ، أو يَظُنُّ المرويَّ فيه حديثًا أو حديثين، كما تجدُه لأكابر شيوخ المعتزلةِ، مثل أبي الحسين البصري يعتقد أنه ليس في الرؤية (١) إلّا حديثٌ واحدٌ، وهو حديث جرير (٢)، ولا يَعلم أنّ فيها ما شاءَ الله من الأحاديث الثابتةِ المتلقَّاةِ بالقبول (٣)، حتى إن البخاري ومسلمًا مع كونهما مختصرين قد رويا فيه عددًا جيدًا من ذلك، والبخاريُّ هو أكبرُ من مسلم، ومع هذا فقد سماه "الجامع المسند المختصر من سنن رسول الله ﷺ وأيامه". فإنكارُ هؤلاء لما عَلِمه أهل الوراثةِ النبوية مثلُ حكايةِ كثيرٍ من الفقهاء لمذاهب الأئمة المشهورين بخلافِ المتواترِ عند أصحابهم، وقد رأيتُ من ذلك عجائبَ حينَ رأيتُ في الكتب المشهورة عند الحنفية أن مالكًا يُبِيحُ نكاحَ المتعة، وقد عُلِمَ أن مذهبَ مالكٍ يمنع توقيتَ الطلاقِ لئلَّا يُشبِه المتعةَ.
وكثير من الناس قد يَطْرُقُ سَمْعَه هذه الأحاديثُ، ولا يجمعُها وطُرُقَها في قلبه، وإن كان من سامعي الحديث وكُتَّابِه، ومعلومٌ أن حصولَ العلم في القلب بموجب التواتر مثلُ حصولِ الشِّبَع والرّيِّ، وكلُّ واحدٍ من الأنباءِ يُفيد قدرًا من الاعتقاد، فإذا تعددت الأخبارُ وقوِيتْ أفادت العلمَ، إمّا للكثرة وإمّا للقوة وإمّا لمجموعهما.
стр. 58
والعلم بموجب الخبر لا يكون بمجردِ سماعِ حروفِه، بل بفهمِ معناه مع سماع لفظِه، فإذا اجتمع في القلب المستمع للأخبار المروية [العلمُ] بطرقها والعلمُ بحالِ رُواتِها حصلَ له العلمُ الضروريُّ الذي لا يُمكِنُه دفعُه. ويَدُلُّ على ذلك أن جميع أئمة الحديث المعروفين المشهورين قاطعون (١) بمضمون هذه الأحاديث، شاهدون (٢) على رسولِ الله ﷺ بذلك، جازمون بأنَّ من كذَّبَ بمضمونِها فهو ضالٌّ أو كافرٌ، مع علمِ كلِّ أحدٍ بفرطِ علمِ القومِ ودينهم، وأنهم أعلم أهلِ الأرض علمًا بما يصدق ويكذب بأحوالِ المخبرين، وأنهم يجرّدون الروايةَ والخبر تجريدًا لا يفعله أحدٌ لا من المسلمين ولا من غير المسلمين فيما يأخذه بالنقل عن الأنبياء ولا عن غيرهم، والمرجع في العلم بخبر هذه الأخبار إلى ما يجده الإنسان في نفسه من العلم الضروري، ليس له إلّا ذلك، كما يرجع إلى ما يجده من العلوم الوجودية كاللذة والألم وما يحس، وكل من كان من العلماء بالحديث من الأولين والآخرين يجدُ ذلك ويَحلفُ عليه ويُباهِل عليه، ومن ... (٣) يباهلنا باهلناه، فإن أتباع الأنبياء تباهل على ما جاءوا به، كما دعا الأنبياء إلى المباهلة على ما أتاهم من عند الله.
وقول القادح في النبوة: يجوز أن يكون الذي جاءه شيطان، ويجوز أن يكون [كاذبًا] عليه، مثلُ قول هؤلاء القادحين فيما أتاهم به ورثة الأنبياء: يجوز أن يكون رواة هذه الأخبار كاذبين أو غالطين، وكلُّ أحدٍ يعلم أن المتدينين بالحديث أصدق الطوائف وأعدلُها وأقلُّها كذبًا
стр. 59
وظلمًا، كما قال عبد الله بن المبارك: وجدتُ الدينَ لأهل الحديث والكلام للمعتزلة والكذبَ للرافضة والحِيَلَ لأهل الرأي، وذكر كلمة أخرى (١).
ثم لو ساوَينا بين أهل الحديث وبين أقلِّ الطوائف فمن المعلوم أن المناظرة إذا انتهتْ إلى العلم بالضرورة لم يكن لأحد الخصمين ردُّ ذلك على خَصْمِه، فإنه أعلمُ بنفسِه، إلّا أن يعلم كذبُ الخبر الذي يستدل به على انتفاء العلم به، مثل عِلْمِنا بكذب الرافضة في دعوى النصّ وكذبِ النصارى في دعوى صلب المسيح.
فإن كان المناظر لنا يقول: إنى أعلم كَذِبَ من قال إن رسولَ الله ﷺ أثبتَ هذه المعاني، أو إني أعلم أن النبي ﷺ أثبتَ ذلك، سواء ادَّعى ذلك ضرورةً أو نظرًا، ونحن نقول: إنا عالمون أن النبي ﷺ أثبتَ ذلك = كان بيننا وبينه ما كان بين النبي ﷺ وبين أهل نجران من المباهلة. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران/ ٦١]، فإنا قد جاءنا من جهة نبينا ﷺ ما نقول لمن حاجَّنا فيه من بعد ما جاءنا من العلم: تَعالَوا، فإن المحاجَّة التي هي المناظرة إذا انتهت إلى دعوى كل واحدٍ من المناظرين علمًا ما هو عليه، بدليل اختصَّ به أوعجزَ عنه أو ترك الاستدلال وأعرضَ عنه أو عجز عنه، أو علمًا ضروريًّا = لم يَفصِلْ بينهما إلا المباهلةُ أو انقيادُ من لم يُباهِلْ لمن بَاهَلَ، كما انقادَ النجرانيون إلى رسولِ الله ﷺ . فإن
стр. 60
المخاطِبَ لنا المكذِّب بما (١) جاءنا عن نبينا إمّا أن يُناظَرَ بالعلم والعدل، وإما أن يُباهَل، إن ادَّعى أن عنده من العلم ما لا يُمكِنه المناظرةُ به، فإن امتنعَ منهما فإما أن ينقاد، وإلّا فقد بانَ ظلمُه وكذبُه، واستحقَّ ما يستحقُّه الكاذبُ الظالمُ في هذا الباب.
وأما القسم الثاني - وهو طريق يقررُ إفادةَ التواتر للعلم بالنظر والاستدلال - فنقول: التواتر يُفيد العلم بكثرة العدد تارةً وبصفاتِ المخبرين أخرى، فإن الواحد والاثنين ممن عُلِمَ كمالُ عدلِه وضبطِه - كأبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عمر - يُفيد أخبارُهم من العلم ما لا يفيده خبرُ عددٍ ليسوا مثلَهم، وليعتبر كل واحدٍ ذلك بما يعلم منه ذلك، ولكن هذا إنما يوجد كثيرًا في أهل السنة والعدل، وأما أهل الأهواء فالكذب فيهم كثيرٌ (٢). وتارةً بحال المخبر عنه، وتارةً بقوة إدْراكِ المخبر وفطنتِه، فإن الذكاء وقوة الإدراك يحصل بهما من العلم ما لا يحصل لمن ليس له ذلك.
وإذا كان كذلك فالمخبرون بهذه الأخبار يتعين معرفةُ أحوالهم، ولهذا تجد حالَ من علمَ حالَ مالك بن أنس وابن عمر يعلمون من صدقِ روايتهم ما لا يحصل لهم من رواية شعبة وقتادة والثوري. وأما أهلُ الحديث فيعلمون أن الثوري كان أحفظ وأبعدَ عن الغلط من مالك، وأن مالكًا أكثر تنقيةً للشيوخ من الثوري، فالثوري يَروي عمن لا يروي عنه مالك، فشيوخ مالكٍ ثقاتٌ عنده بخلاف محدِّثي الثوري، فليس كلهم ثقةً عنده، وكان يسمع من الكلبي وينهى عن السماع منه ويقول: أنا أعلم
стр. 61
صدقه من كذبه. ويعلمون أن الزهري وقتادة ما كانا يَغلَطانِ، ويعلمون أن ابنَ مسعودٍ وابن عمر لا يُتَصوَّر أن يتعمدا الكذبَ على النبي ﷺ . وكذلك أكثر أئمة أهل الحديث - مثل مالك وشعبة والثوري وأحمد بن حنبل - مَن عَلِمَ حالَهم يعلَمُ علمًا ضروريًّا أنهم لم يعتقدوا الكذبَ قطُّ في حديث النبي ﷺ ، ويعلمون أن هؤلاء لم يَغلَطُوا إن غَلِطُوا إلّا في لفظةٍ أو لفظتينِ، ومنهم من يعلمون أنه لم يَغلَطْ في الحديث النبوي، فإن أحمد بن حنبل ما عُرِفَ أنه غَلِطَ فيه قطُّ، ولا الثوري ولا الزهري، وكذلك خلقٌ كثير غيرهم. والذين يعلمون أنهم قد يغلطون (١) - مثل حماد بن سلمة وجعفر بن محمد - يعلمون أن غلطهم إنما هو شيء يسيرٌ وفي مواضعَ يَعرِفونها.
وبالجملة يجب أن يُعلَم أن حِفظَ اللهِ تعالى لسنة نبيّه من جنس حفظِه لكتابة الذي لا يَرُوجُ فيه الغلطُ على صبيانِ المسلمين، وكذلك الحديث لا يروج فيه الباطلُ على علماء الحديث، مع أنا لا ندَّعي هذا في هذا المقام، فإن ذلك من خواصِّ أهل الحديث وخصائص الأمة، وإنما يكفينا هنا الاكتفاء بالعادة المشتركة بين بني آدم، فإن العلم بمخبر الأخبار يكون من الأسباب الأربعة التي تقدمت: الكثرة وحال المُخْبِر وحال المُخْبَر عنه وحال الأخبار أيضًا. ومن قال من المتكلمين ومن اتبعهم من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أنْ لا اعتبارَ إلا بالعدد، وأنه إذا حصل [العلمُ] بخبر أربعةٍ لقوم عن أمرٍ وجبَ أن يَحصُل بخبرِ كلِّ أربعةٍ لكلِّ قومٍ في كلِّ قضيةٍ = فهذا قد عُرِفَ غلطُه، [و] قُرِّرَ غلطُه في مواضع.
стр. 62
فبهذين الطريقين الضروري والنظري يحصُلُ العلمُ لأهل الحديث بمخبر هذه الأخبار المتواترة تواترًا لفظيًّا أو معنويًّا في الأمور العلمية في باب الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر.
والقسم الثاني من الأخبار ما لم يَروِه إلّا الواحد العدلُ ونحوُه، ولم يتواتر لا لفظُه ولا معناهُ، ولكن تلقَّتْه الأمةُ بالقبول عملًا به أو تصديقًا له، كخبر أبي هريرة: "لا تُنكَحُ المرأةُ على عمتها ولا على خالتها" (١). فهذا يُفيد العلم اليقيني أيضًا عند جماهير أمة محمد ﷺ من الأولين والآخرين. أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاعٌ، وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة، والمسألة منقولةٌ في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، مثل السرخسي (٢)، ومثل الشيخ أبي حامد وأبي الطيب وأبي إسحاق (٣) وغيرهم، ومثل القاضي أبي يعلى (٤) وأبي الخطاب (٥) وابن الزاغوني وغيرهم، ومثل القاضي عبد الوهاب وغيره. وكذلك أكثر المتكلمين من المعتزلة والأشعرية مثل أبي إسحاق الإسفراييني وأبي بكر بن فورك وغيرهما. وإنما نازعَ في ذلك طائفةٌ كابن الباقلَّاني، وتبعَه مثلُ أبي المعالي والغزالي وابن عقيل وابن الجوزي ونحوهم (٦).
стр. 63
وقد ذكر أبو عمرو بن الصلاح (١) القولَ الأول وصححه، ولكنه لم يعرف مذاهبَ الناس فيه ليتقوى بها، وإنما قاله بموجب الحجة. وظنَّ من اعترضَ عليه من المشايخ (٢) الذين فيهم علمٌ ودين وليس لهم بهذا الباب خبرةٌ تامةٌ، لكنهم يرجعون إلى ما يجدونه في مختصر أبي عمرو بن الحاجب ونحوه من مختصر أبي الحسن الآمدي والمحصَّل ونحوهِ من كلام أبي عبد الله الرازي وأمثالِه، ظنُّوا أن الذي قاله الشيخ أبو عمرو في جمهور أحاديث الصحيحين قولٌ انفردَ به عن الجمهور، وليس كذلك، بل عامَّةُ أئمة الفقهاء وكثيرٌ من المتكلمين أو أكثرُهم وجميعُ علماء أهلِ الحديث على ما ذكره الشيخ أبو عمرو. وليس كلُّ من وجدَ العلم قدرَ على التعبير عنه والاحتجاج له، فالعلمُ شيءٌ، وبيانه شيء آخر، والمناظرةُ عنه وإقامةُ دليله شيء ثالث، والجواب عن حجة مخالفِه شيء رابعٌ.
والحجة على قول الجمهور أن تلقي الأمة للخبر تصديقًا وعملًا إجماعٌ منهم، والأمة لا تجتمع على ضلالة (٣)، كما لو اجتمعتْ على عمومٍ أو أمرٍ أو مطلقٍ أو اسم حقيقةٍ أو على موجب قياس، بل كما لو اجتمعتْ على تركِ ظاهرٍ من القول، فإنها لا تجتمع على خطأ، وإن كان ذلك لو جرَّدَ الواحدُ إليه نظره لم يأمن على الخطأ، فإن العصمة ثبتتْ بالهيئة الاجتماعية، كما أن خبر التواتر كلٌّ من المخبرين يُجوِّز العقلُ
стр. 64
عليه أن يكون كاذبًا أو مخطئًا، ولا يجوز ذلك إذا تواتر، فالأمة في روايتها ورأيها ورؤياها أيضًا. كما قال النبي ﷺ : "إني أرى رؤياكم قد تواطأتْ على أنها في العشر الأواخر، فمن كان منكم متحرِّيَهَا فليتحرَّها في السبع الأواخر" (١). فجعل تواطؤَ (٢) الرؤيا دليلًا على صحتها.
والواحد في الرواة قد يجوز عليه الغلط، وكذلك الواحد في رأيه وفي رؤياه وكشفه، فإن المفردات في هذا الباب تكون ظنونًا بشروطها، فإذا قويتْ تكون علومًا، وإذا ضَعُفتْ تكون أوهامًا وخيالاتٍ فاسدة.
وأيضًا فلا يجوز أن تكون في نفس الأمر كذبًا على الله ورسولِه، وليس في الأمة من يُنكِره، إذ هو خلاف ما وصفه الله.
فإن قيل: أما الجزم بصدقه فلا يمكن منهم إلا مجازفةً، وأما العمل به فهو الواجب عليهمُ [و] إن لم يكن صحيحًا في الباطن. وهذا سؤال ابن الباقلاني.
قلنا: أما الجزم بصدقه فلِجَزْمِهم بالأحكام التي يستندون فيها إلى ظاهرٍ أو قياسٍ، كجزمهم بمعاني الآيات والأخبار، وذلك أنه قد يَحتفُّ به عندهم من القرائن ما يُوجب العلمَ، إذ القرائن المجردة قد تُفيد العلم بمضمونها، فكيف إذا احتفَّ بالخبر. والمنازعُ بنى هذا على أصلِه الواهي أن العلم بمخبر الأخبار لا يحصل إلّا من جهة العدد، فلزِمَه أن يقول: ما دونَ العددِ لا يُفيد أصلًا. وهذا غلطٌ خالفَه فيه حُذَّاقُ أتباعِه.
وأما العمل به فنقول: لو جاز أن يكون في الباطن كذبًا، وقد وجبَ
стр. 65
عليهم العمل بما هو كذب، فهذا هو الخطأ، ولا معنى لإجماع الأمة على خطأ إلا ذلك، فإن المجوِّز لذلك لا يقول: إنهم عاصون أو فُسَّاقٌ بالخطأ.
وإن بنى ذلك على أصلِه الفاسد من أن الإثم والخطأ متلازمانِ فقد سَدَّ على نفسِه بابَ كونِ الإجماع حجةً، فإن المنازع يقول: أنا أجوِّزُ عليهم الخطأ بلا إثمٍ، فإن كنتَ تقول: إن ما لا إثمَ فيه لا خطأ فيه، كان قولُ أهلِ الإجماع عندك مثلَ قولِ الواحد من المجتهدين، إذ ليس عندك لا خطأً ولا إثمًا، وليس مثلُ هذا القول حجةً على منازعِه بلا ريب، فيلزم أن لا يكون قولُ أهل الإجماع حجةً، بل هو كقولِ الواحد من المجتهدين، وليس هذا مذهبه، وإن لزمَ تناقضُه. والمقصود هنا الاحتجاج بالقواعد المقررة، وإلّا قررنا كون الإجماع حجة.
وأيضًا فالإجماع ... (١) وإذا كان [تلقِّي] الأمةِ له بالقبول يدلُّ على أنه صدق، لأنه إجماع منهم على أنه صدقٌ مقبولٌ، فإجماع السلف والصحابة على ذلك كانَ كإجماعهم على الأحكام أو معاني الآيات، بل لا يُمكن أحدًا أن يدَّعي إجماع الأمة إلّا فيما أجمع عليه سلفُها، وأما بعد ذلك فقد انتشرتْ انتشارًا لا يضبط معه أقوال جميعها.
واعلم أن جمهور أحاديث البخاري ومسلم من هذا الباب ، كما ذكر أبو عمرو بن الصلاح ومن قبله من العلماء، كالحافظ أبي طاهر السِّلَفي وغيره.
وأما إن تلقَّاهُ أهلُ الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق دون من لا
стр. 66
يَعرِفُ الحديثَ من المتكلمة ونحوهم، فهو كذلك يكون إجماعُهم على ذلك حجةً قطعية، لأن الاعتبار في الإجماع على كل أمرٍ من أمورِ الدين بأهل العلم به دونَ غيرهم. فكما لا يُعتبر في الإجماع على الأحكام الشرعية إلّا العلماءُ بها وبطُرقها، وهم الفقهاء في الأحكام دون النحاة والأطباء، فكذلك لا يُعتدُّ في الإجماع على صدقِ الحديث وعدم صدقه إلّا بأهل العلم بطُرقِ ذلك، وهم علماء الحديث العالمون بأحوال رسولِ الله ﷺ ، الضابطون لأقوالِه وأفعالِه، العالمون بأحوال حَمَلة (١) الأخبار، فإن علمهم بحالِ المُخبِر والمُخبَر عنه مما يعلمون به صدق الأخبار، كما أن العَلَم المتفقَ على صدقه والفقيه والمتكلم والصوفي بالنسبة إلى علماء الحديث كالمحدث والمتكلم بالنسبة إلى الفقيه، والجمهور على أن هؤلاء لا يُعتدُّ بخلافهم، وقد قيل: إنه يُعتدُّ بخلافهم. فهكذا إذا خالف أهلَ الحديث متكلمٌ أو فقيه.
وهذا في خبر الواحد المختص بالذي لم يتواتر لا لفظُه ولا معناه، وقد علمتَ أن التواتر لا يشترط فيه عددٌ معيَّنٌ على القول الصحيح، فيتصل بعض هذا القسم بالقسم الأول إذا كان ما رواه الواحد والاثنان قد يحصل به العلم، فيكون متواترًا باعتبار صفاتهم وغيرها من القرائن والضمائر، وكثير من الناس لا يسميه متواترًا، بل يجعل ما رواه الأربعة من أخبار الآحاد مطلقًا، ويتوقف فيما رواه الخمسة، كما يقوله القاضي أبو بكر والقاضي أبو يعلى في بعض كتبه. وللناس في العدد أقوال كثيرة: سبعة، واثنا عشر، وأربعون، وثلاثمئة وبضعة عشر، وغير ذلك مما حكيت، ولا أعلم بها قائلًا معينًا ولا حجةً تُذكَر.
стр. 67
و القسم الثالث: خبر الواحد العدل الضابط الذي يجب قبوله والعمل به على المسلمين، ليس كل خبر من كلِّ عدلٍ ضابطٍ، بل الخبر الذي أوجبتِ الشريعةُ تصديقَ مثلِه والعمل به، فهذا في إفادة العلم به قولانِ هما روايتان [عن أحمد]:
إحداهما: أنه يُفيد العلم أيضًا، وهو إحدى الروايتين عن مالك، وقولُ الحارث المحاسبي وغيره، وقول محمد بن خويز منداد، وقول طوائف من أهل الحديث وأهل الظاهر، وطائفة من أصحاب أحمد.
والثانية: لا يُوجب العلم ولا يُحلَف على مضمونه، وهذا قول جمهور أهل الكلام وأكثر متأخري الفقهاء وطوائف من أهل الحديث، لأن ذلك العدل يجوز عليه الكذبُ عمدًا أو خطأً، والعمد قد يُعلم انتفاؤه، لكن الخطأ لا يُعلم انتفاؤه، فإن الإنسانَ قد يُخطئ سمعُه، وقد يُخطئ فهمُه لما سمعه، وقد يُخطِئُ ضبطُه له وحفظُه، وقد يُخطئ لسانُه في تبليغه. فمع هذه التجويزات لا يُقطَع بعدمها.
وللأولين حججٌ ليس هذا موضعَ استقصائها، إذ هم لا يجعلون حصول العلم بهذا من جهة العادة المطردة في حق الكفار وغيرهم، كما يقوله المتكلمون في التواتر الذي يحصل العلم فيه بخبر الكفار والفساق، وإنما يقولون: هذا من باب حِفْظِ الله تعالى للذكر الذي بَعَثَ به رسولَه وعصمته لحجته أن يُوجب على الأمة اتباع ما يكون باطلًا، إذ لو جاز ذلك ولم يبقَ بعد محمدٍ نبيٌّ يُبيِّن الخطأ لم تَقُمْ حجةُ الله على أهل الأرض في ذلك، ولكان قد أوجب الله على الناس أن يقولوا على ما هو في نفس الأمر كذبًا، ويقولون: متى كان المحدث قد كذب أو غلط فلا بدَّ أن يَنْصِبَ الله حجةً يبيِّن بها ذلك، كما قال بعض
стр. 68
السلف (١): لو هَمَّ رجلٌ في السَّحَر أن يكذبَ على رسولِ الله ﷺ لأصبحَ [و] الناس يقولون: هذا كذّاب.
وفي ذلك من البسط ما لا يختص بهذا المكان، ولا يقف غرضُنا عليه، فإن عامة الأحاديث التي يُحتجُّ بها في موارد النزاع لا يخرج عن القسم الأول أو الثاني. وأحاديث الأصول الكبار التي بها يميز أهل السنة والجماعة هي من القسم الأول المتواتر لفظًا ومعنًى، وفي لفظها يخالف الخوارج والروافض والجهمية والقدرية من المعتزلة ونحوهم.
فصل
الطريق الثالث: أن يتكلم في الحديث الذي انتفَتْ أسباب العلم بصدقِه من كل وجه، وهذا قد يكون عند شخصٍ وطائفةٍ دونَ شخصٍ وطائفةٍ، ف كثير من الأحاديث المعلوم صدقُها عند علماءِ الحديث هي عند غيرِهم غير معلومة الصدق ، بل يُظَنُّ بها الصدقُ، كما ذكره المعترض وذووه (٢).
فنقول على هذا التقدير: علينا أن نَقدِر الحديث قدرَه، فإذا غلبَ على الظنّ صدقُه اعتقدنا اعتقادًا راجحًا مضمونه، ولم نَجزِمْ به جَزْمَنا بالمتيقِّنِ صدقُه، كما نقول في أدلة الأحكام الظواهر والأقيسة. وخبر الواحد المجرد إذا لم يُفِدْنا إلّا غلبةَ الظنِّ اعتقدنا غلبةَ الظنِّ بها، وهذا هو الواجب، بل هذا في الأمور الخبرية أجود، لأنه لا يترتب على ذلك فسادٌ ولا مضرَّةٌ، إذ كنا لا نُوجب به عملًا ولا نُحرِّمُه، وإنما نظنُّ
стр. 69
مضمونها.
ولهذا جوَّز العلماءُ أن تُروى الأحاديثُ في الوعد والوعيد إذا كانت ضعيفة، ولم يُعلَم صدقُها ولا كذبُها، ولا يثبتُ بها استحبابٌ، لكن يثبتُ بها ظنٌّ يُحرِّك القلبَ على فعلِ الخيراتِ أو تركِ المنكرات. فإن كان هذا فيما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر، فكذلك فيما يتعلق بالإيمان بالله، إذا رُوِيَ خبرٌ في عظمةِ الله وبعض شؤونِه التي لم يُعلَم بهذا الخبر انتفاؤها ولا ثبوتُها، والخبر مما يَغلب على الظنّ صدقُه، اعتقدنا بموجبه، وظننَّا ذلك ظنًّا غالبًا، فإن كان صادقًا في نفسِ الأمر وإلّا فعظمةُ الله أكبرُ. كما أن حديث الوعد والوعيد الذي لم يُعلَم انتفاءُ مضمونِه، إن كان صادقًا وإلّا فثواب الله أعمُّ مما علمناه مفصَّلًا، إذ فيه ما لم يَخطُرْ على قلبِ بشر، فهذا هذا.
وهذا مما اتفق عليه سلفُ الأمة وأئمةُ الإسلام أن الخبر الصحيح مقبولٌ مصدَّقٌ به في جميع أبواب العلم، لا يُفرَّق بين المسائل العلمية والخبرية، ولا يُردُّ الخبرُ في بابٍ من الأبواب سواءً كانت أصولًا أو فروعًا بكونِه خبرَ واحدٍ، فإن هذا من محدثات أهل البدع المخالفة للسنة والجماعة.
فإن قيل: هذا بشرط أن لا يُعلَم بالعقل ولا بالشرع انتفاءُ مضمونِه.
قلنا: نعم، لا بدَّ من هذا الشرط، وإلّا فما قطَعْنا باستحالة مضمونه يستحيل أن يغلب على ظننا صدقُه، فإن هذا جمعٌ بين النقيضين. لكن دعوى المعترض قيامَ الأدلة العقلية القطعية على انتفاء مضمون الآيات والأخبار هو السؤال الآخر، فلهذا أخَّرنا الجواب إلى هناك. والواقع أنه ليس في الأخبار الصحيحة التي لا مُعارِضَ لها من جنسها ما يخالف
стр. 70
القرآنَ ولا العقلَ كما سنبيِّنُ ذلك.
فإن قيل: من الناس من يقول: هذه المسائل العلمية التي أُمِرنا أن نقول فيها بالعلم متى لم يكن الدليل عليها علميًّا قطعنا ببطلانِه، فلهذا يجب ردُّ كلِّ خبرٍ أو دليلٍ لا يُفيد علمًا في باب الخبر عن صفات الله، ومنهم من يطردُ ذلك في صفات المخلوقات كالأرضين والسماوات.
قلنا: لا ريبَ أن هذا الكلام قد يُطلِقُه كثيرٌ من أهل النظر، كالقاضي أبي بكر وابن عقيل والمازري ونحوهم، وقد أطلقه قبلهم كثيرٌ من متكلمة المعتزلة وغيرِهم، وقد أنكر ذلك عليهم كثيرٌ من أرباب النظر وقالوا: العلمُ بالعدم غيرُ عدمِ العلم، وعدمُ الدليل غيرُ دليل العدم، وهذا قول أكثر الفقهاء وأهل الحديث وأهل الكلام.
وفصلُ الخطاب أن نقول: لا يخلو إما أن يكون الموضع ممَّا أوجبَ الله علينا فيه العلمَ، أو أوجبتْ مشيئتُه وسنّتُه فيه العلمَ، وإما أن لا يكون مما يجب فيه العلمُ لا شرعًا ولا كونًا.
فإن كان الأول مثل ما أوجبَ الله علينا أن نعلم أن لا إله إلا هو، وأن الله شديد العقاب، وأن الله غفور رحيم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علمًا، فلا بُدَّ أن يَنصِبَ سببًا يُفيد هذا العلم، لئلا يكون موجبًا علينا ما لا نقدِرُ على تحصيله، وأن لا يكلِّفنا ما لا نُطيقه له إذا أردنا تحصيلَه. ففي مثل هذا إذا لم يكن الدليل موجبًا للعلم لم يكن صحيحًا. وكذلك ما اقتضَتْ مشيئتُه وسنتُه العلمَ به، مثل الأمور التي جرتْ سنتُه بتوفّر الهِمَم والدواعي على نَقْلها نقلًا شائعًا، فإذا لم يُنقَل فيُعلم انتفاؤها وكذِبُ الواحد المنفردِ بها.
وأما ما لم يجب فيه العلمُ لا وجوبًا دينيًّا ولا وجوبًا كونيًّا فلا يُعلَم
стр. 71
بطلانُ ما أفادَ فيه غلبة الظن، فإن اليقيَن له أسبابٌ، وللظن الغالب أسبابٌ، والتكذيبُ بما لم يُعلَم أنه كذبٌ مثل التصديق بما لا يُعلم أنه صدق، والنفيُ بلا علم بالنفي مثلُ الإثباتِ بلا علمٍ بالإثبات، وكلٌّ من هذين قولٌ بلا علمٍ. ومن نَفَى مضمونَ خبرٍ لم يُعلَم أنه كذبٌ فهو مثلُ من أثبتَ مضمونَ خبرٍ لم يُعلم أنه صدقٌ، والواجب على الإنسان فيما لم يقم فيه دليلُ أحدِ الطرفين أن يُسَرِّحَه إلى بقعة الإمكان الذهني، إلى أن يحصل فيه مرجِّحٌ أو مُوجِب، وإلّا يكون قد سكتَ عما لم يعلم، فهو نصف العلم. فرحمَ الله امرأً تكلَّم فغَنِمَ أو سكتَ فسَلِمَ (١)، ومن كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمُتْ (٢)، وإذا أخطأ العالم لا أدري أُصِيبتْ مقاتلُه (٣).
وإذا كان كذلك فنحن لم يجب علينا قطُّ أن نعلم جميع ما لله من معاني أسمائه، ولا أن نعلم جميع صفاتِه، ولا أن نعلم صفاتِ مخلوقاتِه، ولا مقاديرَ وعدِه ووعيدِه وصفات ذلك، ولا إحدى سُنَنِه، فإن سبب العلم بذلك [قد لا] يكون مشهورًا، ولا قام دليلٌ على نفي ما نعلمه من ذلك، فإذا جاءنا خبرٌ يغلِبُ على الظنّ صدقُه صدَّقناه في غالب الظن، وإن غلبَ على الظنّ كذِبُه كذَّبناه، وإن لم يُعلم واحدٌ منهما توقَّفنا فيه.
ويجوز لنا أن نرويه إذا لم نعلم أنه كذبٌ، لكن متى علمنا أنه كذِبٌ
стр. 72
لم يَجُزْ روايتُه إلّا مع البيان، لقوله ﷺ : "من حدَّثَ عنّي بحديثٍ وهو يعلم أنه كذِبٌ فهو أحدُ الكاذبين"، وهو في صحيح مسلم (١).
وأما من قال من ظاهري أهل العلم: إنّ ما لم يَقُم على ثبوتِه من الصفاتِ دليلٌ فإنه يجب نفيُه = فإنه مبنيٌّ على هذا الأصل المتقدم، وقد بيّنا حكمَه.
وأما قولهم: هذا من المسائل العلمية، فلا نتكلم فيها بالظن = فهذا لفظٌ مشتركٌ، قد يُراد بالعلمية ما ليس تحتَها عملٌ، كما يقول بعضهم: العلوم النظرية والمسائل الخبرية والاعتقادية، وإذا كان المراد بها ذلك لم يجب أن يكون مقطوعًا بها. وقد يُرادُ بالعلمية ما العلمُ فيها واجبٌ أو واقعٌ، وهو ما يُرَدُّ فيها ما لم يُفِد العلم، ولهذا فصَّلنا ذلك إلى نوعين، والله أعلم.
стр. 73
فصل
وأما السؤال الثاني - وهو قوله: ليست الأحاديث نصوصًا في ذلك، بل هي ظاهرةٌ قابلةٌ للتأويل - فهذا كلامٌ مجملٌ نُقابِلُه بجوابٍ مجملٍ، وهو أن نقول: كلُّ موضعٍ قطعنا بمضمونِه فالنصوص فيه قطعية، وما [لم] نَقطَعْ بمضمونه فقد تكون الدلالة فيه ظاهرةً وقد تكون قطعية، وما لم يتبيَّن لنا كونُها قطعيةً يكون الدليلُ في نفسِه موجبًا للقطع والاعتقادِ الراجح غير حصولِ العلم، وذلك أن الأدلة هي في نفسها على صفاتٍ تُفيدُ العلمَ باتفاقِ الناس، وأما إفادتُها فهل هو لصفاتٍ هي عليها أم بحسب الاتفاق؟ الجمهورُ على القول الآخر، وأما المؤثِّمةُ للمخطئ والمعتقدون أنّ من لا إثمَ عليه لم يُخطئْ - كابن الباقلاني ونحوه - فيقولون: ليس في الظنون تفاوتٌ ولا عليها أماراتٌ تقتضيها. وهذا غلطٌ عند جمهور الناس، بل للظنِّ أسبابٌ كما للعلم أسبابٌ.
وإذا كانت الأدلةُ هي في نفسها على صفاتٍ تقتضي ذلك فإن ذلك يختلف أيضًا باختلافِ قُوى الإدراك وباختلاف كمالِ النظر، فالحادُّ الذهنِ الصبورُ على استيفاءِ النظرِ يَحصُلُ له من العلم والظنّ بأنواع من الأدلة والأمارات ما لا يحصلُ لمن [لم] يَقْوَ قُوَّتَه ولم يَصبِرْ صَبْرَهُ. وما لم يكن قطعيًّا بل دلالتُه ظاهرة، ليس للإنسان أن يصرفَه عن ظاهرِه إلّا مع وجود المقتضِي لذلك، السالم عن المعارضِ المقاوِم، فالمقتضي مُثل قيامِ دليلٍ يبيِّن لنا مرادَ المتكلم من الأدلة الشرعية ونحوها، كالعامّ الذي بَيَّنَ معناه الخاص.
وكذلك لو فرضنا وجودَ دليل عقليّ قطعيّ يُعارِض ظاهر الأدلة الشرعية التي ليست قطعية لوجبَ تقديم القطعي على الظنّي، ولجزمْنا
стр. 74
بأن الرسول لم يُرِد بكلامه ما يَعلَمُ مثلُنا وأمثالُنا انتفاءَه، وعقولُنا أقلُّ من أن يقال: هي دون عقلِه.
بل لو حكى أحدٌ مسألةً في الطب أو النحو مما يُعلَم أن أبقراط وسيبويه لا يقولانها لبادرنا إلى التكذيب، مثل أن يحكي حاكٍ عن أبقراط أنه قال: طبائع الأجسام الأرضية خمسة، والبلغم أحسن من المِرَّة الصفراء، أو الدم أيبَسُ منها، أو هي أبردُ من المرة السوداء، فإنا نعلم أن أبقراط ونحوه لا يقولون هذا، فإما أن الناقلَ قد كذبَ عمدًا أو خطأً، أو يكون للعبارة معنًى غير الظاهر الباطل الذي لا يقوله ذلك الفاضل.
وكذلك لو نقل عن سيبويه أن الفاعل منصوبٌ، والمصدر مجرور، وخبر كان مرفوع، وخبر المبتدأ مجرور، ونحو هذا، لعلمنا أن هذا كذِبٌ على سيبويه عمدًا أو خطأً، أو يكون للعبارة معنًى يليق به أن يقوله. وكذلك لو نقلَ عن الأئمة أمورًا تنافي ما علمناه من أحوالهم علمنا أنه مكذوبٌ أو مصروفٌ.
فمن نقلَ عن نبينا ﷺ أنه قال عن ربه: "إنه خلَق نفسَه من عَرقِ الخيل" (١)، أو أن النبي ﷺ كان موجودًا بعينه نبيًّا قبلَ أن يُنبِّئَه الله، أو أن يُعطى من دعا بهذا الدعاء مِثلَ ثواب الأنبياء ونحو ذلك = علمنا أنه يكذِبُ على رسولِ الله ﷺ . والكذبُ عليه كثير، قد صنَّف العلماء في بيان الأحاديث الموضوعة مصنَّفاتٍ، وميَّزوا الصدقَ من الكذب تمييزًا معلومًا عن أهلِه.
стр. 75
ولكن هل في القرآن أو الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ما ظاهره ممتنع في العقل، ولم يتبيَّنْ ذلك بالأدلة الشرعية = هذا لا يُعلَم أنه واقعٌ أصلًا. فمن قال: إن هذا واقعٌ فليذكُرْه، فإنّا رأينا الذي يُدَّعّى فيه ذلك: إمّا أن يكون الحديث فيه موضوعًا، أو الدلالة فيه ليست ظاهرةً، أو أن ظاهرها الذي لم يُرَدْ قد بُيِّنَ بأدلة الشرع انتفاؤه. فإذا كان النصُّ ثابتًا والدلالةُ ظاهرةً وليس في بيانِ الله ورسولِه ودلالِته ما يُبيِّنُ انتفاءها ومرادَه بها، فإنا وجدنا ما يذكرونه من المعقول له هو في نفسه معارَضٌ بمعقولٍ أقوى منه، ووجدناه من المجهول لا من المعقول، بل وجدنا المعقول الصريح يدلُّ على بطلان المعارض للمنقول الصحيح. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب/ ٤].
وهذه جملة يُبيِّنها التفصيلُ، إذ السؤال أيضًا مجملٌ، وقد فصَّلنا الجوابَ أكثر من تفصيل السؤال، وهذا يظهر بذكرِ فصلٍ جليلِ القدر عظيمٍ في تصديقِ المرسلين ورعاية حق المؤمنين.
وذلك أنه ما زال في الأمة قديمًا وحديثًا من يَظهرُ له من آيةٍ أو حديثٍ معنًى، ويَعتقد أن ذلك المعنى باطلٌ، إما لمعارضته لما يرى أنه علمه، أو لمجرد عقله للأمور الموجودة، أو لما يرى أنه علمه لما عقله من كتاب الله، فيحتاج عند ذلك إمّا إلى ردّ الخبر، وإما إلى تأويله وردّه بأن يقول: غلِطَ سمْعُ الراوي، أو لم يَفهم معناه، أو لم يحفظْ ما فهمه، أو أنه تعمد الكذب، فإن الخبر لا يأتيه البطلان إلّا من تعمد المخبر أو خطئه، وخطؤه إما في نفس ما سمعه من اللفظ، فقد يَغلَطُ السمعُ، وقد يسمع البعضَ دون البعض، وإما أنه لم يفهم المعنى ورواه بالمعنى الذي فهمه بلفظٍ آخر، أو باللفظ الأول مع قرائن تفيد غير المعنى الأول، أو