← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 291

جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية

ابن تيمية

Полный текст (194 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لَحِقَها من أعمال (١٦) جَوابُ الاعتراضاتِ المصريَّة على الفُتْيَا الحَمَويَّة (قطعةٌ منهُ تُطْبَعُ لأوَّلِ مَرَّةِ) تأليف: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ) تحقيق: محمد عزير شمس إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

стр. 2

راجَعَ هذا الجزء سعود بن عبد العزيز العريفي جديع بن محمد الجديع

стр. 3

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنقدِّم اليوم جزءًا من كتاب من أهم كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، كان في عداد المفقود، فلم يعثر عليه الباحثون والمهتمون بآثار الشيخ من قبل. وقد منَّ الله علينا بالعثور على قطعةٍ منه مصوَّرةٍ عن إحدى مكتباتِ باكستان، ووجدَ أخونا المحقق أبو الفضل القونوي قطعة أخرى منه في إحدى مكتبات تركيا، ولا نعرف عن بقية الكتاب شيئًا في مكتبات العالم، على كثرة البحث والتنقيب عنها في الفهارس، وزيارة مكتبات بلدانٍ عديدة والاطلاع على محتوياتها. وقد قمنا بتحقيق ما وصل إلينا منه، على المنهج الذي ارتضيناه وسرنا عليه في سائر ما أخرجناه من تراث شيخ الإسلام في هذا المشروع المبارك. ولكثرة الأخطاء والتحريفات الموجودة في القطعتين لم نُشِر إليها جميعًا في الهوامش، واستدركنا بعض السقط بمراجعة كتب الشيخ الأخرى أو بالتأمل في سياق الكلام. وهذه بعض الفصول التي تتحدث عن أصل الكتاب ومناسبة تأليفه، وتحقيق عنوانه، وبيان محتوياته وأهميته، ووصف النسختين اللتين عثرنا عليهما، أرجو أن تكون نافعةً إن شاء الله. * الفتيا الحموية وأثرها: في أوائل سنة ٦٩٨ ورد على الشيخ سؤال من أهل حماة، يسألونه

стр. 4

فيه عن الآيات والأحاديث الواردة في الصفات، فكتب جوابًا ذكر فيه مذهب السلف ورجحه على مذهب المتكلمين، وكتب هذا الجواب في جلسةٍ بين الظهر والعصر، كما ذكر ذلك الشيخ نفسه في مقدمة بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤): "كنتُ سئلتُ من مدة طويلةٍ، بُعيدَ سنة تسعين وستمئة (١) عن الآيات والأحاديث الواردة في صفات الله، في فتيا قدمتْ من حماة، فأحلتُ السائلَ على غيري، فذكر أنهم يريدون الجواب مني لابدَّ، فكتبتُ الجوابَ في قعدةٍ بين الظهر والعصر، وذكرتُ فيه مذهب السلف والأئمة المبني على الكتاب والسنة". سُمِّيت هذه الفتيا بالحموية نسبةً إلى حماة، وانتشرت في البلاد، واشتهر أمرها، وأثارت ضجة في أوساط المتكلمين، وامتُحِن الشيخ بسببها محنةً عظيمة في دمشق، وكانت من أوائل المحن التي تعرَّض لها في حياته. وكان الشيخ قبل ذلك بقليل أنكر أمر المنجمين (٢)، واجتمع بسيف الدين جاغان في ذلك في حال نيابته بدمشق وقيامه مقام نائب السلطة، فامتثل أمره وقبِلَ قوله، والتمس منه كثرةَ الاجتماع به، فحصل بسبب ذلك ضيقٌ لجماعة، مع ما كان عندهم قبل ذلك من كراهية الشيخ وتألُّمهم لظهوره وذكرِه الحسن. فانضاف شيء إلى أشياء، ولم يجدوا مساغًا إلى الكلام فيه لزهده وعدمِ إقباله على الدنيا، وترك المزاحمة على المناصب، وكثرة علمه، وحُسْن أجوبته وفتاويه، وما يظهر فيها من _________ (١) ذكرت المصادر أنه وقع ذلك في أول شهر ربيع الأول من سنة ٦٩٨. انظر العقود الدرية (ص ١٩٨) والبداية والنهاية (٤/ ١٤) والدرر الكامنة (١/ ١٥٥) وغيرها. (٢) انظر مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٢)، حيث ناقش زعماءهم وبيَّن فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بصحتها.

стр. 5

غزارة العلم وجودة الفهم. فعمدوا إلى الكلام في العقيدة لكونهم يرجّحون مذهب المتكلمين في الصفات والقرآن على مذهب السلف، ويعتقدونه الصواب، فأخذوا الجواب الذي كتبه الشيخ، وعملوا عليه أوراقًا في ردّه، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء واحدًا واحدًا، وأغروا خواطرهم، وحرَّفوا الكلام، وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم - حاشاه من ذلك - وأنه قد أوعزَ ذلك المذهب إلى أصحابه، وأن العوامّ قد فسدت عقائدهم بذلك. ولم يقع من ذلك شيء والعياذ بالله. وسعوا في ذلك سعيًا شديدًا، فوافقهم جلال الدين الحنفي قاضي الحنفية يومئذٍ على ذلك، ومشى معهم إلى دار الحديث الأشرفية، وطلب حضورَه، وأرسل إليه فلم يحضر، بل أجابه الشيخ بقوله: إن العقائد ليس أمرُها إليك، وإن السلطان إنما ولّاك لتحكم بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس مما يختصُّ به القاضي. فلما وصل إلى القاضي هذا الجواب غضب، وأمر بأن ينادى في البلد ببطلان عقيدته، لكن الأمير سيف الدين جاغان أرسل طائفةً إلى المنادي، فضُرِب ومن كان معه، وأمر الأمير بطلب من سعى في ذلك فاختفوا. ولما هدأت الأمور جلس الشيخ يوم الجمعة ثالث عشر ربيع الأول، وكان تفسيره في درسه لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وذكر الحلم وما ينبغي استعماله، وكان درسًا عظيمًا. ثم اجتمع الشيخ بعد ذلك بالقاضي الشافعي إمام الدين القزويني، وواعده لقراءة جزئه الذي أجاب فيه، أي "الحموية"، فاجتمعوا يوم

стр. 6

السبت رابع عشر الشهر - من الصباح إلى الثلث من الليل - ميعادًا طويلًا مستمرًّا، وقُرئت فيه جميع العقيدة، وبيَّن مرادَه من مواضع أشكلت. ولم يحصل إنكار عليه من الحاكم ولا ممن حضر المجلس، بحيث انفصلَ عنهم والقاضي يقول: كلُّ من تكلَّم في الشيخ يُعزَّر. ورجع الشيخ إلى داره في ملأ كثير من الناس، وعندهم استبشار وفرح به. وهو في كل ذلك ثابت الجأش قوي القلب، واثق بالنصر الإلهي، لا يلتفت إلى نصر مخلوق، ولا يُعوِّل عليه. وكان سعيهم في حقه أتمَّ السعي، لم يبقوا ممكنًا من الاجتماع بمن يرتجون منه أدنى نصر لهم، وتكلموا في حقه بأنواع الأذى وبأمور يستحي الإنسان من الله أن يحكيها فضلًا عن أن يختلقها ويُلفِّقها. فلا حول ولا قوة إلّا بالله (١). ولما لم ينجح المخالفون للشيخ في هذه المعركة، بل زادت منزلته لدى الخاصة والعامة، لجأوا إلى التأليف في الردَّ عليه وعلى فتياه "الحموية"، فألَّف شهاب الدين أحمد بن يحيى المعروف بابن جَهْبَل الحلبي الشافعي (ت ٧٣٣) رسالةً (٢) في ذلك قصد بها الرد على "الحموية"، وقد كانت رسالته هذه عمدة من جاء بعده، مثل محمد سعيد المدراسي الهندي الشافعي (ت ١٣١٤) في كتابه "التنبيه بالتنزيه" الذي أدرج فيه رسالة ابن جَهْبل الحلبي بتمامها. وقد ردَّ عليها الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدي (ت ١٣٢٧) في كتابه "تنبيه النبيه _________ (١) ذكر هذه المحنة البرزالي في تاريخه، ونقل عنه ابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص ١٩٨ - ٢٠٢). (٢) ساقها السبكي في طبقات الشافعية (٩/ ٣٥ - ٩١).

стр. 7

والغبي في الردّ على المدراسي والحلبي". وممن ألف في الردِّ على "الحموية": القاضي شمس الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السَّرُوجي المصري الحنفي (ت ٧١٠)، وهو الذي أشار إليه الشيخ في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٦ - ٧) ووصفه بأفضل القضاة المعارضين. ولم يصل إلينا كتابه. وقد ردَّ عليه شيخ الإسلام بالكتاب الذي بين أيدينا قطعة منه، وسماه "جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية"، وقد كان كتابًا كبيرًا في أربعة مجلدات. * عنوان هذا الكتاب وموضوعه: ذكره ابن رشيق (١) وابن عبد الهادي (٢) بعنوان "جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية"، وبحذف كلمة "جواب" عند الصفدي (٣) وابن شاكر الكتبي (٤). وذكره ابن رجب (٥) بالعنوان المعروف ولكنه قال " ... الفتاوى الحموية"، وتابعه العليمي (٦). وحذفُ كلمة "جواب" من العنوان الكامل يوهم أنه مجرد سرد للاعتراضات على الفتيا دون الجواب المفصل عنها، كما أن "الفتاوى" بصيغة الجمع خلاف الواقع، فإن "الحموية" فتوى مفردة وليست فتاوى متعددة. ولذا فالعنوان الكامل _________ (١) في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام (ص ٢٩٤ ضمن "الجامع لسيرة شيخ الإسلام"). (٢) في العقود الدرية (ص ٢٩)، ومختصر طبقات علماء الحديث (ضمن "الجامع" ص ٢٥٦). (٣) انظر: "الجامع" (ص ٣٥٣، ٣٥٤، ٣٧٦). (٤) المصدر السابق (ص ٣٩١). (٥) ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٠٣). (٦) في المنهج الأحمد، والدر المنضد. انظر الجامع (ص ٦١٨، ٦٠٩).

стр. 8

للكتاب هو الذي ذكره ابن رشيق وابن عبد الهادي. وقد ذكر شيخ الإسلام مناسبة تأليفه وعنوانه وبعض الموضوعات التي تناولها فيه في عدد من مؤلفاته، فقال في "بيان تلبيس الجهمية" (١/ ٦ - ٧): "اعترض قولم عليَّ في (١) هذه الفتيا [الحموية] بشبهاتٍ مقرونة بشهوات، وأوصل إليَّ بعض الناس مصنَّفًا لأفضل القضاة المعارضين، وفيه أنواع من الأسئلة والمعارضات، فكتبتُ جواب ذلك وبسطتُه في مجلدات". وسماه (١/ ٨) "الجواب عن الاعتراضات المصرية الواردة على الفتيا الحموية"، واعتبر "بيان تلبيس الجهمية" تتمة له في هذا الباب. ويفيدنا هذا النصّ أن الكتاب جواب لتأليف أحد القضاة الذي يصفه المؤلف بأفضل القضاة المعارضين، وتدلُّنا مخطوطة القطعة الثانية أن المقصود به القاضي السَّروجي، وهو شمس الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السَّرُوجي الحنفي، قاضي القضاة بمصر، المتوفى سنة ٧١٠، ويؤكِّد ذلك ابن كثير فيقول (٢): "له اعتراضات على الشيخ تقي الدين بن تيمية في علم الكلام أضحك فيها على نفسه، وقد ردَّ الشيخ تقي الدين عليه في مجلدات، وأبطل حججه". وأشار إليه المقريزي وابن حجر والتميمي وابن تغري بردي في ترجمة السَّروجي (٣). فكتاب السَّرُوجي هذا كان في الرد والمناقشة وإيراد _________ (١) في المطبوعة: "على خفي"، وهو تحريف. (٢) البداية والنهاية (١٤/ ٦٠). (٣) المقفى (١/ ٣٤٨) والسلوك (٢: ١/ ٩٤) والدرر الكامنة (١/ ٩٢) والنجوم الزاهرة (٩/ ٢١٣) والطبقات السنية (١/ ٢٦١).

стр. 9

الأسئلة والاعتراضات على الفتيا الحموية، فردَّ عليه شيخ الإسلام في مجلدات. ووصفه ابن رشيق وابن عبد الهادي وغيرهما بأنه في أربع مجلدات، وزاد في العقود الدرية (ص ٢٩): "وبعض النسخ منه في أقلّ، وهو كتاب غزير الفوائد سهل التناول". ونظرًا إلى كثرة فوائده وغزارة مادته أحال عليه المؤلف في كتبه الأخرى للبسط والتفصيل، وهذه بعض النصوص التي اطلعت عليها: قال في كتاب "الاستقامة" (١/ ١٣٩) بعد ما ذكر مسألة قرب الربّ من عباده ومسألة علوّه: "هذه المسألة والتي قبلها كبيرتان، ذكرناهما في غير هذا الموضع، مثل "جواب الاعتراضات المصرية" وغير ذلك. وذكر في "التسعينية" مسألة القرآن وما وقع فيها بين السلف والخلف من الاضطراب والنزاع، وما كتب المؤلف حولها في عددٍ من مؤلفاته، وقال (١/ ٢٣٠): "وقد كتبتُ جملًا من الكلام في ذلك في جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية". وبعد ما ذكر نصوص الكتاب والسنة في موضوع علو الربّ وقربه من داعيه قال في "مجموع الفتاوى" (٥/ ٢٤٠): "وقد بسطنا الكلام على هذه الأحاديث ومقالات الناس في هذا المعنى في جواب الأسئلة المصرية على الفتيا الحموية". وقد أحال عليه كثيرًا في بيان تلبيس الجهمية (١)، فبالإضافة إلى مقدمته وبيان مناسبة تأليفه التي سبق نقل عبارته فيها، يذكر أن جميع السلف من القرون الثلاثة والأئمة المتبوعين وغيرهم "كلهم يقولون _________ (١) لم يذكر المحققون في فهارس الكتاب (ص ٢٤٩) إلّا موضعين فقط!!

стр. 10

بإثبات العلو لله على العرش واستوائه عليه دون ما سواه، ويضللون من يفسِّر ذلك بالاستيلاء والقهر ونحوه، كما حكينا بعض أقوالهم في جواب الاستفتاء، وفي جواب هذه المسائل المُورَدة عليه" (١/ ٢٣٤). أراد بجواب الاستفتاء "الفتوى الحموية"، وبجواب المسائل الموردَة عليه: "جواب الاعتراضات المصرية .. " الذي نحن بصدده. وقال في (٥/ ٤٥٧): "ونحن لا نقصد الكلام في إثبات التأويل في الجملة ولا نفيه، ولا وجوب موافقة الظاهر مطلقًا ولا مخالفته، إذ في هذا تفصيل وكلام على الألفاظ المشتركة، كما قد تكلمنا على ذلك في جواب الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية وفي غير ذلك". وأشار إلى هذا الكتاب في بعض المواضع بقوله: "الأجوبة المصرية"، قال (٦/ ١١١): "وهذا الكلام الذي نقله عن أبي حامد، ذكره لما تكلَّم عن مراتب التأويلات واختلاف الناس فيها، وقد تكلمنا على ما ذكره في ذلك في الأجوبة المصرية وغيرها". وقال (٦/ ١١٩): "وقد تكلمنا على هذا الكلام وما فيه من مردود ومقبول، وما فيه من عزل الرسول ﷺ عزلًا معنويًّا، وإحالة الخلائق على الخيالات والمجهولات، وفتح باب النفاق، وبيَّنَّاه في الأجوبة المصرية". وفي أثناء الكلام في مسألة قرب الربّ من عبده قال (٦/ ٢٦٥): "وقد بسطنا الكلام على هذا في الأجوبة المصرية". وقال (٦/ ٤٨٠): "وهذا الكلام قد نبهنا عليه غير مرة في هذا وفي الأجوبة المصرية وفي جواب المسألة الصرخدية وغير ذلك، في بيان

стр. 11

شبهة التركيب والتجسيم، وشبهة التشبيه، والاتفاق والاشتراك بين الموجودين يكون في مراتب الوجود الأربعة ... ". وقال (٦/ ٤٨٧): "وقد بسطنا الكلام على هذا في الأجوبة المصرية، وبينا أن الله ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، فيجب أن ينفى عنه المثل مطلقًا ومقيدًا، وكذلك الندّ والكفو والشريك ونحو ذلك من الأسماء التي جاء القرآن بنفيها ... ". والموضع الأخير الذي أشار إليه عندما تحدث عن التركيب والتجسيم والمعنى الصحيح لهما، فقال (٧/ ٥٧١): "ولولا أنا قدَّمنا أصل هذا الكلام في الحجج العقلية لبسطناه هنا، وقد بسطناه أيضًا في جواب المعارضات المصرية". رأينا في النصوص السابقة أن المؤلف تناول في الكتاب موضوعات عديدة تتعلق بصفات الله ، وفصَّل فيها كلَّ تفصيل، حتى بلغ الكتاب أربع مجلدات. وهو من الكتب المهمة لشيخ الإسلام، ولذا أكثر من الإحالة عليه كلّما جاءت مناسبة. وذكره بعنوانِه أو وصفَه بما يقاربه ويدلُّ على موضوعه، فتارةً سماه بالعنوان المعروف، وتارةً قال: "جواب الأسئلة المصرية" أو "جواب المعارضات المصرية" أو "الأجوبة المصرية"، وأشار به إلى الكتاب الذي بين أيدينا جزء منه. وهذا منهجه المعروف في تسمية كتبه والإشارة إليها، فلا غرابة في ذلك. * محتوياته وأهميته: ذكرنا فيما سبق أن الكتاب كان في أربعة مجلدات، ويُعدّ من المؤلفات الكبار للشيخ، وقد أحال عليه في كتبه الأخرى، ويعتبر "بيان تلبيس الجهمية" تتمة لمباحثه. وكتابٌ هذا شأنه لابدّ أن يكون من أهمّ

стр. 12

مؤلفاته في باب العقيدة، وبيان مذهب السلف في الصفات، والدفاع عنه. ويُستنبط من الإحالات العديدة عليه تنوعُ مباحثه وتوسُّع الشيخ في تناولها. ولا يمكن لنا الآن وصفه وبيان جميع محتوياته، لأن أغلب الكتاب لا زال في عداد المفقود، وإنما نستعرض هنا محتويات القطعتين اللتين حصلنا عليهما، ونبين أهمية المباحث التي توجد فيهما. أما القطعة الأولى فتبدأ بذكر جواب المعترض عن الأحاديث التى يُحتج بها في إثبات الصفات، من أربعة وجوه: أحدها: أنها أخبار آحادٍ، لا تُفيد العلمَ بل تُفيد الظن. الثاني: أنها ليست نصوصًا في ذلك، بل هي ظاهرة قابلةٌ للتأويل. الثالث: أن السلف تأوَّلوا كثيرًا منها، ومنهم ابن عباس الذي روي عنه تأويل عدد من الآيات. الرابع: أن الأدلة العقلية عارضتْها، فيجب تأويلها. قام المؤلف بعد ذلك بالردَّ على كل وجه بتفصيل. أما قوله: "أخبار آحاد لا تُفيد العلمَ" فكان جوابه من ثلاثة طرق: ١) بيان موافقة الأحاديث والآثار للقرآن وتفسيرها له. ٢) بيان وجوب قبولها. ٣) بيان صحة الاعتقاد الراجح بها. وقد توسع في الجواب عن الشبهة السابقة وبيَّن اتفاق القرآن مع الحديث، وضرورة الاستدلال على معاني القرآن بما رواه الثقات

стр. 13

الأثبات بدلًا من الأخذ عن أهل البدع أو بعض أهل العربية الذين يتكلمون بنوع من الظن والهوى، وقارنَ بين الاستشهاد على معاني القرآن بألفاظ الرسول ﷺ وألفاظ الصحابة والتابعين وبين الاستشهاد بشعرٍ لم يُروَ بإسناد ولم يُعرف قائله. وتوصَّل إلى بيان استقامة هذه الطريق (طريق الاحتجاج بالآثار) وأنه لا طريق يقوم مقامها. وأطال في بيان ذلك من وجوه متعددة، وبيانِ فساد الطرق الأخرى في فهم معاني القرآن وتفسيره. وذكر أن من عَدَل عن التفسير المأثور فأحد الأمرين لازمٌ له: إما أن يَعدِل إلى تفسيره بما هو دون ذلك، فيكون محرِّفًا للكلم عن مواضعه، وإما أن يبقى أصمَّ أبكم لا يسمع من كلام الله ورسوله إلَّا الصوتَ المجرد، وكل من هذين باطل. ثم بيَّن وجهَ بطلانهما. ثم انتقل إلى النقطة الثانية، وهي بيان وجوب قبول الأخبار الصحيحة، فقسَّم الأخبار ثلاثة أقسام: متواتر لفظًا ومعنىً، ومستفيض متلقًّى بالقبول، وخبر الواحد العدل الذي يجب قبوله. وتكلَّم عن كل قسم بتفصيل، وبيَّن إفادته العلم. ثم انتقل إلى بيان صحة الاعتقاد الراجح بها، وأنه لا فرق فيها بين المسائل العلمية والخبرية، ولا يُردُّ الخبر في باب من الأبواب سواءً كانت أصولًا أو فروعًا بكونه خبرَ واحد. إلى هنا كان الجواب عن السؤال الأول الوارد في أول الكتاب. ثم بدأ (ص ٥٤) في الجواب عن السؤال الثاني، وهو قوله: "ليست الأحاديث نصوصًا في ذلك، بل هي ظاهرة قابلة للتأويل". وقد أجاب عنه أولًا بجواب مجمل ثم بجواب مفصل. وأنكر أن يكون في القرآن أو الأحاديث الثابتة ما ظاهره ممتنعٌ في العقل، ولا يقدر أحدٌ أن يأتي

стр. 14

بحديثين صحيحين متعارضين، والذين ردُّوا بعض الأحاديث الثابتة أو أوَّلوها في زمن الصحابة اجتهدوا في طلب الحق وإن أخطأهم، فنوسع لهم الاعتذار والاستغفار. ثم ذكر بعض الأمثلة على ذلك، منها حديث: "إن الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه" (ص ٥٩ - ٧٤)، وحديث عمار في التيمم (ص ٧٤ - ٧٥)، وبعض أحاديث أبي هريرة وفاطمة بنت قيس وبَرْوع بنت واشق وغيرها. وقال في آخره: ما علمنا أحدًا من الصحابة والتابعين ردُّوا حديثًا صحيحًا وتأوَّلوه على خلاف مقتضاه، لمخالفة ظاهر القران في فهمهم أو لمخالفة المعقول أو القياس، إلّا كان الصواب مع الحديث ومن اتبعه، فكيف بمن بعدَهم؟ ! ثم تحدث عن خاصية أبي بكر الصديق، فإنه لم يُعرف له فتوى ولا كلام يخالف شيئًا من الأحاديث، وكان يبيِّن للصحابة معاني النصوص إذا اعتقدوا في ظاهرها ما لا يدلّ عليه، وذكر أمثلة على ذلك. وفي أثنائه تكلم عن علاقة القرآن بالسنة، والتحديث لأهل الأهواء والبدع، ومعنى العبادة وكيف تختلف عن العادة. ثم عقد فصلًا تكلم فيه عن معنى التأويل عند السلف وعند المتأخرين، وبيان المذموم منه، وذكر أن من اعترض على السنة والجماعة بنوعِ تأويل: قياس أو ذوق أو تأويل منه خالف به سنة رسول الله ﷺ ، ففيه شوبٌ من الخوارج. أما الاعتراض الثالث: "أن السلف تأولوا كثيرًا من الأحاديث والآيات" فذكر الجواب عنه من وجوه، منها: أنه إذا كان المراد بالسلف الصحابة فهذا النقل عنهم باطل، لم يتأوَّل أحدٌ من الصحابة قطّ شيئًا من آيات القرآن التي ظاهرها أنها صفة لله تعالى. وكذلك الأمر في التابعين.

стр. 15

ولا يصحُّ في ذلك عن ابن عباس أو غيره شيء. وفي الأخير جاء إلى الأمر الرابع وهو قوله: "عارضتها الأدلة القطعية فيجب تأويلها"، وردَّ عليه من وجوه عديدة، منها: أنه لم يعارضها دليلٌ قطعيٌّ قطُّ، وأن ما هو مدلولها لم ينفِه العقل، والذي نفاه العقلُ ليس مدلولَها. ثم تكلَّم على قولهم: إن إثبات الصفات ظاهرها التجسيم، وبيَّن أن نفي المثل عنه والسميّ والمساوي يقتضي نفيَ ذلك في كل شيء، وذكر ما بين الأسماء من التواطؤ والافتراق، وما بين مدلولها من التباين والاشتباه. وأما القطعة الثانية: فهي خاصة بالكلام على حديث "خلق آدم على صورته" و"على صورة الرحمن"، فذكر أنه مروي بألفاظ متنوعة، ولم يكن في السلف من تأوله، ولكن بعض علماء أهل السنة تأولوه، أو تركوا روايته لأسباب أخرى، كما يُذكر عن الإمام مالك. ثم ذكر طرق الحديث ومن رواه من الأئمة مثل الليث بن سعد ويحيى بن سعيد القطّان ومعمر وعبد الرحمن بن مهدي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وذكر قول الإمام أحمد والحميدي وغيرهما في تصحيحه، وإنكارهم على أبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ ممن تأوَّل هذا الحديث، ونقل نصوصًا مهمة من "مناقب الإمام إسماعيل بن محمد التيمي" لأبي موسى المديني و"الفصول من الأصول عن الأئمة الفحول" لأبي الحسن بن الكرجي و"تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة، وردَّ على التأويلات الباطلة للحديث. هذا عرض موجز لأهمّ الأبحاث التي توجد فيما وصل إلينا من هذا الكتاب، ونظرًا إلى أهميته وما فيه من مناقشات قوية اعتمد عليه تلميذ

стр. 16

المؤلف الإمام ابن القيم في "الصواعق المرسلة"، فهو ينقل عنه نصوصًا عديدة من القطعة الأولى (١)، وينسبها أحيانًا إلى شيخه ويُغفِل نسبتها أخرى، على طريقة استفادته من كتب شيخ الإسلام. * وصف النسخة الخطية: وصلت إلينا قطعتان من الكتاب، وفيما يلي وصفهما: الأولى: في مكتبة الشيخ محب الله شاه الراشدي في السند بباكستان، وقد كتب على صفحة العنوان: "من كلام الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني في أثناء كتابه المسمى بالأسولة المصرية في الاعتراضات على الفتيا الحموية، فيما يتعلق ببيان الحق الصريح في الاستدلال بأحاديث رسول الله ﷺ ، حيث أشار المعترض في اعتراضاته إلى القدح في ذلك الموطن بأنها أخبار لا تفيد العلم بل تفيد الظن، وذكر وجوهًا من الاعتراضات بمقتضى علمه واجتهاده في هذا الموضع. ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم". وهذه القطعة في ٤٥ ورقة، وفي كل صفحة منها ٢٧ سطرًا، وقد كُتبت في القرن الثاني عشر، كما جاء في آخرها بخط الناسخ: "كتب هذه الأحرفَ العبدُ الفقير الراجي الشفاعةَ من سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام عبد الغني بن خليل اللطفي الحسيني المقدسي، غفر الله له ولوالديه ولمن نظر في هذا الكتاب ودعا له ولوالديه وللمسلمين _________ (١) انظر مختصر الصواعق المرسلة (ص ٤٣٩ - ٤٤١، ٤٤١ - ٤٤٧، ٤٤٧ - ٤٤٩، ٤٥٣ - ٤٥٥، ٤٦٤ - ٤٦٦، ٤٦٧ - ٤٦٦) طبعة بيروت ١٤٠٥.

стр. 17

بالمغفرة. وذلك في اليوم الثامن عشر من شهر شوال سنة ثمانية (كذا) وعشرين ومائة وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والتحية. تمَّ ذلك بعون الله وحسن توفيقه، والله أعلم". والنسخة بخط نسخي جيّد، ويبدو أنها مقابلةٌ على الأصل، لوجود التصحيحات في الهوامش، ولكن فيها أخطاء وتحريفات في مواضع كثيرة، وفيها سقط للكلمات في بعض المواضع لا يستقيم الكلام بدونها. والنسخة المصورة التي عندي كانت ضمن مصوَّرات أخي الفاضل المحقق حافظ ثناء الله الزاهدي، وفي بعض صفحاتها طمس واهتزاز عند التصوير، فلم تتضح الكلمات وبعض الأسطر ولم تُقرأ إلّا بصعوبة بالغة. وكانت هذه النسخة في ملك الإمام المحدث الأثري صالح بن محمد الفُلَّاني (١) (ت ١٢١٨)، كما أثبتَ ذلك بخطه على صفحة العنوان، حيث كتب: "ملكَه الفقير صالح بن محمد الفلّاني العمري المسوفي". وربما تكون بعض التصحيحات على النسخة بقلمه. وبعد انتهاء الكتاب توجد في آخر النسخة بعض الفوائد والنقول المتعلقة بشيخ الإسلام ابن تيمية، نقلها الناسخ من بعض المصادر أو من الأصل المنقول عنه. الثانية: في مكتبة قره حصار بتركيا، برقم ١٧٥١٧/ ٤ (الورقة ٧٠ - ٧١)، كتبت سنة ٧٣٦ (٢)، وقد اطلع عليها أخونا البحاثة _________ (١) انظر ترجمته في فهرس الفهارس والأثبات (٢/ ٩٠١). (٢) كما في معجم المخطوطات الموجودة في مكتبات إستانبول وأناطولي =

стр. 18

أبو الفضل القونوي ووصفها بقوله: (وقفتُ عليها في مجموع نُسِخَ بعضُه سنة ٧٣٦، وهي نسخة مكتبة كديك أحمد باشا في مدينة أفيون رقم ١٧٥١٧، وقد نُقِلت هي وبقية محتوى المكتبة إلى المكتبة الوطنية بأنقرة. وفي هذا المجموع من كتب شيخ الإسلام: الفتيا الحموية، ومسائل عن آيات الصفات وأحاديثها، مثل قول السائل: هل في آيات الصفات ناسخٌ ومنسوخ؟ وفيه شرح حديث النزول، وهو مطبوع، ومسألة القبح والحسن العقليين، ومسألة في الاستواء وغيره، ودعوة ذي النون، ومسألة عصمة الأنبياء ... ). قلت: وقد اطلعتُ على مصورتها، فوجدتها بخط نسخي جيد، وهذه القطعة خمس ورقات (ق ٧٠ ب - ٧٥ أ)، وعدد الأسطر في كل صفحة ٢٧ سطرًا. والنسخة مصححة ومقابلة على الأصل، وقد نُقِلت من خط شيخ الإسلام، كما صرَّح به الناسخ في آخر النسخة، فقال: "نقلتُه من خط شيخ الإسلام مؤلفه ﵀ ورضي عنه - وبقي منه قائمة ووجه وقليل من الوجه الآخر، في ثالث شهر جمادى ... ". أما ناسخ هذه القطعة ورسائل أخرى ضمن هذا المجموع فقد وصلت إلينا بخطه رسائل عديدة من مؤلفات الشيخ، يذكر فيها اسمه ونسبه. وقد ذكر أخونا أبو الفضل القونوي أنه تلميذ لشيخ الإسلام وإن لم تذكره المصادر، ثم قال ما يلي: يبدو أن ناسخ هذا المجموع - وفيه خط ناسخ غيره - كان من تلاميذه الذين اضطروا لضعف جانبهم وفقرهم إلى الانكفاء على _________ = (ص ١٣١).

стр. 19

أنفسهم. واسمه كما كتبه في موضع: (ووافق الفراغ من تعليقه يوم الخميس سادس عشري شهر رجب من شهور سنة اثنتين وثلاثين وسبعمئة، كتبه الفقير إلى رحمة ربه الكبير العبد الضعيف المقصر المخطئ المسيء: أيوب (١) بن أيوب بن صخر بن أيوب بن صخر بن خالد بن وثيق بن أبي الحسن بن بقاء بن مساور العامري .. ) ثُمَّ ذكر تاريخ مقابلتها فقال: (قوبلت على أصلها فصحت على حسب الطاقة في مجالس آخرهن رابع عشر شهر شعبان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمئة). فقد نسخها بعد وفاة شيخ الإسلام سنة ٧٢٨. ويفهم من اسمه أنه عربي المحتِدِ، فهو عامري، ومن ذكرِه مكان النسخ حمص أنه من أهلها، ولا يعلم متى توفي، غير أنه كان حيًا سنة ٧٣٦. ويبدو أنه كان صديقًا لابن رشيق، الذي ذكره في موضع وقال: (نقل من خط الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية، بحضور ترجمانه ولسان قلمه الشيخ شمس الدين أبي عبد الله بن رشيق، والمقابلة عليه، وهو ممسك بأصل الشيخ ﵀ والشيخ سليمان يقرأ، وذلك في ثالث شهر جمادي الأولى من سنة ست وثلاثين وسبعمئة). ويفهم من بيتين كتبهما أنه كان فقيرًا مثله، والبيتان قوله: _________ (١) قلت: بعض المخطوطات التي اطلعتُ عليها وجدتُ فيها اسمه واسم أبيه وجدّ أبيه ما يُشبه "ليون" بدل أيوب، فليحرر.

стр. 20

أيا قارئًا خطي سألتك دعوة ... إلى الله في عبدٍ مقرٍّ بذنبهِ عساه يسامحني ويغفر زلتي ... ويرزقني رزقًا مقيمًا بأهلهِ ويزيد المتأمل من كونه تلميذًا لأبي العباس بن تيمية ما كتبه في نسخته من (الحموية الكبرى) التي عنون لها بالقول: (المعارج الروحية، القاصدة لمعرفة رب البرية، بالأدلة والنصوص القطعية، والآثار السلفية، المودعة في الفتيا الحموية، إملاء الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية) وتاريخ الفراغ من نسخها السابع والعشرون من رجب ٧٣٠، وقوله: ( ... غفر الله له ولمن أجاب بها، ولمن تأملها، وأنصف فيها، وامتثل منها ما يجب، وأعرض عن الأهواء والريب، ولسائر المسلمين آمين آمين)، وما قاله قبل شرح حديث النزول الإلهي، من تعبيرات المديح التي يغلب على الظن أنها كلمات هذا التلميذ المحب لشيخه، إذ كانت النسخة التي استنسخ منها هي بخط المؤلف، قال: مسألة سئلها الشيخ الإمام شيخ الإسلام بقية السلف الكرام، قدوة الخلف، فريد عصره ووحيد دهره العالم الرباني المقذوف في قلبه النور الإلهي، موضح المشكلات، مزيل الشبهات بما أيده الله من فهم الآيات البينات والبراهين القاطعات، تقي الدين ... فأجاب عن أسرار الحديث، وأقوال العلماء، وأزاح كل مشكل، وأبان الحق في ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الجهابذة الأئمة، وبين في ذلك غلط الغالطين، وحذر فيه من زيغ الزائغين، ونفَّر من تشكيك الشاكين، وحث على سلوك طريق السلف الصالح، من الصحابة ومن بعدهم من التابعين، وقوَّى جانب الاتباع، وزيف أقوال أهلى الأهواء والابتداع، في سائر الأزمان والدهور ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور/ ٤٠].

стр. 21

* وفي الختام: أحمد الله على أن يسَّر لي إخراجَ هذه القطعة من هذا الأثر النادر من تراث شيخ الإسلام، وأدعوه سبحانه أن يوفقنا للعثور على بقيته، إنّه ولي ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه محمد عزير شمس

стр. 22

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فصل قال المعترض: وأما الجواب (١) عن الأحاديث بعد المطالبة بصحتها فمن وجوهٍ: أحدها: أنها أخبار آحاد، لا تُفيد العلم بل تفيد الظن، لما عُرِف في الأصول. والثاني: أنها ليست نصوصًا في ذلك، بل هي ظاهرة قابلة للتأويل. والوجه الثالث: قد تأوَّل السلفُ كثيرًا منها ومن الآيات، وأذِنَ لنا في التأويل ابنُ عباس - وهو حبر هذه الأمة وترجمان القرآن - في غيرِ ما آيةٍ، وقال (٢): إذا خَفِيَ عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب. قال في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم/ ٤٢]: أما سمعتم قول العرب: قامتِ الحربُ [بنا] على ساق (٣).

стр. 23

والوجه الرابع: عارضتْها الأدلةُ العقلية فيجب تأويلُها، والله لا يُشبِهه شيء من مخلوقاته، ولا يَحلُّ فيه حادثٌ ولا يَحلُّ هو في حادثٍ، وعند ذلك يستحيلُ وصفُه بالتحيُّز والاتصال بالمحدودات. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر/ ٤١]، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج/ ٦٥] وفي الطير ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النحل/ ٧٩]. فإذا ثبت أن الإمساك الحسّي غير مرادٍ إجماعًا فكذلك الإصبع والإصبعان التي وردت، فإن صَمَّموا وادَّعَوا التعميمَ فقد جَسَّموا. الجواب أما قوله: "أخبار آحاد، لا تُفيد العلمَ"، فجوابه من ثلاثة طرق: بيان موافقة الآثار للقرآن وتفسيرها له، وبيان وجوب قبولها، وبيان صحة الاعتقاد الراجح بها. الطريق الأول أن نقول: الأحاديث الواردة الصحيحة في هذا الباب توافق القرآن ويطابقها، ويدل على ما دلت عليه، وإنما الحديث مع القرآن بمنزلة الحديث مع الحديث الموافق له، والآية مع الآية الموافقة لها، وبمنزلة موافقة القرآن للتوراة، حتى قال النجاشي لما سمع القرآن قال: إنّ هذا والذي جاء به موسى ليخرجُ من مشكاةٍ واحدةٍ (١). وكذلك قال ورقة بن

стр. 24

نوفل لما ذكرتْ له خديجةُ أمرَ النبي ﷺ قال: هذا الناموس الذي كان يأتي موسى (١). فإذا كان في القرآن أن لله علمًا وقدرةً لذكرنا قولَ النبي ﷺ في حديث الاستخارة الصحيح (٢): "اللهمَّ إني أستخيرُك بعلمك وأستقدِرُك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم"، وقوله في حديث السنن (٣): "اللهمَّ بعلمِك الغيبَ وقدرتك على الخلق" ونحو ذلك، فهذا موافق. وكذلك إذا ذكرنا قوله الصحيح (٤) لأهل الجنة: "ألا أُعطِيكم ما هو أفضل من ذلك؟ أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخَطُ عليكم أبدًا"، وقول الأنبياء في حيث الشفاعة الصحيح (٥): "إن ربّي قد غضبَ اليوم غضبًا لم يَغضَب قبلَه مثلَه ولن يغضب بعده مثلَه"، أو ذكرنا قوله: "إن الله يحبُّ العبد التقى الغنِي الخفي" (٦) و "إن الله يحبُّ العبد المفتَّن التواب" (٧) و "إن الله يَعجب من راعي غنمٍ على رأسِ جبل شَظِيَّة" (٨)، و "عَجِبَ ربنا

стр. 25

من قُنوطِ عبادِه وقُرْبِ غيرِه" (١)، أو ذكرنا قوله: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاءَ محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد" (٢) ونحو ذلك = فإنما نذكر هذه الأحاديث موافقةً لكتاب الله تعالى، من غضبه ورضوانه ومحبته وعَجَبه ومشيئته وغير ذلك. ولهذا كان أئمة السلف يذكرون الآيات وما يناسبها من الأحاديث في هذا الباب وسائرِ أبواب العلم، مثل ذكر آية الطهارة والصيام والحج والجهاد وما يناسب ذلك من الأحاديث، التي (٣) تُقرِّر معناه وتُفسِّر مجملَه، وكذلك إذا ذُكِرت الآيات في محبة العبد لربّه وتوكُّلِه عليه وإخلاصِه له وخوفِه ورجائه ونحو ذلك ذُكِرَ (٤) معه الأحاديث الموافقة للقرآن في ذلك، وكذلك إذا ذُكِرَ ما في القرآن من صفة المعاد والجنة والنار [ذُكِرَ] (٥) ما في الأحاديث مما يوافق ذلك، أو ذُكِرَ ما في القرآن من قصص الأولين وتذكيرِ الله لسلفنا المؤمنين بآلائِه عليهم في حياة رسول الله ﷺ في مغازيهم وغيرها ذُكِرَ الأحاديث المبيِّنة لقصص المتقدمين والمبيِّنة لصفة مغازي رسول الله ﷺ وسيرته، وكذلك إذا ذُكِرت الآياتُ ذُكِرت الأحاديثُ المبيِّنة لسبب نزولها وما أريد بها. ومعلوم بالضرورة أن هذا مما اتفق عليه المسلمون، وهو أحسن ما

стр. 26

يكون من بيان اتفاق القرآن والحديث، فهذا نافع في تفسير القرآن الذي هو تأويله الصحيح، ونافعٌ في إثبات ما دلَّ عليه القرآن والحديث من الأحكام الخبرية العلمية الاعتقادية والأحكام العملية الإرادية. ثم الآية قد تكون نصًّا، وقد تكون ظاهرة، وقد يكون فيها إجمال ، فالحديث يُقرِّر النصَّ ويَكشِف معناه كشفًا مفصَّلًا، ويُقرِّب المراد بالظاهر ويَدفع عنه الاحتمالاتِ، ويُفسِّر المجملَ ويُبيِّنه ويُوضِّحه، لتقوم حجةُ الله به، ولتبيينِ أن الرسول بيَّن ما أنزِل إليه من ربه، بيَّنَ معناه وحروفَه جميعًا، وأنه لم يترك البيان لا لمجملٍ ولا لظاهرٍ، ولم يُؤخِّره عن وقتِ الحاجة، بل قد بيَّن ذلك أحسنَ البيان وأجملَه. وبهذا جَرتْ عادةُ أئمة السلف وأتباعهم المصنفين في الأبواب أن يذكروا الآيات والأحاديث المناسبة في هذه الأبواب وغيرها، كما فعلَ البخاري ومَن قبلَه ومَن بعدهم من سائر الأئمة، فإن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهما يحتجون على أحاديث النزول وصحة معانيها بما في القرآن من آيات المجيء والإتيان ونحو ذلك. وهل يُنكِر ذلك من له أدنى عقلٍ وإيمان؟ وأيُّما أحسنُ: الاستدلالُ على معاني الكتاب بما رواه الثقات الأثباتُ ورثةُ الأنيباءِ وخلفاءُ الرسلِ عن رسولِ الله المبلِّغِ عن الله المبيِّن لما أنزل الله عليه، وبما قاله الصحابة والتابعون وأئمة الهدى، وتأويلُ القرآن الذي هو تفسيره بهذه الطرق؟ أم يُؤخذ تفسيرُ القرآن وتأويلُه وبيانُ معانيه من أئمةِ الضلال وشيوخِ التجهُّم والاعتزال كالعلَّاف والنظَّام والمَرِيْسي ونحوهم؟ فإن هذه التفسيرات والتأويلات عنهم وعن أمثالهم، أو يُنقَل ذلك عن بعض أهلِ العربية الذي يتكلم فيه بنوعٍ من

стр. 27

الظن والهوى، وإن كان أئمة العربية وعلماؤها على خلافه. وأيُّما أحسنُ: الاستشهاد على معاني القرآن بنفس ألفاظِ رسولِ الله ﷺ وألفاظ الصحابة والتابعين التي يُستفاد بها معنى الآيات على الخصوص وهو المطلوب، ويُعلَم بها اللغةُ التي نزل بها القرآنُ، وبها خاطبَ النبي ﷺ بالنقل الصحيح الثابت؟ أو الاستشهاد على ذلك ببيتٍ من شعرٍ، كقوله (١): إن الكلامَ لفي الفؤادِ وإنما ... جُعِلَ اللسانُ على الفؤاد دليلَا وكقوله (٢): ثم استوى بِشْرٌ على العراقِ ... من غيرِ سيفٍ ودمٍ مُهراقِ وكقوله (٣): وجوهٌ يومَ بدرٍ ناظراتٌ ... إلى الرحمن تنتظرُ الفلاحَا وأمثال ذلك من الشعر الذي قد يقال فيه: إنه لم يُروَ بإسنادٍ صحيح عن قائله، بل كثيرٌ من أهل صنعة الشعر يُكذِّبه، ولو رُوِي بإسنادٍ فمن المعلوم أن أسانيدَ الحديثِ والآثارِ أكثر وأكبرُ، والعلماء بها أعلمُ

стр. 28

وأصدقُ، وهم أعدادٌ لا يُحصِيهم إلَّا الله. فإذا لم يَجُزْ تفسيرُ القرآن وتأويلُه بالألفاظ والمعاني التي هي بينَ (١) محفوظةٍ منقولةٍ من إمامٍ إلى إمام ومن عددٍ إلى عددٍ، أفيجوزُ أن يُرجَعَ في معاني القرآن إلى بيتٍ من الشعر أو كلمةٍ من الغريب أحسنُ أحوالِها أن يَرويَها واحدٌ عدلٌ عن بعض الشعراء؟! وإذا كانت الأخبارُ لا تُفيد علمًا فجميعُ ما يذكرونه من اللغة الغربية والشعر المنقولة بمثل ذلك دونه، ولم نعلم أنه قاله عربي، بل يجوز أن يكون كذبًا، فإذا حملنا عليه كلام الله فقد قلنا على الله ما لا نعلم. وهذا معلومٌ بالضرورة والاتفاق من المثبتةِ والنافيةِ أن اللغة المستفادة من الشعر والغريب الذي يعلمه الآحاد دُونَ ما يُستفاد من نَقْلِ أهلِ الحديث، فإذًا لا يُفيد العلم بأن العربيَّ قالَه، ولو عَلِمْنا أن العربي قالَه لم يكن عِلْمنا بمرادِ العربي منه إلَّا دون عِلْمِنا بمرادِ الرسول والصحابة والتابعين من ألفاظهم. فإذا كان هذا دونَ الحديث في النقل والدلالة لم يكن حملُ معاني القرآنِ عليه بأولى من حَمْلِها على معنى الحديث والآثار، بل تلك أولى من وجوهٍ كثيرة، بل لا يجوز أن يقال: هذا معنى الآية لمجرد إسناد الشعر والغريب ودلالة ذلك، إذ هما لا يُفِيدانِ العلمَ به، فيكون تفسير القرآن بهذه الطريق قولًا على الله بلا علم. وإذا لم يكن هذا معلومًا، وغيرُه ليسَ معلومًا، بطلتْ دلالةُ الكتابِ والسنة، وسقطَ الاستدلالُ به وفهمُ معانيه، والله أمرَنا بتدبُّرِه وعَقْلِه، فإذا لم يكن لنا طريقٌ إلى العلم بمعناه، لا من جهة نَقْلِ الشعر والغريب، ولا

стр. 29

من جهة نقل الحديث والآثار، بطلَ العلم بمعناه، فلا يَصِحُّ الأمرُ بتدبُّرِه وعَقْلِه، وهذا خلاف القرآن. ثم لو ثبتَ النقلُ عن العربي الشاعر أو الناثر، وعُلِمَ أنه أراد معنًى بذلك اللفظ، لكان ذلك لغةً له قد أرادها باللفظ، فلم يكن إثباتُ اللغة بمجردِ هذا الاستعمال أولى من إثباتها بالاستعمال المنقول في الحديث والآثار، ولا أولى من استعمال القرآن الموجود في نظائر ذلك اللفظ، فإن اللفظ في القرآن يكون له نظائر، ولهذا صنَّفَ العلماءُ كتب الوجوه والنظائر (١)، ويُروى ذلك عن السلف. فالوجوه: الألفاظ المشتركة، والنظائر: الألفاظ المتواطئة، الأول فيما اتفق لفظُه واختلفَ معناه، والثاني فيما اتفق لفظُه ومعناه. فحَمْلُ معاني كلام الله على ما يُوجَد من اللغة في كلامه وكلام رسوله وكلام أصحابه الذين كانوا يتخاطبون بلُغتِه، والتابعين الذين أخذوا عنهم تلك اللغة = أولى من حَمْلِ معانيه على ما يُوجَد من اللغة في كلامِ بعض الشعراء والأعراب، فإن كل احتمالٍ يتطرَّق إلى فهم كلامِ هؤلاء يتطرق إلى فهم كلام أولئك لما يقولونه من النظم والنثر، فان المستمع لكلامهم يتطرق إلى فهمه لمعانيهم أكثر مما يتطرق إلى المستمع لكلام الرسول والصحابة والتابعين، فما يُذكر من احتمال مجاز أو اشتراك ونحو ذلك فتطرقه إلى كلامهم أكثر. وهذا كله بطريق التنزل والتقرب إلى المنازع، وإلّا فالأمر أجلُّ مما ذكر، وذلك من طريقين: أحدهما بيان استقامة هذه الطريق، والثاني بيان أنه لا طريق يقوم مقامها، فيتعين.

стр. 30

فأما الأول فمن وجوهٍ: أحدها: أن النبي ﷺ بيَّن لأصحابه القرآنَ لفظَه ومعناه جميعًا، فإن البيان لا يحصل بدون هذا، وقد قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل/ ٤]، وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران/ ١٣٨]. ولو خاطبهم بلفظٍ لم يفهموا معناه لم يكن ذلك بيانًا. وقد امتنَّ عليهم في غير موضع بكونه أرسله بلسان عربي وأنه يسَّره (١) عليهم بذلك، فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف/ ٢]، فهل يعقلونه إذا لم يعرفوا اللفظ؟ وكذلك: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان/ ٥٨]، فكيف يتذكر من لا يفهم الكلام؟ قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت/ ٤٤] أي أقرآن أعجمي ونبي عربي أو مخاطب عربي! فدلَّ على أنه فصَّل آياتِه، والتفصيل التبيينُ المنافي للإجمال، فلو كانت آياتُه مجملةً لم يُفهم معناها لم تكن آياتُه قد فُصِّلت، والتفصيل إنما يكون للبيان والتمييز الذي يزول معه الاشتباه والاشتراك والإجمال المنافي لفهم المراد بالخطاب، وإن كان المعنى المفهوم قد يحصل بينه وبين معنى آخر مشابهةٌ ومشاركةٌ تمنع إدراك حقيقته التي لا تُفهم بمجرد اللفظ. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت/ ١٨]، وإذا كان المخاطبون لم يفهموا معنى كلامه لم يكن قد بلَّغَهم بلاغًا مبينًا، ومن قال ذلك فلم يشهد له بالبلاغ. وهذا حال هؤلاء الذين يزعمون أنه لم يُعرَف من جهتِه معاني القرآن، فإنهم يقولون: لم يُبيِّن ولم يُبلِّغ، وإن كانوا يقولون ما يستلزم

стр. 31

ذلك ولم يفهموه، ففيهم من يعرف أنه حقيقة قولهم ويقول: إن معاني هذه الألفاظ لم يُبيِّنها، إما لأن المصلحة كانت كتمانها، وإما لأنه هو لا يعرفها. فمن الزنادقة من يقول هذا، ومنهم من يقول هذا. وأما الذين شاهدوه فقد شهدوا له بالبلاغ، ونحن نشهد بما شهِد به إخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فإنه بلَّغ البلاغَ المبين، وعبدَ الله حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين. ولهذا قال أبو عبد الرحمن السُّلمي أحد أكابر التابعين: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا القرآنَ من أصحاب النبي ﷺ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما - أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشرَ آياتٍ لم يُجاوِزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل (١). وإذا عُلِمَ أن الصحابة أخذوا عن الرسول لفظَ القرآن ومعناه ، بل كانوا يأخذون عنه المعاني مجردةً عن ألفاظِه بألفاظٍ أُخَر، كما قال جُندب بن عبد الله البَجَلي وعبد الله بن عمر: تعلَّمنا الإيمانَ ثم تعلَّمنا القرآن، فازددنا إيمانًا (٢). فكان يُعلِّمهم الإيمانَ، وهو المعاني التي نزل بها القرآن من المأمور به والمخبَر عنه المتلقَّى بالطاعة والتصديق، وهذا حق، فإن حفاظ القرآن كانوا أقلَّ من عموم المؤمنين، فعُلِمَ أن بيانَ معانيه لهم كان أعمَّ من بيان ألفاظه. ومن هذا الباب صاروا يروون عنه الأحاديث التي ليست ألفاظها

стр. 32

ألفاظَ القرآن، لأنه قد كان يُبيِّن لهم معانيَ كثيرةً بغير ألفاظِ القرآن، وذلك هو حديثه. فإذا كان الصحابة قد تلقَّوا عن نبيهم لفظَ القرآن ومعناه لم يحتاجوا بعد ذلك إلى لغة أحد، فالمنقول عن الصحابة من معاني القرآن كان في ذلك كالمنقول عنهم من حروفِه سواءً بسواءٍ، وإن تنازعَ بعضُهم في بعض معانيه فذلك كما قد يتنازعون في بعض حروفه، وكما قد تنازعوا في بعض السنة لخفائها عن بعضهم، إذ لم يكن كلٌّ منهم تلقَّى من نفس الرسولِ جميعَ القرآن وجميعَ السنة، بل كان بعضهم يُبلِّغ بعضًا القرآنَ لفظَه ومعناه، والسنةَ، كما قال البراء بن عازب: ليس كلُّ ما نُحدِّثكم سمعناه من رسول الله ﷺ ، ولكن كان لا يَكْذِب بعضُنا بعضًا (١). ولهذا ما يذكره ابنُ عباس من الحديث في القرآن والسنة تارةً يَذكُر من سمعه من الصحابة، وتارةً يُرسِلُه، لكثرةِ من سمعه منه، وبعض ذلك قد سمعه منه، فأما ما كان قبل الهجرة من أمر النبي ﷺ وأصحابه وما نزل فيه من القرآن من ذلك فلم يَشهَدْه، فإن النبي ﷺ توفي وابنُ عباسٍ مُراهق، وكان عند الهجرة صغيرًا جدًّا. الوجه الثاني: أن الله تعالى أنزل على نبيِّه الحكمةَ كما أنزلَ عليه القرآن، وامتنَّ بذلك على المؤمنين، وأمرَ أزواجَه بذكرِ ذلك، وقد بلغَ ذلك الصحابةَ كما بلغَهم القرآنُ، فلا يحتاجون في ذلك إلى أحدٍ. والحكمة هي السنة كما قال ذلك غيرُ واحدٍ من السلف، وذلك أنه قال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب/ ٣٤]، فما يُتلَى غير القرآن في بيوتهن هو السنة، إذ المراد بالسنة هنا هو ما أُخِذ عن الرسول سوى القرآن، كما قال في غير حديث: "ألا إني أوتيتُ

стр. 33

الكتابَ ومثلَه معه" (١) وفي لفظٍ: "ألا إنه مثلُ القرآن وأكثر". ولهذا ذمّ المتخلف عن طلب السنة المكتفي بالقرآن فقال: "لا أُلْفِينَّ أحدَكم متكئًا على أريكتِه يأتيه الأمرُ من أمري مما أَمَرْتُ به أو نَهيتُ عنه فيقول: بيننا وبينكم هذا القرآن، فما وجدنا من حلالٍ أحللناه، وما وجدنا من حرامٍ حرَّمناه، ألا وإني أوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه" (٢). وهذا المعنى قد استفاض عنه من وجوهٍ متعددةٍ من حديث المقدام بن معدي كرب وأبي ثعلبة الخُشَني وأبي هريرة وأبي رافع وغيرِهم، وهو من مشاهير أحاديث السنن والمساند المتلقاة بالقبول عند أهل العلم. الوجه الثالث: أن بعض الناس لو قرأ مصنفات الناس [في] الطبّ والنحو والفقه والأصول، أو لو قرأ بعض قصائد الشعر، لكان من أحرصِ الناسِ على فهم معنى ذلك، ولكان من أثقل الأمور عليه قراءة كلامٍ لا يفهمه. فإذا كان السابقون يعلمون أن هذا كلامُ الله وكتابه الذي أنزل إليهم وهداهم به وأمرَهم باتباعه، أفلا يكونون من أحرص الناس على فهمِه ومعرفةِ معناه، من جهة العادة العامة وعادتهم الخاصة، ومن جهة دينهم وما أمرهم الله به من ذلك؟ ولم يكن للصحابة كتابٌ يدرسونه وكلامٌ محفوظٌ يتفهَّمون فيه يكتبونه إلّا القرآن. لم يكن الأمر عندهم مثل

стр. 34

ما هو في المتأخرين أن قومًا يقرأون القرآن ولا يفهمونه، وآخرون يتفهمون في كلام آخرين، وآخرون يشتغلون بعلوم أُخَر، بل كان القراء عندهم أهل العلم المحفوظ، وذلك اسمٌ معروفٌ لهم. وهذا مما يُوجِب العلمَ بحرصهم على فهم معناه، وإذا كانوا حِرَاصًا والرسولُ بين أظهرهم فمن الممتنع أن يكونوا يرجعون إلى غيره في بيانِ معانيه وتفصيل مجملِه وبيان متشابهه، فعُلِم أنهم أخذوا عن الرسول بيانَ معاني آيات القرآن التي يقال: إنها مشكلةٌ أو مجملةٌ. الوجه الرابع: أن أصحابه المعروفين هم الذين نزل القرآن بلغتهم، فإن لغاتِ العرب وإن اشتركت في جنس العربية فبينها افتراق في مواضع كثيرة، والنبي ﷺ لما خاطب أهلَ اليمن كتب إليهم بلغةٍ هي غريبة بالنسبة إلى لغة قريش، والقرآن نزل بلغة قريشٍ ونحوِهم من أهل الحاضرة والبادية، وأولئك هم خواصُّ أصحابه، فلا يحتاجون في معرفة لغتهم وعادتهم في خطابهم إلى شعر شاعر غيرهم، فضلًا عمن يكون حدثَ بعدَهم. الوجه الخامس: أن الصحابة سمعوا من النبي ﷺ من الأحاديث الكثيرة، ورأوا منه من الأحوال، وعلموا بقلوبهم من الأمور ما يُوجب لهم من فهم ما أراد بكلامه ما يتعذرُ على من بعدهم. فليس من سمع ورأى وعلم حالَ المتكلم كمن كان غائبًا، ولم يرَ ولم يسمع منه، ولكن علم بعض أحواله وسمع بواسطةٍ. وإذا كان الصحابة سمعوا لفظه وفهموا معناه كان الرجوع إليهم في ذلك واجبًا متعينًا، ولم يُحتَجْ مع ذلك إلى غيرهم. ولهذا قال الإمام أحمد (١): أصول السنة عندنا التمسك بما كان

стр. 35

عليه أصحاب رسولِ الله ﷺ . ولهذا كان اعتقاد الفرقة الناجية هو ما كان عليه وأصحابه، كما قال النبي ﷺ في صفة الفرقة الناجية: "هو ما كان على مثلِ ما أنا عليه وأصحابي"، أو قال: "ما أنا عليه اليومَ وأصحابي" (١). فثبتَ بهذه الوجوه القاطعة أن الرجوع في تفسير القرآن (٢) - الذي هو تأويله الصحيح المبيِّن لمراد الله تعالى به - إلى الصحابة هو الطريق الصحيح المستقيم، وأن ما سواه إمّا أن يُخطئ بصاحبه، وإما أن يكون دونَه في الإصابة. ولهذا نصَّ الإمام أحمد على أنه يُرجَع إلى الواحد من الصحابة في تفسير القرآن إذا لم يخالفه منهم أحدٌ (٣). ثم من أصحابه من يقول: هذا قول واحد، وإن كان في الرجوع في الفتيا في الأحكام إليه روايتان. ومنهم من يقول: الخلاف في الموضعين واحد (٤). ثم نعلم أن الصحابة إذا كانوا حفظوا فالتابعون لهم بإحسانٍ الذين أخذوا عنهم وتَلقَّوا منهم لا يجوز أن يكونوا عَدَلوا في ذلك عما بلَّغَهم إيَّاه الصحابة، لا يجوز ذلك في العادة العامة، ولا في عادةِ القوم وما عُرِف من عقلهم ودينهم، مع ما علموه من وجوب ذلك عليهم في دينهم. فإذا كان هذا يُوجِب الرجوعَ إلى الصحابة والتابعين فكيف

стр. 36

بالأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ؟ وأما الطريق الثاني فمن وجوهٍ: أحدها: أن نقول: [من] لم يَرجعْ إلى الصحابة والتابعين في نقل معاني القرآن وما [يُراد] بها كما رجع إليهم في نقل حروفه وإلى لغتهم وعادتهم في خطابهم، فلا بدّ أن يرجع في ذلك إلى لغة مأخوذة عن غيرهم، لأن فهم الكلام موقوف على معرفة اللغة، وغايته أن يباشر عربًا غيرهم، فيسمع لغتهم ويَعرِف مقاصدهم، ويقيس معاني ألفاظ القرآن على معاني تلك الألفاظ. وهذا إنما يصح إذا سَلِمَ اللفظُ من كلام العربي هذا ويَسْلَم في القرآن أيضًا من احتمال المعاني المختلفة لمجازٍ واشتراك، وإلّا فمتى كان اللفظ من أحدهما دون الآخر دالًّا على معنى آخر بطريق الاشتراك والمجاز لم يكن المراد من أحد المتكلمين به مثل المراد به من المتكلم الآخر، فغايته فيه القياس، وهو موقوف على اتحاد معنى اللفظين. ثم من المعلوم أن جنس ما دلَّ على القرآن ليس من جنس ما يتخاطب به الناس في عادتهم، وإن كان بينهما قدرٌ مشترك، فإن الرسول جاءهم بمعانٍ غيبية لم يكونوا يعرفونها، وأمرَهم بأفعالٍ لم يكونوا يعرفونها، فإذا عبّر عنها بلغتهم كان بين ما عناه وبين معاني تلك الألفاظ قدرٌ مشترك، ولم تكن مساويةً لها، بل تلك الزيادة التي هي من خصائص النبوة لا تُعرَف إلّا منه. فعُلِمَ أن عامة من يأخذُ معاني القرآن من اللغة التي سمعها من العرب العرباء وباشرَهم فيها أن يكون قائسًا قياسًا يحتمل الضدَّ، وأن يكون ما فاتَه من الفارق أعظمَ مما أدركَه بالجامع، وهذا برهان واضح، ولهذا كانوا يقولون ما ذكره عبد الرزاق في

стр. 37

تفسيره (١) عن ابن عباس أنه قال: التفسيرُ على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير تَعْلَمه العلماءُ، وتفسيرٌ لا يُعذَر أحدٌ بجهله، وتفسيرٌ لا يعلمه إلّا الله، ومن ادَّعى عِلْمَه فقد كذب. الوجه الثاني: أن الدرجة الثانية أن يسمعَ اللغة ممن نقل الألفاظ عن العرب نظمًا ونثرًا، وكل ما تعتري نقلَ الحديث من الآفات فهو هنا أكثر، وهذا أمرٌ معلوم لمن كان خبيرًا بالواقع، فيكون نقل ألفاظ اللغة ثم معرفة مرادِهم من تلك الألفاظ يَرِدُ عليه أكثر مما يَرِدُ على معرفة مراد الرسول، لأن معرفة مراد الرسول توفرت عليها الهِممُ والدواعي، وصانَه الله فهو محفوظٌ بحفظ الله ثم بالعادة العامة والخاصة، أكثر من معرفة مراد شاعرٍ مادحٍ أو رَاثٍ أو هاجٍ أو مُشبِّبٍ أو واصفِ ناقةٍ أو امرأةٍ أو فلاةٍ أو مفتخرٍ. الوجه الثالث: أن الدرجة الثالثة أن يسمع اللغة ممن سمعَ الألفاظ، وذكر أنه فهم معناها من العرب، كالأصمعي فيما سمعه من الأعراب وذكر أنه فهم معناه. ومن هذا الباب كتب اللغة التي (٢) يذكرون فيها معانيَ كلامِ العرب بألفاظ المصنفين، ومعلومٌ أن هذا يَرِدُ عليه (٣) أكثر مما يَرِدُ على من سمع الكلام النبوي من صاحبه وقال: إنه فهم معناه، وبيَّنه لنا بعبارته. الوجه الرابع: أن ينقل له كلام هؤلاء الذين ذكروا أنهم سمعوا كلامَ العرب ، ومن المعلوم أنه يَرِدُ على هذا من الأسولة أكثر مما يَرِدُ على نقل

стр. 38

الحديث. الوجه الخامس: أن الدرجة الخامسة أن يُعلَّمَ اللغةَ بقياسٍ نحوي أو تصريفيٍّ قد يدخلُه تخصيصٌ لمعارضٍ راجح، وقد يكون فيه فرقٌ لم يتفطَّن له واضع القياس القانوني. ومن المعلوم أن هذا يَرِدُ عليه أكثر مما يَرِدُ على من تعلَّم المعاني الشرعية من القواعد الكلية التي وضعها الفقهاء. وإذا كان الأمر كذلك فمن لم يأخذ معاني الكتاب والسنة من الصحابة والتابعين ومن أخذ عنهم لم يكن له طريقٌ أصلًا إلّا ما يَرِدُ عليه من الآفاتِ أضعافُ ما يَرِدُ على هذه الطريق، فلا يجوز له ترجيحُ غيرها عليها، فيكون أحد الأمرين لازمًا له: إما أن يَستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويَعدِلَ عن الطريق التي فيها من العلوم اليقينية والأمور الإيمانية والاعتقادات الراجحة والظنون الغالبة ما لا يوجد في غيرها إلى ما هو دونها في ذلك كلِّه، بل يَستبدل باليقين شكًّا وبالظنّ الراجح وهمًا، ويستبدل بالإيمان كفرًا وبالهدى ضلالة، وبالعلم جهلًا، وبالبيان عِيًّا، وبالعدل ظلمًا، وبالصدق كذبًا، وبالإيمان بكتب الله وبكلماتِه تحريفًا عن مواضعها. وإما أن يُعرِضَ عن ذلك كلِّه، ولا يجعلَ للقرآن معنًى مفهومًا، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف/ ٢] فلا يَعقِله، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء/ ٨٢] فلا يتدبره، وقال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾ [ص/ ٢٩]. فلا يتدبر ولا يتذكر، وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت/ ٤٣] فلا يكون من العالمين العاقلين لها. وإذا سلكَ هذا

стр. 39

المسلك استطار شررُه وتعدَّى ضررُه، فيلزمُ تعطيلُ معاني الكتاب والسنة وفتورُ الرسالة، إذ الرسول الذي لم يُبيِّن بمنزلة عدم الرسول، والكلامُ الذي بلَّغَه الرسولُ ولم يُعقَل معناه يَدخُل في حدِّ الأصوات المسموعة التي ليس فيها حروفٌ مُبيِّنةٌ للمعاني. وقد ذمَّ الله تعالى من كان حالُه في كتابه هكذا، وجعلهم كفَّارًا بمنزلة الأموات، وحَمِدَ من سَمِعَ كلامَه فعَقَلَه ووعاه، وجعل ذلك صفة المؤمن الحيّ، فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة/ ١٧١]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان/ ٧٣] وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد/ ٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام/ ٣٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف/ ٤٠]، وقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة/ ٧]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد/ ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء/ ١٥٥]. وإذا كان من عَدَلَ عما فسَّر به رسولُ الله ﷺ وأصحابُه والتابعون القرآنَ فأحدُ الأمرين لازمٌ له: إمّا أن يَعْدِلَ إلى تفسيره بما هو دون ذلك، فيكون محرِّفًا للكلم عن مواضعه، وإمّا أن يبقَى أصمَّ أبكمَ لا يسمعُ من كلام الله ورسوله إلّا الصوتَ المجرَّد الذي يَشْرَكُه فيه البهائمُ ولا يَعقِلُه. وكلٌّ من هذين الأمرين باطلٌ محرَّمٌ = ثبتَ تعيُّنُ الطريقة النبوية السلفية

стр. 40

وبطلانُ الطريقة التحريفية والأمِّيَّة، فالتحريفية لها الجهلُ المركّب والكفر المركَّب، والأمية لها الجهلُ البسيط والكفر البسيط. وقد ذمَّ الله تعالى الطريقين في القرآن، فقال تعالى في الأولى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾ [البقرة/ ٧٥ - ٧٧]. فهذه الطريقة المذمومة التي سلكها علماءُ اليهود وأشباههم في أنهم يُحرِّفون كلام الله أو يكتمونه لئلا يُحتَجَّ به عليهم في خلافِ أهوائهم. فمن عَمَدَ إلى نصوص الكتاب والسنة فحرَّفها أو كتمها ففيه شَبَهٌ من هؤلاء، كما تجدُ ذلك في كثيرٍ من أهل الأهواء، يكتم ما أنزله الله تعالى من الكتاب والسنة عمن يحتج بها على خلافِ هواه، فيَغُلُّ الكتبَ المسطورة عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، ويمنع تبليغَ الأحاديث النبوية وتفسير القرآن المنقول، ولو قدرَ على منع القرآن لفعلَ، وما ظهرَ من ذلك حرَّفَه عن مواضعِه بتأويلِه على غيرِ تأويلِه، ثمّ يَعمِدُون إلى كتبٍ يضعونَها، إمَّا منقولات موضوعة عن النبي ﷺ والصحابةِ والأئمة، فكم عند أهل الأهواء من الآثار المكذوبة، ويقولون: هذه منزَّلةٌ من عند الله، إذ ما جاء به النبي فهو من عند الله، أو يضعون كلامًا ابتدعوه أو رأيًا اخترعوه، ويُسمُّونه مع ما وضعوه من المنقولات دينَ الله وأصولَ دينه وشرعَ الله والحقَّ الذي أوجبه الله، وأكثرهم [يأخذُ] على ذلك أعواضًا من مالٍ أو رئاسة. ففيهم شَبَهٌ من الذين قال الله فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِمَّا
следующие страницы →