Полный текст (322 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
والفصول التي ظفروا بها خارجًا عن الحقائق النوعية الراجعة إلى حقائق الجواهر فقط، أو الأعراض فقط. والماهيات التي تفهم من اللفظ لا يجب أن تكون كذلك؛ لصحة وضع اللفظ المفهوم مركبًا من حقيقتين، كالجوهر والعرض، مثل "الأسود" فإنه موضوعٌ لمفهومٍ مركبٍ من الذات وصفة السواد، لأن الأسود ذات متصفة، فحيث صح تركيب الماهية المفهومة من اللفظ من حقيقتين جاز أن تكون إحدى الحقيقتين من قبيل المشكك؛ لأن المشكك لا يكون إلا في الحقائق المستقلة، وامتناعه إنما هو في الجزء الذي لا يستقل في الحقيقة، كجزء الناطقية والحيوانية في الإنسان، بخلاف الجزء المستقل بكونه حقيقة متقررة بنفسها خارجًا، فيصح فيه التشكيك بأن يكون أقوى في بعض أفراده من بعض، إذ لا يمتنع تفاوت الحقيقة التامة في أفرادها بالقوة والضعف، وإنما يمتنع تفاوت جزئها الذي لا يستقل، كالحيوان بالنسبة للإنسان، أو الناطق بالنسبة إليه.
ومثال الجامع غير الداخل في مفهوم الطرفين استعارة الأسد للرجل الشجاع، والشمس للوجه المتهلل، ونحو ذلك؛ لظهور أن الشجاعة عارضة للأسد لا داخلة في مفهومه، كما أنها عارضة للرجل الشجاع؛ لأن المشبه ذات الرجل المقيد بالشجاعة، والمشبه به الحيوان المفترس المقيد بها أيضًا، والقيد خارج عن المقيد. وكذا التهلل للشمس والوجه، فالجامع خارج عن الطرفين.
وبيان التقسيم الثاني باعتبار الجامع هو أن نقول: الجامع في الاستعارة لابد أن يكون ظاهرًا لكل أحد، أو خافيًا لا يدركه إلا
стр. 247
الخواص، فإن كان الجامع ظاهرًا لكل أحد فالاستعارة عامية وهي المبتذلة، لظهور الجامع فيها لعامة الناس، وابتذالها: أي امتهانها بتناول كل أحد لها، نحو: "رأيت أسدًا" لرجل شجاع، و"بحرًا" لرجل جواد. وإن كان الجامع خفيًا لا يظفر بإدراكه إلا من ارتفع عن طبقة العامة، فهي الاستعارة الخاصة وهي الغريبة.
واعلم أن الغرابة تكون بأمور:
منها: أنها قد تكون في نفس الشبه، لكون التشبيه فيه نوع غرابة، كما في تشبيه هيئة العنان في موقعه من قربوس السرج بهيئة الثوب في موقعه من ركبة المحتبي في قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسًا بأنه مؤدب:
عودته فيما أزور حبائبي ... إهماله وكذاك كل مخاطر
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر
والعلك: معناه المضغ. والشكيم: حديدة اللجام التي تدخل في فم الفرس. فمعنى "علك الشكيم": مضغ حديدة اللجام.
واعلم أن الغرابة قد تحصل في العامية المبتذلة بتصرف فيها من المتكلم حتى ينقلها بذلك التصرف من الابتذال إلى الغرابة، كما في قول كثير عزة:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المطايا رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
стр. 248
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطىِّ الأباطح
فالأباطح: جمع أبطح، وهو مسيل الماء في دقاق الحصى، استعار السيول الواقعة في الأباطح لسير الإبل سيرًا حثيثًا في غاية السرعة المشتملة على لين وسلاسة، والشبه فيها ظاهر عامي مبتذل، لكن قد تصرف فيه بما أفاد اللطف والغرابة، إذ أسند الفعل الذي هو "سالت" إلى "الأباطح" دون المطي وأعناقها على سبيل المجاز العقلي، فأفاد بإسناد الفعل إليها أنها امتلأت من الإبل، وأدخل الأعناق في السير؛ لأن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران غالبًا في الأعناق، وسائر الأجزاء تستند إليها في الحركة وتتبعها في الثقل والخفة.
ومثل بيت كثير هذا قول ابن المعتز:
سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير
أراد أنه مطاع في الحي، وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لخطب إلا أتوه وكثروا عليه، وازدحموا حواليه حتى يكونوا كالسيول تجيء من هاهنا ومن هاهنا، وتنصب من هذا المسيل، وذلك حتى يغص بها الوادي. وهذا شَبَهٌ معروفٌ ظاهرٌ مبتذلٌ، ولكن حسن تصرفه فيه أفاده اللطف والغرابة، وذلك أنه أسند سيلان الشعاب في المعنى إلى الأنصار أو جهتهم، فأفاد أن الشعاب امتلأت عليه من الرجال، وعدَّى الفعل الذي هو "سالت" إلى ضمير الممدوح بـ "على"، فأكد بذلك مقصوده من كونه مطاعًا في الحي.
стр. 249
وقد تحصل الغرابة بالجمع بين عدة استعارات لإلحاق الشكل بالشكل، كقول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل
أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له صلبًا يتمطى به، إذ كان كل صلب يطول عند التمطي، وبالغ بأن جعل له أعجازًا يردف بعضها بعضًا، ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهره والضغط لمكابده، فاستعار له كلكلًا ينوء به: يثقل به.
قال الشيخ عبد القاهر: لما جعل لليل صلبًا قد تمطى به، ثنَّى ذلك فجعل له أعجازًا قد أردف بها الصلب، وثلث فجعل له كلكلًا قد ناء به، فاستوفى له جملة أركان الشخص، ورعى ما يراه الناظر من سواده إذا نظر قدامه، وإذا نظر خلفه، وإذا رفع البصر ومده في عرض الجو.
وأمثلة الاستعارة الغريبة كثيرةٌ جدًّا غير ما ذكرنا، من ذلك قول طفيل الغنوي:
وجعلت كوري فوق ناجيةٍ ... يقتات شحمَ سنامها الرحلُ
وموضع اللطف والغرابة منه أنه استعار "الاقتيات" لإذهاب الرحل شحم السنام، مع أن الشحم مما يقتات.
وكقول ابن المعز:
حتى إذا ما عَرَفَ الصيدَ الضار ... وأَذِنَ الصبح لنا في الإبصار
لأنه لما كان تعذر الإبصار منعًا من الليل جعل إمكانه عند ظهور
стр. 250
الصبح إذنًا منه.
وسيأتي كثير من أمثلتها، أي الاستعارة الخاصية التي هي الغريبة.
فإذا حققت ما ذكرنا من التقسيمات، فاعلم أن الاستعارة تنقسم باعتبار الثلاثة -أعني الجامع والطرفين- إلى ستة أقسام، وبرهان الحصر: أن المستعار منه والمستعار له إما حسيان، أو عقليان، أو المستعار منه حسي والمستعار له عقلي، أو بالعكس، فتصير أربعة، والجامع في الثلاثة الأخيرة عقلي لا غير؛ لأن أحد الطرفين إن كان عقليًّا لابد أن يكون الجامع عقليًّا، وأحرى إن كان الطرفان معًا عقليين، لكنه في القسم الأول من الأقسام الأربعة: إما حسي، أو عقلي، أو مختلف، فتصير ستة، وهي: استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي، أو بوجه عقلي، أو بوجه بعضه حسي وبعضه عقلي، فهذه ثلاثة في استعارة المحسوس للمحسوس، والرابع: استعارة معقول لمعقول بوجه عقلي، والخامس: استعارة محسوسٍ لمعقولٍ بوجهٍ عقلي، والسادس: استعارة معقولٍ لمحسوسٍ بوجهٍ عقليٍّ.
أما استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي، فكقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه/ ٨٨] فإن المستعار منه ولد البقرة، والمستعارة له الحيوان الذي خلقه اللَّه تعالى من حلي القبط التي سبكتها نار السامري عند إلقائه في تلك الحلي التربةَ التي أخذها من موطئ فرس جبريل ﵊. والجامع الشكل؛ لأن ذلك الحيوان كان على شكل ولد البقرة، والجميع -مِن المستعار منه والمستعار له والجامع- حِسِّيٌّ أي مُدْرَكٌ بالبصر.
стр. 251
وكقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف/ ٩٩] فإن المستعار منه حركة الماء على الوجه المخصوص، والمستعار له حركة الجن والإنس، أو يأجوج ومأجوج، وهما حسيان، والجامع ما يشاهد من شدة الحركة والاضطراب وهو حسي أيضًا.
وأما استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي، فكقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس/ ٣٧] فالمستعار منه معنى السلخ، وهو كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها، والمستعار له إزالة الضوء عن مكان الليل، وهو موضع إلغاء ظله، وهما حسيان، والجامع لهما ما يعقل من ترتب أمر على آخر، أي حصوله عقب حصوله دائمًا أو غالبًا، كترتب ظهور اللحم على كشط الجلد، وكترتب ظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل، والترتب أمر عقلي. وهذا الذي ذكرناه هو وجه هذه الاستعارة على التحقيق بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس/ ٣٧].
وأما استعارة محسوس لمحسوس بما بعضه حسي وبعضه عقلي، فكقولك: "رأيت شمسًا" وأنت تريد إنسانًا شبيهًا بالشمس في حسن الطلعة ونباهة الشأن، فالجامع حسن الطلعة ونباهة الشأن معًا. وحسن الطلعة حسي، ونباهة الشأن عقلي.
وأما استعارة معقولٍ لمعقولٍ بوجه عقليٍّ، فكقوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس/ ٥٢] فالمستعار منه الرقاد، والمستعار له الموت، والجامع عدم ظهور الفعل، والجميع عقليٌّ. أما الموت وعدم الظهور فأمرهما واضح، وأما النوم فالمراد انتفاء الإحساس
стр. 252
الذي يكون في اليقظة، لا آثار ذلك من الغطيط وانسداد العين مثلًا، ولا شك أن انتفاء الإحساس المذكور عقلي.
واعترض بعض المحققين كون الجامع بين الرقاد والموت عدم ظهور الفعل؛ لأن عدم ظهور الفعل أقوى في الموت الذي هو المستعار له منه في الرقاد الذي هو المستعار منه، والجامع لابد أن يكون أقوى في المستعار منه.
وهذا الاعتراض واقعٌ موقعه لا وجه لدفعه، فالتحقيق في الجامع بين الرقاد والموت هو البعث بناء على أنه موضوع للقدر المشترك بين الايقاظ والنشر بعد الموت، وذلك القدر هو رد الإحساس المعهود في الحياة، وأما لو قلنا: إن البعث مشترك، أو أنه في الأحياء حقيقة شرعية، فلا يصح كونه جامعًا؛ لعدم وجود معناه في الطرفين معًا.
وعلى أن البعث هو الجامع بناءً على ما ذكرنا لا يرد فيه البحث السابق؛ لأنه في النوم أقوى في الشهرة، وأظهر إدراكًا، ولذلك لا ينكره أحدٌ ممن أنكر البعث بعد الموت لمشاهدتهم البعث من النوم، فهو بهذا الاعتبار أقوى، فلا ينافي أن معناه في الموت أقوى في المتعلق؛ لأنه رد الحياة وإحساسها، وفي النوم رد الإحساس فقط.
وعلى أن الجامع هو البعث فقرينة هذه الاستعارة كون هذا كلام الموتى بعد البعث مع قولهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس/ ٥٢]؛ لأن الذي وعد الرحمن وصدق فيه المرسلون وأنكره القائلون أولًا هو البعث من الموت لا الرقاد الحقيقي.
стр. 253
وأما استعارة محسوسٍ لمعقولٍ والجامع عقلي، فكقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر/ ٩٤] لأن المستعار منه الصدع الذي هو كسر الزجاجة ونحوها مما لا يلتئم، والصدع المذكور حسي باعتبار متعلقه، والمستعار له تبليغ النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم ما أمر بتبليغه بإسماعه المبعوث إليهم وبيانه لهم، والجامع بين الصدع والتبليغ التأثير، أي أبان الأمر إبانة لا تمحى ولا ينطمس أثرها، كما لا يلتئم صدع الزجاجة، والمستعار له الذي هو التبليغ والجامع الذي هو التأثير عقليان.
وأما استعارة معقول لمحسوس والجامع عقلي، فكقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ [الحاقة/ ١١] فالمستعار له كثرة الماء وهو حسي؛ لأن مرجع كثرته إلى وجود أجزاء كثيرة للماء، ولاشك أن الوجود للأجرام حسي باعتبار ذاتها، والمستعار منه التكبر، والجامع الاستعلاء المفرط، وهما عقليان. أما عقلية التكبر مظاهرة من تفسيره، وأما عقلية الاستعلاء المفرط فمن جهة أن المراد به العلو المفرط في الجملة، أي كون الشيء بحيث يعظم في النفوس، إما بسبب كثرة كما في الماء، وإما بسبب وجود الرفعة ادعاءً أو حقيقة كما في التكبر، ولا شك أن الاستعلاء بهذا المعنى عقلي مشترك بين الطرفين.
فإذا حققت انقسامات الاستعارة التي هي قسم من أقسام المجاز المفرد، فسنتكلم لك على الاستعارة التي هي قسم من أقسام المجاز المركب.
اعلم أنا قدمنا الكلام على المجاز المركب في بحث تقسيم
стр. 254
المجاز، وذكرنا أن المجاز المركب لابد أن تكون علاقته المشابهة أو غيرها، فإن كانت المشابهة فهي الاستعارة التمثيلية، وإلا فالمجاز المركب المرسل.
والحاصل أن المجاز المركب هو اللفظ المركب الذي استعملت مفرداته في معناها اللغوي، واستعملت جملته فيما شبه بمعناه الأصلى تشبيه التمثيل، وهو ما يكون وجهه منتزعًا من متعدد للمبالغة في التشبيه، أي تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور بالأخرى، ثم تدخل المشبهة في جنس المشبه بها مبالغة في التشبيه، فتذكر بلفظها من غير تقييد بوجهٍ من الوجوه، كما كتب به الوليد بن يزيد لما بويع إلى مروان بن محمد، وقد بلغه أنه متوقف في البيعة له: "أما بعد؛ فإني أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيتهما شئت. والسلام"، شبه صورة تردده في المبايعة بصورة تردد من قام ليذهب في أمر، فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلًا، وتارة لا يريده فيؤخر أخرى، فاستعمل في الصورة الأخرى الكلام الدال بالمطابقة على الصورة الثانية، ووجه الشبه [الذي] هو الإقدام تارةً والإحجام أخرى منتزعٌ من عدة أمور.
وكما يقال لمن يعمل في غير معمل: "أراك تنفخ في غير فحم، وتَخُطُّ على الماء"؛ لأن النافخ في غير محل نارٍ لا يستفيد بنفخه إيقاد نارٍ، وكذلك الذي يكتب على الماء لا تحصل من كتابته حروف، فصورة النافخ في رماد، والكاتب على الماء صورة العامل عملًا في غير محله لا يرجع عليه بفائدة متشابهتان؛ فاستعمل اللفظ الدال بالمطابقة
стр. 255
على إحداهما في الأخرى لمشابهتهما على سبيل الاستعارة التمثيلية.
وكما يقال لمن يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى ما كان يمتنع منه: "ما زال يفتل منه في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد". والمعنى: أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقًا يشبه حاله فيه حال من يجيء إلى البعير الصعب فيحكه، ويفتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يسكن ويستأنس.
وهذه الاستعارة التي هي التمثيلية هي أبلغ الاستعارات وأحسنها.
واعلم أن المجاز المركب يسمى التمثيل على سبيل الاستعارة والتمثيل مطلقًا، أي من غير تقييد بقولنا: "على سبيل الاستعارة". ويفارق التشبيه التمثيلي بأنه يقال له: "تشبيه تمثيل" أو "تشبيه تمثيلي"، ولا يقال له: "تمثيلي" من غير ذكر لفظ التشبيه؛ لأنه بذلك الإطلاق ينصرف إلى المجاز المركب.
واعلم أن "الاستعارة التمثيلية" التي ذكرنا تحقيق الكلام عليها إذا كان استعمالها فاشيًا سميت مثلًا، فجميع الأمثال السائرة من الاستعارة التمثيلية، ولذا لا تغير الأمثال، لأن الاستعارة يجب أن تكون لفظ المشبه به المستعمل في المشبه، فلو غير المثل لما كان لفظ المشبه به بعينه، فلا يكون استعارة، فلا يكون مثلًا، ولهذا لا يلتفت في الأمثال إلى مضاربها تذكيرًا وتأنيثًا وإفرادًا وتثنيةً وجمعًا، بل إنما ينظر إلى مواردها، كما يقال للرجل الذي طلب أمرًا بعد تسببه في فواته وقت الإمكان: "الصيف ضيعتِ اللبن" بكسر تاء الخطاب؛ لأنه في الأصل لامرأة، وهي دسوس بنت لقيط بن زرارة، وسبب المثل أنها تزوجت
стр. 256
شيخًا كبيرًا ذا مالٍ فكرهته، فطلبت منه الطلاق فطلقها، فتزوجت شابًا فقيرًا، ثم أصابتها سنة فأرسلت إلى الشيخ الأول تطلب منه اللبن، فقال للرسول: قل لها: "الصيف ضيعتِ اللبن" أي لما طلبت الطلاق في الصيف أوجب لها ذلك أن لا تعطى لبنًا. فلما قال لها الرسول ذلك وضعت يدها على زوجها الشاب، فقالت: مذق هذا خير. أي لبنه المخلوط بالماء على جماله وشبابه مع فقره خير من الشيخ ولبنه. ثم نقله الناقل الأول بمضرب هو قضية تضمنت طلب الشيء بعد تضييعه والتفريط فيه، ثم فشا استعماله في مثل تلك القضية مما طلب فيه الشيء بعد السبب في ضياعه في وقت آخر، فصار مثلًا لا يغير، بل يقال: "ضيعتِ" بكسر التاء والإفراد، ولو خوطب به المذكر، أو المؤنث، أو المجموع، كما أشار له مالك بن المرحل في نظمه المشهور بقوله:
وقل لمن يطلب شيئًا فات عن ... يديه ويك الصيف ضيَّعتِ اللبن
وتكسر التاء لأن المثلا ... جرى على أنثى خطابًا أولا
واعلم أنا قدمنا أن المجاز المركب إذا كانت علاقته غير المشابهة فهو مجاز مرسل مركب، كقوله:
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق
فإن هذا المركب موضوع للإخبار بكون "هواه": أي مهويه ومحبوبه "مصعدًا" أي مبعدًا "مع الركب اليماني" وجسمه موثق ومقيد بمكة، لكن ذلك المركب لم يستعمل في ذلك المعنى، بل الغرض منه
стр. 257
التحسر والتحزن على مفارقة المحبوب اللازم ذلك بالإخبار بها؛ لأن الإخبار بوقوع شيءٍ مكروهٍ يلزمه إظهار التحسر والتحزن، فالعلاقة اللازمية، فقد صدق على ذلك المركب أنه نقل لغير ما وضع له لعلاقة غير المشابهة، فلا يكون حقيقةً، ولا استعارةً تمثيليةً، فتعين أن يكون مجازًا مرسلًا مركبًا، وهذا مما أهمل القوم التعرض له، ولم يظهر لإهماله وجه.
وأجاب عن ذلك بعض المحققين بأنه من قبيل الكناية، فهو مستعمل فيما وضع له لينتقل إلى لازمه، وحينئذٍ لم يصدق عليه حد المجاز، فلذا تركوا التعرض له.
ثم إذا حققت تقسيمات الاستعارة إلى أنواعها المختلفة، وحققت أنها لابد لها من قرينة؛ لأنها مجاز علاقته المشابهة، والمجاز لابد له من قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي، فاعلم أن قرينة الاستعارة إما معنًى واحدٌ، كقولك: "رأيت أسدًا يرمي"، وإما أكثر من معنًى واحدٍ، كقول بعض العرب:
فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإن في أيماننا نيرانا
أي: سيوفًا تلمع كشعل النيران. فاستعار النيران للسيوف بجامع البريق واللمعان، وقرينة هذه الاستعارة تعلق قوله: "تعافوا" بكلٍّ من العدل والإيمان، لدلالته على أن جواب هذا الشرط: تحاربون وتلجأون إلى الطاعة بالسيوف.
وإما معانٍ مربوطٌ بعضها بعض بحيث يكون المجموع قرينة، لا
стр. 258
كل واحدٍ منها على حدة، كقول البحتري:
وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب
استعار "خمس سحائب" لأنامل الممدوح، والجامع أنها في جودها وعموم عطاياها كالسحائب، ولما استعار السحائب الخمس لأنامل الممدوح ذكر أن هناك صاعقة، وبين أنها من نصل سيفه، ثم قال: "على أرؤس الأقران" ثم قال: "خمس" فذكر العدد الذي هو عدد أصابع اليد. فظهر من مجموع ذلك أنه أراد بالسحائب الأنامل.
واعلم أن ما ذكره بعض البيانيين من أنَّ الاستعارة من حيث هي مجازٌ عقليٌّ لا مجاز لغوي أصلًا مردودٌ. وسنبين لك وجهه عند القائل به، ثم نبين وجه رده.
اعلم أن القائل بأن الاستعارة مجازٌ عقليٌّ يقول: إن التصرف فيها إنما وقع في أمرٍ عقليٍّ، لا لغويٍّ؛ لأنها لما لم تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به، بجعل الرجل الشجاع مثلًا فردًا من أفراد الأسد، كان استعمال الكلمة المسماة بالاستعارة في المشبه استعمالًا فيما وضعت له، وإنما قلنا: إنها لم تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به، لأنها لو لم تكن كذلك لما كانت استعارة، لأن مجرد نقل الاسم لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة استعارة، ولما كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة، إذ لا مبالغة في إطلاق الاسم المجرد عاريًا من معناه، ولما صح أن يقال لمن قال: "رأيت أسدًا" وأراد به زيدًا: أنه جعله أسدًا. كما لا يقال لمن سمى ولده أسدًا: أنه جعله أسدًا؛ إذ لا يقال: جعله أميرًا، إلا وقد أثبت فيه
стр. 259
صفة الإمارة.
وإذا كان نقل اسم المشبه به إلى المشبه تبعًا لنقل معناه إليه، بمعنى أنه أثبت له معنى الأسد الحقيقي ادعاءً، ثم أطلق عليه اسم الأسد، كان الأسد مستعملًا فيما وضع له، فلا يكون مجازًا لغويًّا، بل عقليًّا، بمعنى أن العقل جعل الرجل الشجاع من جنس الأسد، وجَعْلُ ما ليس في الواقع واقعًا مجازٌ عقليٌّ، ولهذا صح التعجب في قول ابن العميد:
قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز علي من نفسي
قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس
استعار "الشمس" لغلام حسن الوجه، والجامع الحسن والبهاء، ولولا أنه ادعى لذلك الغلام معنى الشمس الحقيقي، وجعله شمسًا على الحقيقة، لما كان لهذا التعجب معنى، إذ لا تعجب في أن يظلِّلَ إنسان حسن الوجه إنسانًا آخر، وإنما العجب في تظليل الشمس إياه، لأنها سبب لنفي الظل وإذهابه، لا لثبوته.
ولِما ذكرنا صح النهي عن التعجب أيضًا في قول الشريف أبي الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم طباطبا:
لا تعجبوا مِنْ بِلَى غلالته ... قد زرَّ أزراره على القمر
فلولا أنه جعله قمرًا حقيقيًّا لما كان للنهي عن التعجب معنى؛ لأن الكتان إنما يسرع إليه البلى بسبب ملابسة القمر الحقيقي، لا ملابسة إنسان كالقمر في الحسن. والبِلَى بالكسر والقصر من بَلِيَ الثوب يبلى
стр. 260
إذا فسد، والغلالة شعار أي ثوب ضيق الكمين كالقميص، يباشر البدن يلبس تحت الثوب الواسع، وتحت الدرع أيضًا، وزررت القميص عليه أزره بمعنى شددت أزراره عليه.
ومثل بيت الشريف المذكور قول الآخر:
ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نورٌ من البدر أحيانًا فيبليها
فكيف تنكر أن تبلى مَعاجِرُها ... والبدر في كل وقت طالع فيها
ووجه رد الدليل على أن الاستعارة مجاز عقلي: أن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به لا يقتضي كون الاستعارة غير مستعملة فيما وضعت له؛ للعلم الضروري بأن "أسدًا" في قولنا: "رأيت أسدًا يرمي" مستعملٌ في الرجل الشجاع، والموضوع له هو السبع المخصوص.
وتحقيق ذلك: أن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به مبني على أنه جعل أفراد الأسد بطريق التأويل قسمين:
أحدهما: المتعارف، وهو الذي له غاية الجراءة وكمال القوة في مثل تلك الجثة ذات الأنياب والأظفار.
والثاني: غير المتعارف، وهو الذي له تلك الجراءة لا في تلك الجثة المخصوصة والهيكل المخصوص.
ولفظ الأسد إنما هو موضوع للمتعارف، فاستعماله في غير المتعارف استعمالٌ في غير ما وضع له، والقرينة مانعةٌ عن إرادة المعنى المتعارف ليتعين المعنى غير المتعارف، وارتكب المتنبي هذا الادعاء
стр. 261
في عد نفسه وجماعته من جنس الجن، وعد جماله من جنس الطير حيث قال:
نحن قومٌ مِلْجِنِّ في زيِّ ناس ... فوق طيرٍ لها شخوصُ الجِمال
وبهذا يندفع ما يقال: إن الإصرار على دعوى الأسد به للرجل الشجاع ينافي نصب القرينة المانعة عن إرادة الأسد، وأن التعجب والنهي عنه كما في البيتين المذكورين.
فالبناء على تناسي التشبيه قضاء لحق المبالغة، ودلالة على أن المشبه بحيث لا يتميز عن المشبه به أصلًا حتى إن كل ما يترتب على المشبه به من التعجب والنهي عن التعجب يترتب على المشبه أيضًا.
ثم إن عرفت معنى الاستعارة، وأنها مجازٌ لغويٌّ على التحقيق، فاعلم أن الاستعارة تفارق الكذب من وجهين:
أحدهما: بناء الدعوى فيها على التأويل في دعوى حصول المشبه في جنس المشبه به بجعل أفراد المشبه به قسمين: متعارف، وغير متعارف، كما مر.
والثاني: نصب القرينة على أن المراد بها خلاف ظاهرها، فإن الكاذب يتبرأ من التأويل، ولا ينصب دليلًا على خلاف زعمه، بل يبذل المجهود في ترويج ظاهره.
واعلم أن أحسن أنواع المجاز الاستعارة التمثيلية، ثم المكنية، ثم التصريحية، ثم المجاز المرسل. وحسن التخييلية عندهم بحسب حسن المكنية، لأنها تابعتها عند سلف البيانيين، والتابع بحسب
стр. 262
واعلم أنه يشترط لحسن الاستعارة خمسة شروط:
الأول: مراعاة جهات الحسن في التشبيه، كأن يكون وجه الشبه شاملًا للطرفين، والتشبيه وافيًا بإفادة ما علق به الغرض، ونحو ذلك مما هو مذكور في التشبيه.
والثاني: بُعدها عن الحقيقة كما يقع لها بالترشيح.
الثالث: كونها غير مبتذلة.
الرابع: أن لا يكون وجه الشبه مي غاية الخفاء حتى تكون كالألغاز، كما في قولك: "رأيت أسدًا" لإنسان أبخر.
الخامس: أن لا يشم فيها رائحة التشبيه لفظًا؛ لأن ذلك يبطل الغرض من الاستعارة. أعني ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به؛ لما في التشبيه من الدلالة على أن المشبه به أقوى في وجه الشبه.
واعلم أن ما ذكرنا في تقسيم المجاز وانحصاره في: عقلي، ومفرد، ومركب، هو تقسيمه المعروف عند البيانيين، فلا يَرِدُ عليه مجاز الحذف والزيادة؛ لأن لفظ "المجاز" قد يطلق بالاشتراك أو التشابه على كلمة تغير إعرابها بحذف لفظ أو زيادة لفظ، فمثال الحذف قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف/ ٨٢] أي: أهلها، فأصل إعراب القرية الخفض بإضافة الأهل إليها، فحُذِفَ المضاف فصار المضاف إليه خلفا منه، فنصب بالمفعولية على القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله:
стр. 263
وما يلي المضاف يأتي خلفًا ... عنه في الاعراب إذا ما حذفا
ومثال تغير الإعراب بزيادة قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى/ ١١] على القول بزيادة الكاف لتأكيد نفي التشبيه.
ثم سألنا بعض طلبة العلم هل عثرنا على نص من كتاب أو سنة يفهم منه وجود دولة لليهود في آخر الزمان؟
فكان جوابنا أن قلنا له: إنه ثبت في الصحيح عن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم ما يدل بالدلالة المعروفة عند الأصوليين بدلالة الإشارة على وجود دولة لهم في آخر الزمان.
أما النص الذي دلَّ على ذلك بدلالة الإشارة فقوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائى فاقتله" رواه البخاري بهذا اللفظ، ومسلم عن أبي هريرة ﵁. وقد أخرج هذا الحديث البخاري في كتاب الجهاد والسير في باب قتال اليهود، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة في باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء.
ومثل الحديث المذكور قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "تقاتلون اليهود فتسلطون عليهم حتى يختبئ أحدهم وراء الححر، فيقول الحجر: يا عبد اللَّه هذا يهودي ورائي فاقتله" رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄. أما البخاري فقد أخرجه في كتاب الجهاد في باب قتال اليهود، وأما مسلم فقد أخرجه في كتاب الفتن مختصرًا.
стр. 264
فهذا نصر صحيحٌ من النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أنه لابد من قتال المسلمين واليهود حتى تكون عاقبة النصر والظفر للمؤمنين.
والمقاتلة بحسب الوضع اللغوي تقتضي وجود القتال من طائفتين مقتتلتين؛ لأن المفاعلة تقتضي الطرفين وضعًا، ومنه قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "تقاتلون اليهود"، [فدلَّ] على وجود جنسٍ مقاتَلٍ من اليهود، وذلك إنما يكون من طائفة متحدة الكلمة تحت طاعة أمير يقاتل بهم.
وذلك هو معنى دلالة الحديث على وجود دولة لهم في آخر الزمان، لأنهم لو كان دائمًا عليهم مضمون قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف/ ١٦٨] وكانوا متفرقين غير مجتمعين أبدًا تحت أمير على كلمةٍ واحدةٍ ما صح قتالهم مع المسلمين الذي نص عليه الرسول صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في الحديث الصحيح.
فإذا حققت ذلك فاعلم أن دلالة الإشارة في اصطلاح الأصوليين هي دلالة اللفظ على معنى ليس مقصودًا منه بالأصل، بل بالتبع؛ لأن ذلك المعنى لازم للمعنى المقصود من اللفظ، كدلالة قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة/ ١٨٧] المُغَيَّى بغايةٍ هي تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، أعني قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة/ ١٨٧] الآية = على صحة صوم من أصبح جنبًا؛ للزومه للمقصود به من جواز جماعهن ليلة الصيام إلى آخر جزء منها، بحيث لا يبقى بعد ذلك الجزء المجامَع فيه جزءٌ من الليل أصلًا حتى يغتسل فيه قبل النهار، فلزم جواز إصباحه
стр. 265
جنحًا، وصحة صوم من أصبح جنحًا.
فالمقصود بلفظ النص المذكور إباحة الجماع في ليلة الصيام إلى انتهائها، ولم يقصد باللفظ صحة صوم من أصبح جنبًا؛ إلا أنها لازمة للمقصود باللفظ؛ لأنه إذا جاز له الجماع في جزء الليل الأخير الذي ليس بعده إلا النهار لزم كونه جنبًا في النهار، فدل بالإشارة على صحة صوم من أصبح جنبًا.
ومن دلالة الإشارة أخذ علي ﵁ كون أقل الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف/ ١٥] مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان/ ١٤] وقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة/ ٢٣٣]؛ لأن ثلاثين شهرًا التي هي أمد الحمل والفصال إذا أسقط منها العامان اللذان هما أمد الفصال بأربعة وعشرين شهرًا بقي للحمل ستة أشهر هي باقي الثلاثين.
فإذا حققت ذلك فقوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود" المقصود منه أن قتال اليهود والمسلمين واقعٌ لا محالة، إلا أن هذا المعنى المقصود بالنص يلزمه كون اليهود فئةً متحدة الكلمة، تحت إمارة أمير يقاتل بهم، وذلك هو معنى وجود حكومة منهم في آخر الزمان، دل عليها النص بالإشارة.
وكثيرًا ما يتعسر على بعض العصريين حقيقة الفرق بين دلالة الإشارة ودلالة الاقتضاء ودلالة الإيماء والتنبيه، وربما أشكل على بعض الحذاق الفرق بين هذه الدلالات على القول بأنها من المنطوق
стр. 266
غير الصريح، وسنبين لك الجميع على سبيل الاستطراد، لأن القصد في الجواب دلالة الإشارة فقط، وذكر غيرها استطرادي.
اعلم أولًا أن دلالة الاقتضاء، ودلالة الإشارة، ودلالة الإيماء والتنبيه، كلها من دلالة الالتزام، والأصوليون مختلفون فيها: هل هي من المنطوق غير الصريح، أو من المفهوم؟
فإذا حققت ذلك فاعلم أنا قدمنا الكلام مستوفى على دلالة الإشارة، وسنتكلم الآن على دلالة الإقتضاء، ودلالة الإيماء والتنبيه.
أما دلالة الاقتضاء فهي دلالة اللفظ بالالتزام على معنى غير مذكور مع أنه مقصود بالأَصالة، ولا يستقل المعنى -أي: لا يستقيم- إلا به؛ لتوقف صدقه أو صحته عقلًا أو شرعًا عليه، وإن كان اللفظ لا يقتضيه وضعًا.
مثال توقف صدقه عليه حديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهو عليه" أي: المؤاخذة بما ذكر، لتوقف الصدق على ذلك؛ لأن نفس الخطأ وما ذكر معه غير مرفوع، بل هو واقع منهم لأنهم يخطئون وينسون ويُكْرَهون دائمًا، فالكلام دلَّ بالاقتضاء على المحذوف من جهة توقف صدقه عليه، إذ لولا ذلك المحذوف لكان الكلام غير صادق.
ومن هذا المعنى قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم حين قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟: "كل ذلك لم يكن" أي: في ظني. فدل الحديث بالاقتضاء على محذوف تقديره: "في ظني"؛ إذ
стр. 267
لولا ذلك المحذوف لكان غير صادق، لأنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان قد سلم من اثنتين، وهو لا يكذب صلوات اللَّه وسلامه عليه.
ومثال ما تتوقف صحته عليه عقلًا قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف/ ٨٢] أي: أهل القرية، إذ القرية -وهي الأبنية المجتمعة- لا يصح سؤالها عقلًا جريًا على العادة، فدل بالاقتضاء على محذوفٍ من جهة توقف الكلام عليه عقلًا.
ومثال ما تتوقف صحته عليه شرعًا الأمر بالصلاة، فإنه يتضمن الأمر بالطهارة لها لتوقفها عليها شرعًا، فاللفظ المتوقف صدقه أو صحته منطوق صريح، والمضمر الذي لابد للصدق أو الصحة منه منطوقٌ غير صريح، وهو من ضرورة المنطوق الصريح، وهذا بناءً على أحد القولين المتقدمين.
وسميت هذه الدلالة دلالة اقتضاء لأن المعنى يقتضيها لا اللفظ.
وأما دلالة الإيماء والتنبيه فلا تكون إلا في العلل، فهي أبدًا دلالة على كون الوصف علة الحكم، ولذلك كان الإيماء هو المسلك الثالث من مسالك العلة.
وهي -أي: دلالة الإيماء والتنبيه- أن يقرن الوصف بحكم لو لم يكن الوصف علة لذلك الحكم عابه الفطن بمقاصد الكلام؛ لأنه لا يليق بالفصاحة، وكلام الشارع لا يكون فيه ما يخل بالفصاحة، ومثاله حديث الأعرابي الذي جاء يضرب صدره وينتف شعره ويقول: "هلكت
стр. 268
وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان"، فقال له النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "أعتق رقبة"؛ فمواقعة الأهل في نهار رمضان وصفٌ اقترن به في كلام الشارع حكم وهو عتق رقبة، ولو لم تكن علة ذلك العتق مواقعة الأهل في نهار رمضان لكان الكلام خارجًا عن مقاصد العقلاء، وكان الكلام غير مطابق للسؤال، وذلك لا يليق بفصاحة الشارع وبلاغته صلوات اللَّه عليه وسلامه.
ومثال الإيماء في القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة/ ٩]، فلو لم يكن خوف فوات صلاة الجمعة علة للبيع عند النداء لها لما كان في ترتيبه عليه في الكلام فائدة، وكلامه تعالى في أعلى درجات الإعجاز والبلاغة.
وإذا أردت تقسيمًا جامعًا للأقسام المذكورة فهو أن تقول: غير المنطوق الصريح لا يخلو: إما أن يكون مدلوله مقصودًا للمتكلم، أو غير مقصودٍ له، فإن كان مقصودًا فلا يخلو: إما أن يتوقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به عليه، أو لا، فإن توقف سمي دلالة اقتضاء، وإلا فلا يخلو: إما أن يكون مفهومًا في محل تناوله اللفظ نطقًا، أو لا، الأول: دلالة الإيماء والتنبيه. والثاني: دلالة المفهوم. وإن كان غير مقصود للمتكلم بالأصالة سميت دلالة اللفظ عليه دلالة الإشارة. حرره العبادي في "حاشيته" على "شرح المحلى لجمع الجوامع".
فإذا تقرر ذلك فالفرق بين المفهوم ودلالة الإشارة مصاحبة القصد
стр. 269
الأصلي له دونها، والفرق بينه وبين دلالة الاقتضاء توقف الصدق أو الصحة على إضمار فيها دونه، والفرق بينه وبين دلالة الإيماء والتنبيه كونها مفهومة في محل تناوله اللفظ نطقًا دونه. فاندفع استشكال التفتازاني الفرق بين غير الصريح من المنطوق والمفهوم.
وهذا على القول بأن دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء من المنطوق غير الصريح، وأما على القول بأنها كلها من دلالة المفهوم فالأمر ظاهر.
وإلى هذا التحقيق الذي ذكرنا أشار في "مراقي السعود" بقوله:
وفي كلام الوحي والمنطوق هل ... ما ليس بالصريح فيه قد دخل
وهو دلالة اقتضاء إن يدل ... لفظ على ما دونه لا يستقل
دلالة اللزوم مثل ذات ... إشارة كذاك الإيما آتي
فأول إشارة اللفظ لما ... لم يكن القصد له قد علما
دلالة الإيماء والتنبيه ... في الفن تقصد لدى ذويه
أن يقرن الوصف بحكم إن يكن ... لغير علة يعبه من فطن
وقال في "مراقي السعود" أيضًا في مسالك العلة في خصوص الإيماء الذي هو المسلك الثالث:
والثالث الإيما اقتران الوصف ... بالحكم ملفوظين دون خلف
وذلك الوصف أو النظير ... قرانه لغيرها يضير
стр. 270
فقال لنا: أورد ما يدل على العداوة والبغضاء دائمًا بين فرق اليهود فيما بينهم.
فقلنا له: نعم. وبين فرق النصارى أيضًا.
أما اليهود فقد قال اللَّه فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة/ ٦٤].
فالضمير في قوله: ﴿بَيْنَهُمُ﴾ في الظاهر المتبادر من مساق الآية راجعٌ إلى اليهود فيما بينهم فقط، لا إلى اليهود والنصارى، وإن قال بهذا الأخير بعض الأجلاء من علماء التفسير؛ لأن القرآن لا يصح صرفه عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليلٍ جازمٍ من كتاب اللَّه أو سنة رسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
وأما النصارى فقد قال اللَّه فيهم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة/ ١٤].
فالضمير في قوله: ﴿بَيْنَهُمُ﴾ راجع إلى النصارى المعبر عنهم بـ ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ في الظاهر المتبادر من مساق الآية، وإن قال بعضهم: إن معناه راجع إلى اليهود والنصارى؛ لما قدمناه من عدم جواز صرف القرآن عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليل من كتاب أو سنة.
стр. 271
فدل ظاهر الآيتين الكريمتين على أن العداوة والبغضاء بين فرق اليهود كائنة إلى يوم القيامة، وكذلك بين فرق النصارى، ولا شك أن الحروب الواقعة بينهم من آثار تلك العداوة والبغضاء التي أغراها اللَّه بينهم بسبب نسيانهم العهد الذي أخذ عليهم، كما دل عليه الفاء من قوله: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ إذ تقرر عند علماء الأصول أن الفاء من الحروف الظاهرة في العلة نحو: "سها فسجد"، و"سرق فقطعت يده"، كما نصوا عليه في مسلك النص.
واعلم أن قوة اليهود ودولتهم التي ذكرنا أشبه شيء بالجلود التي تجدد لأهل النار ليذوقوا العذاب؛ لأن تلك القوة المذكورة يكون عليهم بسببها العذاب الواقع بهم، والنكال الذي لا يفارقهم أبدًا أشد وقعًا عليهم؛ لأن اللَّه تعالى أخبر في كلامه الذي لاشك في صدقه أنه لابد أن يسلط عليهم من يعذبهم وينكل بهم، ويهينهم إلى يوم القيامة حيث قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف/ ١٦٧]، لأنهم ما داموا متفرقين في البلاد لا قوة لهم لم يظهر عظم موقع النكال بهم.
ثم سألنا بعض طلبة العلم عن الحديث الثابت في قتال المسلمين مع الترك، وطلب منا أن نبين له اشتقاق المطرقة في قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في الحديث المذكور: "كأن وجوههم المجان المطرقة".
فكان جوابنا أن قلنا: الحديث المذكور هو قوله صلى اللَّه عليه
стр. 272
وعلى آله وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك، صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر" رواه البخاري واللفظ له، ومسلم عن أبي هريرة ﵁. أما البخاري فقد أخرجه في كتاب الجهاد في باب قتال الترك. وأخرج نحوه من رواية أبي هريرة أيضًا في الباب الذي بعده، وهو باب قتال الذين ينتعلون الشعر، وفي كتاب بدء الخلق في باب علامات النبوة في الإسلام، بتقديم: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك. . . " الخ.
وأما مسلم فقد أخرجه في كتاب الفتن وأشراط الساعة في باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء لخمس روايات لسبعة أسانيد.
وقوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "ذلف الأنوف" جمع أذلف، والأنثى منه ذلفاء، والأذلف: هو المتصف بالذَّلَف بفتحتين، وهو قِصَرُ الأنف مع البطاحة. وقيل: غلظ في الأرنبة. وقيل: تطامن. والكل متقارب.
وقوله: "كأن وجوههم المَجَانُّ المُطْرَقة" المجان: بفتح الميم والجيم وبعد الألف نون مشددة، جمع مجن بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون، وهو الترس، والمطرقة: بضم الميم وسكون الطاء المهملة وفتح الراء مخففة، وفي رواية أبي ذر بفتح الطاء وتشديد الراء، والأولى هي الفصيحة المشهورة في الرواية وكتب اللغة، وهي التي ألبست الطراق وهو جلدة تقدر على قدر الترس وتلصق عليه، هذا
стр. 273
هو معناه، واشتقاقه من طرق النعل، وخوافي ريش الطائر، فالطرق في النعل جعل طاقة منه فوق أخرى وإلصاقها عليها، والطرق في خوافي الطائر وقوادمه كون بعض ريشاته فوق بعض، وهو بهذا المعنى كثير في كلام العرب، ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
أهوى لها أسفع الخدين مطرق ... ريش القوادم لم تنصب له الشبك
ومنه قول غيلان بن عقبة المعروف بذي الرمة:
طراق الخوافي واقع فوق ربعه ... ندى ليله في ريشه يترقرق
ومنه قول الآخر:
سكاء مخطومة في ريشها طرق ... سود قوادمها كدر خوافيها
ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون/ ١٧] على إحدى التفسيرات كما ذهب إليه جمع من المحققين، لأن السموات طاقات بعضها فوق بعض، ويدل هذا التفسير قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك/ ٣].
وحاصل معنى التشبيه في قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "كأن وجوههم المجان المطرقة" أنه شبه وجوههم بالتروس لبسطها وتدويرها بالمطرقة ولغلظها وكثرة لحمها.
ثم لم تزل المذاكرة دائرة بيننا وبين علماء المعهد الديني في "أم درمان" حتى جاء ذكر الضيافة والإحسان إلى الضيف، وقوله صلى اللَّه عليه وعلى آله سلم: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه"،
стр. 274
وذكروا أن الشعراء ربما هجوا على عدم القرى؛ فذكرت لهم نبذًا من هجاء الشعراء من لم يقدم إليهم الضيافة ، وأنهم ربما هجوا على قلة المقدم إليهم، كما قال بعض الأدباء:
أبو جعفر رجل عالم ... بما يصلح المعدة الفاسدة
تخوَّف تخمة أضيافه ... فعوَّدهم أكلة واحدة
ولما ذكرت لهم بهذه المناسبة بيتي الأديب أحمد عبد اللَّه البوحسني الشنقيطي المعروف بالذئب، وقد استضاف قومًا فلم يضيفوه:
مات الغداء لدينا أهل ذا الأفق ... والخطب سهل إذا كان العشاء بقي
ولست أحسبه يبقى وقد زعمت ... عُوَّاده أنه في آخر الرمق
فضحكوا.
ثم سألني صديقي النحوي الكبير ذو الشمائل الطيبة أحد أساتذة المعهد المذكور الأستاذ الشيخ إبراهيم يعقوب فقال لي: أأنت شاعر أم لا؟
فقلت له: أما بالجبلة والطبيعة فنعم، وأما من حيثما التوصل بالشعر إلى الأغراض والأكل به من الملوك والأمراء فلا، فألح عليَّ أن أسمعه من شيء كنت قلته من الشعر فيما مضى، فأخبرته أن عهدي بنسج القريض أيام الصبا، وأكثر ما جرى على لساني منه الغزل في عنفوان الشباب، وربما قلت مقطعات في طلب العلم أيام الاشتغال
стр. 275
به، وأني لما عزمت على أن لا أقول شعرًا قلت أبياتًا في ذلك مقتضاها أن مقاصد الشعراء ليست لي بمقاصد، فطلب مني الشيخ المذكور بإلحاح أن أسمعه هذه الأبيات، وبعض ما قلت في طلب العلم، وطرفًا من الغزل أيام الصبا، فأسعفته بما طلب، ففرح بما سمع هو والحاضرون من مشائخ المعهد فرحًا بان أثره في وجوههم.
والأبيات التي قلت في أن مقاصد الشعراء ليست لي بمقاصد هي هذه:
أنقذت من داء الهوى بعلاج ... شيب يزين مفارقي كالتاج
قد صد بي حلم الأكابر عن لمى ... شفة الفتاة الطفلة المغناج
ماء الشبيبة زارع في صدرها ... رمانتي روض كحق العاج
وكأنها قد أدرجت في برقع ... يا ويلتاه بها شعاع سراج
وكأنما شمس الأصيل مذابة ... تنساب فوق جبينها الوهاج
يعلى لموقع جنبها في خدرها ... فوق الحشية ناعم الديباج
لم يبك عيني بين حي جيرة ... شدوا المطيَّ بأنسع الأحداج
نادت بأنغام اللحون حداتهم ... فتزيلوا والليل أليل داج
لا تطبيني عاتق في دنها ... رقت فراقت في رقاق زجاج
مخضوبة منها بنان مديرها ... إذ لم تكن مقتولة بمزاج
طابت نفوس الشِّرب حيث أدارها ... رشأ رمى بلحاظ طرف ساج
стр. 276
أو ذات عود أنطقت أوتارها ... بلحون قول للقلوب شواجي
فتخال رنان المثاني أحرفًا ... قد رددت في الحلق من مهتاج
وكأنها قد لقنت رناتها ... متحيزات حريمها الهياج
فهذه هي الأبيات التي كنت قلتها في هذا المقصد، وقد ضممت إليها بعد ذلك أبياتًا في بحرها ورويها في شأن زيارة أخينا وابن عمنا باشا تاردانت، وهو محمد البيضاوي باشا، حيث زارنا في بلادنا من مسافةٍ بعيدةٍ جدًّا، ولم ييسر اللَّه الاجتماع والملاقاة حتى رجع إلى محله، فضممنا الأبيات للأبيات المذكورة في شأن التأسف على فوات فرصة الملاقاة، وكتبنا الجميع إليه.
وأول الأبيات المضمومة إليها:
بل إنما اهتاج الفؤاد لشأنه ... أن فاته مرأى حلى الأفواج
راضت به جاكان أثباج العلا ... من بعد زلزلة عن الإثباج
. . . الأبيات.
ومما قلت في شأن طلب العلم، وقد كنت أخريات زمني في الاشتغال بطلب العلم دائم الاشتغال به عن التزويج، لأنه ربما عاق عنه، وكان إذ ذاك بعض البنات ممن يصلح لمثلي يرغب في زواجي ويطمع فيه. فلما طال اشتغالي بطلب العلم عن ذلك المنوال، أيست مني، فتزوجت ببعض الأغنياء، فقال لي بعض الأصدقاء: إن لم تتزوج الآن من تصلح لك تزوجت عنك ذوات الحسب والجمال، ولم تجد
стр. 277
من يصلح لمثلك. يريد أن يعجلني عن طلب العلم. فقلت في ذلك هذه الأبيات:
دعاني الناصحون إلى النكاح ... غداة تزوجت بيض الملاح
فقالو لي: تزوجت ذات دل ... خلوب اللحظ جائلة الوشاح
ضحوكًا عن مؤشرة رقاق ... تمج الراح بالماء القراح
كأن لحاظها رشقات نبل ... تذيق القلب آلام الجراح
ولا عجب إذا كانت لحاظ ... لبيضاء المحاجر كالرماح
فكم قتلت كميًّا ذا دِلاصٍ ... ضعيفات الجفون بلا سلاح
فقلت لهم: دعوني إن قلبي ... من الغيِّ الصراح اليوم صاح
ولي شغل بأبكارٍ عذارى ... كأن وجوهها غرر الصباح
أراها في المهارق لابسات ... براقع من معانيها الصحاح
أبيت مفكرًا فيها فتضحى ... لفهم الفدم خافضة الجناح
أبحت حريمها جبرًا عليها ... وما كان الحريم بمستباح
ومما كتب عني الشيخ إبراهيم المذكور قصيدةً كنت قلتها في عنفوان شبابي في شأن رجلين من قبيلتنا وقعت بينهما شحناء، فهجا أحدهما الآخر ولحنه، وادعى الهاجي علي أني دسست للمهجو شعرًا ينتقم به منه، فغضبت من تزويره علي؛ لأني -وللَّه الحمد والمنة- لست ممن يهجو، وما كافأت أحدًا بسوء، وما أخذت أخًا بزلة، تحدثًا
стр. 278
بنعمة اللَّه تعالى، فكيف أدخل بين رجلين نزغ الشيطان بينها، فحمل أحدهما على هجو الآخر إلا بالإصلاح بينهما؟
والرجل الذي قيل فيه الشعر المذكور اسمه السالم، وهو رجلٌ من أهل العلم، والذي قال الشعر اسمه محمد محمود وهو من أهل العلم أيضًا.
وسبب الشعر المذكور أن السالم المذكور لم يجز تزكية محمد محمود المذكور لشهود شهدوا عنده في خصومة من أجل قادح ديني يعتقده فيه، فغضب لذلك، وقال هذه الأبيات:
إلى السالم الفقيه حبر بلاده ... أخي الفضل والإفتاء طبق مداده
تحية من أمسى رهينًا بحبه ... إلى خله قدمًا وأنس فؤاده
فموجبه أني لنصحك قاصد ... وقد يرشد الحبيب أهل وداده
فإن كنتَ صوفيًا كما أنت زاعم ... لسانك أوردْه لنهج رشاده
وإن كنت ذا فقه تريش سهامه ... تغار لدين اللَّه خوف فساده
فلا تَرُمِ الفتيا ولا تك قاضيا ... فذاك لدين اللَّه محض سداده
تعرضت للإنكار دون تأهل ... وكم صيد ذو الإنكار قبل اصطياده
فخضت بلا فلك بحورًا عميقةً ... ورمت بناء الشيء دون عماده
وعزوك للحطاب آخر نقله ... مخافة درك الغير عين مراده
وتركك ما أبدى ابتداء كلامه ... ينبئ عن حيف الفتى وعناده
стр. 279
وحذفك نون الرفع دون مسوغ ... رأى معشر النحاة هجر اعتماده
وأما القصيدة التي رددت أنا بها هذه الدعوى التي لا تليق فهي هذه:
أرى الربع من أسمائه وسعاده ... وسُعداه قفرًا غير باقي رماده
وغير أثاف بينهن خصاصةً ... رواكدَ غطاها الصّلى بسواده
تبدل من بيض الترائب خذلًا ... كوانس في طلح النقى وقتاده
مطافيل أدمًا آويات لربرب ... مربٍّ على أولاده بمراده
تراها عليها عاطفات وتارة ... ترود فيدعوها الكلا برواده
فتتركها فوضى وتمرد يومها ... على قرد غير المرد بين وهاده
فلما دهاها الليل أسود حالكًا ... وأعشى عيون الوحش برح اسوداده
تذكرن غزلًا نالهن تركنها ... سدى كلها لم ينتبه من رقاده
فنادت نزيباها ديات صوارها ... يبارين عدو الطرف بين جياده
وغادرن في حيزوم كل تنوفةٍ ... خدوشًا كآثار الفؤوس الكواده
فأخطأنها ذهلًا ولسن ذواهلًا ... إلى أن تلافى الفحل ظهر وراده
فأنشأ يعدو وأتسَيْنَ بعدوه ... فجشمها سيرًا بوعثِ نجاده
فما راعاها إلا توجس رزها ... فنادينها ميئًا نداء النواده
فلله ربع قد عفت كل قاصف ... من الريح مغنى هنده وسعاده
стр. 280
رعت في رباه الآء والشري هقلة ... بيوض بمغناه وجلهة واده
ويارب يوم قد أنست بغادة ... بساحته تدعو الحجا لفساده
وتدعو أخا الحلم الرشيد إلى الصبا ... فتبدله عني الصبا من رشاده
فبينا أنا في روضة اللهو رائع ... أسر بندب للتصادق ماده
إذا فجعتني الحادثات بنكبة ... وربك حسبي في الأمور البواده
مقالة أنْ قد قلت إني أجبت عن ... إلى السالم الفقيه حبر بلاده
وتمنعني من ذاك نفس عزيزة ... غلا سعرها في السوق يوم كساده
تهاب الخنا والنقص في كل موطن ... وقلب يقويها بشدة آده
وقربكم في القلب واللَّه شاهد ... بصير بما كن الفتى بفؤاده
ولست بمن يغريه من جاء مغريًا ... ولا من يعاد الدهر من لم يعاده
ألا قل لمن يعلو قرى شد نية ... سناد يجوب البيد وخد سناده
بلاغًا بلاغًا للسميذع إنني ... ورب المطايا مخلص لوداده
وأني لم أنطق بشيء علمته ... سوى مجده قدمًا وطول نجاده
وإني لأكسو الخل حلة سندس ... إذا ما كساني من ثياب حداده
وكائنْ يغيظ المرء ظن حبيبه ... به السوء بعض الظن إثم فعاده
صلاة إله العرش ما ذر شارق ... على خير خلق اللَّه هادي عباده
وكان معى أيام إنشائي هذه القصيدة بعض أقراني من طلبة العلم
стр. 281
الماهرين في النحو، فادعى أن في القصيدة اعتراضًا نحويًا، وهو أنها جاءت فيها "إذا" الفجائية قبل جملة فعلية مع أنها تختص بالجملة الاسمية. فقلت له: إن ذلك الاعتراض قصور من المعترض به؛ لأن "إذا" الفجائية فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: اختصاصها بالجملة الاسمية كما زعم المعترض.
والثاني: دخولها على الجملة الاسمية والجملة الفعلية مطلقًا، صدرت بقد، أو جردت منها.
والثالث: دخولها على الجملة الاسمية والجملة الفعلية بشرط كون الفعلية مصدرة بقد.
وقد أشار إلى هذه الأوجه الثلاثة صاحب المغني في الكلام على "قد" وبيَّنها محشيه الدسوقي في الكلام على "إذا".
وقلت له: مثل هذا لا يعترض به إلا قاصر.
وقد جاء في القصيدة نحو هذا مما يتمشى على بعض اللغات دون بعض، كتذكير ضمير السوق في قوله: "غلا سعرها في السوق يوم كساده"، واللغة الفصحى في السوق التأنيث، وإن كان التذكير مسموعًا فيها. وكقوله: "بصير بما كنى الفتى بفؤاده" لأن اللغة الفصحى "أكن" بصيغة الرباعي، وإن كان الثلاثي مسموعًا فيه، فمثل هذا لا يعترض به على شاعرٍ ولا غيره إلا قاصرٌ.
ومما قلت من الغزل أيام الصبا هذه الأبيات:
стр. 282
بشفى الأحيمر قد عرفت لراد ... داري مرادي أن تكون مرادي
عهدي بها وبها فتاة همها ... أعذب بها تعذيب كل فؤاد
بيضاءُ واضحةُ الجبين كأنها ... قمرٌ منيرٌ لاح بين دآدي
وترى شعاع الشمس في وجناتها ... مترقرقًا بجبينها الوقاد
لمياء تبسم عن لآلئ ركبت ... في معدن من سمرة وسواد
شنباء مصة ريقها تشفي الجوى ... من صدر حرَّان الجوانح صادي
واللَّه لا أنسى مبيتي عندها ... بشفى الأحيمر عن جنوب الوادي
إذ بت أشفي من رضاب بارد ... داءًا تقادم حره بفؤاد
ويلُ امِّها ما كان أطيب ريقها ... يا برد ريقتها على الأكباد
ثم سألني بعض أساتذة المعهد الديني "بأم درمان" ممن له مشاركة جيدة في فن المنطق، عن كيفية رد اللَّه جل وعلا على اليهود في قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ بقوله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام/ ٩١]، فإن قوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ ردًّا لقولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ يتضمن أن موسى بشر، وأنه أنزل عليه كتاب هو التوارة، فإذا قلت: موسى بشر، موسى أنزل عليه كتاب؛ كان هذا على صورة قياس اقتراني من الشكل الثالث، ينتج: بعض البشر أنزل عليه كتاب. وهذه النتيجة التي هي: "بعض البشر أنزل عليه كتاب" جزئية موجبة. وقد تقرر عندهم أن الموجبة الجزئية هي نقيض السالبة الكلية، وقضية اليهود التي هي
стр. 283
قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْء﴾ سالبة كلية يتحقق نقضها وإبطالها بجزئية موجبة، هي: نزول كتاب على بعض البشر الذي هو موسى، لإقرارهم بذلك.
قال: فإن قولنا: موسى بشر، موسى أنزل عليه كتاب. هذا ينتج من الشكل الثالث: "بعض البشر أنزل عليه كتاب" إنتاجًا لاشك في صحته، مع أن المقدمتين شخصيتان. والمقرر عندهم في الشكل الثالث أنه يشترط لإنتاجه كلية كبراه. فكيف ينتج هذا الشكل الثالث، وليست كبراه كلية؟
فكان جوابنا أن قلنا له: إن الشخصية من قبيل الإنتاج في حكم الكلية المسوَّرة بسور كلي، ووجه استوائهما هو شمول الحكم بالمحمول جميع أفراد الموضوع، فالسور في الكلية محيط بجميع أفراد الموضوع، بحيث لم يتخلف منها فرد عن الحكم بالمحمول، وموضوع الشخصية فردٌ واحدٌ لا تعدد فيه أصلًا، فصار انحصار موضوع الشخصية في فردٍ واحدٍ بالأصالة كانحصار أفراد الموضوع الكلي بالسور الكلي، فاتحدا من هذا الوجه، فصح الإنتاج المذكور.
ثم لما عزمنا على السفر من "أم درمان" اجتمع بنا الأخ الفاضل ذو الأخلاق الطيبة والشمائل الحسنة السيد محمد صالح الشنقيطي رئيس اللجنة بالسودان، فأحسن إلينا وأكرمنا غاية الإكرام، وجمع بيننا وبين السيد عبد الرحمن المهدي فعزيناه في ولد ولده كان متوفى عند ملاقاتنا، ففرح بلقائنا، وأظهر لنا البشر، والإكرام، وأهدى لنا هدية سنية.
وشيعنا محمد صالح المذكور في سيارته الخاصة، وأخذ لنا
стр. 284
ولجميع من معنا تذاكر السفر في قطار الحديد، وسافرنا فيه من تلك الليلة في العشر الأواسط من ذي القعدة من سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف، فسرنا فيه متوجهين تلقاء سواكن فبتنا دونها، وجئناها من الغد وقت المقيل، فنزلنا في خيم مبنية للحجاج، وأخذنا جوازات السفر إلى الحجاز، وما توصلنا إلى أخذها حتى تعبنا من الزحام في المركز، لكثرة الحجاج المزدحمين لأخذ الجوازات، وكان بواب المركز يدخل قبلنا كثيرًا من أخلاط الناس من أسود وأحمر، ونحن جئنا قبلهم، فذكرني ذلك قول عصام بن عبيد الزماني:
أدخلت قبلي قومًا لم يكن لهم ... في الحق أن يدخلوا الأبواب قدامي
ثم بعد لأيٍ تحصَّلنا على أخذ الجوازات والتذاكر بعد أن سلمنا الرسوم المقررة، ثم مكثنا في محل النظر في صحة الحجاج ثلاثة أيام، ثم ركبنا في السفينة متوجهين إلى جدة، فمكثت السفينة بنا يومًا وليلة في البحر، ثم نزلنا من الغد في جدة، فنزلنا في بيت لآل جمجوم عمومي لنزول أهل قطرنا، فمكثنا ليلتين في جدة، ولم نجتمع بأحدٍ من أهلها، لكن اجتمعنا برجل سوداني موظف في بعض الشركات في جدة اسمه أحمد بكري، قأحسن إلينا وحملنا إلى مكة المكرمة بواسطة رجلٍ طيبٍ من موظفي إدارة الحج اسمه سامي كتبي. فركبنا من جدة بعد صلاة المغرب محرمين ملبين تلبية النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وكان إحرامنا بالحج مفردًا، وإنما أحرمنا إفرادًا من غير تمتع ولا
стр. 285
قران؛ لأن الإفراد في مذهبنا أفضل من التمتع والقران، وأفضلية الإفراد التي هي مذهبنا معاشر المالكية قال بها مالك وأصحابه، وذلك هو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو قول عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وعائشة، والأوزاعي، وأبي ثور، وداود.
وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والمزني، وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزي: القِران أفضل.
وقال الإمام أحمد ﵀: التمتع أفضل.
وكافة العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن الكل من التمتع والإفراد والقران جائز، إلا ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب وعثمان ﵄ أنهما كانا ينهيان عن التمتع.
أما دليل جواز الثلاثة فهو ما ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: "خرجنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهلَّ بحج وعمرة، ومنا من أهلَّ بحج، وأهلَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بالحج" رواه البخاري ومسلم عنها. وفي رواية لمسلم: "منا من أهل بالحج مفردًا، ومنا من قرن، ومنا من تمتع".
وأما دليل مذهبنا ومذهب الشافعي في ترجيح الإفراد، وأنه أفضل من القران والتمتع، فهو ما ثبت في الصحيح من رواية جابر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة ﵃.
следующие страницы →