بأنها تشبيه مضمر في النفس، والتشبيه المضمر في النفس معنى من المعاني قائمٌ بنفس الشخص، والاستعارة هي الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له، فالمعنى القائم بنفس الشخص لا يصح أن يكون استعارة، والمكنية بالمعنى المصدري لا يصدق عليها حد الخطيب أيضا، لأنها بالمعنى المصدري استعمال اللفظ في غير ما وضع له، والتشبيه مباينٌ لذلك ضرورة.
وأما مذهب العصامي فلا وجه له؛ لأن ما ادعاه من قلب التشبيه خلاف الأصل بلا موجب ولا دليل، وجعله مجموع الكلام كناية عن لازم معناه لابد فيه من ملاحظة الحقيقة، فيخرج بتلك الملاحظة عن حد الاستعارة لأنها مجاز، وبالجملة فمذهبه لا دليل عليه ولا حاجة إليه.
وأما مذهب صاحب "الكشف" فقد قدمنا أنه غلطٌ من أجل فَهْمِه من كلام صاحب "الكشاف" غير مراده، وصاحب "الكشاف" موافق للجمهور في المكنية.
وأيضًا، فإن مذهب صاحب "الكشف" الذي هو أن المكنية هي اللازم المرموز به للمشبه به المحذوف -كالأظفار في المثال المقدم- يظهر القدح فيه بأن الأظفار مثلًا مستعملة في معناها الحقيقي، فليست مجازًا حتى تكون استعارة، وإنما المجاز في إسنادها إلى المنية كما قدمنا عن الجمهور.
وقول بعض البيانيين أن الأظفار في المثال المذكور مجازٌ؛ لأنها مستعملة في مشبه وهمي تخيله الذهن وتوهمه = لا دليل فيه لصاحب
стр. 212
"الكشف"؛ لأنها على ذلك القول تكون استعارة مصرحة تخييلية كما يأتي تحقيقه في مذهب التخييلية.
فتحصَّل أن الأظفار مثلًا في المثال المذكور إما حقيقةٌ لغويةٌ، أو استعارٌ مصرحةٌ، وكل منهما يباين المكنية ضرورة، فظهر سقوط قول صاحب "الكشف".
وما ذكرنا من أن الأظفار في المثال المذكور حقيقةٌ لغويةٌ ومجازٌ عقليٌّ عند الجمهور ينافي تسميتهم لها استعارة تخييلية، وإنما سموا هذه الحقيقة اللغوية والمجاز الإسنادي استعارةً على سبيل المجاز العرفي، وإلا فالتخييلية عنده غير داخلة في حد الاستعارة كما قدمنا.
فإذا حققت المذاهب في المكنية فسنبين لك المذاهب في قرينتها.
اعلم أن مذهب جمهور علماء البلاغة أن قرينة المكنية هي المسماة الاستعارة التخييلية، وهي إسناد اللازم المرموز به للمشبه به المحذوف إلى المشبه، والتخييلية عندهم في الحقيقة حقيقة لغوية، وإنما المجاز في إسناد لازم المشبه به إلى المشبه وهو ليس له، والإسناد المجازي ليس من أقسام الاستعارة؛ لأنه مجاز عقلي، وإنما سموه استعارة تخييلية على سبيل المجاز العرفي.
وعلى مذهب الجمهور فالمكنية والتخييلية متلازمتان لا توجد إحداهما بدون الأخرى، ووجه ملازمتهما عندهم ظاهر؛ لأن المشبه به المحذوف لابد أن يرمز له بشيءٍ من لوازمه، ويسند ذلك اللازم إلى
стр. 213
المشبه المذكور، فالمشبه به المحذوف المدلول عليه بلازمه هو المكنية، وإسناد ذلك اللازم إلى المشبه هو التخييلية، فالتلازم واضحٌ.
ولا يخفى أن الاستعارة لا تنفك عن قرينتها، لأنها جزء من حدها، إذ لابد في المجاز من قرينة كما لا تنفك قرينة الاستعارة عنها، وهذا هو المذهب المعول عليه، والخطيب موافق للجمهور فيه، فهو يوافقهم في التخييلية، ويخالفهم في المكنية.
ومذهب السكاكي في قرينة المكنية أنها تكون طورًا استعارة تحقيقية، وطورًا تخييلية، وطورًا حقيقة لغوية، فمثالها تحقيقية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [الرعد/ ٢٥]، وقوله: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود/ ٤٤]؛ لأنا قدمنا أن السكاكي يقسم الاستعارة إلى تحقيقية، وتخييلية، لأن المستعار له إما أن يكون موجودًا في الخارج أو العقل، أو معدومًا فيهما، فإن كان موجودًا في واحد منهما فهي التحقيقية، وإلا فالتخييلية، فالتحقيقية قسمان نظرًا إلى وجوده في الحِسِّ أو العقل.
فمثال التحقيقية التي التحقيق فيها عقلي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾؛ لأنها استعارة بالكناية، وقرينتها استعارة تحقيقية؛ لوجود المستعار له فيها عقلًا.
وإيضاحه: أن المراد تشبيه العهد بالحبل، والجامع إثبات الوصلة بين أمرين، فحذف الحبل الذي هو المشبه به، وذكر العهد الذي هو المشبه، ورمز للحبل المحذوف بشيء من لوازمه وهو النقض، أي
стр. 214
تفريق طاقات الحبل وتفكيكها. فالنقض الذي هو قرينة المكنية ليس باستعارة تخييلية، بل فيها استعارة تحقيقية تصريحية تبعية.
وإيضاح ذلك: أنه لما شبه بالحبل شبه إبطال العهد بتفكيك طاقات الحبل، فجرت في ملائم المشبه وملائم المشبه به تبعًا لما يلائمه كل منهما.
ففي الكلام استعارتان: إحداهما مكنية، والأخرى تصريحية تحقيقية.
وبيانه: أنه شبه العهد بالحبل، فاستعمل فيه على مذهب السكاكي بادعاء أنه هو بدليل إضافة النقض إليه، وعند الجمهور أنه حذف المشبه به الذي هو الحبل، وأثبت لازمه المرموز له به الذي هو النقض للمشبه المذكور الذي هو العهد، على سبيل الاستعارة المكنية، ثم شبَّه إبطال العهد بتفكيك طاقات الحبل الذي هو النقض، وحذف المشبه الذي هو الإبطال، وصرح بالمشبه به الذي هو النقض، فصارت استعارة تصريحية، والمشبه الذي هو الإبطال موجود عقلًا، فصارت تحقيقية، وتحقيقها عقلي.
ومثال إتيان قرينة المكنية استعارةً تحقيقيةً وتحقيقُها حسيٌّ قوله تعالى: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾؛ لأنه شبه الماء بالغذاء، وحذف المشبه به الذي هو الغذاء، وذكر المشبه الذي هو الماء، ورمز للغذاء المحذوف بلازمه الذي هو البلع. وعند السكاكي: أن الماء مستعمل في الغذاء بادعاء أنه هو، والقرينة نسبة البلع إليه، والبلع مستعار للغَوْر؛ لأنه شبه غور الماء في الأرض ببلع الغذاء، والجامع الغيبوبة
стр. 215
الحاصلة لكل منهما، فحذف المشبه الذي هو غور الماء، وأثبت المشبه به الذي هو البلع، فجاءت تصريحية تحقيقية، والتحقيق فيها حسي؛ لأن المستعار له الذي هو غور الماء في الأرض محسوسٌ، واشتق الفعل الذي هو "ابلعي" من البلع، فجاءت الاستعارة تبعية، فقرينة هذه المكنية استعارة تحقيقية تصريحية تبعية.
ومثال إتيان قرينة المكنية استعارة تخييلية قول لبيد:
وغداة ريحٍ قد كشفتُ وقِرَّة ... إذْ أصبحت بيد الشَّمال زمامها
أراد تشبيه "الشَّمال" بالفتح -وهي ريح مشهورة- في قوة تأثيرها في الغداة بالتبريد بالشخص المالك، والجامع قوة تأثير كل من حال إلى حال، فحذف المشبه به الذي هو الشخص المالك، ورمز له بشيء من لوازمه وهو اليد التي يتناول بها التصرف، وأثبت المشبه الذي هو الشمال؛ فجاءت استعارة مكنية.
وعلى مذهب السكاكي: أراد تشبيه الشمال بالشخص المالك مدعيًا أنها هو لا شيء آخر بدليل إضافة يده إليها، وفي ذكر اليد عنده استعارة تصريحية تخييلية؛ لأنه أراد تشبيه شيء توهمه وتخيله لريح الشمال بيد الشخص المتصرف، فحذف ذلك الشيء المتوهم المتخيل الذي هو المشبه، وصرح بالمشبه به الذي هو اليد، فجاءت استعارة تصريحية، والمشبه لا وجود له في الحس ولا في العقل، فكانت استعارة تخييلية، فقرينة هذه المكنية استعارة تصريحية تخييلية.
ومثال إتيان قرينة المكنية حقيقة لغوية عند السكاكي قولك:
стр. 216
"أنبت الربيع البقل" إذ المراد عنده تشبيه الربيع بالفاعل المختار بادعاء أنه عينه لقرينة نسبة الإنبات إليه على سبيل الاستعارة المكنية. والإنبات الذي هو قرينة هذه المكنية حقيقة لغوية.
فإذا حققت أن مذهب سلف البيانيين وجمهورهم في قرينة المكنية أنها الاستعارة التخييلية التي هي في نفس الأمر حقيقةٌ لغويةٌ مجازٌ عقليٌّ، وسميت استعارة تخييلية على سبيل المجاز العرفي، وحققت أن مذهب السكاكي في قرينة المكنية أنها تارة تكون تحقيقية مصرحة، وتارة تكون تخيليية مصرحة، وتارة تكون حقيقة لغوية، وحققت أن المكنية والتخييلية متلازمتان عند الجمهور والخطيب وأنهما ليستا بمتلازمتين عند السكاكي كما بينا = فاعلم أن السعد التفتازاني اختار ما ذكره الزمخشري: من أن ملازمة المكنية والتخييلية أمر غالب لا لازم، لجواز أن تكون قرينتها تحقيقية، كما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾؛ لأن فيه عنده استعارة مكنية، وقرينتها استعارة تحقيقية مصرحة تبعية؛ لأن المراد تشبيه العهد بالحبل، فحذف الحبل الذي هو المشبه به، ورمز له بلازمه الذي هو النقض، أي تفكيك طاقاته، وأضيف إلى العهد الذي هو المشبه المذكور، فالحبل المحذوف المدلول عليه بلازمه الذي هو تفكيك طاقاته المعبر عنه بالنقض استعارةٌ بالكناية، والنقض المذكور شبه به إبطال العهد، فحذف المشبه الذي هو الإبطال، وصرح بالمشبه به الذي هو النقض، فكانت استعارة مصرحة، ثم اشتق من النقض الفعل الذي هو ينقضون، فكانت تبعية، فقرينة هذه المكنية استعارة تحقيقية مصرحة تبعية، فظهر عدم ملازمتها للتخييلية كما اختاره السعد.
стр. 217
وحاصل مذهب الزمخشري: أنه إن شاع استعمال ملائم للمشبه به في ملائم المشمه فقرينة المكنية استعارة مصرحة، سواء كان ملائم المشبه الذي استعمل فيه ملائم المشبه له له وجود في الحس، أو العقل، أو لا وجود له في واحد منها، وأما إذا لم يشع استعماله فيه فلا تكون عنده استعارة مصرحة، بل حقيقة لغوية. والإسناد المجازي كمذهب الجمهور، سواء كان للمشبه ملائم يشبه ملائم المشبه به موجودًا في الحس، أو العقل، أو لا.
وهذا المذهب هو الذي اقتصر عليه المحقق السمرقندي، إلا أنه اعتبر وجود ملائم للمشبه يشبه ملائم المشبه به وإن لم يشع استعماله فيه، والزمخشري يعتبره لكثرته في كلام العرب، كقول لبيد:
وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذْ أصبحت بيد الشمال زمامها
وكقول الآخر:
ويد الشَّمال عشية مذ أرعشت ... دلت على ضعف النسيم بخطها
كتبت سقيمًا في صحيفة جدول ... فيه الغمامة صححته بنقطها
وكقول الآخر:
قد جلسنا بروضةٍ غناء ... نجتلي بيننا كؤوس الهناء
روضة تحتها الجداول تجري ... تحت سوق الغصون كالرقطاء
صقلتها يد النسيم فلاحت ... فيه أزهارها كنجم سماء
وبها الورد لاح مثل خدودٍ ... كسيت باحمرار صُنع (١) الحياء
стр. 218
ومحل الشاهد من هذه الأبيات، قوله: "صقلتها يد النسيم".
وينفرد مذهب السمرقندي فيما إذا وجد للمشبه ملائم المشبه به المستعمل فيه ولم يشع استعماله فيه، كقول ابن شماخ:
نوائب غالتني فأبدت فضائلي ... فكانت وكنت النار والعنبر الوردا
فلولا علاه عشت دهري كله ... وكيس كلامي لا أحل له عقدا
فإنه أراد تشبيه الكلام بالنقد بجامع أن كلا محل للمفاخرة والتزين، فحذف المشبه به الذي هو النقد، ورمز له بلازمه الذي هو الكيس على سبيل الاستعارة المكنية، وأثبت المشبه الذي هو الكلام وأضاف إليه ملائم المشبه المحذوف الذي هو الكيس الملائم للنقد، فكما أن المشبه به الذي هو النقد يلائم الكيس لدخوله فيه وخروجه منه، فكذلك المشبه الذي هو الكلام له ملائم يشبه الكيس وهو الروية والذهن لكون الكلام خارجًا عنها، فهما له كالكيس للنقد، والروية: التفكر في الأمر، والذهن: الاستعداد التام لإدراك العلوم بالفكر، ويطلق على القوة المعدة لاكتساب العلوم، والفكر حركة النفس في المعقولات، وأما حركتها في المحسوسات فتخيل.
فقرينة هذه المكنية في قوله: "وكيس كلامي" عند السمرقندي استعارة تحقيقية لوجود المستعار له فيها عقلًا، وإن لم يشع استعمال ملائم المشبه به فيه، فهي تحقيقية مصرحة أصلية عند السمرقندي، وأما عند صاحب "الكشاف" فليست استعارة لعدم شيوع استعمال الكيس في الروية والذهن، فهي عنده حقيقةٌ لغويةٌ مجازٌ عقليٌّ كمذهب
стр. 219
الجمهور.
وأما إن كان ملائم المشبه الذي استعمل فيه ملائم المشبه به ليس له وجود في الحس، ولا في العقل، ولم يشع استعماله فيه، فليس باستعارة باتفاق السمرقندي والزمخشري، لأن السمرقندي يعتبر الوجود وهو غير موجود، والزمخشري يعتبر شيوع الاستعمال، وهو ليس بشائع استعماله فيه، وذلك كقول علي بن الخنائي في رسالته القلمية: "يعجز عن بيان غرره بنان الأفهام، ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام" أراد تشبيه الأفهام بشخص كاتب، بجامع أن كلًّا سبب للإبانة والإيضاح، فحذف المشبه به الذي هو الكاتب، ورمز له بملائمه الذي هو البنان على سبيل الاستعارة المكنية، وأضاف البنان إلى المشبه الذي هو الأفهام، ولم يشع استعمال البنان الذي هو ملائم المشبه به في ملائم المشبه الذي هو الأفهام، مع كون الأفهام لم يوجد لها ملائم يشبه البنان.
فإذا حققت مما ذكرنا مذاهب البيانيين في المكنية ومذاهبهم في قرينتها، وأن المكنية والتخييلية متلازمتان عند سلف البيانيين وجمهورهم، وأن السعد التفتازاني اختار ما ذهب إليه الزمخشري من كون الملازمة بين التخييلية والمكنية أغلبية لا دائمة = فاعلم أن السكاكي عنه في ملازمة المكنية والتخييلية مذهبان:
أحدهما: أن التخييلية توجد دون المكنية، والمكنية لا توجد دون التخييلية.
والثاني: أن كلًّا منهما توجد دون الأخرى.
стр. 220
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه وغفر له: التحقيق الذي يتلقاه الذهن السليم بالقبول هو أن التخييلية توجد دون المكنية، والمكنية توجد دون التخييلية، ويجتمعان معًا، وإنما ذكرت أن هذا هو التحقيق لكثرة الشاهد له في كلام البلغاء.
فمثال إتيان التخييلية دون المكنية قول أبي تمام:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صبٌّ قد استعذبت ماء بكائي
فإنه توهم للملام شيئًا يمازج الروح شبيهًا بالماء، وأطلق اسمه عليه استعارة تخييلية، ولا مكنية معها.
وكقول أبي الطيب المتنبي:
وقد ذقت حلواء البنين على الصبا ... فلا تحسبنِّي قلت ما قلت عن جهل
فإنه تخيل للبنين لذاذة تشبه الحلواء، وأطلق اسمها عليها استعارة تخييلية، ولا مكنية معها.
وكقول أشجع السلمي:
للَّه سيفٌ في يدي نصرِ ... في حده ماء الردى يجري
وقول البحتري:
أما مسامعنا الظماء فإنها ... تروى بماء كلامك الرقراق
وقول التهامي:
أذهبت رونق ماء النصح والعذل ... فاذهب فلست بمعصوم من الزلل
стр. 221
وقول مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه وغفر له في أبياته التي بيَّن فيها أن مقاصد الشعراء ليست له بمقاصد:
قد صد بي حلم الأكابر عن لمى ... شفة الفتاة الطفلة المغناج
ماء الشبيبة زارع في صدرها ... رمانتي روض كحق العاج
فالماء في جميع هذه الأمثلة مستعار لأمر وهمي على سبيل الاستعارة التخييلية المصرحة، ولا مكنية معها.
ومثال إتيان المكنية دون التخييلية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ لأن قرينة المكنية فيها تحقيقية لا تخييلية، كما قدمنا عن السمرقندي والزمخشري واختيار السعد التفتازاني.
ومثال اجتماعهما بيت لبيد المتقدم.
فهذا الذي مثلنا له من اجتماعهما، وانفراد كل منهما عن الأخرى هو اختيار مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه وغفر له وعامله بلطفه الجميل، بناءً على اختياره مذهب السكاكي في أن قسيم التخييلية هو التحقيقية، لأنك تقول: المستعار له إما أن يكن له وجودٌ في الحس أو العقل، أو لا، فإن كان له وجود في أحدهما فالتحقيقية، وإلا فالتخييلية كما قدمنا، وأما جعل التخييلية قسيمًا للمصرحة والمكنية فلا يصح ولا يعقل إلا بحسب تبعها للمكنية عندهم، كما بيناه فيما مر.
تنبيه: قد أكثرنا في هذا الدرس البياني من ذكر الاستدلال على الأسد المحذوف في بيت أبي ذؤيب الهذلي المتقدم بلازمه الذي هو أظفاره، ولمعترض أن يقول: كيف تستدلون بذكر الأظفار على
стр. 222
خصوص الأسد مع أن أهل اللغة لم يخصوا الأظفار بالأسد، فالأظفار تنسب لغير الأسد حقيقةً ومجازًا، فالحقيقة كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام/ ١٤٦]، والمجاز كقوله:
وذي رحم قلمت أظفار جهله ... بحلمي عنه حين ليس له حلم
وكقول حسان ﵁:
نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
فإنه استعار "الأظفار" في البيت الأول لما يحمل عليه الجهل من سوء المعاشرة بجامع الإيذاء، واستعار "الأظفار" في البيت الثاني لما ينشأ عن آلات الحرب من جرح أو موت بجامع الإيذاء أيضًا.
والجواب عن الاعتراض المذكور كما أورده بعض المحققين: أن الغالب استعمال الأظفار لخصوص الأسد، وغلبة استعمالها في خصوصه كافية، فاندفع الاعتراض المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
فقد بيَّنا بغاية الإيضاح كيفية انقسام الاستعارة إلى مصرحة ومكنية، وبيَّنا المذاهب في المكنية، والمذاهب في قرينتها، وبيَّنا التخييلية عند الجمهور، وأن عدهم لها قسيمًا للمصرحة والمكنية إنما هو بحسب ملازمتها عندهم مع المكنية، وبينا كيفية انقسام الاستعارة عند السكاكي بحسب وجود المستعار له حسًّا أو عقلًا وعدمه فيهما إلى تحقيقية وتخييلية، وبينا الكلام في ملازمة المكنية والتخييلية وعدمها، وحققنا المقام في ذلك بما لا مزيد عليه.
والآن نتكلم عن انقسام الاستعارة باعتبارات أخرى.
стр. 223
اعلم أن الاستعارة باعتبار الإتيان فيها بما يلائم المشبه به أو المشبه وعدم الإتيان بما يلائم واحدًا منهما تنقسم قسمة ثلاثية إلى: مرشحة، ومجردة، ومطلقة.
وإيضاحه: أنه إذا ذكر فيها ملائم المشبه به فهي مرشحة، كما لو استعرت أسدًا لرجل شجاع، وذكرت أن ذلك الأسد له لبدة وأن أظافره لم تقلم، لأن اللبدة والأظافر من ملائم المشبه به الذي هو الأسد دون الرجل الشجاع الذي هو المشبه.
وإن ذكر فيها ملائم المشبه فهي المجردة، كما لو استعرت أسدًا لرجل شجاع، وذكرت أن ذلك الرجل الشجاع شاكي السلاح؛ لأن السلاح من ملائم المشبه الذي هو الرجل الشجاع دون المشبه به الذي هو الأسد.
وأما إذا لم يذكر فيها ما يلائم واحدًا منهما فهي المطلقة.
وأبلغ هذه الأقسام الثلاثة المرشحة، ثم المطلقة، وأدناها المجردة.
ووجه كون المرشحة أبلغها، والمجردة أقلها بلاغة: أنك إذا أردت تشبيه رجلٍ شجاعٍ بأسد مثلًا، واستعرته له وجعلت ذلك الأسد المستعار للرجل الشجاع متناهيًا في القوة والشجاعة لذكرك ما يدل على ذلك من اللبدة وقوة الأظفار بعد التقليم، كان ذلك أدل على شجاعة ذلك الرجل وكمالها مما لو شبهته بمطلق أسد.
وإذا أردت في المجردة أن تشبه رجلًا بأسد فاستعرته له وذكرت أن
стр. 224
ذلك الرجل شاكي السلاح كامل الأدوات، وأن الأسد المستعار له مطلق أسد، فلا مبالغة في هذه الاستعارة؛ لأن الرجل الضعيف إذا كان كامل السلاح وأدوات القتال قد يغلب الرجل القوي الذي ليس كذلك، وإنما الفضيلة في ذلك السلاح لا لنفس الرجل الضعيف.
فظهرت أبلغية المرشحة، وعدم بلاغة المجردة، وتوسط المطلقة بينهما.
واعلم أن الترشيح والتجريد المذكورين لا يعتبر واحد منهما إلا بعد كمال الاستعارة بوجود قرينتها.
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه وغفر له: هذا التقسيم الذي ذكره علماء البلاغة في انقسام الاستعارة إلى مرشحة، ومطلقة، ومجردة، يَرِدُ عليه إشكالٌ بعدم كمال الأقسام لوجود قسم رابع بالتقسيم الصحيح، لأنك تقول باعتبار هذا التقسيم: لا يخلو المقام من واحدة من أربع: إما أن يذكر ملائم للمشبه به فقط، أو ملائم للمشبه فقط، وإما أن لا يذكر ملائم لواحد منهما، وإما أن يذكر لكل واحد منهما ملائم، كما في قول زهير:
لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذَّفٍ ... له لِبَدٌ أظفاره لم تُقَلَّمِ
فإن قوله: "شاكي السلاح" من ملائم المشبه الذي هو الرجل الشجاع، وقوله "له لبد أظفاره لم تقلم" من ملائم المشبه به الذي هو الأسد.
فهذا القسم الأخير موجود بالتقسيم الصحيح، فكيف يقسمونها
стр. 225
بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام، والأقسام الموجودة أربعة؟
وأجاب بعض المحققين عن هذا الإشكال بأن هذا القسم الرابع مندرج لا محالة في بعض الأقسام الثلاثة، وبيانه: أنه إذا ذكر ملائم للمشبه به وملائم للمشبه معًا لا يخلو المقام من واحدةٍ من ثلاث: إما أن يكون ملائم المشبه به أقوى وأكثر من ملائم المشبه، وإما عكس ذلك، وإما أن يستويا، فإن كانت القوة والغلبة لملائم المشبه به فهي مرشحة، وإن كانت لملائم المشبه فهي مجردة، وإن استويا واعتدلا تساقطا فكأنهما لم يذكرا فتكون مطلقة، فرجع القسم الرابع إلى أحد الأقسام الثلاثة التي ذكرها البيانيون، فارتفع الإشكال.
وتنقسم الاستعارة باعتبارٍ آخر إلى أصلية وتبعية، وضابط ذلك أن المستعار منه الذي هو المشبه به إن كان اسم جنس جامدًا ولو بالتأويل، أو كان مصدرًا، فالاستعارة أصلية، وأما إن كان المستعار منه فعلًا أو اسمًا مشتقًا كاسم الفاعل واسم المفعول، أو كانت في معنى حرفٍ، فهي تبعية.
فمثال الاستعارة الأصلية التي المستعار منه فيها اسم جنس جامد قولك: "رأيت أسدًا يرمي"، فالمستعار منه الذي هو الأسد اسم جنس جامد، فاستعارته للرجل الشجاع أصلية؛ لأنها لم تجر في شيء قبله بالأصالة ثم فيه بالتبع، كما ستعرفه من مثال التبعية إن شاء اللَّه.
ومثال الأصلية التي المستعار منه فيها اسم جنس بالتأويل قولك: "رأيت حاتمًا" تعني رجلًا جوادًا؛ لأن المستعار منه الذي هو حاتم أصله علم شخص موضوع لشخص بعينه، فمسماه لا أفراد له أصلًا
стр. 226
حتى يدعى أن المستعار له فرد منها، لكن هذا المعنى الجزئي الذي هو مسمى حاتم اشتهر بصفة الجود اشتهارًا تامًّا حتى صار كل من اشتهر بتلك الصفة يسمى باسمه؛ فصارت لفظة "حاتم" بهذا الاعتبار كأنها اسم جنس لكل جواد، فاستعارته لرجل آخر جواد استعارة أصلية؛ لأن المستعار منه فيها اسم جنس بالتأويل.
ومثال الاستعارة الأصلية التي المستعار منه فيها مصدر قولك: "عجبت من قتل زيد عمرًا"، تعني أنه ضربه ضربًا شديدًا، فالمستعار منه الذي هو القتل المستعار للضرب مصدر، فاستعارته للضرب أصلية، لأنها لم تجر في شيء قبل المصدر ثم فيه بالتبع، بل جرت في المصدر بالأصالة والاستقلال، كما سيتضح من مثال التبعية إن شاء اللَّه.
وأما مثال التبعية التي المستعار منه فيها فعل فكقولهم: "نطقت الحال بكذا" لأن المراد تشبيه دلالة الحال على الأمر بالنطق به، والجامع الإبانة والإيضاح، فحذف المشبه الذي هو الدلالة وصرح بالمشبه به الذي هو النطق فكانت مصرحة، ثم اشتق من النطق الذي هو المصدر الفعل الذي هو نطقت، فكانت الاستعارة تبعية، لجريانها في المصدر أولًا، ثم في الفعل بالتبع لجريانها في المصدر، ومعنى كونها تبعية أنها لا تجري في الفعل إلا بالتبع لجريانها في المصدر، ولذا كانت أصلية في المصدر.
وإيضاحه: أن معنى الفعل الذي هو "نطقت" مركب من أمرين: أحدهما: المصدر الذي هو الحدث. والثاني: الزمن. فلفظ "نطقت"
стр. 227
يدل بالمطابقة على نطق في زمن ماض، فمعنى الفعل مركبٌ من مصدر وزمن، والماهية المركبة يستحيل تعقلها حتى تتعقل أجزاؤها التي تركبت منها، فملاحظة النطق لازمة لزومًا عقليًا لإدراك معنى "نطقت"؛ لأن النطق جزء من مدلولها، والماهية المركبة لا تعقل إلا بالتبع لإدراك أجزائها التي تركبت منها، فقولك: "نطقت الحال" لابد فيه من ملاحظة معنى النطق أولًا، وأن دلالة الحال مشبهة به، وأنه مستعارٌ لها، ثم بواسطة الاشتقاق تلاحظ استعارة "نطقت الحال" لِـ"دَلَّتْ الحال" تبعًا لملاحظة استعارة النطق للدلالة.
فالمصدر الذي هو الفعل الحقيقي أصل للفعل الصناعي؛ لأنه مشتق منه على التحقيق، والفعل الحقيقي الذي هو الحدث أعني المصدر جزء من مدلول الفعل الصناعي الذي هو الفعل الماضي والمضارع، وجزؤه الآخر الزمن، والمقصود في التشبيه الذي هو الاستعارة المصدر لا الزمن، فلا نظر إلى الزمن في الاستعارة أصلًا، فلزم جريانها في المصدر بالأصالة، ثم في الفعل بالتبع له، ولا يخفى أن الفعل إذا حللته انحل إلى مصدر وزمن، فإذا كان الزمن لا التفات إليه أصلًا في الاستعارة، تعين قصد المصدر، فلزم جريانها فيه بالأصالة، ثم في الفعل بالتبع له.
واعلم أن ما ذكرنا من أن ماهية الفعل الصناعي مركبة من المصدر والزمن فقط، وأن النسبة إلى الفاعل المعين غير داخلة في مفهومه، بل الدال عليها جملة الكلام = هو مذهب الجمهور، فـ "نطق" عندهم تدل على نطق في زمن ماضٍ، ولا تدل على نسبة ذلك النطق لفاعل معين،
стр. 228
بل الذي يدل على ذلك جملة الكلام.
وأما على ما ذهب إليه السيد ومن وافقه من أن ماهية الفعل الصناعي مركبةٌ من ثلاثة أمور وهي: المصدر، والزمن، والنسبة. فوجه كون الاستعارة في الفعل تبعية أن معناه لمَّا اشتمل على النسبة غير المستقلة بالمفهومية كان تمام معنى الفعل غير مستقل، لأن المركب من المستقل وغيره غير مستقل، وغير المستقل لا يصلح للحكم عليه بالموصوفية، فاعتبرنا التشبيه والاستعارة أولًا في المصدر لاستقلاله بالمفهومية، ثم في الفعل بالتبع له.
ومثال الاستعارة التبعية التي المستعار منه فيها اسمٌ مشتق قولهم: "الحال ناطقة بكذا" فالمراد تشبيه دلالة الحال بالنطق، والجامع الإبانة والإيضاح، فحذف المشبه الذي هو الدلالة، وصرح بالمشبه به الذي هو النطق، فكانت مصرحة، ثم اشتق من النطق اسم الفاعل الذي هو ناطقة، فكانت تبعية لجريانها في المصدر أولًا، ثم في الاسم المشتق منه بالتبع له.
وإيضاحه: أن الاسم المشتق إذا حللته انحل إلى مصدر وذات، والمصدر أبدًا معين، والذات مبهمة، فاتضح أن المقصود الأهم الجدير بأن يعتبر فيه التشبيه الذي هو أصل الاستعارة المصدر؛ لتعيُّنه وكون الذات المتصفة به مبهمة.
فقولك: "ناطقة" معناه ذاتٌ متصفة بالنطق، فالنطق معين، والذات مبهمة، فالمقصود الأهم هو المعين لا المبهم، فلو كان المقصود عندهم بالتشبيه والاستعارة الذوات المتصفة بالمصادر
стр. 229
لذكروا الألفاظ الدالة على نفس الذوات مفرزة عما يقوم بها من الصفات التي هي المصادر، بأن يقولوا في "قائم": ذات لها قيام. وفي "ناطق": ذات لها نطق. مثلًا. فلما اشتقوا الأوصاف المشتملة على المصادر والذوات وأبهموا الذوات، والحال أن المصادر معينة، دلَّ على أن المقصود في أصل الاستعارة المصادر، فجرت فيها بالأصل، وفي الأسماء المشتقة منها بالتبع.
وأيضًا، فإن قوله: "ناطقة" مشتق من النطق، والمشتق لا يعقل إلا بعد تعقل المشتق منه. فلفظ "ناطقة" لا يفهم معناه إذًا إلا بعد تعقل معنى النطق، فهو تابع له في المفهومية، فكون الاستعارة فيه تبعية إذًا ظاهر، واللَّه تعالى أعلم.
ومعنى كون الاستعارة تبعية حالة جريانها في متعلق معنى الحرف هو ما ستراه إن شاء اللَّه.
اعلم أولًا أن المراد بمتعلق معنى الحرف هو ما يعبر به عنه عند تفسيره مثل قولنا: "مِنْ" معناها ابتداء الغاية نحو: سرت من البصرة إلى الكوفة، و"في" معناها الظرفية نحو: زيد في الدار، و"كي" معناها العلة والغرض نحو: جئتك كي تكرمني. وهكذا.
فهذه متعلقات معاني الحروف لا نفس معانيها، وإلا لكانت أسماء؛ لأن الكلمة إذا كان معناها مستقلًا بالمفهومية ملحوظًا لذاته ولم يكن رابطة بين أمرين، فإن اقترن بأحد الأزمنة الثلاثة فتلك الكلمة فعل، وإن لم يقترن بواحد منها فتلك الكلمة اسم مثل مطلق ابتداء، ومطلق ظرفية غرض، وإن كان المعنى غير مستقل بالمفهومية ملحوظًا
стр. 230
تبعًا لكونه رابطة بين أمرين كانت الكلمة الدالة على ذلك المعنى حرفًا، وذلك كابتداء السير من البصرة، وظرفية الماء في الكوز مثلًا، فإذا أفادت هذه الحروف المعاني الخاصة -كخصوص ابتداء السير من البصرة- استلزمت هذه المعاني العامة، كمطلق الابتداء اللازم لخصوص ابتداء السير من البصرة ضرورةً، لأن العام لازم للخاص عقلًا ضرورةً، إذ العام في الاصطلاح جزءٌ من ماهية الخاص، لأن العام قدر مشترك بين أفراده، وأفراده تتمايز فيما بينها بفصولها وخواصها، فالحيوان مثلًا جزءٌ من ماهية الإنسان والفرس مثلًا، لازمٌ لكل منهما، وجزء الإنسان الآخر الناطق، وجزء الفرس الآخر الصاهل، والحيوان قدر مشترك بينهما، فالماهية عندهم مركبة من جنسها الذي هو جزؤها الأعم منها ماصدقًا، ومن فصلها الذي هو جزؤها المساويها ماصدقًا، فالأعم لازم للأخص على كل حال ضرورة بلا عكس.
فإذا حققت ذلك فسنبين لك علة الاستعارة التبعية في متعلق معنى الحروف بمثالها، وذلك عندهم كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص/ ٨]، فإن آل فرعون التقطوا موسى لينفعهم ويكون لهم قرة عين، كما جاء في القرآن عن امرأة فرعون أنها قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص/ ٩]، ولم يلتقطوه لإرادتهم أن يكون لهم عدوًا وحزنًا، ولكن شبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب علته الغائية عليه، وعلة الشيء الغائية هي التي تحمل على تحصيله لتحصل بعده، وذلك كالانتفاع بموسى وقرة العين به واتخاذه ولدًا، فالتشبيه وقع بيت
стр. 231
ترتب عداوته وحزنه لهم على التقاطه، وبين ترتب انتفاعهم وقرة أعينهم به على الالتقاط.
فالمشبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط، والمشبه به ترتب الانتفاع وقرة العين على الالتقاط، والجامع مطلق الترتب في كل
منهما، ثم استعير ترتب الانتفاع وقرة العين الذي هو المشبه به على الالتقاط لترتب العداوة والحزن الذي هو المشبه على الالتقاط، واستعمل المشبه به الذي هو ترتب الانتفاع والمحبة على الالتقاط في المشبه الذي هو ترتب العداوة والحزن عليه بدليل لام التعليل، ثم استعمل في المشبة الذي هو ترتب العداوة والحزن على الالتقاط اللام الموضوعة للمشبه به الذي هو العلة الغائية أعني المحبة والانتفاع.
فجرت الاستعارة أولًا في الترتب المقصود لآل فرعون لترتب آخر حاصل بالفعل غير المقصود لهم، والعلاقة مطلق الترتب في الأمرين، ثم جرت في اللام بالتبع لذلك الترتب، وقد استفيد الأمران المذكوران من اللام، فهي في المثال المذكور موضوعة لترتب العلة الغائية على معلولها كترتب المحبة والانتفاع على الالتقاط، ولكنها مستعملة في غير ما وضعت له وهو ترتب العداوة والحزن على الالتقاط، لأن العداوة والحزن ليس علة التقاطهم له، بل العلة نقيض ذلك.
فهذه اللام الموضوعة لترتب العلة الغائية على معلولها المستعملة في ترتب آخر غير ذلك بمثابة الأسد الموضوع للحيوان المفترس المستعمل في الرجل الشجاع على سبيل الاستعارة المصرحة في كل منها، إلا أنها في الأسد أصلية لأنه اسم جنس جامد، وفي اللام تبعية
стр. 232
لأنها في متعلق معنى حرف.
وهذا الذي قررنا به معنى التبعية في متعلق معنى الحرف هو أحسن التقريرات، واعتراض بعض المحققين عليه كابن يعقوب المغربي في كتابه "مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح" بأن التبعية قسم من المصرحة، والمصرحة لابد أن يذكر فيها المشبه به، والتقرير المذكور لم يذكر فيه المشبه به الذي هو المحبة والانتفاع بموسى، وحينئذٍ لا تكون مصرحة، وإذا كانت غير مصرحة لم تكن تبعية = أشرنا للجواب عنه في التقرير المذكور بأن المشبه به الذي هو ترتب العلة الغائية على معلولها كترتب الانتفاع على الالتقاط، هو مدلول لام التعليل واللام المذكورة، فبذكر اللام الموضوعة للعلة الغائية يظهر التصريح بترتب العلة على معلولها، فقد أفادت هذه اللام الأمرين -أعني الأصلي والتابع معًا- لأن متعلق معنى اللام هو الترتب المذكور، فجرت الاستعارة بين الترتيبين بالأصالة، وفي اللام بالتبع لذلك.
واختار بعض المحققين كون الاستعارة في المثال المذكور من الاستعارة بالكناية، بناء على أنها واقعة بين العداوة والحزن مع المحبة والانتفاع.
وكونها مكنية بهذا الاعتبار ظاهرٌ؛ لأنه إذا أريد تشبيه العداوة والحزن بالمحبة والانتفاع بجامع ترتب كل منهما على الالتقاط، فترتب العداوة والحزن عليه في نفس الأمر واقع لا محالة، وترتب المحبة والانتفاع عليه واقع بحسب رجاء آل فرعون وأملهم، ثم حذف المشبه به الذي هو الانتفاع والمحبة، ورمز له بلازمه الذي هو اللام،
стр. 233
وأدخلت على المشبه المصرح به الذي هو العداوة والحزن، فالكناية على هذا ظاهرة، واللَّه تعالى أعلم.
واعلم أن مدار قرينة الاستعارة التبعية في الأفعال والأسماء المشتقة على نسبتها إلى الفاعل أو المفعول أو المجرور.
فمثال كون قرينتها نسبتها إلى الفاعل قولك: "نطقت الحال" و"الحال ناطقة"، فنسبة النطق إلى فاعله الذي هو الحال قرينة الاستعارة التبعية؛ لأن الحال لا تنطق حقيقة.
ومثال كون قرينتها نسبتها إلى المفعول قول ابن المعتز:
جُمِعَ الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السماحا
فإن وقوع القتل على البخل والإحياء على السماح قرينة الاستعارة التبعية، لأن البخل لا يُقْتَلُ حقيقة لكونه معنى من المعاني، وكذلك السماح لا يحيا حقيقة لأنه معنًى أيضا، فاستعار "قتل البخل" لإزالته، بجامع اقتضاء كل منهما إعدامًا فيما تعلق به بحيث لا يظهر ذلك المتعلق، واستعار "إحياء السماح" لإكثاره، بجامع ما في كل منهما من ظهور متعلقه وانتشار آثاره، ثم اشتق الفعلين من المصدرين على سبيل الاستعارة التبعية، وقرينتها فيهما نسبة الفعل إلي مفعوله.
ومثال كون قرينتها النسبة إلى المفعول الثاني قول كعب بن زهير:
صَبَحْنا الخزرجية مرهفات ... أباد ذوي أرومتها ذووها
لأن قوله: "مرهفات" مفعول ثان لصبحن، ومفعوله الأول قوله:
стр. 234
"الخزرجية" ونسبته إلى المفعول الأول حقيقة؛ لأن معنى صبحنا: قدمنا لهم الصَّبوح، أي الشراب صبحًا، كما قال ابن كلثوم: "ألا هبي بصحنك فاصبحينا"، والخزرجية رجال من الخزرج، وتقديم الصبوح لهم ممكن حقيقة، وأما كون الصبوح المقدم لهم مرهفات أي سيوفًا قواطع، فهذا مما لا يمكن على الحقيقة، فكانت نسبة الفعل الذي هو "صَبَحْنا" بمعنى قدَّمنا الصبوح إلى مفعوله الثاني الذي هو "مرهفات" قرينة الاستعارة التبعية.
والحاصل أنه أراد تشبيه ضربهم لهم بالسيوف صبحًا بتقديمك الصبوح لهم، والجامع التضاد على سبيل الاستعارة التهكمية. فحذف المشبه الذي هو الضرب، وأثبت المشبه به الذي هو الصبح، أي تقديم الصبوح، فكانت مصرحة، ثم اشتق من المصدر الفعل وهو "صبحنا"، فكانت تبعية، ونسبة هذا الفعل إلى مفعوله الثاني الذي هو "مرهفات" قرينة هذه الاستعارة التبعية.
ومثل هذا البيت المذكور قول القطامي:
نَقْرِيهمُ لَهْذَميَّاتٍ نَقُدُّ بها ... ما كان خاط عليهم كلُّ زَرَّادِ
لأن معنى "نقريهم" نقدم لهم طعام الضيافة. و"اللهذميات" نسبة إلى اللهذم وهو القاطع من الأسنة، والمنسوب الى اللهذم هو الطعنات، أي نجعل قِراهم عند اللقاء الطعنات اللهذميات، ويحتمل أن يراد باللهذميات نفس الأسنة، وتكون ياء النسبة زائدة للمبالغة، كما يقول: "رجل أحمري" أي شديد الحمرة، و"الزراد": ناسج الدرع.
стр. 235
فالمراد تشبيه تقديم الطعنات أو الأسنة عند اللقاء بالقرى، وهو تقديم الطعام للضيف، بجامع التضاد على سبيل الاستعارة التهكمية، واستعير اسم "القِرَى" لتقديم الطعنات أو الأسنة، واشتق من "القرى" "نقريهم" بمعنى نقدم لهم الطعنات أو الأسنة على طريق الاستعارة التبعية، وقرينتها نسبة الفعل الذي هو "نقريهم" إلى مفعوله الثاني الذي هو "لهذميات".
ومثال كون قرينة الاستعارة التبعية نسبة الفعل إلى المفعولين معًا قول الحريري:
وأقرى المسامع إما نطقت ... بيانًا يقود الحَرُونَ الشَّموسا
لأن وقوع "القرى" على كل من المسامع والبيان لا يصح على الحقيقة، فهو قرينة على المجاز الذي هو الاستعارة التبعية هنا، ووجه الاستعارة فيه واضح من الأمثلة التي ذكرنا.
فهذه الأمثلة الثلاثة الأخيرة حكمها في كون القرينة في التبعية نسبتها إلى المفعول؛ لأنه إما أن يكون المفعول الأول أو الثاني أو هما معًا.
ومثال كون قرينتها تعليقها بالمجرور قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ [الانشقاق/ ٢٤]؛ لأن ذكر المجرور الذي هو العذاب يدل على أن البشارة ليست بمعنى الإخبار بما يسر؛ إذ لا سرور ولا بشارة في العذاب، فعلم أن المراد استعارة الإخبار بما يسر للإخبار بما يحزن، والجامع التضاد على سبيل الاستعارة التهكمية، كما يأتي إيضاحه إن
стр. 236
شاء اللَّه في مبحث الاستعارة العنادية، واشتق الفعل الذي هو "فبشرهم" من المصدر، فكانت تبعية، وقرينتها تعلقها بالمجرور بعدها.
واعلم أن ما ذكرنا من كون مدار قرينة التبعية على نسبتها إلى الفاعل أو المفعول أو المجرور أمرٌ أغلبيٌّ، فلا ينافي أن تكون قرينتها غير ذلك، كما في قولك: "قتلت زيدًا"، بمعنى ضربته ضربًا شديدًا؛ لأن نسبة هذا القتل إلى فاعله ومفعوله حقيقة، فقرينة هذه التبعية ليست النسبة إلى الفاعل ولا المفعول ولا المجرور، فالمدار المذكور أغلبي لا لازم.
واعلم أن الشيخ يوسف السكاكي اختار رد الاستعارة التبعية إلى المكنية بجعل قرينة التبعية استعارة مكنية، وجعل نفس التبعية قرينة تلك المكنية.
وإيضاحه بمثاله: أنَّ "نطقت الحال" مثلًا عند القوم المراد به تشبيه الدلالة بالنطق، بجامع الإبانة والإيضاح، فحذف المشبه الذي هو الدلالة، وصرح بالمشبه به الذي هو النطق على سبيل الاستعارة المصرحة، ثم اشتق الفعل الذي هو "نطقت" من المصدر الذي هو "النطق" على سبيل الاستعارة التبعية، والحال المسندة إليها النطق هي قرينة هذه التبعية.
وأما اختيار السكاكي فهو أن لفظة "الحال" استعارة مكنية، لأن المراد عنده تشبيه الحال بإنسان ناطق، وأنها استعملت مرادًا بها إنسان ناطق بادعاء أنها هي هو لا شيء آخر، بدليل نسبة النطق إليها كما قدمنا
стр. 237
تحقيق مذهبه في المكنية، فالحال التي هي قرينة التبعية عند القوم استعارة مكنية عنده، و"نطقت" التي هي التبعية عند القوم هي قرينة المكنية عنده.
واختياره هذا مردود بأنه مؤدٍّ للقول بالاستعارة التبعية لا محالة، وإذا كان نفيه لها يلزمه فيه القول بها فلا وجه له.
وإيضاح ذلك: أنه صرح في "المفتاح" في المجاز العقلي بأن "نطقت" في "نطقت الحال بكذا" استعارة للأمر المقدر الوهمي كلفظ "الأظفار" في "أظفار المنية" المستعار للصورة الوهمية الشبيهة بالأظفار. فيكون "نطقت" استعارة في الفعل لا محالة، لضرورة كونها مجازًا علاقته المشابهة، والاستعارة في الفعل لا تكون إلا تبعية عنده وعند القوم، فلزم السكاكي القول بالتبعية، فاختياره ردَّها مع اضطراره إلى القول بها لا وجه له، ولا فائدة فيه.
واعلم أن تحقيق وجه كون الاستعارة في الفعل لا تكون إلا تبعية هو أن الفعل لا تصح فيه الموصوفية اللازمة للتشبيه الذي هو مبنى الاستعارة، ونفي اللازم يقتضي نفي الملزوم.
وإيضاحه: أن الفعل وإن دل على الحدث الذي يصح أن يحكم به ويوصف به لا يصح أن يحكم عليه؛ لأن وصفه اعتبر فيه نسبته إلى الفاعل لا لذاتها، بل ليتوصل بها إلى حال الفاعل المخصوص، فلم يمكن الحكم عليه، كما أن الحرف لمَّا وضعه الواضع ليفيد معنى نسبيًا، نحو الابتداء في "مِنْ" مثلًا، ليتوصل به إلى حال متعلقه المخصوص كالكوفة والبصرة في ابتداء السير من إحداها = لا يصح
стр. 238
الحكم على مدلوله لقصده لغيره، وإنما يحكم على الابتداء عند قطعه عما اعتبر في الحرف، لأنه لازم للمقصود بالحرف لزوم الأعم للأخص كما قدمنا تحريره.
وهذا يقتضي أن نسبة الفعل إلى الفاعل لما كان القصد بها في أصل الوضع استيضاح حال الفاعل لم يصح الحكم عليها، وما لا يصح الحكم عليه لا تجري فيه الاستعارة المقتضية لصحة الحكم بوجه الشبه وهو كذلك، وكان القياس أن لا يصح الحكم بها أيضًا، ولكن صح الحكم باعتبار الحدث المقصود الدلالة عليه على وجه الاستقلال.
وأما قولهم: "زيد قام أبوه" فهو تأويل: قائم الأب، فلم يخبر في الحقيقة بالنسبة الفعلية، بل الموصوفية، فلا يتوهم أنه مما أخبر فيه بالنسبة فقط، إذ الحدث الذي هو القيام ليس لزيد بل لأبيه.
فقد تبين بهذا أن الحاجة لشيء آخر تجري فيه الاستعارة أولًا في الفعل والحرف إنما هي لعدم استقلالهما بالمفهومية حيث قصد الواضع معناهما لغيرهما كما تقدم تحقيقه، وذلك لأن عدم الاستقلال يستلزم عدم صحة الحكم، والاستعارة تستلزم صحة الحكم، فتنافيا.
وما قدمنا في بعض المباحث الماضية من أن الفعل ينحل إلى مصدر وزمن، وأن الزمن لا التفات إليه في الاستعارة، فيتعين قصد المصدر، فتجرى فيه الاستعارة بالأصالة، ثم في الفعل المشتق منه بالتبع له = أورد عليه بعض المحققين اعتراضا، وهو أنَّا نجد بعض الاستعارات مقصودًا فيها الزمن، كما في قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل/ ١] المستعار لسيأتي أمر اللَّه، بدليل قوله ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فالمراد
стр. 239
تشبيه الزمن المستقبل بالماضي، والجامع تحقق الوقوع في المستقبل كتحقق الفعل الذي مضى، لأن تعلق علم اللَّه بوقوعه لا محالة صيَّره كالواقع في زمن ماض، ثم استعير الزمن الماضي للمستقبل، فعبر عن الإتيان في المستقبل بالإتيان في الماضي، فجيء بصيغة الفعل الماضي الذي هو "أتى". فهذه استعارة قصد فيها الزمن.
والذي يظهر أن المقصود في هذه تشبيه زمن بزمن، ولا ملاحظة للمصدر فيها أصلًا؛ لأن المصدر الذي هو "الإتيان" مستعمل في معناه الحقيقي في كل من المشبه والمشبه به، فالإتيان في "أتى" التي هي المستعار منه، وفي "سيأتي" التي هي المستعار له مقصودٌ به معناه اللغوي حقيقة، فدل على أن الحدث الذي هو المصدر الذي هو المقصود الأهم من الفعل لم يلاحظ أصلًا في هذه الاستعارة، فيظهر بذلك سقوط الاعتراض المذكور؛ لأن الكلام السابق فيما يكون فيه المصدر داخلًا في مقصود المستعير بالاستعارة كالأمثلة الماضية، لا فيما يكون المصدر فيه أجنبيًا من مقصود المستعير بالاستعارة.
تنبيه: اعلم أن الاستعارة في اسم الآلة والمكان والزمان تبعية على التحقيق؛ لجريانها في المصدر أولًا، ثم في الأسماء المذكورة بالتبع له، للقطع بأنك إذا قلت: "هذا مقتل فلان" للموضع الذي ضرب فيه ضربًا شديدًا، أو للزمان الذي ضرب فيه ضربًا شديدًا، أو "هذا مرقد فلان" لقبره، أو "مضى مرقده" لوقت موته، أو "هذا مقتاله" للآلة التي ضرب بها ضربًا شديدًا = فالتشبيه الذي هو مبنى الاستعارة في ذلك إنما هو في المصدر أولًا، أعني الموت والرقاد والضرب الشديد
стр. 240
والقتل، ثم بالتبع لذلك جرى في اسم الآلة والزمان والمكان على سبيل الاستعارة التبعية.
فشُدَّ يدك على هذا التحرير؛ لأن مقتضى كلام كثيرٍ من البيانيين أن الاستعارة في أسماء الآلات والأمكنة والأزمنة أصلية. وهي تبعية قطعًا.
فإذا حققت ما ذكرنا من التقسيمات للاستعارات باعتبارات مختلفة، فاعلم أنها باعتبار تنافر المستعار منه والمستعار له، وعدم تنافرهما، تنقسم قسمة ثنائية إلى: وفاقية، وعنادية.
وبرهان الحصر فيهما أنك تقول: المستعار منه والمستعار له لابد لهما من أحد أمرين: إما أن يمكن اجتماعهما في شيء واحد، وإما أن لا يمكن اجتماعهما فيه. فإن أمكن اجتماعهما فيه فهي الوفاقية، وإن لم يكن اجتماعهما فيه فهي العنادية.
سميت الوفاقية وفاقيةً لاتفاق طرفيها في الوجود في محلٍّ واحدٍ، وسميت العنادية عناديةً لعناد طرفيها أي تنافرهما ومنافاتهما غاية المنافاة، بحيث يكون وجود كل واحد منهما يقتضي نفي الآخر.
فمثال الوفاقية قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام/ ١٢٢]، ففي قوله: "أحييناه" استعارة تحقيقية مصرحة تبعية، والمستعار منه فيها الإحياء، والمستعار له الهداية، والإِحياء والهداية يمكن اجتماعهما في ذاتٍ واحدةٍ بأن يحييها اللَّه ويهديها.
ومثال العنادية استعارة اسم المعدوم للموجود لعدم فائدته، فإن الموجود العديم الفائدة هو والمعدوم سواء، فينتقل لذلك الموجود
стр. 241
لفظ المعدوم لهذه المشابهة، ولاشك أن معنى الطرفين -أعني الموجود والمعدوم- لا يجتمعان في شيءٍ واحدٍ بأن يكون موجودًا معدومًا في آنٍ واحدٍ لأن العدم والوجود على طرفي النقيض.
ومن أمثلة العنادية عكس هذا المثال المذكور، وهو -أي عكس هذا المثال- أن يستعار اسم الموجود للمعدوم لوجود فائدته، وانتشار مآثره، فإن صاحب المآثر الباقية والأنفاع المستديمة ولو كان مفقودًا هو والموجود سواءٌ في وجود الآثار عنهما؛ إذ تحيي في الناس ذكره، وتديم فيهم اسمه، فتكون حياة ذكره كحياته، فإذا نقل لفظ الموجود وأطلق على المعدوم المفقود لوجود مآثره حتى كأنه حاضر تحصل عنه لكونه سببًا فيه = كانت استعارة لفظ الموجود لذلك المعدوم عنادية، لعدم إمكان اجتماع الوجود والعدم في شيءٍ واحدٍ في آنٍ واحد، كما تقدم في المثال الأول.
ومنها -أي العنادية- الاستعارة التهكمية، والاستعارة التمليحية.
فالتهكمية هي ما كان الغرض منها التهكم والهزء، والتمليحية هي ما كان الغرض منها إيراد القبيح بصورة شيء مليحٍ لأجل الظرافة والملاحة، ولا تختلف التهكمية والتمليحية إلا بهذا القصد الذي هو التهكم والهزء في التهكمية، والإتيان بالشيء الظريف المليح الذي يستظرفه الحاضرون، وأما في الصورة الاستعمالية فالتهكمية والتمليحية شيءٌ واحدٌ لا فرق بينهما، ويجمعهما حدٌّ واجد، فيحدان بأنهما الاستعارة المستعملة في ضد معناها الحقيقي أو نقيضه، بسبب تنزيل التضاد أو التناقض منزلة التناسب بواسطة تهكم أو تمليح.
стр. 242
فمثال التهكمية قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي أنذرهم. استعيرت البشارة التي هي الإخبار بما يسر للإنذار الذي هو ضد ذلك، بسبب إدخال الإنذار في جنس البشارة على سبيل التهكم والاستهزاء.
ومثال التمليحية قولك: "رأيت أسدًا" تعني رجلًا جبانًا على سبيل التمليح والظرافة.
وامتناع اجتماع البشارة والإنذار من جهةٍ واحدةٍ ظاهر. وكذلك الشجاعة والجبن. فظهر كون التهكمية والتمليحية عناديتين.
واعلم أن الاستعارة باعتبار الجامع وحده تنقسم تقسيمين مختلفين باعتبارين مختلفين، والقسمة في كل منهما ثنائية، وبيان التقسيمين المذكورين هو أن أحدهما: كون الجامع إما داخل في مفهوم الطرفين، وإما خارج عن مفهومهما. فهي باعتبار دخول الجامع في مفهوم طرفيها وخروجه عنه تنقسم إلى قسمين.
والثاني: أن الجامع تارة يكون ظاهرًا مبتذلًا لكل أحد، وتارة يكون خفيًّا لا يطلع عليه إلا الخواص، فالاستعارة بهذا الاعتبار تنقسم إلى عامية وهي المبتذلة، وإلى خاصية وهي الغريبة.
فإذا حققت وجه هذين التقسيمين فسنبين لك حقيقة كل واحد منهما.
اعلم أن الجامع في الاستعارة الذي هو وجه الشبه في التشبيه لابد أن يكون داخلًا في مفهوم الطرفين -أعني المستعار له والمستعار منه- أو غير داخل في مفهومهما، فهي بهذا الاعتبار قسمان.
стр. 243
ومثال الجامع الداخل في مفهوم الطرفين استعارة التقطيع لتفريق الجماعة، وإبعاد بعضهم عن بعض في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف/ ١٦٨] فإن القطع موضوع لإزالة الاتصال بين الأجسام التي بعضها ملتزق ببعض، فاستعير لتفريق الجماعة وإزالة بعضهم عن بعض، فالجامع بينهما إزالة الاجتماع التي هي داخلة في مفهومهما. وهي في القطع أشد.
وكاستعارة الخياطة للزرد -أي نسج الدرع- في قول القطامي:
لم تلق قومًا هم شر لإخوتهم ... منا عشية يجري بالدم الوادي
نقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد
استعار الخياطة للزرد الذي هو نسج الدرع، لأن الخياطة تضم خرق القميص والزرد يضم حلق الدرع؛ فالجامع بينهما الضم الذي هو داخل في مفهومهما.
وكاستعارة النثر لإسقاط المنهزمين وتفريقهم في قول أبي الطيب المتنبي:
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة ... كما نثرت فوق العروس الدراهم
لأن النثر أن يجمع أشياء في كف أووعاء يفعل بها فعلًا تتفرق معه دفعة من غير ترتيب ولا نظام، وقد استعاره لما يتضمن التفرق على الوجه المخصوص وهو ما اتفق من تساقط المنهزمين في الحرب دفعة من غير ترتيب ولا نظام، ونسبه إلى الممدوح لأنه سببه. فالتفرق المذكور داخل في مفهوم الطرفين.
стр. 244
واعلم أن وجه عدو لنا عن المثال المتعارف عندهم من استعارة الطيران للعدو بسرعة، كما في قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في الغازي: "كلما سمع هيعة طار إليها" أن في جعل ذلك الجامع داخلًا في مفهوم الطرفين نظرًا، والذي يظهر عند التأمل الصادق عدم دخوله في مفهومهما، كما نبه عليه بعض المحققين، ووجه عدم دخوله أن المستعار له العدو وهو السير بسرعة، والمستعار منه الطيران، والجامع قطع المسافة بسرعة، فنقول: قطع المسافة بسرعة ليس داخلًا في مفهوم الطيران؛ لأن الطيران هو قطع المسافة بالجناح، وليس من شرط إطلاق الطيران على ذي الجناح وجود السرعة، بل الطائر الذي يطير بغاية التمهل والتؤدة يطلق عليه الطيران، فالسرعة لازم أغلبي للطيران لا داخل في مفهومه، فلهذا عدلنا عن التمثيل به.
واعلم أن المراد بالدخول في مفهوم الطرفين كون الجامع أعم من كل واحدٍ منهما، بأن يكون قدرًا مشتركًا بينهما يجتمعان فيه، وينفرد كل واحد منهما بخصوصية يختص بها عن الآخر.
وإيضاح ذلك بحسب الأمثلة المتقدمة أن الجامع في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إزالة الاجتماع، وتلك الإزالة داخلة في مفهومهما، لأنها قدر مشترك بينهما أعم من كل واحد منهما، إذ مفهوم التقطيع إزالة الاجتماع بقيد كون الأشياء المجتمعة ملتزقة بعضها ببعض، ومفهوم تفريق الجماعة وإبعاد بعضها عن بعض إزالة الاجتماع بقيد كون الأشياء المجتمعة غير ملتزقة، فقد اشتركا في الجامع الذي هو إزالة الاجتماع، واختص التقطيع بقيد كون الأشياء المجتمعة ملتزقة، واختص تفريق الجماعة بقيد كونها غير ملتزقة، وكذلك الخياطة
стр. 245
والزرد يشتركان في كل واحد منهما ضم بعض أجزاء الشيء إلى بعضها، إلا أن الخياطة ضم مخصوص غير ضم الزرد، وكذلك الزرد ضم مخصوص غير ضم الخياطة، فاجتمعا في الضم، وانفرد كل منهما بخصوصية. وقس على هذا كل جامع داخل في مفهوم الطرفين.
تنبيه: اعلم أن قولهم: "إن الجامع يكون داخلًا في مفهوم الطرفين" يرد عليه إشكال منطقي؛ لأن الجامع لابد أن يكون أقوى في المستعار منه من الجامع في المستعار له، فالجامع أبدًا من المشككات، والمشكك في الاصطلاح هو الكلي الذي لم يتساو مدلوله في أفراده، بل اختلف فيها بالقوة والضعف مثلًا، كالنور فهو في الشمس أقوى منه في السراج، وكالبياض فهو في الثلج أقوى منه في العاج.
فإذا حققت أن الجامع لابد أن يكون مشككًا، لأنه لابد أن يكون أقوى في المستعار منه في المستعار له، فاعلم أن جزء الماهية الداخل في مفهومها قد تقرر عند أهل المنطق أنه لا يكون مشككًا أبدًا، بل لا يكون إلا متواطئًا، والمتواطئ في الاصطلاح هو الكلي الذي استوى مدلوله في أفراده.
فإذا عرفت بهذا أن الجامع لا يكون إلا مشككًا، وأن جزء الماهية الداخل في مفهومها لا يكون مشككًا، ظهر لك وجه الإشكال من جعلهم هذا المشكك داخلًا في مفهوم الماهية.
وأجاب بعض المحققين عن هذا الإشكال بما حاصله: أن عدم التفاوت إنما تقرر في الماهيات الحقيقية المركبة من الأجناس،
стр. 246
والفصول التي ظفروا بها خارجًا عن الحقائق النوعية الراجعة إلى حقائق الجواهر فقط، أو الأعراض فقط. والماهيات التي تفهم من اللفظ لا يجب أن تكون كذلك؛ لصحة وضع اللفظ المفهوم مركبًا من حقيقتين، كالجوهر والعرض، مثل "الأسود" فإنه موضوعٌ لمفهومٍ مركبٍ من الذات وصفة السواد، لأن الأسود ذات متصفة، فحيث صح تركيب الماهية المفهومة من اللفظ من حقيقتين جاز أن تكون إحدى الحقيقتين من قبيل المشكك؛ لأن المشكك لا يكون إلا في الحقائق المستقلة، وامتناعه إنما هو في الجزء الذي لا يستقل في الحقيقة، كجزء الناطقية والحيوانية في الإنسان، بخلاف الجزء المستقل بكونه حقيقة متقررة بنفسها خارجًا، فيصح فيه التشكيك بأن يكون أقوى في بعض أفراده من بعض، إذ لا يمتنع تفاوت الحقيقة التامة في أفرادها بالقوة والضعف، وإنما يمتنع تفاوت جزئها الذي لا يستقل، كالحيوان بالنسبة للإنسان، أو الناطق بالنسبة إليه.
ومثال الجامع غير الداخل في مفهوم الطرفين استعارة الأسد للرجل الشجاع، والشمس للوجه المتهلل، ونحو ذلك؛ لظهور أن الشجاعة عارضة للأسد لا داخلة في مفهومه، كما أنها عارضة للرجل الشجاع؛ لأن المشبه ذات الرجل المقيد بالشجاعة، والمشبه به الحيوان المفترس المقيد بها أيضًا، والقيد خارج عن المقيد. وكذا التهلل للشمس والوجه، فالجامع خارج عن الطرفين.
وبيان التقسيم الثاني باعتبار الجامع هو أن نقول: الجامع في الاستعارة لابد أن يكون ظاهرًا لكل أحد، أو خافيًا لا يدركه إلا
стр. 247
الخواص، فإن كان الجامع ظاهرًا لكل أحد فالاستعارة عامية وهي المبتذلة، لظهور الجامع فيها لعامة الناس، وابتذالها: أي امتهانها بتناول كل أحد لها، نحو: "رأيت أسدًا" لرجل شجاع، و"بحرًا" لرجل جواد. وإن كان الجامع خفيًا لا يظفر بإدراكه إلا من ارتفع عن طبقة العامة، فهي الاستعارة الخاصة وهي الغريبة.
واعلم أن الغرابة تكون بأمور:
منها: أنها قد تكون في نفس الشبه، لكون التشبيه فيه نوع غرابة، كما في تشبيه هيئة العنان في موقعه من قربوس السرج بهيئة الثوب في موقعه من ركبة المحتبي في قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسًا بأنه مؤدب:
عودته فيما أزور حبائبي ... إهماله وكذاك كل مخاطر
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر
والعلك: معناه المضغ. والشكيم: حديدة اللجام التي تدخل في فم الفرس. فمعنى "علك الشكيم": مضغ حديدة اللجام.
واعلم أن الغرابة قد تحصل في العامية المبتذلة بتصرف فيها من المتكلم حتى ينقلها بذلك التصرف من الابتذال إلى الغرابة، كما في قول كثير عزة:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المطايا رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
стр. 248
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطىِّ الأباطح
فالأباطح: جمع أبطح، وهو مسيل الماء في دقاق الحصى، استعار السيول الواقعة في الأباطح لسير الإبل سيرًا حثيثًا في غاية السرعة المشتملة على لين وسلاسة، والشبه فيها ظاهر عامي مبتذل، لكن قد تصرف فيه بما أفاد اللطف والغرابة، إذ أسند الفعل الذي هو "سالت" إلى "الأباطح" دون المطي وأعناقها على سبيل المجاز العقلي، فأفاد بإسناد الفعل إليها أنها امتلأت من الإبل، وأدخل الأعناق في السير؛ لأن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران غالبًا في الأعناق، وسائر الأجزاء تستند إليها في الحركة وتتبعها في الثقل والخفة.
ومثل بيت كثير هذا قول ابن المعتز:
سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير
أراد أنه مطاع في الحي، وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لخطب إلا أتوه وكثروا عليه، وازدحموا حواليه حتى يكونوا كالسيول تجيء من هاهنا ومن هاهنا، وتنصب من هذا المسيل، وذلك حتى يغص بها الوادي. وهذا شَبَهٌ معروفٌ ظاهرٌ مبتذلٌ، ولكن حسن تصرفه فيه أفاده اللطف والغرابة، وذلك أنه أسند سيلان الشعاب في المعنى إلى الأنصار أو جهتهم، فأفاد أن الشعاب امتلأت عليه من الرجال، وعدَّى الفعل الذي هو "سالت" إلى ضمير الممدوح بـ "على"، فأكد بذلك مقصوده من كونه مطاعًا في الحي.
стр. 249
وقد تحصل الغرابة بالجمع بين عدة استعارات لإلحاق الشكل بالشكل، كقول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل
أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له صلبًا يتمطى به، إذ كان كل صلب يطول عند التمطي، وبالغ بأن جعل له أعجازًا يردف بعضها بعضًا، ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهره والضغط لمكابده، فاستعار له كلكلًا ينوء به: يثقل به.
قال الشيخ عبد القاهر: لما جعل لليل صلبًا قد تمطى به، ثنَّى ذلك فجعل له أعجازًا قد أردف بها الصلب، وثلث فجعل له كلكلًا قد ناء به، فاستوفى له جملة أركان الشخص، ورعى ما يراه الناظر من سواده إذا نظر قدامه، وإذا نظر خلفه، وإذا رفع البصر ومده في عرض الجو.
وأمثلة الاستعارة الغريبة كثيرةٌ جدًّا غير ما ذكرنا، من ذلك قول طفيل الغنوي:
وجعلت كوري فوق ناجيةٍ ... يقتات شحمَ سنامها الرحلُ
وموضع اللطف والغرابة منه أنه استعار "الاقتيات" لإذهاب الرحل شحم السنام، مع أن الشحم مما يقتات.
وكقول ابن المعز:
حتى إذا ما عَرَفَ الصيدَ الضار ... وأَذِنَ الصبح لنا في الإبصار
لأنه لما كان تعذر الإبصار منعًا من الليل جعل إمكانه عند ظهور
стр. 250
الصبح إذنًا منه.
وسيأتي كثير من أمثلتها، أي الاستعارة الخاصية التي هي الغريبة.
فإذا حققت ما ذكرنا من التقسيمات، فاعلم أن الاستعارة تنقسم باعتبار الثلاثة -أعني الجامع والطرفين- إلى ستة أقسام، وبرهان الحصر: أن المستعار منه والمستعار له إما حسيان، أو عقليان، أو المستعار منه حسي والمستعار له عقلي، أو بالعكس، فتصير أربعة، والجامع في الثلاثة الأخيرة عقلي لا غير؛ لأن أحد الطرفين إن كان عقليًّا لابد أن يكون الجامع عقليًّا، وأحرى إن كان الطرفان معًا عقليين، لكنه في القسم الأول من الأقسام الأربعة: إما حسي، أو عقلي، أو مختلف، فتصير ستة، وهي: استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي، أو بوجه عقلي، أو بوجه بعضه حسي وبعضه عقلي، فهذه ثلاثة في استعارة المحسوس للمحسوس، والرابع: استعارة معقول لمعقول بوجه عقلي، والخامس: استعارة محسوسٍ لمعقولٍ بوجهٍ عقلي، والسادس: استعارة معقولٍ لمحسوسٍ بوجهٍ عقليٍّ.
أما استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي، فكقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه/ ٨٨] فإن المستعار منه ولد البقرة، والمستعارة له الحيوان الذي خلقه اللَّه تعالى من حلي القبط التي سبكتها نار السامري عند إلقائه في تلك الحلي التربةَ التي أخذها من موطئ فرس جبريل ﵊. والجامع الشكل؛ لأن ذلك الحيوان كان على شكل ولد البقرة، والجميع -مِن المستعار منه والمستعار له والجامع- حِسِّيٌّ أي مُدْرَكٌ بالبصر.