← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 292

رحلة الحج إلى بيت الله الحرام

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (322 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومنها: صغيرةٌ شريفةٌ ذات أب غائب غيبة بعيدة، زوَّجها ابن عمٍّ لها. هل ذلك العقد نافذٌ أم لا؟ فأجبناهم: بأن حاصل تحرير مذهب المالكية أن الصغيرة الغائب أبوها غيبة بعيدة يزوجها السلطان خاصة، لا وليها الأبعد. وقال ابن وهب: يزوجها وليها الأبعد، وفاقًا للحنابلة، مستدلين بأن السلطان وليُّ من لا ولي له، وهذه ذات ولي. ومنها: امرأة ادعت أنها شرَطَ لها زوجُها بطوعٍ منه والتزم بعد العقد أنه إن مكث عنها في سفره أكثر من شهرين فأمرها بيدها، إلا أن هذا الذي ادعت لم تكتب عليه وثيقة بخط عدلين، وإنما كتب لها شاهدٌ واحدٌ، فبعد غيبة الزوج ومكثه أكثر من الشهرين جاءت بالوثيقة التي فيها خط الشاهد الواحد على الشرط المذكور، فطلقها قاضي البلد بشهادته، واعتدت، ثم تزوجت، فقدم زوجها الأول، وأنكر الشرط المذكور أصلًا. ما الحكم في مذهب الإمام مالك ﵀؟ فأجبناهم: بأنها زوجة الأول، وحكم القاضي باطل؛ لأن موجب الفراق لابد فيه من شاهدين عدلين؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق/ ٢]، وقد قال خليل في "مختصره": "ولما ليس بمال ولا آيلٍ له عدلان". فالحكم دون الشاهد الثاني باطلٌ قولًا واحدًا، كما هو ظاهر؛ لقوله ﵌ الثابت في الصحيحين عن عائشة ﵂: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وقد قال خليل في "مختصره": "وفسد منهي عنه إلا لدليل" أي بطل، أي لا يعتد به.

стр. 72

وفي "مراقي السعود" في الكلام عن النهي: قد جاء في الصحيح للفساد ... إن لم يجي الدليل للسداد ثم أردنا التوجه من قرية "فاوة" إلى بلد "انيامى" وهو عاصمة النيجر الفرنساوية، فحملنا ابن عمِّنا الذي نحن في ضيافته الذي هو الزاوي المذكور في البريد الفرنساوي الذاهب إلى "انيامى" وسائقه ورفقته نصارى، فجاءنا المطر في ليلتنا الأولى فحبسنا حتى ما وصلنا "انيامى" إلا بعد ليلتين، ولما قدمنا إلى بلد "انيامى" في الضحى بعد الليلة الثانية، نزلنا عند تاجر اسمه الحاج الكيدي توره، وهو رجل كريم السجايا والطبائع، فيه نفع للمار به من عامة المسلمين جازاه اللَّه عنهم خيرًا، ففرح بقدومنا وأكرمنا غاية الإكرام، ورغب جدًّا في أن نقيم عنده شهر رمضان، وقد استهل ونحن عنده، ووعدنا بأنه يحملنا من كيسه في طائرة إلى جدة إن أقمنا معه مدة. فقلنا: لابد لنا من الجد في السير في الوقت الحاضر، فأهدى لنا وودعنا، وحملنا في البريد الفرنساوي إلى قرية "مرادي"، وأدركني في مدتي عنده رئيس أولاد "حمه" من قبيلة "مشومة" من قبائل شنقيط، وكان رفيقي إلى انتهاء رحلتي بالمدينة المنورة. وفي مدة إقامتنا عند الحاج الكيدي توره جاءنا رجلٌ من أهل العلم من قبيلة تسمى "الطلابه" اسمه محمد إبراهيم، وطلب منَّا أن نبين له معاني "سلم الأخضري" في فن المنطق بدرس شافٍ، فأجبته، وكان يكتب ما أملي عليه من إيضاح معانيه ليلًا ونهارًا خوفًا من معاجلة السفر قبل الإتمام حتى أتى على آخره، فجاء ذلك الإملاء شرحًا وافيًا، وعن

стр. 73

غيره كافيًا. والحمد للَّه رب العالمين. ثم سألنا عن تعيين ناسخ آية الوصية للوالدين والأقربين. قلت له: كان هذا مشكلًا عليَّ في زمن درسي فن أصول الفقه إشكالًا قويًا، ووجه إشكاله أنه لم يدَّع أحدٌ فيما وقفت عليه ناسخًا لهذه الآية الكريمة غير ثلاثة أمور: أحدها: أنها منسوخة بحديث "لا وصية لوارث". الثاني: أنها منسوخة بآيات الميراث. الثالث: أنها منسوخة بالإجماع. ووجه الإشكال أنَّ هذه الأمور الثلاثة لا يصح النسخ بواحدٍ منها حسب ما قرره علماء الأصول. أما حديث "لا وصية لوارث" فلم يكن متواترًا، والصحيح عند جمهور الأصوليين أن نسخ الكتاب بالسنة لا يصح إلا إذا كان متواترة. والشافعي يقول: لا ينسخ الكتاب بالسنة أصلًا، بل بكتاب عاضد لها كالعكس. قال في "مراقي السعود": والنسخ بالآحاد للكتاب ... ليس بواقع على صواب والتواتر يشترط عندهم في جميع طبقات السند، فلو تواتر في بعضها ولم يتواتر في بعضها فهو خبر آحاد. قال في "مراقي السعود": وأوجبن في طبقات السند ... تواترًا وفقًا لدى التعدد

стр. 74

فإذا كان حديث "لا وصية لوارث" ليس بمتواتر، ونسخ القرآن بغير المتواتر ليس بواقعٍ عند جمهور الأصولين، فادعاء نسخ الآية المذكورة بالحديث المذكور مشكل، وادعاء بعضهم إمكان تواتره قيل: لا تقوم به حجة؛ لاشتراط التواتر في جميع طبقات السند. وأما آيات المواريث فإنها لا تنافي الوصية حتى يكون ثبوتها رافعًا لها؛ لأن النسبة التي بين الوصية والميراث التباين الخلافي، والخلافان يصح اجتماعهما عقلًا، كالكلام والقعود، وشرعًا ككون الوالد يرث وبره واجب، والناسخ والمنسوخ لابد أن تكون بينهما مناقضة بحيث يكون ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر، كالنقيضين والضدين والمتضائفين والعدم والملكة، وإن كان الغالب كونهما نقيضين، أو ضدين فقط، وبالجملة فالميراث يجامع الوصية إذ ليس ثبوته يقتضي رفعها، وإذا كان ثبوت الأمر الجديد لا يقتضي رفع الأمر الأول، فكيف يعقل كونه ناسخًا له؟ وما أجاب به المحرر العبادي في حاشيته المسماه "الآيات البينات" من أن حديث "لا وصية لوارث" وإن كان خبر آحاد، فقد اعتضد بموافقة الإجماع له، للإجماع على نسخ آية الوصية للوالدين والأقربين، فصار بسبب اعتضاده بالإجماع كالمتواتر، فلذا صح نسخ الآية به = فهو جوابٌ ليس فيه عندي مَقْنَع؛ لأمرين: الأول: أن الإجماع الذي ذكر ليس ثابتًا، بل خالف فيه كثيرٌ من العلماء. والثاني -على تسليم الإجماع جدليًّا- هو: ما صححه الأصوليون -

стр. 75

من ثلاثة أقوال- من أن موافقة الإجماع لخبر الآحاد لا تصيره قطعيَّ المتن، وحاصل الأقوال عندهم في ذلك ثلاثة: الأول: ما ذكرنا. وهو الصحيح عند الجمهور. الثاني: أنه يصير قطعيًّا بسبب اعتضاده بالإجماع. الثالث: إذا صرح المجمعون بأن ذلك الخبر هو مستندهم في إجماعهم أفاد القطع؛ لعصمة إجماع الأمة، وإلا فلا. قلت: وهذا القول الأخير وجيهٌ جدًّا، وإن صححوا غيره، وإلى هذا الخلاف أشار في "مراقي السعود" بقوله: ولا يفيد القطع ما يوافق ... الاجماع والبعض بقطع ينطق وبعضهم يفيد حيث عولا ... عليه. . . . . . . . . . . . فإذا كان الصحيح عندهم أن موافقة الإجماع لخبر الآحاد لا تصيره قطعيًا، والعبادي ممن يسلم ذلك، ظهر سقوط جوابه. وأما الإجماع فلا يصح النسخ به شرعًا؛ لأنه لا ينعقد إلا بعد وفاته صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وبعدها يستحيل النسخ لانقطاع التشريع. والذي يظهر أن حلَّ هذا الإشكال يتعين فيه وجهٌ واحدٌ، وهو أن الناسخ لآية الوصية للوالدين والأقربين هو آيات الميراث، وحديث "لا وصية لوارث" بيان للناسخ، وبضميمة هذا البيان يكون الميراث رافعًا للوصية، لأنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم إذا بَيَّنَ عن اللَّه تعالى أن

стр. 76

الميراث هو الواجب بدلًا من الوصية التي كانت، وأن كونه بدلًا منها هو مراده تعالى = صار الميراث رافعًا للوصية. فصار النسخ بآيات الميراث لا إشكال فيه، والنبي ﵌ قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل/ ٤٤]، والقرآن يجوز بيانه بخبر الآحاد، فليس البيان كالنسخ؛ لأن النسخ إبطال للحكم الأول ورفع له بالكلية، والبيان إيضاح المقصود منه؛ فهو أخف من النسخ، ولذا جاز بيان القرآن بخبر الآحاد دون نسخه به على المعتمد فيهما. وإلى جواز بيانه بخبر الآحاد أشار في "مراقي السعود" بقوله: وبيَّن القاصرُ من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعتمد فتحصل أن ناسخ الآية المذكورة مركب من الكتاب والسنة، فالناسخ في الحقيقة الكتاب، والسنة بيان للناسخ. فارتفع الإشكال بذلك، والعلم عند اللَّه. والبيان لا يشترط فيه التواتر كما يشترط في النسخ؛ لأن النسخ رفع للحكم الأول، والقرآن قطعي المتن، والقطعي لا يرفع بما ليس كذلك كخبر الآحاد. وعلماء الأصول مختلفون في خبر الآحاد، هل يفيد القطع أم لا؟ الجمهور على أنه لا يفيد اليقين. وقال بعض العلماء: يفيده إن كانت رواته عدولًا ضابطين في كل طبقات السند، وهو قول الإمام أحمد بن حنبل ﵀؛ لأن خبر الآحاد يجب العمل به، وإنما يجب العمل بما يفيد العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء/ ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾

стр. 77

[النجم/ ٢٨]. ففي هاتين الآيتين النهي عن اتباع غير العلم، والذم على اتباع الظن. وأجيب من جهة الجمهور بأن ذلك فيما المطلوب فيه اليقين، كوحدانية اللَّه تعالى، وتنزيهه عما لا يليق به؛ لما ثبت من العمل بالظن في الفروع. والقول الثالث: إن خبر الآحاد يفيد القطع إن اعتضد بقرينة تدل على صدقه. وإلى هذه الأقوال أشار في "مراقي السعود" بقوله في الكلام على خبر الآحاد: ولا يفيد العلم بالإطلاق ... عند الجماهير من الحذاق وبعضهم يفيد إن عدل روى ... واختير ذا إن القرينة احتوى قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: الذي يظهر أن التحقيق في خبر الآحاد الذي هو في اصطلاح الأصوليين غير المتواتر، ومنه المستفيض على الصحيح، وقيل: المستفيض واسطة بين الآحاد والمتواتر، كما قال في "مراقي السعود": والمستفيض منه وهو أربعة ... أقله وبعضهم قد رفعه عن واحد وبعضهم عما يلي ... وجعله واسطة قول جلي أنه قطعي من جهة، غير قطعي من جهة أخرى، فانفكت الجهة. أما الجهة التي هو قطعي منها فهي العمل به؛ لأن الكتاب والسنة

стр. 78

والإجماع كلها دالُّ على العمل بخبر الآحاد. أما الكتاب: فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات/ ٦]، فإنه يدل على أن الجائي بنبأ إذا كان غير فاسق -بأن كان عدلًا- لا يلزم التبين على قراءة ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولا التثبت على قراءة (فتثبتوا). فهو دليل على قبول خبر الواحد العدل. وأما السنة: فلا خلاف بين العلماء أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان يرسل الرسل دعاة يعلمون الناس الخير ولم يبلغوا عدد التواتر، فلو كان التواتر شرطًا في القبول لما أرسل صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم الرسول الواحد والاثنين في مهمات الدين. وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على قبول الشهادة في الحقوق، وهي خبر آحاد، وأجمعت على قبول الفتوى، وهي خبر آحاد، وعلى قبول قول الطبيب في الأشربة والأغذية، وهي خبر آحاد، والجمهور على قبوله في غير ذلك. وأما الجهة التي هو غير قطعي منها فهي كون الخبر المذكور صدقًا في ذات نفسه، لأنك لو سئلت عن أعدل الرواة: هل يجوز في حقه الكذب؟ لقلت: نعم؛ لأنه غير معصوم. وادعاء تيقن صدقه مع تجويز كذبه أشبه شيء بالمكابرة. وهذا التحقيق يفهمه الذكي من الكتاب والسنة؛ لأنهما دالَّان على أن الحكم يكون حقًّا مقطوعًا بحقيته في ظاهر الأمر، وباطنه مخالف لذلك الظاهر مخالفةً قطعيةً أو محتملة، فمثال مخالفة الباطن للظاهر

стр. 79

مخالفة قطعية آية اللعان؛ لأن أحد الزوجين كاذبٌ قطعًا يلزمه الحد قطعًا، وظاهر الحكم يرفع الحد عنها بلعانهما رفعًا قطعيًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور/ ٨]. فالحكم في آية اللعان يخالف فيه الباطن الظاهر مخالفة لا شك فيها؛ لأن العقل يوجب كذب أحدهما، إذ لا يصدق النقيضان ضرورةً، وقد قال ﵌: "اللَّه يعلم أن أحدكما لكاذب" والكاذب منهما يلزمه الحد قطعًا، وارتفاع الحد عنهما بأيمانهما قطعي، وعدم التنقيب والبحث عن الباطن في مثل هذا مقصودٌ في تشريع الحكم للسفر (١) والتيسير كما يدل عليه قوله تعالي: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [النور/ ١٠]. ومثال مخالفة الباطن للظاهر مخالفة محتملة قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم الثابت في الصحيحين عن أم سلمة ﵂: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها". فالحديث صريحٌ في أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم يقضي بظاهر الأمر مع احتمال كون الباطن بخلافه، والقضاء بمثل ما قضى به صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم قطعي لا شك فيه. وقوله صلى اللَّه عليه

стр. 80

وعلى آله وسلم: "فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار" دالٌّ قطعًا على احتمال مخالفة الباطن للظاهر. فظهر أن خبر الآحاد الذي رواه عدلٌ ضابطٌ قطعيٌّ من جهة العمل به كالشهادة والفتوى، غير قطعيٍّ من جهة احتمال عدم صدقه في ذاته، وكون العمل بالظاهر قطعيًّا لا يشترط فيه موافقة الباطن له كما بينا. والعلم عند اللَّه. ثم أردنا السفر من بلد "انيامى" بعد أن أقمنا به أيامًا في ضيافة الحاج الكيدي توره المذكور في غاية التبجيل والإكرام، فحملنا في البريد الفرنساوي الذاهب إلى قرية اسمها "مرادى"، فبتنا دونها ليلتين: إحداهما في قرية اسمها "مداوا"، والثانية في محل غير معروف. ثم قدمنا إلى قرية "مرادى" آخر النهار في العشر الأول من رمضان، فنزلنا عند سلطانها، فأنزلنا في بيت فيه رجل من أبناء عمنا كان ضيفًا عنده، ومكثنا في ضيافته خمس أيام، وأخونا -الذي كان عنده قبلنا- يخدمنا أتم خدمة، والسلطان يعاملنا معاملة الضيف، وقدمنا فلوسًا كانت عندنا إلى "فورلمى" بطريق الحوالة. ثم سافرنا من القرية التي تسمى "مرادى" وقت قرب القيلولة في سيارة ذاهبة إلى بلد اسمه "كنو"، فلما مشينا قليلًا مررنا على مركز فرنساوي هو الحدود بين النيجر الفرنسي ونيجيريا الإنجليزية، فنظر رئيس المركز في جوازات السفر وأمضاها، وبتنا تلك الليلة في بلد اسمه "كتنه"، ثم من الغد نزلنا "كنو" آخر النهار، فنزلنا عند شريف ظريف اسمه محمد الأمين الشريف، فأحسن إلينا غاية الإحسان، وبتنا

стр. 81

عنده ليلة واحدة. وبادرنا السفر من صبيحتها متوجهين إلى قرية تسمى "جص"، فركبنا في قطار الحديد إليها، فبتنا دونها ليلةً واحدةً، وجئناها من الغد، فوجدناها كما قال الشاعر: ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان فلم يفهموا كلامنا، ولم نفهم كلامهم، وبتنا فيها ليلة واحدةً، ثم وجدنا واحدًا يفهم من العربية قليلًا، فحَصَل بيننا المفاهمة مع صاحب سيارة ذاهبة إلى بلد يسمى "يروى مادفرى" فدفعنا لصاحبها أجرتها وركبنا فيها، فلما سارت بنا تسعة وستين ميلًا وقع فيها خللٌ مانع من الحركة، فمكثنا يومين وليلة في محلٍ واحدٍ موحشٍ كثير البعوض والندى في خلاء من الأرض، ثم أصلح فسادها حتى لم يبق بيننا وبين "يروى" إلا مائة ميل وسبعة أميال عاودها فسادها الأول، فمرت بنا سيارة ذاهبة إلى "يروى" فدفعنا الأجرة لصاحبها، وركبنا فيها فأدخلتنا بلد "يروى" في تلك الليلة، فنزلنا عند تاجر اسمه عبد المحمود، فأصلح لي خللًا كان في جواز رفيقي عند الحكومة، فشكرت له، وتذكرت قول الشاعر: وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله ومكثنا في "يروى" ليلتين، ثم سافرنا منها آخر النهار متوجهين إلى بلد اسمه "فورلمى"، فركبنا الأجرة في سيارة، فلما مشت بنا خمسة أميال فسدت فسادًا مانعًا من التحرك, فبتنا في ذلك المكان وأرسل اللَّه

стр. 82

مطرًا كأفواه القرب، فلما كان آخر النهار فعل لها صاحبها شبه الإصلاح، وسرنا فيها آخر النهار سيرًا ضعيفًا للخلل الواقع بها، فلما سارت بنا ستة أميال راجعها الفساد بأشد من الحالة الأولى، فبتنا في ذلك المكان تلك الليلة، ولما ارتفع النهار وكان قرب القائلة مرت بنا سيارة ذاهبة إلى بلد "فورلمى" فدفعنا الأجرة لصاحبها وركبنا فيها، فسارت بنا بقية ذلك اليوم. فلما كان آخر النهار حبسها المطر في قرية اسمها "كمبارو" بالكاف المعقودة. فلما كان من الغد ذهبت بنا وجاءت بنا آخر النهار إلى بلد اسمه "كسرى"، فأتعبنا أهل مركزه بتفتيش المتاع، وأخذوا منا جوازات السفر وباتت عندهم. فلما كان من الغد أول النهار أمضوا الجوازات وأرسلونا. فدخلنا وقت الضحى من ذلك اليوم بلد "فورلمى"، وذهبنا إلى المركز الذي نستلم منه الدراهم التي حولنا إليه من قرية "مرادى" كما تقدم، فوجدنا مع رئيس المركز رجلًا طيب الشمائل والأخلاق تلوح بوجهه آثار الكرم اسمه خليفة فرج، وكان أرسل له أخٌ لي كان في قرية "فاوه" اسمه محمد بن أحمد فال جوابًا بخبري، وبأني سأمر ببلد "فورلمى" فرحب بنا ودعانا إلى النزول، فلم نجد وقتًا للنزول عنده لمبادرة السفر في نفس ذلك اليوم، فأخذ لنا الحوالة من رئيس المركز ونحن في ذلك الوقت نتكلم مع صاحب سيارتين ذاهبتين إلى بلد "الأبيض" في شأن الأجرة، فجاء خليفة فرج المذكور وتكلم معه بالنيابة عنا حتى اتفقا على أن أجرة ركوب الرجل الواحد من "فورلمى" إلى "الأبيض" ألف ريال فرنساوي ثم دفع عنا ألفًا لصاحب السيارة مع البشر والترحيب، جازاه اللَّه خيرًا. وكنت أسمع عنه قبل الملاقاة بصفات حميدة، فذكرني ما عاملني به

стр. 83

قول الشاعر: كانت محادثة الخلان تخبرنا ... عن أحمد بن صلاح أحسن الخبر ثم التقينا ولا واللَّه ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري وركبنا من "فورلمى" آخر ذلك النهار في إحدى السيارتين المذكورتين، وترافقنا ثلاثة لغير صاحبهما، واللتان ركبنا في إحداهما لرجل ذكر لنا أنه عربي، وأن أصله شامي وهو عفيف الجبهة جدًا، ما رأينا في رحلتنا هذه رجلًا يدعي الإسلام أعف منه جبهة عن مسيس الأرض، وهذا العفاف التام يمنعه من أن تخطر الصلاة في ذهنه أصلًا، فضلًا عن أنه يصلي. وجميع السيارات التي نحن فيها واللتان ترافقها مشحون من السوادين الذين لا يفهمون كلامنا، ولا نفهم كلامهم، وأكثرهم كالبهائم، فذكرتني مرافقتنا معهم أبيات محمد بن السالم البوحسني الشنقيطي: إن يطرحوني أرضًا لا يؤانسني ... ألا ألصُّ هَرِيتُ الشِّدق نبَّاح فكم تكنَّفني في ظل مدرسة ... شمُّ الأنوف لهم كتبٌ وألواح وكم أغازل جمَّاء العظام على ... أنيابها العنبر الهنديُّ والراح وفي تلك الأيام أغلق الفرنساويون الطريق المعهود إلى قرية "آتيه"، فحاشت بنا السيارة إلى قرية اسمها "بحر غزال"، وباتت بنا دونها ليلة وجاءتها من الغد وقت القائلة، فكان مقيلنا في قرية "بحر غزال"، ورحنا منها آخر النهار متوجهين إلى قرية "آتيه" من طريق غير معبد، فهو إلى بنيَّات الطريق أقرب منه للطريق، وباتت السيارة طول

стр. 84

تلك الليلة كلما خرجت من ورطة حبستها أخرى، لأن الأرض هناك رمال دهسة لينة جدًّا، وبتنا الليل كله نمشي على أقدامنا لكن قليلًا قليلًا؛ لكثرة عوائق السيارات بالرمل اللين، ولم نزل على تلك الحال حتى كان وقت الضحى، فدخلنا واديًا فيه زراعات ومياه وفيه الفلفل الأحمر بكثرة لا ندري ما اسمه، وقِلْنَا فيه ثم رحنا منه آخر النهار، وبتنا تلك الليلة نعالج الوعث والماء والطين، والليلة الثالثة كذلك، ثم جئنا آخر النهار بعد الثالثة للقرية المسماة "آتيه" فالتمسنا عربيًا نبيت عنده فدعانا رجلٌ عربي واللَّه ما سألت عن اسمه ولا اسم أبيه خوفًا من الغيبة، فأنزلنا في مكان يعوي منه الكلب وأغلقه علينا من الخارج، فبتنا بليلة لا أعاد اللَّه علينا مثلها أشد من ليلة نابغية، ومن ليلة مهلهلية، فذكرتني تلك الليلة ليلة النابغة التي قال فيها: كليني لهمٍّ يا أميمة ناصبِ ... وليلٍ أقاسيه بطئ الكواكب وليلة المهلهل التي قال فيها: أليلتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنخط انقضيت فلا تحوري وقد وصف طولها بقوله: كأن كواكب الجوزاء عُوذٌ ... معطَّفةٌ على ربع كسير كأن الجدي في مثناةِ رِبْقٍ ... أسيرٌ أو بمنزلة الأسير كواكبها زواحف لاغبات ... كأن سمائها بيدي مدير إلى أن قال:

стр. 85

وأنقذني بياض الصبح منها ... وقد أنقذت من شيء كبير وتمثلت قول امرئ القيس: كأن الثريا عُلِّقَتْ في مَصامِها ... بأمراسِ كتانٍ إلى صُمِّ جندل وصُبْحُ تلك الليلة أحب غائِب إلينا، فخرجنا من ذلك الضيق أول النهار وسافرنا وقت الضحى من "آتيه" في السيارات المذكورة قبل قاصدين قرية اسمها "أم حجر" فوقفت السيارات في أرض كثيرة الطين والماء، فصار يجتمع على كل واحدة من السيارات إذا ارتطمت في الوحل قريب من مائة رجل من الراكبين يجرونها بالحبال من وحل الطين، وكلما نزعوها من ورطة ارتطمت في أخرى، فمكثنا على تلك الحال في مشقة شديدة من تتابع المطر والبعوض وكثرة الوحل من الطين والماء أسبوعًا، فصار قدر الزمن الذي مكثنا في المسافة بين "فورلمي" و"أبشه" ثلاث عشرة ليلة في غاية المشقة والحمى (١)، فوصلنا قرية "أم حجر" ومنها إلى "أبشه" ولم نصل إحداهما إلا بعد جهد جهيد كما وصفت. أما "أم حجر" فلم نمكث فيها ساعة، وأما "أبشه" فبتنا فيها ليلةً واحدةً، وكان نزولنا فيها عند رجل اسمه الحاج سعيد محمد، فأنزلنا في بيت وأحسن إلينا بما يهيأ للضيف من نزول طيب، ثم سافرنا من الغد قبل وقت القيلولة بقليل، فلما كان آخر النهار دخلنا قرية اسمها "آدره" في الحدود بين حكومة تشاد الفرنسية، والسودان المصري،

стр. 86

فبتنا فيها ليلتين فأتعبونا بتفتيش المتاع وهم فرنساويون، وأمضوا جوازات السفر وأرسلونا آخر النهار بعد لأي، وسرنا آخر النهار قاصدين قرية اسمها "الجنينة" في حدود السودان من جهة الغرب فدخلنا في وقت المغرب ونزلنا بمحطة الحكومة. ومن الغد كان مقيلنا عند رجل اسمه علي تني، فأحسن إلينا بما يهيأ للضيف من نزل، ورجعنا إلى المحطة التي نزلنا بها أولًا وبتنا بها، ومن الغد اجتمعنا برجل اسمه الحاج مكي، فتلقانا بالبشر والترحيب، وأقمنا عنده أيامًا في الإكرام والإحسان جازاه اللَّه خيرًا. ثم بعد ذلك دعانا جماعة موظفي الحكومة في الجنينة، وطلبوا منا أن نحضر مجتمعًا لهم يقولون له: "النادي" يتذاكرون فيه، واجتمعوا علينا فيه، وسألونا عن مسائل علمية فأجبناهم، ففرحوا بمعارفتنا معهم غاية الفرح وشكروا لنا كثيرًا، وأحسنوا إلينا إحسانًا زائدًا، وجاءتنا من قبلهم هدايا من البعض منهم، وتركنا ضابط البوليس -واسمه محمد عباس فقير- يجمع لنا منهم هدايا إكرامًا منهم لنا، وعينوا لنا موعدًا بعد صلاة العصر يأتوننا فيه للهدية والوداع، فأعجل عفيف الجبهة السيارات قبل وقت الموعد، فذهبنا من غير لقاء ولا وداع لمعالجة السفر قبل وقت الموعد. [وممَّا سألونا عنه: حكم تولية الكفَّار المحتلين بلاد المسلمين بعضَ المسلمين على بعض.

стр. 87

فأجبناهم:] (١) أن المؤمنين الذين تغلب عليهم الكفار باحتلال بلادهم إذا أمكنهم الانضمام إلى سلطان إسلامي وجب عليهم ذلك، ولم يجز لهم موالاة الكفار وأحرى توليتهم؛ لأن موالاة المسلمين للكفار مع القدرة على موالاة المسلمين تتضمن الفتنة والفساد الكبير بنص القرآن العظيم، وهو قوله تعالى. ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال/ ٧٣]، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة/ ٥١]. وأما إن كان المسلمون الذين تغلب عليهم الكفار لا صريخ لهم من المسلمين يستنقذهم بضمهم إليه، فموالاتهم للكفار بالظاهر دون الباطن لدفع ضررهم جائزة بنصِّ القرآن العظيم، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران/ ٢١]. وكذلك توليتهم بعض المسلمين على بعض (٢)، في الجاري على أصل مذهب مالك ومن وافقه مِنْ أن شرع من قبلنا شرع لنا إن ثبت بشرعنا إلا لدليل يقتضي النسخ. وإيضاح ذلك: أن نبي اللَّه يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام- طلب التولية من ملك مصر، وانعقدت له منه وهو كافر، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ

стр. 88

اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف/ ٥٥]، فلو كانت التولية من يد الكافر المتغلب حرامًا غير منعقدة لما طلبها هذا النبي الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم من يد الكافر، ولما انعقدت له منه، ويوسف من الرسل الذين ذكرهم اللَّه تعالى في سورة الأنعام بقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ﴾ [الأنعام/ ٨٤] وقد أُمِرَ نبينا صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بالاقتداء بهم حيث قال بعد ذكرهم عليه وعليهم صلوات اللَّه وسلامه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠]. وأَمْرُ نبينا صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بالاقتداء بهم أمرٌ لنا؛ لأن الخطاب الخاص بالنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم يتناول الأمة من جهة الحكم؛ لأنه قدوتهم، إلا ما ثبتت فيه الخاصية بالدليل، على ما ذهب إليه أكثر المالكية، وهو ظاهر قول مالك. وقد احتج ﵀ على أن ردة الزوجة مزيلة للعصمة بخطاب خاص بالنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وهو قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر/ ٦٥]. وقال: أنكرت عائشة ﵂ على من ذهب إلى أن نفس التخيير طلاق بقولها: "خير رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أزواجه فاخترنه"، فلم يعد ذلك طلاقًا، مع أنه ورد فيه خطاب خاص به صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ. . .﴾ [الأحزاب/ ٢٨ - ٢٩]. ومثال ما ثبتت فيه الخاصية تزويج تسع، وقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً

стр. 89

لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب/ ٥٠]. وقال الإمام أحمد، والإمام أبو حنيفة رحمهما اللَّه تعالى: ما خوطب به النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم عامٌّ للأمة ظاهرًا؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه معه عرفًا. والصحيح في أصول الشافعية أن الخطاب الخاص بالنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم لا يتناول الأمة من جهة الحكم لخصوص الصيغة به صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وأجابوا عن كون أمر القدوة أمرًا لأتباعه عرفًا بأنه فيما يتوقف المأمور به على المشاركة. قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: الدليل من القرآن العظيم ظاهر للجاري على أصول الأئمة الثلاثة: مالك وأبي حنيفة وأحمد، دون الجاري على أصول الإمام الشافعي رحم اللَّه الجميع ورضى عنهم وأرضاهم، دالٌّ على أن خطابه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم يتناول أمته من جهة الحكم إلا لدليل على الخصوص، وذلك كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق/ ١] فلو كانت الأمة غير داخلة تحت قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ لما أتى تعالى بصيغة الجمع في قوله: ﴿طَلَّقْتُمُ﴾، وفي قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾، وفي قوله: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾، ولقال: "طلقتَ النساء" بالإفراد فيه وفيما بعده. وكقوله تعالى في أول سورة الأحزاب ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾ [الأحزاب/ ١ - ٢] فلو لم تدخل

стр. 90

الأمة تحت قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ لما قال تعالى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بصيغة الجمع الدالة على خطاب الجميع، ولقال: "تعمل" بالإفراد. ونظيره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم/ ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم/ ٢]. وكقوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾ [الروم/ ٣١]؛ فإن قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ﴾ حال من الفاعل المستتر الخاص به صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم من قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم/ ٣٠]، فلو لم تدخل الأمة تحت الخطاب الخاص بالنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم لما قال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ﴾ بصيغة الجمع، ولقال: "منيبًا" بالإفراد. وكقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس/ ٦١]. وقال في "مراقي السعود": وما به قد خوطب النبي ... تعميمه في المذهب السني ومن أدلة المالكية على أن شرع من قبلنا شرع لنا إلا أن يثبت بشرعنا نسخه: قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى/ ١٣] الآية، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة/ ٤٤] الآية، والموجود منهم عند نزولها هو وحده صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وقوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٦]، وقوله تعالى:

стр. 91

﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل/ ١٢٣]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠]. فأخذ الأحكام من القصصالتي قص اللَّه علينا في كتابه العزيز عن الأمم الماضية، ورسلهم عليهم الصلاة والسلام هو مشهور مذهب مالك، كما ذكره القرطبي في تفسير سورة القصص. وقال في "مراقي السعود": وهو والأمة بعد كلفا ... إلا إذا التكليف بالنص انتفى وقيل لا والخلف فيما شرعا ... ولم يكن داع إليه سمعا ومعنى كلامه أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم وأمته مكلفون بما ورد في شرعهم من شرع من قبلهم، إلا لدليل على النسخ. وقيل: لا يكلفون به بناء على أن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعًا لنا إلا لنص أنه شرع لنا. وهذا هو مذهب الإمام الشافعي ﵀ قائلًا: إن الآيات المذكورة لا دليل فيها للمالكية ومن وافقهم؛ لأن المراد بالهدى في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، والمراد بالدين في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾، وأمثال ذلك إنما هو التوحيد لا الفروع، فالآيات المذكورة عنده في الأصول فقط، فهي كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/ ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ

стр. 92

قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف/ ٤٥]. ثم استدل على أن المراد بهذه الآيات الأصول التي هي توحيد اللَّه جل وعلا في عبادته وربوبيته وأسمائه وصفاته دون الفروع بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/ ٤٨]، وقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج/ ٦٧]، وقوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علَّات ديننا واحد" يعني أن المقصود عبادة اللَّه وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله عليهم الصلاة والسلام، كما يدل عليه قوله جل وعلا: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/ ٤٨]. قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: الذي يظهر من هذا الخلاف أن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا يكون شرعًا لنا من حيث وروده في شرعنا، لا من حيث كونه كان شرعًا لمن قبلنا؛ لأن اللَّه تعالى أنزل علينا هذا الكتاب العزيز لنعمل بكل ما دل عليه من الأحكام، سواء علينا كان شرعًا لمن قبلنا، أم لا، واللَّه تعالى ما قص علينا أخبار الماضين إلا لنعتبر بها، فنتجنب الموجب الذي هلك بسببه الهالكون منهم، ونغتنم الموجب الذي نجا بسببه الناجون منهم، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف/ ١١١]. والآيات الدالة على الاعتبار بأحوال الماضين كثيرة جدًا، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ [الصافات/ ١٣٧ - ١٣٨]، وكقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ [الحجر/ ٧٦]، وكقوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ [الحجر/ ٧٩]، وكقوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا

стр. 93

قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)﴾ [طه/ ١٢٨]، وكقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ [محمد/ ١٠]، وكقوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود/ ٨٣] يعني الحجارة التي أمطرت على قوم لوط أو ديارهم. وقال في سورة الشعراء: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [الشعراء/ ٨] بعد قصة هلاك قوم نوح وهود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب، وأمثال ذلك فى القرآن كثيرة جدًا. وقول الشافعية في الآيات المتقدمة أنها في خصوص التوحيد دون الفروع غير مسلَّم؛ لأن ترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس ﵄ حملها على ما يتناول الفروع مع الأصول رافعًا ذلك إلى النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، فقد قال البخاري في صحيحه في تفسير سورة ص ما لفظه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن العوام قال: سألت مجاهدًا عن السجدة في ص. قال: سئل ابن عباس فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠]، وكان ابن عباس يسجد فيها. حدثني محمد بن عبد اللَّه، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن العوام قال: سألت مجاهدًا عن سجدة ص. فقال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام/ ٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠]؛ فكان داوود ممن أمر نبيكم صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أن يقتدي به، فسجدها داوود ﵇، فسجدها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى

стр. 94

آله وسلم. انتهى كلام البخاري. ولا يخفى أن سجود التلاوة فرعٌ، فجَعْلُ ابن عباس في هذا الحديث المرفوعِ الاقتداءَ في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ يتناول سجود التلاوة = يدل على عدم التخصيص بالأصول التي هي التوحيد. ويؤيد هذا ذمه تعالى المعرض عما في التوراة من رجم الزاني المحصن في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [آل عمران/ ٢٣]؛ لأن المراد بكتاب اللَّه "التوراة"، وذمه المعرض عما فيه يقتضي الثناء على من عمل بما فيه مما ثبت بهذا الشرع الطاهر؛ لأنها نزلت في يهودية ويهودي زنيا بعد الإحصان، فرجمهما النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وأنكر اليهود الرجم، فذمهم اللَّه تعالى على إعراضهم عما في التوراة بقوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾. ولم يزل علماء هذه الأمة يستدلون على الأحكام بما ورد في القصص الماضية، فقد استدل المالكية وغيرهم على إقامة القرينة الظاهرة مقام البينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها بقوله تعالى في قصة يوسف: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف/ ٢٦ - ٢٨]؛ فجعل شاهدُ يوسف شق القميص من دبر قرينةً قائمةً مقام البينة على صدقه وكذبها؛ لأنه يدل على إدباره عنها، وإقبالها عليه تمسك بما يلي الدبر من قميصه، وذِكْرُ اللَّه قصته من غير

стр. 95

اعتراض عنها في ذلك يقتضي أنه عمل حسن موافق للشرع. وقد أخذوا إبطال القرينة بقرينة أقوى منها من قوله تعالى في قصة يوسف: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف/ ١٨]؛ فإخوة يوسف لما جعلوه في غيابات الجب جعلوا دم سخلة على قميصه، ليكون تلطيخ قميصه بالدم قرينة لهم على صدقهم في أنه أكله الذئب، فأبطلها نبي اللَّه يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص، فقال: سبحان اللَّه! متى كان الذئب حليمًا كيِّسًا يقتل يوسف ولا يشق قميصه، كما قال تعالى حكاية عنه وعنهم: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف/ ١٨] ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف/ ١٨]. واستدلوا لجواز طول مدة الإجارة بقوله في معاملة موسى وشعيب ﵉: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص/ ٢٧]. واستدلوا على ضمان الغرم بقوله تعالى في قصة يوسف: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف/ ٧٢]. واستدل بعض الشافعية على ضمان الوجه بقوله تعالى حكاية عن يعقوب قال: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف/ ٦٦]. واستدل المالكية على أن التلوُّم في الخصومة بعد انقضاء الآجال ثلاثة أيام بقوله تعالى في قصة صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ

стр. 96

ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ [هود/ ٦٥]. قال ابن عاصم في "تحفته": * ثلاثة وأصله تمتعوا * واستدلوا لوجوب الإعذار بقوله تعالى في قصة سليمان مع الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ [النمل/ ٢١] الآية. واستدلوا لكرامات الأولياء بقوله تعالى في قصة مريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران/ ٣٧]. وذكر المواق في شرحه لمختصر خليل بن إسحاق المالكي عند قوله في باب القضاء: "إن كان أهلًا، أو قاضي مصر، وإلا فلا" ما يفيد انعقاد تولية الكفار المتغلبين قضاة من المسلمين يقضون بينهم. وفي البناني في حاشيته على شرح عبد الباقي الزرقاني مختصر خليل عند قوله: "الباغية: فرقة خالفت الإمام" ما يفيد ما ذكرنا، ووجهه ظاهر جدًا؛ لأنه إن لم يلِ القضاء مسلم وليه كافر، وقد تقرر عند علماء الأصول أن ارتكاب أخف الضررين واجبٌ. قال في "مراقي السعود": وارتكب الأخف من ضرين ... وخَيِّرَنْ لدى استوى هذين ومعلوم أن ولاية المسلم ولو من جهة الكفار أحسن من ولاية الكافر نفسه.

стр. 97

ومن يأتي الأمور على اضطرار ... فليس كمثل آتيها اختيارًا وتحرير المقام في المسألة أن شرع من قبلنا له ثلاث حالات: في حالة منها يكون شرعًا لنا بلا خلاف. وفي حالة يكون غير شرع لنا بلا خلاف. وفي حالة يختلف فيه. أما الحالة التي يكون فيها شرعًا لنا بلا خلاف، فهي فيما جاءنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ثم بُيِّنَ لنا في شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص، فإنه بُيِّنَ لنا أنه كان شرعًا لبني إسرائيل في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة/ ٤٥] الآية، وبُيِّنَ لنا أنه شرع لنا في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة/ ١٧٨] الآية. وأما الحالة التي يكون فيها غير شرع لنا بلا خلاف، فهي فيما جاءنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا وبُيِّنَ لنا أنه ليس بشرعٍ لنا وقد كان شرعًا لمن قبلنا، ككون بعض المذنبين لا توبة له إلا بتقديم نفسه للقتل، كما في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة/ ٥٤]؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف/ ١٥٧]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦]؛ لأن اللَّه أخبر عنه نبيه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أنه قال: "قد فعلت" كما ثبت في صحيح مسلم. وما عرف بالإسرائيليات أنه كان شرعًا لهم، ولم يثبت بشرعنا، فليس شرعًا لنا قولًا واحدًا؛ لأنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم نهى

стр. 98

عن تصديق الإسرائيليات وتكذيبها. والحالة التي فيها الخلاف هي ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم ينص لنا أنه من شرعنا ولا أنه ليس منه، وقد قدمت لك تحقيق هذا المقام، والاختلاف فيه. ومما سألونا عنه صلاة الجمعة في مسجد جديد بناه رجل من أهل البلد في جانب من جوانب البلد: هل يجوز لمن أراد صلاة الجمعة فيه أن يصليها فيه؟ أو يلزمهم أن يصلوا في الجامع الكبير الذي هو مسجد الجمعة العتيق الذي يصليها فيه أهل البلد، والفتوى المطلوبة في خصوص مذهب الإمام مالك ﵀. فأجبناهم بأن الصلاة في مذهبه في المسجد الجديد لا تجوز إلا في غير الجمعة، والجمعة إن صليت في الجديد فهي باطلة. قال خليل في "مختصره": "والجمعة للعتيق وإن تأخر أداء". واحتج مالك لمنع صلاة الجمعة في غير المسجد الأكبر الذي يصلي فيه الإمام بأن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم والخلفاء الراشدون لم يفعلوا إلا كذلك. وروى ابن المنذر عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول: "لا جمعة إلا في المسجد الأكبر الذي يصلي فيه الإمام". وروى أبو داود في المراسيل عن بكير بن الأشج: "أنه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجده ﵌ يسمع أهلها تأذين بلال فيصلون في مساجدهم" زاد يحيى بن يحيى في روايته:

стр. 99

"ولم يكونوا يصلون الجمعة في شيء من تلك المساجد إلا مسجد النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم". أخرجه البيهقي في المعرفة. ويشهد له صلاة أهل العوالي مع النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم الجمعة كما في الصحيح، وصلاة أهل قباء معه، كما رواه ابن ماجه وابن خزيمة. وأخرج الترمذي من طريق رجل من أهل قباء عن أبيه قال: أمرنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أن نشهد الجمعة من قباء. وروى البيهقي أن أهل ذي الحليفة كانوا يجمِّعون بالمدينة. قال: ولى ينقل أنه أذن لأحد في إقامة الجمعة في شيء من مساجد المدينة، ولا في القرى التي قربها. وقال ابن المنذر: لم يختلف الناس أن الجمعة لم تكن تصلى في عهد النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وفي عهد الخلفاء الراشدين، إلا في مسجد النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وفي تعطيل الناس مساجدهم يوم الجمعة واجتماعهم في مسجدٍ واحدٍ أبينُ البيان أن الجمعة خلاف سائر الصلوات، وأنها لا تصلى إلا في مكان واحد. وذكر ابن عساكر في مقدمة تاريخ دمشق أن عمر كتب إلى أبي موسى وإلى عمرو بن العاص وإلى سعد بن أبي وقاص: أن يتخذ مسجدًا جامعًا، ومسجدًا للقبائل، وإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى المسجد الجامع فشهدوا الجمعة.

стр. 100

وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا قال بتعداد المسجد غير عطاء. وما قاله بعض الشافعية من أن الإمام الشافعي ﵀ دخل بغداد وهي يقام فيها جمعتان رده بعض محققي الشافعية بأن الجامع الآخر لم يكن حينئذ داخل سورها، فقد قال الأثرم لأحمد: جَمْعُ جمعتين في مصر واحد؟ قال: لا أعلم أحدًا فعله. وربما جاز تعدد الجمعة لضرورة، كأن يقع بين أهل البلد شر يخاف الضر فيه من الاجتماع في محل واحد، وكأن يحول بين طرفي القرية نهر تعظم المشقة في عبوره، وكأن يعظم البلد جدًّا بحيث تعظم المشقة على من في أطرافه لبعد المسافة. وروي عن أبي حنيفة ﵀ جواز التعدد مطلقًا. والعلم عند اللَّه تعالى. ومما سألونا عنه: الغريب في بلد يريد التزوج فيه، ونيته أنه إن أراد العود لوطنه ترك الزوجة طالقًا في محلها. هل تزوجه مع نية الفراق بعد مدة يجعل نكاحه نكاح متعة فيكون باطلًا، أم لا؟ فكان جوابنا أنه نكاح صحيح، ولا يكون نكاح متعة إلا بالتصريح بشرط الأجل عند عامة العلماء، إلا الأوزاعي فأبطله، ونقل كلامه هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري ولم يتعقبه بشيء، وعن مالك ﵀ أنه قال: ليس هذا من الجميل ولا من أخلاق الناس. ومما سألونا عنه معنى قول عمر بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي:

стр. 101

رأت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأيما بالعشي فيخصر بعد أن طلبوني أن أملي عليهم القصيدة التي منها البيت، فأمليتها عليهم وبينت لهم معنى البيت، بأن قلت لهم: "أيما": لغة في أما، وهي الرواية في بعض نسخه. ومعنى قوله: "يضحى" يكون بارزًا للشمس من غير كِنٍّ يحجبها عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه/ ١١٩]، وقد استدل ابن عباس ﵄ على معنى الآية بالبيت المذكور. وقوله: "يخصر" مضارع خَصِر بالكسر يَخْصَر بالفتح خَصرًا بفتحتين على القياس، إذا أصابه البرد، ومنه قول الشاعر: إذا ما رأوا نارًا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب فقوله: "وقد خصرت أيديهم" أي أصابهم البرد، لأن اليد تتأثر من شدة البرد كثيرًا. وسألونا عن أشياء غير هذا، أكثرها في الشعر والشعراء، فأجبناهم عنها، فازداد فرحهم وسرورهم بمعرفتهم لنا. ثم توجهنا من قرية "جنينة" في شوال من السنة المذكورة في أول الرحلة التي هي سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف، توجهنا إلى قرية اسمها "الفاشر"، والأمطار في ذلك الوقت متراكمة، فحبسنا الوحل ليلتين في خلاء من الأرض، ثم وصلنا قرب القائلة محطة صغيرة

стр. 102

اسمها "كبكابية"، فوجدنا السمن فيها كثيرًا جدًّا، ويباع رخيصًا جدًّا، فمكثنا فيها قدر ساعة تقريبًا، ورحنا منها، وحبسنا الوحل ليلتين أخريين، ثم وصلنا بعد الظهر بعد تعب كثير في السيارات المذكورة قبل، فنزلنا عند رجل اسمه الحاج أبو سفيطة، فقدَّم لنا نوعًا من الخبز إدامه اللبن الرائب، وما قدرنا على سد خلة الجوع منه، واجتمع بنا قرب المغرب ضابط البوليس محمد عباس بخيت فآوانا وأكرمنا. ومن الغد كان مقيلنا عند رجل منا قاطن بمدينة "الفاشر" اسمه سيدي محمد بن أحمد سيدي، وأكرمنا وفرح بنا، وسافرنا آخر ذلك اليوم متوجهين إلى جهة الأبيض، فمكثنا دونه ليلتين، ومررنا بمحطات ولم نلبث في شيء منها، منها محطة صغيرة اسمها "أم كداده" وقرية اسمها "النهود"، وغيرها لم أعرف اسمه، ونزلنا "الأبيض" أول النهار، فنزلنا عند رجل اسمه محمد خير، ومكثنا في قرية الأبيض ليلتين، وصاحبنا الذي نحن في ضيافته يرسل لنا في يومينا قرب الغروب قطعة من عصيدة الدخن عليها بعض إدام، فمرة تركنا وأكلنا من زادنا، ومرة تناولنا منها. فتذكرت قول الشاعر: الجوع يطرد بالرغيف اليابس ... فعلام تكثر حسرتي ووساوسي والموت سَوَّى حين عدَّل قسمه ... بين الخليفة والفقير البائس ثم ركبنا في قطار الحديد من "الأبيض" متوجهين إلى "الخرطوم"، فمكثنا دونه ليلتين، ومررنا بقرى كثيرة ما نزلنا في شيء منها، ولا عرفنا فيها شيئًا إلا قرية يقال لها: "وادي مدني" سماها لنا واحد من الراكبين معنا، وقف بنا القطار فيها قليلًا ثم سار، ثم قدمنا

стр. 103

إلى بلد "الخرطوم" أول النهار، فنزلنا عند رجل اسمه عبد الباقي عبد الباقي، فأظهر لنا البشاشة، فبعد نزولنا بقليل جاءنا أخونا الفقيه الأديب الشيخ محمد محمود بن الشيخ عثمان المعروف بابن عميرة الجكني الذي يقول عن لسان الحال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني فأنسنا بقدوم أخينا المذكور. وفي ليلتنا الأولى اجتمع بنا رجل من العلماء المدرسين في المعهد الديني في "أم درمان" اسمه الشيخ إبراهيم يعقوب، فسألني سؤالًا منطقيًّا عن القضايا الموجهة، وعن بسائطها ومركباتها؟ فأجبته بإيضاح ما سأل عنه، وأخبرته بأن الجهة في اصطلاح أهل المنطق هي: اللفظ الدال على المادة. والمادة عندهم كيفية نسبة المحمول إلى الموضوع في نفس الأمر؛ لأن المحمول صفة، والموضوع موصوف، وثبوت الصفة لموصوفها مختلف في الكيفية؛ لأنه تارةً يكون واجبًا لا يقبل العقل نفيه بحال، كثبوت العلم والقدرة للَّه تعالى، وكون الكل أكبر من الجزء، والواحد نصف الاثنين، وتارةً يكون جائزًا يقبل العقل نفيه، كثبوت الشجاعة والكرم لزيد مثلًا. ثم إن المحمول يكون تارةً دائمًا للموضوع لا يفارقه بحال، كما في قولك: "الإنسان حيوان"؛ لدوام اتصاف الإنسان بالحيوانية، وتارةً يكون غير دائم له، كقولك: "الكاتب متحرك الأصابع"؛ لأن حركة الأصابع ليست دائمةً، بل وقت الكتابة فقط.

стр. 104

فكيفية نسبة المحمول إلى الموضوع في نفسها هي المسماة عندهم بالمادة، واللفظ الدال عليها هو المسمى عندهم بالجهة، ولا تسمى القضية موجهة إلا بالتصريح فيها باللفظ الدال على المادة من وجوب عقلي أو نفيه، أو دوام أو نفيه. فإن كان اللفظ الدال على المادة التي هي كيفية النسبة موافقًا لها في نفس الأمر، فهي موجهة صادقة، وإن كان غير موافق لها فهي كاذبة، وقد تقرر عندهم أن الموجهة تكذب بكذب جهتها. مثال الموجهة الصادقة: "اللَّه عالم بالضرورة"؛ لأن الضرورة عندهم في مبحث الجهات معناها الوجوب العقلي، واللَّه جل وعلا عالم، ونسبة العلم إليه واجبة عقلًا. ومثال الموجهة الكاذبة: "الإنسان كاتب بالضرورة"؛ لأن معرفة الإنسان للكتابة غير واجبة عقلًا، فهي موجهة كاذبة لكذب جهتها. والجهات في اصطلاحهم أربع فقط وهي: الضرورة، والإمكان، والدوام، والإطلاق. فمعنى الضرورة عندهم الوجوب العقلي، ومعنى الإمكان عندهم عدم الاستحالة عقلًا، فالممكنة العامة عندهم أعمُّ من الضرورية المطلقة؟ لشمولها لها؟ لأن الإمكان عندهم عام وخاص، فالإمكان العام عندهم هو غير المستحيل، فيشمل الوجوب العقلي، والإمكان الخاص عندهم هو عين الجواز العقلي، والدوام عندهم دوام اتصاف الموضوع بالمحمول، والإطلاق عندهم كون نسبة المحمول إلى

стр. 105

الموضوع واقعة بالفعل إيجابًا أو سلبًا؛ فمعنى الإطلاق عندهم الوقوع بالفعل. وهذه الجهات الأربع متداخلة في التقسيم؛ لأن الضرورية تكون دائمة، كما لو قلت: "كل إنسان حيوان بالضرورة دائمًا" فنسبة الحيوانية إلى الإنسان ثابتة ضرورةً ودوامًا، وتكون الضرورية مطلقة غير دائمةٍ، كما لو قلت: "كل كاتب متحرك الأصابع بالإطلاق"؛ لأن نسبة الحركة إلى أصابع الكاتب واقعة بالفعل ضرورة، لكنها غير دائمة، بل وقت الكتابة فقط. فكيفيات النسبة منحصرة في الضرورة ومقابلها، أو الدوام ومقابله، فأحدهما يكفي في الحصر، إذ كل معقول فهو منحصر بين الشيء ومقابله، إذ لا واسطة بين النقيضين، وإنما لم يكتفوا بأحدهما عن الآخر لأنهم أرادوا التنصيص على جميع أنواع الكيفيات ليعرف جميع القضايا الموجهات. فالجهات أربع، وهي: الضرورة والدوام والإمكان والإطلاق. فالموجهات بالضرورة سبع، وبالدوام ثلاث، وبالإمكان خمس، وبالإطلاق أربع، فجميع الموجهات تسعة عشر قضية، وبعضهم يجعلها أقل من ذلك، بأن يجعل المنتشرتين -مثلًا- واحدة، والعرفيتين -أيضًا- واحدةً مثلًا. أما السبع الموجهات بالضرورة، فهي: الضرورية المطلقة، والمشروطة العامة، والمشروطة الخاصة، والوقتية المطلقة، والوقتية من غير أن توصف بالإطلاق، والمنتشرة المطلقة، والمنتشرة من غير

стр. 106

أن توصف بالإطلاق. فالضرورية المطلقة هي التي لم تقيد ضرورتها بقيد زائد على ذات الموضوع، كقولك: "كل إنسان حيوان بالضرورة". والمشروطة العامة هي الضرورية التي تقيد ضرورتها بوصف الموضوع، من غير تعرض لنفي الدوام عند مفارقة ذلك الوصف، كقولك: "كل كاتب فهو متحرك الأصابع بالضرورة ما دام كاتبًا". والمشروطة الخاصة كالتي قبلها لكن مع التعرض فيها لنفي الدوام عند مفارقة الوصف، ويستلزم ذلك أنه لابد من مفارقة الوصف للموضوع، كقولك: "كل كاتب فهو متحرك الأصابع بالضرورة ما دام كاتبًا لا دائمًا". والوقتية المطلقة هي الضرورية التي تقيد ضرورتها بوقت معين من غير تعرض لنفي دوام المحمول للموضوع في غير ذلك الوقت، كقولك: "كل إنسان متحرك الأصابع بالضرورة وقت الكتابة". والوقتية دون الوصف بالإطلاق هي الضرورية المماثلة للتي قبلها، لكن مع التعرض لنفي الدوام عند مفارقة ذلك الوقت المعين، كقولك: "كل إنسان متحرك الأصابع بالضرورة وقت الكتابة لا دائمًا". والمنتشرة المطلقة هي الضرورية التي قيدت ضرورتها بوقت غير معين مع عدم التعرض لنفي دوام المحمول للموضوع في غير ذلك الوقت غير المعين، كقولك: "كل إنسان ميت بالضرورة وقتًا ما". والمنتشرة من غير أن توصف بالإطلاق مثل التي قبلها، لكن مع

стр. 107

التعرض لنفي دوام المحمول للموضوع في غير ذلك الوقت غير المعين، كقولك: "كل إنسان ميت بالضرورة وقتًا ما لا دائمًا". فهذه هي السبع الموجهة بالضرورة، ومعنى كونها موجهة بالضرورة أن نسبة المحمول فيها إلى الموضوع واجبة عقلًا. وأما الثلاث الموجهات بالدوام فهي: الدائمة المطلقة، والعرفية العامة، والعرفية الخاصة. أما الدائمة المطلقة فهي التي لم يقيد دوامها بقيدٍ زائدٍ على ذات الموضوع، كقولك: "كل كافر فهو معذب في الآخرة دائمًا، وكل فلك فهو متحرك دائمًا". وأما العرفية العامة فهي الدائمة التي يقيد دوامها بوصف الموضوع من غير تعرض فيها لنفي دوام المحمول له عند مفارقة الوصف، كقولك: "كل آكل فهو متحرك الفم ما دام آكلًا". وأما العرفية الخاصة فكالتي قبلها لكن مع التعرض لنفي دوام المحمول للموضوع عند مفارقة الوصف له، كقولك: "كل آكل فهو متحرك الفم ما دام آكلًا لا دائمًا". وأما الخمس الموجهات بالإمكان فهي: العامة، والممكنة، الخاصة، والممكنة الوقتية، والممكنة الدائمة، والحينية الممكنة. أما الممكنة العامة فهي التي أريد بها أن نسبتها غير ممتنعة عقلًا، أعم من أن تكون ضرورية أو دائمة أو غيرهما، وأعم أيضًا من أن يكون نقيض نسبتها ممكنًا أو دائما أو ممتنعًا، ولا يكون ضروريًّا وإلا كانت

стр. 108

نسبتها هي ممتنعة؛ فلا تكون ممكنة. فنفي الضرورة إذًا في نقيض نسبتها لازمٌ لها، كقولك: "كل إنسان كاتب بالإمكان العام"، وكقولك: "لا شيء من الإنسان بكاتب بالإمكان العام"، وكقولك: "كل إنسان حيوان بالإمكان العام". وقد قدمنا أن الممكنة العامة أعم من الضرورية المطلقة لاندراجها فيها، كما في هذا المثال الأخير. وأما الممكنة الخاصة فهي التي أريد بها أن نسبتها غير ممتنعة، ونقيض نسبتها أيضا غير ممتنع، فلا ضرورة فيهما معًا، بل كلتا النسبتين أمر يمكن ثبوته ونفيه، كقولك: "كل إنسان كاتب بالإمكان الخاص". وأما الممكنة الوقتية فهي التي قيد إمكانها بوقت معين، كقولك: "كل إنسان فهو حي بالإمكان وقت مفارقة الروح له"؛ لأن حياته مع مفارقة الروح أمر ممكن عقلًا، فيمكن عقلًا أن يمده اللَّه بحياة من غير مشابكة روح لبدنه، وهو القادر على كل شيء، وقد شوهد نظير ذلك في الجذع الذي حنَّ لمفارقته صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، والحجر الذي كان يسلِّم عليه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، والأرواح حية دون مشابكة أرواح لها، فالحياة مع عدم الروح أمر ممكن عقلًا، وإن استحال عادة. وأما الممكنة الدائمة فهي التي قيد إمكانها بالدوام، كقولك: "كل جرم فهو معدوم بالإمكان دائمًا".

стр. 109

وأما الحينية الممكنة فهي التي قيد إمكانها بحين وصف الموضوع، كقولك: "كل آكل للمقتات به عادة فهو جائع بالإمكان حين هو آكل"؛ لأن الشبع حين الأكل أمر يمكن تخلفه عقلًا، فلو شاء اللَّه ألا يشبع الآكل لم يشبع، ولو أَكل جميع ما في الدنيا، فسببية الشبع للأكل أمر يمكن تخلفه عقلًا وإن استحال عادة. وربما عسر الفرق بين الممكنة الوقتية والحينية الممكنة، والفرق بينهما أن الحين في هذه الأخيرة هو حين وصف الموضوع بالمحمول، بخلاف الأولى. فظهر الفرق. وأما الأربع الموجهة بالإطلاق فهي: المطلقة العامة، والحينية المطلقة، والوجودية لا ضرورية، والوجودية لا دائمة. أما المطلقة العامة فهي التي أريد بها أن نسبتها واقعة بالفعل إيجابًا أو سلبًا، من غير تعرض لضرورة ولا دوام ولا لسلبهما، كقولك: "كل إنسان فهو ميت بالإطلاق العام". وأما الحينية المطلقة فهي التي قيد إطلاقها -أي نسبتها الفعلية- لحين وصف الموضوع، كقولك: "كل كاتب فهو متحرك الأصابع بالإطلاق حين هو كاتب". وأما الوجودية لا ضرورية فهي المطلقة التي تعرض فيها لكون نسبتها الفعلية غير ضرورية، أي غير واجبة عقلًا، كقولك: "الإنسان كاتب لا بالضرورة". وأما الوجودية لا دائمة فهي المطلقة التي أريد بها أن نسبتها فعلية

стр. 110

مع التعرض لنفي دوامها، كقولك: "كل إنسان فهو ميت لا دائمًا". فهذه هي الموجهات، وهي تسع عشرة كما تقدم، وبعضهم يكتفي ببعضها، فيجعلها خمس عشرة. واعلم أن الجهات الأربع اثنتان منها مقابلتان لاثنتين، فالضرورة والإمكان متقابلان، والدوام والإطلاق متقابلان، ولذا يلزم في نقيض الموجهة بضرورة أن يكون موجهًا بإمكان كالعكس، كما يلزم في نقيض الموجهة بدوام أن يكون موجهًا بإطلاق كالعكس، كما هو مقرر في محله. والبسائط من الموجهات اثنتا عشرة، والمركبات منها سبع، وسأبينها لك بالعد بعد الحد. أما الحد الذي تعرف به الموجهة البسيطة من الموجهة المركبة فهو أن تعلم أن النسبة لابد أن تكون إيجابية أو سلبية، والموجهة إذا تعرض فيها لإحدى النسبتين فقط -أعني الإيجاب وحده، أو السلب وحده- فهي بسيطة، وإذا تعرض فيها لإيجاب وسلب معًا فهي مركبة، وكذا إذا وجهت بالإمكان الخاص. فالمركبات سبعٌ، ثلاثٌ منها من الموجهات بالضرورة، وهي: المشروطة الخاصة، والوقتية، والمنتشرة. وواحد من الموجهات بالدوام، وهي: العرفية الخاصة. وواحدة من الموجهات بالإمكان، وهي: الممكنة الخاصة. واثنتان من الموجهات بالإطلاق، وهما: الوجودية لا ضرورية، والوجودية لا دائمة.
следующие страницы →