أن توصف بالإطلاق.
فالضرورية المطلقة هي التي لم تقيد ضرورتها بقيد زائد على ذات الموضوع، كقولك: "كل إنسان حيوان بالضرورة".
والمشروطة العامة هي الضرورية التي تقيد ضرورتها بوصف الموضوع، من غير تعرض لنفي الدوام عند مفارقة ذلك الوصف، كقولك: "كل كاتب فهو متحرك الأصابع بالضرورة ما دام كاتبًا".
والمشروطة الخاصة كالتي قبلها لكن مع التعرض فيها لنفي الدوام عند مفارقة الوصف، ويستلزم ذلك أنه لابد من مفارقة الوصف للموضوع، كقولك: "كل كاتب فهو متحرك الأصابع بالضرورة ما دام كاتبًا لا دائمًا".
والوقتية المطلقة هي الضرورية التي تقيد ضرورتها بوقت معين من غير تعرض لنفي دوام المحمول للموضوع في غير ذلك الوقت، كقولك: "كل إنسان متحرك الأصابع بالضرورة وقت الكتابة".
والوقتية دون الوصف بالإطلاق هي الضرورية المماثلة للتي قبلها، لكن مع التعرض لنفي الدوام عند مفارقة ذلك الوقت المعين، كقولك: "كل إنسان متحرك الأصابع بالضرورة وقت الكتابة لا دائمًا".
والمنتشرة المطلقة هي الضرورية التي قيدت ضرورتها بوقت غير معين مع عدم التعرض لنفي دوام المحمول للموضوع في غير ذلك الوقت غير المعين، كقولك: "كل إنسان ميت بالضرورة وقتًا ما".
والمنتشرة من غير أن توصف بالإطلاق مثل التي قبلها، لكن مع
стр. 107
التعرض لنفي دوام المحمول للموضوع في غير ذلك الوقت غير المعين، كقولك: "كل إنسان ميت بالضرورة وقتًا ما لا دائمًا".
فهذه هي السبع الموجهة بالضرورة، ومعنى كونها موجهة بالضرورة أن نسبة المحمول فيها إلى الموضوع واجبة عقلًا.
وأما الثلاث الموجهات بالدوام فهي: الدائمة المطلقة، والعرفية العامة، والعرفية الخاصة.
أما الدائمة المطلقة فهي التي لم يقيد دوامها بقيدٍ زائدٍ على ذات الموضوع، كقولك: "كل كافر فهو معذب في الآخرة دائمًا، وكل فلك فهو متحرك دائمًا".
وأما العرفية العامة فهي الدائمة التي يقيد دوامها بوصف الموضوع من غير تعرض فيها لنفي دوام المحمول له عند مفارقة الوصف، كقولك: "كل آكل فهو متحرك الفم ما دام آكلًا".
وأما العرفية الخاصة فكالتي قبلها لكن مع التعرض لنفي دوام المحمول للموضوع عند مفارقة الوصف له، كقولك: "كل آكل فهو متحرك الفم ما دام آكلًا لا دائمًا".
وأما الخمس الموجهات بالإمكان فهي: العامة، والممكنة، الخاصة، والممكنة الوقتية، والممكنة الدائمة، والحينية الممكنة.
أما الممكنة العامة فهي التي أريد بها أن نسبتها غير ممتنعة عقلًا، أعم من أن تكون ضرورية أو دائمة أو غيرهما، وأعم أيضًا من أن يكون نقيض نسبتها ممكنًا أو دائما أو ممتنعًا، ولا يكون ضروريًّا وإلا كانت
стр. 108
نسبتها هي ممتنعة؛ فلا تكون ممكنة.
فنفي الضرورة إذًا في نقيض نسبتها لازمٌ لها، كقولك: "كل إنسان كاتب بالإمكان العام"، وكقولك: "لا شيء من الإنسان بكاتب بالإمكان العام"، وكقولك: "كل إنسان حيوان بالإمكان العام". وقد قدمنا أن الممكنة العامة أعم من الضرورية المطلقة لاندراجها فيها، كما في هذا المثال الأخير.
وأما الممكنة الخاصة فهي التي أريد بها أن نسبتها غير ممتنعة، ونقيض نسبتها أيضا غير ممتنع، فلا ضرورة فيهما معًا، بل كلتا النسبتين أمر يمكن ثبوته ونفيه، كقولك: "كل إنسان كاتب بالإمكان الخاص".
وأما الممكنة الوقتية فهي التي قيد إمكانها بوقت معين، كقولك: "كل إنسان فهو حي بالإمكان وقت مفارقة الروح له"؛ لأن حياته مع مفارقة الروح أمر ممكن عقلًا، فيمكن عقلًا أن يمده اللَّه بحياة من غير مشابكة روح لبدنه، وهو القادر على كل شيء، وقد شوهد نظير ذلك في الجذع الذي حنَّ لمفارقته صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، والحجر الذي كان يسلِّم عليه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، والأرواح حية دون مشابكة أرواح لها، فالحياة مع عدم الروح أمر ممكن عقلًا، وإن استحال عادة.
وأما الممكنة الدائمة فهي التي قيد إمكانها بالدوام، كقولك: "كل جرم فهو معدوم بالإمكان دائمًا".
стр. 109
وأما الحينية الممكنة فهي التي قيد إمكانها بحين وصف الموضوع، كقولك: "كل آكل للمقتات به عادة فهو جائع بالإمكان حين هو آكل"؛ لأن الشبع حين الأكل أمر يمكن تخلفه عقلًا، فلو شاء اللَّه ألا يشبع الآكل لم يشبع، ولو أَكل جميع ما في الدنيا، فسببية الشبع للأكل أمر يمكن تخلفه عقلًا وإن استحال عادة.
وربما عسر الفرق بين الممكنة الوقتية والحينية الممكنة، والفرق بينهما أن الحين في هذه الأخيرة هو حين وصف الموضوع بالمحمول، بخلاف الأولى. فظهر الفرق.
وأما الأربع الموجهة بالإطلاق فهي: المطلقة العامة، والحينية المطلقة، والوجودية لا ضرورية، والوجودية لا دائمة.
أما المطلقة العامة فهي التي أريد بها أن نسبتها واقعة بالفعل إيجابًا أو سلبًا، من غير تعرض لضرورة ولا دوام ولا لسلبهما، كقولك: "كل إنسان فهو ميت بالإطلاق العام".
وأما الحينية المطلقة فهي التي قيد إطلاقها -أي نسبتها الفعلية- لحين وصف الموضوع، كقولك: "كل كاتب فهو متحرك الأصابع بالإطلاق حين هو كاتب".
وأما الوجودية لا ضرورية فهي المطلقة التي تعرض فيها لكون نسبتها الفعلية غير ضرورية، أي غير واجبة عقلًا، كقولك: "الإنسان كاتب لا بالضرورة".
وأما الوجودية لا دائمة فهي المطلقة التي أريد بها أن نسبتها فعلية
стр. 110
مع التعرض لنفي دوامها، كقولك: "كل إنسان فهو ميت لا دائمًا".
فهذه هي الموجهات، وهي تسع عشرة كما تقدم، وبعضهم يكتفي ببعضها، فيجعلها خمس عشرة.
واعلم أن الجهات الأربع اثنتان منها مقابلتان لاثنتين، فالضرورة والإمكان متقابلان، والدوام والإطلاق متقابلان، ولذا يلزم في نقيض الموجهة بضرورة أن يكون موجهًا بإمكان كالعكس، كما يلزم في نقيض الموجهة بدوام أن يكون موجهًا بإطلاق كالعكس، كما هو مقرر في محله.
والبسائط من الموجهات اثنتا عشرة، والمركبات منها سبع، وسأبينها لك بالعد بعد الحد.
أما الحد الذي تعرف به الموجهة البسيطة من الموجهة المركبة فهو أن تعلم أن النسبة لابد أن تكون إيجابية أو سلبية، والموجهة إذا تعرض فيها لإحدى النسبتين فقط -أعني الإيجاب وحده، أو السلب وحده- فهي بسيطة، وإذا تعرض فيها لإيجاب وسلب معًا فهي مركبة، وكذا إذا وجهت بالإمكان الخاص.
فالمركبات سبعٌ، ثلاثٌ منها من الموجهات بالضرورة، وهي: المشروطة الخاصة، والوقتية، والمنتشرة. وواحد من الموجهات بالدوام، وهي: العرفية الخاصة. وواحدة من الموجهات بالإمكان، وهي: الممكنة الخاصة. واثنتان من الموجهات بالإطلاق، وهما: الوجودية لا ضرورية، والوجودية لا دائمة.
стр. 111
والبواقي بسائط، وهي اثنتا عشرة، أربع منها من الموجهات بالضرورة، وهي: الضرورية المطلقة، والمشروطة العامة، والوقتية المطلقة، والمنتشرة المطلقة. واثنتان من الموجهات بالدوام، وهما: الدائمة المطلقة، والعرفية العامة. وأربع من الموجهات بالإمكان، وهي: الممكنة العامة، والممكنة الوقتية، والممكنة الدائمة، والحينية الممكنة. واثنتان من الموجهات بالإطلاق، وهما: المطلقة العامة، والحينية المطلقة.
فهذا إتمام عدها بعد حدها، أعني البسائط المركبات من الموجهات، وتحقيقها يحتاج إليه في التناقض إذا كان باعتبار الجهة.
ثم من الغد دعانا علماء المعهد الديني في "أم درمان"، فوجدناه حافلًا بالعلماء والطلبة الأذكياء، تدرس فيه فنون كثيرة، منها: الأصول، والبلاغة، والكلام، والمنطق، وغير ذلك، وحضرنا في ذلك المعهد الديني أيامًا، وأكثر الطلبة وبعض العلماء سألونا عن مسائل من فنونٍ شتى.
فأول ما سألونا عنه في يوم قدومنا عليهم أول مرة أن قال لنا بعض الأساتذة المدرسين أن نتكلم لهم على قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد/ ٣١].
فكان جوابنا أنَّ هذه الآية الكريمة نزلت في نفر من مشركي مكة، منهم عبد اللَّه بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي ﵁ أخو أم سلمة ﵂؛ لأنه كان قبل إسلامه من أشد المشركين عنادًا
стр. 112
وكفرًا، وهو القائل قبل إسلامه: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء/ ٩٣]، قال هو وابن عمه أبو جهل بن هشام في نفر من المشركين للنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "إن سرك أن نتبعك فسيِّرْ عنا جبال مكة بالقرآن وأَذْهِبْها؛ لتتسع أرض مكة لمزارعنا، فإنها أرض ضيقة، واجعل لنا فيها عيونًا وأنهارًا؛ لنغرس فيها الأشجار، ونزرع ونتخذ البساتين، فلست في زعمك بأهون على اللَّه تعالى من داود ﵇ حيث سخر اللَّه له الجبال تسبح معه، وسَخِّرْ لنا الريح لنركبها إلى الشام لحوائجنا وميرتنا، ونرجع في يومنا، فلست أهون على ربك من سليمان، أو أَحْيِ لنا جدَّك قصيًّا أو من شئت من آبائنا وموتانا لنسأله عن أمرك، فإن عيسى ﵇ كان يحيي الموتى، ولست بأهون على اللَّه منه"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية.
وفي معنى هذه الآية وجهان لعلماء التفسير:
فمعناها عند قتادة: لو أن تسيير الجبال عن أماكنها وإذهابها، وتقطيع الأرض -أي شقها- أنهارًا وعيونًا، وإحياء الموتى وتكليمهم، فُعِلَ بقرآنٍ أنزل على نبيٍّ قبل قرآنكم لَفُعِلَ بقرآنكم، لأنه أفضل كتاب أنزله اللَّه.
ونظير هذا المعنى في كلام العرب قول ابن أبي سلمى الضبي يصف فرسًا:
فلو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر
стр. 113
وعلى هذا التفسير فجواب "لو" محذوف، وتقديره: لو أن قرآنا سيرت به الجبال لكان هذا القرآن العظيم. وحذف جواب "لو" إذا دل المقام عليه جائزٌ اكتفاء بمعرفة السامعين، كقول الشاعر:
فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعًا
والتقدير: لو شيء أتانا سوى رسولك لرددناه.
والوجه الثاني: أن معنى الآية: لو أجبناكم فيما اقترحتم فسيَّرنا عنكم جبال مكة بهذا القرآن، وشققنا لكم به الأرض أنهارًا وعيونًا، وأحيينا لكم به الموتى حتى كلموكم، لتماديتم على كفركم بالرحمن.
ويدل لهذا التفسير الأخير أمور:
أحدها: أن جواب "لو" المحذوف تقدم ما يدل عليه في هذا التفسير، وهو قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد/ ٣٠]، وقد قال بعده: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾. فيكون المعنى: ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال لكفروا بالرحمن. أي: لو فعلنا لهم ما طلبوا لما آمنوا.
بل قيل: إن ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ﴾ جواب "لو" مقدمٌ عليها بناءً على القول بجواز ذلك.
والأمر الثاني: إتيانه تعالى بعده بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾. ومعنى قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ أفلم يعلم الذين آمنوا أن اللَّه لو شاء هدايتهم لهداهم، وحيث لم يشأ هداهم فلا ينفع فيهم تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى.
стр. 114
فقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ فيه دلالة ظاهرة على أن المراد: لو سيرنا لهم الجبال لما آمنوا، إذ لا إيمان إلا بمشيئتنا.
وكون "أفلم ييأس" بمعنى "أفلم يعلم" أمر معروف عند العرب، ومنه قول الشاعر:
ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه ... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا
وقول الآخر.
فقلت لهم بالشعب إذ يأسرونني ... ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم
الأمر الثالث: أنه -أي التفسير الأخير- تشهد لمعناه الآيات القرآنية بكثرة، لأنها ناطقة بأن الكفار لو فعل اللَّه لهم ما اقترحوا من الآيات لما آمنوا، ولتمادوا على كفرهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام/ ١١١]، وكقوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر/ ١٤ - ١٥]، وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام/ ٧]، وكقوله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام/ ١٠٩]، وكقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس/ ١٠١]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا
стр. 115
يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس/ ٩٦ - ٩٧]. والآيات في هذا كثيرة، وخيرُ ما فسَّرتَه بالوارد.
فإن قيل: هذا التفسير الذي ذكرتم ما يفيد رجحانه مشكل؛ لأن تنكير ﴿قُرءَانًا﴾ من قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ ينافي إرادة هذا القرآن المعيَّن؛ لأن مقتضى التنكير بالوضع الشيوع في جنس القرآن، فتفسير قرآنٍ منكَّير بهذا القرآن المعيَّن لا يخلو من إشكال.
فالجواب: أن تنكير المعتن على سبيل التجريد المعروف عند علماء البلاغة دالّ على تعظيمه، وهو معنى معروف في اللغة العربية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر/ ١٤]. يعني نفسه جل وعلا.
ومنه قول قتادة بن سلمة الحنفي:
فلئن بقيت لأرحلن بغزوة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم
يعني نفسه.
ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته:
ترَّاك أمكنةٍ إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النفوس حماها
يعني نفسه.
ثم سألونا عن وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء/ ١٦] وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف/ ٢٨].
стр. 116
فكان جوابنا أن للجمع بين الآيتين ثلاثة أوجه:
الأولى: أن معنى ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أمرنا المتنعمين من أهلها باتباع الرسل، وتصديقهم فيما جاءوا به من عندنا، ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ يعني فخرجوا عن طاعتنا، وكذبوا رسلنا، ولجوا في كفرهم وطغيانهم، فدمرناهم تدميرًا.
وعلى هذا التفسير فمتعلق ﴿أَمَرْنَا﴾ هو الإيمان واتباع الرسل، فلا ينافي قوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾.
والوجه الثاني: أن الأمر في قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ أمر قدري تكويني، لا شرعي، وعليه فمعنى ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ قدرنا عليهم الفسوق والكفر، والأمر القدري التكويني مثل قوله للذين اعتدوا في السبت: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة/ ٦٥].
والكفر واقع بإرادته الكونية لا بإرادته الشرعية، بدليل قوله في إرادته الكونية: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام/ ١٠٧]، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة/ ١٣]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام/ ٣٥]، وقوله في إرادته الشرعية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء/ ٦٤]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات/ ٥٦].
واعلم أن الإرادة الكونية أعم من الرضى؛ لأن اللَّه جل وعلا يريد بإرادته الكونية ما هو مرضيّ عنده كإيمان المؤمنين، ويريد بها ما ليس مرضيًّا عنده ككفر الكافرين.
стр. 117
وأما الإرادة الشرعية فهي ملازمة للرضى، فكل ما أراده اللَّه شرعًا فهو مرضيٌّ عنده، وكل ما هو مرضيٌّ عنده فهو مراد له شرعًا.
وهذا التحقيق تدل عليه آيات القرآن، لأن قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ نصٌّ في أن شركهم إنما وقع بمشيئة اللَّه وهي إرادته الكونية، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْ﴾ [الزمر/ ٧] دليل على أن الكفر ليس بمرضيٍّ عنده، وأنه غير مراد له شرعًا.
الوجه الثالث: أن معنى ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أكثرنا عددهم ففسقوا فيها، والعرب تقول: مره أمرًا بمعنى كثَّره.
واستدل قائل هذا القول بما أخرجه الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة عن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "خير مال امرئ مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة"، والمراد بالمأمورة: كثيرة النسل، وهو محل الشاهد، وبالسكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: التي علق عليها طلع الذكر لئلا يسقط ثمرها.
ثم سألنا بعض أذكياء الطلبة بمحضر طائفة من العلماء في "أم درمان" المذكورة عن قصة الغرانيق في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحج/ ٥٢]، وطلبوا منا أن نتكلم على هذه الآية الكريمة.
فأجبناهم بأن كثيرًا من المفسرين ذكروا أن سبب نزولها أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم قرأ سورة النجم بمكة، فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ
стр. 118
اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم/ ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى"، فلما بلغ آخر السورة سجد وسجد معه المشركون والمسلمون، وقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم. وشاع في الناس أن أهل مكة أسلموا بسبب سجودهم مع النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم حتى رجع المهاجرون من الحبشة ظنًّا منهم أن قومهم أسلموا، فوجدوهم على كفرهم ولم يدخل أحد منهم مكة إلا مستخفيًا، أو بجوار من يحميه من المشركين.
والغرانيق: الذكور من طير الماء، واحدها غُرْنُوق كعصفور، أو غِرْنَوْق كفردوس، أو غِرْنَيْق كِمعْلَيق (١)، أو غِرْنِيق كمسكين، وهي طيور بيض طويلة الأعناق والقوائم، وقيل: الغرنوق هو الكُركي.
ومعنى قول الشيطان: "تلك الغرانيق العلى" أن الأصنام في علو منزلتها ورفعة شأنها كالغرانيق المرتفعة نحو السماء في طيرانها.
وسنتكلم أولًا على معنى الآية، ثم على قصة الغرانيق.
اعلم أولًا أن التمني في هذه الآية، فيه للعلماء وجهان:
أحدهما: أنه هو التمني المعروف الذي أداته "ليت".
والثاني: أن معناه التلاوة، والعرب تقول: "تمنى" إذا تلا، وتمنى القراءة أمنية، ومنه قول الشاعر في عثمان بن عفان ﵁:
стр. 119
تمنى كتاب اللَّه أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادر
وقول الآخر:
تمنى كتاب اللَّه في الليل خاليًا ... تمني داود الزبورَ على رِسْلِ
فمعنى "تمنى" في البيتين: تلا وقرأ.
وعلى هذا أكثر المفسرين.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إذا حدَّث ألقى الشيطان في حديثه.
وعلى هذا فمعنى الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلا وحاله أنه إذا قرأ شيئا من الآيات ألقى الشيطان في أمنيته -أي قراءته- الشبه والوساوس والتخيلات؛ ليصد الناس عنها، أو ألقى الشيطان في القراءة ما ليس منها مما يرضى به الكفار، ثم يبطل اللَّه إلقاء الشيطان، ويتبت آياته، محكمات بينات.
وعلى القول بأن "تمنى" معناه أراد وأحب، فالمعنى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلا أنه إذا أحب شيئًا واشتهاه، وحدث به نفسه مما لم يؤمر به ألقى الشيطان في أمنيته، أي مراده ومشتهاه، وما من نبي إلا تمنى أن يؤمن قومه، ولا تمنى نبي ذلك إلا ألقى الشيطان في أمنيته.
والمراد بالنسخ في قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ النسخ اللغوي الذي هو الإزالة والإبطال، لا النسخ الشرعي الذي هو رفع
стр. 120
حكم شرعي بخطاب جديد، أو بيان انقضاء زمن العمل به؛ لأن ما ألقاه الشيطان ليس بحكم حتى يكون رفعه نسخًا شرعيًّا، بل هو باطل أبطله اللَّه وأزاله.
والعلماء مختلفون في أصل قصة الغرانيق هل هي باطلة أو ثابتة.
فعلى القول ببطلانها فالأمر واضحٌ، وعلى القول بثبوتها فمعنى إلقاء الشيطان على لسان النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان يقرأ القرآن يرتله ترتيلًا تتخلله سكتات، فراقب الشيطان بعض سكتات النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، ثم حاكى قراءته صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بقوله -عليه لعنة اللَّه-: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفعاتهن لترتجى" فظن المشركون صوت الشيطان صوت النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
وهذا الجواب عن قصة الغرانيق على القول بثبوتها هو أحسن الأجوبة عنها، وارتضاه جمعٌ من المحققين من أجوبةٍ كثيرةٍ.
وحجة القائل بأن قصة الغرانيق باطلةٌ اضطراب رواتها، وانقطاع سندها، واختلاف ألفاظها، بعضهم يقول: إن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان في الصلاة. وبعضهم يقول: قرأها وهو في نادي قومه. وآخر يقول: قرأها وقد أصابته سِنَةٌ. وآخر يقول: بل حدث نفسه فجرى ذلك على لسانه. وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسان النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وأن النبي لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك. . . إلى غير ذلك من اختلاف ألفاظها.
стр. 121
والذي جاء في الصحيح من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁: "أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم قرأ: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فسجد فيها، وسجد من كان معه غير أن شيخًا من قريش أخذ كفًا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته فسجد عليه. قال عبد اللَّه: فلقد رأيته بَعْدُ قُتِلَ كافرًا" أخرجه الشيخان في صحيحيهما.
وصح من حديث ابن عباس ﵄: "أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس" رواه البخاري ﵀.
فهذا الذي جاء في الصحيح لم يذكر فيه أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم ذكر الغرانيق ولا شفاعتها، ولا شيئًا من تلك القصة، والذي ذكره المفسرون عن ابن عباس في هذه القصة، إنما هو من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵁، والكلبي ضعيف جدًّا، بل متروك، ولذا قال ابن العربي المالكي: إن قصة الغرانيق باطلة لا أصل لها.
وقال القاضي عياض: إن قصة الغرانيق لم يخرجها أحدٌ من أهل الصحة، ولا رواها ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلتها واضطراب رواياتها وانقطاع إسنادها، وذكر أن من حملت عنه من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية.
قال: وقد بَيَّنَ البزار أنها لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير ﵁، مع الشك الذي وقع في
стр. 122
وصله.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: وقد اعترف الحافط بن حجر العسقلاني ﵀ مع انتصاره لثبوت هذه القصة بأن طرقها كلها إما منقطعة أو ضعيفه إلا طريق سعيد بن جبير، وإذا علمت أن طرقها كلها لا يعول عليها إلا طريق سعيد بن جبير، فاعلم أن طريق سعيد بن جبير لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد، وهو وإن كان ثقة فقد شك في وصلها، فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، فقال أمية بن خالد في إسناده هذا: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب. . . ثم ساق حديث القصة المذكورة.
وقال البزار: لا يروى متصلًا إلا بهذا الإسناد، تفرَّد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور.
وقال -أعني البزار-: وإنما يروى من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي متروك.
فتحصل مما ذكرنا أن قصة الغرانيق لم تثبت من طريقٍ متصلةٍ يجوز ذكرها إلا هذا الطريق الذي شك راويه -وهو أمية بن خالد- في الوصل، وما لم يثبت إلا من طريق شك صاحبه في الوصل فضعفه ظاهر، ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره في قصة الغرانيق: إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح، واللَّه تعالى أعلم.
وقال البيهقي فيها: إنها غير ثابتة من جهة النقل. وذكر الرازي في
стр. 123
تفسيره أنها باطلة.
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: إن القول بعدم صحتها له شاهد من القرآن العظيم في سورة النجم نفسها، وشهادته لعدم صحتها واضحة، وهو أن قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، الذي يقول القائل لصحة القصة: إن الشيطان ألقى لعده ما ألقى، قرأ النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بعد في تلك اللحظة في الكلمات التي تليه من سورة النجم قوله تعالى: ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم/ ٢٣] فهذا يتضمن منتهى ذم الغرانيق التي هي كناية عن الأصنام، إذ لا ذمَّ أعظم من جعلها أسماء بلا مسميات، وجعلها باطلًا ما أنزل اللَّه به من سلطان.
فلو فرضنا أن الشيطان ألقى على لسانه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم تلك الغرانيق العلى بعد قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾، وفرح المشركون بأنه ذكر آلهتهم بخير، ثم قال النبي في تلك اللحظة: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، وذم الأصنام بذلك غاية الذم، وأبطل شفاعتها غاية الإبطال، فكيف يعقل بعد هذا سجود المشركين وسبُّ أصنامهم هو الأخير، والعبرة بالأخير.
ويستأنس بقوله أيضا بعد ذلك بقليلٍ في الملائكة: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم/ ٢٦]؛ لأن إبطال شفاعة الملائكة إلا بإذن اللَّه معلومٌ منه عند الكفار بالأحروية إبطال شفاعة الأصنام المزعومة.
стр. 124
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في تفسير سورة الحج ما يفيد ثبوت قصة الغرانيق، وذكر أنها ثبتت بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذلك من لا يحتج به لاعتضاد لعضها ببعض، واحتج أيضًا لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلًا، ثم قال: وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع في القصة مما يستنكر وهو قوله: "ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى"، فإن ذلك لا يجوز حملة على ظاهره، لأنه يستحيل عليه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أن يزيد في القرآن ما ليس منه عمدًا، وكذا سهوًا إذا كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد؛ لمكان عصمته صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
ثم أخذ -أعني الحافظ ابن حجر- في أجوبة العلماء عن القصة المذكورة على تقدير ثبوتها، وذكر أجوبة كثيرة، وقد قدمت أن أحسنها ما استحسنه كثير من المحققين من أن الشيطان هو الذي قال: "تلك الغرانيق العلى" فظن المشركون أنها من كلام نبينا صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم وحاشاه من ذلك، ولذا اقتصرت على هذا الجواب، ولم أذكر غيره، واللَّه تعالى في كتابه العزيز أسند هذا الإلقاء للشيطان حيث قال: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، ونسبته إياه للشيطان تدل على براءة جناب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم منه.
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: اعلم أن براءة ساحة خاتم الرسل وأشرفهم وسيد ولد آدم بالإطلاق عليه صلوات اللَّه وسلامه مما جاء في ظاهر هذه القصة تدل عليها البراهين القاطعة، والأدلة الساطعة
стр. 125
كما ستراه.
وقول الشيطان: "تلك الغرانيق العلى" شركٌ أكبر صُراح، وكفرٌ بواح، وهو صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم مبعوثٌ لإخلاص العبادة للَّه وحده مما تضمنته كلمة لا إله إلا اللَّه، كجميع إخوانه من المرسلين؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/ ٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء/ ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف/ ٤٥].
فإخلاص العبادة للَّه وحده هو دعوة عامة الرسل، وأشدهم فيه احتياطًا خاتمهم صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، ولذا منع بعض الأمور التي كانت مباحة عندهم احتياطًا في توحيد اللَّه في عبادته جل وعلا، فالسجود لمخلوق في شريعته السمحة كفرٌ باللَّه تعالى، مع أنه كان جائزًا في شرع غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى عن يعقوب وأولاده في سجودهم ليوسف: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف/ ١٠٠].
ولذلك أمر نبينا صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أن يقول للناس: إنه ما أوحي إليه إلا توحيد اللَّه تعالى في عبادته في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ [الأنبياء/ ١٠٨]، وقد تقرر عند الأصوليين والبيانيين أن لفظ "إنما" من أدوات الحصر، فدلت الآية على حصر الموحى إليه صلى اللَّه عليه
стр. 126
وعلى آله وسلم في أصله الأعظم الذي هو "لا إله إلا اللَّه"؛ لأنها دعوة جميع الرسل، وغيرها من شرائع الإسلام وفروعها تابعة لها.
ولهذا صار مكذب رسول واحدٍ مكذِّبًا لجميع الرسل؛ لأن دعوتهم واحدةً، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء/ ١٠٥] أي بتكذيبهم نوحًا. ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الشعراء/ ١٢٣] أي بتكذيبهم هودًا. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾ [الشعراء/ ١٤١] أي بتكذيبهم صالحًا. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠)﴾ [الشعراء/ ١٦٠]، أي بتكذيبهم لوطًا. ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)﴾ [الشعراء/ ١٧٦]، أي بتكذيبهم شعيبًا.
فهذه الآيات تدل على أن مكذب رسولٍ واحد مكذبٌ لجميع الرسل، وذلك لاتحاد دعوتهم، وهي مضمون "لا إله إلا اللَّه"، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء/ ١٥٠ - ١٥١].
فإذا حققت هذا علمت أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم لا يقول: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى"؛ لما في هذا الكلام من الشرك الصراح، والكفر البواح، المضاد لما جاء به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ولا يَقْدِرُ الشيطان أن يجري ذلك على لسانه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، لأنه ليس له عليه من سلطان، بشهادة القرآن وبإقرار الشيطان، قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)
стр. 127
إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل/ ٩٨ - ١٠٠] ومعلوم أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم من الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، وأنه ليس من الذين يتولونه والذين هم به مشركون.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر/ ٤٢] ومعلوم أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم من عباده الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، وأنه ليس من الغاوين الذين اتبعوه.
وأقر الشيطان بأنه لا سبيل له على من هو دونه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وأحرى هو صلوات اللَّه عليه وسلامه، قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص/ ٨٢ - ٨٣]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم/ ٢٢].
وقال تعالى في نبينا صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى/ ٦]، وقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم/ ٣ - ٤].
وصرح جل وعلا بحفظ القرآن من دسائس الشيطان، قال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت/ ٤١ - ٤٢]، فقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ فعل في سياق النفي، والفعل في سياق النفي من صيغ العموم، كالنكرة في سياق النفي عند المحققين من علماء الأصول، ووجهه ظاهر؛ لأنك إذا حللت الفعل انحل إلى مصدر وزمن، فهو يدل على نكرةٍ واقعةٍ في
стр. 128
سياق النفي؛ لأن نفي الفعل نفي للمصدر الذي هو جز من مدلوله، فإذا قلنا: "لا يقوم زيد" عمَّ النفي أفراد المصدر، فكأنما قلنا: لا قيام لزيد.
وقال أبو حنيفة: لا تعميم في الفعل بعد النفي وضعًا، بل فيه تعميم عقلي بدلالة الالتزام. وما نصر به الرازي في "محصوله" مذهب أبي حنيفة في عدم عموم الفعل في سياق النفي لا يصح التمسك به، فانظر تحقيقه في "حاشية العبادي على شرح المحلي لجمع الجوامع" يظهر لك ما ذكرنا.
فبهذا تعلم أن قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ يعم نفي كل باطل يأتي القرآن، وقد أكد هذا العموم بقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾، فلو قدرنا أن الشيطان أدخل في القرآن على لسان النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "تلك الغرانيق العلى" -وحاشاه من ذلك- لكان قد أتى القرآن أعظم باطل من بين يديه ومن خلفه، فيكون تصريحًا بتكذيب اللَّه جل وعلا في قوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾، وكل خبر ناقض القرآن العظيم فهو الكاذب؛ للقطع بصدق القرآن العظيم، ونقيض الصادق كاذب ضرورة.
ولا حجة في أن اللَّه جل وعلا نسخ ما ألقاه الشيطان في القرآن على لسان النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كما قال: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج/ ٥٢]؛ لأن الباطل إن أتى القرآن أولا ثم نُسِخَ فنَسْخُه بعد إتيانه لا يرفع اسم الإتيان أولًا، وقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ نص صريح في نفي أصل إتيان الباطل كما قدمنا.
стр. 129
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر/ ٩].
فهذه نصوص قراَنية قاطعة تدل على أن الشيطان لا سبيل له إلى أن يحمل النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم على أن يدخل في القرآن العظيم ما ليس منه من الكفر الصراح والشرك الأكبر.
ولم يبق في الآية الكريمة المسئول عنها إشكال إلا ما يقتضيه ظاهرها من رسالة الرسول ورسالة النبي المغاير للرسول، إذ معنى الكلام: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا أرسلنا من قبلك من نبي"؛ فما عليه أكثر العلماء من أن النبي أعم من الرسول مطلقًا، وأن الرسول أخص من النبي مطلقًا، وأن النبي هو من أوحى إليه وحي أمر بتبليغه أم لا، والرسول من أوحى إليه وأمر بالتبليغ خاصة = لا تساعده هذه الآية الكريمة؛ لأنها تقتضي رسالة الرسول، ورسالة النبي المغاير للرسول.
وللعلماء عن هذا الإشكال أجوبة يتعين حمل المعنى على بعضها.
منها: أن الرسول هو الذي يأتيه جبريل بالوحي عيانًا، والنبي هو الذي تكون نبوته إلهامًا أو منامًا.
ومنها: أن الرسول من بعث بشرع جديد، والنبي من بعث لتقرير شرع من قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يوحى إليهم أن يعملوا بما أنزل قبلهم في التوراة.
ومنها: أن الرسول من بعث بكتاب، والنبي من بعث بغير كتاب.
стр. 130
وعلى كل من هذه الأوجه فلا إشكال في الآية الكريمة.
ثم سألنا اثنين من العلماء المدرسين بالمعهد الديني في "أم درمان" عن تحقيق بيتين في ألفية ابن مالك:
إن يسكن السابق من واو ويا ... واتصلا ومن عروض عريا
فياء الواو اقلبنَّ مُدْغِما ... وشذ معطًى غير ما قد رُسِما
فأجبتهما بأن المعنى: أن الواو والياء إذا اجتمعتا في كلمةٍ، وسبقت إحداهما بالسكون، وكانت السابقة منهما أصلية غير مبدلة من شيءٍ، وسكونها أصلي غير عارض = أبدلت الواو ياء وأدغمت في الياء، وإتيانه مبدلًا مع فقد بعض الشروط المذكورة شاذٌّ، وعدم إبدال الواو ياء في المستوفى للشروط شاذ أيضًا.
مثال الإبدال في مستوفي الشروط: سيِّد، وميِّت، وصيِّب، فأصل سيد سَيْوِد، على وزن "فَيْعِل"، وأصل مَيِّت مَيْوِت، وكذلك أصل صَيِّب صَيْوِب.
كذلك، فاشتقاق السيد من السواد، والسواد: الجيش الكثير ونحوه، وسمي رئيسه سيدًا لأنه يسوس سوادًا، أي خلقًا كثيرًا، واشتقاق الميت من الموت، واشتقاق الصيب من الصَّوْب، وهما ظاهران.
فالياء في الأمثلة الثلاثة جاءت ساكنة غير مبدلة من شيء، وسكونها غير عارض قبل الواو في كلمةٍ واحدة، فأبدلت الواو ياء، فقيل: "سيِّد" بإدغام الياء في الياء، وكذلك صيِّب وميِّت.
стр. 131
وأشار ابن مالك إلى شرط سكون السابق منهما بقوله: "إن يسكن السابق"، وإلى شرط كونهما في كلمة واحدة بقوله: "واتصلا"، وإلى كون السابق غير عارض -أي غير مبدل من شيءٍ وسكونه غير عارض- بقوله: "ومن عروض عريا" أي تجرْد من كونه عارضًا في نفسه أو في سكونه، وأشار إلى شذوذ عدم الإبدال ياء مع استيفاء الشروط، وشذوذ الإبدال مع عدم استيفاء الشروط بقوله: "وشذ معطى غير ما قد رسما".
ومحترزات الشروط: أن الأول منهما إذا كان غير ساكن فلا إبدال، كغيور وطويل، وهذا محترز قوله: "إن يسكن السابق".
ومحترز قوله: "واتصلا" أنهما إن كانت إحداهما في آخر كلمة، والأخرى في أول كلمة أخرى فلا إبدال، لعدم الاتصال، كقوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [البقرة/ ٦١]، فالواو الساكنة هي الأخيرة من "كانوا" والياء هي الأولى من "يكفرون". وكقول الشاعر:
فإنها فلتات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلًا ولا كرما
فالياء الساكنة هي الأخيرة من "يعطي"، والواو هي الأولى من "ويمنع"، ولا إدغام في المثالين؛ لعدم الاتصال.
ومحترز قوله: "ومن عروض عريا" أن الساكن منهما إذا كان عارضًا أي مبدلًا من حرف آخر، وكان سكونه فقط عارضًا، فلا إبدال.
مثال عروض نفس الساكن منهما قولهم: "رُوْيا" بضم الراء والواو الساكنة المبدلة من الهمزة، فإبدال همزة الرؤيا واوًا جائز، وإذا فعل لم
стр. 132
تدغم الواو في الياء ولم تبدل ياء؛ لأنها عارضة، أي مبدلة من حرف غيرها وهو الهمز الذي عَيْنُ مادة رأى، ومن هذا القبيل "ديوان" و"بويع"، لأن ياء "الديوان" أصلها واو، وواو "بويع" مبدلة من ألف بايع.
ومثال عروض السكون فقط دون نفس الحرف الساكن ما لو خففت بالسكون مثل: قوي وهوي اللذان هما فعلان ماضيان مكسورا العين، أولهما من القوة، والثاني من الهوى الذي هو ميل النفس؛ لأنه هو الذي يأتي الفعل منه على فَعِلَ بالكسر يَفْعَل بالفتح، فتقول: هَوِيَ العاشق معشوقته بكسر الواو يهواها بفتحها، أما هوى بمعنى سقط وتردى فهي من فَعَلَ بالفتح يَفْعِل بالكسر، فتقول هَوَى بفتح الواو يَهْوِي بكسرها، والصالح للمثال هنا هو الأول، لأنك إذا خففت هَوِي وقَوِيَ بمكسور واوهما تقول هَوْيَ وقَوْيَ بسكون الواو، فتكون واوًا ساكنة قبل ياء في كلمة، ولا يجوز إبدال هذه الواو ياء وإدغامها في الياء بعدها؛ لأن سكونها عارض، إذ هي مكسورة سكنت للتخفيف.
ومثال شذوذ ترك الإبدال مع استيفاء الشروط المذكورة قولهم: يوم أيوم بمعنى شديد، ومنه قول الشاعر:
إن تهجري أسما فيومي أَيْوَمٌ ... إذا ما هجرت وليلتي ليلاء
ومثال شذوذ إبدال الياء واوًا في مستوفي الشروط المذكورة قولهم: فلان ذو فتوة، وعوى الكلب عوة؛ لأن أصلها "فتوية" بالياء و"عوية" بالياء، إذ ألف الفتى منقلبة عن ياءٍ بدليل تثنيته على فتيين وجمعه على فتيان، وألف عوى منقلبة عن ياء، لأنك إذا أسندت الفعل
стр. 133
منه لضمير رفعٍ ظهرت الياء، فتقول في عوى الكلب: عويت يا كلب.
ومثال شذوذ الإدغام مع عروض السابق قراءة بعضهم: (إن كنتم للرُّيَّا تعبرون) بالإدغام، مع أن الواو عارضة، لأنها مبدلة من همز.
ثم سألنا بعض أذكياء الطلبة من أهل "أم درمان" عن المثنى من أسماء الإشارة والأسماء الموصولة نحو ذين وتين واللذين واللتين هل هو معرب، أم لا؟ وعلى أنه معرب فكيف يسوغ ذلك مع ما تقرر عندهم من أن الأسماء الموصولة مبنية للشبه الافتقاري، وأسماء الإشارة مبنية للشبه المعنوي.
فأجبته بأن بعض النحويين يقول: ذان واللذان مثلًا غير مثنيين حقيقةً، إذ لا يثنى المبني، وصيغتهما صيغة مستقلة، وإنما تغير بالعوامل نظرًا لصورة التثنية، فبنيا على ما يشاكل إعرابهما.
والذي يظهر لمقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه أن هذا القول غير سديد، إذ قولهم في الواحد المشار إليه: "ذا"، وفي الاثنين المشار إليهما: "ذان"، وقولهم: "الذي" في الواحد، و"اللذان" في الاثنين = تثنيةٌ مشاهدةٌ محسوسة، وادعاء أنها صورة خالية من الحقيقة يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، والذي يقبله الذهن السليم أن المثنى من أسماء الإشارة والموصولات معربٌ ومثنًّى حقيقةً لا صورةً، كما عليه ابن مالك في ألفيته حيث قال في كونه مثنى في الإشارة:
وذان تان للمثنى المرتفع ... وفي سواه ذين تين اذكر تطع
وقوله في الموصول:
стр. 134
موصول الأسماء الذي الأنثى التي ... واليا إذا ما ثنيا لا تثبت
قوله في الإشارة: "للمثنى المرتفع" وفي الموصول: "واليا إذا ما ثنيا" دليل على أنه مثنى حقيقةً لا صورةً، وقال في كونه معربًا: "بل ما تليه أوله العلامة"؛ لأن مراده بالعلامة علامة إعراب المثنى التي هي الألف رفغا، والياء نصبًا وخفضًا.
والذي يظهر عند التأمل الصادق أن أصل هذا الإشكال مفهومٌ من قول ابن مالك في ألفيته: "لشبهٍ من الخروف مدني"؛ لأن قوله يؤخذ منه أن الشبه الذي لم يُدْنِ الاسم من الحرف لا يكون موجبًا لبنائه، ألا ترى أن لفظة "زيد" و"رجل" مثلًا ثلاثة حروف هي شبيهة في الوضع بالحروف الموضوعة على ثلاثة أحرف، كليت، وبلى، ونعم، إلا أنه لما كان الوضع على ثلاثة أحرف كثيرًا في الأسماء جدًّا صارت مشابهة الاسم الثلاثي: كزيد ورجل لحرف الثلاثي كليت ونعم في الوضع ضعيفةً غير مُدْنِيَةٍ من الحرف، فلم يحصل البناء، ولذا أعربت "أيّ" لملازمتها الإضافة لفظًا أو تقديرًا مع شبهها بالحرف الشبه المعنوي في الاستفهامية والشرطية، والافتقاري في الموصولة، إلا أنها لما لازمت خاصة الاسم -التي هي الإضافة- أضعف ذلك شبهها بالحرف فلم تُبْنَ.
فإذا حققت هذا المعنى فاعلم أن "ذا" ونحوه من أسماء الإشارة مبنيٌّ لشبهه بالحرف الشبه المعنوي، إذ حق العرب أن تضع حرفًا للإشارة، كما وضعته لأخواتها من الخطاب، والتنبيه، والنداء، ونحو ذلك، فإذا أشارت باسمٍ فقد أدت بذلك الاسم معنًى حقُّه التأديةُ
стр. 135
بالحرف، فيبنى ذلك الاسم لشبهه بالحرف المقدر في معناه، كما قال ابن مالك: "والمعنوي في متى وفي هنا".
وكذلك الموصول فإنه مفتقر إلى جملةٍ افتقارًا أصليًّا، والجملة المذكورة صلته، والحرف مفتقر أبدًا إلى جملةٍ افتقارًا أصليًّا، فتشابها من حيث افتقار كل منهما إلى جملة افتقارًا غير عارض، فبني لذلك.
فإذا ثُني الاسم الموصول، أو اسم الإشارة فقد تعارض فيه أمران:
أحدهما: يستوجب البناء، وهو الشبه بالحرف الشبه المعنوي في الإشارة، والافتقاري في الموصول.
والثاني: يستوجب الإعراب، وهو التثنية؛ لأنها من خصائص الأسماء، واتصافه بأمر خاص بالاسم يضعف شبهه بالحرف.
فراعت العرب في التثنية موجب الإعراب فأعربت، وراعت في الجمع موجب البناء فبنت، ولذا صار "ذان" و"اللذان" معربين، و"أُولي" جمع "ذا"، و"اللذين" جمع "الذي" مبنيين، وربما راعوا موجب الإعراب في "اللذين" لأنها جمع، والجمع من خصائص الأسماء، كما قال ابن مالك في ألفيته:
* وبعضهم بالواو رفعًا نطقا *
فتحصل أن المفرد من الإشارات والموصولات مبني قولًا واحدًا لشبهه بالحرف من غير معارض يضعف ذلك الشبه، والمثنَّى والمجموع منهما تعارض فيهما موجب البناء وهو الشبه بالحرف، مع
стр. 136
موجب الإعراب الذي هو الاتصاف بخاصة الاسم -أعني الجمع والتثنية- فروعي أحد الموجبين في المثنى، والآخر في الجمع. واللَّه تعالى أعلم.
ثم سألني بعض الطلبة في "أم درمان" عن معنى قول الشاعر:
وتُبْلِي الألى يستلئمون على الألى ... تراهن يوم الروع كالحِدَأ القُبْلِ
فأجبته بأن "تُبْلِي" بمعنى تُهْلِك، من قولهم: أبلاه الدهر إذا أهلكه، والضمير في قوله: "تُبْلِي" راجع إلى المنون في بيت قبله، وهو قوله:
فتلك خطوب قد تملت شبابنا ... قديمًا فتبلينا المنون وما نُبْلِي
ومعنى البيت المسئول عنه: "وتُبْلِي" -أي تُهْلِك- المنونُ التي هي الموت، "الألى" جمع "الذي"، وهي هنا جمع مذكر عاقل بدليل قوله: "يستلئمون"، وقوله: "يستلئمون" يلبسون لأمة حربهم كالدروع، وقوله: "على الألى" جمع "التي" فهو جمع مؤنث، بدليل قوله: "تراهن"، و"الروع" الخوف، و"الحِدَأ" جمع حدأة كعنب وعنبة، والحدأة: طائر معروف يختطف اللحم من أيدي الناس و"القُبْلِ" جمع قبلاء كحمر وحمراء، والقبلاء المتصفة بالقَبَل بفتحتين وهو الحول في العين، والحدأة إذا أرادت الانقضاض صارت تنظر بمؤخر عينها كنظر الأحول.
وحاصل معنى البيت: أن المنون -وهي الموت- تهلك الرجال
стр. 137
الذين يلبسون لأمة حربهم دوق ظهور الخيل التي هي في سرعة جريها والتفاتها مثل سرعة الحدأ في انقضاضها.
والبيت شاهد للنحويين على أن "الألى" تكون جمع "الذي" و"التي"، وقوله: "الألى يستلئمون" بمعنى الذين يستلئمون، وقوله: "على الألى تراهن" أي على اللاتي تراهن، وإتيان "الألى" لكل منهما كثيرٌ في كلام العرب، فمنه في التذكير قول عبيد بن الأبرص الأسدي:
نحن الألى فاجمع جمو ... عك ثم وجههم إلينا
ومنه في تأنيث العاقل قول حميد بن ثور الهلالي أو غيره:
فأما الألى يسكنَّ غور تهامة ... فكل فتاة تترك الحجل أفصما
وقول مجنون ليلى:
محا حبها حب الألى كن قبلها ... وحلمت مكانًا لم يكن حل من قبل
ومنه في تأنيث غير العاقل قول الشاعر:
تهيجني للوصل أيامنا الألى ... مررن علينا والزمان وريق
ثم جاءني طالب من طلبة العلم في المعهد المذكور، وقال لي: بَيِّنْ المعاني التي تاتي لها لفظة "ما". فزجره بعض الأساتذة، وقالوا له: لا تضيعوا علينا هذه الفرصة بمثل هذه الأسئلة التي لا يحتاج لها، لظهورها عند صغار الطلبة، ومنعوه من السؤال رغبة عنه إلى ما هو أهم منه.
ثم سألني القاضي الشرعي في "أم درمان" -وهو إذ ذاك الشيخ
стр. 138
يوسف النور- عن تحقيق القول بالموجب؛ لأنه في ذلك الوقت ينظر في كتاب، فوجد فيه ذكر القول بالموجب، فطلب مني الكلام عليه بإيضاح وبيان، فكان جوابي له:
أنَّ القول بالموجب عند الأصوليين مغاير للقول بالموجب عند البيانيين، وسنبينه لك عند الأصوليين والبيانيين.
فالقول بالموجب عند الأصوليين: هو تسليم الدليل مع بقاء النزاع، نحو قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون/ ٨] فإن المنافقين كابن أبيّ استدلوا على إخراجهم النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم وأصحابه من المدينة بأن الأعز قادر على إخراج الأذل، فسلم اللَّه لهم هذا الدليل مبيِّنًا أنهم لا حجة لهم فيه؛ لأنهم هم الأذل لا الأعز، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة/ ٦١] [التوبة/ ٦١] سلَّم لهم كونه أذنًا مبئنًا أنهم لا حجة لهم في عيبه بذلك، بل كونه أذنًا مقتضى لمدحه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، لا ذمه، لقوله جل وعلا: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾.
وهو أي القول بالموجب عند الأصوليين من القوادح في الدليل علة كان أو غيرها، وهو يقع عند الأصوليين على أربعة أوجه:
الأول: أنه يَرِدُ على النفي.
стр. 139
والثاني: أنه يرد على الإثبات.
والثالث: أنه يرد لشمول اللفظ.
والرابع: أنه يرد لأجل سكوت المستدل عن مقدمة غير مشهورة مخافة منع الخصم لها.
وإيضاح هذه الأقسام الأربعة بمثالها:
أن معنى الأول -أي وروده على النفي- هو أن يستنتج المستدل من الدليل إبطال أمر يتوهم منه أنه مبنى مذهب الخصم في المسألة، والخصم يمنع كونه مبنى مذهبه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه.
مثاله: ما لو استدل مالكي أو شافعي على حنفي في مسألة القصاص في القتل بمثقل بأن القتل بمثقل والقتل بمحدد وسيلتان لإزهاق الروح، فالتفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص قياسًا على المتوسل إليه وهو النفس، وأنت يا حنفي توافق على أن التفاوت في النفس لا يمنع القصاص، فلا فرق بين الصغير والكبير والشريف والوضيع، فكذلك التفاوت في الوسيلة إلى إزهاقها، فيقول الحنفي بموجبه بأن يقول: ليس المانع من القصاص عندي التفاوت في وسيلة القتل كما زعمتم، بل أمنعه بمانع اَخر غير هذا المانع الذي نفيتم، ولا يلزم من [انتفاء] مانع بعينه انتفاء غيره من الموانع، ووجود جميع الشرائط بعد قيام المقتضي وثبوت القصاص متوقفٌ على جميع ذلك.
فقول: المستدل: "لا يمنع القصاص" نفيٌ، وقد قدح فيه الحنفي بالقول بموجبه بأن قال: ما توهمت أنه مبنى مذهبي في عدم القصاص
стр. 140
ليس هو مبناه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبي، بل مذهبي أن القتل بالمثقل ليس بعمد، بك هو شبه عمدٍ؛ لأن العمد قصد كامن في النفس، فإذا أخذ القاتل الآلة المعهودة للقتل كالسلاح استدل بذلك على عمده، وإلا فلا يتحقق العمد؛ لأنه قد يقصد بالمثقل الضرب من غير إزهاق الروح، والمعلل بالمظان يكفي فيه مطلق المظنة، كما أنيط قصر الصلاة بالسفر الذي هو مظنة المشقة، وإن لم تقع فيه مشقة بالفعل.
ومعنى ورود القول بالموجب على الإثبات -الذي هو الوجه الثاني- أن يستنتج المستدل من دليله ما يتوهم منه أنه محل النزاع أو لازمه، ولا يكون كذلك في نفس الأمر، فيقول الخصم بموجبه بأن يقول: هذا الدليل الذي ذكرت لا يتناول محل النزاع، فما أنتجه دليلك أعمُّ من صورة النزاع، ولا يخفى أن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص.
مثاله أن يقول المستدل الموجب للقصاص بالقتل بالمثقل، كالمالكي والشافعي: قَتَل بما يقتل غالبًا فلا ينافي القصاص، فيجب فيه القصاص قياسًا على الإحراق بالنار لا ينافي القصاص فيجب فيه. فيقول الحنفي بموجبه بأن يقول: سلمنا عدم المنافاة بين القتل بمثقل وبين القصاص، ولكن لِمَ قلتَ: إن القتل بمثقل يستلزم القصاص؟ ومن أين لك أن عدم منافاة القصاص الذي هو أعمُّ من استلزام القصاص يلزم من وجوده، ومعلومٌ أن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص؛ ومحل النزاع وجوب القصاص وعدمه في القتل بالمثقل، لا
стр. 141
منافاته له وعدمها، ومعلومٌ أن الشيء يكون غير منافٍ للشئ وغير مستلزمٍ له، كالسواد فإنه لا ينافي الحلاوة لجواز كون الأسود حلوًا، ولا يستلزمها لجواز كونه غير حلو.
فقول الحنفي: "سلمنا عدم المنافاة بين القتل بمثقل، وبين القصاص، ولكن لِمَ قلتَ: يستلزمه" قولٌ بالموجب، ورد على إثبات وهو قول المستدل: "فيستلزم القصاص".
فالمقصود من هذا النوع استنتاج ما يتوهم أنه محل الخلاف أو لازمه، والمقصود من النوع الأول استنتاج إبطال ما يتوهم أنه مبنى مذهب الخصم.
ومعنى القسم الثالث -الذي هو ورود القول بالموجب بشمول اللفظ- هو أن يكون لفظ المستدل يشمل صورة من صور الوفاق، فيحمله المعترض على تلك الصورة التي هي محل وفاق، ويبقى النزاع فيما عداها، كأن يقول الحنفي في زكاة الخيل: حيوان يسابق عليه فتجب فيه الزكاة كالإبل. فيقول المعترض، كالمالكي: أقول به إذا كانت الخيل للتجارة.
قال الفهري: هذا هو أضعف أنواع القول بالموجب؛ لأن حاصله مناقشة في اللفظ، فتندفع بمجرد العناية. أي بأن يقول الحنفي: عنيت زكاة الخيل مطلقًا لا خصوص خيل التجارة.
ومثال القسم الرابع -الذي هو ورورد القول بالموجب لأجل سكوت المستدل عن مقدمة غير مشهورة مخافة منع الخصم لها لو
стр. 142
صرح بها- أن يقول مشترط النية في الوضوء والغسل، كالمالكي والشافعي: ما هو قربة يشترط فيه النية كالصلاة. ويسكت عن المقدمة الصغرى المشتملة على موضوع النتيجة، وهو: الوضوء والغسل قربة. فيقول المعترض كالحنفي بموجبه بأن يقول: مُسَلَّم أن ما هو قربة يشترط فيه النية، ولا يلزم اشتراطها في الوضوء والغسل؛ لأن المقدمة الواحدة لا تنتج. فإن صرح المستدل بأن الوضوء والغسل قربة فركب الدليل تامًّا بأن قال: هما قربة، وكل ما هو قربة تشترط فيه النية، فينتج: هما تشترط فيهما النية. فجواب الحنفي عن هذا خارج عن القول بالموجب؛ لأنه يمنع الصغرى فيقول: الوضوء والغسل ليسا بقربة، بل هما كطهارة الخبث التي لا تشترط فيها النية؛ لأن القول بالموجب إنما ورد من أجل السكوت عن الصغرى، وقد زال بذكرها.
وتقييدنا في الجواب "بغير المشهورة" احترزنا به عن المشهورة؛ لأنها كالمذكورة، فلا يتأتى فيها القول بالموجب، وعكس بعضهم في هذا القيد فقيد بالشهرة لا بنفيها؛ لأن فيه التنبيه على مسوغ حذف المقدمة وهو شهرتها، فصاحب هذا القول يقول: غير المشهورة لا وجه لحذفها، والمشهورة ما كانت ضرورية أو متففا عليها بين الخصمين.
ثم ليعلم ناظره أن الوضوء والغسل مثلًا وسيلة إلى صحة الصلاة، فمن أعطى الوسيلة حكم مقصدها الذي يقصد بها جعلهما قربة، فأوجب فيهما النية، ومن لم يعطها حكم مقصدها لم يجعلهما قربة، فلم يوجب فيهما النية. والذي يظهر لنا أن التحقيق هو الأول.
стр. 143
وأعلم أن القول بالموجَب هو لفتح الجيم على صيغة اسم المفعول، لأن المعترض به يسلم ما أوجبه دليل خصمه، لكن يقول: إنه لم يستلزم محل النزاع.
وإلى هذه الأقسام الأربعة التي بيَّنا أشار في "مراقي السعود" بقوله:
والقول بالموجَب قدحه جلا ... وهو تسليم الدليل مُسْجَلا
من مانع أن الدليل استلزما ... لما من الصور فيه اختصما
يجيء في النفي وفي الثبوت ... ولشمول اللفظ والسكوت
عمَّا من المقدمات قد خلا ... من شهرة لخوفه أن تحظلا
وأما القول بالموجب عند البيانيين فهو ضربان:
أحدهما: أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم، فيثبت المخاطب تلك الصفة لغير ذلك الشيء المثبت له حكم من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم له ولا لنفيه عنه، نحو قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون/ ٨]، فالأعز صفة وقعت في كلام المنافقين كناية عن فريقهم، والأذل كناية عن المؤمنين، وقد أثبت المنافقون لفريقهم حكمًا وهو إخراجهم المؤمنين من المدينة، فأثبت اللَّه تعالى في الرد عليهم صفة العزة لغير فريقهم وهو اللَّه تعالى ورسوله والمؤمنون، ولم يتعرض لثبوت ذلك الحكم الذي هو الإخراج للموصوفين بالعزة أعني اللَّه ورسوله والمؤمنين، ولا لنفيه عنهم.
стр. 144
والضرب الثاني منه: هو حمل لفظ وقع في كلام الغير على معنى يحتمله كلامه، وليس هو مراده، وذلك الحمل إنما يكون بذكر متعلق آخر غير المتعلق الذي يقصده المتكلم، أعني بذلك المتعلق شيئًا يناسب المعنى المحمول عليه، سواءٌ كان متعلقًا اصطلاحيًّا كالمفعول والجار والمجرور، أو لا، فالأول كقوله:
قلتُ: ثَقَّلْتُ إذ أتيتُ مرارًا ... قال: ثَقَّلْتَ كاهلي بالأيادي
قلتُ: طَوَّلْتُ قال: لا بل تَطَوَّلْتَ ... وأبرمتُ قال: حبلَ ودادي
والشاهد في قوله: "ثقلَّتُ وأبرمتُ" دون "طوَّلتُ"؛ لأن مراده بقوله: "ثقلت" يعني عليك بأن حملتك المؤنة الثقيلة والمشقة بإتياني مرارًا، فحمله المخاطب على غير مراد المتكلم بأن جعل معناه أن كثرة زيارته له نِعَمٌ منه عليه، ومِنَن أثقل حملها كاهله، وهو ما بين كتفيه. وقوله: "أبرمت" يعني أبرمتك -أي أمللتُك بكثرة ترددي عليك. فحمله المخاطب على غير مراد المتكلم بأن جعل معناه: أبرمت -أي أتقنت وأحكمت- حبل الوداد بيننا بكثرة زيارتك لي.
فأما قوله: "طولت" فليس من القول بالموجب لأن المخاطب صرح بنفيه، حيث قال: "لا بل تطولت" فلم يقل بموجبه بل نفى موجبه صريحًا.
ومن هذا النوع الذي متعلقه اصطلاحي قول القاضي الأرَّجاني:
غالطتني إذ كَسَتْ جسمي الضنا ... كسوةً عَزَتْ من اللحم العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني، صَدَقَتْ لكن سقامًا
стр. 145
لأن مرادها بقولها: "مثل عيني" أنه كعينها في المحبة إليها، فحمله على غير مرادها، بأن قال بأنه كعينها في السقم؛ لأنه سقيم من حبها، فأشبه عينها، وسقم أعين النساء ضعف خلقي وتكسر يكون في جفونهن. وقوله: "لكن سقامًا" بَيَّنَ فيه مراده بمتعلق اصطلاحي وهو التمييز، لأن التمييز متعلق بعامله، والمعنى: صدقت في تماثلي مع عينها، ولكن لا في الحب إليها، بل في كون كل منا سقيمًا.
ومن هذا الضرب قول ابن دويدة المغربي من أبيات يخاطب بها رجلًا أودع بعض القضاة مالًا فادعى القاضي ضياعه:
إن قال قد ضاعت فصِدْقٌ أنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي
أو قال قد وقعت فصِدْقٌ أنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع
فقد حمل الكلام على غير المراد به بذكر متعلقه الاصطلاحي وهو الجار والمجرور الذي هو "منك" في البيت الأول، و"منه" في الثاني.
ومن هذا الضرب قول الآخر:
وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من وداد
فالمراد صفاء قلوبهم من الغل والدنس. فحمله المخاطبُ على صفاء قلوبهم، أي فراغها وخلوها من مودته.
وأما البيتان اللذان قبل هذا البيت وهما:
وإخوان حسبتهم دروعًا ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهامًا صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي