← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 294

شفاء العليل في اختصار إبطال التحليل

بدر الدين البعلي

Полный текст (160 стр.). Показаны 141–160 · переход к 146.

стр. 141

ليس من هذا، فإنه من نيَّتِه أن يطلِّقها عقيب وطئها، فلا معاشرة هناك تحتاج إلى إقامة حدود الله، فلا يكون هذا الظن شرطًا فيه، وهو خلاف القرآن. يبينُ ذلك: أن غالب المحلِّلين لا يظنان أنهما يُقيمان حدود الله؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما لا رغبةَ له في صاحبه، ورُوِي عن مجاهد في قوله: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] قال: إن عَلِما أنَّ نكاحهما على غير دُلْسَة (١)، وأراد بالدُّلْسة: التحليل. ومعنى كلامه: إنْ عَلِم المطلِّق الأول والزوجة أن النكاح الثاني كان على غير دُلْسة (٢)، ولهذا لم يجعل الظنَّ علمًا هنا (١٧١/ ب) فلم يرفع الفعل حتى تكون [أن] الخفيفة من الثقيلة الدالة على أن الظن يقين، بل نَصبَ بـ "أن" الخفيفة؛ ليعلم أنه على بابه، ولأن كون الزوج الثاني لم يكن محلِّلًا قد لا يُتيَقَّن، وإنما يُعْلَم بغالب الظن، وعلى هذا ففي الآية حجة ثانية من هذا الوجه. المسلك الثامن قوله : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١].

стр. 142

وقد روى ابن ماجه (١) وابن بطة (٢) بإسنادٍ جيَّد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "ما بالُ أقوامٍ يلعبونَ بحدود اللهِ، ويَسْتَهْزِئون بآيات الله؛ طَلَّقْتُكِ راجَعْتُكِ، طَلَّقْتُكِ راجَعْتُكِ". وفي لفظٍ لابن بطة: "خلعتك راجعتك". وقد رُوِيَ مرسلًا عن أبي بردة. فوجه الدلالة: أن الله - سبحانه - حرم على الرجل أن يرتجع المرأةَ يقصد بذلك مضارَّتها، بأن يطلِّقها ثم يمهلها حتى تشارف انقضاء العدة، ثم يرتجعها، ثم يطلقها قبل جماع أو بعده، ويمهلها حتى تشارف انقضاء العدة، ثم يرتجعها، ثم يطلقها، فتصير العدة تسعة أشهر. وهكذا فسَّره عامة العلماء من الصحابة والتابعين، وجاء فيه حديث مسند. ومعلومٌ أنه لو وقع هذا اتفاقًا من غير قصد منه، بأن يرتجعها راغبًا ثم يبدو له فيطلِّقها، ثم يبدو له فيراجعها راغبًا، ثم يبدو له فيطلقها، لم يحرم ذلك، لكن لما فعله لا لرغبةٍ، بل لمقصود آخر وهو أن يطلِّقها بعد ذلك ليُطِيل العِدَّة عليها = حَرُم ذلك، فالضرر حصل لها؛ لأنه قصد بالعقد فُرْقة توجب ضررًا، لو حصل بغير قصد إليه، لم يكن سببه حرامًا.

стр. 143

فأما أن يكون القصد لغير مقصود العقد محرِّمًا للعقد أو لا يكون، فإن لم يكن محرِّمًا للعقد، والفعل المقصود هنا وهو الطلاق الموجب للعدة ليس محرَّمًا في نفسه، فيجب أن يكون صحيحًا على أصل من يجيز ذلك، وهو خلاف القرآن. وإن كان محرمًا للعقد، فيجب أن يكون نكاح المحلل باطلًا، وذلك أنَّ الطلاقَ المنضمَّ إلى النكاح المتقدم يوجب العِدَّة المحرمة لنكاحها، ويوجب حلها للزوج الأول، فلا فرقَ بين أن يقصد بالنكاح وجود تحريم شُرِع ضمنًا، أو وجود تحليل شُرِع ضمنًا. فإن ما شرعَه الله من التحليل أو التحريم ضمنًا أو تَبَعًا لا أصلًا وقصدًا، متى أرادَه الإنسانُ أصلًا وقصدًا؛ فقد ضادَّ اللهَ في حكمه، فيكون (١٧٢/ أ) باطلًا. المسلك التاسع قوله - سبحانه -: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]. ومن آيات الله شرائع دينه من النكاح والطلاق والرجعة والخلع؛ لأنها الطريق التي يحل بها الحرام من الفروج أو يحرم بها الحلال، وهي من دين الله الذي شرعَه، وكلُّ ما دلَّ على أحكام الله، فهو من آياته. فذِكْره هذه الآية بعد أن أباح أشياء من هذه العقود، وحرَّم أشياء، دليلٌ على أنها من الآيات، وإذا كانت من آياته فاتخاذها هزوًا هو فِعْلها مع عدم انعقاد حقائقها التي شُرِعت هذه الأسباب

стр. 144

لها، كاستهزاء المنافقين بقولهم: ﴿آمَنَّا﴾ (١)، فهذا نفاق في أصل الدين، وذاك نفاق في شرائعه. وذِكْر هذه الآية بعد قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] = دليلٌ على أن إمساكهن ضرارًا من اتخاذِ آياتِ الله هزوًا، وما ذاك إلا لأن الممسك تكلم بالرجعة غير معتقد لمقصودِ النكاح، بل ينكح ليطلِّق، وإذا كان التحليل من اتخاذ آيات الله هزوًا؛ فهو حرام، فلزم فساده بإبطال مقصود المحلِّل في ثبوت نكاحه. المسلك العاشر أنه قَصَد بالعقد غير ما شُرِع له العقد، فيجبُ أن لا يصح، فَشَرع (٢) العقود [أسبابًا] إلى حصول أحكام مقصودة؛ فشَرَعَ البيعَ لملك الأموال والهبة والنكاحَ لملك البُضع، ومقصودُه حصولُ السَّكَن والازدواج. فمن تكلم بهذه الكلمات غير معتقد لمقصودها وحقائقها، بحيث يعلم من نفسِه أنه إذا ثبت حقيقة العقد لا يرضى به، لم يصح العقد لوجهين: أحدهما: أن اللهَ اعتبر الرِّضى في البيع والنكاح، فمن لم يرد مقصود النكاح والبيع ولا رغبة له فيه لم يكن مريدًا ولا راغبًا، فليس هو براضٍ، فلا عَقْد له.

стр. 145

الثاني: أن عقد المكره لا يصح؛ لأنه (١) لم يقصد موجب ذلك اللفظ، فكذلك المحلل ونحوه لم يقصد موجب ذلك اللفظ، فكلاهما لم يثبت في حقِّه حكم هذا القول؛ لأنه قصد به غير موجبه؛ لكن المكره معذور والمحتال غير معذور، فكل من قَصَد بالعقد غير المقصود الذي شُرِع له فهو مخادع، بمنزلة المرائي بالعبادة والأعمال بالنية. المسلك الحادي عشر أنه - سبحانه - حرَّم المطلقة ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره، وإنما حرَّمها لمصلحةٍ لعبادِه وحصول مفسدة في حلِّها قبل ذلك، أو ابتلاءً وامتحانًا، وإذا كان التحريم المتضمِّن للمصالح يزول بأدنى حيلة، فما فيه كبير فائدة ولا مصلحة، وكان إلى اللعب أقرب من الجِد، كما تقدم تقريره. وهذا مما يُنزه الله عنه. ولهذا قال [ابن] عمر عن التحليل: هو السِّفاح (٢). ولهذا لما رأى بعضُ اليهود ذلك أخذ يُشنِّع ويقول: إنَّ دين المسلمين أن المطلقةَ تحرم حتى تزني، فإذا زنت حلَّت، ذكره أبو يعقوب الجوزجاني وبعض المالكية، وأخذَ بعضُ النصارى (١٧٢/ ب) يهجِّن (٣) بذلك ويُنفِّر عن الإسلام، ولم يعلم هذا الملعون أن هذا

стр. 146

لا أصل له في الدين أصلًا، ولا هو مأخوذ عن السابقين ولا عن التابعين، بل قد حرَّمه الله ورسوله، وهذا بيِّن لمن تأمله. المسلك الثاني عشر هو: أن جواز التحليل قد أفضى إلى مفاسد عظيمة كثيرة، وصار مظنة لها ولما هو أكثر منها. [منها]: أن بعض التيوس المستعارة صار يحلِّل الأمَّ وبنتَها - على ما أخبرني به مَنْ صدَّقْتُه - وذلك أنه قد نصبَ نفسَه لهذا السِّفاح، فلا يُمَيِّزُ مَنِ المنكوحة، ولا له غرض في المصاهرة حتى يَجْتَنِب ما حرَّمَتْه. ومنها: أنه يجمع ماءَه في أكثر من أربع نسوة، بل أكثر من عشرة، وهو مما أَجْمَع الصحابةُ على تحريمه، وأجمعَ المسلمونَ على تحريمه إذا كان الطلاق رجعيًّا. ومنها: أنه كثيرًا ما (١) يتواطأ هو والمرأة على أن لا يطأها؛ إذ ليس له ولا لها رغبة في ذلك، والمرأة لا تعده زوجًا. ومنها: كونه غير كفءٍ غالبًا، ونكاحُه إما باطل أو مكروه أو مشروط فيه رضى الأولياء. وآل الأمر إلى [أن] صار كثير من الناس يحسب أن مجرَّد وطء الذكر يحلها، حتى اعتقد بعضُهم أنها إذا ولدت ذكرًا حلَّت!!

стр. 147

واعتقد بعضُهم أنه إذا وطئها بقدمه حلَّت! ! فهذه فضائح فيها انهدام شريعة الإسلام. ومن فضائحه: أن المرأة ربما قتلت الولد إذا حملت من التيس لعدم رغبتها فيه، بل هذا واقع كثيرًا [أ] ودائمًا، وحدَّثني بعضُهم أن رجلًا ترك من حلَّل امرأتَه في بيته، فلما خرج من عندها دعته نفسُه إلى أن راودها عن نفسها، وقال: إن الحلَّ لا يتمُّ إلا برجلين، وما ذاك إلا أنه لما رأى غيرَه قد أتى بالسفاح دعته نفسُه إلى التشبُّه به، إذ النفوس مجبولة على التشبُّه. إلى غير ذلك من المفاسد. ومن شرح الله صدْرَه للإسلام علم أن الفعل إذا كان مظنة لبعض هذه المفاسد حَسَم الشارعُ الحكيمُ مادَّتَه بتحريمه جميعَه. واعلم أنه ليس في المتعة شرٌّ إلا وفي التحليل ما هو شر منه، فإن المتعةَ - مثلًا - مضادة لمقتضى النكاح بكونها مؤقَّته؛ لأن الشارع جعل موجب لفظ النكاح هو الوصل المؤبَّد ومنع التوقيت، لما أنه يُخلّ بمقاصد النكاح، ويُشبه الإجارة والسِّفاح، فكيف بالتحليل؟ ! . فالمنع من دلالة هذا اللفظ على المتعة شرعى، ولأجل ذلك ورد الشرعُ بإباحته في ذلك الوقت. والمنع من دلالته على التحليل عقلىّ، فلم يَرِد به الشرع قط، بل لعنَ فاعله. فتبيّن فقه المسألة، وأنه في غاية الفساد والمناقضة للشرع

стр. 148

والعقل واللغة والعُرْف، وأنه لا حظَّ له من نظرٍ ولا أثرٍ أصلًا، فإن من تزوَّج ليطلِّق لم يكن النكاحُ مقصودًا له، كما أن [من] تواضع ليُرْفَع لم يكن تواضعًا. وبالجملة؛ فعلينا أن ننهى [الناس عما نهاهم اللهُ] (١) (١٧٣/ أ) عنه ورسولُه من النيات الباطنة، وإن لم نعتقد أنها فيهم، وأن لا نكتم ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيَّنَه للناس في الكتاب، الذي تضمَّن طاعة الرسول واتباعَ سبيل السابقين الأولين، وأن لا نعين أحدًا (٢) بنوع من الإعانة على عقد يغلب على الظن أنه تحليل، كما لا نعين أحدًا على ما يتوسّل به إلى قَتْل معصوم أو وطئ محرم. والغرضُ: بيان بطلان التحليل وفساده باطنًا، وأما ترتّب الحكم عليه في الظاهر فسيأتي إن شاء الله. فصلٌ وقد أخرج الشيطان للتحليل حيلةً أخرى، وهي: أن يزوَّجها المطلِّق من عبدِه بنيَّة أن يبيعه منها أو يهبه [لها] بعد أن يطأها العبد فيبطل النكاح. ويؤثرون هذا؛ لأن الفرقةَ تكون بيد الزوج المطلِّق والزوجة، فلا يتمكن الزوج من الامتناع من الفرقة، بخلاف الصورة الأولى،

стр. 149

فإنه قد يمتنع من الطلاق. وأيضًا: زعموا أن هذا استر لهما من رجل أجنبي؛ لأن وطء عبده ليس كوطء من يُساميه في الحرِّية. ثم ذهب بعضُ الشذوذِ إلى أن وطء الصغير الذي لا يجامِعُ مثلُه يُحِلُّها، فإذا انضمَّ إلى ذلك أن يجبره على النكاح صار بيد المطلِّق العقد والفسخ، وإن كان كبيرًا، فمنهم من يخيِّره، فيصير بيد السيد العقد والفسخ أيضًا. وجعل بعض أصحابنا في هذه الصورة - أعني إذا زوَّجها من عبده الكبير - احتمالًا؛ لأن الزَوْج لم ينوِ التحليل، وإنما نواه غيره. وهذه الصورة أبلغ في المخادعة لله ﵎ والاستهزاء بآياته تعالى، فإن (١) هناك كان المحلِّل هو الذي بيده الفُرْقة، وهنا جُعلت الفرقة بيَد المطلِّق والمرأة، لا سيما إن كانت الزوجة تحت حجر الزوج، بَأن يكون وصيًّا لها، فيرى أن يهبها العبد ويقبله هو، فيبقى المطلِّق مستقلًّا بفسخ النكاح، والعبدُ لا يمكنه أن يتزوج إلا بإذن سيِّده، فيأذن له في النكاح، ومن نيته أن يفسخَ نكاحَه. فيكون الزوج مخدوعًا ممكورًا به، حيث أذن له في نكاحٍ باشره وليس القصد به نكاحًا وإنما القصد به سفاح، فهناك وقعت المخادعة لله فقط، وهنا وقعت (١٧٣/ ب) في حق الله وفي حق آدميٍّ، وهو الزوج، وتصير اللعنة التي وجبت على المحلِّل والمحلَّل له

стр. 150

كلتاهما على هذا المطلِّق وعلى الزوجة، فيقتسمان لعنةَ المحلِّل، وينفرد المطلِّق بلعنة المحلَّل له، أو تشركه المرأةُ فيهما. فلهذا قلنا: إن هذا أَغْلَظ وأشد، حيث اجتمع عليه لعنتان، فإن كان العبد قد واطأهم أخذ بنصيبه من اللعنة من غير أن ينقص من نصيب السيد شيئًا. ويزيده قُبحًا أن الزوج هنا عبد ليس بكفءٍ، ونكاحه إما منقوض وإما باطل، على الخلاف فيه. وقد يكون التحليل بالعبد من غير المطلق، مثل صديق أو غيره (١). وبالجملة؛ فلعنة المحلِّل والمحلَّل له تشمل كلَّ ذلك، وإن كان النبي ﷺ لم يقصِدْه (٢)، فلا ريب أنه في معناه وأوْلَى. وما ذُكِرَ من الاحتمال في مذهبنا؛ فغير محتمل أصلًا، فإن المعتبر في التحليل بنية من يملك الفُرْقة بقولٍ أو فعل، وإذا كان الزوج الذي يقصد التحليل ملعونًا فالذي يقصد أن يحلل بالزوج أولى بذلك، فإنه يخادع اللهَ ورسولَه وعبدَه المؤمن. وقد تكون المرأة هي المحلِّلة وحدَها، بأن يقصد إرضاع امرأة له صغيرة، حتى تصير من أمهات النساء، أو يقصد مباشرة أبيه أو ابنه عند من يرى ذلك، لكن هذه الأسباب محرمة في

стр. 151

نفسها، والغرضُ أنها لو فعلَتْ هذا لم تحل للأول، بحيث لو أُريدت أو باشرت وانفسخ نكاحها لم تحلَّ للأول. وما أطلقه بعضُ أصحابنا من أن نيَّة المرأة لا عبرة بها بناءً على أنها لا تملك رَفْع العقد بسببٍ مباح؛ ليس بشيءٍ؛ لأن العبرة بنية من يملك الفُرْقة سواء كانت مُكْنَتُه شرعية أو غير شرعية، فإن من كان هكذا كان محلِّلًا. وكذا لو تزوَّجت بفقير وطلبت الفسخَ لعسرته تَحَيُّلًا علي الرجوع إلى الأول؛ فهي محلّلة لا تحلُّ للأول بذلك؛ لأنه نظير ملك الزوج الطلاق سواء، أو نظير الرضاع ونحوه. ومن الحيل: إذا كانت المرأةُ أمةً فيزوِّجها سيدها من عبد ثم يبيعها، فتختار فراقه، فكلُّ ذلك من باب واحد؛ لأنه نكاح دُلْسة وخديعة ومكر، فيدخل في ذلك والله أعلم. فصلٌ فأما إن نوى التحليل من لا فُرْقة بيده، مثل الزوج المطلَّق ثلاثًا أو المرأة فقط، فقد قال حرب: سُئل أحمد عن التحليل إذا همَّ أحدُ الثلاثة؟ فقال: كان الحسن وإبراهيم والتابعون يُشَدِّدون في ذلك. وقال أحمد - أيضًا -: الحديث عن النبي ﷺ : "أَتُرِيدين أنْ تَرْجعى إلى رِفَاعة ... " (١)؟ يقول أحمد: إنها كانت قد همَّت

стр. 152

بالتحليل، ونية المرأة ليست بشيءٍ، فقد نصَّ على أن نيَّة المرأة لا تؤثِّر، وكذلك (١٧٤/ أ) قال أصحابُه. وكذلك قال مالكٌ، قال أصحابُه: المعنى المؤثِّر يختصُّ به الزوج الثاني، ولا عبرة بنيَّة المرأة والزوج الأول، كلُّ ذلك غير مؤثِّر. وقال الحسن والنخعي وغيرهما: إذا همَّ أحدُ الثلاثة فهو نكاح محلِّل، ويُروى عن ابن المسيّب. ووجه ذلك: أن المرأةَ إذا نكحت الزوج، وهي غير راغبة فهي مدلسة مستهزئة متلاعبة مخادعة، كما تقدَّم، وهي وإن لم تملك الفرقةَ، فهي متسببة فيها على وجهٍ يحصل غالبًا، بأن تنوي الانخلاعَ منه وإظهارَ الزهد فيه وبغضه وكراهيته، وذلك مما يبعثه على خلعها أو طلاقها ويقتضيه غالبًا. ثم قد ينضمُّ إليه أن تنوي النشوزَ عنه ومعصيتَه فيما يجب له، ونحو ذلك؛ لتحصل بها الفُرْقة، وإذا كانت إنما تزوَّجَتْه لتفارقه وتعود إلى الأول؛ لم تكن قاصدةً للنكاح ولا مريدة، فلا يصح هذا النكاح على قاعدة إبطال الحِيَل. وأما نيَّة المطلِّق ثلاثًا؛ فيشبه أن يَكون هؤلاء التابعون إنما قالوا: إنه (١) يكون النكاحُ بها تحليلًا إذا كان هو الذي سعى في النكاح، وأراد أن يختلعَ المرأةَ بعد ذلك، فإنَّ هذا حرام؛ لأنه خداع للرجل المسلم، ويشبه ما لو كان قد زوَّجها من عبده يريد أن

стр. 153

يُمَلِّكها إيَّاه، وهي لم تشعر بذلك. ثم يحتمل أنهم أرادوا: أن النكاح باطل في حق الأول فقط، بمعنى أنها لا تُرَدّ إليه؛ لأنه قَصَد تعجيل ما أجَّله الله، فيُعاقَب بنقيض قصدِه، ويُشْبه ما لو تسبَّب رجل في الفرقة بين رجلٍ وامرأته، بأن لمزها عندَه بشيءٍ حتى فارقها، ثم أراد هو أن يتزوَّجها، فلا تحلُّ لذلك المفرِّق عقوبةً له. وهذا كما نقوله، على إحدى الروايتين، لو خطبَ على خِطبة أخيه: إن عقْدَه باطل، ولهذا قالوا: إذا نوى أحدُ الثلاثة أنه محلِّل، فنكاح هذا الآخر باطل، ولا تحلُّ للأول. وهذا إنما يقال فيمن له فِعْل في النكاح الثاني، أما إذا لم يوجد من الأول فعلٌ أصلًا، وقد تناكح الزوجان نكاح رغبة، والأولُ يحب أن يطلِّقها، فهذا أقصى ما يقال: إنه متمنٍّ محبٌّ وليس بناوٍ، ولأن نية المرء إنما تتعلَّق بفعله، وما تعلَّق بفعل غيره، فهو أُمنية. ووَجْه ما ذهب إليه مالك وأحمد - رحمهما الله -: ما استدلَّ به أبو عبد الله من أنّ النبيَّ ﷺ لعن المحلِّل والمحلَّل له، فلو كان التحليل يحصل بنية الزوج تارة (١٧٤/ ب) وبنية الزوجة أخرى؛ للعنها النبي ﷺ ، وكان ذلك أبلغ من لَعْنه آكلَ الربا وموكله، فلما لم يذكرها عُلِم أنَّ التحليل الذي يكون بالنية إنما يُلْعَن فيه الزوج فقط. ولا يقال: لفظ (المحلِّل) يَعُم الرجل والمرأة، لقوله: "ألا

стр. 154

أُنَبِئكم بالتَّيْسِ الْمُسْتَعار" وقال: "هو المُحَلِّل" (١) وهذه صفة الرجل وحدَه. ثم لو عمهما فإنما ذاك على سبيل التغليب، لاجتماع المذكو والمؤنَّث، فلا بدَّ أن يكون تحليل الرجال موجودًا حتى تدخل معه المرأةُ تبعًا. أما إذا نَوَت هي ولم ينو هو؛ فليس هو بمحلِّل أصلًا، فلا يجوز أن تدخل المرأةُ وحدَها فى لفظ المذكَّر، إلا أن يقال: قد اجتمعا في إرادة المتكلِّم بهما، وإن لم يجتمعا في عينِ هذا النكاح، فإن من قَصَدَ الإخبار عن المذكَّر والمؤنَّث مجتمِعَيْن ومفرَّقَيْن = أتى بلفظ المذكَّر - أيضًا - فهذا يمنع الاستدلال من هذا الوجه. وأيضًا: فالمحلِّل هو الذي يَفْعل ما تصير به المرأةُ حلالًا في الظاهر، وليست حلالًا في الحقيقة، وهذا صفة من يمكنه رفع العقد، والمرأةُ ليست كذلك. واستدلّ أحمدُ بحديث تُمَيْمَة بنت وهب امرأة رفاعة (٢). فوجه الدلالة: أنه مع إرادتها الرجوع إلى رفاعة، قال: لا، حتى يجامعها هذا، فعُلِمَ أنه إذا جامعها حلَّت للأوَّل، ولو كانت نيتُها تمنع ذلك لما حلَّت، سواء جامعها الثاني أو لم يجامعها. فإن قيل: إنما أرادت الرجوع بعد عقد الثاني عليها (٣)؟ .

стр. 155

قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أنَّ النبي ﷺ لم يُفَصِّل لها ذلك، بَيْن أن تكون حدثت لها هذه الإرادة، ولا بين أن تكون وُجِدَت قديمًا قبل العقد، فدلَّ على أن الحلَّ يعم الصورتين؛ لأن تركَ الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يُنَزَّل منزلةَ العمومِ في المقال. الوجه الثاني: أنها كانت راغبة في الأول دون غيره؛ لأنه قد روي أنه طلَّقها عبد الرحمن، ثم جاءت فاسْتَفْتت النبيَّ ﷺ بعد فراقه، فأجابها بأنها لا تحل حتى تذوق العُسَيلة. وقال: "اللهم إن كان إنَّما بها أن يُحِلَّها لرفاعة فلا يتمُّ لها نِكاحُه"، وجاءت بعده إلى أبي بكر وعمر، فمنعاها (١). فَلَمَّا استفتت بعد فراقه وقال: لا، ثم إنها غابت وجاءت فقالت: إنه قد مسَّني، فقال لها: لا تحل؛ لأنها قد كذبت أولًا، ثم أخبرت بخلافه، فلم يقبل رجوعها عن الأول ودعا عليها: إن كانت إنما أرادت أن تحلّها لرفاعة، فلا يتم لها ذلك عقوبةً على كذبها بنقيض قصدها؛ لئلا يتسرَّع الناسُ إلى (١٧٥/ أ) الكذب، فدلَّ على إرادتها لرفاعة دون غيره من الأزواج. وهذا أمر لم يتجدد لها بأن عبد الرحمن لم يصل إليها، فعُلِم أنها كانت إرادةً متقدمة؛ لأن الأصل عدم ما يحدث. الوجه الثالث: أنه قد رُوِي أنها استفتت النبيَّ ﷺ قبل الطلاق،

стр. 156

فروى البخاري (١) مرسلًا: أنها اشتكت إلى النبي ﷺ وقالت: إنما معه مثل هُدْبة الثوب، فجاء ومعه ولدان من غيرها وقال: والله كذبت يا رسول الله إنما (٢) أنفضها نفضَ الأديم ولكنَّها تريدُ رفاعة، فقال لها رسول الله: فإذا كان كذلك لم تحلين له حتى تذوقي العُسَيلة ... الحديث. وأسنده سويد بن سعيد. فتكون قد جاءت قبل طلاقه وبعده، فيدلُّ على رغبتها في الأول، وأنها كانت قديمة، ولم يُفصِّل الرسول، فَعُلِم أن الحكم لا يختلف. وأيضًا: فإن كانت تحبُّ أن ترجع إلى الأول، فالمرءُ لا يُلام على الحبّ والبغض، وإنما عليه أن يتّقي الله (٣). وبكل حالٍ؛ فإذا تسبَّبت إلى أن تفارق الثاني بالخلع، وقد كانت من حين العقد تريد ذلك، فهي مدلِّسة غارَّة للزوج، وهذا نوعٌ من الخلابة والخديعة، وهي حرام، فلا تدخل هذه الصورة في كلام أحمد، فإنه إنما رخَّص في مُطْلَق نِيَّةِ المرأة، والنيةُ المطلقة إنما تتعلَّق بأن يتزوَّج الأول من غير فعلٍ محرَّم، أما إذا نَوَت

стр. 157

الاختلاعَ من الثاني، فهذه نية محرَّمة؛ لأنها تمنع قصدها للنكاح ورغبتها فيه، فلم يكن العقد مقصودًا، وهي أحد المتعاقدين، بخلاف من نوت أن العقد إذا انفسخ تزوَّجت الأول. وتحريمُ هذا أشدُّ من تحريم نية الرجل من وجه، وذاك أشد من وجهٍ آخر، فإن الرجلَ إذا أراد الطلاقَ فهو في يده، بخلاف المرأة إذا أرادت إلاختلاع وليس في يدها، فربما جرَّها إلى فعل محرم من تعدِّي حدود الله. ونية التحليل ليس فيها من خديعة المرأة ما في نيَّة المرأة من خديعة الرجل، وإنما حرمت تلك لحق الله تعالى. وأيضًا: فالمرأة إذا تزوَّجت قاصدةً للتسبب في خلع الرجل، فالتحريم لحقِّ الرجلِ؛ لما فيه من الخلابة والخديعة. فأمَّا إذا طلب المطلِّق الأول من هذا الثاني أن يخلع المرأة أو يطلقها، أو دسَّ إليه من يفعل ذلك؛ فهذا يمنزلة ما لو حَدَث للمرأة ذلك (١٧٥/ ب) بعد العقد, فإن المطلق ليس له سبب في العقد الثاني، وقد نصَّ أحمد على أن ذلك لا يحل. نَقَل عنه مُهنَّا في رجلٍ قال لرجل: طلِّق امرأتَك حتى أتزوَّجُها ولك أَلْف, ففعل؟ فقال: سبحان الله! لا يحلُّ هذا. فقد نصَّ على أنه لو اخْتَلعها ليتزوَّجها لا تحلّ له، ولو شرط في عقد الخلع أنه يريد التزويج بها؛ فهو أقبح من أن يقصده بقلْبِه، فالمرأة أيضًا إذا اختلعت للتزوُّج بغيره، فهو أشد؛ لأن الأذى بطلب المرأة ذلك أشد من طلب الأجنبي.

стр. 158

فإذا كان هذا حرامًا لو حدث القصد، فكيف إذا كان مقصودًا من حين العقد! ؟ فظهر أنه لا يجوز اختلاعها رغبةً في نكاح غيره، ولا العقد بهذه النية، ولا أمرها بذلك، ولا تعليمها إياه، لكن لو فعَلَتْه لم تقدح في صحةِ العقد. فيما ذكره بعضُ أصحابنا لما تقدم، فلو رجعَتْ عن هذه النيَّة جاز لها المقام معه، وإن اختلَعَتْ منه ففارقَها وقعت الفرقة. وأما العقد الثاني؛ فقال بعض أصحابنا: إنه صحيح، ولهم في صحة نكاح الرجل إذا خطب على خطبة أخيه وبيعه على بيعه قولان، وقد صحَّ نَهْيُ الرسول عن الخطبة على خطبة أخيه والبيع على بيعه والسوم على سومه، أو تنكح المرأة بطلاق أختها (١). وهذا نهي تحريم في ظاهر نص أحمد؛ لأنه قد جاء مصرِّحًا: "لا يحلُّ للمؤمنِ أنْ يَخْطِبَ على خِطْبة أَخِيْه" (٢). ومن الأصحاب من حَمَله على أنه نَهْي تأديب، وهو باطل، وإذا ثبت أنه محرَّم، فهل العقد بعده صحيح أو فاسد؟ ذكر القاضي وغيره في المسألة روايتين. وقيل: فيها (٣) وجهان. وخرج القاضي إلى مسألة الخطبة، فجعل فيها الروايتين أيضًا، ويتوجه إقرار النصين هنا.

стр. 159

واشترط متأخِّروا الأصحاب في البيع على بيع أخيه أن يكون ذلك في مدة خيار المجلس أو الشرط، والمتقدمون لم يشترطوا ذلك، وهو أجود، وظاهرُ كلام أحمد يدلُّ عليه، فإنه - أيضًا - قد يفسخ في غير مدة الخيار، إما بعيب أو إقالة. أو يدخل عليه فيفسخ غصبًا، فيكون ذلك أشد تحريمًا لكثرة ضرره، فإذا حرم البيعَ أو الخطبةَ على خطبة أخيه؛ فكيف بالنكاح على نكاح أخيه؟ ! . ولو أن الرجلَ طلبَ من غيره أن يبيعه سلعةً لجاز؛ ولو طلب أن يخلع زوجته ليتزوجها لم يجز، نصَّ عليه أحمد (١)، فمتى فعلت المرأةُ سببًا للفرقة، وفارقته وتزوّجت؛ فهي محللة (١٧٦/ أ) كالرجل المحلِّل، فلا تحلّ، لكن لو أقامت عند الزوج، فهل يَحتاج إلى استئناف عقدٍ كما في الرجل المحلل؟ ولو علم الرجل أن هذا كان في نيتها، وهي مقيمةٌ عليه، فهل يسعه المقام معها؟ . هذا فيه نظر، فإن الرجل يملك المرأةَ، فإذا نوى التحليل، فقد قَصَد ما ينافي الملك، فلم يثبت له الملك، فانتفت سائر الأحكام تبعًا، وإذا نوت المرأة أن تأتي بالفُرْقة؛ فقد نوى هو الملك، وهي قد ملَّكته نفسَها في الظاهر، والملكُ يحصل له إذا قصدَه حقيقة مع وجود السبب ظاهرًا، لكن نِيَّتها تؤثِّر في جانبها خاصَّة، فلا يحصل لها بهذا النكاح حلُّها للأول، حيث لم تقصد أن تَنْكِح، وإنما قصدت أن تُنْكَح. والقرآن علَّق الحلَّ بأن تَنْكِح زوجًا غيره، وإذا كانت قد نوت

стр. 160

أن تفعل ما يرفع النكاح لم تكن قد نكحت حقيقةً. فلا تحسبنَّ أن كلام أحمد وغيره: أَنَّ نيَّة المرأة ليست بشيءٍ = يعم ما إذا نوت أن تفارق بطريق تَمْلِكه، وإنما أرادوا نيَّة أن تتزوج الأول، ولا ريب أنها إذا نَوَت أن تتزوَّج بالأول لم يؤثِّر ذلك شيئًا كما تقرَّر؛ لأن هذه النية لا تتعلق بنكاح الثاني. فأما إذا نوت فعلًا محرمًا أو خديعة أو مكرًا؛ فهذا نوع آخر، وبهذا يظهر حقيقة الحال فى هذا الباب، ويظهر الجواب عما ذكرناه من جانب من اعتبر نية المرأة مطلقًا. والمسألة تحتمل أكثر من هذا، ولكن هذا الذي تيسَّر، وهو آخر ما يسَّره اللهُ من الكلام في مسألة التحليل على سبيل الاختصار، وإلَّا فالحيل تحتاج إلى بسطٍ واستيفاء الكلام فيها إلى نظر خاصًّ في كل مسألة (١)، وهذا يحتمل عدَّة أسفار، والله - سبحانه - يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وموافقًا لمحبَّته ومرضاته آمين. والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. فرغ منه ليلة الخميس تاسِع (٢) عشري شهر صفر من سنة خمسٍ وخمسين وسبع مئة, أحْسَن الله تَقَضِّيَها.