ونظير حديثِ ابنِ اللُّتْبِيَّة، وهو:
الوجه الحادي والعشرون: ما روى ابنُ ماجه (١) عن يحيى بن [أبي] (٢) إسحاق الهُنَائي قال: سألتُ أنسَ بنَ مالك: الرجلُ مِنَّا يُقرض قرضًا لأخيه، فيهدي إليه؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أَقْرَض أحدُكم قرضًا فأُهْدِي إليه أو حَمَله على الدابة، فلا يَقْبَلْه ولا يركبها، إِلا أَن يكون جرى بينَه وبينَه قبل ذلك".
هكذا رواه ابن ماجه، ورواه سعيد (٣) والبخاري في "تاريخه" (٤).
وروى البخاري في "صحيحه" (٥) عن أبي بُرْدة قال: قَدِمتُ المدينةَ فلقيتُ عبدَ الله بن سَلَام فقال لي: إنَّك بأرضٍ الرِّبا فيها فاشٍ، فإذا كان لكَ على رجلٍ حقٌّ فأهدى إليك حِمْلَ تِبْنٍ أو حِمْلَ شعيرٍ أو قَتٍّ، فلا تأخُذْه، فإنَّه رِبا.
وروى سعيد في "سننه" هذا المعنى عن أُبي بن كعب. وجاء عن عبد الله بن مسعود، وعن عبد الله بن عمر (٦).
стр. 107
فنهى النبيُّ ﷺ وأصحابُه المُقْرِضَ عن قبول هدية المُقْترض قبل الوفاء؛ لأن المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء، فيصير بمنزلة أن يأخذ الألف بهدية ناجزة وأَلْف مؤخَّرة، وهذا ربا.
ولهذا جاز أن يزيده عند الوفاء، ويُهدي له بعد الوفاء؛ لزوال المعنى، ومن لم ينظر إلى المقاصد أجاز وخالف السنة، وهذا بين لمن تدبَّره من غير هوى.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦] وهو أن يُهْدي ليُهْدَى إليه أكثر مما أَهْدى، فهذا كلُّه دليل على أن صور العقد غير كافية، فكلّ ما لو شَرَطه في العقد كان عوضًا فاسدًا فقصده فاسد؛ لأنه لو كان صالحًا لما حَرُم اشتراطه؛ لقوله [ ﷺ ]: "المُسْلِمونَ على شروطِهم إلا شَرْطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا" رواه أبو داود (١).
الوجه الثاني والعشرون: أن أصحابَ النبي ﷺ أجمعوا على تحريم هذه الحيل وإبطالها، وإجماعُهم حجةٌ قاطعة يجب اتباعُها، وليس في ذلك خلاف بين الفقهاء ولا بين سائر المؤمنين الذين هم
стр. 108
مؤمنون، وإنما خالف فيه بعض أهل البدع.
وبيانُ إجماعهم ما سنذكره (١) إن شاء الله عن عمر أنه خطب الناسَ على منبر رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وقال: "لا أُوتى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتهما".
ويُذكر عن عثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وغيرهم: أنهم نهوا عن التحليل وإن لم يشترط في العقد ولا قبله، وهذه أقوالٌ قيلت في أوقات مختلفة، وأماكن متعددة، وقضايا متفرِّقة (١٦٥/ أ)، ولم يُنكِرْ ذلك أحد مع طول الأزمنة وانتفاء الموانع.
وقد تقدَّم (٢) عن غير واحد من أعيانهم، مثل أُبَيِّ بن كعب وابن مسعود وعبد الله بن سلام وابن عمر وابن عباس: أنهم نهوا المُقْرِض عن قبول الهدية إلا إذا كافأه عليها، أو حسبها من دينه، وجعلوا قبولها ربًا. وهذه أيضًا أقوال اشتهرت ولم تُنكر فيكون ذلك إجماعًا.
وأيضًا: قد تقدم (٣) ما رُوِيَ عن عائشة في مسألة العينة.
فكيف يكون قول هؤلاء في إسقاط الزكاة والشفعة وتأخير الصوم، وإخراج الأبضاع والأموال عن ملك صاحبها، وتصحيح العقود الفاسدة (٤)؟ ! .
стр. 109
وأيضًا: فإن عمر وعثمان وعليًّا وسائر البدريين وغيرهم = اتفقوا على [أن] (١) المبتوتة في المرض ترث، ولم يُنكر ذلك أحد. فعُلِم أنهم كانوا يعتبرون القصود ويحرمون هذه الحِيَل، وهذا إذا تأمَّله اللبيب؛ قطعَ بتحريم جنس هذه الحيل وإبطالها.
الوجه الثالث والعشرون (٢): أنَّه - سبحانه - إنما أوجب الواجبات وحرَّم المحرمات لما فيه من المصالح لخلقه، ودفع المفاسد عنهم؛ ولأن يبتليهم بأن يميز من يطيعه ممن يعصيه، فإذا احتال المرءُ على حلِّ المحرم أو سقوط الواجب [بأن يعمل عملًا لو عُمِل على وجهه المقصود به لزال ذلك التحريم أو سقط ذلك الواجب ضمنًا وتبعًا لا أصلًا وقصدًا، ويكون إنما عمله ليغير ذلك الحكم أصلًا وقصدًا] (٣)، والله تعالى إنما حرَّم الربا والزنا وتوابعهما؛ لما في ذلك من الفساد، وأباحَ البيعَ والنكاحَ لما فيه من المصلحة، ولا بدَّ أن يكون بين الحلال والحرام فرق، وإلا لكان البيع مثل الربا، والفرقُ في الصورة دون الحقيقة غيرُ مؤثِّر؛ لأن الاعتبار بالمعاني، فإن الألفاظَ إذا اختلفت ومعناها واحد كان حكمها واحدًا، بخلاف العكس (٤).
فالأمر المحتال به صورتُه صورة الحلال، وليس حقيقته
стр. 110
ومقصوده ذلك، فيجب ألا يكون بمنزلته، فلا يترتَّب عليه حكمه.
الوجه الرابع والعشرون: أنك إذا تأملتَ عامةَ الحيل وجدتَها دفعًا (١) للتحريم أو الوجوب، مع قيام المعنى المُقْتضي للوجوب أو التحريم، فيصير حرامًا من وجهين:
من جهة أن فيها فِعْل المحرَّم وترك الواجب.
ومن جهة أنها خِداع وتدليس، وخِلابة ومَكْر، ونفاق واعتقاد فاسد.
وهذا الوجه أعظمها إثمًا؛ لأنه بمنزلة البدع والنفاق، بخلاف الأول، فإنه بمنزلة سائر العُصاة.
وإذا استفرغ الرجلُ وُسْعَه وعمل بها كان معذورًا، فيمنع من لحوق (١٦٥/ ب) الذمِّ، [وإلا] (٢) كان المقتضي للذم قائم (٣)، ولهذا كان التغليظ على من يأمرُ بها ويدلُّ عليها متبوعًا في ذلك أعظم من التغليظ على من يعمل بها مقلِّدًا.
وهذا الوجه مما اعتمد عليه أحمد، قال أبو طالب: سمعتُ أبا عبد الله قال له رجل في "كتاب الحيل": إذا اشترى الرجل أمةً فأراد أن يقع بها، يُعتقها ثم يتزوجها؟ فقال أحمد: بلغني أن المهديَّ اشترى جارية فأعجبته، فقيل له: أعتقها وتزوجها، فقال:
стр. 111
سبحان الله ما أعجب هذا! ! أبطلوا كتابَ الله تعالى والسنة، يطأها رجلٌ اليومَ ويطأها الآخر غدًا؟ هذا نقض للكتاب والسنة، قال ﷺ : "لا تُوطأ حاملٌ حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض" (١) ولا يُدْرَى هي حامل أم لا؟ سبحان الله ما أسمج هذا (٢)! ! .
وبالجملة؛ فلا يشك المؤمن أن الله حرَّمَ الربا لحكمةٍ، فإذا جاز أن يقول: بعني ثوبك بألفٍ حالَّةٍ، ثم يبيعه إياه بألف ومئتين مؤجَّلة، فالغرض الذي كان للمتعاقدين في إعطاء الألف بألف ومئتين هو بعينه موجود - أيضًا - هنا، وما أظهراه من صورة العقد لا غرض لهما فيه بحال.
وقد عُلم أن الله إنما حرَّم الربا زجرًا لما تطلبه النفوس من أكل المال بالباطل، فإذا كانت هذه الحيلة يحصل معها غرض النفوس من الربا، عُلِم قطعًا أن مفسدة الربا موجودة فيها.
وكذلك السِّفاح حرَّمه الله لحِكَمٍ كثيرة، وقَطَع شَبَهَه بالنكاح بكل طريق، فأوجب في النكاح الولي والشاهدين والعدة وغير ذلك.
стр. 112
ومعلوم أنَّ الرجل لو تزوَّج المرأةَ ليُقيم عندها ليلةً أو ليلتين ثم يفارقها بوليٍّ وشهود وغير ذلك؛ كان سفاحًا، وهو المتعة، فإذا لم يكن له غرض معها، ألَم يكن أولى باسم السِّفاح؟!.
وكذلك إنما أوجبَ الشُّفْعةَ للشريك لما فيه من الضرر بالشركة على الشريك فأثبت له الأخذ؛ ليزول ضرره، فإذا سوغ الاحتيال على إسقاطها، أَلَم يكن فيه بقاء فساد الشركة والقِسْمة وعدم صلاح الشفعة؟!.
وكل موضع ظهرت حكمته أو غابت، فلا يشك مُسْتبصر أن الاحتيال يبطل تلك الحكمة التي قصدها الشارع، فيكون ذلك مناقضًا للشارع ومحادة له.
واعتبر ذلك بسياسة الملوك، بل بسياسة الرجل في بيته، فإنه لو عارضَه بعضُ الأذكياء المحتالين في أوامره ونواهيه، بإقامة صورها دون حقائقها، لعلم أنه ساعٍ في فساد أوامره.
وأظن أن كثيرًا من الحِيَل إنما استحلَّها من لم يفقه حكمة الشارع، ولو هُدِيَ (١٦٦/ أ) رشدَه لسلَّم لله ورسوله، وأطاع الله ظاهرًا وباطنًا في كل أمره، وعلم أن الشرائع تحتها حِكَم لم يهتد هو لها، فما كان يفعل شيئًا يعلم أنه مزيل لحكمة الشارع.
الوجه الخامس والعشرون: أن الله - سبحانه - سدَّ الذرائع المفضية إلى المحارِم، بأن حرَّمها ونهى عنها، والذريعةُ ما كان وسيلةً وطريقًا إلى الشيء، لكن صارت في عُرف الفقهاء عبارة عما
стр. 113
أفْضَت إلى فعلِ محرَّمٍ، ولو تجرَّد عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة، ولهذا قيل: الذريعةَ الفعل الذي ظاهره الإباحة وهو وسيلة إلى فِعل المحرَّم.
ثم هذه الذرائع إذا كانت تفضي إلى المحرَّم غالبًا، فإنه يحرَّمها مطلقًا، وكذلك إن كانت قد تفضي وقد لا تُفْضي، لكن الطبعُ متقاضٍ لإفضائها.
وأما إن كانت إنما تُفضي أحيانًا، فإن لم يكن فيها مصلحة راجحة على هذا الإفضاء القليل وإلا حرَّمها - أيضًا - فقد حرَّم الشارعُ الذرائعَ وإن لم يُقْصَد بها المحرم، خشيةَ إفضائها إلى المحرَّم، فإذا قُصِد بالشيء نفس المحرَّم كان أولى بالتحريم من الذرائع، وبهذا تظهرُ علةُ التحريم في مسائل العِينة وأمثالها، وإن لم يقصد البائع الرِّبا؛ لأن هذه المعاملة يغلب فيها قَصْد الربا، فيصير ذريعة، فيسد هذا الباب.
وللشريعة أسرار في سدِّ الفساد وحَسْم مادة الشر؛ لِعِلْم الشارع بما خَفِيَ على النفوس من خَفِيِّ هواها الذي لا يزال يسري فيها حتى يقودها إلى الهَلَكة، فمن تَحَذْلَق على الشارع وقال في بعض المحرمات: إنما حرَّمها لعِلَّةِ كذا، وهي مفقودة هنا، فاستباح ذلك بهذا التأويل؛ فهو ظلوم لنفسه جهول بأمر ربِّه.
وهذا إن نجى من الكفر لم ينج غالبًا من بدعة أو فسق، أو قِلَّة فقه في الدين وعدم بصيرة، وشواهد هذه القاعدة أكثر من أن تُحْصَر، فنذكُر بعض ما يَحْضر:
стр. 114
فالأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فحرَّم سبَّ الآلهة مع أنه عبادة؛ لكونه ذريعة إلى سبِّهم لله ؛ لأن مصلحة تركهم سبَّ الله - سبحانه - راجحة على مصلحة سبِّنا لآلهتهم.
الثاني: ما روى حميد بن عبد الرحمن (١) عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "من الكبائر شَتْم الرجلِ والديه"، قالوا: يا رسول الله وهل يسب الرجل والديه؟ قال: "نعم يَسُبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه ويسبُّ أُمَّه فيسبُّ أُمَّه" متفق عليه (٢).
الثالث: أنه ﷺ كان يكُفُّ عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة؛ لئلا يكون (١٦٦/ ب) ذريعةً إلى قول الناس: إن محمدًا يقتلُ أصحابَه؛ لأنه يوجب النفورَ عن الإسلام.
الرابع: أنَّ الله حرَّم قليلَ الخمر، وحرَّم اقتناءها للتخليل؛ لئلا تُفْضي إباحة مقاربتها إلى شربها، ثم إنه نهى عن الخليطَيْن، وعن شرب العصير بعد ثلاث، وعن الانتباذ في الأوعية التي لا يعلم بتخمير النبيذ فيها؛ حَسْمًا لمادة ذلك، وإن كان في بعض ذلك خلاف، وقال: "لو رخَّصْتُ لكم في هذه لأَوْشَكَ أن تَجْعَلُوها مثلَ هذه" (٣).
стр. 115
الخامس: أنه حرَّم الخلوة بالمرأة الأجنبية والسَّفَر بها ولو في مصلحة دينية؛ حَسْمًا لمادة ما يحاذر من تغير الطِّباع وتشبه الغير (١).
السادس: أنه نهى عن بناء المساجد على القبور، ولَعَنَ من فَعَلَ ذلك، ونهى عن تكبير القبور وتشريفها وأمر بتسويتها، ونهى عن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى اتخاذها أوثانًا
وحرَّم ذلك على من قَصَد هذا ومن لم يَقْصِدْه بل قَصَد خلافَه؛ سدًّا للذريعة.
السابع: أنه نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها؛ لما فيه من التشبُّه بالكفار. والتشبُّهُ بالشيءِ ذريعة إلى أن يُعْطَى بعض أحكامه، فقد يُفضي ذلك إلى السجود للشمس.
الثامن: أنَّه نهى عن التشبُّه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة مشهورة (٢)؛ وذلك لأن المشابهة في بعض الهَدْي الظاهر توجب المقاربة ونوعًا من المناسبة، تُفضي إلى المشاركة في خصائصهم التي انفردوا بها عن المسلمين، وذلك يجرُّ إلى فسادٍ عظيم.
стр. 116
التاسع (١): أن النبي ﷺ أمر الذى أرسل معه بهَدْيه إذا عطب شيءٌ منه دون المحلّ أن ينحره ويصبغ نعلَه بدمه، ويخلَّي بينَه وبين المساكين، ولا يأكل هو منه ولا أحد من أهل رفقته (٢)؛ لئلا يُفضي ذلك إلى أن يقصِّر في عَلْفها وحِفْظها.
العاشر: أنه ﷺ نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين أختها، وقال: "إنَّكم إذا فَعَلْتُم ذلك قَطَعْتُم أَرْحامكم" (٣)، ولو رَضِيَتا لما جاز؛ لأن الطباع تتغيَّر، فيكون ذلك ذريعة إلى فِعْل القطيعة المحرَّمة.
ولذلك حرَّم الزيادة على أربع؛ لما فيه من الذريعة إلى الجَوْر بينهنَّ في القَسْم؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]، وهذا نصٌّ في اعتبار الذريعة.
١١ - وكذلك حَرَّم خطبة المعتدَّة.
стр. 117
١٢ - وعَقْد النكاح حال العِدَّة والإحرام.
١٣ - واشترط للنكاح شروطًا زائدة على حقيقة العقد.
١٤ - ونهى أن يجمع الرجل بين سلفٍ وبيع.
١٥ - ونهيه عن العِيْنة.
١٦ - ومَنَع المُقْرِض من قبول الهدية.
١٧ - وَمَنْع القاتل الميراث.
١٨ - وتوريث المطلقة في مرض الموت حيث يُتَّهم (١).
١٩ - وقَتْل الجماعة بالواحد.
٢٠ - ونَهْيه عن تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين، وعن صوم يوم العيد، وعن صوم يوم الشكِّ؛ لئلا يُلحَق بالفرض ما ليس منه.
٢١ - وكراهة الصلاة إلى ما عُبِد من دون الله.
٢٢ - ومَنَع المسلمين أن يقولوا للنبي ﷺ : راعِنا.
٢٣ - وأَوْجَب (١٦٧/ أ) الشُّفْعة؛ سدًّا لمفسدة ما يحصل بسبب الشركة من المعاصي.
٢٤ - وأَمَر نَبيَّه أن يحكم بالظاهر، مع إمكان الوحي إليه باطنًا.
٢٥ - ومَنَعه لما كان بمكة من الجهر بالقرآن.
стр. 118
٢٦ - وأَوْجَب إقامة الحدود؛ سدًّا للتذَرُّع إلى المعاصي.
٢٧ - وأمر (١) بالاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف؛ خوفًا من تفريق القلوب.
٢٨ - وكراهة إفراد رجب ويوم الجمعة وأيام أعياد الكفار [بالصوم] (٢).
٢٩ - وشَرَط على أهل الذمة شروطًا يخالفون المسلمين في زيِّهم، في اللبالس والشعر وغيره، لئلا يُعامَلُوا معاملةَ المسلم (٣).
وهذا بابٌ واسع لا يكاد ينضبط، وإنما ذكرنا ما هو متفق عليه، أو منصوص عليه، أو مأثور عن الصدر الأول.
وفي بعض هذه الأحكام حِكَم أخرى غير الذرائع، وإنما المقصود أن الذرائع مما اعتبره الشارع، وهذا بيِّن لمن تأمَّله، والله الهادي إلى سواء الصراط.
ولا شكَّ أن تجويز الحيل يناقض سدَّ الذرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع يسدُّ الطريق إلى المحرَّم بكل حالٍ، والمحتال يريد أن يتوسّل إلى ذلك.
стр. 119
واعلم أن المقصودَ هنا: بيانُ تحريم الحيل، وأن صاحبها يتعرض لسخط الله وأليم عقابه، ويترتَّب على ذلك أن ينقض على صاحبها مقصودَه منها بحسب الإمكان، وما لا يمكن نقضُه فيجب ضمان ذلك على المفسد له، بمنزلة ضمان الأموال بالتَّلَف.
وهذا مثل من يطأ امرأةَ أبيه [أو ابنه] لينفسِخَ نكاحُه، عند من يرى تحريم ذلك، فيغرم ذلك ما فَسَد بفعله، وأما غير ذلك فَيُعامَل بنقيض قصده؛ فمن أراد أن يؤخِّر الصومَ بأن يسافر في الحرِّ ليصوم في الشتاء - مثلًا -، فنقول: يجب عليه الصوم في هذا السفر، ونحو ذلك.
ومن قَصَد قتلَ رجلٍ ليتزوَّج امرأتَه؛ لم تحل له، ونحوه.
وتلخيص ذلك: أنَّ الحِيلَ نوعان؛ أقوال وأفعال .
فالأقوال؛ يشترط لثبوت أحكامها العقل، ويُعتَبر فيها القَصْد، وتكون صحيحةً تارة، وهو: ما ترتَّب حكمه عليه، وفاسدةً أخرى، فلم يترتَّب حكمه عليه.
ثم ما ثبت حكمه؛ منهُ ما يمكنُ فسخُه ورفعه بعد وقوعه؛ كالبيع والنكاح، ومنه ما لا يمكن رفْعُه بعد وقوعه؛ كالعتق والطلاق (١)، فهذا الضرب إذا قصد به الاحتيال على فعل محرَّم أو إسقاط واجب = أمْكَنَ إبطاله؛ إما من جميع الوجوه، وإما من الوجه الذي يُبْطِلُ مقصودَه، بحيث لا يترتَّب عليه أثره الذي احتيل عليه، كما حكم به
стр. 120
الصحابةُ في طلاق الفارِّ (١).
وأما الأفعال؛ فإن اقتضت الرخصة للمحتال لم تحصل، كالسفر للقصر أو الفِطْر. وإن اقتضت تحريمًا على الغير، فإنه قد يقع ويكون بمنزلة إتلاف النفس والمال. وإن اقتضت حِلًّا عامًّا إما بنفسها أو بواسطة زوال الملك؛ فهذه مسألة القتل وذبح الصيد للحلال، وذبح المغصوب للغاصب.
وبالجملة؛ فإن قَصَد (١٦٧/ ب) بالفعل استباحةَ محرَّم؛ لم يحل، وإن قصد إزالة ملك الغير ليحلّ له؛ فالأقْيَس أن لا يحل - أيضًا - له، ويحل لغيره.
وهنا مسائل كثيرة لا يمكن ذكرها هنا، نبَّهنا على هذا القَدْر من الحِيَل وإبطالها، والكلامُ في التفاصيل ليس هذا موضعه، وهذا القدر أنموذج منه يُسْتَدل به على غيره، وأما الكلام في إبطال الحِيَل؛ فباب واسع، يحتمل كتبًا كثيرة (٢)، وإنما الغرض هنا التنبيهُ على إبطالها وتمهيدُ القاعدة لمسألة التحليل.
وقد استدلَّ [عليه] البخاريُّ (٣) بقوله [ ﷺ ]: "لا يُجمع بينَ متفرِّقٍ ولا يُفَرَّق بين مُجْتمِع خَشْيَةَ الصَّدَقة"، فإن النهيَ عامٌّ قبل
стр. 121
الحولِ وبعدَه.
وبقوله ﷺ في الطاعون: "إذا وَقَعَ بأرضٍ وأَنْتُم بها فلا تَخْرجوا فِرارًا منه" (١)، فإذا كان قد نهى عن الفرار من قَدَر اللهِ - سبحانه - إذا نزل بالعبد؛ رضًى بقضاء الله وتسليمًا لحكمه؛ فكيف بالفرار من أمره ودينه إذا نزل بالعبد؟!.
وبأنه ﷺ نَهَى عن بَيعْ فَضْل الماء؛ ليمنع به الكلأ (٢).
فعُلِمَ أن الشيء الذي هو في نفسِه غير مقصودٍ إذا قُصِد به أمرٌ محرَّم صار محرَّمًا.
فإن قيل: ما ذكرتموه معارَضٌ بقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ... ﴾ [ص: ٤٤]، فهذا قد أذن الله لأيوب أنْ يضرب بالضِّغْثِ، وكان يلزمه أن يضرب ضرباتٍ متفرِّقة، وهذا نوعٌ من الحيلة؟.
قلنا أوَّلًا:
ليس هذا مما نحن فيه، فإن الفقهاء في موجب هذه اليمين في شرعنا عند الإطلاق على قولين:
أحدهما: قول من يقول: موجبها الضرب مجموعًا أو مفرَّقًا،
стр. 122
فعلى هذا يكون هذا موجب اللفظ عند الإطلاق، والحيلة: صرف اللفظ عن موجبه.
الثاني: أنَّ موجبه الضرب المفرَّق، وهذا موجب شرعنا، فلا يُستدل بشرع من قبلنا؛ لأن شرْعَنا وَرَد بخلافه.
وقلنا ثانيًا:
من تأمَّل الآية علم أن هذه الفُتيا خاصة الحكم، فإنها لو كانت عامةً لم يَخْفَ على نبيٍّ كريم موجبُ يمينه، ولم يكن في اقْتِصاصها علينا كبير عبرة، فإنه إنما يُقَصُّ ما خرج عن نظائره ليُعْتَبَر به.
وأيضًا: قال عقيبها: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٤٤]، فخرجت هذه الجملة مخرج التعليل، فعُلِم أنَّ اللهَ جازاه على صبره تخفيفًا عنه ورحمةً به، لا أن هذا موجب هذه اليمين.
وقلنا ثالثًا:
معلوم أنَّ اللهَ إنما أفتاه بهذا؛ لئلا يحنث، كما أخبر الله، وكما نقله أهلُ التفسير، وهذا يدلُّ على أن كفارة الأيمان لم تكن مشروعةً في تلك الشريعة، بل ليس إلا البر أو الحنث، كنذر التبرُّر في شرعنا.
وكان أبو بكر لا يحنث في يمينه حتى [أنزل] الله كفارة الأيمان (١)، فعُلِم أنها لم تكن مشروعة، فصار كأنه قد (١٦٨/ أ) نَذَر
стр. 123
ضربها، وهذا نذرٌ لا يجب الوفاءُ به؛ لما فيه من الضرر عليها، وما وجب بالنذر يُحْتَذَى [به] حَذْو الواجب بالشرع.
[فإذا كان] يجب تفريق الضرب عند الصحة لخوف الضرر، ويُضرب بالعُثْكُول ونحوه عند المرض (١) = جاز أن يُقام الواجب بالنذر مُقام ذلك، وقد كانت امرأته ضعيفة وكريمة على ربها، فخفَّفَ عنها الواجب بالنذر بجمع الضربات كما يُخَفَّف على المريض.
ألا ترى أنَّ السنةَ فيمن نَذَر الصدقة بماله يُجْزئه الثلث، وهذا كثير، كمن نذر أن يطوف على أربعة يُجْزئه أن يطوف أُسبوعين (٢)، أفتى به ابن عباس (٣)، ومن نذر ذَبْحَ ولده يجزئه شاة (٤)، فيكون هذا من هذا الباب، والله أعلم.
ولا يحتاج في شرعنا إلى هذا، فإن من حَلَف أن يضربَ امرأته، أمكنه أن يُكَفِّر يمينه من غير احتياج إلى تخفيف الضرب، ولو نذره أجزأه كفارة يمين عند أحمد وغيره.
وقيل: لا يلزمه شيءٌ، يوضِّح ذلك: أن المُطْلَق من كلام
стр. 124
الناس محمول على (١) ما فُسِّر به المُطْلَق من كلام الله، خصوصًا في الأيْمان، فإن الرجوع فيها إلى عُرْف الخطاب شرعًا أو عادةً أولى من الرجوع إلى أصل اللغة.
ثم إن الله - سبحانه - لما أوجب الجلدَ على الزاني والقاذف، فَهِم المسلمون من ذلك أنَّه إن كان صحيحًا وجب ضربُه متفرِّقًا (٢)، وإن كان مريضًا مأيوسًا من بُرْئه؛ ضُرِب بعثكُوْل ونحوه.
وإن كان مرجَوَّ البُرْءِ؛ فهل يؤخَّر أو يضرب بذلك؟ على الخلاف، فكيف يقال: إنَّ من حلَفَ ليضربنَّ، يكونُ موجب يمينه الضرب المجموع مع صحة المضروب وجلده (٣)؟ ! هذا خلاف القاعدة.
فيعلم أن قصة أيوب كان فيها معنًى يوجبُ جوازَ الجمع، وإن كان ذلك ليس موجب الإطلاق، وهو المقصود.
فإن قيل: فحديث بلال (٤)؟ .
قلنا: قد تقدم الكلام عليه، وأنه ليس من الحيلة المحرَّمة بوجهٍ في الوجه السادس عشر (٥)، وأن قولَه: "بِعِ التَّمْرَ ... "
стр. 125
يُصرف إلى البيع الصحيح المتفق عليه، فإنَّ المطلق يَصْدُق بصورة الوفاق ولا يُحتجُّ به على صورة الخلاف، وتقدَّم الكلامُ عليه وعلى غيره من الأدلة، وفيه كفاية.
* * *
стр. 126
فصلٌ (١)
وأما الطريق الثاني في إبطال التحليل في النكاح، فهو الدلالة على عين المسألة، وذلك من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس، والواجب تقديم أدلة الكتاب (٢)، ولكن أدِلَّة السنة أبْيَن فتقدَّم لذلك، وفي هذه الطريق مسالك:
الأول
ما روى ابن مسعود قال: "لَعَنَ رسولُ اللهِ الواشِمَةَ والمُوْتَشِمَةَ، والواصِلَةَ والمَوْصُوْلَةَ، والمُحِلَّ والمُحَلَّلَ له، وآكِلَ الرِّبا ومُوْكِلَه" رواه أحمد والنسائي (٣).
وروى الترمذيُّ (٤): "لَعَنَ [اللهُ] المحلِّلَ والمُحَلَّلَ له" وحسَّنه (٥). وقال: "عليه العمل (١٦٨/ ب) عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم: عمر وعثمان وعبد الله بن عمر، وهذا قول الفقهاء من
стр. 127
التابعين، ورُوِي عن علي وابن مسعود وابن عباس".
ورُوي من طرق كثيرة، وروي ما يعضده ويقويه، مثل قوله: "ألا أُنْبِئكم بالتيسِ المُسْتَعار"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "هو المحلِّلَ والمحلَّل له" (١) - وتكلَّمَ على طرقه وقال في آخر ذلك -: فثبتَ أَنَّه حديث حسن وإسناد جيّد.
فهذه سُنن رسول الله بيِّنَة في لعن المُحِلّ والمُحَلَّل له، وذلك من أبين الأدلة على أنه حرام باطل؛ إذ اللعن لا يكون إلا على معصية، بل لا يكاد يلعن إلا على كبيرة؛ لأن الصغيرة تقعُ مُكَفَّرةً بالحسنات.
واللعنة هي: الإقصاء والإبعاد عن رحمة الله، ولن يستوجب ذلك إلا بكبيرة، قال ابن عباس: كلُّ ذنبٍ خُتِم بغضب أو لعنة أو عذاب أو نار؛ فهو كبيرة (٢). والعقدُ محرَّم، والنكاح المحرَّم باطل باتفاق الفقهاء، ولعنُه للمحلل له يدلُّ على أنها لم تحل له وإلا لم يَكُن للعنةِ وَجْه.
فإن قيل (٣): يُحمل الحديث على من شَرَطَ التحليل في نفس
стр. 128
العقد، فيُخَصَّص؛ لأن الشروط إنما تؤثِّر في العقد إذا قارنَتْه، كالبيع، أو يُحمل على من أظهر التحليل دون من نواه؛ لأن العقد إنما يعتبر فيه الظاهر دون الباطن، وإلا لكان فيه ضرر (١) على العاقد الآخر، فإنه لا اطلاع له على نيَّة الآخر، هذا إن سُلِّم أنَّ لفظ التحليل يَعُم ذلك كلَّه، وإلا [فقد] يقال: لا نُسَلِّم أنَّ المحلل غير من شرط، فلا يكون حينئذٍ ثَم تخصيص أصلًا، ولا بُدَّ من دليل على أنَّ القاصد للتحليل يُسمى محلِّلًا حتى يدخل في العموم، وإلا فالأصل عدم دخوله.
قلنا: الكلامُ في مقامين:
أحدُهما: أن اسم المُحَلِّل يعمّ القاصد وغيره.
والثاني: أنه يجب إجراء الحديث على عمومه.
أما الأول؛ فدليله من وجوه:
أحدها: أن السلفَ كانوا يسمون القاصد محلِّلًا وإن لم يشرطه، والأصل في الإطلاق الحقيقة، قال ابن عمر (٢): "لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذا عَلِم اللهُ أنهما أرادا التحليل". وفي لفظ: "إذا علم الله أنه محلِّل". وفي لفظ: سُئل عمن قَصَد التحليل؟ فقال: "لعن الله المُحِلّ والمحلَّل له" (٢)، فقد أدخل القاصد في اسم المحلِّل، وهذا مأخوذ من كلام السلف كما قدمناه.
стр. 129
الثاني: قال أهلُ اللغة - منهم الجوهري (١) -: المُحَلِّل الذي يتزوج المطلقة ثلاثًا حتى تحلّ للأول.
الثالث: استعمال الخاصة والعامة إلى اليوم، والأصل بقاء اللغة وتقريرها، وكذا عُرْف الفقهاء، فإن فيهم من يقول: نكاح المُحَلِّل باطل، وفيهم من يقول: نكاحُه باطل إذا شرط، وفيهم من يقول: هو صحيح.
الرابع: أن المُحَلِّل اسم لمن حَلَّل الشيءَ الحرام، فإنه اسم فاعل من (١٦٩/ أ) أحلَّ المرأة وحلَّلها إذا جعلها حلالًا.
وإذا كان قياس التصريف واللغة يوجب تسمية ذلك القاصد محلِّلًا لم يجز سلبَ الاسم عنه، وإذا ثبت أنه مراد لرسول الله ثبت أن اللفظ يشمله، ويبين ذلك أنه مراد.
المقام الثاني: أن الحديثَ أُريدَ به كل محلِّل أظهر التحليل أو أضمره؛ فدليله من وجوه:
أحدها: أن الحديث أدنى أحواله أن يشمل [التحليل] المشروط والمقصود؛ لأنا قد بيَّنا أن المراد جعل المرأة حلالًا؛ لأن المتكلم إذا تكلم بكلام يشمل صورًا كثيرة وأراد بعضَها، فلا بدَّ أن ينصبَ دليلًا يبين خروجَ ما لم يُرِدْه، فلما لم يجيء في شيءٍ من النصوص التقييد؛ عُلِمَ أنه أرادَ عمومَه.
الثاني: أنه لو قَصَد التحليلَ المشروطَ خاصة؛ لَلَعَن الزوجة
стр. 130
والولي، كما لعن آكلَ الربا وموكِلَه وشاهديه وكاتِبَه، ولعن في الخمر عشرة (١)، فلما خصَّ الزوجين باللعن علم أنه عنى التحليل المقصود [المكتوم] (٢) من المرأة ووليها، وهو ما كان يفعله الصَّدِيْقُ مع صديقه.
الثالث: أنه لعن شاهِدَي الربا وكاتبه، ولعن المُحِلَّ والمحلَّل له، فلو كان التحليل ظاهرًا للعن الشاهدين (٣).
الرابع: أن التحليل المشروط لم يتم ولم يقع بين المسلمين، لا سيما على عهد رسول الله ﷺ ؛ لأنه يظهر للناس، فيحولون بين المرأة والرجل، فلما لعن المحل زجرًا له عُلِم أنه من الأمور التي تخفى على العامة، كالزنا ونحوه.
الخامس (٤): أنه قرنه بالواشمة والمُوْتَشمة والواصلة، فعُلِم أنه لا بد من قدرٍ مشتركٍ بينهما، وهو - والله أعلم - التدليس والتلبيس.
السادس: أنا سنذكر ما نصَّ الرسولُ في التحليل المقصود، وأن أصحابَه بيَّنوا ذلك، وأنه من التحليل، وهم أعلم بمقصوده وأعرف بمراده.
стр. 131
المسلك الثاني
ما روى أبو إسحاق الجوزجاني (١)، ثنا ابنُ أبي مريم، أنبا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة (٢)، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن المحلِّل؟ فقال: "لا إلَّا نِكاحَ رَغْبة لا نكاح دُلْسَة، ولا استهزاءٍ بكتاب الله، ثُمَّ يذوقُ العُسَيلة".
ورواه ابن شاهين (٣). والدُّلْسَةُ من التدليس، وهو الكتمان والتغطية للعيوب، والمدالسة المخادعة (٤).
وإسناده جيِّد، إلا إبراهيم بن إسماعيل، فقد اخْتُلِفَ فيه، ووثَّقه أحمد والدارمي. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال
стр. 132
ابن معين: ليس بشيءٍ، وقال ابن عدي: يُكتب حديثُه على ضعفه (١). وهذا عدل، فإن في الرجل ضعفًا من جهة حفظه لا من جهة التهمة، فمثل هذا يُكتب حديثُه للاعتبار.
وقد جاء حديث مرسل يوافقُ هذا (٢)، وهو حجةٌ؛ لأن الذي (١٦٩/ ب) أرسله احتجَّ به، ولولا ثبوته (٣) لما جاز أن يرسله محتجًّا به، وإذا قال التابعيُّ: إن الحديث ثبت عندي كفى.
ثم الحديثان إذا كانا من طريقين مختلفَيْن عَضَد أحدهما الآخر، خصوصًا إذا كان الضعفُ فيهما من جهة سوءِ الحفظ، وعُلِم بذلك أن للحديث أصلًا محفوظًا.
وسئل ابن عمر عن ذلك، فقال: لا إلّا نِكاحَ رغبة، كُنَّا نعدُّ هذا سِفاحًا على عهد رسول الله (٤).
المسلك الثالث (٥)
أن التحليل لو كان جائزًا لدلَّ عليه الرسولُ من طلَّق ثلاثًا،
стр. 133
فإنه كان أرحم الناس بأُمَّته، ويحب تيسير الأمور، وقصةُ امرأةِ رفاعة مشهورة (١)، فهلَّا علَّمها ذلك، وهو يرى من حِرْصها على العَوْد إلى زوجها ما يرقّ القلبُ لحالها، وقد كان يمكن أن يقول لبعض المسلمين: حلِّل هذه لزوجها، فلما لم يأمر هو ولا أحد من خلفائه [بشيء من ذلك]، عُلِم قطعًا أنه لا سبيل إليه.
ومن تأمَّل هذا المسلك، وعَلِم كثرةَ وقوع الطلاق على عهد الرسول ﷺ وخلفائه، ولم يُؤْذَن لأحدٍ فيه عُلِم انتفاؤه، وأنه ليس من الدين.
المسلك الرابع
إجماع الصحابة ﵃.
فروي عن عمر أنه قال: "لا أُوتَى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رَجَمْتُهما"، رواه ابن أبي شيبة (٢) وأبو إسحاق الجُوْزجاني وحرب الكرماني والأثرم والبيهقي (٣)، وهو مشهور محفوظ (٤).
ورُفع إلى عثمان رجل تزوج امرأة ليحلها، ففرَّق بينهما، وقال: "لا ترجع إلا بِنِكاحِ رَغْبة لا دُلْسَة" (٥)، رواه الجوزجاني.
وعن عليٍّ قال: "لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة لا دلسة،
стр. 134
ولا استهزئ بكتاب الله" ذكره بعض المالكية (١).
وعن علي: "لعنَ اللهُ المحلِّلَ والمحلَّلَ له" (٢).
وعن ابن عمر: "لعنَ اللهُ المحلِّلَ والمحلَّلَ له" (٣).
وعن ابن عباس مثله. وقال: "من يُخَادع الله يخدَعْه" (٤).
وقال ابن عمر: "لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة" (٥) رُوي عنه ذلك وغيره من غير وجهٍ.
وهذه الآثار مشهورة عن الصحابة، ويدلُّ ذلك على أن المحلِّل عندهم اسم لمن قَصَد، وأن عمر كان يُنَكِّل من فعل ذلك، فعُلِم شهرة ذلك عندهم، وأنه حرام.
وحديث ذي الرقعتين (٦) منقطع ليس له إسناد، وهو: أن رجلًا تزوج امرأة ليحلها، فأعجبها، فترافعا إلى عمر، فأمره أن لا يُطلِّقها.
стр. 135
قال أبو عبيد: هو مرسل (١).
فأين هذا من الذي سمعه يخطب: "لا أوتى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتهما" (٢).
وقال ابن عمر عن التحليل: "هو سِفاحٌ لو أدرككم عمر لنكَّلكم" (٣).
والمنقطع لا يعارض (١٧٠/ أ) المسند (٤).
أو لعلَّ الزوج لم ينو التحليل وقتَ العقد، بل قَصَد نكاح الرغبة - إن كان له أصل -. أو أنهم لم يذكروا للزوج أنه يحللها، بل تواطؤهم (٥) على أن يعطوه شيئًا ليطلقها، ولم يُشعِروه بذلك؛ لكن ظاهر المروي في القصة أنهم شارطوه على الخُلْع قبل النكاح ولم يشترطوا عليه الطلاق المجرَّد.
وليس في القصة أنهم واطئوه على أن يحلِّها للأول، وإنما فيها أنهم واطئوه على أن يبيتَ عندها ليلة ثم يُطلقها، وهذا من جِنْس المتعة التي للزوج فيها رغبة إلى وقت.
ونكاحُ المتعة قد استحلُّوه صدرًا من خلافةِ عمر، حتى أظهر
стр. 136
عمرُ السنةَ بتحريمه، فلعلَّ هذا كان قبل أن يظهر تحريم المتعة.
ويحتمل أنه أمره أن يمسكها بنكاح جديد.
ثم لو ثبتَ أنَّ عمر صحَّح نكاح المحلِّل، فيجب أن يُحمل الأمرُ فيه على أنه رجع؛ لأنه قد ثبت عنه من غير وجهٍ التغليظُ في التحليل والنهي عنه، وأنه خطبَ الناسَ فقال: "لا أُوتى بمحلِّلٍ ومحلَّلٍ له إلا رجمتهما" ولا يمكن أن يكون رخَّص في التحليل بعد النهي؛ لأن النهيَ إنما يكون عن علمٍ بسنةِ رسول الله، بخلاف ترك الإنكار، فإنه يكون عن الاستصحاب، فثبتَ أن الصحابةَ لم يختلفوا في ذلك.
المسلك الخامس
قوله بعد قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وبعد ذكر الخلع: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
ونكاح المحلِّل والمتعة ليس بنكاح عند الإطلاق؛ لأن النكاح في اللغة: الجمع على أتم الوجوه. فإن كان اجتماعًا بالأبدان فهو الإيلاج، وإن كان بالعقود، فهو الجمع بينهما على وجه الدوام أو اللزوم.
ولهذا لما سُئل ابن عباس عن المتعة - وكان يُبِيْحُها -: "أنكاحٌ هي أم سِفَاح؟ فقال: ليست بنكاح ولا سفاح، ولكنها مُتْعة" (١)،
стр. 137
فلما لم يكن مقصودها الدوام، قال: ليست بنكاح، ولهذا لم يَثْبُت فيها شيء [من] (١) أحكام النكاح؛ من الطلاق والعِدَّة والميراث، وإنما كان يثبت فيها أحكام الوطء.
ولهذا قال ابن مسعود وغيره: نَسَخَ المتعةَ النكاحُ والطلاقُ والعدةُ والميراثُ (٢).
والمحلِّل أولى بأن لا يكون ناكحًا؛ لأنه - أيضًا - لم يقصد الدوام، فهو كالمتعة، بل أولى؛ لأن قولَه: تزوَّجْتُ، وقولَ الوليّ: زَوَّجْتُ = كذبٌ واستهزاء وخداع، وإذا لم يكن نكاحًا عند الإطلاق وإنما يقال: نكاح التحليل ونكاح المتعة، فثبتَ أنه حرام (١٧٠/ ب)؛ لأن الفرج حرام إلا بنكاح أو ملك يمين، ولا يدخل هذا في الإطلاق، فلا يحلُّ له إلا بدليل يخصُّه، إذ المطلق إنما يُحْمل على المتفق عليه، ولا يدل على صحة المختلف فيه، فيصدق بصورة الوفاق وهو نكاح الرغبة لا بغيره، وهو المطلوب.
المسلك السادس
قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ... ﴾ [البقرة: ٢٣٠] الآية. يعني: فإن طلَّقها هذا الزوج الثاني، فلا جُناح عليهما - يعني هي والمطلِّق الأول - أن يتراجعا إن ظنَّا أن يقيما حدود الله.
стр. 138
وحرف "إن" في لسان العرب لما يمكن وقوعه وعدمه، فأما ما يقع لازمًا أو غالبًا، فيقولون فيه: "إذا"، كقولهم: إذا احمرَّ البسرُ فاتني، ولا يقولون: إنِ احمرَّ؛ لأن الاحمرار واقع. فقوله: "فإن طلَّقها" يُعلم منه أن ذلك النكاح المتقدِّم نكاحٌ يقع فيه الطلاق تارة ولا يقع أخرى، ونكاح المحلِّل يقع فيه لازمًا أو غالبًا، وإنما يقال في مثله: "فإذا".
ولا يقال: فالآيةُ عمَّت كلَّ نكاحٍ، فقيل: "فإن ... ".
لأنا نقول: لو أراد ذلك لقال: "فإن فارقها"؛ لأنه قد يموت عنها، وقد يفارقها بفسخ، لكن هذه الأشياء ليست في يد الزوج، إنما بيده الطلاق، فلهذا قيل: "فإن" [فـ]ـدلّ على أنَّه نكاح رغبة قد تطلق وقد لا تطلق، لا نكاح دُلسة يستلزم وقوعَ الطلاق إلا نادرًا.
يبيِّنُ هذا: أن الغايةَ المؤقَّتة بـ "حتى" تدخل في حكم المحدود المُغَيَّا، لا نعلم بين أهل اللغة خلافًا فيه، وإنما اختلفَ الناسُ في الموقّت بحرف "إلى".
قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ يقتضي أنها لا تحلُّ حتى يوجد الغاية، وهو نكاح زوجٍ غيره، فلما قال بعده: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ علم أن فيه فائدة جديدة، وهو - والله أعلم - التنبيه على أن ذلك الزوج موصوف بجواز التطليق وعدم جوازه.
وتأمل قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، لما كان التطهُّر فعلًا مقصودًا جيء فيه بحرف التوقيت وهو "إذا"، ولما كان الطلاق غير مقصود جيء فيه
стр. 139
بحرف التعليق وهو "إن"، ففرَّقَ اللهُ بينهما ليبَيِّن أنَّ هذا مقصودٌ بخلاف هذا.
قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ هذا وُجِد بفعل الله، وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فيه أن الثابت بفعل [الله] قد زال، وبقي نوعٌ آخر أخف يمكن زواله بفعل الآدمي، فقال فيه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾، وتخصيص الطلاق بهذا المعنى - أيضًا -؛ لأنه إذا كان نكاح رغبة صحَّ أن يقال فيه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ بخلاف المحلِّل، فإنه ليس كذلك لما تقدم.
(١٧١/ أ) المسلك السابع
قوله - سبحانه -: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ بعد قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ... ﴾ (١) إلى قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩, ٢٣٠].
فأذِنَ في فديتها إن خيف أن لا يُقيما حدودَ الله؛ لأن النكاح له حدود، وهو ما أوجبه الله لكل من الزوجين.
ثم ذَكَر الطلقةَ الثالثة، ثم ذكر أنها إذا نكحت زوجًا غيره، ثم طلَّقها، فلها أن تراجع زوجها الأول، إن ظنَّا أن يقيما حدودَ الله، فلما أباح معاودتها له إن ظنَّا أن يقيما حدودَ الله (٢)، كما أنه أباح
стр. 140
افتداءَها إذا خافا أن لا يقيما حدودَ الله؛ لأن المشروط هناك الفداء، ويكفي في إباحة الفُرْقة خوف الذنب في المقام، والمشروط هنا النكاح، ولا بد في المجامعة من ظنِّ الطاعة.
وإنما شرط هذا الشرط هنا؛ لأنه قد أخبر عنهما أنهما كانا يخافان (١) أن لا يقيما حدودَ الله، فلا بدَّ مع ذلك من النظر إلى تلك الحال؛ هل تبدَّلت أم هي باقية؟ بخلاف الزوج المبتدإ، فإنَّ ظنَّ إقامة حدودِ اللهِ موجودة؛ لأنه لم يكن هناك حالٌ تخالفُ هذا.
ونظير هذا قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ لأن الطلاق غالبًا إنما يكون عن شرٍّ، فإذا ارتجعها مريدًا الشرَّ بها لم يَجُزْ ذلك، بل يكون تسريحها هو الواجب، لكن قال هناك: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾، فجعل الردَّ إلى الزوج خاصَّة؛ لأن الكلام في الرجعة، وقال هنا: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾، فجعل التراجُع إلى الزوجين جميعًا؛ لأن الكلامَ في المطلَّقة ثلاثًا، وهي لا تحلُّ بعد الزوج الثاني إلا بعقد جديد يقف على رضاها، وكان فيه دليل على أنَّ هذه المرأة الواحدة اجتمع فيها طلقتان وفدية وطلقة ثالثة، كما قال ابن عباس وغيره.
إذا تبيَّن أن الله إنما أباحَ النكاحَ الذي قد يُخاف فيه من ضرر لمن ظن أنه يُقيم حدودَ الله فيه = عُلِمَ أن النكاح المباح هو النكاح الذي يُحتاج فيه إلى إقامة حدودَ الله في المعاشرة، ونكاح المحلِّل
стр. 141
ليس من هذا، فإنه من نيَّتِه أن يطلِّقها عقيب وطئها، فلا معاشرة هناك تحتاج إلى إقامة حدود الله، فلا يكون هذا الظن شرطًا فيه، وهو خلاف القرآن.
يبينُ ذلك: أن غالب المحلِّلين لا يظنان أنهما يُقيمان حدود الله؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما لا رغبةَ له في صاحبه، ورُوِي عن مجاهد في قوله: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] قال: إن عَلِما أنَّ نكاحهما على غير دُلْسَة (١)، وأراد بالدُّلْسة: التحليل.
ومعنى كلامه: إنْ عَلِم المطلِّق الأول والزوجة أن النكاح الثاني كان على غير دُلْسة (٢)، ولهذا لم يجعل الظنَّ علمًا هنا (١٧١/ ب) فلم يرفع الفعل حتى تكون [أن] الخفيفة من الثقيلة الدالة على أن الظن يقين، بل نَصبَ بـ "أن" الخفيفة؛ ليعلم أنه على بابه، ولأن كون الزوج الثاني لم يكن محلِّلًا قد لا يُتيَقَّن، وإنما يُعْلَم بغالب الظن، وعلى هذا ففي الآية حجة ثانية من هذا الوجه.
المسلك الثامن
قوله : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١].
стр. 142
وقد روى ابن ماجه (١) وابن بطة (٢) بإسنادٍ جيَّد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "ما بالُ أقوامٍ يلعبونَ بحدود اللهِ، ويَسْتَهْزِئون بآيات الله؛ طَلَّقْتُكِ راجَعْتُكِ، طَلَّقْتُكِ راجَعْتُكِ".
وفي لفظٍ لابن بطة: "خلعتك راجعتك".
وقد رُوِيَ مرسلًا عن أبي بردة.
فوجه الدلالة: أن الله - سبحانه - حرم على الرجل أن يرتجع المرأةَ يقصد بذلك مضارَّتها، بأن يطلِّقها ثم يمهلها حتى تشارف انقضاء العدة، ثم يرتجعها، ثم يطلقها قبل جماع أو بعده، ويمهلها حتى تشارف انقضاء العدة، ثم يرتجعها، ثم يطلقها، فتصير العدة تسعة أشهر.
وهكذا فسَّره عامة العلماء من الصحابة والتابعين، وجاء فيه حديث مسند.
ومعلومٌ أنه لو وقع هذا اتفاقًا من غير قصد منه، بأن يرتجعها راغبًا ثم يبدو له فيطلِّقها، ثم يبدو له فيراجعها راغبًا، ثم يبدو له فيطلقها، لم يحرم ذلك، لكن لما فعله لا لرغبةٍ، بل لمقصود آخر وهو أن يطلِّقها بعد ذلك ليُطِيل العِدَّة عليها = حَرُم ذلك، فالضرر حصل لها؛ لأنه قصد بالعقد فُرْقة توجب ضررًا، لو حصل بغير قصد إليه، لم يكن سببه حرامًا.
стр. 143
فأما أن يكون القصد لغير مقصود العقد محرِّمًا للعقد أو لا يكون، فإن لم يكن محرِّمًا للعقد، والفعل المقصود هنا وهو الطلاق الموجب للعدة ليس محرَّمًا في نفسه، فيجب أن يكون صحيحًا على أصل من يجيز ذلك، وهو خلاف القرآن.
وإن كان محرمًا للعقد، فيجب أن يكون نكاح المحلل باطلًا، وذلك أنَّ الطلاقَ المنضمَّ إلى النكاح المتقدم يوجب العِدَّة المحرمة لنكاحها، ويوجب حلها للزوج الأول، فلا فرقَ بين أن يقصد بالنكاح وجود تحريم شُرِع ضمنًا، أو وجود تحليل شُرِع ضمنًا.
فإن ما شرعَه الله من التحليل أو التحريم ضمنًا أو تَبَعًا لا أصلًا وقصدًا، متى أرادَه الإنسانُ أصلًا وقصدًا؛ فقد ضادَّ اللهَ في حكمه، فيكون (١٧٢/ أ) باطلًا.
المسلك التاسع
قوله - سبحانه -: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١].
ومن آيات الله شرائع دينه من النكاح والطلاق والرجعة والخلع؛ لأنها الطريق التي يحل بها الحرام من الفروج أو يحرم بها الحلال، وهي من دين الله الذي شرعَه، وكلُّ ما دلَّ على أحكام الله، فهو من آياته.
فذِكْره هذه الآية بعد أن أباح أشياء من هذه العقود، وحرَّم أشياء، دليلٌ على أنها من الآيات، وإذا كانت من آياته فاتخاذها هزوًا هو فِعْلها مع عدم انعقاد حقائقها التي شُرِعت هذه الأسباب
стр. 144
لها، كاستهزاء المنافقين بقولهم: ﴿آمَنَّا﴾ (١)، فهذا نفاق في أصل الدين، وذاك نفاق في شرائعه.
وذِكْر هذه الآية بعد قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] = دليلٌ على أن إمساكهن ضرارًا من اتخاذِ آياتِ الله هزوًا، وما ذاك إلا لأن الممسك تكلم بالرجعة غير معتقد لمقصودِ النكاح، بل ينكح ليطلِّق، وإذا كان التحليل من اتخاذ آيات الله هزوًا؛ فهو حرام، فلزم فساده بإبطال مقصود المحلِّل في ثبوت نكاحه.
المسلك العاشر
أنه قَصَد بالعقد غير ما شُرِع له العقد، فيجبُ أن لا يصح، فَشَرع (٢) العقود [أسبابًا] إلى حصول أحكام مقصودة؛ فشَرَعَ البيعَ لملك الأموال والهبة والنكاحَ لملك البُضع، ومقصودُه حصولُ السَّكَن والازدواج. فمن تكلم بهذه الكلمات غير معتقد لمقصودها وحقائقها، بحيث يعلم من نفسِه أنه إذا ثبت حقيقة العقد لا يرضى به، لم يصح العقد لوجهين:
أحدهما: أن اللهَ اعتبر الرِّضى في البيع والنكاح، فمن لم يرد مقصود النكاح والبيع ولا رغبة له فيه لم يكن مريدًا ولا راغبًا، فليس هو براضٍ، فلا عَقْد له.
стр. 145
الثاني: أن عقد المكره لا يصح؛ لأنه (١) لم يقصد موجب ذلك اللفظ، فكذلك المحلل ونحوه لم يقصد موجب ذلك اللفظ، فكلاهما لم يثبت في حقِّه حكم هذا القول؛ لأنه قصد به غير موجبه؛ لكن المكره معذور والمحتال غير معذور، فكل من قَصَد بالعقد غير المقصود الذي شُرِع له فهو مخادع، بمنزلة المرائي بالعبادة والأعمال بالنية.
المسلك الحادي عشر
أنه - سبحانه - حرَّم المطلقة ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره، وإنما حرَّمها لمصلحةٍ لعبادِه وحصول مفسدة في حلِّها قبل ذلك، أو ابتلاءً وامتحانًا، وإذا كان التحريم المتضمِّن للمصالح يزول بأدنى حيلة، فما فيه كبير فائدة ولا مصلحة، وكان إلى اللعب أقرب من الجِد، كما تقدم تقريره. وهذا مما يُنزه الله عنه.
ولهذا قال [ابن] عمر عن التحليل: هو السِّفاح (٢).
ولهذا لما رأى بعضُ اليهود ذلك أخذ يُشنِّع ويقول: إنَّ دين المسلمين أن المطلقةَ تحرم حتى تزني، فإذا زنت حلَّت، ذكره أبو يعقوب الجوزجاني وبعض المالكية، وأخذَ بعضُ النصارى (١٧٢/ ب) يهجِّن (٣) بذلك ويُنفِّر عن الإسلام، ولم يعلم هذا الملعون أن هذا