← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 294

شفاء العليل في اختصار إبطال التحليل

بدر الدين البعلي

Полный текст (160 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (١٠) شفاء العليل في اختصار إبطال التحليل لشيخ الإسلام ابن تيمية اختصره العلامة محمد بن علي بن محمد البعلي الحنبلي (المتوفى ٧٧٨ هـ) تحقيق علي بن محمد العمران إشراف بكر بن عبد الله أبو زيد دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

стр. 2

راجَع هذا الجُزْء سليمان بن عَبد الله العمير جديع بن محمَّد الجديع

стр. 3

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه. أما بعد؛ فهذا هو المختصر الثالث الذي وعدنا بإخراجه في هذه السلسلة المباركة - إن شاء الله - من آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال، وهو مختصر كتاب "بيان الدليل على بطلان التحليل"، المسمَّى: "شفاء العليل في اختصار بطلان التحليل". ومما ينبغي أن يقال - هنا -: إن هذا الكتاب - أعني: بيان الدليل - من أجلّ كتب شيخ الإسلام وأكثرها فوائد، بل فيه من الفوائد والبحوث ما لا يوجد في غيره من كتب الشيخ (١) = ومع هذا كلِّه لم ينل مكانته اللائقة به لدى الباحثين والمشتغلين بالعلم!. ولعل ذلك يعود إلى أسباب؛ منها: عنوان الكتاب؛ إذ هو _________ (١) كبحثه لقاعدة سدّ الذرائع، وكلامه على مقاصد الشريعة، وغيرها، وهذا الكتاب ثبت أن الشاطبي قد نقل عنه في "الاعتصام" و"الموافقات" صفحات كاملة دون التصريح باسمه، بل يقول: قال بعض الحنابلة، أو: قال بعضهم. انظر "مقاصد الشريعة عند ابن تيمية": (ص/ ٥٠٨ - ٥١٧) للبدوي.

стр. 4

مُشعر بأنه خاصٌّ بمسألة التحليل، أو يعود إلى طبعة الكتاب؛ إذ طُبِع - أول ما طبع - ضمن "الفتاوى المصرية": (٣/ ٩٧ - ٤٠٥) سنة ١٣٢٧، وهو ليس منها، بل هو كتاب مستقلٌّ برأسه، ولم يُطبع مفردًا إلا سنة ١٤١٢ هـ عن مكتبة لينة بمصر، ولم تفلح هذه الطبعة في إماطة اللثام عن قيمة الكتاب العلمية، لا في مقدمتها، ولا في فهارسها، ولا في العناية بالكتاب (١)!!. ولقد كان من الجدير حقًّا أن يتقدم تحقيق الأصل - بيان الدليل - على مختصره هذا من باب تقديم الأصول على فروعها، لكن حصل العكس، ولعل في ذلك من الخير المخبوء ما فيه من التمهيد للعناية بالأصل، ليبلغ الغاية في الكمال، يسّر الله ذلك بمنه وكرمه، وقد عكف على تحقيقه الآن أحد طلبة العلم، وسيطبع ضمن هذه السلسلة - إن شاء الله -. ثم إن القول في هذا المختصر كالقول في سابِقَيْه؛ من حيث ترجمة المؤلف، ووصف النسخة، ومنهج المؤلف، والعمل في الكتاب ... انظر مقدمة تحقيق "مختصر الصارم": (ص/ ١٥ - ٢٤). وبقي أن نقول: إن هذا المختصر يقع من ذلك المجموع في الأوراق: (١٤٢ - ١٧٦) أي في ثلاثٍ وثلاثين ورقة، فهو يساوي مختصر الاقتضاء تمامًا. _________ (١) وهذا الإجمال كافٍ في نقد هذه الطبعة هنا، ومكان التفصيل مقدمة التحقيق الجديد للأصل.

стр. 5

وكان فراغ المؤلف من اختصاره - كما أثبته في آخره - سنة خمسٍ وخمسين وسبع مئة. ويزيد هذا المختصر على سابقيه بأن له نسخة أخرى محفوظة في مكتبة برلين برقم (٢٥٨٣)، مكتوبة سنة (١١٠٠)، وتقع في (٢٣ ق)، وقد حصلنا على صورة منها عن طريق مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلامية، وهي نسخة جيدة، قريبة الشبه جدًّا بالأصل، لكن الجزم بأنها منسوخة عنه يُعكّر عليه وجود خلافات في بعض المواضع، وفيها بعض البياضات، وغالبها لكلمات عَسُر على الناسخ قراءتها. وقد قابلنا هذه النسخة، وأثبتنا الفروق المهمة - على قلتها - في الهوامش ورمزنا لها بـ (م). وقد كان اعتمادنا في الإحالة على أصل الكتاب - "بيان الدليل ... " - على طبعة المكتب الإسلامي سنة ١٤١٨، بتحقيق حمدي السلفي، وهي أحسن طبعات الكتاب حتى الآن، على ما وقع فيها من هناتٍ!. وأشرنا إليه بـ "الإبطال" اختصارًا. والحمد لله حق حمده. وكتب علي بن محمد العمران ٢٩/ شوال/ ١٤٢٣ هـ في مكة المكرمة حرسها الله

стр. 6

الورقة الأولى من نسخة المؤلف (الأصل)

стр. 7

الورقة الأخيرة من نسخة المؤلف (الأصل)

стр. 8

الورقة الأولى من نسخة ألمانيا

стр. 9

الورقة الأخيرة من نسخة ألمانيا

стр. 10

(١٤٣/ ب) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. والحمد لله الذي لا يُحْصِي الخلقُ ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسِه، لا يبلغ العارفون كُنْه معرفته، ولا يُقدِّر الواصفون قدرَ صفته. والحمد لله الذي لا تُشْكَر نعمتُه إلا بنعمتِه، ولا تُنال كرامتُه إلا برحمتِه، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكلِّ شيءٍ عليم. وهو الله لا إله إلا هو، له الحَمْد فى الأولى والآخِرة، وله الحكم وإليه ترجعون. والحمد لله الذي جَعَلَنا من خير أمةٍ أُخْرِجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله. والحمد لله الذي أَكمل لنا ديننا، وأتمَّ علينا نعمتَه، ورضيَ لنا الإسلام دينًا. والحمد لله الذي بيَّن لنا آياته، ونهانا أن نتَّخِذَها هُزْوًا، وأمرنا أن نذكر نعمته علينا، وما أنزلَ علينا من الكتاب والحكمة يَعِظنا به،

стр. 11

وأن نتَّقِيه، وأن نعلم أنه بكل شيءٍ عليم. فإنه من تدبَّر هذه الأوامر = تبيَّن له أن فيها جِماع أمر الدين كلِّه، وعلمَ أن من هو بكلِّ شيء عليم لا يخفى عليه الذين يُلْحدون في آياته، ولا الذين يتخذونها هزوًا، ولا يخفى عليه من أظهر خلافَ ما في باطنه، فإن السرائرَ لديه بادية، والسِّرُّ عنده علانية. فله الحمد كما يُحبه ويرضاه، وكما ينبغي لكريم وجهه وعِزّ جلاله، أحمده حمدًا موافيًا لِنِعَمه، مكافيًا لمزيده، وأستعينه استعانةَ مخلصٍ في توكله، صادق في توحيده، واستهديه إلى صراطه المستقيم صراطِ الذين أنعم عليهم من صفوة عبيده، وأستغفره استغفار من يعلم أنه لا ملجأ من الله إلا إليه في صدره (١) ووروده. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ مُقِرٍّ بأن الدين عند الله الإسلام، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، خاتم النبيين وسيِّد الأنام، صلى الله عليه وعلى آله الصفوة الكرام، وسلَّم عليهم سلامًا باقيًا بقاء دار السلام. أما بعد؛ فإن الله بعثَ محمدًا بالحق، وأنزلَ عليه الكتاب، وهدى به أمته إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولما كان العبدُ مفتقرًا إلى هذه الهداية في جميع أموره مما يأتيه ويذره؛ من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو محتاجٌ إلى التوبة منها، وأمور هُدِيَ إلى

стр. 12

أصلها دون تفصيلها، أو هُدِيَ إليها من وجهٍ دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية ليزاد (١) هدًى، وأمورٍ هو (١٤٤/ أ) محتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها في المستقبل، مثل ما حصل له في الماضي، وأمورٍ هو خالٍ عن اعتقادٍ فيها، هو محتاج إلى الهداية فيها، وأمورٍ لم يفعلْها، هو محتاج إلى فعلها على وجه الهداية، إلى غير ذلك من أنواع الحاجات إلى أنواع الهدايات = فُرِضَ (٢) عليه أن يسأل اللهَ هذه الهداية في أفضل أحواله - وهي الصلاة - مراتٍ متعددة في اليوم والليلة، وهذه نعمة مغايرة للمغضوب عليهم - اليهود -، وللضالين - النصارى -. وكان الرسول الرؤوف الرحيم يحذِّر أُمَّتَه سلوكَ سبيل أهل الغضب والضلال، ويلعنهم (٣) تحذيرًا للأمة أن يرتكبوا ما ارتكبوه من أنواع المِحال (٤)، وينهى عن التشبُّه بهم في استحلال المحرَّم (٥) بالاحتيال، لما علمه ﷺ مما أوقعه الله بهم على ذلك من الخِزْي والنكال. ولما انتهى الكلامُ بنا في المدارسة في الفقه إلى مسائل الشروط في النكاح، وبُيِّن (٦) ما كان منها مؤثِرًا في العقد، مُلْحِقًا له بالسِّفاح،

стр. 13

وجرى الكلامُ في مسألتي المتعة والتحليل، وتبين حكمهما بأرشد دليل، وظهرت الخاصَّةُ التي استحقَّ بها المحلِّل اللعنة، ولِمَ سمَّاه الرسول من بين الأزواج بالتيس المستعار، وتبيَّنَتْ مآخِذُ الأئمة تأصيلًا وتفصيلًا على وجه الاستبصار. فانتبه بعضُ من كان غافلًا من رَقْدَته، وشكى ما بالناس من الحاجة إلى ظهور هذا الحكم ومعرفته؛ لعموم البلوى بهذه القضيَّة الشنيعة، وغَلَبَة الجهل بدلائل المسألة على أكثر المنتسبين إلى علم الشريعة، وسأَلَ أن أُعَلِّق في ذلك ما يكون تَبْصِرةً للمسترشد وحجة للمستنجد، فأجبتُه إجابةَ المتحرِّج من كتمان العلم المسئول، الخائف من نَقْض الميثاق المأخوذ على الذين أوتوا الكتاب وخَلَفُوا الرسولَ، والتمس بعضُ الجماعة مكررًا (١) الالتماس بتقرير القاعدة التي هي للمسألة المذكورة أساس (٢)، وهي: بيان حكم الاحتيال على سقوط الحقوق والواجبات، وحل العقود وحل المحرَّمات، بإظهار صورةٍ ليس لها حقيقة عند المحتال، لكن جنسها مشروع لمن قَصَد به ما قصده الشارع من غير اعتلال. فاعتذرتُ بأن الكلام المفصَّل في هذا يحتاج إلى كتابٍ طويل، ولكن سأدرج في ضمن هذا من الكلامِ الجُمْلي ما يوْصِل إلى معرفة التفصيل، بحيث يتبين للبيب موقع الحيل من دين الإسلام، ومتى حدثت، وكيف كان حال ذلك عند السلف الكرام، وما بلغني من

стр. 14

الحجة، بكلامٍ فيه اختصار، واللهُ المسئول أن يوفِّقنا وإخواننا المسلمين لما يحبُّه ويرضاه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكَّلت وإليه أُنِيب، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم. (١٤٤/ ب) مسألةٌ (١) نكاح المحلِّل باطل حرام، لا يُفيد الحِل، وذلك أن الرجل إذا طلَّق امرأته ثلاثًا، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيرَه، كما ذكره الله في كتابه، وكما جاءت به سنةُ نبيِّه محمد ﷺ ، وأجمعت عليه الأمة. فإذا تزوَّجها رجلٌ بِنيَّة أن يطلِّقها لتحلَّ لزوجها الأول؛ كان هذا النكاح حرامًا باطلًا، سواءٌ عزم بعد ذلك على إمساكها أو فارقَها، وسواءٌ شرط عليه في العقد أو قبل العقد أو لم يشرط عليه لفظًا، بل كان ما بينهما من الخطبة وحال الرجل والمرأة والمهر نازلًا بينهم منزلةَ اللفظ بالشرط، أو لم يكن شيءٌ من ذلك، بل أراد الرجل أن يتزوَّجها ثم يطلقها لِتَحلَّ للمطلِّق ثلاثًا من غير أن تعلم المرأةُ ولا وليُّها شيئًا من ذلك، وسواءٌ عَلِم الزوج المطلِّق أو لم يعلم، مثل أن يظن المحلِّل أن هذا فِعْل خير ومعروف مع المطلِّق ومع امرأته بإعادتها إليه، لمَّا أن الطلاق أضرَّ بهما وبأولادهما وعشيرتهما، ونحو ذلك، بل لا تحل للمطلِّق ثلاثًا إلا أن ينكحها رجلٌ مرتغبًا لنفسه نكاح رغبةٍ لا نكاحَ دُلْسة، ويدخل بها بحيث

стр. 15

تذوق عُسَيْلته ويذوق عُسَيلتها، ثم بعد هذا إذا حدثت فُرْقة لموتٍ أو طلاق أو فَسْخ جازَ للأول أن يتزوَّجها. بل لو أراد هذا المحلِّل أن يقيم معها استأنف النكاح؛ لأن ما مضى عقد فاسد. هذا هو الذي دلَّ عليه الكتابُ والسنة، وهو المأثور عن أصحاب رسول الله ﷺ وعامة التابعين، وعامة فقهاء الإسلام؛ مثل: سعيد بن المسيّب والحسن والنخعي وعطاء، وهؤلاء الأربعة هم أركان التابعين. ومثل: أبي الشعثاء والشعبي وقَتادَة وبكر بن عبد الله المزني، وهو مذهب مالك بن أنس وجميع أصحابه، والأوزاعي والليث بن سعد والثوري، وهؤلاء الأربعة أركان تابعي التابعين، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل في فقهاء الحديث، منهم: إسحاق بن راهويه وأبو عبيد وسليمان بن داود الهاشمي وأبو خيثمة وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم. وهو قول للشافعي. قال (١) الإمام أحمد في رواية أبي بكر الأثرم: إذا تزوَّجها يريد التحليل ثم طلَّقها بعد أن دخل بها فرجعت إلى الأول؛ يُفَرَّق بينهما، ليس هذا بنكاحٍ صحيح. وفي روايته - أيضًا - في الذي يطلِّق ثلاثًا: لا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيرَه نكاحًا صحيحًا، نكاح رغبة ليس فيه دُلْسة. وهذا قول عامة أصحابه ومحققيهم، قطعوا بأن المسألة رواية

стр. 16

واحدة. وهذا الذي استقرَّ عليه قول القاضي (١) في كتبه المتأخرة، مثل "الجامع" و"الخلاف". ومنهم من جعل في المذهب خلافًا، وسنذكر أصله إن شاء الله تعالى. وقال عبدُ الملك بن حبيب (١٤٥/ أ) المالكي: ولو تزوَّجها فإن أعجبته أمسكها وإلا كان قد احتسب في تحليلها (٢) للأول؛ لم يَجُز، ولا يُحلِّها ذلك؛ لما خالط نكاحه من نية التحليل. وقياس قول أكثر أصحابنا أن هذا نكاح صحيح؛ لأنه إنما نوى فراقها إذا لم تعجبه وصار التحليل ضِمْنًا. فأما من سوَّى من أصحابنا بين نكاح المتعة والتحليل وبين قوله: إن جِئتني بالمهر إلى وقت كذا وإلا فلا نكاح بيننا، فإن قولهم يوافقَ قولَ ابنِ حبيب، فإن هؤلاء يسوُّون بين أن يشترط الفُرْقة في النكاح عينًا أو يشترطها بتقدير عدم المهر. وللشَّافعي فيما إذا نوى الزوج التحليل ولم يشترط عليه قولان: أحدهما: مثل قول مالك (٣). والقول الثاني: أن النكاح صحيح (٤).

стр. 17

ورُوي عن القاسم وسالم ويحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزِّناد، حكاه عنهم ابنُ عبد البر (١)، وفي القلب من حكاية هذا عنهم حزازة (٢)؛ فإن مالكًا أعلمُ الناس بمذاهب المدنيين وأتبعُهم لها، ومذهبه في ذلك شدة المنع، وهؤلاء من أعيان المدنيين، والمعروف عن المدنيين التغليظ في التحليل، قالوا: هو عملهم وعليه اجتماع ملئهم. وهذا القول الثاني هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وداود بن علي، وقد خرَّج ذلك طائفة من أصحابنا، منهم القاضي في "المجرَّد" وابن عقيل في "الفصول" وغيرهما على وجهين: أحدهما: أن العقد صحيح مع أنه مكروه، قالوا: لأن أحمد قال: أكرهه، والكراهةُ المطلقةُ منه هل تحمل على التحريم أو على التنزيه؟ على وجهين. وجعلَ الشريفُ أبو جعفر وأبو الخطاب وطائفةٌ المسألةَ على روايتين (٣). وقطع ابن البنّا بالصحة مع الكراهة. وهذا التخريج ضعيف على المذهب من وجهين: أحدهما: أن الكراهة المنقولة نَقَلها حَرْب: أن أحمد سئل عن الرجل يتزوج المرأة وفي نفسِه طلاقها، فكرهَه، وليس هذا

стр. 18

في (١) نية التحليل، وإنما هو في نية الاستمتاع، وبينهما فَرْق؛ لأن المحلل لا رغبة له في النكاح أصلًا وإنما غرضه إعادتها إلى المطلِّق، والمستمتع له رغبة في النكاح إلى أَمَد، ولهذا أُبيح نكاحُ المتعة في بعض الأوقات ثم حُرِّم، ولم يُبَح التحليلُ قط. الوجه الثاني: أن أحمد قال: إذا تزوَّجها ومن نِيَّته أن يُطلِّقها: أكرهه، هذا متعة، نقله عبد الله (٢). ونقل أبو داود (٣) إذا تزوَّجها على أن يحملها إلى خراسان ثم يخلِّي سبيلها؟ فقال: لا، هذا يُشبه المتعة، حتى يتزوجها على أنها امرأته ما حَيِيَت. وهذا يُبين أَنَّ هذا كراهة تحريم وأنه جعله متعة، والمتعة حرام عنده، ففي الجملة إذا تزوَّجها ونوى أن يُحِلِّها فلم يُنقل عن أحمد (١٤٥/ ب) فيه لفظ محتمل لعدم التحريم. وأما إذا نوى أن يطلِّقها في وقت، فقد نقل عنه التحريم في روايةٍ تقدمت، وفي الرواية الأُخرى - وهو قوله: "هذا يُشبه المتعة" - يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة، لأن المشبَّه دون المشبَّه به. وأما إذا تواطآ على التحليل قبل العقد، فهو كالمشروط في

стр. 19

العقد عند كثير من هؤلاء، وهو أشْبَه بأَصْلِنا إذا قلنا: إن النية المجرَّدة لا تؤثِّر، فإن الغالب على المذهب: أن الشروط المتقدمة على العقد بمنزلة المقارنة، وهو مفهوم ما خرَّجه أبو الخطاب وغيره؛ لأنه خصَّ الخلاف فيما إذا نوى التحليل ولم يشترطه، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وهو قول هؤلاء التابعين الذين نقل عنهم الرُّخصة في مجرَّد نيَّة التحليل. فرُوي عن القاسم وأبي الزناد وسالم: لا بأس إذا لم يعلم الزوجان، وهو مأجور، حكاه الطحاوي (١). وكذلك قال ربيعة ويحيى بن سعيد: هو مأجور (٢). وعلى هذا (٣)؛ فليس عن أحدٍ من التابعين رخصة في نكاح المحلِّل إذا علمت به المرأة أو الزوج المطلِّق، فضلًا عن اشتراطه. والمشهور في مذهب الشافعي: أن الشرط المتقدم غير مؤثِّر، وكذا ذكره القاضي في "المجرَّد": أنه عندنا كنية التحليل من غير شرط، وخرَّج فيهما وجهين. وأما إذا شَرَط التحليل في العقد، فهو باطل، سواء قال: زوَّجتك إلى أن تحلَّها، أو إلى أن تطأها، أو بشرط أنك إذا وَطِئتها فلا نكاح بينكما، أو على أن لا نكاح بينكما إذا أحْلَلْتها، ونحو ذلك من الألفاظ التي أوجبت ارتفاع النكاح إذا تحلَّلت. أو قال:

стр. 20

على أنك تطلِّقها إذا أحللتها، أو على أن يُحلِّها فقط (١). وهو ظاهر مذهب الشافعي، ويروى عن أبي يوسف. وقال أبو حنيفة وأصحابُه: النكاحُ صحيحٌ والشرطُ فاسد. وخرَّج القاضي في موضع من "الخلاف" وأبو الخطَّاب روايةً بصحة العقد وفساد الشرط، كقول أبي حنيفة، ومن أصحابنا من طَرَد التخريج في الصور الثلاث (٢)، وهو في غاية الفساد! بل لا يجوز نِسبة مثل هذا إلى أحمد. ثم عامة هؤلاء الذين لا يُبْطلون العقد يكرهون نكاح المحلل، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما، ولم يبلغنا عن أحدٍ خلاف ذلك فيما إذا ظهر من الزوج أنه يريد التحليل. وزعم داود: أنه لا يبعد أن يكون مرِيد نكاح المطلَّقة ليُحلها لزوجها مأجورًا إذا لم يظهر ذلك باشتراطه حين العقد. واخْتُلِف عن أبي حنيفة وأصحابه إذا صحَّحوا النكاح؛ هل يُفيد الحل أم لا يُفيده وإن كان صحيحًا (٣)؛ لأنه استعجل ما أخَّره الشارع فجوزي بنقيض قصده. فإذا ظهرت المقالات في هذه المسألة؛ فقد تقدَّم أن الذي

стр. 21

عليه الصحابة وعامة السلف التحريم مُطلقًا، ونحن نذكر الأدلة على تحريم نكاح المحلِّل وبطلانه ، سواء قَصَدَه فقط، أو قَصَدَه واتفقوا عليه قبل العقد، أو شرط مع ذلك في العقد، ونبين الدلائل على المسألة الأولى، فإن ذلك تنبيه على المسألتين الآخرتين. وهنا طريقان: أحدهما: الإشارة إلى بطلان الحيل عمومًا. والثاني: الكلام في خصوصية هذه المسألة. (١٤٦/ أ) الطريق الأولى: أن نقول: إن الله - سبحانه - حرَّم أشياء إما تحريمًا مطلقًا، كتحريم الزنا، أو تحريمًا مقيَّدًا إلى أن يتغيَّر حالٌ من الأحوال، كتحريم نكاح المطلَّقة ثلاثًا، وكتحريم [وطء] (١) المحلوف بطلاقها عند الحنث. وأوجب أشياء إيجابًا معلَّقًا بأسباب، إما لله كالزكاة ونحوها، أو حقًّا للعباد كالشفعة. ثم إنه شرع أسبابًا تُفْعل لتحصيل مقاصد، كما شرع العبادات لابتغاء فضله، وكما شرع عقد البيع لنقل الملك بالعِوَض، وعقد القرض لإرفاق المقترض، وعقد النكاح للازدواج والسَّكن والأُلفة بين الزوجين، والخُلْع لحصول البينونة المتضمِّنة لافتداء المرأة من رقِّ بَعْلها، وغير ذلك.

стр. 22

فالحيلةُ: أن يقصد سقوطَ الواجب أو حلَّ الحرام بفعلٍ لم يقصد به ما جُعِل ذلك الفعل له أو ما شُرِع له، فهو يريد تغيير الأحكام الشرعية بأسبابٍ لم يقصد بها ما جُعِلت تلك الأسباب لأجله، بل يفعل تلك الأسباب لأجل ما هو تابع لها، لا لأجل ما هو المتبوع المقصود بها، بل يفعل السببَ لما ينافي قصدَه = قَصْدَ حكم السبب، فيصير بمنزلة من طلب ثمرةَ الفعل الشرعيّ ونتيجته وهو لم يأت بقوامه وحقيقته. وهذا خداعٌ لله واستهزاءٌ بآيات الله، وتلاعُب بحدود الله. وقد دلَّ على تحريم ذلك الكتابُ والسنةُ وإجماعُ السلف الصالح، وعامةُ دعائم الإيمان ومباني الإسلام، ودلائله لا تكاد تنضبط؛ لكن ننبِّه على بعضها، مع أن القول بإبطال الحِيَل في الجملة مأثور عن عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وأُبي بن كعب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعائشة، وأنس بن مالك. ومن التابعين: عن سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبيد الله بن عبد الله (١)، وعروة، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد، وعطاء بن أبي رَبَاح، وغيره من فقهاء المكيين، وجابر بن زيد أبي الشعثاء، والحسن، ومحمد بن سيرين، وبكر بن عبد الله (٢)، وقتادة، وأصحاب عبد الله بن مسعود، وإبراهيم

стр. 23

النخعي، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان (١). وهو قول أيوب السختياني، وعَمْرو بن دينار، ومالك بن أنس وأصحابه، والأوزاعي، والليث بن سعد، والقاسم بن مَعْن، وسفيان الثوري، وشريك بن عبد الله، وابن عُيينة، وابن المبارك، والفضيل بن عِياض، وحَفْص بن غِياث، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وأبي عبيد، وإسحاق بن راهويه، ومن لا يُحْصَى (١٤٦/ ب) من العلماء، وكلامهم في ذلك يطول. قال الإمام أحمد في رواية موسى بن سعيد: لا يجوز شيءٌ من الحيل. وإذا حلف على شيءٍ ثم احتال بحيلةٍ فصار إليه فقد صار إلى ذلك بعينه، رواه الحكم (٢). وقال: ما أخبثهم - يعني: أصحاب الحيل -. وقال: لا يجوز شيءٌ من الحيل في إبطال حق مسلم - يعني: الشُّفعة -. وقال: نحن لا نرى الحيل إلا بما يجوز. قال الميموني: قلت لأحمد في رجلٍ حلف على امرأته وهي على درجة: إن صَعِدْتِ أو نَزَلْتِ فأنت طالق، قالوا: تُحمل حملًا. قال: هذا هو الحِنْث بعينه، ليس هذا حيلة هذا هو الحنث. وقالوا:

стр. 24

حَلَف لا يطأ بساطًا، يُجْعل بساطين. وحَلَف لا يدخل الدار، يُحْمل. فجعل يعجبُ من ذلك؟!. قلتُ: أليس حيلتنا فيها أن نتبع ما قالوا؟ قال: بلى هكذا هو. قلت: وليس هذا مِنَّا حِيْلة؟ قال: نعم (١). فبيَّنَ الإمامُ أحمد أن من اتبع ما شُرِع له، وجاء عن السلف في معاني الأسماء التي علَّق بها الأحكام، ليس بمحتالٍ الحيلةَ المذمومة، وإن سُمِّيت حِيلة، وغرضه: الفرقُ بين سلوك الطريق المشروعة التي شُرِعت لحصول ذلك المقصود وبين غيرها، كما سيأتي بيانُه، وسيأتي تشديده في سائر أنواع الحِيل واحتجاجه على ردها في أثناء الأدلَّة، فنقول: الدليل على تحريمها وإبطالها وجوه: أحدها: أن الله قال في صفة أهل النفاق من مُظهري الإسلام: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ٨ - ١٥]. وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]،

стр. 25

وقال في صفة أهل النفاق من أهل العهد: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ الآية [الأنفال: ٦٢]. فأخبر - سبحانه - أن هؤلاء المخادعين يُخدعون (١) وهم لا يشعرون بذلك، وأن الله خادع من يخادعه، وأن المخدوع يكفيه الله شرَّ من خَدَعه. والمخادعة هي: الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه لتحصيل المقصود. يقال: طريق خَيْدَع، إذا كان مخالفًا للقصد، لا يُفطن له. ويقال: غُوْل خَيْدَع، ويقال للسَّراب: الخيدع، وضَبٌّ خَدِع، أي: مراوغ، وفي المثل: "أخدع من ضب" (٢)، وخُلُق خادع، وسوق خادعة، أي: متلوِّنة (١٤٧/ أ) والحرب خدعة. وأصله: الإخفاء والستر. ومنه قيل للخزانة: مُخدع ومِخدع (٣)، فلما كان قول القائل: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إنشاءً للإيمان وإخبارًا به، وحقيقته أن يكون صادقًا في هذا الإنشاء والإخبار، بحيث يكون قلبه مطمئنًّا بذلك، وحكمه أن يعصم دمه وماله في الدنيا، وأن يكون له ما للمؤمنين، كان من قال هذه الكلمة غير مُبطن لحقيقتها، بل مريدًا لحكمها وثمرتها فقط = مخادعًا لله ورسوله، وكان جزاؤه أن يُظهر الله له ما يظن أنه كرامة، وفيه عذاب أليم، كما أظهر هو للمؤمنين ما ظنوا أنه إيمان وفي ضمنه الكفر.

стр. 26

وهكذا قول القائل: بعتُ واشتريتُ وأقرضت وأنكحت ونكحت إنشاء للعقد أو إخبارًا به، فإذا لم يكن مقصوده انتقال الملك الذي وُضِعت له هذه الصيغة، ولا ثبوت النكاح الذي جُعِلت له هذه الكلمة، بل مقصوده بعض أحكامها التي قد تحصل ضمنًا وقد لا تحصل. أو قصده ما يُنافي قصد العقد، أو قصده بالعقد شيءٌ آخر خارج عن أحكام العقد، وهو: أن تعود المرأةُ إلى زوجها، أو أن تعود السلعة إلى البائع بأكثر من ذلك الثمن، أو أن تنحلّ يمينه التي حَلَفها، ونحو ذلك. فيكون مخادعًا لله بمباشرته للكلمات التي جُعلت لها حقائق ومقاصد، وهو لا يريد مقاصدها وحقائقها، وهذا ضَرْب من النفاق في آيات الله وحدوده، كما أن الأول نفاق في أصل الدين. يؤيد ذلك من الأثر ما روي عن ابن عباس أنه جاءه رجلٌ فقال: إن عمِّي طلق امرأته ثلاثًا، أَيُحلها له رجلٌ؟ فقال: "من يُخادع اللهَ يخدعه" رواه سعيد (١). وحُكِي (٢) عن ابن عباس وأنسٍ: أن كلًّا منهما سُئل عن العينة، فقال: إن الله لا يُخدع، هذا مما حرَّمه الله ورسوله (٣). ورُوِيَ عن عثمان وابن عمر وغيرهما: أنهما قالا: لا نكاح إلا نكاح رغبة لا نكاح دُلْسة (٤).

стр. 27

وقد قال أهل اللغة: المدالسة: المخادعة. قال أيوب السختياني - وناهيك به - في هؤلاء المحتالين: يخادعون الله كأنما يُخادعون الصِّبيان، فلو أتوا الأمرَ على وجهه عيانًا كان أهون عَلَيَّ. وقال شَريك في "كتاب الحِيَل": هو كتاب المخادعة. فالمعاهدون [إذا] أظهروا للرسول أنهم يريدون سِلْمه ومقصودهم المكر به من حيث لا يشعر، بأن يظهروا الأمان وهم يعتقدون أنه ليس بأمان، فقد ابطنوا خلافَ مقصود المعاهدة، كما يُظْهِر (١٤٧/ ب) المحلِّل للمسلمين وللمرأة أنه إنما يريد نكاحها وأنه راغبٌ فيها، ومقصوده طلاقها بعد استفراشها، لا ما هو مقصود النكاح، بل عكس ذلك، فَعُلِم أن مخالفة ما يدلُّ عليه العقد لفظًا أو عرفًا خديعة، وأنه حرام. وتلخيص هذا الوجه: أن مخادعة الله حرام، والحِيل مخادعة، وقد سمَّى ابنُ عباس وغيره ذلك مخادعة - كما تقدم -، والرجوع إليهم في معاني الألفاظ متعيِّن، سواء كانت لغوية أو عرفية أو شرعية. الوجه الثاني: قوله - سبحانه - لما قال المنافقون: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٥]، وقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]، بعد أن ذكر الطلاق والرجعة والخلع والنكاح المحلِّل والنكاح بعده، وغير ذلك، إلى غيره من المواضع؛ فيه دليلٌ على أن الاستهزاء

стр. 28

بدين الله من الكبائر. والاستهزاء هو السُّخرية، وهو: حَمْل الأقوال والأفعال على الهزل واللعب، لا على الجدِّ والحقيقة. والذي يسخر بالناس هو الذي يذمُّ صفاتهم وأفعالَهم ذمًّا يخرجها به عن درجة الاعتبار، كما سَخِرْوا بالمطَّوِّعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم، بأن قالوا: هذا مُرائي، ولقد كان الله غنيًّا عن صاع فلان (١). فمن تكلَّم بالأقوال التي جعل الشارعُ لها حقائق ومقاصد، مثل كلمة الإيمان، وكلمة الله التي تُسْتَحلُّ بها الفروج، والعهود والمواثيق التي بين المتعاقدين، وهو لا يريد بها حقيقتها المقومة لها، ولا مقاصدها التي جُعِلت هذه الألفاظ محصِّلة لها، بل يريد أن يرتجع المرأة ليضرها ولا حاجةَ له في نكاحها، أو ينكحها ليحلها، أو يخلعها ليلبِسها = فهو مُسْتهزئٌ بآيات الله، فإن العهود والمواثيق من آيات الله، وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله بالأدلة الخاصة. وإذا كان الاستهزاء بها حرامًا وجبَ إبطالُه وإبطال التصرفات = عدم ترتُّب أثرها عليها، فإذا كان المستهزئ بها غَرضه إنما يتم بصحَّتها وَجَب إبطال هذه الصحة، والحكم ببطلان تلك التصرفات، وإن كان غرضه اللعب بها دون لزوم حكمها، وجب إبطال لعبه بإلزامه أحكامَها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى إيضاحُه.

стр. 29

الوجه الثالث: أن الله - سبحانه - أخبر عن أهل الجنة الذين بلاهم بما بلاهم به في "سورة نون" وهم قوم كان للمساكين حقٌّ في (١٤٨/ أ) أموالهم إذا جذُّوا نهارًا بأن يلتقط المساكين ما يتساقط من الثَّمَر، فأرادوا أن يجذُّوا ليلًا ليسقط ذلك الحق ولئلّا يأتيهم مسكين، فأرسل الله على جنتهم طائفًا وهم نائمون، فأصبحت كالصريم، عقوبةً لهم على احتيالهم على منع حق الله تعالى الذي كان للمساكين، ففي ذلك عبرة لكل محتال على منع حق الله أو لعباده؛ من زكاة أو شُفعة. وقصة هؤلاء معروفة - كما ذكرناه -. على أنَّ في التنزيل ما يكفي في الدلالة، فإن هؤلاء لو لم يكونوا أرادوا منع واجب لم يعاقبوا بمنع التطوّع؛ لأن الذَّمَّ والعقوبة إنما تكون على فعل المحرَّم أو ترك الواجب. ثم لو (١) كانوا عوقبوا على الاحتيال على منع المستحبِّ، ففيه تنبيه على العقوبة على ترك الواجب، ولا يجوز أن تكون العقوبة على ترك الاستثناء وحدَه، فإن هذا إنما يُعاقَب صاحبه بمنع الفعل، بأن يُبتلى بما يشغله عنه، أما عقوبته بإهلاك ماله؛ فلا. وأيضًا: فإنه - سبحانه - قال: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] بعد أن قال: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٠ - ١٢]؛ ولأن الله قصَّ عنهم أنهم: ﴿أَقْسَمُوا

стр. 30

لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾ [القلم: ١٧، ١٨]، وأنهم: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾ [القلم: ٢٣, ٢٤]. فعُلِم أنَّ جميع هذه الأمور لها تأثير في العقوبة، فعُلِم أنها محرَّمة؛ لأن ذِكْر ما لا تأثير له في الحكم مع المؤثِّر غير جائزٍ، كما لو ذكر مع هذا أنهم أكلوا وشربوا. وهم لم يمنعوه بعدَ وجوبه؛ لأنه لو كان قد وجب، لم يكن فرقٌ بين صَرْمه بالليل و [صرمه بـ] النهار، وإنما قصدوا بالصرم ليلًا الفرار مما كان للمساكين فيه من اللقاط، فعُلِم أن الأمر كما ذكره المفسِّرون من أن حق المساكين إنما كان فيما تساقط، ولم يكن شيئًا مؤقتًا. ووجوب هذا مشروط بسقوطه وحضور من يأخذه، كأنَّ الساقط عفو المال وفضله، وحضورُ أهل الحاجة بمنزلة السؤال، ومثل هذه الحال يجب فيها ما لا يجب في غيرها، كما يجب قِرَى الضيف، وإطعام المضطر، ونفقة الأقارب، وحَمْل العقل، ونحو ذلك. فيكون هذا فِرارًا من حقٍّ فد انعقد سببُ وجوبه قبل وقت وجوبه، فهو مثل فرار المزكِّي قبل حَؤول الحول وبعد ملك النِّصاب، والفرارُ من قِرى الضيف قبل حضوره، ومن الشُّفعة بعد إرادة البيع وقبل تمامه، ونحو ذلك. الوجه الرابع: أنه - سبحانه - قال في كتابه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ (١٤٨/ ب) فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٥, ٦٦]. وقال في موضعٍ آخر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا

стр. 31

مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧]، وقال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦]. وقد ذكر جماعة من العلماء - من الفقهاء وأهل التفسير -: أنهم احتالوا على الصيد يوم السبت بحيلة يخيل بها في الظاهر أنهم لم يصيدوا في يوم السبت، حتى قال أبو بكر الآجرِّي: لقد مسخ الله اليهود قردة بدون هذه الحِيَل الربوية. وقال الإمام أبو يعقوب الجُوْزجاني - لما استدلَّ على إبطال الحيل -: وهل أصابَ الطائفة من بني إسرائيل المسخُ إلا باحتيالهم على أمر الله، بأن حظَّروا الحظاير على الحيتان في يوم سبتهم فمنعوها الانتشار يومها إلى الأحد، فأخذوها. وكذلك السلسلة التي كانت تأخذ بعنق الظالم (١)، فاحتال لها صاحب الدُّرَّة إذ صيّرها في قصبةٍ ثم دفعها بالقصبة إلى خصمه، وتقدم إلى السلسلة ليأخذها فرُفِعَت. قال بعض الأئمة: في هذه الآية مَزْجرة عظيمة للمتعاطين الحِيَلَ على المناهي الشرعية ممن يتلبَّس بعلم الفقه وليس بفقيه؛ إذ الفقيه من يخشى اللهَ في الربويات والتحليل باستعارة المحلِّل

стр. 32

للمطلَّقات، والخلع لحل ما لزم من الطَّلَقات المعلَّقات، إلى غير ذلك من العظائم التي لو اعتمد بعضها مخلوق في حق مخلوق؛ لكان في نهاية القُبْح، فكيف بمن يعلم السرَّ وأخفى؟ ! . وقد ذكر القصة غيرُ واحدٍ من مشاهير المفسِّرين (١) بمعنًى متقارب عن ابن مسعودٍ وغيره من الصحابة، قال: كانت الحيتان تأتي يوم السبت حتى تخرج خراطيمها من الماء، فإذا كان يوم الأحد لم يُر منهنَّ شيءٌ، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: ١٦٣] وقد حرَّم الله عليهم أن يعملوا شيئًا في يوم السبت. فجعل يحفر الرجلُ الحُفَيْرةَ (٢) ويجعل لها نهرًا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت أَقْبَلْ الموج بالحيتان فيلقيها بالحفيرة، فلا يمكن الحوت الخروج منها لقلَّة الماء فيه، فإذا كان يوم الأحد جاءَ فأخذه. وقيل: كانوا ينصبون الحبائل والشُّصُوص (٣) يوم الجمعة ويُخرجونها يوم الأحد. ذكر هذا الوجه القاضي أبو يعلى (٤). فلما فعلوا ذلك صاروا ثلاث فرق، فرقة أمسكت ونهت غيرها عن ذلك، وفرقة أمسكت ولم تَنْه، وفرقة أُخرى انتهكت الحرمة، وتمام القصة مشهور. فدلَّ ذلك على أنهم إنما أخذوها بنوع من التأويل استحلوا به

стр. 33

ذلك، ومعلومٌ أنهم لم يستحلُّوها تكذيبًا لموسى وكفرًا بالتوراة، وإنما هو استحلال بتأويل واحتيال ظاهره ظاهر الاتقاء، وحقيقته حقيقة الاعتداء؛ ولهذا - والله أعلم - مُسِخوا قردة؛ لأن صورةَ القرد فيها شَبَه من صورة الإنسان، وهو مخالف له في الحدِّ والحقيقة، فلما مَسَخُوا دينَ الله بحيث لم يتمسَّكوا إلا بما يُشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته، مَسَخهم الله قردةً يُشبهونهم في بعض ظواهرهم دون الحقيقة جزاءً وِفاقًا. يقوِّي ذلك: أن بني إسرائيل أكلوا الرِّبا وأكلوا أموالَ الناس بالباطل كما قصَّه الله عنهم، ولم يمسخ منهم غير الذين اعتدوا في السبت، مع أن أكل الربا أعظم إثمًا؛ ولكن لما كانوا بمنزلة المنافقين، وهم لا يعترفون بالذنب، بل فسدت عقيدتهم وأعمالهم، فكانوا أعظم جُرْمًا من أُولئك، كما قال أيوب (١): "لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون". فكانت عقوبتهم أعظم من عقوبة غيرهم، فإن من أكلَ الربا أو الصيدَ المحرم مع علمه بالتحريم، فقد اقترن بمعصيته اعترافه بالتحريم، وهذا إيمان بالله وآياته. ويترتب على ذلك من خشية الله ورجاء مغفرته وإمكان التوبة ما قد يُفضي به إلى الخير، وأما من أكله مستحلًّا بنوع احتيال، فلا يزال مصرًّا على الحرام مع اعتقاده الفاسد حل الحرام، وذلك يُفضي إلى شرٍّ طويل. ولذلك حذَّر ﷺ أمته ذلك فقال: "لا تَرْتكبوا ما ارتكبتِ

стр. 34

اليهودُ فتستحلَّوا محارمَ اللهِ بأَدْنَى الحِيَل" (١). وقد روى البَرْقاني وأبو داود: "ليكوننَّ من أمتي أقوام يَسْتحلُّون الحر والحرير يُمْسَخ منهم قردةً وخنازير إلى يوم القيامة" (٢)، فيكون استحلالهم الخمر بمعنى أنهم يشربون بعض الأنبذة ويسمُّونها بغير اسمها، كما ذكره ﷺ . وأيضًا: يستحلون المعازف بنوع تأويل، وأنها تشبه أصوات الطير، وكذلك الخز (٣) قياسًا على حالة الحرب، وهذه التأويلات واقعة في الطوائف الثلاثة، التي قال فيها ابنُ المبارك: وهل أفسدَ الدينَ إلا الملوك ... وأحبارُ سوءٍ ورُهْبانُها ومعلوم أنها لا تغني عن أصحابها شيئًا بعد أن بلَّغ الرسول وبيَّن تحريم هذه الأشياء (١٤٩/ ب) بيانًا قاطعًا للعذر. ثم رأيتُ هذا المعنى قد قاله رسول الله ﷺ ، قال: "ليشربَنَّ ناسٌ من أُمتي الخمرَ يُسَمُّونها بغير اسمها، يُعْزَف على رؤوسهم بالمعازف والقيان، يخسفُ اللهُ بهم الأرضَ ويجعل منهم القِرَدة والخنازير" رواه أبو داود وابن ماجه (٤).

стр. 35

فقد قال بعد ذلك: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٦]، قالوا: للمتقين من أمة محمد ﷺ ، فلا تفعلوا مثل فعالهم. فحقيق بالمؤمن أن يحذر استحلال محارم الله بأدنى الحِيَل، وأن يعلم أن ذلك أشد (١) أسباب العقوبة. ومن العجب العُجاب: أن هذه الحيلة التي احتالها أصحاب السبت في الصيد قد فعلها طوائف من المفتِيْن، حتى تعدَّى ذلك إلى الحنبلية، فقالوا: إن الرجل إذا نصب شبكةً قبل أن يُحْرِم ليقع فيه الصيد بعد إحرامه ثم أخذه بعد حِلِّه لم يَحْرُم، وهذه بعينها حيلة أصحاب السبت. وفي ذلك تصديق قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]، وقوله ﷺ : "لتتبعنَّ سَنَنَ من كان قبلكم حَذْو القُذَّة بالقذة ... " الحديث (٢)، وهو صحيح. وهذا كله يدلّ على أن الحِيَل من أعظم المحرمات في دين الله تعالى. الوجه الخامس: قوله ﷺ : "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هِجْرته إلى اللهِ ورسوله فهجرتُه إلى اللهِ ورسولِه ... " الحديث (٣).

стр. 36

وهو أصلٌ في إبطال الحِيَل، وبه احتجَّ البخاريُّ على ذلك (١)، فإن من أراد أن يعامل الرجلَ معاملةً يُعطيه فيها ألفًا بألف وخمس مئة إلى أجلٍ، فأقرضه تسع مئة وباعه ثوبًا بست مئة يساوي مئة، إنما نوى بإقراضِه التسع مئة تحصيلَ ما ربحه في الثوب، وإنما نوى بالستِّ مئة التي أظهر أنها ثمن أن أكثرها ربح التسع مئة، فلا يكون له من عمله إلا ما نواه بقول النبي ﷺ . وهذا مقصودٌ فاسد غير جائز، فإذا كان إنما باع الثوب بستّ مئة مثلًا؛ لأن الخمس مئة ربح التسع مئة التي أعطاه أياها دراهم، فهذا مقصودٌ محرم، فيكون مهدرًا، فلا تترتَّب عليه أحكام البيع الصالح والقرض، كما أن مُهاجِر أُم قيس ليس له من أحكام الهجرة الشرعية شيءٌ. وكذا المحلل إنما نوى أن يطلِّق المرأة لتحلَّ للأول، ولم ينو أن يتخذها زوجة، فلا تكون له بزوجة، فلا تحلُّ له ولا للأوَّل، وهذا ظاهر. الوجه (١٥٠/ أ) السادس: ما روى سفيان بن حسين وسعيد بن بشير، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدْخَلَ فرسًا بين فرسينِ وهو لا يأْمَنُ أنْ يَسْبِق فليسَ بقمارٍ، وإن أَمِنَ أنْ يَسْبِق فهو قِمار" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٢).

стр. 37

وابنُ حسين قد خرَّج له مسلم، وقال فيه ابن معين: ثقة، وقال مرَّةً: ليس به بأس (١). وقال الإمام أحمد: ليس هو بذاك في حديثه عن الزهري (٢). وكذلك قال ابن معين: في حديثه ضعف ما روى عن الزهري (٣). وهذا الذي قالوه؛ لأنه قد يروي أشياء يخالف فيها الناس، وهذا يوجب التوقُّف في روايته إذا خالفه من هو أوثق منه، فأما إذا روى حديثًا مستقلًّا وقد وافقه عليه غيره فقد زال المحذور، وظهر أن للحديث أصلًا بمتابعة غيره له. ووجه الدلالة: أنه حرَّم إخراج السبق من المتسابقين معًا؛ لأنه قمار، إذ كان كل منهما بين أن يأخذ من الآخر أو يعطيه، فإذا أدخلا ثالثًا كان لهما حالٌ ثانية، وهو: أن يُعطيا جميعًا الثالث، فيكون الثالث له جُعْل على سَبْقه، فيكون من جنس الجعالة، فلما كان الأمر كذلك لم يرض النبي ﷺ بصورة الثالث، حتى يكون فرسًا يحصل معه المقصود وهو انتفاء القمار، بأن يكون يخاف منه أن يسبق فيأخذ السبقين.

стр. 38

ومن جوَّز الحِيَل فإنه بين أمرين، إما أن يجوِّز هذا فيكون مخالفًا للرسول، أو لا يجوِّزه. فمن المعلوم أن قياس قوله جوازه بطريق الأَوْلى، فإنه لا يعتبر قَصْد المتعاقدين في العقود، ولا يعتبر ما يقتضيه العُرْف في العقود، بل يجوز أن يُباع ما يساوي مئة ألف بدرهم، مع القطع بأنما ذاك لما يقابل المئة ألف من دراهم أكثر منها أُخِذت باسم القرض وهي ربا. ويجوز أن تُنكح الوسيطة [في قومها] من بعض الأراذل بعِوَضٍ يُبْذَل له في الحقيقة على ذلك، ومعلوم أن هذا ليس فعل من يريد النكاح. الوجه السابع: ما روى عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: "البائع (١) والمبتاع بالخيار حتى يتفرَّقا، إلا أن تكون صَفْقَة خيارٍ، ولا يحلُّ له أن يُفارقه خشْيَةَ أن يَسْتَقِيْلَه" رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي (٢)، وقال: حسن. قال الإمام أحمد: فيه إبطال الحِيَل (٣). فلما كان الشارع قد أثبت الخيار إلى حين التفرّق (١٥٠/ ب) الذي يفعله المتعاقدان بشؤم طباعهما، حرَّم ﷺ أن يقصد الفِراق خَشْيةٍ أن يستقيله؛ لأنه يكون قصد بالتفرُّق غير ما جُعِل التفرُّق له عُرْفًا من إسقاط حق المسلم.

стр. 39

الوجه الثامن: ما روى محمد بن عَمْرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا ترتكبوا (١) ما ارْتكَبتِ اليهودُ فتَسْتَحِلُّوا محارمَ اللهِ بأَدْنى الحِيَلِ". رواه ابنُ بطة (٢)، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم ثنا الحسن بن الصبَّاح الزعفراني، ثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن عَمْرو. وهذا إسنادٌ جيِّد يُصحِّح مثلَه الترمذيُّ وغيره (٣). وقد تقدم ما يشهد له من قصَّة أصحاب السبت. وهذا نصٌّ في تحريم استحلال محارم الله بالاحتيال، وإنما قال: "بأدنى الحِيَل"؛ لأن المطلِّق ثلاثًا من أسهل الأشياء عليه أن يُعطي بعضَ السفهاءِ عشرة دراهم ويستعيره لِيَنْزُوَ عليها، بخلاف الطريق الشرعي من نكاح الرَّغبة، فإن ذلك يصعُب (٤)، وهكذا سائر أبواب الحِيَل. وأيضًا: فإنه نهانا عن التشبُّه باليهود، وقد كانوا احتالوا في الاصطياد يوم السبت - كما ذكرنا -.

стр. 40

ومن احتيالهم: لمَّا حرَّم اللهُ عليهم أكلَ الشحوم، تأوَّلوا أن المراد نفس إدخاله الفم، وأن الشحمَ هو الجامد، فجملوه فباعوه وأكلوا ثمنه. وقالوا: ما أكلنا الشحم، ولم ينظروا في أن الله إذا حرَّم شيئًا فلا فرق بين الانتفاع بعينه أو ببدله، إذ البَدَل يسدُّ مسدَّه، ولا فَرْق بين حال جموده وذَوْبه، وهذا هو: الوجه التاسع: وهو ما روى ابنُ عباس قال: بلغ عمر أن فلانًا باع الخمر، فقال: قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أن رسولَ الله ﷺ قال: "قاتلَ اللهُ اليهودَ حُرِّمت عليهم الشحومُ فجملُوها فباعُوها" متفق عليه (١). قال الخطَّابي (٢): جملوها: أذابوها حتى تصير ودكًا ويزول عنها اسم الشحم. قال الإمام أحمد (٣): هذه الحِيَل التي وضعها هؤلاء فلانٌ وأصحابُه، عَمَدوا إلى السنن فاحتالوا في نقضها. وقال الخطَّابي: في هذا الحديث بطلان كل حيلة، وأنه لا يتغيَّر الحكمُ بتغيُّرِ الاسم وتبديله باسمٍ آخر. فوَجْه الدلالة: أنهم احتالوا على الانتفاع بالشحم على وجهٍ
следующие страницы →