← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 294

شفاء العليل في اختصار إبطال التحليل

بدر الدين البعلي

Полный текст (160 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهو أصلٌ في إبطال الحِيَل، وبه احتجَّ البخاريُّ على ذلك (١)، فإن من أراد أن يعامل الرجلَ معاملةً يُعطيه فيها ألفًا بألف وخمس مئة إلى أجلٍ، فأقرضه تسع مئة وباعه ثوبًا بست مئة يساوي مئة، إنما نوى بإقراضِه التسع مئة تحصيلَ ما ربحه في الثوب، وإنما نوى بالستِّ مئة التي أظهر أنها ثمن أن أكثرها ربح التسع مئة، فلا يكون له من عمله إلا ما نواه بقول النبي ﷺ . وهذا مقصودٌ فاسد غير جائز، فإذا كان إنما باع الثوب بستّ مئة مثلًا؛ لأن الخمس مئة ربح التسع مئة التي أعطاه أياها دراهم، فهذا مقصودٌ محرم، فيكون مهدرًا، فلا تترتَّب عليه أحكام البيع الصالح والقرض، كما أن مُهاجِر أُم قيس ليس له من أحكام الهجرة الشرعية شيءٌ. وكذا المحلل إنما نوى أن يطلِّق المرأة لتحلَّ للأول، ولم ينو أن يتخذها زوجة، فلا تكون له بزوجة، فلا تحلُّ له ولا للأوَّل، وهذا ظاهر. الوجه (١٥٠/ أ) السادس: ما روى سفيان بن حسين وسعيد بن بشير، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدْخَلَ فرسًا بين فرسينِ وهو لا يأْمَنُ أنْ يَسْبِق فليسَ بقمارٍ، وإن أَمِنَ أنْ يَسْبِق فهو قِمار" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٢).

стр. 37

وابنُ حسين قد خرَّج له مسلم، وقال فيه ابن معين: ثقة، وقال مرَّةً: ليس به بأس (١). وقال الإمام أحمد: ليس هو بذاك في حديثه عن الزهري (٢). وكذلك قال ابن معين: في حديثه ضعف ما روى عن الزهري (٣). وهذا الذي قالوه؛ لأنه قد يروي أشياء يخالف فيها الناس، وهذا يوجب التوقُّف في روايته إذا خالفه من هو أوثق منه، فأما إذا روى حديثًا مستقلًّا وقد وافقه عليه غيره فقد زال المحذور، وظهر أن للحديث أصلًا بمتابعة غيره له. ووجه الدلالة: أنه حرَّم إخراج السبق من المتسابقين معًا؛ لأنه قمار، إذ كان كل منهما بين أن يأخذ من الآخر أو يعطيه، فإذا أدخلا ثالثًا كان لهما حالٌ ثانية، وهو: أن يُعطيا جميعًا الثالث، فيكون الثالث له جُعْل على سَبْقه، فيكون من جنس الجعالة، فلما كان الأمر كذلك لم يرض النبي ﷺ بصورة الثالث، حتى يكون فرسًا يحصل معه المقصود وهو انتفاء القمار، بأن يكون يخاف منه أن يسبق فيأخذ السبقين.

стр. 38

ومن جوَّز الحِيَل فإنه بين أمرين، إما أن يجوِّز هذا فيكون مخالفًا للرسول، أو لا يجوِّزه. فمن المعلوم أن قياس قوله جوازه بطريق الأَوْلى، فإنه لا يعتبر قَصْد المتعاقدين في العقود، ولا يعتبر ما يقتضيه العُرْف في العقود، بل يجوز أن يُباع ما يساوي مئة ألف بدرهم، مع القطع بأنما ذاك لما يقابل المئة ألف من دراهم أكثر منها أُخِذت باسم القرض وهي ربا. ويجوز أن تُنكح الوسيطة [في قومها] من بعض الأراذل بعِوَضٍ يُبْذَل له في الحقيقة على ذلك، ومعلوم أن هذا ليس فعل من يريد النكاح. الوجه السابع: ما روى عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: "البائع (١) والمبتاع بالخيار حتى يتفرَّقا، إلا أن تكون صَفْقَة خيارٍ، ولا يحلُّ له أن يُفارقه خشْيَةَ أن يَسْتَقِيْلَه" رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي (٢)، وقال: حسن. قال الإمام أحمد: فيه إبطال الحِيَل (٣). فلما كان الشارع قد أثبت الخيار إلى حين التفرّق (١٥٠/ ب) الذي يفعله المتعاقدان بشؤم طباعهما، حرَّم ﷺ أن يقصد الفِراق خَشْيةٍ أن يستقيله؛ لأنه يكون قصد بالتفرُّق غير ما جُعِل التفرُّق له عُرْفًا من إسقاط حق المسلم.

стр. 39

الوجه الثامن: ما روى محمد بن عَمْرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا ترتكبوا (١) ما ارْتكَبتِ اليهودُ فتَسْتَحِلُّوا محارمَ اللهِ بأَدْنى الحِيَلِ". رواه ابنُ بطة (٢)، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم ثنا الحسن بن الصبَّاح الزعفراني، ثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن عَمْرو. وهذا إسنادٌ جيِّد يُصحِّح مثلَه الترمذيُّ وغيره (٣). وقد تقدم ما يشهد له من قصَّة أصحاب السبت. وهذا نصٌّ في تحريم استحلال محارم الله بالاحتيال، وإنما قال: "بأدنى الحِيَل"؛ لأن المطلِّق ثلاثًا من أسهل الأشياء عليه أن يُعطي بعضَ السفهاءِ عشرة دراهم ويستعيره لِيَنْزُوَ عليها، بخلاف الطريق الشرعي من نكاح الرَّغبة، فإن ذلك يصعُب (٤)، وهكذا سائر أبواب الحِيَل. وأيضًا: فإنه نهانا عن التشبُّه باليهود، وقد كانوا احتالوا في الاصطياد يوم السبت - كما ذكرنا -.

стр. 40

ومن احتيالهم: لمَّا حرَّم اللهُ عليهم أكلَ الشحوم، تأوَّلوا أن المراد نفس إدخاله الفم، وأن الشحمَ هو الجامد، فجملوه فباعوه وأكلوا ثمنه. وقالوا: ما أكلنا الشحم، ولم ينظروا في أن الله إذا حرَّم شيئًا فلا فرق بين الانتفاع بعينه أو ببدله، إذ البَدَل يسدُّ مسدَّه، ولا فَرْق بين حال جموده وذَوْبه، وهذا هو: الوجه التاسع: وهو ما روى ابنُ عباس قال: بلغ عمر أن فلانًا باع الخمر، فقال: قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أن رسولَ الله ﷺ قال: "قاتلَ اللهُ اليهودَ حُرِّمت عليهم الشحومُ فجملُوها فباعُوها" متفق عليه (١). قال الخطَّابي (٢): جملوها: أذابوها حتى تصير ودكًا ويزول عنها اسم الشحم. قال الإمام أحمد (٣): هذه الحِيَل التي وضعها هؤلاء فلانٌ وأصحابُه، عَمَدوا إلى السنن فاحتالوا في نقضها. وقال الخطَّابي: في هذا الحديث بطلان كل حيلة، وأنه لا يتغيَّر الحكمُ بتغيُّرِ الاسم وتبديله باسمٍ آخر. فوَجْه الدلالة: أنهم احتالوا على الانتفاع بالشحم على وجهٍ

стр. 41

لا يُقال في الظاهر: إنهم انتفعوا بالشحم، فجملوه، وقصدوا بذلك أن يزول اسمُه، فلَعَنَهم اللهُ علِى ذلك نظرًا إلى المقصود، فإن التحريم لا يختلف مع جموده وذَوْبِه. (١٥١/ أ) ولمن يجوِّز الحِيل في باب الإيمان من هذا الضرب فنون كثيرة، يعلِّقون الحكم فيها بمجرَّد اللفظ، من غير التفاتٍ إلى المقصود، فيقعون في مثل ما وقعت اليهود سواء، ولكن المنع هنا من جهة الشارع، وهناك من جهة الحالف، ولولا أن الله رَحِم هذه الأمة بأن نبيها ﷺ نبَّههم على ما لعنت به اليهود، وكان السابقون فقهاء أتقياء علموا مقصود الشارع، فاستقرت الشريعة بتحريم المحرَّمات، من الدم والميتة ولحم الخنزير، وإن تبدَّلت صورها، لَطَرَّقَ الشيطانُ لأهل الحِيَل ما طَرَّق لهم في الإيمان ونحوها، إذ البابان بابٌ واحد على ما لا يخفى، وأيُّ فرقٍ بين ما فعلت اليهود وبين أن يريد رجلٌ أن يَهَبَ رجلًا شيئًا، فيريد أن يقطعَ عنه مِنَّته فيقول: والله لا آخذ هذا فيبيع (١) ذلك ويأخذ ثمنَه، أو يفصِّله قميصًا ثم يأخذه ويقول: ما أخذتُ الثوبَ. ومما يبيِّن أن فِعْل أرباب الحيل مثل فِعْل اليهود: الوجهُ العاشر: ما روى معاوية بن (٢) صالح، عن حاتم بن حريث، عن مالك بن أبي مريم قال: دخل علينا عبد الرحمن بن

стр. 42

غَنْم فتذاكرنا الطِّلاء، فقال: حدثني أبو مالك أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: "ليشربَنَّ ناسٌ من أُمتي الخمرَ يُسَمُّونها بغير اسمها، يُعْزَف على رؤوسِهم بالمعازفِ والمغنِّيات، يَخْسِف الله بهم الأرضَ ويَجْعَلُ منهم القِرَدَةَ والخنازيرَ". رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه (١)، ولم يذكر أحمد وأبو داود من عند "يُعْزَف" إلى آخره. وإسناد ابن ماجه إلى معاوية بن صالح صحيح، وسائر إسناده حَسَن، وله أصل في "الصحيح". قال البخاري (٢): قال هشام بن عمَّار: ثنا صَدَقة بن خالد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عطية بن قيس، عن عبد الرحمن بن غَنْم، حدثني أبو عامر - أو أبو مالك - سَمِع النبيَّ ﷺ يقول: "لَيكُوْنَنَّ من أُمَّتي أقوامٌ يستحلُّوْنَ الحِرَ (٣) والحريرَ والخمْرَ والمعازِفَ،

стр. 43

ولينزِلَنَّ أقوامٌ إلى جنبِ عَلَم تروح عليهم بسارحة لهم تأتيهم لحاجةٍ فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فيُبَيِّتُهم اللهُ ويضعُ العلمَ، ويمسخُ آخرينَ قِرَدةً وخنازيرَ إلى يومِ القيامَةِ". هكذا رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به، وعُرْفُه إذا قال: "قال فلان كذا" فهو من الصحيح المشروط، وإنما لم يُسْنِدْه؛ لأنه قد يكون عنده نازلًا (١٥١/ ب) أوْ لا يذكر من سمعه منه، مع علمه باشتهار الحديث عن ذلك الرجل، أو لغير ذلك. وإذا قال: رُوِي أو يُذكر، لم يكن من شرط كتابه، لكن يكون من الحسن. والخزُّ (١) - بالخاء والزاي المعجمتين - نوعٌ من الحرير، ليس هو الخز المأذون في لبسه، المنسوج من صوفٍ وحرير. وقوله: "لينزلَنَّ أقوامٌ" يعني: من هؤلاء المستحلِّين، والمعنى: أن هؤلاء المستحلين ينزل منهم أقوام إلى جنب جبل، فيواعدهم رجلٌ إلى الغد، فيُبَيَّتُهم الله - سبحانه - ليلًا، ويمسخ منهم آخرين. كما ذكر المضمر (٢) في حديث أبي داود حيث قال: "يمسَخُ منهم آخرين"، والخَسْف المذكور في هذا الحديث - والله أعلم -: التَّبْييت في الحديث الآخر؛ لأنه الاتيان بالبأس بالليل، فهذا نصُّ

стр. 44

رسول الله: أن هؤلاء المستحلين هذه المحارم كانوا متأوِّلين فيها، حيث زعموا أن الشراب الذي شربوه ليس هو الخمر وإنما له اسمٌ آخر، إما النبيذ أو غيره. ومعلومٌ أن هذا هو تأويل طائفةٍ من الكوفيين مع فضل بعضهم وعلمه ودينه، حتى قال قائلهم (١): دع الخمر يشربْها الغواةُ فإنني ... رأيتُ أخاها قائمًا في مكانها فإِلَّا يَكُنْها أو تكُنْهُ فإِنَّه ... أخوها غَذَتْه أُمُّه بِلِبَانِها ولقد صدق فيما قال، فإن النبيذ [و] إن لم يُسَمَّ خمرًا فإنه من جنس الخمر في المعنى، فكيف وقد ثبتَ أنه يسمَّى خمرًا؟ ! فلما ظنوا انتفاء الاسم استحلوها ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته، وهذا بِعَينه شبهة اليهود في استحلال بيع الشحم بعد جَمْلِه، وأخذ الحيتان يوم الأحد - كما تقدم ذكره -. وروى ابنُ بطة (٢) بإسناده عن الأوزاعي، عن النبي ﷺ قال: "يأتي على الناس زمانٌ يستحلُّونَ الرِّبا بالبيع" - يعني العِيْنة -.

стр. 45

وهذا المرسل يصلح للاعتضاد باتفاق الفقهاء، ويشهد له من المسند أحاديثُ العِيْنة، وسنذكرها، فإنه من المعلوم أن مستحلَّ العينةِ إنما يُسمِّيها بيعًا، وفي هذا الحديث أنها ربا لا بيع. وروى إبراهيمُ الحربيُّ حديثًا عن أبي ثعلبة عن النبي ﷺ قال: "أولُ ديِنكم نبوَّةٌ ورحمة، ثم مُلْك ورَحْمة، ثم مُلْك وجَبْرية، ثم مُلك عَضُوض يُسْتَحَلُّ فيه الحِرَ والحريرَ" (١). يُريد استحلال الفروج من الحرام؛ لأن "الحِرَ" - بالكسر - هو الفرج. ويُشبه أن يكون أراد ظهور نكاح المحلِّل واستحلال خلع اليمين ونحوه، والله أعلم. فإنَّ الأمةَ لم يستحلَّ أحدٌ منها الزنا الصريح (٢)، ولم يُرِد فِعْل الزنا؛ لأن هذا لم يزل موجودًا. ثم لفظ الاستحلال يُشْعِر أنه فيمن اعتقد الشيءَ حلالًا والواقعُ كذلك (٣). فمن تأمَّلَ ما أخبر به رسولُ الله ﷺ ناهيًا عنه مما سيكون في

стр. 46

الأمة (١) من استحلال المحرَّمات (١٥٢/ أ) بأن يسلبوا عنها اسمها الذي حَرُمت به، وما فعلته اليهود علمَ قطعًا أنَّ هذين من مشكاةٍ واحدة، وأن ذلك تصديق قوله: "لتتبعُنَّ سَنَن من كان قَبْلَكُم" (٢)، وعلم أن أكثر الحِيَل من هذا الجنس، لا سيما مع قوله ﷺ : "لا ترتكبوا ما ارتكبتِ اليهودُ فتَسْتَحِلُّوا محارمَ اللهِ بأدنى الحِيَل" (٣)، والله الهادي إلى الحق. الوجه الحادي عشر: ما روى ابن عمر قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا ظنَّ الناسُ بالدينارِ والدِّرْهم، وتبايعوا بالعِيْنَة، واتَّبعوا أذنابَ البقر، وتركوا الجهادَ في سبيلِ اللهِ؛ أنزلَ اللهُ بهم بلاءً فلا يرفعه حتى يُرَاجِعوا دينَهم" رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤)، وأبو داود (٥) بإسنادٍ حسن. قال أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر. وإسناد أبي داود صحيح إلى حَيْوة بن شريح، عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراسانى، أن عطاءً الخراسانى حدَّثه أن نافعًا حدَّثه عن ابن عمر (٦).

стр. 47

ورُوِي من طريق ثالث من حديث السَّرِي بن سهل (١)، فتبيَّنَ أنَّ للحديث أصلًا محفوظًا عن ابنِ عُمر. قال أهل اللغة: العِيْنة في أصل اللغة للسَّلَف، والسلفُ يعمُّ تعجيل الثمن وتعجيل المثمن، وهو الغالب هنا، يقال: اعتانَ الرجلُ وتعيَّن إذا اشترى الشيءَ بنسيئةٍ، كأنها مأخوذة من العين وهو المعَجَّل. قال أبو إسحاق الجُوْزجاني: أنا أظن أنها مشتقَّة من حاجة الرجل إلى العَيْن يعني: الذهب والوَرِق، فيشتري السلعةَ ويبيعها بالعين التي احتاجها. فالحديث يدلُّ على أنَّ من العِيْنة ما هو محرَّم، وإلا لما أدخلها في جملة ما استحلُّوه واستحقُّوا به العقوبة. وكذلك الأخذ بأذناب البقر، وهو على ما قيل: الدخولُ في أرض الخراج بدلًا عن أهل الذمة. وقد تقدَّم (٢) قولُه: "ليأتينَّ على الناسِ زمانٌ يستحلُّون الربا بالبيع" يعني: العينة، فهذا شاهد وعاضد لهذا الحديث. وعن أنسٍ أنه سئل عن بيع العينة - يعني بيع الحريرة -؟ فقال: "إن الله لا يُخْدَع، هذا مما حرَّم اللهُ ورسولُه" رواه محمد بن

стр. 48

عبد الله الحافظ المعروف بمطَيَّن (١). وقوله: "هذا مما حرَّم الله" هو في حكم المرفوع. وعن ابن عباسٍ أنه سُئل عن العينة؟ فقال: "إن الله لا يُخْدَع"، [وقال] (٢): "اتقوا هذه العينة دراهم بدراهم متفاضلة بينهما حريرة" ذكره القاضي أبو يعلى وغيره، ومطيَّن - أيضًا - وأبو محمد النخشبي الحافظ. والأثر المعروف عن أبي إسحاق السَّبِيْعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة هي وأمُّ ولد زيد بن أرقم وامرأة أخرى، فقالت لها أمُّ ولد زيد: إني بعتُ من زيد غلامًا (١٥٢/ ب) بثمان مئة درهم نسيئة، واشتريته بست مئة نقدًا، فقالت عائشة: "أَبْلِغي زيدًا أنْ قد أبطلَ جهادَه مع رسول الله إلا أن يتوب. بئس ما اشتريتِ وبئس ما شريتِ". رواه أحمد (٣): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق.

стр. 49

ورواه حرب (١) من حديث إسرائيل. فهذه أربعة أحاديث تُبَيِّن أن رسول الله ﷺ حرَّم هذا، ولولا أن عند أم المؤمنين علمًا من رسول الله لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجِزْ أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد، لا سيما إن قصدت أن العمل يبطلُ بالرِّدة، واستحلال مثل هذا كُفْر؛ لأنه من الرِّبا، ولكن عُذْر زيد أنه لم يعلم أن هذا محرَّم، ولهذا أمرت بإبلاغه. وإن لم تكن قصدت هذا، فإنها قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد، فتصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها، فما كأنَّه عملَ شيئًا، ولو كان هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد لم يكن مأثمًا، فضلًا عن أن يكون صغيرة، فضلًا عن أن يكون من الكبائر، فلما قطعت بذلك و [أمرَتْ بـ] إبلاغه عُلِم أنها علمت أن هذا لا يسوغ فيه الاجتهاد، وما ذاك إلا عن علم، وإلا فالاجتهاد لا يحرِّم الاجتهاد (٢). وكون العمل يُبْطِل الجهادَ لا يُعْلَم إلا بتوقيفٍ من رسول الله، لا يُعْلَم بالاجتهاد. ثم من هذه الآثار حجة أُخرى، وهو:

стр. 50

الوجه الثاني عشر (١): وهو أن هذه (٢) الصحابة؛ عائشة وابن عباس وأنس أفتوا بتحريم ذلك، وغَلَّظوا فيه في أوقاتٍ مختلفة، ولم يبلغنا أن أحدًا من الصحابة، بل ولا من التابعين رخَّصَ في ذلك، فتكون حجة راجحة، بل إجماعًا على تحريم ذلك. ولا يقال: فزيد بن أرقم فعلَه؛ لأنه لم يقل: إن هذا حلال، بل يجوز أن يكون فعلَه جريًا على العادة من غير تأمُّلٍ ولا نظرٍ ولا اعتقاد. ولهذا قيل: أضعفُ العلمِ الرؤية. يعني أن يقال: رأيتُ فلانًا يفعل كذا، ولعلَّه قد فعله ساهيًا. وقال إياس: لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن سَلْه يَصْدُقك، ولهذا لم يذكر عنه أنه أصرَّ على ذلك بعد بلوغِه إنكار عائشة. وقد يفعل الرجلُ النبيلُ الشيءَ مع ذهوله عنه فإذا نُبِّه انتبَهَ، وإذا احتمل (٣) ذلك لم يَجُز نسبةُ اعتقادِ حلِّه إلى زيد - رضى الله عنه -. وفي تلاوة عائشة عليها: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] دليلٌ على أن الإنكار لأجل الاستحلال، لا لأجل جهل الأجل، فإن هذه الآية إنما هي في التائب من الربا، وهذا دليل على بطلان العقد الأول إذا قصد به التوسُّل إلى الثاني، وهذا هو الصحيح من مذهبنا وغيره.

стр. 51

وأما إذا باع السلعةَ لغير البائع الأوَّل بيعًا بتاتًا (١)، فهي مسألة (١٥٣/ أ) التوَرُّق؛ لأن مقصوده الورق، وكان عمر بن عبد العزيز يكرهه، وقال: التورُّق آخِيَّة (٢) الربا. وإياس بن معاوية يُرخِّص فيه، وعن الإمام أحمد في ذلك روايتان، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطرٌّ. ولعل قوله [ ﷺ ]: "إنّما الرِّبا في النسيئة" (٣) إشارة إلى هذا ونحوه، وهو كما يُقال: إنما العالم زيد، و: لا سيفَ إلا ذو الفقار، يعني: أنه هو الكامل في بابه. وروي عن ابن عباس أنه قال: "إذا استقمتَ بنقد فبعت بنقد فلا بأس، وإذا استقمتَ بنقد فبعتَ بنسيئة فلا خير فيه، تلك ورق بورق" رواه سعيد وغيره (٤). وهذا شأن المورِّقين، فإن الرجل يأتيه فيقول: أُريد ألف درهم فيخرج له سلعة تُسَاوي ألفًا، وهذا هو الاستقامة، يقال: أقمتُ السلعة وقومتها واستقمتها بمعنًى، وهي لغة مكيَّة بمعنى التقويم (٥).

стр. 52

فإذا تأَملَ اللبيبُ هذه الأحاديث علمَ أن الاعتبار بحقيقة العقودِ ومقاصدها التي تؤول إليها والتي قُصِدت بها، وأن الاحتيال لا تُرْفع به هذه الحقيقة، وهذا بيِّن إن شاء الله تعالى. الوجه الثالث عشر (١): أن المقاصد والاعتقادات معتبرةٌ في التصرُّفات والعادات، كما هي معتبرة في العبادات والتقرُّبات، فتجعلُ الشيءَ حلالًا أو حرامًا، أو صحيحًا أو فاسدًا، أو صحيحًا من وجهٍ فاسدًا من وجه، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبَّة، أو محرمة أو صحيحة أو فاسدة. ودلائل هذه القاعدة كثيرة: منها قوله - سبحانه -: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، فإنه نصٌّ في أن الرَّجعة إنما تثبت لمن قَصَد الصلاح دون الضرار. ومنها: قوله - تعالى -: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩, ٢٣٠]، فإنه دليل على أن الخُلْع المأذون فيه إذا خيف ألا يقيم الزوجان حدودَ الله. وأن النكاح الثاني إنما يُبَاح إن ظنَّا أن يُقيما حدود الله.

стр. 53

ومنها: قوله - سبحانه -: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، فقدَّم على الميراث وصيَّةَ من لم يُضارَّ الورثة (١). وقد لعن رسول الله عاصر الخَمْر (٢)، ومعلومٌ أنه إنما يعصر عنبًا، ولعن بائعها، فتكون الأجرة على عصرها حرامًا، فتكون باطلة. وفي معناه نَهْيه عن بيع السلاح في الفتنة (٣) (١٥٣/ ب)، وكذا كل بيعٍ أو إجارةٍ أو هبةٍ أو إعارةٍ تُعينُ على معصية إذا ظهر القَصْد، وإن جاز أن يزول قصد المعصية، مثل بيع السلاح للكفار أو للبغاة، أو لقاطع الطريق، أو لأهل الفتنة. وبيع الرقيق لمن يعصي الله فيه، إلى غير ذلك. فإن ذلك قياس بطريق الأولى على عاصر الخَمْر، ومعلوم أنه

стр. 54

إنما استحقّ اللعنة وصارت إجارته وبيعه باطلًا إذا ظهر له أن المشتري والمستأجر يريد التوسُّل بماله ونفعه إلى الحرام، فيدخل في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ومن لم يُراعي المقاصد في العقود، يلزمه ألا يلعن عاصر الخَمْر، وأن يجوز له أن يعصر العنب لكلِّ أحدٍ، وإن ظهر له أنه يتخذه خَمْرًا، لجواز تبدُّل الاسم، ولعدم تأثير القَصْد عنده في العقود، وقد صرَّحوا بذلك، وهذا مخالفةٌ بيِّنة لسنة رسول الله ﷺ . يؤيِّد ذلك: ما روى ابنُ بطة بإسناده عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "من حَبَس العنبَ أيَّامَ القِطافِ حتَّى يبيعَه من يهوديٍّ أو نصراني، أو من يتخذه خمرًا فقد تقَحَّم النارَ على بصيرة" (١). ومن هذا قوله ﷺ : "صَيْدُ البرِّ لكم حلالٌ وأنتم حُرُم ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم" رواه الخمسة إلا ابن ماجه (٢).

стр. 55

وكذلك حديث الصعب بن جثَّامة (١). فلما حرَّم الصيدَ عند قصده المُحْرِم وأباحَه عند عدم قَصْدِه المُحْرِم؛ عُلِم أن النيةَ حرَّمَتْ وأثَّرت فيه بالتحليل أو التحريم، فيعلم بذلك أن القصدَ مؤثِّر في تحريم العين التي تُباح بدون القصد، وإذا كان هذا في الأفعال الحِسِّيَّة؛ ففي الأقوال والعقود أولى. فعُلِمَ أن من حرَّم اللهُ عليه امرأتَه بعد الطلاق، وأباحها له إذا تزوَّجت بغيره، فهو بمنزلة من حرَّمَ اللهُ عليه الصيد، وأحلَّه له إذا ذَبَحه غيره، فإذا كان ذلك الغير إنما قصد بالنكاح أن تعود إلى الأوَّل؛ فهو كما إذا قصد ذلك الغير بالذبح أن يَحِلَّ للمُحْرِم، فإنَّ المناكح والذبائح من بابٍ واحد. ويؤيّد ذلك - أيضًا -: ما رُوي عنه ﷺ أنه قال: "من تزوَّج امرأةً بصَدَاق ينوي أَنْ لا يؤدِّيَه إليها، فهو زانٍ. ومن ادَّان دينًا ينوي أن لا يَقْضِيَه، فهو سارقٌ" (٢). فجعله زانيًا وسارقًا إذا قَصَد أن لا يؤدِّي العِوَض. رواه أبو حفص العكبري. يؤيده: ما روى البخاري (٣): "من أَخَذَ أموالَ (١٥٤/ أ) الناسِ يريدُ أداءَها أدَّاها اللهُ عنه، ومن أخذها يريدُ إتلافَها أَتْلَفَه الله".

стр. 56

فهذه النصوص كلُّها تدلُّ على [أنَّ] المقاصد تُغيِّر أحكام التصرُّفات من العقود وغيرها. من ذلك: أنه لو قضى عن غيره دَيْنًا أو أنفق عليه نفقةً واجبةً، ونحو ذلك، ينوي التبرُّعَ = لم يملك الرجوعَ، وإن لم يَنْو فله الرجوع إن علم إذنه وفاقًا، وبغير إذنه على خلاف فيه. ومن ذلك: أن الله حرَّم أن يدفع الرجلُ إلى غيره مالًا ربويًّا بمثله على وجه البيع إلا أن يتقابضا، وجوَّزه على وجه القرض. وكذا لو باعه درهمًا بدرهمين كان ربًا محرَّمًا، ولو باعه درهمًا بدرهم، ووهبه درهمًا هبةً مطلقة لا تعلُّق لها بالبيع ظاهرًا ولا باطنًا كان ذلك جائزًا. فلولا اعتبار المقاصد لأمْكن كلُّ مُرْبٍ إذا أرادَ بيعَ ألفٍ بألفٍ وخمسِ مئة أن يقول: بعتُكَ ألفًا بألف ووهبتك خمس مئة، ولم يبقَ لتحريم الربا فائدة. ولا يجوز أن يظن أن الأحكام إنما اختلفت لاختلاف اللفظ، بل لما اختلفت المقاصد اختلفت الأسماءُ والأحكام، وإنما المقاصد حقائق الأفعال وقوامها، و"إنما الأعمال بالنيات". ويدلُّ على ذلك عقودُ المكره وأقواله، مثل: بيعِه وقرضِه ورهنه، ونكاحه وطلاقه ورجعته، ويمينه ونذره، وشهادته وحكمه وإقراره ورِدَّتِه، وغير ذلك من أقواله، فإن هذه كلها مُلْغاة منه، وأكثرها مُجمع عليها، وقد دلَّ على بعضها القرآنُ، مثل قوله - تعالى -: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ,

стр. 57

وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. والحديث: "عُفِيَ لأُمتي عن الخطأ والنسيان وما اسْتُكْرِهوا عليه" (١)، وقوله: "لا طلاق ولا عِتاق في إغلاق" (٢) أي: إكراه. فالمكره قد أتى باللفظ المقتضي للحكم، ولم يثبت الحكم في حقه؛ لعدم قصده وإرادته بذلك [اللفظ]، فعُلِمَ أن نفس اللفظ ليس مقتضيًا للحكم اقتضاء الفعل أثره، فإنه لو قَتَل أو غَصَب أو أَتْلف أو بَخَس [البائع] (٣) مكرهًا، لم نَقُل: إن ذلك فاسد، بخلاف ما لو عَقَد. فكذلك المحتال لم يقصد الحكمَ [المقصود] بذلك اللفظ الذي احتال به، وإنما قَصَد معنًى آخر؛ من التوسُّلِ إلى الربا أو

стр. 58

التحليل الذي يتوسل به إلى ردِّ المرأة، فالمكره والمحتال يشتركان في أنهما لم يقصدا بالسبب حكمَه ولا باللفظ معناه، لكن المكره راهبٌ قصدُه دفعُ الضرر، فيُحْمد على ذلك، والمحتال راغبٌ قصدُه إبطالُ حقٍّ أو إثبات باطل، فيُذَمُّ على ذلك. الوجه الرابع عشر (١): قوله ﷺ : "من أَحْدَثَ في أَمْرِنا هذا ما ليسَ منه فهو ردٌّ"، رواه البخاري ومسلم (٢). ولمسلمٍ (٣): "من عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عليه أَمْرنا فهو رَدٌّ". وفي "صحيح مسلم" (٤) عن جابر أن رسول الله ﷺ كان يقول في خُطبته: "أما بعد، فإن أحسنَ الحديث كتابُ الله، وخيرُ الهدي هدي محمد (١٥٤/ ب)، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلُّ بدعةٍ ضلالة". وفي لفظٍ (٥): "كان يخطب للناس فيحمد الله ويُثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مُضِلَّ له ومن يُضلِل فلا هاديَ له، خيرُ الحديثِ كتابُ الله، وخيرُ الهدي هدي محمدٍ، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلُّ محدثةٍ بدعة" [و] رواه النسائي (٦) بإسنادٍ

стр. 59

صحيح، وزاد: "وكلُّ بدعةٍ في النار". وكان عمر وابن مسعود يخطبان بهذه الخطبة، وكان يخطبُ بها رسولُ الله ﷺ . وفي لفظ ابن مسعود: "إنكم سَتُحْدِثُوْنَ ويُحْدَث لكم" (١). وفي حديث العِرْباض بن سارية قال: "وعَظَنا رسول الله موعظةً ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، قيل: يا رسول الله كأنها موعظة مودِّع فما تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإن كلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة". رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي (٢)، وقال: "حسن صحيح". وفي لفظٍ: "تركتكم على البيضاء ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها

стр. 60

بعدي إلا هالك ... " وفيه: "عليكم بما عرفتم من سنتي" (١). فهذه الأحاديث تبيِّن أنَّ رسولَ الله ﷺ حذَّر الأمةَ الأُمور المحدثَة، وبيَّن أنها ضلالة، وأن من أحدثَ في أمر الدين ما ليس منه فهو رد، وهذه الجملة لا تنحصر دلائلُها، وكثرةُ وصايا السلف بمضمونها، وكذلك الأدلةُ على لزوم طريقةِ الصحابةِ والتابعين لهم بإحسان، ومجانبة ما أُحْدِث بعدهم كثيرة جدًّا. واذا كان كذلك، فهذه الحِيَل من الأمور المحدَثة بلا شك ولا رَيْب، ومن البدع الطارئة. أما الافتاءُ بها وتعليمُها للناس؛ فأول ما حدث في أواخر عصر التابعين (٢) بعد المئة الأولى بسنين كثيرة، وليس فيها - ولله الحمد - حيلة واحدة (٣) تُؤْثَر عن أصحاب رسول الله، بل المأثور عن الصحابة أنهم كانوا إذا سُئلوا عن فعل شيءٍ من ذلك حذَّروا منه وزجروا عنه، وفي هذا الكتاب (٤) عن الصحابة ما يُبَيِّن ذلك. وأما فِعْلها من بعض الجهال؛ فقد كان يصدر منه قليل في العصر الأول، ولكن يُنكره الفقهاء من الصحابة والتابعين، كما كانوا يُنكرون عليهم الكذب، والرِّبا (٥) وسائر المحرَّمات.

стр. 61

وهذا الذي ذكرناه من كونها محدثة وبدعة أمر لا يَشُكُّ فيه من له أدنى علمٍ بآثار السلف، وأيام الإسلام، وطبقات المفتِيْن، يُبَيِّنُ ذلك: أن الكتب المصنَّفة في أحاديث رسول الله، وفتاوى الصحابة والتابعين، ليس فيها شيءٌ من ذلك، ولو أفتوا بشيءٍ من ذلك (١٥٥/ أ) لنُقِل كما نُقِل غيره، والذين صنَّفوا في الحيل من المتأخرين حَرَصوا على أثرٍ من ذلك يقتدون به، فلم يجدوا شيئًا من ذلك، ولله الحمد، إلا ما حُكي عن بعضهم من التعريض واللحن، وقولهم: "إنَّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (١). و"الكلامُ أوسع من أن يكذب ظريف" (٢). وليس هذا من الحِيل التي قلنا: إنها مُحْدَثة، فإن المعاريض عند الحاجة والتأويل في الكلام، والحلف من المظلوم بأن ينوي بكلامه ما يحتمله اللفظ وهو خلاف الظاهر، كما فعل الخليلُ ﷺ (٣)، وكما قال أبو بكر ﵁ عن النبي: إنه رجلٌ يهديني السبيل (٤)، وكما قال النبي ﷺ للرَّجل الكافر الذي سأله: ممن أنت؟ فقال: "نحن من ماءٍ" (٥)، إلى غير ذلك = أمرٌ جائز،

стр. 62

وليس هذا من الأمور التي نحن فيها، فإن أكثر ما في ذلك: أنه كَتَم عن المخاطَب ما أراد معرفته، وأفْهَمه خلافَ ما في نفسِه، مع أنه صادق فيما عناه. والمخَاطَب ظالم في تعرُّف (١) ذلك الشيء، بحيث إن جهله بذلك خير له من معرفته، وهذا فِعْل خير ومعروف مع نفسه ومع المخاطَب، بخلاف الحِيَل التي مضمونها الاحتيال على محرَّم، إما بسببٍ لا يُباح [به] قط، أو يُباح [به] إذا قصدَ به مقصودَه الأصلي، أو للاحتيال على مباح بسببٍ محرَّم، أو على محرَّم بمحرَّم، فهذا الذي قلنا: إنه لم يكن في أصحاب رسولِ الله من يُفتي بها، بل [كان] من ينهى عنها (٢). وأما الدلالة على الطريق التي يُنال بها الحلال، والاحتيال للتخلُّص من المأْثَم بطريقٍ مشروع يُقْصَد به ما شُرِع له؛ فهذا هو الذي كانوا يُفتون به، وهو من الدعاء إلى الخير، كما قال النبي ﷺ لبلال: "بِعِ الجَمْعَ بالدراهمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدراهِمِ جَنِيْبًا" (٣).

стр. 63

فهذا يبيع بيعًا بتاتًا مقصودًا ويستوفي الثمن، ثم يشتري به ما أحبَّ من غير ذلك المشتري، فأما إن كان من ذلك المشتري، فإنهم كرهوه، حيث يكون في مظنة أن لا [يَبُتَّا] (١) البيعَ الأول، ورخَّص فيه من لم يعتبر ذلك. قال محمد بن سيرين: كانوا يكرهون للرجل أن يبتاع من الرجل الدراهم بالدنانير ثم يشتري منه بالدراهم دنانير (٢). والبيع طريق مشروع لحصول المُلْك ظاهرًا وباطنًا، بحيث لا يبقى للبائع فيه علاقة، فإذا سلك وقصد به ذلك، فهو جائز، وليس مما نحن فيه، فإنه لم يقصد به المقصود الشرعي. وبالجملة؛ فقد نصبَ الشارعُ إلى الأحكام أسبابًا تُقْصَد لحصول تلك [الأحكام] (٣)، فمن دلَّ عليها وأمر بها من يقصد الحلالَ، ليقصد بها المقصودَ الذي جُعِلت له؛ فهذا مُعِلِّم خير، وهذا هو الذي تقدم ذكره عن الإمام أحمد في أول الكتاب (٤)، لما ذكَرَ: أن حيلة المسلمين أن يتَّبعوا ما شُرِع لهم، فيسلكوا في

стр. 64

حصول الشيءِ الطريقَ الذي شُرِع لتحصيله، دُوْن ما لم يَقْصد الشارعُ به ذلك الشيء. فثبت أن ذلك (١٥٥/ ب) - أعني: الحِيل - لم تُحْكَ عن أحدٍ من الصحابة، بل حُكي النهي عنها، فعُلِمَ اجتماعُهم على إنكارها وتحريمها، وهذا أبلغ في كونها بدعة محدَثه، فإن أقبح البدع ما خالفت كتابًا أو سنة أو إجماعًا. وأيضًا: من المعلوم أن الطلاق الثلاث ما زال واقعًا على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه، وما زال المطلِّقون يندمون ويتمنون المراجعة، والرسولُ أنْصَحُ الناس لأمته، وكذلك أصحابه، فلو كان التحليل يُحِلُّها لأوشك أن يَدُلُّوا عليه - ولو واحدًا - فإن الدواعي إذا تَوَفَّرت على طلب فعلٍ مباحٍ، فلا بدَّ أن يوجد، فلَّما لم يُنقل ذلك، بل نُقِل الزجر عنه، عُلِم أنه لا سبيل إليه ألْبتة. وهذه امرأة رِفاعة جاءت إلى رسول الله ﷺ بعد أن تزَوَّجت عبد الرحمن بن الزَّبِير وطلَّقها قبل الدخول، وجعلت تختلف إليه وإلى خليفتيه ﵄ تتمنَّى مراجعةَ رِفاعة، وهم يزجرونها عن ذلك (١)، وكأنها كرهت أن تتزوَّج غيرَه فلا يُطلِّقها، فلو كان التحليل ممكنًا لكان أنصح الأمة لها يأمرها أن تتزوّج بمحلِّل، فإنها لم تعدم من يبيتُ عندها ليلة ويُعطى شيئًا! ! . فمن لم تَسَعْه السنة حتى تعدَّى إلى البدعة، وأطْلَقَ للناس

стр. 65

ما لم يُطْلقه لهم الرسول مع وجود المقتضي للإطلاق؛ فقد جاء بشريعة ثانية، ولم يكن متبعًا للرسول، ومَرَقَ من الدين، فَلْينظر امرؤٌ أين يضع قدمه! . وكذلك نعلمُ أنَّ التجارة كانت في القوم فاشية، والربحُ مطلوبٌ بكل طريق، فلو كانت هذه المعاملات جائزة لأوشكَ أن يفتوا بها، وكذلك الاختلاع (١) لحل اليمين. وبالجملة؛ الأسباب المحوجة إلى هذه الحيل ما زالت موجودة، فلو كانت مشروعة لنبَّه الصحابةُ عليها، فلَمَّا لم يصدر منهم إلا الإنكار لجنسها عُلِم قطعًا أنها ليست من الدين، وهذا قاطع لا خفاء به لمن نوَّر اللهُ قلبَه، والله المستعان. ولما ظهر الإفتاء بهذه الحِيَل في أواخر عصر التابعين، أنكر ذلك علماء ذلك الزمان، مثل: أيوب السَّخْتياني، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، وسفيان بن عُيَينة، ويزيد بن هارون، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، والفُضَيل، وشريك، والقاسم بن مَعْن، وحفص بن غِياث (٢). وتكلَّم علماء ذلك العصر، مثل: أيوب، وابن عَوْن، والقاسم بن مُخَيمرة، والسفيانين، والحمَّادين، والأوزاعي، [و] (٣) من شاء

стр. 66

الله من العلماء = في الذين توسَّعوا فيها من أهل الكوفة وغيرهم بكلامٍ غليظ، لا يُقال مثلُه إلا عند ظهور بدعة لا تُعْرَف. ومعلوم أنَّ هؤلاء وأمثالَهم سُرُج الإسلام، ومصابيح الهدى، وأعلام الدين، وأعلم أهل وقتهم، وأَعْرَف ممن بعدهم بالسنة الماضية، وأَفْقَه في الدين، وأورع في المَنْطِق. وقد كانوا يصفون من كان يُفتي بذلك: بأنه قَلَب الدينَ ظهرًا لبطن، ويترك الإسلام أرق من الثوب (١٥٦/ أ) السَّابِرِي (١)، وينقض الإسلام عُرْوة عروة، إلى أمثال ذلك. وقد ذُكر عن بعض أهل الرأْي (٢): أن امرأةً أرادت أن تختلع من زوجها، فأبى، [فقيل] (٣) لها: لو ارْتَدَدتِ بِنْتِ منه، فَفَعَلَت. فذُكِر ذلك لعبد الله بن المبارك، وقيل له: إن هذا في "كتاب الحِيَل"، فقال: من وضع هذا الكتاب فهو كافر، ومن سمع به فرضي به فهو كافر، ومن حمله من كُورةٍ إلى كُورة فهو كافر، ومن كان عنده ورَضِي به فهو كافر. وقال إسحاق بن راهويه عن سفيان (٤) بن عبد الملك: إن

стр. 67

ابن المبارك قال في قصة بنت أبي روح حيث أُمِرَت بالارتداد، وذلك في أيام غسان (١)، فغضب ابن المبارك وقال: أَحْدَثوا في الإسلام، ومن أَمَر بهذا فهو كافر، ما أرى الشيطان كان يُحْسِن هذا، حتى جاء هؤلاء فأفادها منهم، أو كان يُحْسِنها ولم يجد من يُمضيها فيهم حتى جاء هؤلاء. وقال النضر بن شُمَيل: في "كتاب الحيل" ثلاث مئة وعشرون أو وثلاثون مسألة كلُّها كفر (٢). وقال شريك في "كتاب الحيل": من يُخادع الله يخدعه. وقال حفص بن غِياث: ينبغي أن يُكتب عليه: كتاب الفجور. يعني: كتاب الحِيل. وقال حماد بن زيد: [سمعتُ أيوب يقول] (٣): وَيْلَهم من يخدعون؟ ! . وقال يزيد بن هارون: لقد أفتى أصحابُ الحِيَل بشيءٍ لو أفتى به اليهود والنصارى كان قبيحًا. وعن عبد الخالق بن منصور قال: سمعت أحمدَ بن حنبل

стр. 68

يقول: من كان "كتاب الحيل" في بيته يُفتي به؛ فهو كافر بما أُنْزِل على محمد ﷺ (١). رواه أبو عبد الله السدوسي (٢) والقاضي أبو يعلى. وكلام الأئمة في ذلك كثير جدًّا لا يمكن ضبطه، ولا يسع هذا الموضع إيراد عُشره. وقال رجلٌ للفضيل: إني إستفتَيْتُ رجلًا في يمين، فقال: إن فعلتَ ذلك حنثْتَ، وأنا أحتال لك فلا تحنث. فقال له: ارجع فاستَثْبِتْه، فإنِّي أظنه شيطانًا تصوَّر لك في صورة إنسان (٣). وإنما اشتدَّ نكيرُ هؤلاء الأئمة في "كتاب الحيل"؛ لأن فيه الاحتيال على تأخير صوم رمضان وإسقاط الزكاة والحج، وإسقاط الشُّفعة، وحل الرِّبا، وإسقاط الكفَّارات في الصيام والإحرام والأَيْمان، وحِل السِّفاح، وفسخ العقود، وفيه الكذب وشهادة الزور، وإبطال الحقوق، وغير ذلك، وتعليم الردة لمن أرادت فراقَ زوجها، وهذه من أقبح ما فيه، إلى أشياء أُخر. فلا يجوز نسبة شيءٍ من ذلك إلى أحد الأئمة، ومن نَسَب ذلك إليهم، فهو مخطئ في ذلك، جاهل بأُصول الفقهاء، وإن كانت الحيلة قد تنفذ على أصل بعضهم (٤).

стр. 69

وقد انْتَسَب إلى بعض الأئمة قوم يخالفونهم في الأصول؛ مثل المعتزلة والجهمية وأرباب البدع، فلعلَّ ذلك إنما حصلَ منهم، وإنما ذكرنا مثل هذا الكلام (١) على كُرْهٍ شديدٍ مِنَّا؛ لما فيه من شبهه بالغيبة (٢)، ولكن وجوب النصيحة اضطرنا إلى أن نُنَبِّه على ما عِيْبَ على بعض (١٥٦/ ب) المفتين من الدخول في الحِيَل، وليعلم أنها محدثة وبدعة، ونحن نرجو أن يعذر (٣) الله لمن اجتهد فأخطأ. حتى ذهب (٤) هذا الداء إلى كثير من فقهاء الطوائف، حتى إن بعض أتباع الإمام أحمد بن حنبل - مع أنه كان من أبعد الناس عن هذه الحيل - تلَطَّخُوا بها، فأدْخَلها بعضُهم في الأيْمان، وذكر طائفةً من المسائل التي هي بأعيانها من أشد ما أنكره أحمد. وحتى اعتقد بعضُهم جواز خلع اليمين، وصِحَّة نكاح المحلِّل، وجواز بعض الحِيل الربوية. وكَثُر ذلك في المنتسبين إلى الشافعي ﵁، وتوسَّع بعضُ أصحاب أبي حنيفة فيها توسُّعًا تدلُّ أصول أبي حنيفة على خلافه. وبعض الأئمة من أصحاب مالك تزلزل فيها، حتى رأى أنَّ القياسَ جوازُ بعضها، وحتى ألقوا في نفوس كثير من العامة أنها حلال، وأنها من دين الله! ! .

стр. 70

ومن شرح الله صدره للإسلام يكرهها وينفر قلبُه منها، والمفتي بغير علم يقول: هي حلال، وهذا جائز، وهذا لا بأس به! ! وهو مُخطئ في هذه الأقوال باتفاق العلماء، فإن أقلَّ درجات أكثرها الكراهة، وقد ذكرنا اتفاقَهم على كراهة التحليل. ومنشأ هذه الحِيَل وأصلها من اليهود، فلهذا تجد الغاوي من المتفقِّهة متشبِّهًا بهم، وصار أهل الحيل تَعْلوهم الذِّلة والمسكنة لمشابهتهم (١) باليهود في بعض الأخلاق، ثم قد استطار شررُ هذه الحِيل حتى دخلت في أكثر أبواب الدين، وصارت معروفًا وردُّها منكرًا عند كثير ممن لا يعرف أمور الإسلام وأصوله. وكلما رقَّ دينُ بعضِ الناس أحدثَ حيلةً، وأكثرها مما أُجْمِع على تحريمها، مثل تلقين بعض الشروطيين لمن يريدُ أن يملك ابنه أو غيره أن يُقر بذلك إقرارًا أو يجعله بيعًا (٢)، وهذا حرام بالإجماع، فإنه كذب يضر الورثة. وحتى (٣) إن بعض المتورِّعين من الشهود يحسب أن لا إثم عليه في الشهادة على ذلك، ولا ريبَ أن الشهادةَ على ما يُعلم تحريمه من عقدٍ أو إقرار أو حكم حرام؛ فقد لعن رسول الله ﷺ آكلَ الربا وموكلَه وشاهدَيه وكاتِبَه (٤). ومثل ما أحدثَ بعضُ الحكام الدعوى المزوَّرة، وأول من

стр. 71

أحدثها بعض قضاة الشام قبل المئة السادسة، فيقولون: حكم بكذا بمحضر من خَصْمين، مع القطع أن الحاضرين لم يكونوا خَصْمَين، فإن الخصم المدَّعى عليه من إذا سكت لم يُترك، وذاك الحاضر لو سكت لما أُلْزِم (١) وادعى على رجلٍ آخر غيره، فإنما (١٥٧/ أ) الغَرَض أن يقول بلسانه: لا حقَّ لكَ قِبَلي، أو: لا أعلمُ صحةَ دعواك، أو يثبت ما ادعاه (٢)، فتكون صورته صورة الخصم وليس هو بخصمٍ، وكذلك الآخر الذي يدعى أوَّلًا، إلى أمثال ذلك من الكذب والباطل الذي لا يجوز في دين الله تعالى. ومن البدع (٣) الجديدة: أن يريد الإنسان أن يقف على نفسه، فيعلمونه أن يقر بأنه وقف على الوجه الذي يريد أن يَقِفَه عليه، ويشهدون عليه ويحكمون بصحته، ولا يستريب مسلم أن هذا حرام، فإن الإقرار هو شهادة الإنسان على نفسه، فكيف يُلَقَّن شهادة الزور؟ ! . ولهم حيلة أُخرى: يُمَلّكه لغيره، ثم يَقِفُه ذلك عليه، ولا شك أن هذا قبيح باطل، فإن حدَّ التمليك أن يرضى المُمَلِّك بنقل الملك إلى المُمَلَّك، بحيث يتصرَّف فيه بما يحِبّ، وهذا قد علم اللهُ وجميعُ الحاضرين أن المُمَلِّك لم يرض بأن يفعل فيه المُمَلَّك ما شاء غير الوقف على الوجه الذي تواطأ عليه، بل ملَّكَه بشرط أن

стр. 72

يَقِفَه عليه، وهذا تمليك فاسد، ولو فَعَلَ غيرَ ذلك لعدَّه ماكرًا غادرًا، فيتكلَّم بالتمليك استهزاءً وتلاعُبًا بآيات الله وحدوده، وقد كان له مندوحة بأن يقلِّد من يرى وقْفَه على نفسِه (١)، أو يَقِفَه على غيره ويستثني المنفعةَ مدَّةَ حياته (٢)، فإن تقليد بعض الأئمة خير من الكذب والخداع والزور. فصلٌ (٣) فإن قيل: هذه الحيل مما اختلف فيها العلماء، فإذا قلَّد الإنسانُ من يُفتي بها فله ذلك، ولا إنكارَ في مسائل الخلاف، لا سيما على من كان متقيِّدًا بمذهب من يرخِّص فيها أو قد تفقَّه فيها، ورأى أن الدليلَ يقتضي جوازَها، وقد شاع العملُ بها عن جماعاتٍ من الفقهاء، ويُعزى القولُ بها إلى مذهب أبي حنيفة والشافعي ﵄. وما قالَه مثل هؤلاء الأئمة لا ينبغي الإنكار البليغ فيه، لا سيما على من يعتقد أن الذين جوَّزوا ذلك أفضل من غيرهم، فإذا قلَّد العاميُّ أو المتفقِّه واحدًا منهم، إما على القول: إنه لا يجب على العامي الاجتهاد في أعيان المُفتين، أو على القول بوجوبه إذا ترجَّح عنده أن من قلَّده فيها هو الأفضل، فلا إنكار، إلا أن يُقال: إن المسألة قطعيَّة لا يسوغ فيها الاجتهاد، وهذا لا يمكن قوله؛ لأن

стр. 73

فيه طعنًا على الأئمة بمخالفتهم القواطع. ثم قد يُفضي ذلك إلى الخروج عن الائتلاف والخروج إلى الفرقة والاختلاف المنهيّ عنه، لا سيما ممن يحمله هوى دينه أو دنياه على ما هو أبلغ من ذلك، فتصيرُ مسائلُ الفقه من باب الأهواء، وهذا غير سائغ، وقد علمتم أن السلفَ كانوا يختلفون في الفروع مع بقاء الأُلفة وصلاح (١٥٧/ ب) ذات البين. قلنا: نعوذ بالله - سبحانه - مما يُفضي إلى الوقيعة في أعراض الأئمة، أو انتقاصِ أحدٍ منهم، أو عدم المعرفة بمقاديرهم، أو محادَّتهم وترك محبتهم، ونرجو من الله أن نكون ممن يحبهم ويتوَّلاهم، ونعرف من حقوقهم وفضلهم ما لا يعرفه أكثر الأتباع، وأن يكون نصِيْبُنا من ذلك أوفر نصيب وأعظم حظٍّ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولكن دين الإسلام إنما يتم بأمرين: أحدهما: معرفةُ فضل الأئمة وحقوقهم وقدرهم، وترك كل ما يجرُّ إلى ثَلْبهم. والثاني: النصيحةُ لله - سبحانه - ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وإبانة ما أنزل الله من البينات والهدى، ولا منافات إن [شاءَ] اللهُ - سبحانه - بين القسمين لمن شرح الله صدره، وإنما يضيقُ عن ذلك أحدُ رجلين؛ رجلٌ جاهل بمقاديرهم (١)، أو رجل

стр. 74

جاهل بالشريعة وأصول الأحكام، وهذا المقصود يتلخَّص بوجوه: أحدها: أن الرجل الجليل الذى له في الإسلام قَدَم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكانةٍ عُليا، قد يكون منه الهفوةُ والزلَّةُ، هو فيها معذور بل مأجور، ولا يجوز أن يُتْبع فيها، مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين. قال ابنُ المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي وأنا أنشد الشعر، فقال لي: يا بني لا تُنْشد الشِّعر، فقلت له: يا أبه كان الحسن يُنشد، وكان ابن سيرين يُنشد، فقال لي: يا بُني إن أخذت بشَرِّ ما في الحسن وبِشَرِّ ما في ابن سيرين، اجتمعَ فيك الشرُّ كلُّه. وهذا أمر متفق عليه، فإنه ما من أحدٍ من أعيان الأمة من السابقين الأولين ومن بعدهم إلا لهم أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة، وهذا باب واسع لا يُحصى، مع أنَّ ذلك لا يغضُّ من أقدارهم، ولا يسوِّغ اتّباعهم فيها، كما قال - سبحانه -: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. قال مجاهد والحكم بن عُتَيْبَة ومالك وغيرهم: ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويُتْرك إلا النبي ﷺ (١). وقال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع

стр. 75

فيك الشرُّ كله (١). قال ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا (٢). وقد رُوِي عن رسول الله ﷺ : "إنِّي لأخافُ على أُمَّتي من بعدي من أعمال ثلاثة" قالوا: وما هي؟ قال: "أخافُ عليهم من زَلَّةِ العالم، ومن حكم جائرٍ، ومن هوًى مُتَّبَعٍ" (٣). وقال عمر: "ثلاثٌ يَهْدِمن الدين: زلَّةُ عالمٍ، وجدال منافقٍ بالقرآن، وأئمة مُضِلُّون" (٤). وقال أبو الدرداء: "إنَّ مما أخشى عليكم: زلةُ العالم، وجدالُ المنافق بالقرآن" (٥). وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كلَّ يوم: "هَلَك المرتابون، إن وراءكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق (١٥٨/ أ) والمرأة والصبي والأسود والأحمر، فيوشك أحدُهم أن يقول: قد قرأتُ القرآنَ، فما أظن أن يتبعوني حتى ابتدع لهم غيرَه، وإياكم وما ابتدع، فإن كلَّ بدعة ضلالة، وإياكم وزيغةَ الحكيم، فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم
следующие страницы →