← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 29555

الانتصار لسيبويه على المبرد

ابن ولاد

Полный текст (231 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الانتصار لسيبويه على المبرد لأبي العباس أحمد بن محمد بن ولاد التميمي النحوي المتوفى ٣٣٢ هـ دراسة وتحقيق الدكتور زهير عبد المحسن سلطان مؤسسة الرسالة

стр. 2

الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م

стр. 3

كتاب الانتصار، أو كتاب نقض ابن ولاد على المبرد في رده على سيبويه "في الكتاب" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال أبو العباس أحمد بن محمد بن ولاد النحوي: هذا كتاب نذكر فيه المسائل التي زعم أبو العباس محمد بن يزيد أن سيبويه غلط فيها، ونبينها، ونرد الشبه التي لحقت فيها، ولعل بعض من يقرأ كتابنا هذا ينكر ردنا على أبي العباس، وليس ردنا عليه بأشنع من رده على سيبويه، فإنه رد عليه برأي نفسه ورأي من دون سيبويه، ومع ردنا عليه فنحن معترفون بالانتفاع به لأنه نبه على وجوه السؤال ومواضع الشك، إلا أنه إذا تبين الحق كان أولى بنا وأعود بالنفع علينا، وبالله التوفيق. مسألة [١] قال محمد بن يزيد: من ذلك قوله في باب مجاري أواخر الكلم: قال سيبويه: (وإنما ذكرت ثمانية مجار لا فرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة لما يحدث فيه العامل- وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه- وبين ما يبنى عليه الحرف بناء لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك فيه من العوامل. قال محمد بن يزيد: هذا تمثيل رديء، وذلك أن الذي يدخله ضرب من هذه الأربعة هو الحرف، نحو الدال من زيد، والذي يبنى عليه الحرف هو الحركة، نحو الضمة التي يبنى عليها ثاء (حيث)، والفتحة التي يبنى عليها نون (أين)، فعدل حركة بحرف، وإنما كان ينبغي أن يعدل الحركة بالحركة والحرف بالحرف.

стр. 4

قال أحمد بن محمد: هذا الرد يحكى عن المازني، وقد رد أيضا مسألة أخرى في هذا الباب، إلا أنا نقتصر على المسائل التي جمعها محمد بن يزيد وألفها في كتابه، وأما الحكايات فنحن نذكرها في مواضع من تفاسير الكتاب. أما قوله: عدل بين حركة وحرف، فهذا جائز في اللفظ من غير وجه، أحدها، يكون أراد لأفرق بين حركة ما يدخله ضرب من هذه الأربعة وبين ما يبنى عليه الحرف بناء، فحذف/٣/ المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، واجتزأ بذلك لعلم المخاطب بما يعني، وهذا شائع، ومنه قول الله : ﴿إنه عمل غير صالح﴾، ﴿وسئل القرية﴾، وما أشبه ذلك، وقولك: الفرق بين الحجاز وأهل الشرق كيت وكيت، تحذف أهل من أول الكلام، لأن المخاطب (قد) علم أنك مفرق بين الأهلين، وكذلك إذا قلت: الفرق بين الفرات وماء دجلة، وبين الفرات وطعم دجلة كذا وكذا، علم أنك مفرق بين الطعمين، ولا نعلم أحدا منع من إجازة ذلك ما لم يكن لبس في الحذف، فهذا على وجه المجاز. ووجه آخر على غير هذا الطريق، وهو أن يكون سمى الحركة حرفا في قوله: (يبنى عليه الحرف)، يريد بالحرف الحركة كما قال النحويون: العربية على أربعة أحرف: على الرفع والنصب فجعلوا وجوه الإعراب حروفا، وكذلك: هو يقرأ بحرف فلان، فأما الحركة

стр. 5

فهي حرف على الحقيقة، لأن الضمة واو صغرى، كأنه قال: لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة يعني الدال من زيد، وبين ما يبنى عليه الحرف، يعني الثاء من (حيث)، فهي التي يبنى عليها الحرف، والحرف الضمة، هذا على حقيقة اللفظ لا على وجه المجاز، لأنه عدل بين حرف الإعراب وحرف البناء في اللفظ وفي المعنى، وفي التأويل الأول فرق بين الحركتين، وحذف أحدهما) من اللفظ. ووجه آخر، [وهو] أن يكون فرق بين الاسم المعرب والاسم المبني، فكأنه قال: لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة، يعني زيداً، وما أشبهه من الأسماء المتمكنة، وبين ما يبنى عليه الحرف، يعني (حيث) وما أشبهه من الأسماء المبنية كما في الثاء بنيت بضمتها على حيث. فهذه ثلاثة أوجه: أولها، أنه فرق بين حركة الإعراب وحركة البناء، وحذف (حركة) من الأول واجتزأ بذكر الثانية، والوجه الثاني، فرق (فيه) بين حرف الإعراب وحرف البناء، كالدال من زيد والثاء من (حيث) على التأويل الذي ذكرناه، والوجه الثالث، فرق فيه بين الاسم المعرب والاسم المبني، وكل هذه الوجوه إلى معنى واحد ترجع، لأن الذي قصده في هذا القول معنى تؤدي هذه الوجوه إليه. مسألة [٢] ومن ذلك قوله في هذا الباب: (واعلم أنك إذا ثنيت الواحد لحقته زائدتان: الأولى /٤/ منهما حرف المد واللين، وهو حرف الإعراب). قال محمد بن يزيد: فزعم أن الألف والياء في الاثنين، والواو والياء في الجميع حروف

стр. 6

الإعراب، وهذا محال، لأنها لو كانت حروف الإعراب كان الإعراب لازما لها وهو غيرها، نحو دال زيد، لما كانت حرف الإعراب هي وما أشبهها، كان ما يعتورها من الضم والكسر والفتح هو الإعراب، وليست الألف في التثنية وما ذكرنا معها إعرابا، لأن الإعراب حركة في حرف إعراب، ولكنها دلائل على الإعراب، وهذا قول أبي الحسن الأخفش وأبي عثمان المازني، وكذلك تاء مسلمات [ ... ]. مسألة [٣] [ ... ] إلا بحرف جر، كما أن ذهبت أصله ألا يتعدى إلا بحرف، ويدل على ذلك أن مصدره مصدر ما لا يتعدى، وهو فعلو، تقول: دخل دخولا كما تقول: قعد قعودا، وجلس جلوسا، وذهب ذهوبا، ففعول مصدر ما لا يتعدى من الأفعال، ألا ترى أن سيبويه قال في باب بناء الأفعال التي هي أعمال تعداك إلى غيرك ومصادرها: إن فعولا إنما يكون لما لا يتعدى نحو: قعد قعودا، وجلس جلوسا، وثبت ثبوتا، وذهب ذهوبا، وقد قالوا: الذهاب

стр. 7

والثبات، قال: وأما قولهم: دخلته دخولا، وولجته ولوجا، فكان الأصل ولجت فيه ودخلت فيه، إلا أنهم حذفوا (في) كما قالوا: نبئت زيدا، يريدون عن زيد، فحذفوا (عن) ها هنا. هذا معني قول سيبويه: إن ذهبت الشام مثل دخلت البيت، أراد به أن حرف الجر حذفت مع ذهبت كما أنه حذف مع دخلت، وليس بين واحد من الأمرين وغيره فرق في الأصل، إلا أن العرب ربما استعملت الحذف في بعض الأشياء أكثر من بعض، فيتوهم بذلك المتوهم أن ما استعمل فيه الحذف أكثر أصله التعدي، وليس الأمر كذلك، وإنما يكون كثرة الحذف على قدر كثرة الاستعمال، وربما استعمل الشيء محذوفا، ولم يتكلم بالأصل البتة، فأما ذهب ودخل فقد استعمل معهما الوجهان، أعني حذف حرف الجر وإثباته كقولهم: دخلت في الدار، [ودخلت الدار]، وذهبت إلى الشام، وذهبت الشام واستعمالهم /٥/ حرف الجر في جميع المواضع مع فعلت وأنه غير ممتنع معها على حال يدل على أنه الأصل وأن الحذف فرع. وأما قوله: إن كل ما كان مثل البيت فهو بيت، وليس كل ما كان مثل الشام فهو شام، فلا وجه له، لأن تعدي الفعل يأتي في النكرة والمعرفة سواء بكرف أو بغير حرف، تقول: دخلت مكة، ودخلت في مكة، ودخلت بيتا حسنا، ودخلت في بيت حسن،

стр. 8

وكذلك ما كان مثله. مسألة [٤] قال: ومن ذلك قوله في باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين ويقتصر على أحدهما إن شاء، قال: ومما حذف فيه حرف الجر قول المتلمس: آليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس قال: يريد، على حب العراق) قال محمد بن يزيد: وهذا خطأ، إنما هو آليت أطعم حب العراق، أي لا أطعم حب العراق، كما تقول: والله أبرح من هنا، أي: لا أبرح. وقال في هذا الموضع: (نبئت زيدا، أي: عن زيد)، وليس كذلك، لأن نبأت زيدا معناه أعلمت زيدا ونبئت زيدا أعلمت زيدا، وإن قال قائل: نبئت عن زيد قائما، وضع موضع حدثت، فمبني على ضربين لا يحمل الكلام إلا على وجهه. قال أحمد بن محمد بن ولاد، آليت وحلفت وأقسمت أفعال تتعدى إلى المحلوف عليه بحرف الجر، فتقول: حلفت على زيد لا أكلمه، وإن شئت قلت: حلفت على زيد، ولم

стр. 9

تأت بجواب، لأن حلفت جملة مكتفى بها غير محتاجة إلى سواها، وإذا قلت: حلفت لا أفعل، فهو كقولك: والله لا أفعل، إلا أنك إذا قلت: والله، فلا بد من جواب القسم، وإلا لم يكن كلاما، فلو جاز أن تقول: إذا حذفنا حرف الجر من حلفت وآليت وما أشبههما، إن الاسم الذي يليهما انتصب أو ارتفع بفعل يفسره جواب القسم، وجواب القسم مع هذه الأفعال لا يلزم الإتيان به، لأنه جملة تامة غير الجملة الأولى، لأن الكلام قد تم دونه، لكان الإضمار مع ما يلزم الكلام أوجب، فيلزمه على هذا في المجازاة أن نقول إذا حذف حرف الجر للضرورة: إن تمرر أخوك يكرمك/٦/. فرفع الأخ بفعل يفسره جواب المجازاة، كأنه قال: إن تمرر يكرمك أخوك، ويكون يكرمك مفسرا، وهو يريد (معنى) إن تمرر بأخيك يكرمك، فيبطل عمل يمرر ومفعوله يليه، ويرفع مفعوله بفعل مضمر. ويلزمه أن يقول فيما يتعدى بغير حرف كما يلزمه فيما يتعدى بحرف، فيجوز، إن تضرب زيد ينته، وإن تزر عمرو يكرمك، فيبطل عمل تضرب وتزور، ولا تعملها في مفعوليهما وهما يليانهما بغير حائل، وتضمر لهما فعلين يرفعانهما، لأن لهما في آخر الكلام ضميرين فاعلين، وهذا لا يجوز من قول آخر. ويجوز أيضا على قوله، رأيت زيد يضرب، على أن ترفع زيدا بفعل يفسره (يضرب)، ولا تنصبه برأيت، وتبطل عمل (رأيت) كما أبطل عمل (آليت)، ونصب (حب العراق) بفعل يفسره لا أطعم، ولا فرق بينهما، إلا أن هذا فعل يتعدى بحرف، وذاك بلا حرف، فإذا حذفنا الحرف استويا جميعا وتعدى الفعل، فنصب ما كان مجرورا. وكذلك لو اضطر شاعر إلى أن يقول مثل: مررت زيدا يضربه عمرو للزم على قوله أن ينصب زيدا بفعل مضمر يفسره (يضرب)، فإن قال: ليس بمنساغ في اللفظ أن تقول: مررت يضرب زيدا عمرو، قيل له: وهو منساغ في المجازاة أن تقول: في مثل: إن تمرر بزيد يكرمك، أن تقول: إن تمرر يكرمك زيد، فأجز إن تمرر زيد يكرمك، على أن ترفع

стр. 10

زيدا بفعل يفسره (يكرمك)، لأنه منساغ. وجميع ما يجوز من هذا الباب فيما ينتصب ويرتفع على إضمار فعل يفسره الظاهر مبني من جملة واحدة، كقولك: أزيدا ضربته؟ فول حذفت الهاء لتسلط الفعل فعمل فقلت: أزيدا ضربت؟ ولا يكون ذلك من جملتين، ولو جاز إعمار الاسم الآخر في الاسم المعرض للفعل الأول لجاز إدخال عامل على عامل، ولجاز على هذا أن تقول: حلفت بزيد لأمرن، على أن تكون "الباء" معلقة بـ (لأمرن) وهذا خطأ من غير وجه، ولا يكون حينئذ ها هنا فرق بين المحلوف به والمحلوف عليه، لأن الباء يحتمل أن تكون متعلقة بحلفت، فيكون /٧/ ما يليها مقسما به لا عليه، ألا ترى أنك تقول: حلفت على زيد وحلفت بزيد، فيختلف المعنى. ومن الدليل على أن الباء متعلقة بحلفت لا بمررت، قولك: حلفت بزيد (لأمرن به)، وحلفت على زيد لأمرن به، فلو كانت الباء معلقة بمررت لم تقل: به، لأن الفعل لا يتعدى بباءين، ألا ترى أنك إذا قلت: بزيد مررت، استغنيت عن أن تقول: به، وكذلك إذا قلت: أزيدا مررت به؟ لم تأت بالباء في زيد. قال أحمد: وأما قول أبي العباس: إن معنى نبئت عن زيد غير معنى نبئت زيدا، وقال: لأن نبأت زيدا معناه أعلمت زيدا. (قال أحمد): فهذا المفعول إذا رد الفعل إلى ما لم يسم فاعله قام مقام الفاعل، وتعدى عن أن يدخل في المفعول الثاني إذا سميت الفاعل، وفي المفعول الأول إذا لم يسم الفاعل، فتقول: نبأت زيدا عن عمرو وبكذا وكذا، ونبئت عن زيد بكذا وكذا.

стр. 11

وكذلك إذا عديتها، وحذفت (عن) قلت: نبئت زيدا كذا وكذا، ونبأت زيدا عمرا يفعل كذا وكذا، وأعلمت زيدا يفعل كذا وكذا. فإن كان دخول الحرف مع أعلمت يجعل لها وجها غير وجهها إذا تعددت بغير حف، كان الأمر كذلك في نبئت، لأنه قد زعم أن معناها واحد، وإن كان معناهما واحدا في وجهيهما، أعني في دخول الحرف وخروجه منهما، فكذلك هو في نبئت، فلا تجد لها معنى غير ما ذكره سيبويه، لأن الإنباء هو الإخبار ونحوه، ولم يوجدنا محمد غير قوله في معنى حدثت إذا جئت بالحرف، أعني حرف الجر، فهل حدثت وأخبرت وخبرت وأنبئت وأعلمت، إلا متقاربة المعاني، وإن كانت العرب قد خالفت بين ألفاظها، وعدت بعضها بغير حرف وبعضها بحرف، وكيفما صرفت هذه الكلمة، أعني نبئت، فلا وجه للإنباء غير الإخبار والإعلام، فقولك: نبئت زيدا يفعل، ونبئت عن زيد أ، هـ يفعل، واحدا في المعنى وإن اختلف اللفظ والتقدير، وكذلك أعلمت عن زيد أن يفعل /٨/ وأعلمت زيدا يفعل. مسألة [٥] [قال محمد: ] ومن ذلك قوله في باب كان وأخواتها، قال سيبويه: (وقد يكون لكان موضع آخر يقتصر فيه على الاسم، فتقول: قد كان عبد الله، أي: خلق، وقد كان الأمر، أي: وقع. قال محمد بن يزيد: واحتج بقوله: بني أسد هل تعلمون بلاءنا ... إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا

стр. 12

ولا حجة له في هذا لو رفع، لأن أشنعا يكون خبرا، وتكون (كان) متعدية. قال أحمد: روى سيبويه هذا البيت على وجهين: إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا أضمر اليوم في (كان)، كأنه قال: إذا كان اليوم يوما ذا كواكب، وزعم أ، بعضهم يرويه: إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا ومعنى (كان) في الوجهين معنى وقع، و (يوما) منصوب على الحال، لأن الاسم المنكور لما كان يجوز أن يكون حالا صلح أ، يقع في موضع الحال، تقول: جاء زيد رجلا صالحا، ومثله قول الله : ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾، التقدير، كبرت الكلمة كلمة خارجة. والوجه الآخر الذي وقع فيه يوم ذو كواكب، فهو أيضا على وقع، وأشنع حال. فأما قول محمد: إنه ينصب (أشنع) على [أنه] خبر كان فهو غلط، لأنه لم يخبر بكان ها هنا عن أمر ثابت مستقر به، ألا ترى أنك إذا قلت: كان اليوم الذي تعلم عظيما، فقد أخبرت عن يوم (واقع) معلوم، قال: والشاعر لم يرد هذا، إنما أراد به، إذا وقع يوم هذه حاله فعل وصنع، ولم يخبرنا عن أمر واقع، لأن (إذا) في معنى الجزاء، ويوم زمان يحدث. ولم يخالفه محمد في أن هذا الوجه قسم من أقسام كان، ولا في أن الشاهد يحتمل ذلك، وإنما فسر البيت على ما رآه محتملا غيره، وعلى أنه ليس بشاهد قاطع على المعنى الذي أراده سيبويه دون غيره، لما رأى (أشنعا) منصوبا، وكان غيره محتملا أن يكون خبرا

стр. 13

لا حالا، ولعمري لو أخبر به عن أمر مستقر ثابت، ولكنه أخبر به عن أمر يمكن حدوثه وفيه حرف الشركة، فمن ها هنا جعله سيبويه حالا ولم يجعله خبرا. مسألة [٦] ومن ذلك قوله في باب ما يخبر فيه عن النكرة بالنكرة، قال سيبويه: (ولا يجوز لأحد أن تضعه في موضع واجب، لأن وقع /٩/ في كلامهم نفيا عاما. قال محمد: وليس كما قال، إنما خلا أحد أن يقع موقع الجميع، فإن كان في الإيجاب موضع يكون الواحد فيه على معنى الجميع وقع أحد فيه كما يقع في النفي نحو قولك: جاءني اليوم كل أحد، وأول أحد لقيت زيد، وعلى هذا قال الأخطل: حتى بهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمرا قال أحمد: قول محمد: إن أحدا يقع في الإيجاب إذا كان واحدا في معنى جميع يلزمه أن يقول: جاءني مئة أحد، ولقيت عشرين أحدا، فهذا واحد في معنى جميع، وليس يجيزه أحد، فقد دل (ذلك) على فساد قوله. فأما ما استشهد به في الجوار، وهو أول أحد لقيت زيد، فلا يجوز هذا الكلام إلا أن يجعل أحدا في معنى واحد كما قال الله: ﴿قل هو الله أحد﴾ وليس أحد ها هنا هو

стр. 14

الذي يقع في النفي، وإن كان اشتقاقهما واحدا، لأن العرب وضعتهما وضعا مختلفا لمعنى، وكذلك قول الأخطل، معناه إلا على واحد لا يعرف القمر. هذا الوجه الجيد، وقد يجوز فيه وجه آخر، وهو أن يضع لفظ الإيجاب على لفظ النفي، لأنه إيجاب لذلك المنفي، وهذا تقابل اللفظ، ولو ابتدأه موجبا على غير نفي يقدمه لم يجز، ألا ترى أنه لو قال: خفيت على أحد لا يعرف القمر لم يجز. وكذلك المسألة الأخرى، جاءني اليوم كل أحد، لا يجوز هذا الكلام إلا أن يكون جوابا لقول قائل: ما جاءني اليوم أحد، فيقول المخبر: بل جاءني اليوم كل أحد، فيفسر القائل لفظه، والتفسير الأول الذي جاء به القرآن أجود. مسألة [٧] ومن ذلك قوله في باب (ما): إن الخبر جاء في التقديم منصوبا في قول الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذا ما مثلهم بشر قال محمد: وليس هذا موضع ضرورة، والفرزدق لغته الرفع في التأخير، ومن نصب الخبر مؤخرا رفعه مقدما، ولكنه نصبه على قوله: فيها قائما رجل، وهو قول أبي عثمان المازني، والخبر مضمر. قال أحمد: قول محمد: (وليس هذا موضع ضرورة)، لا حجة فيه على سيبويه، إنما هي رواية عن العرب، والمحاجة في [مثل] هذا على العرب، أن يقول لهم /١٠/: لم أعربتم

стр. 15

الكلام هكذا من غير ضرورة لحقتكم؟ أو يكذب سيبويه في روايته، وهو عنده بخلاف هذه الحال، وإذا كان غير مكذب عنده فيما يرويه، وكانت العرب غير مدفوعة عما تقوله مضطرة بالوزن أو غير مضطرة، فعلى النحوي أن ينظر في علته وقياسه، فإن وافق قياسه وإلا رواه على أنه شاذ عن القياس، ولم يكن للاحتجاج بالضرورة وغيرها معنى، إذا كان الناقل ثقة. فأما قوله: والفرزدق لغته رفع الخبر مؤخرا فكيف ينصب مقدما؟ فليس ذلك بحجة، لأن الرواة عن الفرزدق وغيره من الشعراء قد تغير البيت على لغتها، وترويه على مذاهبها مما يوافق لغة الشاعر ويخالفها، ولذلك كثرت الروايات في البيت الواحد، ألا ترى أن سيبويه قد يستشهد ببيت واحد لوجوه شتى، وإنما كذلك على حسب ما غيرته العرب بلغاتها، لأن لغة الراوي من العرب شاهد كما أن قول الشاعر شاهد إذا كانا فصيحين، فمن ذلك ما أنشده سيبويه لزهير: بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا ورواه أيضا، ولا سابقا شيئا، في مواضع أخر، وكذلك أنشد قول الأعور الثني: فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها

стр. 16

بالرفع والجر، وهذا كثير. وأما قول أبي عثمان، إنه على الحال المقدمة على النكرة، فلا يجوز، والذي ذهب إليه شر مما هرب منه، لأنه ليس بجائز عند النحويين: قائما رجل، على إضمار الخبر، ولأن يكون الخبر منصوبا مقدما كما كان مؤخرا أقرب إلى الجواز على ضعفه مما قال المازني، لأنه أتى بحال ولم يأت بعامل فيها، وأتى بمبتدأ ولم يأت بخبر له، وحذف في موضع لا يعلم المخاطب به ما حذف منه، ولا دلالة فيه على المحذوف، وهذا لا يجوز، لأن فيه إلباسا، وذلك وإن كان ضعيفا فلا إلباس فيه، أعني تقدم الخبر منصوبا، وما كان (ضعيفا) ولا لبس فيه فهو أجود مما جمع الضعف والإلباس. قال محمد بن يزيد: واحتج أبو الحسن الأخفش في هذا الباب في /١١/ جواز العطف على عاملين بآيتين ليس في واحدة منهما عطف على عاملين، وذلك قوله : ﴿وفي خلقكم وما يبث من دابة﴾ وقوله: ﴿لعلي هدى أو في ضلال مبين﴾، قال فعطف على (في) وعلى اللام، واللام ليست عاملة، ولكن قرأ بعض القراء: ﴿واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات﴾ فنصب آيات، وعطف على عاملين. قال أحمد: القول في هاتين الآيتين ما قال محمد بن يزيد، ليس فيهما عطف على

стр. 17

عاملين، ولكن الشاهد في الآية التي جاء بها محمد بن يزيد، وهو قوله : ﴿وتصريف الرياح آيات﴾، لأن (آيات) عطف على اسم إن، وتصريف عطف على ما عملت فيه (في) وهو مخفوض، فقد عطف بالواو على منصوب ومخفوض، والعاملان (إن) و (في)، والمعطوفان (تصريف) و (آيات). فأما قول الأخفش: إنه عطف على (في) وعلى اللام في قوله ﴿لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ فظاهر الفساد، لأن (في) لم يعطف علها شيء يلي حرف العطف، وهي معطوفة على ما قبلها. مسألة [٨] ومن ذلك قول سيبويه في باب ما يجرى مما يكون ظرفا مجرى زيد ضربته، قال: ويجوز في الشعر، زيد ضربت، وهو ضعيف، ثم احتج بأبيات ليس في واحد منها ضرورة، والجواز فيها بمنزلته في الكلام، لأنه لا يكسر الشعر، وذكر في الكلام مثل ذلك ووثقه، على أن الشعر في هذا والكلام واحد، والأبيات: قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع وقوله: فأقبلت زحفا على الركبتين ... فثوبا نسيت وثوبا أجر وقوله:

стр. 18

ثلاث كلهن قتلت عمدا ... فأخزى الله رابعة تعود وفي الكلام، شهر ثرى، وشهر ترى، وشهر مرعى، وخبرنا أبو عمر الجرمي بهذا كله منصوبا، وسمعنا بعض ذلك منصوبا من الرواة. قال أحمد: لم يزد محمد في هذه /١٢/ المسألة على أن حكى قول سيبويه، وجعل حكايته لقوله ردا عليه، ذلك أن سيبويه قال في إثر بيت أبي النجم: (وهو ضعيف، وهو بمنزلته في غير الشعر، لأن النصب لا يكسر البيت، ولا يخل به ترك إظهار الهاء). وهذا الذي قاله محمد ورأى أنه رد عليه إذ قال: وليس في هذه الأبيات ضرورة، وإنها في الكلام والشعر واحد، هو قول سيبويه، وإنما زعم سيبويه أنه سمع ذلك مرفوعا في الشعر، ولم يقل: إنه لا يجوز إلا في الشعر، وسماعه إياه مرفوعا في الشعر من الرواة كسماعه شهر ثرى، وشهر ترى، وشهر مرعى، مرفوعا في الكلام الذي جاء مثلا، وإنما يحتج لمثل هذا الشاذ بمثل مشهور أو شعر مروي، ولو جاء به مسألة محكية لم تقبل، بل قد رد عليه محمد بن يزيد ومعه هذه الشواهد المشهورة، والشعر قبيح به في الضرورة وغير الضرورة.

стр. 19

وأما قول محمد بن زيد: إن الجرمي سمع ذلك نصبا، فقد قال سيبويه: إن النصب أكثر وأعرف، وأغنى بذلك عن الاحتجاج عليه بقول الجرمي، ألا ترى إلى قوله: إن الرفع ضعيف، إلا أنه سمعه من العرب، شبهوه بالذي رأيت زيد، في حذف الهاء من الصلة، وحذفها من الصلة أجود، ويتلوها في الجودة حذفها من الصفة كقولك: الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت، وحذفها من الخبر وهي تنوي أضعف الوجوه، وقد روى أهل الكوفة والبصرة هذه الشواهد رفعا كما رواها سيبويه، فهذا وجه الرواية. وأما طريق المقايسة، فإذا أجازت العرب أن تنصب المفعول إذا تقدم وقد شغلت الفعل عنه بالهاء كقولهم: زيدا ضربته، فعديل هذا في الحاشية الأخرى أن تجيز زيد ضربت، فترفعه ولم تشغل الفعل عنه بالهاء في اللفظ كما نصبته وقد شغلت الفعل بالهاء، لأنهما حاشيتان متحاذيتان في الجواز، وإن كانت إحداهما أكثر في كلام العرب من الأخرى. فأما في المقايسة فهما سواء، لأن سبيل الكلام ووجهه أن يرفع المفعول إذا تقدم وقد شغلت عنه الفعل، ونصبه ليس بالوجه، وكذلك وجه /١٣/ الكلام أن تنصب المفعول المقدم إذا لم تشغل عنه الفعل، ورفعه ضعيف على نية الهاء. مسألة [٩] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب يحمل فيه الاسم على اسم يبنى عليه الفعل

стр. 20

مرة ويحمل مرة أخرى على اسم مبني على الفعل، قال: تقول: زيد ضربته وعمرو كلمته، إن حملت عمرا على زيد، وإن حملته على الهاء نصبته، قال: وعلى هذا يقول: القائل: من رأيت؟ فتقول: زيدا رأيته، تحمله على كلام المبتدئ ليكون العمل من وجه واحد، واحتج بأن القائل يقول: من رأيت؟ فتقول: زيدا، على كلامه، فهذا ها هنا نظير العطف فيما صدر به، وزعم أن القائل إذا قال: من رأيته؟ لم يجز أن تقول في الجواب إلا بالرفع، فتقول: زيد رأيته، إلا في قول من قال في الابتداء: زيدا رأيته، وقد نقض قوله في العطف: إن حملته على الهاء نصبت، والقول إن حملته على الهاء أن تقول: زيدا رأيته كما قلت: زيد ضربته وعمرا كلمته حين حملته على الهاء، وهذا قول أبي الحسن الأخفش، وهذا قياس قول سيبويه في العطف. وقال سيبويه: قولك: من رأيته؟ إنما هو بمنزلة قولك: من منطلق؟ ومن رسول؟ فلذلك أجري ما بعده مجرى ما ليس قبله مفعول، وهذا يلزمه في الأول، لأن قولك: زيد ضربته وعمرو كلمته، ضربته في موضع منطلق وما أشبهه، وقد طعن في هذا الموضع أبو إسحاق الزيادي وأبو الحسن الأخفش، وزعما أنه لا يجوز زيد ضربته وعمرا كلمته، ولا يكون في عمرو إلا الرفع، لأن قوله: زيد ضربته جملة لها موضع، ويريد إذا أضمر قبل عمرو فعلا أن يعطفه، وهي جملة لا موضع لها على تلك، وإنما صار لقولك: ضربته موضع، لأنها في موضع خبر الابتداء، فموضعها الرفع، والمعطوف لا موضع له، لأنه بمنزلة زيد لقيته، ولا موضع للجملة، والقياس الذي لا يجوز غيره ما قالا، لأنه لا يجوز أن تعطف جملة لا

стр. 21

موضع لها على جملة لها موضع، والمعطوف على الشيء في مثل حاله. قال أحمد: أما قول محمد: إنه لا يجوز أن تعطف جملة لا موضع لها فهذه دعوى لم يأت معها /١٤/ بحجة تبينها، وليس الأمر في ذلك على ما ذكر، ونحن نجد في الكلام جملة لا موضع لها معطوفة على جملة لها موضع، يجمع النحويون على إجازتها، ولا يمتنع الراد من ذلك فيها، وهو قولك: مررت برجل قام أبوه وقعد عمرو، فقام أبوه جملة في موضع جر لأنها نعت لرجل، وقد عمرو معطوفة عليها وليست في موضع جر، لأنك لا تقول: مررت برجل قعد عمرو، إذ ليس في الجملة الثانية ضمير يعود على رجل فيكون نعتا له، وكذلك، إذا قلت: زيد يضرب غلامه فيغضب عمرو، فيضرب غلامه رفع لأنه خبر المبتدأ، ويغضب عمرو معطوف عليه، وليس في موضع رفع، لأنه لا عائد فيه على المبتدأ، وليس سبيل عطف الجمل أن يكون الثاني محمولا على الأول في لفظ ولا موضع بالواجب على كل حال، ألا ترى أن الجملتين قد تختلفان فتكون إحداهما مبنية من اسمين والأخرى "مبنية" من اسم وفعل، فتقول: أخطأ زيد والله المستعان، فالأولى من اسم وفعل، والثانية من اسمين، وتعطف المبني على المعرب والمعرب على المبني في الجمل، فتقول: قم وليقم زيد، وتقول: ليقم زيد وقم وتعطف الأمر على الخبر والخبر على الأمر كقولك: قام زيد فقم، وقم فقد قام زيد. فالجمل تعطف على الجمل مع اختلاف أحوالها وتباين مجاريها في معانيها، فكيف لا تعطف مع اختلاف مواضعها، وإذا كانت الجملة لا يلزم فيها أن تتبعها الجملة في لفظها، كذلك لا يلزم في كل حال أن تتبعها في موضعها، ألا ترى أنك تقول: إن زيدا قائم وعمرا جالس، فتأتي بلفظ الجملة الثانية كلفظ الأولى وتحملها عليها، وإن شئت لم تفعل ذلك، فتقول: إن زيدا قائم وعمرو جالس، فأنت فيما ينساغ لك أن تحمله على الأول، مخير في حمله عليه،

стр. 22

أو ترك ذلك، فكيف فيما لا ينساغ لك البتة أن تحمله على الأول، فقياس ما تحمله من الجمل على الموضع كقياس ما تحمله على اللفظ، فتكون مخيرا فيما يجوز وينساغ حمله على الموضع أو ترك ذلك، نحو قولك: زيد ضربت أباه ثم ضربت عمرا، فهذا معطوف على ضربت، ولا يجوز حمله على موضعه في الإعراب، فأما /١٥/ ما يجوز فقولك: زيد ضربت أباه ثم ضربت أخاه، فقولك: ضربت أخاه، فيجوز أن تحمله على موضع زيد ضربت أباه ثم ضربت أخاه، فقولك: ضربت يجوز أن تحمله على موضع ضربت أباه في الإعراب، وقد اتفقوا جميعا- والراد معهم- على أنه يجوز زيد ضربته وعمرا كلمته، فينصبون عمرا على ما كان يجوز في الابتداء، والذي يضمرونه في العطف هو الذي يضمرونه في الابتداء، وليس يذهب سيبويه إلى أن يعطف عمرا على الهاء، وإنما مذهبه أن يكون بناء الجملة الثانية كبناء الجملة التي قبلها، فهم منفقون على جواز ذلك، وإنما الفرق بينهم قول سيبويه: إن جواز النصب فيها إذا كانت معطوفة أحسن من جوازه في الابتداء، ولم يرد أن يحمل اسما على اسم ولا إعرابا على إعراب، ألا ترى أنه يقول: قام زيد وعمرا كلمته، أحسن في الإعراب، لأنه يجعل الاسم محمولا على الفعل في الجملة الثانية كما جعله في الأولى، وإن كان الفعل الأول رافعا والثاني ناصبا. وأما إلزامه في قولك: من رأيته؟ أن تحمل الجواب مرة على (من) فترفع وتقول: زيد، ومرة على الهاء، فننصب وتقول: زيدا، فإن هذا [وإن لم يكن] قياس قوله في العطف، فهو لعمري يشبه العطف في حال ويخالفه في أخرى، وكذلك جعله سيبويه شبه العطف، فلأنك تحمل الجواب على ما حمل عليه السائل كلامه كما تحمل المعطوف (على المعطوف) عليه، وذلك قول سيبويه: إذا قال القائل: من رأيت؟ قلت: زيداً رأيته، فحملت زيدا على

стр. 23

إعراب (من)، لأنه جواب عنها. وأما مخالفته لباب العطف، فإنك إذا قلت: زيد ضربته وعمرو كلمته، فأنت مخير في الحمل على أي الجملتين شئت، فجاز الوجهان، والمجيب فإنما يجتهد في إعراب ما بنى عليه المبتدئ كلامه، فالسائل مانع له من أن يكون مخيرا. فإن قال: فإذا قال السائل: من رأيته؟ فقد أتى بجملتين: إحداهما محمول فيها الاسم على الفعل، وهي الهاء في رأيته، والأخرى محمول فيها الفعل على الاسم، لأن (من) هو الاسم المبتدأ، والفعل خبر عنه. قيل له: سبيل الاسم الذي في الجواب أن يكون إعرابه كإعراب الاسم المستفهم به /١٦/، فإن قال السائل: من قام؟ قلت في الجواب: زيد، وإن قال: من ضربت؟ قلت في الجواب: زيدا، وكذلك إذا قال: من رأيته وأيهم رأيته؟ قلت: زيد في الجواب، فتحمله على إعراب (من) لا إعراب الهاء، لأن زيدا مفسر لـ (من)، فهذا وجه الكلام. وكذلك إذا قلت: أي الرجلين لقيته أزيدا أم عمرو؟ وأي الرجلين لقيت أزيدا أم عمرا؟ فها هنا جملتان لعمري كالعطف في المسألة الأولى، إلا أن الحمل على إحداهما أولى من [الحمل على] الأخرى، بسبب ما ذكرنا من أن الجواب والتفسير محمول على الاسم المستفهم به، وهو أولى من الهاء، وإن كانت الهاء عائدة عليه، فأما العطف على الجملتين فليست إحداهما أولى من الأخرى بحال تزيد بها عليها. وأما قول الأخفش: إن الهاء هي (من) في المعني، فلم تكن بهذا تستوجب الحمل عليها دون (من) يستفهم بها والجواب عنها، والهاء لا يستفهم بها، ومع هذا فقد يجوز النصب في قول سيبويه على ما كان يجوز في الابتداء، فهو حمل ما ذكره الأخفش وليس بالوجه عنده ولا عند غيره.

стр. 24

مسألة [١٠] ومن ذلك قوله في باب الاستفهام: أأنت زيد ضربته؟ فيختار في زيد الرفع، ولا يجوز النصب إلا على قول من قال: زيدا ضربته. قال محمد: وهذا خلاف قوله أجمع في هذا الباب، لأنه إنما يستفهم عن الفعل، فينبغي له ها هنا أن يضمر فعلا يرتفع (أنت) عليه، وهو الذي ينصب زيدا كأنه قال: أضربت أنت زيدا؟ وكذلك تقول: أأنت تقول زيدا منطلقا؟ كما تقول: أتقول زيدا منطلقا؟ وكذلك ما أنت زيد ضربت في باب النفي، وهذا قول أبي الحس الأخفش وغيره. قال أحمد: قوله: قد كان ينبغي له ها هنا أن يضمر فعلا يرتفع به (أنت) ويكون ناصبا لزيد، فليس يلزمه هذا، لأن الكلام مبني من جملتين، والجملة الأخرى مبنية من اسم وفعل، والأولى التي فيها حرف الاستفهام ليست مبنية من اسم وفعل، وإنما يكون ما قال في الجملة إذا كانت من اسم وفعل، /١٧/ نحو قولك: زيد ضربته، وإذا أتيت بحرف الاستفهام كان أولى أن يليه الفعل، فإذا قلت: لزيد أبوه قائم، أو زيد قائم أبوه، ثم أتيت بحرف الاستفهام، لم يكن ها هنا شيء هو أولى بأن يلي حرف الاستفهام، "وكذلك إذا قلت: هند أبوها ضربته، ثم أتيت بحرف الاستفهام" في الجملة الأولى، وإنما هو خبر في الجملة الأخيرة، لم يكن لك أن تضمر فعلا بعد الألف. ومثل ذلك أأنت زيد ضربته؟ لأن (أنت) ابتداء وخبره الجملة، وهي الابتداء الثاني وخبره، فلم يقع الفعل مبنيا على (أنت)، فيكون الألف بالفعل أولى، إنما يكون به أولى إذا كان خبرا عن الاسم الذي يليها، فأما إذا كان خبرا عن اسم آخر وفي جملة أخرى فليس الأمر على ذلك، وإلى هذا ذهب سيبويه، وكذلك ما أنت زيد ضربته، القول فيه كالقول فيما قدمناه ذكره.

стр. 25

"وأما" أأنت تقول زيدا منطلقا؟ فزعم سيبويه أن القياس في (تقول) ألا تعمل، وأن يكون ما بعدها محكيا، ولم تدخل في باب ظننت بأكثر مما ذكر من عملها في المخاطبة والاستفهام، وشبهها بـ (ما) إذا لم تقو قوة (ليس) في كل مواضعها، فلما فصل بين ألف الاستفهام وبينها تغيرت وعادت إلى أصلها في القياس كما أن (ما) لما قدم خبرها رفع، وكذلك إذا كان الخبر موجبا كقولك: ما زيد إلا ظريف، فهذا هو القياس، ومن أجاز غير ما في القياس لزمه أن يأتي بحجة من كلام لاسيما وقد اجتمع لسيبويه أن العرب ترفع ما بعد القول من الكلام على كل حال في كل المواضع، وإنما ينصب به بعضهم في بعض المواضع وأنه القياس، ومن خالف القياس وأكثر الكلام العرب فعليه أن يأتي بحجة فيما خالف فيه. مسألة [١١] ومن ذلك قوله في هذا الباب: والرفع بعد إذا وحيث جائز في مثل، حيث زيد لقيته فأكرمه، وإذا زيد تلقاه فأكرمه. قال محمد: أما حيث فلا بأس بابتداء الاسم بعدها، لأنك قد تقول: جلست حيث عبد الله جالس، وأما (إذا) هذه فابتداء الاسم بعدها محال، وذلك أنك [لا] تقول: اجلس إذا عبد الله جالس، وقد نقض هذا قوله: إذا كانت لظروف الزمان في معنى الماضي فأضفها إلى الفعل إن شئت، وإن شئت /١٨/ فإلى الابتداء والخبر، لأنها في معنى إذ، وإذ تضاف إلى

стр. 26

ما ذكرت، وإذا كانت في معنى (إذا) فلا تضفها إلا إلى الفعل، لأن (إذا) لا تضاف إلا إليه. فأما (إذا) التي تكون للمفاجأة فتلك تقع بعدها الأسماء، وهي وهي غير هذه وذلك قولك: خرجت فإذا عبد الله قائم، وإن شئت قلت: فإذا عبد الله، وتسكت ولا تحتاج إلى جواب، لأنها للمفاجأة لا التي وصف، وقد أجاز في غير هذا الباب الرفع في هذا البيت: إذا ابن أبي موسى بلال بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر ولا يجوز الرفع على ما ذكر، لأنه يرفعه بالابتداء، ولكن يجوز على أن تضمر بلغ، وتفسيره بقوله: بلغته، ومثل إجازته الرفع في (إن) قوله: لا تجزعي إن منفسا أهلكته ... فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي والقول فيه متى رفع أن يكون على إضمارك هلك، أي: إن هلك منفس، وتفسيره بقوله: أهلكته، ، وهذا التفسير في البيتين قول أبي عثمان. قال أحمد: قوله: ابتداء الاسم بعد (إذا) محال، لأنك لا تقول: اجلس إذا عبد الله جالس، فهذا لا يجوز بهذا اللفظ، ولا هو الذي أجازه سيبويه، وإنما يجيز مثل قولك: اجلس إذا عبد الله جلس، فتكون الجملة بعد (إذا) مبنية من اسم وفعل، إلا أنه قدم الاسم على الفعل، فقبح من جهة الترتيب، فأما أن يكون محالا فلا، ولكنه عند سيبويه

стр. 27

في قياسه من باب المستقيم القبيح، فاستقامته من جهة معناه ولفظه، وقبحه من جهة ترتيبه، لأنه أولا قدم الاسم وأخر الفعل، وهذا مثل قوله: ................. وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم وحكم (قلما) أن يليها الفعل. فأما قوله: إنه ناقض، لأنه ذكر أن ظروف الزمان إذا كانت في معنى الاستقبال لم تضفها [إلا] إلى الفعل، لأن الفعل لا يضاف إلا إليه، فلم تضف (إذا) إلا إلى الفعل في المسألة التي ردها، وهي قوله: إذا عبد الله تلقاه فأكرمه، لأن الإضافة إلى الفعل إنما هي إضافة إلى الجملة، والمعنى سواء قدمت الاسم على الفعل أو [الفعل] على الاسم، فالمعنى في ذلك واحد غير متغير ولا منتقض، وإنما يقبح تقديم /١٩/ الاسم من جهة الترتيب لا أن المعنى مختلف، فهو إذا قدم الاسم أو أخره، إنما يضيف إلى تلك الجملة بعينها، لأنه لا فرق بين قولنا في المعنى: زيد قام، وقام زيد، وكذلك إذا زيد تلقاه، وإذا تلقى زيدا، هما واحد في المعنى، ولو كانت (إذا) مضافة إلى الفعل دون الفاعل لكنا إذا قدمنا الاسم وأضفنا إليه دون الفعل أيضا خفضنا الاسم، ولما لم يكن ذلك كذلك كانت الإضافة إلى الجملة المبنية من اسم وفعل، وكان المعنى في الوجهين- أعني تقديم الاسم وتقديم الفعل

стр. 28

لأنهما قبل دخولهما (إذا) متساويان في جودة المعنى والترتيب- وبعد دخول (إذا) متساويان في المعنى غير متساويين في جودة الترتيب. فأما ما حكاه عن أبي عثمان في تأويل البيتين على قول من رفعهما: إذا ابن أبي موسى بلال بلغته لا تجزعي إن منفس أهلكته من أنه يضمر إذا بلغ ابن أبي موسى، وإن هلك منفس، فهذا الذي تأوله قبيح، لأنه أضمر ما يرفع وفسره بما ينصب، وإنما يضمر مثل ما يظهر ليكون ما ظهر مفسرا لما أضمر، وهذا قول جميعهم، ولو جاز ما ذكره للزمه أن يضمر فعلا ناصبا ويفسره بفعل رافع، فيقول: أزيدا ضرب أبوه، على معنى أهنت زيدا ضرب أبوه، فإن أجاز ذلك فهو نقض لجميع مذهبهم ولهذه الأبواب التي وافقوه عليها وسلموها إليه وعملوا مسائلهم بها. مسألة [١٢] ومن ذلك قول سيبويه في باب ما جرى من أسماء الفاعلين (في الاستفهام) مجرى الفعل، احتج في تعدي (فعل) بقوله: أو مسحل شنج عضادة سمحج ... بسرائه ندب لها وكلوم وعضادة سمحج إنما هي منتصبة انتصاب هو حسن وجه عبد، وكان أبو عمرو بن العلاء يزعم أن عضادة سمحج ظرف، واحتج بقوله:

стр. 29

حتى شآها كليل موهنا عمل ... باتت طرابا وبات الليل لم ينم وأما موهن فهو ظرف. ومن ذلك قوله في هذا الباب: فعيل يتعدى، مثل رحيم وعليم، فيجيز هذا رحيم زيدا وسميع كلامك، ويذكر أنه إنما وضع للمبالغة /٢٠/، ولم يأت فيه بحجة من شعر ولا غيره، والدليل على أنه غير متعد أن باب فعيل في الأصل إنما هو للفعل غير المتعدي نحو: كرم وملح وظرف، فلما بنوه هذا البناء ضارعوا به مالا يتعدى إذا أرادوا ألا يتعدى. فإن قال قائل: فأنت لا تقول: رحيم، إلا لمن كثر ذلك منه، وكذلك عليم. قيل له: نظيره كريم، لا يقال إلا لمن استقر ذلك فيه، وقد يوجب الاسم تكثير الفعل ولا يجري مجرى الفاعل، لأنه ليس باسمه، ولكنه مشتق، فمن ذلك قولك: رجل صديق وشريب وفسيق، وأنت لا تقول: هو شريب الخمر، ولكنك تقول: للخمر، كما تقول: عليم بالناس، ورحيم بهم، فمن أجاز تعدي (فعيل) فليجز تعدي (فعيل)، وإنما لم يتعد هذا أجمع، لأنه مستقر فيه، فمعناه ما قد مضى من الأفعال وصار اسما لازما كاليد والرجل، وباب (فعيل) أجمع إنما هو للكثرة والمبالغة. وقد ذكر في هذا الباب بعينه، أزيد أنت له عديل، وأزيد أنت له جليس، ويقول: لأن جليسا وعديلا اسمان، ولو أراد اسم الفاعل لقال: جالس، فيقال له: وكذلك اسم الفاعل، إنما هو في باب فعل، إنما هو عالم وراحم، وفعيل في باب فاعل أيضا كثير "نحو": عادلته فأنا عديل، وجالسته فأنا جليس، وعاشرته فأنا عشير، وخالطته فأنا خليط، وشاركته فأنا

стр. 30

شريك، وذا أكر من أن يحصى، وإذا لم نجره "في هذا" مع هذا الاطراد على فعل، فنحو رحم أولى ألا يجوز. قال أحمد: أما قول محمد: إن عضادة سمحج منتصب انتصاب هو حسن وجه عبد فليس مثله، لأن هذا الوصف إنما يعمل فيما كان من سبب الأول، نكرة أو معرفا بالألف واللام كقولك: هو حسن وجها، وحسن الوجه، بعد علم أن الوجه للأول، وكذلك إذا قلت: هو فاره عبدا، علم أن العبد له، فإن قلت: هو حسن وجه عبد، على هذا جاز، ولو قلت: [هو] حسن وجه رجل، أو حسن رجلا، وأنت تريد رجلا من الرجال، لم يجز، وكذلك شنج عضادة سمحج بمنزلة قولك إذا تؤول على ما قال: هو حسن وجه طويله، لأن السمحج الطويل على وجه الأرض، /٢١/ فلو جاز هذا لقلت: هو حسن وجه ظريفه أو طويله، ومع هذا فهو في النعت أقبح. وأما ما قاله في موهن، وأنه بعد ساعة من الليل، فهو ظرف، فإن العرب استعملته استعمال الأسماء، وليس كل ما كان من الأسماء الأوقات فهو مستعمل ظرفا، كما أنه ليس كل ما كان من أسماء الأماكن فهو مستعمل ظرفا، كالجبل لا تقول: زيد الجبل وإن كان مكانا، ولا تقول: زيد مكة وإن كانت مكانا، وكذلك الأوقات، منها ما لم يستعمل ظرفا، ولو لم يأت بشاهد في (فعل) لم يحتج إلى ذلك، لأن فعلا اسم جار على (فعل) نحو: حذر فهو حذر، وهو مع ذلك للمبالغة، فقد اجتمع فيه العلتان اللتان هما أصل الباب في التعدي، ولو انفردت إحداها لعدي بسببها، فكيف إذا اجتمعتا؟ ألا ترى أن مفعالا ليس بجار على فعل، وهو يتعدى لأنه للمبالغة، قالوا: إنه لمنحارٌ بوائكها، فلما وجد سيبويه العرب قد عدت ما هو للمبالغة من أسماء الفاعلين وإن لم يكن جاريا على الفعل، وعدت ما هو جار على

стр. 31

الفعل، حمل الفعل على النحوين اللذين وجدهما في كلام العرب، وإذ كان محمد وغيره قد وافقه على هذا في أصل الباب، نظرنا فيما ذكره من تعدي فعل وفعيل، فوجدنا اللغتين جميعا فيهما. فأما قوله: إن فعيلا أصله لما لا يتعدى نحو: ظرف وكرم، فلو سلم هذا إليه لكان في المبالغة التي عدي من أجلها كفاية، فكيف وقد اجتمع إلى ذلك أنه اسم لفعل جار عليه نحو: رحم وعلم، فهو رحيم وعليم؟ وإذا كان فعيل من فعل (نحو): كرم فهو كريم لم يتعد كما لم يتعد "الفعل"، وإذا كان من فعل متعد تعدى اسم الفاعل كما يتعدى الفعل، ألا ترى أن ضاربا يتعدى لتعدي ضرب، وجالس لا يتعدى كما لا يتعدى جلس، ففاعل يجري مجرى فعله الذي أجري عليه، وكذلك فعيل يجري مجرى فعله الذي أجرى عليه، فتقول: هو رحيم زيدا كما تقول: رحم زيدا، ولا تقول في كريم وظريف (مثل) ذلك، لأن ظرف وكرم لا يتعديان، فلم يتعدى ما جرى عليها مشتقا منهما. /٢٢/ وأما قوله: إن إدخال اللام في قولك: رحيم لزيد، دليل على أنه لا يتعدى، فليس بشيء، لأن اللام قد تدخل مع ضارب فتقول: هو ضارب لزيد، بل قد أدخلت مع الفعل في قوله : ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ فليس دخول اللام ها هنا حجة، لأن فعيلا لا يتعدى.

стр. 32

وأما إلزامه من عدى فعيلا لأجل المبالغة أن يعدي فعيلا نحو: شريب الخمر فهو لازم، وشريب يتعدى، إذا كان للمبالغة وكان اسم الفاعل مشتقا من فعل يتعدى وإن لم يكن جاريا "عليه" كما لم يكن منحار بوائكها (جاريا). وأما احتجاجه "عليه" في قوله: أزيد أنت له عديل، فعديل ليست للمبالغة ولا هو الأصل في فاعل ولا الاسم الجاري عليه، فليست فيه، واحدة من العلتين. وأما قوله: فاعل فهو فعيل، نحو عادل فهو عديل، وجالس فهو جليس، فليس هذا بالاسم الجاري على فاعل، وإنما جاء في حروف محفوظة، وليس ذلك بأعرف من فعل فهو فاعل نحو: فره العبد فهو فاره، ونضر النبت فهو ناضر، فهذه شواذ كلها، وليس يعمل على الشاذ، على أن قد قلنا: إن فعيلا وفعلا لو لم يكونا جاريين على الفعل لكانت المبالغة فيهما موجبة لتعديهما. مسألة [١٣] ومن ذلك قوله في باب ما يستعمل ويلغى من الأفعال قال: تقول في الاستفهام: أتقول زيدا منطلقا؟ ومتى تقول عمرا خارجا؟ ثم قال: (وإن شئت رفعت بما نصبت). قال محمد: وهذا خطأ، من قبل أنه إنما ينصب بتقول، وإذا رفع فإنما يرفع ما بعد تقول بالابتداء، ويحكيه لا أن يقول أحدثت شيئا.

стр. 33

قال أحمد: لعمري إن ما بعدها يرتفع بالابتداء من قول سيبويه، علمنا ذلك وعلمه محمد بن يزيد، وهو مثل قوله في باب "ما" على لغة تميم: إذا رفعت فبالابتداء، وعلى لغة أهل الحجاز إذا نصبت الخبر فبما، وليس هذا مما يذهب على سيبويه، وعنه أخذ البصريون صغيرهم وكبيرهم ممن أتى بعده. فأما معنى قوله: رفعت بما نصبت به، فإنما أراد رفعت مع الكلمة التي نصبت بها، وهذا تسمح يقع في اللفظ مما يجوز للقائل أن يقوله، وليس يعد مثل هذا خطأ مع علمه بمذهب قائلة /٢٣/ إلا متحامل، ألا ترى أن جماعة من أهل النحو- منهم سعيد الأخفش وغيره- يقولون في كتبهم: باب الحروف التي ترفع الأسماء والأخبار نحو قولك: هل زيد منطلق، و (هل) ليست برافعة، ولا أين إذا قلت: أين زيد ذاهب؟ وإنما أراد أن الكلام كذا. مسألة [١٤] ومن ذلك قوله في باب الأفعال التي تستعمل وتلغى، ذكر أنه إذا أخر ظننت وما أشبهها بعد المفعولين أو بعد أحدهما فهو مخير، إن شاء أعمل وإن شاء ألغى، وذلك أنه إن قدرها مؤخرة مثلها مقدمة لم يكن من الإعمال بد، وإن تكلم وهو يريد بالاسم الابتداء فقال: زيد، وهو متيقن ثم أدركه الشك بعد فقال: أظن منطلق، لم يعمل ظننت وقد عمل الابتداء، لأن عاملا لا يدخل على عامل، وهذا قول جميع من يوثق بعلمه، وكذلك إن قال: أين تظن زيدا؟ إذا جعل (أين) مستقرا، وإن شاء نصب، وإن قال: أين تظن زيدا قائما؟ وجعل المفعولين زيدا وقائما، "فلا بد من النصب"، لأنه ابتدأ بالفعل قبل أن يعمل بالابتداء، وأجاز سيبويه متى تظن زيد منطلق، وقال: أجيزه، لأن قبله كلاما، فألغى

стр. 34

بين كلامين، وهذا نقض جميع هذا الباب. قال أحمد: ليس هذا بنقض شيء من الباب، لأن سيبويه إنما يبدأ بجيد الكلام ووجهه، ثم يأتي بما يجوز بعد ذلك، والدليل على جواز إلغاء ظننت وهي متقدمة في الكلام قول العرب: ظننت إنك لقائم- بكسر إن- ودخولها ها هنا على إن المكسورة كدخولها على المبتدأ، فإن قال: مجيئهم باللام معها منعها العمل، قيل: فإذا جاز أن يأتوا باللام "أخيرا" فيمنعوها العمل وقد بنوا صدر الكلام على الشك، جاز أن يبنوا الابتداء والخبر في آخر الكلام وقد مضى صدره على الشك، ومع ذلك إن هذه الأفعال غير مؤثرة، فاستعملوا ذلك "فيها" وألغوها في مواضع كثيرة من الكلام ولم يعملوها، ألا ترى أنها تلغى مع الأسماء المستفهم بها إذا وقعت قبلها في مثل قولهم: قد عملت أين زيد، وقد ظننت ومع اللام إذا قلت: قد علمت لزيد خير منك، والذي ظنه /٢٤/ محمد من تأويل قول سيبويه: إنه لا يجيز إلغاءها إلا أن يمضي صدر الكلام على اليقين ثم يدرك المتكلم الشك غلظ، وليس كما ظن، بل هو يجيز إلغاءها وإن ابتدأ شاكا. والذي رده أحد وجهيها، والدليل على ذلك قول سيبويه في هذا الباب: (وإنما كان التأخير أقوى)، يعني في الإلغاء، (لأنه يجيء بالشك بعدما يمضي كلامه على اليقين، أو بعدما يبتدئ وهو يريد اليقين ثم يدركه الشك) فقول سيبويه: (يجيء بالشك بعدما يمضي كلامه على اليقين)، عند السامعين لا عند المتكلم، ولو أراد عند المتكلم لم يقل: (أو بعدما يبتدئ وهو يريد "اليقين" ثم يدركه الشك) فقوله ها هنا: وهو يريد اليقين، غير قوله في الوجه الأول: بعدما يمضي كلامه على اليقين، فهو ها هنا غير مريد لليقين، وإنما خرج كلامه على اليقين عند السامعين، وقد بناه في نيته على الشك، لأن الشك إرادته.

стр. 35

ولو تأمل محمد هذه المسألة لم ينسبه في المسألة التي أجازها إلى نقض الباب، وقد أجاز النحويون ومحمد معهم- أين تظن زيد؟ لا اختلاف بينهم في يذلك، إذا جاء عن العرب في قول الشاعر: أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور فـ (أين) كلام مضى قبل الظن على اليقين ها هنا، وإن لم يذكر المخبر عنه غلا بعد الظن، وإنما أوقعت حرف الاستفهام على الظن قبل مجيئك بزيد فالكلام مبني على الشك وهو ملغى. وسيبويه يذهب إلى أن إعمالها في التأخير وهي مؤخرة عن المفعولين ضعيف، وكذلك إلغاؤها وهي مقدمة ضعيف، وإلغاؤها في التقديم كإعمالها في التأخير، فأما إجازة سيبويه، متى تظن زيد منطلق؟ على الإلغاء، لأنه قد تقدم بعض الخبر، فجيد بالغ، لأن تقدم بعض الخبر كتقدم الخبر، وذلك أن تقدم الخبر لا يوجب الكلام يقينا، وكذلك تقدم بعضه. مسألة [١٥] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب من الاستفهام يكون الاسم فيه رفعا، ذكر أن قولك: الضارب والشاتم وما أشبه ذلك لا تدخله الألف واللام إلا على معنى الذي

стр. 36

فعل /٢٥/، [ولا اختلاف بين النحويين في أنه تدخله على الوجهين جميعا، على الذي فعل] وعلى الذي يفعل، ألا ترى أنك تقول: الضارب زيدا غدا عبد الله كما تقول: الضارب زيدا أمس عبد الله، قال جرير: فبت والهم تغشاني طوارقه ... من خوف رحلة بين الظاعنين غدا وهذا أفشى وأوكد من أن يحتج له. قال أحمد: الأصل في الضارب ما قاله سيبويه: وإنما يعرض له أن يأتي على معنى (يفعل) على حسب الأفعال التي يقع الكلام فيها، وقد وافقه محمد على أنه إذا قال: زيد ضارب عمرو أمس، فهو معرفة لا يعمل في زيد، وإنما كان معرفة لأنه قد وجب وعرف، وليس المستقبل كذلك، لأنه نكرة إذ لم يقع ويجب فيعرف، فإذا أدخلت الألف واللام على ضارب كان أوكد أن يكون معرفة وأولى، إذ كنا ننوي فيه ذلك وليست فيه ألف ولام، فلما دخلت الألف واللام التي للتعريف صار الحدُّ فيه أن يكون معرفة لدخول علم التعريف، وقبل دخوله [كان محتملا للأمرين جميعا بلفظه، فلما دخل علم التعريف، وقبل دخوله] كان المعرفة أولى به، واحتمل الوجه الآخر على حسب ما يعرض في الكلام من المعاني والمجازات والأحوال التي يتخاطب الناس بها، وليس قول سيبويه هذا بقاطع على أنه لا يمكن دخول هذا المعنى فيه على وجه من الوجوه، ألا ترى إلى قول سيبويه في باب "كان": ولو قلت: ما كان مثلُك أحدا كنت ناقضا، لأنه لا يكون مثله إلا من الناس، فأتى بالكلام على وجهه وحدِّه وأصله، وذكر أن القائل هذا ناقض، ثم أجازه بعد ذلك على التحقير لشأنه والتصغير لأمره. وأما البيت الذي أنشده لجرير بأن ما يجوز وأمثاله على معنى الذي قد رأيتهم يظعنون

стр. 37

غدا والذي ظن أنهم يظعنون غدا، فإنما هو على تقدير فعل محذوف قد وجب، لأن الظن بظعنهم قد سلف قبله لتهيئتهم له وتأهبهم له، فصار مقدرا أو مظنونا، وصار ذلك واقعا، أعني التقدير والظن. ومن الدلالة على أن ما قاله سيبويه في الضارب أنه الأصل- أعني أن يكون الذي فعل- قولك: هذا الذي يزورنا ويكرمنا، فيأتي في صلة الذي بالفعل المستقبل وأنت تريد المضيء، كأنك تريد هذا الذي زارنا /٢٦/ وأكرمنا، ولا يجوز أن تتأول بالماضي المستقبل فنقول: هذا الذي زارنا، على معنى الذي يزورنا، فلما كان المستقبل ها هنا ينوى به الماضي والماضي لا ينوى به المستقبل، وكان أكثر الكلام على ذلك، علم أنه الأصل وأن غيره داخل عليه لما يعرض فيه. ومثل ذلك المجازاة، الأصل فيها أن تكون الأفعال مستقبلة، فإن جئت معها بفعل ماض فقلت: إن فعلت فعلت، كان معناه الاستقبال، فالماضي فيها يرجع معناه إلى الاستقبال، والمستقبل لا يرجع معناه إلى الماضي، لأنه الأصل وقد جاء على لفظه. مسألة [١٦] ومن ذلك قوله في باب الأمر والنهي: زيدا فاضربه، قال: كأنه قال: اضرب زيدا، ثم جعل هذا تفسيره، أو يكون أراد عليك زيدا فاضربه. قال محمد: أما التفسير الآخر فلا يرفع، وأما الأول فلا أرى فيه لإدخال الفاء معنى، لأن المفسر لما حذفت لا يكون معطوفا، ألا ترى أنك لو قلت: أزيدا فضربته لم يجز، وإذا قلت: عليك زيدا فاضربه، فالمعنى لـ (عليك) وليست المضمرة، لأنها ليست مما يضمر، ولكنك

стр. 38

أضمرت (انظر زيدا) وأشباهه في معنى الإغراء، وأبو عثمان والأخفش يزعمان أن الفاء في هذا الموضع تستعمل زائدة. وقال أبو الحسن في الكتاب في هذا الباب: إذا قلت: زيدا فاضرب، فالعامل هذا الفعل الذي أضمرت بعينه، والدليل على ذلك قولك: بزيد فامرر، فالعامل امرر، والفاء معلقة، أي: تعلق الفعل بالاسم الذي قبله. قال محمد: جملة القول في هذا الباب أن الفاء زائدة في الأمر والنهي لمضارعتها الجزاء. قال أحمد: قد رجع محمد في آخر كلامه عما ابتدأ به في أوله، لأنه رأى في أول القول أن إدخالها خطأ، ثم ركن إلى قول الأخفش في أنها زائدة، وكأنه رأى بذلك أنه قد رجع إلى مذهب سيبويه وليس برجوع إليه، والذي رآه من أنها زائدة غلط، وذلك أنها لو كانت زائدة، والفعل فهو لا محالة عامل في الاسم الذي قبله على ما قاله الأخفش، /٢٧/ لجاز أن تقول: فاضرب زيدا في الابتداء، لأن (فاضرب) هي العاملة في زيد كما كنا نقول: زيدا اضرب واضرب زيدا، وبزيد امرر، وامرر بزيد، فلو كانت الفاء زائدة كان دخولها كخروجها، وابتدئ بالفعل معها قبل الاسم. والقول في ذلك عندي -وهو مذهب سيبويه- أن الفاء معلقة بكلام تقدم أو بحال أُبصِرت، كرجل رئي متهيئا للمرور فقيل له: بزيد فامرر، ولو ابتدئ بالفاء على هذا لكان جائزا، لأن معنى الكلام إن كنت لا بد مارا فامرر بزيد، وكذلك إن سمع قائلا يذكر المرور أو الضرب قال له فاضرب زيدا، أي: إن كنت لا بد ضاربا فاضرب زيدا. وأما قول الأخفش: إن الفاء معلقة في قولك: بزيد فامرر بهذا الفعل فصحيح، وإنما أنكرنا قوله: إن الفاء زائدة.

стр. 39

وأما قول محمد: إن المفسر لا يكون معطوفا في قولك: زيدا فاضربه، فالمفسر إنما يكون تفسير ما هو مثله، وإذا كنا نقدر أن الفاء جائزة في الابتداء على التأويل الذي ذكرناه والمعني الذي قدمنا أن نجعلها معلقة بحال نشاهدها أو كلمة نسمعها، فهي مقدرة في الفعل المضمر كما كانت في الفعل المظهر، وقد ذكر سيبويه أمثال هذه [المسألة] على النحو الذي تأولناه فيما يضمر. مسألة [١٧] ومن ذلك قوله في باب البدل: رأيت قومك أكثرهم، وضربت وجوهها أولها، ومثل ذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ وأنشد: وذكرت تقتد برد مائها قال محمد: وليس هذا نظير ضربت قومك أكثرهم، لأن أكثرهم بعضهم، وليس القتال بعض الشهر، ولا برد مائها منها، ولكن القول في ذلك أنه لما قال: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾ اشتمل المعنى على ما في الشهر، فالمسألة في المعنى عن القتال، والذكر لبرد ماء هذا البلد، ونظيره سلب زيد ثوبه، لأن السلب في المعنى للثوب، ولا يجوز على هذا، ضرب زيد أبوه قائم، لأنه إذا قال: ضرب زيد، لم يشتمل المعنى على أن أباه ناله من ذلك

стр. 40

شيء، ونظير ما ذكرت [لك] /٢٨/ قول الأعشى: لقد كان في حول ثواء ثويته لأن المعنى مشتمل على الثواء فلذلك أبدله. قال أحمد: ليس هذا الذي ذكره محمد غلطا ولا موضع ردن لأنه يزعم أن المسألة جائزة على البدل كما قال سيبويه، وإنما قال: ليس هذا نظير قومك أكثرهم، فإن كان أراد أنه ليس نظيره في البدل في البدل كذلك، وقد فسرها على أنها بدل مع أي باب كان سيبويه يجعلها، وقد اتفقا جميعا "على" أنها من باب البدل وإن وقع في اللفظ خلاف، وإنما بنى هذا الباب سيبويه على أن يبدل الشيء من الشيء وهو هو أو منه، ولا يكون البدل على غير ذلك إلا أن يكون على الغلط، فهل لهذه المسألة باب أو وجه غير ما ذكره سيبويه؟ ولا يخالفه محمد ولا غيره في أن هذا بابها وان تأويلها هو تأويل إعرابها، وإن اختلفت المسائل بمعان أخر فيها فإنه لا يخرج من الوجهين اللذين ذكر سيبويه، وهو أن يكون البدل هو الأول أو منه، والاشتمال الذي فسره محمد تفسير لقول سيبويه من حيث ظن أنه أوهنه به، لأنه إذا قال: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾، فالشهر قد اشتمل على جميع ما فيه، ودل عليه كما دل قولك: ضربت قومك على القليل والكثير منهم، فهو يوافقه في هذا المعنى، وبهذه الموافقة جاز إبدال القتال من الشهر، لأن الشهر قد تضمن معنى ما فيه كما تضمن الكل معنى البعض. وأما قوله: فليس برد مائها منها، فهذا نقض لقوله: إن المعنى مشتمل على الماء إذا ذكر البلد والشهر إذا ذكر القتال، ولو لم يكن منه لما جاز البدل، ولسنا نقول: إن القتال من الشهر، على أنه يوم من أيامه، ولا هذا مما يظنه أحد، ولكنه من الأشياء الكائنة فيه، التي قد صارت كحال من أحواله، وكذلك ماء البلد من البلد، وبرد مائه منه، وقد يبدل الشيء من
следующие страницы →