Полный текст (231 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فعل /٢٥/، [ولا اختلاف بين النحويين في أنه تدخله على الوجهين جميعا، على الذي فعل] وعلى الذي يفعل، ألا ترى أنك تقول: الضارب زيدا غدا عبد الله كما تقول: الضارب زيدا أمس عبد الله، قال جرير:
فبت والهم تغشاني طوارقه ... من خوف رحلة بين الظاعنين غدا
وهذا أفشى وأوكد من أن يحتج له.
قال أحمد: الأصل في الضارب ما قاله سيبويه: وإنما يعرض له أن يأتي على معنى (يفعل) على حسب الأفعال التي يقع الكلام فيها، وقد وافقه محمد على أنه إذا قال: زيد ضارب عمرو أمس، فهو معرفة لا يعمل في زيد، وإنما كان معرفة لأنه قد وجب وعرف، وليس المستقبل كذلك، لأنه نكرة إذ لم يقع ويجب فيعرف، فإذا أدخلت الألف واللام على ضارب كان أوكد أن يكون معرفة وأولى، إذ كنا ننوي فيه ذلك وليست فيه ألف ولام، فلما دخلت الألف واللام التي للتعريف صار الحدُّ فيه أن يكون معرفة لدخول علم التعريف، وقبل دخوله [كان محتملا للأمرين جميعا بلفظه، فلما دخل علم التعريف، وقبل دخوله] كان المعرفة أولى به، واحتمل الوجه الآخر على حسب ما يعرض في الكلام من المعاني والمجازات والأحوال التي يتخاطب الناس بها، وليس قول سيبويه هذا بقاطع على أنه لا يمكن دخول هذا المعنى فيه على وجه من الوجوه، ألا ترى إلى قول سيبويه في باب "كان": ولو قلت: ما كان مثلُك أحدا كنت ناقضا، لأنه لا يكون مثله إلا من الناس، فأتى بالكلام على وجهه وحدِّه وأصله، وذكر أن القائل هذا ناقض، ثم أجازه بعد ذلك على التحقير لشأنه والتصغير لأمره.
وأما البيت الذي أنشده لجرير بأن ما يجوز وأمثاله على معنى الذي قد رأيتهم يظعنون
стр. 37
غدا والذي ظن أنهم يظعنون غدا، فإنما هو على تقدير فعل محذوف قد وجب، لأن الظن بظعنهم قد سلف قبله لتهيئتهم له وتأهبهم له، فصار مقدرا أو مظنونا، وصار ذلك واقعا، أعني التقدير والظن.
ومن الدلالة على أن ما قاله سيبويه في الضارب أنه الأصل- أعني أن يكون الذي فعل- قولك: هذا الذي يزورنا ويكرمنا، فيأتي في صلة الذي بالفعل المستقبل وأنت تريد المضيء، كأنك تريد هذا الذي زارنا /٢٦/ وأكرمنا، ولا يجوز أن تتأول بالماضي المستقبل فنقول: هذا الذي زارنا، على معنى الذي يزورنا، فلما كان المستقبل ها هنا ينوى به الماضي والماضي لا ينوى به المستقبل، وكان أكثر الكلام على ذلك، علم أنه الأصل وأن غيره داخل عليه لما يعرض فيه.
ومثل ذلك المجازاة، الأصل فيها أن تكون الأفعال مستقبلة، فإن جئت معها بفعل ماض فقلت: إن فعلت فعلت، كان معناه الاستقبال، فالماضي فيها يرجع معناه إلى الاستقبال، والمستقبل لا يرجع معناه إلى الماضي، لأنه الأصل وقد جاء على لفظه.
مسألة [١٦]
ومن ذلك قوله في باب الأمر والنهي: زيدا فاضربه، قال: كأنه قال: اضرب زيدا، ثم جعل هذا تفسيره، أو يكون أراد عليك زيدا فاضربه.
قال محمد: أما التفسير الآخر فلا يرفع، وأما الأول فلا أرى فيه لإدخال الفاء معنى، لأن المفسر لما حذفت لا يكون معطوفا، ألا ترى أنك لو قلت: أزيدا فضربته لم يجز، وإذا قلت: عليك زيدا فاضربه، فالمعنى لـ (عليك) وليست المضمرة، لأنها ليست مما يضمر، ولكنك
стр. 38
أضمرت (انظر زيدا) وأشباهه في معنى الإغراء، وأبو عثمان والأخفش يزعمان أن الفاء في هذا الموضع تستعمل زائدة.
وقال أبو الحسن في الكتاب في هذا الباب: إذا قلت: زيدا فاضرب، فالعامل هذا الفعل الذي أضمرت بعينه، والدليل على ذلك قولك: بزيد فامرر، فالعامل امرر، والفاء معلقة، أي: تعلق الفعل بالاسم الذي قبله.
قال محمد: جملة القول في هذا الباب أن الفاء زائدة في الأمر والنهي لمضارعتها الجزاء.
قال أحمد: قد رجع محمد في آخر كلامه عما ابتدأ به في أوله، لأنه رأى في أول القول أن إدخالها خطأ، ثم ركن إلى قول الأخفش في أنها زائدة، وكأنه رأى بذلك أنه قد رجع إلى مذهب سيبويه وليس برجوع إليه، والذي رآه من أنها زائدة غلط، وذلك أنها لو كانت زائدة، والفعل فهو لا محالة عامل في الاسم الذي قبله على ما قاله الأخفش، /٢٧/ لجاز أن تقول: فاضرب زيدا في الابتداء، لأن (فاضرب) هي العاملة في زيد كما كنا نقول: زيدا اضرب واضرب زيدا، وبزيد امرر، وامرر بزيد، فلو كانت الفاء زائدة كان دخولها كخروجها، وابتدئ بالفعل معها قبل الاسم.
والقول في ذلك عندي -وهو مذهب سيبويه- أن الفاء معلقة بكلام تقدم أو بحال أُبصِرت، كرجل رئي متهيئا للمرور فقيل له: بزيد فامرر، ولو ابتدئ بالفاء على هذا لكان جائزا، لأن معنى الكلام إن كنت لا بد مارا فامرر بزيد، وكذلك إن سمع قائلا يذكر المرور أو الضرب قال له فاضرب زيدا، أي: إن كنت لا بد ضاربا فاضرب زيدا.
وأما قول الأخفش: إن الفاء معلقة في قولك: بزيد فامرر بهذا الفعل فصحيح، وإنما أنكرنا قوله: إن الفاء زائدة.
стр. 39
وأما قول محمد: إن المفسر لا يكون معطوفا في قولك: زيدا فاضربه، فالمفسر إنما يكون تفسير ما هو مثله، وإذا كنا نقدر أن الفاء جائزة في الابتداء على التأويل الذي ذكرناه والمعني الذي قدمنا أن نجعلها معلقة بحال نشاهدها أو كلمة نسمعها، فهي مقدرة في الفعل المضمر كما كانت في الفعل المظهر، وقد ذكر سيبويه أمثال هذه [المسألة] على النحو الذي تأولناه فيما يضمر.
مسألة [١٧]
ومن ذلك قوله في باب البدل: رأيت قومك أكثرهم، وضربت وجوهها أولها، ومثل ذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ وأنشد:
وذكرت تقتد برد مائها
قال محمد: وليس هذا نظير ضربت قومك أكثرهم، لأن أكثرهم بعضهم، وليس القتال بعض الشهر، ولا برد مائها منها، ولكن القول في ذلك أنه لما قال: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾ اشتمل المعنى على ما في الشهر، فالمسألة في المعنى عن القتال، والذكر لبرد ماء هذا البلد، ونظيره سلب زيد ثوبه، لأن السلب في المعنى للثوب، ولا يجوز على هذا، ضرب زيد أبوه قائم، لأنه إذا قال: ضرب زيد، لم يشتمل المعنى على أن أباه ناله من ذلك
стр. 40
شيء، ونظير ما ذكرت [لك] /٢٨/ قول الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويته
لأن المعنى مشتمل على الثواء فلذلك أبدله.
قال أحمد: ليس هذا الذي ذكره محمد غلطا ولا موضع ردن لأنه يزعم أن المسألة جائزة على البدل كما قال سيبويه، وإنما قال: ليس هذا نظير قومك أكثرهم، فإن كان أراد أنه ليس نظيره في البدل في البدل كذلك، وقد فسرها على أنها بدل مع أي باب كان سيبويه يجعلها، وقد اتفقا جميعا "على" أنها من باب البدل وإن وقع في اللفظ خلاف، وإنما بنى هذا الباب سيبويه على أن يبدل الشيء من الشيء وهو هو أو منه، ولا يكون البدل على غير ذلك إلا أن يكون على الغلط، فهل لهذه المسألة باب أو وجه غير ما ذكره سيبويه؟ ولا يخالفه محمد ولا غيره في أن هذا بابها وان تأويلها هو تأويل إعرابها، وإن اختلفت المسائل بمعان أخر فيها فإنه لا يخرج من الوجهين اللذين ذكر سيبويه، وهو أن يكون البدل هو الأول أو منه، والاشتمال الذي فسره محمد تفسير لقول سيبويه من حيث ظن أنه أوهنه به، لأنه إذا قال: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾، فالشهر قد اشتمل على جميع ما فيه، ودل عليه كما دل قولك: ضربت قومك على القليل والكثير منهم، فهو يوافقه في هذا المعنى، وبهذه الموافقة جاز إبدال القتال من الشهر، لأن الشهر قد تضمن معنى ما فيه كما تضمن الكل معنى البعض.
وأما قوله: فليس برد مائها منها، فهذا نقض لقوله: إن المعنى مشتمل على الماء إذا ذكر البلد والشهر إذا ذكر القتال، ولو لم يكن منه لما جاز البدل، ولسنا نقول: إن القتال من الشهر، على أنه يوم من أيامه، ولا هذا مما يظنه أحد، ولكنه من الأشياء الكائنة فيه، التي قد صارت كحال من أحواله، وكذلك ماء البلد من البلد، وبرد مائه منه، وقد يبدل الشيء من
стр. 41
الشيء "لا" على المعنى الذي ذهب إليه محمد، ولكن أنحاءه تختلف، ولو وجب أن يكون على هذا القول بالسبب الذي ذكره لكان بالظن /٢٩/ على البيت الذي أتى به سيبويه أولى، وهو قول الشاعر:
إن علي الله أن تبايعها
تؤخذ كرها أو تجيء طائعا
لأن هذا إبدال فعل من فعل، وأولى بأن يقول: ليس نظير الأول، وإنما كان يكون طاعنا لو قال: إن هذا ليس بنظير للأول، وهو من غير باب البدل، فأما وباب البدل جامع له فكل مسألة تخالف الأخرى بلفظ أو معنى، والبدل يجمعها كلها، فليس هذا بخلاف في الباب، وكذلك جميع أبواب النحو.
مسألة [١٨]
ومن ذلك قوله في دخلت البيت: إنه حذف منه حرف الجر، وإنما البيت ها هنا مفعول صحيح كما قال الله جل ثناؤه: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ وقد مضى تفسير هذا فيما مضى من قبل، فلذلك أمسكنا عنه ها هنا.
قال أحمد: قد ذكرنا في هذه المسألة ما فيه كفاية فيما تقدم، ولم يأت بزيادة فيها غير ما ذكره متقدما فترد أو تقبل إن كانت حقا.
مسألة [١٩]
ومن ذلك قوله في آخر هذا الباب في مسألة يقول فيها: جعلت متاعك بعضه أحسن
стр. 42
من بعض في معنى ظننت، وذلك غير معروف في شيء من الكلام.
قال أحمد: إن كان محمد أراد بقوله: وذلك غير معروف، في أن (جعلت) تجري مجرى ظننت في الشك، فلعمري إن هذا غير معروف، وإن كان أراد أنها لا تتعدى إلى مفعولين كما تتعدى ظننت، فهذا غلط منه.
وجعلت على ضربين في الكلام، تكون على معنى صيرت، وتكون بمعنى الاختراع، وذلك قولك: جعلت زيدا عالما وجعلته أميرا، فلم ترد أنك عملت زيدا في نفسه، ولا اخترعته، ذلك لله وحده، وإنما أردت أنك صيرته إلى هذه الحال فلا بد من مفعولين معها كما أنه لا بد من مفعولين مع ظننت، وهذا سبيل علمت في بعض الكلام، تتعدى إلى مفعولين فتكون كظننت في تعديها لا في معناها، لأن ظننت شك وعلمت يقين، فليس معناها كمعناها وإنما أشبهتها في التعدي، وكذلك جعلت، تقول: جعل الله /٣٠/ الخلق، أي: خلقهم فلا تجاوز مفعولا واحدا، وإن أردت الوجه الآخر تعدت إلى مفعولين كظننت، وهذا [مما] لا يخالف فيه أحد من النحويين.
مسألة [٢٠]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما جرى مجرى الفاعل الذي يتعدى فعله إلى مفعولين، في اللفظ لا في المعنى، وضع فيما فصل فيه بين الجار والمجرور بالظرف في الشعر نحو قوله:
كما خُطّ الكتابُ بكفّ يوما ... يهوديٍّ يقاربُ أو يُزيلُ
ونحو:
стр. 43
.......... ... لله درُّ اليومَ مَن لامها
وقول الأعشى:
إلا عُلالةَ أو بُدا ... هةَ قارحٍ نَهْدِ الجُزارهْ
وقول الفرزدق:
يا من رأى عارضًا أُسَرُّ به ... بين ذراعَيْ وجبهةِ الأسدِ
أي: بين ذراعي الأسد وجبهته، وكذلك بيت الأعشى، وكذلك ما ذكر أنه يجوز في الشعر، وهو مررت بخيرِ وأفضلِ مَن ثَمَّ، ولم يقل: بخير وأفضلهم من ثم وهذا معطوف والأول ظرف، ولكنه مر في القياس من باب العطف، بمنزلة:
يا تيمَ تيمَ عدي
أضاف الثاني وحذف المضاف إليه الأول، وكذلك:
يا بؤسَ للحربِ
وما أشبهه.
قال أحمد: أما قوله: إن المعطوف الذي فصل [به] بين الجار والمجرور مثل:
يا تيم تيم عدي ....... .... .............................
стр. 44
و:
....................... ... يا بؤس للحرب ..............
فـ (يا تيم عدي) جائز في الكلام، وليست التفرقة بالمعطوف جائزة إلا في الشعر، لأن الاسم الثاني في (يا تيم تيم عدي) هو الأول بعينه، وكأنه قال: (يا تيم تيم عدي)، ولم يزد بذكر الثاني معنى في الكلام، فكأنه لم يذكره، وصار هذا مُشبِها لـ (ما) إذا دخلت زائدة ولم توجب في الكلام معنى، فهو في (ما) أحسن، لأنه حرف، ويتلوه (يا تيم تيم عدي)، وكذلك لا أبالك إذا جئت باللام، فهو كمعنى قولك: لا أباك <لو قيل>.
فأما المعطوف في نحو قول الشاعر:
..................... .... بين ذراعي وجبهة الأسد
فقد أوجب في الكلام "معنى" وزيادة لم تكن فيه قبل دخولها، فصار أقبح من (يا تيم تيم عدي) ولم يجز إلا في الشعر، لأنها فصل في اللفظ والمعنى، وذلك فصل في اللفظ دون المعنى، وكان حق الكلام، بين ذراعي /٣١/ الأسد وجبهته، فيكون الأول مضافا إلى الاسم الظاهر، والثاني إلى مضمره، ويكون مع كل واحد منهما اسم مضاف إليه في اللفظ، فلما كانا في المعنى مضافين إلى شيء واحد، ولم تكن إضافتهما جميعا إليه في اللفظ بمحيل للمعنى، أجازوه في الشعر، وإنما قبح من جهة لفظه لا من استحالة معناه، ولو كانا مضافين إلى شيئين في المعنى لم يجز الحذف للالتباس.
وأما قوله: ولو أراد التفرقة لقال: بين ذراعي وجبهته الأسد، فهو مفرِّق قال ذلك أو لم يقله، لأن المعنى قد علم أنه يريد إضافتهما إلى الأسد، والأول هو أولى بالإضافة إلى الاسم الظاهر من الآخر، ألا ترى أنه إذا قدر قيل: ذراعي الأسد وجبهته، فإن قال: إنه حذف الأسد من الاسم الأول، وكان التقدير بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد، قيل له:
стр. 45
إنما يتأول للوجه حتى يخرج من القبح إلى الحسن، فإذا كان التأويل يخرجه إلى الأقبح سقط ولم يكن له وجه، ولو جاز ما قلت لجاز أن تأتي بمضاف وتسقط المضاف إليه فتقول: عجبت من يَدَيْ، تريد زيد: إذا علم ذلك بضرب من الاستدلال على زيد، وهذا أقبح من التفرقة بين المضاف والمضاف إليه، لأن ذلك كثير في أشعار العرب، وهذا لا يكاد يُعرف، أعني عجبت مِن يَدَيْ، ورأيت غلامَيْ.
مسألة [٢١]
ومن ذلك قول الأخفش في باب ترجمته: هذا باب صار فيه الفاعل بمنزلة الذي فعل في المعنى، زعم أن الكاف في الضارباك لا يكون إلا في موضع نصب، لأن المضمر لا يجوز أن تدخل النون بينه وبين ما قبله لأنه لا ينفصل، وهذا غلط، لأن المضر إنما يعتبر بالظاهر، وأنت متى كففت النون والتنوين في الظاهر لم يكن إلا جرا، ولكن القول كما قال سيبويه في أن الوجه فيه أن يكون جرا، ويجوز أن يكون نصبا في قول من قال:
الحافظو عورة العشيرة ... .................................
والقول ما قال محمد بن يزيد، وهو مذهب سيبويه
مسألة [٢٢]
ومن ذلك قول سيبويه في باب /٣٢/ ترجمته: [هذا] باب الصفة المشبهة "بالفاعل"
стр. 46
زعم أنه لا يقول هنا: شحما تفقأت، ولا عرقا تصببت على حد قوله: تصببت عرقا، وتفقأت شحما، وأنه لا يجيز التقديم في شيء من التمييز البتة، وقد أجاز في الحال التقديم إذا كان العامل فعلا، وإنما الحال عنده وعند غيره بمنزلة التمييز، فيلزمه على هذا أن يجيز تقديم التمييز إذا كان العامل فعلا، وإلا ترك قوله في الحال، وأبو عثمان يجيز التقديم إذا كان العامل فعلا، وجاء في الشعر تصديق هذا القياس، وهو قوله:
أتهجر ليلى للفراق حبيبها ... وما كان نفسا بالفراق تطيب
قال أحمد: وإنما منع سيبويه تقديم التمييز في هذه المسألة وأشباهها، لأن لفظها جاء على غير معناها، وذلك أن اللفظ لفظ المفعول، وهو في المعنى فاعل، لأنك إذا قلت: زيد حسن وجها، فالحسن في المعنى للوجه، وكذلك تصببت عرقا، إنما التصبب في المعنى للعرق، فلما كان معناه على غير لفظه لم يجز تصرفه وكان أصعب مما لفظه على معناه، ولم يمنع سيبويه من إجازة ذلك في الشعر فيكون هذا البيت حجة عليه، بل ليس يوجد كثيرا في الشعر.
وأما قوله "إنه" ترك قياسه في الحال، لأنه شبه الحال بالتمييز، فليست الحال مشبهة للتمييز في كل حال، وإنما شبهها به في أن الحال لا تكون إلا نكرة كما أن التمييز لا يكون إلا نكرة، وإلا فالحال مخالف للتمييز في معان كثيرة: أحدها ما ذكرناه من أن معناها على الفظها، والفعل العامل فيها لفاعله لا لها، وليس هو في التمييز كذلك، فعمل الفعل فيها أقوى
стр. 47
من ذلك، فجاز تقدمها، ولو كان الفعل المتعدي إلى التمييز يجري مجرى الأفعال التي تعمل في الحال والمفعولين في القوى والتصرف لجاز أن تقدمه مع أسماء الفاعلين منها وهي الصفات كما قدمنا المفعول مع أسماء الفاعلين في الباب الآخر، فنقول: هو وجها حسن، وهو عرقا تصبب، إذ كنا نقول: هو زيدا ضارب، وهو مسرعا راكب.
مسألة [٢٣]
ومن ذلك /٣٣ قوله في باب ترجمته: هذا باب وقوع الأسماء ظروفا وتصحيح اللفظ بها على المعنى، قال: إذا قلت: سير عليه شهر كذا وكذا نصب أو رفع، قال: يكون على متى وعلى كم، وزعم أن جميع ما يكون جوابا فقد يكون جوابا لـ (كم)، وقد يكون في كم ما لا يكون في متى، لأن كم هو الأول.
قال محمد: أما إصابة اللفظ فكما قال في المسألة، ولكن العلة ليست من ها هنا، إنما دخلت كم على الظروف من الزمان التي يستفهم عنها بـ (متى) من قبل أن الظروف إنما هي أسماء أيام وليال، و (كم) إنما هي للعدد، فدخلت على عدة الأيام والليالي كما تدخل على غير ذلك مما يُعد، تقول: كم يوما سير عليه، كما تقول: كم فرسخا سير عليه؟ وكم مكانا قمت فيه؟ فهذه ظروف من المكان، وهي لـ (أين) كظروف الزمان لـ (متى)، وكم درهما لك وكم غلاما لك في التمييز بهذه المنزلة، إنما هو أجمع من طريق العدد.
قال أحمد: يقال له: ذكرت أن كم تدخل على الأيام والليالي كلها لأنها عدد، وهذا ما لا يجهل، فهلا ذكرت لم امتنعت متى من الدخول على جميعها، لأن جميعها أوقات ومتى للوقت كما كان جميعها عددا وكم للعدد.
فإن قال <لأن> متى إنما هي للوقت الخاص، يستفهم بها على المعرفة أو ما قارب المعرفة، وكم يستفهم بها عن المعرفة والنكرة، قيل له: فقد صارت كم بذلك أعم من متى،
стр. 48
والعام قبل الخاص، هذا كقول سيبويه في موضع آخر: إن المعرفة بعد النكرة، وهو معنى قوله في كم.
فلو فسرنا لنا محمد معنى قول سيبويه: إن كم هو الأول لاستغنى عن ذكر العلة التي أتى بها، وكم إنما هي للعدد والمقادير، والعدد معنى في نفس الشيء المعدود، وزمانه غيره، فهي في الرتبة الأولى.
وأما قوله: إن الأزمنة أسماء أيام وليال فلذلك دخلت عليها كم، فنحن نوجده من الأزمنة ما لا ينقسم في تسمية العرب إلى أوقات وكم داخلة عليه، وذلك قولك: كم سرت؟ فتقول: الساعة، والساعة عند العرب /٣٤ أقل الأوقات في التسمية، وليست تجزئها إلى أقل منها بأسماء كما تجزئ اليوم بالساعات والشهر وبالأيام والسنة بالشهور، ولذلك لا يجوز أن يقول القائل: لقيته من الساعة كما يقول: لقيته من اليوم، لأنه إذا قال: لقيته من اليوم، فإنما يريد من أول ساعة في اليوم إلى الوقت الذي فيه هذا القول، لأن اليوم يجزأ إلى الساعات، ولما لم تكن الساعة تجري عندهم هذا المجرى لم يجيزوا فيها هذا القول، فأما ما يذهب إليه أهل التنجيم من تقسيم الساعة إلى دقائق معلومة فإن العرب لا تذهب فيها إلى ذلك المذهب، وإنما تضعها على أقل الأوقات منها، ولو ذهبت في الساعة إلى مذهبهم لجعلت للجزء منها اسما كما جعلت للجزء من اليوم اسما.
مسألة [٢٤]
ومن ذلك: زعم سيبويه في هذا الباب أنه يقال: مما سمع من العرب الفصحاء متى سير عليه؟ فيقال: الصيف، كما قال:
стр. 49
فقصرن الشتاء بعد عليه ... وهو للذود أن يقسمن جار
قال: أجروه على جواب متى، لأنه لم يرد العدد وجواب كم، ولو أراد جواب كم لم يكن "له" مانع من أن يقال: كم سرت؟ فتقول: الصيف، إذ كان ذلك يجمع أياما كما كان الشهر، وقد أجازه سيبويه في البيت الذي ذكرناه، قال:
فقصرن الشتاء بعد عليه ... .............................
يجوز أن يكون جوابا لمتى ولكم.
قال أبو العباس أحمد: هذا الفصل الذي حكاه محمد عن سيبويه قد غير منه شيئين: اللفظ والترتيب، ولفظ سيبويه على غير ما قال: وذلك أنه قال في هذه المسألة: (وسمعنا العرب الفصحاء يقولون: انطلقت الصيف، أجروه على جواب متى، لأنه أراد أن يقول: في ذلك الوقت، ولم يرد العدد وجواب كم) وأنشد:
فقصرن الشتاء بعد عليه ... ..................
بعد هذا، وذكر أنه يجوز على كم وعلى متى ظرفين، فذكر المسألة الأولى بلفظ انطلقت وغيرها محمد إلى سير، وبين اللفظين فرق في المعنى، ومع ذلك فلم يمنع سيبويه من إجازتها على كم، وإنما ذكر أن المتكلم من العرب أراد جواب متى، وهو بمعنى الكلمة أشبه، /٣٥/ لأن كم جوابها يستوعب الوقت كله بالانطلاق، ولذلك عدل محمد عنها إلى سير، لأن السير يحسن معه استيعاب هذا الزمان ولا يحسن مع الانطلاق إلا على استكراه وخروج عن العرب في القول. ألا ترى أنك لو قلت: سقط زيد عن دابته الصيف، لم يكن إلا على جواب متى، هذا المتعارف فيه، فإن استكرهت الكلام وأردت أنه لم يزل يسقط في جميع أوقات الصيف كلها كان على هذا.
وأما البيت فهو على كم وعلى متى منساغ حسن، لأنك لو قلت: أقمت الصيف كقولك: قصرن الصيف، لحسن أن يكون أقمت الصيف كله فيكون ذلك على جواب
стр. 50
كم، ويصلح أن يكون أقمت بعضه فيكون على جواب متى.
مسألة [٢٥]
قال: ومما أصبناه في الجزء الرابع في باب ترجمته: هذا باب [من] الفعل سمي الفعل فيه بأسماء مضافة ليست من أمثلة الفعل الحادث، قال: أما ما تعدى المأمور إلى مأمور به فقولك: عليك زيدا ودونك زيدا، وأما ما تعدى المنهي إلى منهي عنه فقولك: حذرك زيدا، وحذارك زيدا.
قال محمد: فقد ترك في هذا القياس من وجهين: أما أحدهما فإن قوله: حذرك إنما معناه احذر، وهذا أمر، فإن قال قائل: معنى احذر لا تدن منه، فكذلك عليه معناه لا يفوتنك، وكل أمر أمرت به فأنت في المعنى ناه عن خلافه، لأن قول: اضرب زيدا، نهي عن ترك ضربه، فإذا نهيت عن الشيء فقد أمرت بخلافه، وذلك أن قولك: لا تشتم زيدا، إنما أمرته بترك شتمه، فالمعنى ما رصفت لك، وبينهما في اللفظ ما تفهمه، فإن حمله على المعنى فهو والأول والباب كله سواء.
والوجه الآخر، أنه إنما وضع في هذا الباب ما لم يؤخذ من أمثلة الفعل، وحذرك من أمثلة الفعل، وحذرك مأخوذ من احذر، فهو خارج عن هذا الباب، لأن هذا باب عليك ودونك وإليك وأمامك وصه ومه وما أشبه ذلك.
قال أحمد: الذي يبين فساد ما أتى به محمد أن نبين أولا ما معنى الأمر؟ وما معنى النهي؟ محاولتك أن يترك فعلا، والدليل على ذلك انك إذا قلت آمرا: اضرب أو قم، كان
стр. 51
الجواب من المأمور إذا انطاع لأمرك أن يقول: أنا أفعل، وإذا نهيت عن شيء كقولك: لا تفعل، فالجواب عن ذلك، أن يقول: لست أفعل، فجواب الأمر بالإيجاب، وجواب النهي بالنفي.
وإذا كان الأمر على ذلك نظرنا فيما أتى به سيبويه مما أنكره محمد، فقلنا: لا يخلو قوله: حذرك من أن يكون حمله على أمر يفعله أو على نهي يتركه، فإن كان حمله على الترك فهو نهي لا محالة، وهذا معنى التحذير فأما ما تأتي به العرب على لفظ الأمر وهو في معنى النهي، وعلى لفظ النهي وهو في معنى الأمر فكثير، وإنما قرب الشيء إلى حقيقة معناه، وذلك نحو قولهم: انته عن كذا، قال الله : ﴿انتهوا خيرا لكم﴾، فهذا على الحقيقة نهي وإن كان على بناء الأمر، فلا وجه لقولك: إن حذرك في معنى احذر، فهو لو قال: احذر، لكان ناهيا في المعنى.
فأما قوله: وكل أمر أمرت به فأنت في المعنى ناه عن خلافه، فليس كما قال، قد يخرج الأمر مخرج التخيير كقوله جل وعز: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ ولم ينهوا عن ترك الصيد إذا أمروا بالصيد، وليس الأمر نهيا من حيث كان أمرا، ولا النهي أمرا من حيث كان نهيا، وإذا أمرنا بالشيء فإنما نعلم أنا نهينا عن خلافه باستدلال لا بنفس لفظ الأمر، ولو جاز أن يكون الأمر نهيا والنهي أمرا لكان المأمور به هو المنهي عنه والمأمور هو المنهي، هذا خطأ.
وأما قوله: والوجه الآخر، أن هذا الباب إنما وضع لما لم يؤخذ من أمثلة الفعل، وحذرك مأخوذ من احذرن فهو خارج عن أمثلة الفعل، فلس كما ظن، لأن سيبويه قال في ترجمة هذا الباب: هذا باب سمي الفعل فيه بأسماء مضافة ليست من أمثلة الفعل، وحذرك ليست من أمثلة الفعل، لأن أمثلة الفعل في الأمر والنهي افعل ولا تفعل وما كان في معناها من سائر أبنية الفعل، والباب الذي قبله ترجمته كما ذكر محمد، وليس من هذا الذي /٣٧/ رده، لأنه قال في الباب الأول: هذا باب من الفعل سمي الفعل فيه بأسماء لم تؤخذ من
стр. 52
أمثلة الفعل، يعني هلم وحيهل وما أشبه ذلك، فجعل محمد ترجمة هذا الباب للباب الذي بعده، وجازف في اللفظ نفسه، لأن الباب الأول لم يؤخذ من أمثلة الفعل، والثاني ليس من أمثلة الفعل، وبينهما فرق.
مسألة [٢٦]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما جرى من الأمر والنهي على إضمار الفعل المستعمل إظهاره، قال: (واعلم أنه لا يجوز أن تقول: زيد، وأنت تريد ليضرب زيد، أو ليضرب زيد إذا كان فاعلا، ولا يجوز زيد عمرا، إذا كانت لا تخاطب زيدا، إذا أردت ليضرب زيد عمرا، وأنت تخاطبني، فإنما تريد أن أبلغه أنا عنك)
قال محمد: فاعتل في منع هذا بعلتين: إحداهما مخافة الالتباس، قال: يرى المخاطب أنك تعنيه بالأمر، وإنما الأمر للغائب، وهذا لا يتوهمه المخاطب، من قبل أن المخاطب، إذا أمر فإنما يقال له: زيدا وما أشبهه، فإذا قيل له: زيد عمرا، علم أن هذا المرتفع ليس "مما" يؤمر هو فيه ولا له إليه سبيل، فإما يكون اللبس إذا استوى فيهما اللفظان، ولكن الحجة في منع هذا ما قال في الباب الذي بعد هذا الباب، وهو قوله: إنك متى قلت: زيد عمرا، فإنما أردت مره وقل له: ليضرب زيد عمرا، فلم يحتمل الضمير أن يضمر فيه فعل للمخاطب وفعل للغائب فيضمر فعلين، وإنما جاز إضمار أحدهما حيث كان في الكلام ما دل عليه فكان بمنزلة المضمر.
قال أحمد: أما قوله: اعتل في منع هذا بعلتين: إحداهما الالتباس، فليس الأمر كما
стр. 53
ذهب إليه ولا القول ما حكاه، وإنما اعتل بالالتباس لمسألة ذكرها بعقب هذه المسألة، وحذفها محمد وجعل العلتين للمسألة الأولى، فمن ها هنا غلط، وذلك أن سيبويه قال في إثر هذه المسألة: (وكذلك لا يجوز زيدا، وأنت تريد أن أبلغه أنا عنك أن يضرب زيدا، لأنك إذا أضمرت الغائب ظن السامع الشاهد أنك تأمره هو بزيد، فكرهوا الالتباس ها هنا، فهذا نص قول سيبويه، وإنما أراد بالالتباس في هذه المسألة التي تنصب فيها زيدا، لأنك إذا قلت: زيدا، ظن /٣٨ المخاطب أنك تأمره، واستوى لفظه ولفظ الغائب إذا أمرت المخاطب أن يبلغه عنك الأمر بضرب زيد، لأنك إذا أضمرت فعل المخاطب فالاسم لا محالة منصوب، وإذا أضمرت فعل الغائب فالاسم بعده يكون مرفوعا ومنصوبا، والعلة "في ذلك" أنك إذا أضمرت فعل المخاطب فالفاعل مضمر معه على كل حال، ولم يكن الاسم المذكور إلا مفعولا، وفعل الغائب فقد تضمره دون الفاعل وتذكر الفاعل مرفوعا.
مسألة [٢٧]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف، زعم أن قوله:
سقته الرواعد من صيف ... وإن من خريف فلن يعدما
قال: يرد "به" وإما من خريف فلن يعدم السقي، فيقال له: (ما) لا يجوز إلغاؤها من (إن) إلا في غاية الضرورة، و (إما) يلزمها أن تكون مكررة، وإنما جاءت ها هنا مرة واحدة،
стр. 54
ولا ينبغي أن يحمل الكلام على الضرورة وأنت تجد إلى غيرها سبيلا، ولكن الوجه في "ذلك" ما قال الأصمعي، هي (إن) الجزاء، وإنما أراد إن سقته من خريف فلن يعدم الري، ولم يحتج إلى ذكر (سقته) لقوله أولا: سقته الرواعد من صيف، وقد أضمر ما لم يذكر أولا في قوله: العباد مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فأضمر (كان) وليست في الكلام.
قال أحمد: هذا الوجه الذي حكاه محمد عن الأصمعي، وهو أن تجعل (إن) في البيت بمعنى الجزاء قد أجازه سيبويه بعقب البيت، وذل قوله في إثره: وإن أراد إن الجزاء فهو جائز، لأنه يضمر فيها الفعل، إلا أنه أخره لأنه لم يكن الوجه عنده ولا مراد الشاعر عليه، إلا تراه قال في تفسير البيت: (وإنما يريد وإما من خريف) فحمل معنى البيت على إرادة الشاعر، وذلك أن الشاعر ذكر وعلا يرد هذا الماء متى شاء، وأنه غزير موجود فقال:
إذا شاء طالع مسجورة ... ترى حولها النبع والساسحا
فقال: مسجورة، أي: مملوءة من صيف أو خريف فلن يعدم الوعل ريا على كل حال فأعلم أن ذلك ثابت له، وليس للجزاء في هذا البيت معنى يحسن في الشعر ويليق بمراد الشاعر، لأنه إذا حملها على الجزاء فإنما يريد إن سقته لم يعدم الري، وإن لم تسقه /٣٩/ عدم الري، ولا فائدة في هذا يحسن معها الشعر ولا يشبه قوله: إذا شاء طالع
стр. 55
مسجورة، فقد جعل ذلك له متى شاء وجعلها مملوءة، فلذلك أخر سيبويه معنى الجزاء ولم يرد أن الجزاء مراد الشاعر، وإنما أراد أن مثل هذا لو وقع في كلام غير هذا البيت لجاز فيه هذا التأويل، لا أنه مراد الشاعر، لأنه قد قال: وإنما يريد وإما، يعني الشاعر.
وأما قوله: لا يجوز إلقاء (ما) من (إما) إلا في غاية الضرورة، فكذا قال سيبويه: إنه لا يجوز إلا في الشعر للضرورة، وقد وافقه على ذلك، وليس بين القولين فرق غير زيادة (غاية)، ومع ذلك فالعرب تحذف من نفس الكلمة للضرورة مع زوال اللبس، فما بالها لا تحذف الزائد للضرورة مع زواله؟ و (ما)، وقد دل على صحة ذلك وجوازه في الشعر بالبيت الذي قبله، "وهو قول الشعر: "
لقد كذبتك نفسك فاكذبنها ... فإن جزعا وإن إجمال صبر
فهذه إما، كأنه قال: فإما جزعا وإما صبرا جميلا.
وأما قوله: إن التكرير يلزمها، فليس الأمر على ذلك، لأن الأولى إنما هي زائدة ليبادر إلى المخاطب بأن الكلام مبني على الشك أو التخيير.
والعمل على الثانية، والأولى زائدة وليست توجب في الكلام معنى غير معنى الثانية، وسبيلها في ذلك سبيل (لا) إذا قلت: ما قدم لا زيد ولا عمرو، وإن شئت قلت: ما قام زيد ولا عمرو، فإن شئت أكدت النفي، وزدت (لا) أولا، وإن شئت حذفتها، إلا أن الحذف في (لا) الأولى أكثر في كلامهم منه في (إما)، ولا أعلم أحدا من النحويين المتقدمين يمتنع من إجازة حذفها في قولك: خذ الدرهم وإما الدينار، وجالس زيدا وإما عمرا، فقياسها
стр. 56
ما ذكرت لك في (لا)، والكلام لا يلتبس بطرحها، ومعناه بنقصانها كمعناه بزيادتها، فما الذي منع مع هذا كله من تجويز طرحها؟ وقد يطرح من الكلام ما هو الأولى بالإثبات منها، ومعناه يؤول إلى معنى (أو)، و (أو) لا تأتي مكررة، فإذا قلت: جالس إما زيدا وإما عمرا، فمعناه كمعنى جالس زيدا، أو عمرا، وكذلك إذا كانت شكا.
وأما قوله: وقد أضمر ما لم يذكر أولا/٤٠/ في قوله: العباد مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فقد ذكرنا أنه لا يمتنع من إجازتها على الجزاء فيما حكيناه من نص قوله، وفي ذكر ذلك ما أغنى عن رد هذا القول، وفي إجازته في أول الباب أن يضمر الفعل بعد حروف الجزاء ما أغناه أيضا عن ذكر هذه المسألة، لأن هذا إنما هو جواب لمن امتنع من إضمار الفعل بعد حرف الجزاء، وسيبويه فإنما بني الباب عليه، فهو غير محتاج إلى ما قاله.
مسألة [٢٨]
ومن ذلك إجازته في هذا الباب في (إن) الجزاء أن تقول: مررت برجل إن صالح وإن طالع، على قولك: إن مررت برجل صالح وإن مررت "برجل" طالح.
قال محمد: وقد قبحه في الباب الذي قبله، وأجازه من قول يونس، وزعم أنه يجوز كما جاز (وبلد)، فأضمر حرف الجر، وليس كما قال، لأن رب قد عوضت الواو
стр. 57
منها في هذا الموضع، ونقض قوله: إن حرف الجر لا يضمر، وليس أحد من أهل العلم إلا وهو راد عليه، إن صالح وإن طالح وكذل ما أجازه وزعم أنه مثل هذا في القبح وهو قوله: ائتني بدابة ولو حمار، لا يجوز عند أحد يوثق بعلمه.
قال أحمد: ولو قبحه في الباب الذي قبله وأجازه من قول يونس غير منكر ولا نقض، لأن الرجل قد تكون المسألة على مذهبه قبيحة وجائزة على مذهب غيره، وليس إجازة غيره إياها بمزيل لقبحها عند من استقبحها، ولذا ذكر مذهبه في هذه المسألة، ثم ذكر مذهب يونس، وقد قرن استقباحه لها عند حكايته لقول يونس فيها وأعاد ذلك معها، ونص قوله: (وزعم يونس أن من العرب من يقول: مررت برجل إلا صلح فطالح، على إن لا أكن مررت بصالح فبطالح، وهذا قبيح ضعيف)، واعتل لضعفه بعلة قد ذكرها ليس هذا موضع إعادتها وقال: (شبهوه بغيره) يعني قوله وبلد [ولو كان عده مثله لما قبحه ولما قال شبهوه، واستجازته لقولهم: وبلد] وترك تقبيحه يدل على أنه أقوى عنده، وكل ما أتى به من هذه المسائل من نحو هذه المسألة فهو على قياس قول يونس، وهو في القبح عنده والضعف على ما ذكر، وهذا غير تناقض.
وأما قوله: إن حروف الجر لا تضمر فإنما كلامه على الوجه الأجود والأكثر، وكلهم قد أجاز إضماره في مواضع /٤١/ يسيرة من الكلام، منها ما قد وقع فيه التعويض كقولهم: وبلد ومنها ما ليس فيه "تعويض" كقولك: زرتك أن تكرمني، على أنه قد ذكر نحوا من
стр. 58
العوض في قول يونس، وهو ذكر (مررت) في أول الكلام إذا قلت: مررت برجل إلا صالح فطالح، لأن ذكره (مررت) قد قام مقام الفعل المضمر ودل عليه، وليست الواو في قوله: وبلد بأدل على (رب) من (مررت) في هذا الكلام على إضمار مثلها.
مسألة [٢٩]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل "المتروك" إظهاره في غير الأمر والنهي، زعم أن قوله أما أنت منطلقا انطلقت معك، غنما هي (أن) ضمت إليها (ما) وهي (ما) الزائدة للتوكيد، وكرهوا أن يتركوا (ما) ليجحفوا بـ (أن) إذا حذفوا منها الفعل، وكان الأصل أن كنت منطلقا انطلقت، أي لانطلاقك، فألزموها (ما) إذ حذفوا الفعل ليكون عوضا منه، وهو فيما زعم لهذه العلة من المضمر المتروك إظهاره، حتى صار ساقطا بمنزلة تركهم ذلك في النداء.
وقال: إن آثرت أن يظهر الفعل قلت: إما كنت منطلقا انطلقت بكسر همزة (إن)، تريد إن كنت منطلقا انطلقت، فحذف الفعل فيما ذكر لا يجوز في (إن) المكسورة كما لا يجوز إظهاره مع المفتوحة، ولست أرى وقوع الفعل بعد المفتوحة ممتنعا، وتحذف (ما) فتقول: أن كنت منطلقا انطلقت، وإن شئت أدخلت (ما) زائدة، فيجوز معها ما كان يجوز قبلها، ولو امتنع شيء لدخول (ما) لكان ما معه حرف الجر لضعف حرف الجر، وذلك قوله : ﴿فبما رحمه من الله﴾ وقال: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾، وأنت إذا قلت: أما كنت منطلقا انطلقت، فالمعنى لأن كنت منطلقا، أي:
стр. 59
لانطلاقك، فذا غير ممتنع في القياس.
قال أحمد: ذكر محمد في هذه المسألة أشياء منها ما وافق نص سيبويه، ومنها ما خالف نصه، حملها على ظنه وتأويله، فمنها قوله: إن سيبويه إلى أن ما ذكره علة لترك إظهار الفعل، وليس هذا نصه ولا قوله ولا جعل ذلك علة لتركهم الإظهار، غير أنه وجد الفعل متروكا في كلام العرب /٤٢/، وهذه المسألة ونحوها مع أشياء خاصة إذا زادوها يحكى ما سمع من العرب، ولو كان زائدا عليه ولا طاعنا على قوله بحقيقة لا رادا إظهار الفعل مع (أما) في شيء من كلام العرب إما في شعر أو مثل، فأما أن يأتي برأيه وقياسه فهذا لا يعد على أحد أن يأتي بمثله طاعنا "بذلك" على أمثال العرب وشواذ كلامها وما ليس بشاذ أيضا، وإنما ذهب سيبويه إلى أن الفعل لا يظهر مع (ما) إذا زيدت على (أن) المفتوحة، لا تقول العرب: أما كنت منطلقا انطلقت بالفتح، فأما ما جاء به محمد من إظهار الفعل مع إسقاط (ما) فليس هو الذي أراد سيبويه.
وإما قوله: إنه لو امتنع شيء لدخول "ما" لكان ذلك فيما فيه حرف الجر، فإذا كانت (ما) عنده لا تمنع من دخول الفعل ها هنا، فهلا أدخلها مع (ما) في نظائر هذه المسألة، فأدخلها مع قولهم: افعل ذلك إما لا، فيقول على افعل ذلك، إما كنت لا تفعل غيره، لأن معناه افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره، ولا فرق في المسألتين، لأن الفعل حذف مع (إن) في (إما لا) وجعلت (ما) عوضا، وقد التزم هذا محمد ولم يطعن عليه بشيء، والقياس بوجب إظهار الفعل، فإن كان يحمل الباب على القياس ويترك ما سمع من العرب فليظهر الفعل مع (إما) المكسورة التي للجواب، فتقول: إما تأتني آتك، وإن تأتني آتك، وحذفت الفعل في هذا الكلام، أعني قولهم: إما لا، ولم تظهره وألزمت الكلام العوض فكان هذا أولى بالرد إلى القياس، لان العرب قد حذفت منه (ما) في أكثر كلامها، أعني في باب الجزاء، إلا أن سيبويه لما أظهر الفعل بعدها كسرها وحملها على المجازاة فقال: إما كنت
стр. 60
منطلقا انطلقت، وهذه هي التي في قولهم: افعل هذا إما لا، أي: إن كنت لا تفعل غيره، فلم يظهروا الفعل في (إما لا) مع (ما) خاصة، وأظهروه في أكثر الكلام مع (ما).
وزعم سيبويه أن (أما) المفتوحة كثرت في كلامهم واستعملت حتى صارت كالمثل المستعمل، وليس كل حرف هكذا، كما أنه ليس كل حرف بمنزلة لم أبل ولم أك، ولكنهم حذفوا هذه لكثرة /٤٣/ الاستعمال، ومثله قولهم: إما لا، حذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه حتى استغنوا عنه بهذا، فهذه الأشياء جرت في كلامهم مجرى الأمثال، ولم يحملوها على القياس، وإنما سبيل المراد لها أن يأتي من كلام العرب بما يدل على أنها قد حملتها على القياس في معنى الكلام من شعر أو مثل، وإن كان إنما رد ذلك من جهة أنه منساغ له في القول والقياس، فالباب كله منساغ فيه ذلك نحو النداء، ومرحبا وأهلا وإما لا، وكل ما ترك فيه إظهار الفعل، لأنه غير ممتنع في القياس أن يذكر الأفعال التي ترك ذكرها، فتقول أتيت مرحبا، وأتيت أهلا، أو صادفت وما أشبه ذلك من القول.
مسألة [٣٠]
ومن ذلك قوله في باب يلي هذا الباب قال: إذا قلت: ما أنت وزيدا؟ فإنما معناه ما كنت، فإذا قلت: كيف أنت وزيدا؟ فإنما معناه كيف تكون، فذكر أن (ما) لا يكون بعدها في النية إلا الفعل الواجب، ولا يكون بعد (كيف) في النية إلا ما لم يقع.
قال محمد؟ ولا أرى هذا في القياس إلا سواء، لأن حروف الاستفهام إذا كن للفعل فإنما يضمر فيهن على قدر ما كان ظاهرا، وأنت قد تقول: ما تكون وزيدا وما تصنع وزيدا؟
стр. 61
كما أقول: ما صنعت وزيدا وما كنت ويدا؟ وأقول: كيف كنت وزيدا؟ كما أقول كيف تكون وزيدا؟ فالماضي والمستقبل فيهما سواء في القياس.
قال أحمد: أما تمثيله الفعل في الماضي والاستقبال مع حروف الاستفهام إذا كانت استفهاما على الباب مجردة، فهو كما قال يقع بعدها الماضي والمستقبل، وإنما وقع عليه الغلط لأن هذه الحروف وإن كانت في الأصل للاستفهام، فقد تدخلها معان غير استفهام نحو ما ذكر سيبويه في هذه المسألة، "أما" إذا قلت: ما أنت وزيدا؟ فهذا كلام قد دخل معناه الإنكار وإن كان على لفظ الاستفهام، وإنما ينكر عليه ما قد فعل، ولذلك قال سيبويه: إن معنى ما أنت وزيدا: ما كنت، فأنكر "عليه" ما قد فعل، ولا يجوز إذا دخله هذا المعنى من الإنكار أن يتأول على الاستقبال، وإذا قلت: كيف أنت وزيدا؟ وأنت مستفهم، فإنما تسأله /٤٤/ عن أمر لم يستقر عندك، فهو مستأنف محمول على يكون، وسبيل الكلام إذا أدخلته معاني ليست من أصله، فهذا معنى قول سيبويه في: ما أنت وزيدا، بمعنى الماضي.
مسألة [٣١]
قال محمد بن يزيد: ومما أصبناه في الجزء الخامس من ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب يختار فيه أن تكون المصادر مبتدأة مبنيا عليها ما بعدها، زعم أنه لا يجيز السقيُ لك والرعيُ لك، ولا فصل في القياس بين هذا وبين الحمدُ الله والعجبُ لزيد، وأجاز رفعهما أبو عمر الجرمي.
قال أحمد: أما قوله: لا فصل بينهما في القياس، فلعمري إن الأمر كذلك، إلا أن العرب لم تتكلم بهذين الحرفين مع الألف واللام، وكان سبيله في البرد عليه أن يأتي بشاهد
стр. 62
من كلام العرب يدل على خلاف قوله، لأن سيبويه لم يمنع الألف واللام في هذين الحرفين من طريق القياس، وإنما منعهما كما منع أن يقال: ودع [في الماضي من يدع]، وذلك أسوغ في القياس وأولى إن كانت المراعاة في هذا لما ينساغ في القياس فقط دون ما تتكلم به العرب، ولكنهم يمتنعون من التكلم بالشيء وإن كان القياس يوجبه، ويتكلمون بالشيء وإن كان القياس يمنعه كقولهم: لم أبل، ويتبعون في الحالين لأن القصد اتباعهم وسلوك سبيلهم في كلامهم.
وأما قوله: إن أبا عمر الجرمي أجاز ذلك، فإجازة أبي عمر بغير حجة من كلام العرب كإجازة محمد بن يزيد، ولا فرق بين إجازة هذا وهذا إلا أن يأتيا بحجة، فأما باب القياس فما قلناه كاف فيه.
مسألة [٣٢]
ومن ذلك قوله في هذا الباب: إن قول العرب: أمت في حجر لا فيك، إنهم ابتدأوا بالنكرة على غير معنى المنصوب، وإنما هو شاذ ليس مثل سلام عليك، الذي فيه معنى الدعاء.
قال محمد: وهذا خلاف مذهب العرب، لأن المعنى جعل الله العوج في الحجر لا فيك، فهو على القياس وعلى معنى المنصوب المدعو به.
قال أحمد: ليس هذا على معنى الدعاء، لأن الدعاء لا وجه له في هذا الكلام، وذلك أنه نفى عنه العيب والسوء وجعله للحجر الذي هو أولى /٤٥/ بالعيب، ولو كان يدعو له بأن لا يجعل الله فيه العوج وأن يجعله للحجر لما كان مادحا له، وذلك أن الرجل إنما يمدح بما ثبت له، والدعاء فإنما هو للمستأنف لا لما ثبت. ومعنى هذا المثل، أعني قولهم: أمت في حجر لا فيك، كمعنى قول القائل: العيب لغيرك لا لك، وهذا كقولهم: العوج للحجر لا
стр. 63
لك، فالعوج ثابت للحجر على كل حال ومنتف عن الرجل على وجه المدح لا على معنى الدعاء على الحجر بأن يعوج، وهو كذلك لا محالة، ولو كان على الدعاء لكان كلاما غير بليغ، ولا وجه له على ما ذكرنا، وإنما هو على المدح والتنزيه للرجل من العيب، فنفاه عنه تنزيها له، وجعله للحجر الذي هو موضعه.
مسألة [٣٣]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ينتصب فيه المصدر المشبه به على إضمار الفعل المتروك إظهاره زعم أن قوله:
ناجٍ طواه الأينُ مما وَجَفا
طيَّ الليالي زلفا فزلفا
سماوةَ الهلالِ حتى احقوقفا
قال محمد: ذهب إلى أن قوله: طواه الأين، معناه أضمره وأنحفه فجعله سماوةَ الهلال، مثل سماوة الهلال، كما أنه حين قال:
ما إن يمس الأرضَ إلا منكب ... منه وحرفُ الساق طيَّ المِحمَل
عُلم أنه طيان، فقال: طي المحمل، لأن الكلام الذي قبله صار بدلا من قوله طُوي، فكأنه قال: طوي طي المحمل، وإنما انتصب سماوة الهلال بقوله: طي الليالي سماوة الهلال، فهي مفعولة الليالي، فهذا قول أبي عثمان، وهو قول كل نحوي يرجع إلى معرفة.
стр. 64
قال أحمد من قوله: ذهب إلى قوله: طواه إلى البيت الآخر [من] تأويل محمد بن يزيد والمازني وليس من قول سيبويه، وإنما أخطأ في التأويل عليه، وردا تأويلهما في الحقيقة، وليس ما ذهب إليه سيبويه هو ما ظنا، والدليل على ذلك أن سماوة الهلال اسم وليس بمصدر، والباب مبني على المصادر، ألا ترى أن ترجمته: هذا باب ينتصب فيه /٤٦/ المصدر المشبه به، وسماوة الهلال ليس بمصدر، وإنما هو اسم. المصدر المشبه به في هذه الأبيات طي الليالي، وسماوة الهلال منصوبة بـ (طي) كما قالا لا كما ادعيا على سيبويه، ألا ترى أنه لما قال: ناج طواه الأين، أراد كطي الليالي سماوة الهلال، وطي الليالي مصدر مشبه به، لأن كاف التشبيه تدخل فيه، والذي أوقع لهما الغلط أن المصدر أعني طي الليالي- جاء على لفظ الفعل، (فظنا بذلك) أنه لم يرده، وإنما أراد سماوة الهلال، وسماوة الهلال اسم وليست بمصدر، وإنما جاء بهذه الأبيات مستشهدا بها لما يكون على الفعل لا على الحال، وذلك أنه تأول هذا الباب على وجهين، قال: إذا قلت: له صوت صوت حمار، إن شئت جعلته حالا ومثالا يخرج عليه الصوت، وإن شئت كان مصدرا، ثم قال بعد: (ومما لا يكون حالا ويكون على الفعل)، فجاء بهذه الأبيات التي أضيفت مصادرها إلى المعارف نحو قوله:
تضميرك السابقَ يُطوى للسَبَقْ
ونحو [قوله]:
طي الليالي زلفا فزلفا
وإنما جاء بهذا ليدل على أنه لا يكون حالا، إذ كان مضافا إلى معرفة، فمنه ما جاء مصدره على لفظ الفعل، ومنه ما جاء على غير لفظ الفعل، فغلط من ها هنا، والدليل على
стр. 65
أن الأمر على خلاف ظنه قول سيبويه في هذا الباب:
(وقد يجوز أن تضمر فعلا آخر كما أضمرت بعد: له صوت، يدلك عليه أنك إن أظهرت فعلا لا يجوز أن يكون المصدرُ مفعولا عليه بمنزلة: له صوت) وقال في موضع آخر: (لا يكون المصدر منه)، أراد لا يكون المصدر من لفظ الفعل، فأعلمك أن الباب يكون المصدر فيه مرة من لفظ الفعل، ومرة من غير لفظ الفعل، وإذا كان من غير لفظ الفعل احتجت إلى إضمار فعل آخر يعمل في المقدر لا محالة، وإن كان من لفظه أعملته فيه.
مسألة [٣٤]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما يختار فيه الرفع إذا ذكرت المصدر الذي يكون علاجا، زعم حيث مثَّل أن قولك: له صوت صوت حمار، إنما اختير النصب لأن الثاني غير الأول بمنزلة قولك ما أنت إلا سيرا، /٤٧/ لأن السير غيره، ومن رفع فهو أبعد لأنه مثل ما أنت إلا سيرٌ.
قال محمد: ولا أرى هذا كما قال، وذلك أنه إذا قال: له صوتٌ صوتَ حمار، فإنما أراد مثل صوت حمار، ومثل هو الأول، فلما حذف قام ما أضاف إليه (مثل) مقام (مثل) كقوله: ﴿واسأل القرية﴾، والسير لم يحذف منه شيء كان مضافا إليه، فهو في النصب أمكن، ولأنه لا يكون إلا فعلا له، وإنما الرفع مجاز بعيد، والوجه عندي في قوله: ما أنت إلا سيرٌ أن يكون ما أنت إلا صاحبُ سير ثم حذف.
قال أحمد: ما زاد محمد بهذا الكلام على أن حكى نص سيبويه، ولم يأت برد عليه ولا
стр. 66
قدح في مذهبه، وذلك أن سيبويه قال في هذا الباب نصا: (له صوت أيما صوتٍ، وله صوت مثلُ صوت الحمار) بالرفع، (لأن أيًّا المثلَ صفةٌ) وهما الأول، فالرفع في هذا أحسن، ثم قال: (وقد علمت أن صوت حمار ليس بالصوت الأول)، فهل يقول محمد ابن يزيد: إن صوت حمار هو صوت الرجل فيكون رادا على سيبويه؟ ويقول [: إن (مثل) ليس بالأول فيكون مخالفا له أيضا، وهو لا يقول ذلك، ومذهب سيبويه إذا رفع على ما ذكر في قولهم: له صوتٌ صوتُ حمار، أنه على سعة الكلام وعلى إرادة مثل، وهو نظير ﴿واسئل القرية﴾ في حذف الأهل وإقامة المضاف إليه مقام المضاف، وكذلك ما أنت إلا سيرٌ على سعة الكلام أيضا إذا رفع، ومعناه ما أنت إلا ذو سير، على سعة الكلام حملها سيبويه، ولم يأت في هذه المسألة بخلاف ولا رد، وإنما رأى سيبويه- وقد ترك التمثيل- لأن هذا <مما> لا يلبس، فظن أن قوله: ما أنت إلا سيرٌ قول من ذهب إلى أنه لم يحذف منه شيء، فأضاف هذا التأويل إلى نفسه وجعله مذهبا ظفر به.
وقول سيبويه: (إن رفعه على سعة الكلام كما جاز لك أن تقول: ما أنت إلا سير)، دليل على الحذف، لأن المجاز وسعة الكلام كله محذوف منه، لأنك إنما تسند الوصف أو الخبر إلى شيء في اللفظ وهو في المعنى لسواه إذا ان ذلك غير ملبس على المخاطب نحو قولهم: /٤٨/ بنو فلان تطؤهم الطريق: فأسندوا هذا الفعل إلى الطريق في اللفظ وهو في المعنى لأهل الطريق، وكذلك سائر هذا الباب، إنما هو على الحذف والاختصار إذا زال اللبسُ وأُمِن.
стр. 67
مسألة [٣٥]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما ينتصب لأنه حال وقع فيه الخبر وهو اسم، زعم أن كلهم وجميعهم أجمعين وعامتهم وأنفسهم لا يكن إلا صفة.
قال محمد: أما عامتهم عندي فلا يجوز أن يكون صفة البتة، لأنك إذا قلت: مررت بقومك أو بهم ثم قلت: عامتهم، فإنما حررته على البدل كما تقول: مررت بهم بعضهم، ولا يكون صفة، لأن الصفة هي الأول وعامتهم إنما هو بعضهم، ولا يوصف الشيء ببعضه.
قال أحمد: عامتهم مشتق من عممت الشيء، فظاهره واشتقاقه على العموم، فهو كجميعهم وكلهم، إلا [أن] منهم من يستعمله على البعض، يريد به الأكثر، وهذا على غير أصل الكلمة، وقد استعمل ذلك في (كل) تقول: جاءني كل الناس، تريد وجوههم وأكثرهم، وجاءني أهل الدنيا، وإنما تريد بعضهم، فهذا توسع في الكلام، والأصل غير ذلك، واشتقاق الكلمة يدل على خلاف ما قاله، لأنها على التعميم، وإنما تستعمل للبعض توسعا كما استعملت كل، ألا ترى إلى قول الله تبارك "وتعالى": ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾، فذكر (أجمعون) ليزول احتمال التوسع من كل، لأن كلهم يجوز أن تكون بمعنى أكثرهم، فلما قال: أجمعون، زال هذا الاحتمال ووقعت الإحاطة على الحقيقة.
وقال محمد بن يزيد في هذه الآية: إن أجمعين إنما جيء به ليدل على أن سجود الجميع كان في وقت واحد، لأنه لما قال: فسجد الملائكة كلهم، احتمل أن يكون السجود
стр. 68
قد وقع في أوقات متفرقة وإن كان قد عمهم فيها، فلما قال: أجمعون، علم أن ذلك كان في وقت واحد على حال اجتماع، وليس كما ذكر، لأن أجمعين معرفة، ولا تقع في موضع الحال، ولا تكون أبدا إلا توكيدا لمعرفة، ولو أراد [الله] ذلك لقال: فسجد الملائكة كلهم مجتمعين، أي: في حال /٤٩/ اجتماع، ولو قال قائل: جاءني القوم أجمعون، لجاز أن يكون مجيئهم في وقت بعد وقت كما جاز ذلك في كلهم، والتأويل فيهما المشبه لكلام العرب هو الأول، لأن كلا قد استعملت على وجهين: على "معنى" الإحاطة، وإزالة احتمال التكثير.
مسألة [٣٦]
ومن ذلك قوله في باب متقدم ترجمته: هذا باب من النكرة يجري مجرى ما فيه الألف واللام من المصادر والأسماء، وذلك قولهم: سلام عليك، ولبيك وخير بين يديك، فذكر هذا في باب الابتداء فرفعه وأدخل معه لبيك، وقد ذكر أنه اسم مثنى في قول الخليل، وخطأ يونس في قوله: إنه بمنزلة عليك، وأنشد:
فلبي قلبي يدي مسور ...
ليوضح أنه مثنى، ثم ترك ذلك في إدخاله إياه في الابتداء، وكان يجب على قوله أن يكون: لباك، فيدخل الألف للرفع، والقول عندي إن لبيك مما لا يقع إلا منصوبا كما ذكر في غير هذا الباب، وذكره إياه في هذا الباب خطأ.
قال أحمد: (هذا الكلام جرى) من محمد بن يزيد مجرى السهو، ومحله في هذه الصناعة فوق ذلك، وذلك أن سيبويه ذكر في هذا الباب المصادر التي ترفع على الابتداء، وهي نكرة تجري مجرى ما فيه الألف واللام، فذكر قولهم: سلام عليك، وقولهم وخير بين
стр. 69
يديك، إلا أن الناس لا يكادون يستعملون هذه الكلمة إلا بعد لبيك، فيقولون: لبيك وخير بين يديك، كأنهم يستعملونها مع الإجابة، فأتي بالكلام كله والشاهد في بعضه، كما يؤتى بالشعر كله والشاهد في بعضه، ذلك يؤتى بالمثل والشاهد كلمة منه، فلبيك في قوله نصب وليس هذا بابه، وهو مع ذلك معرفة، وليس هذا الباب للمعرفة ولا للمنصوب، وإنما اعترض به لما بعده إذا كان كلاما ما يذكره الناس جملة، فجاء به على ما يعرفونه ويجري في كلامهم، وهذا أظهر وأبين من أن يحتج له أو يدل عليه بأكثر من هذا.
مسألة [٣٧]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال صار فيه المذكور، زعم أن قوله: أما صديقا مصافيا فليس بصديق مصاف، وأما عالما /٥٠/ فهو عالم، أن هذا ينتصب على الحال، وإذا مثل هذا على ما قال لم يصح له معنى، ألا ترى أنك لو قلت: أما هو فعالم عالما، وأما هو فليس بصديق مصاف صديقا مصافيا، ولكن نصبه على كان، لأنها تقع ها هنا ولا ينتقض المعنى عليها، لأنه قد ذكر قبل رجلا، فكأنه قال: أما أن يكون طاهرا فهو طاهر، أي: كينونة طهارته فصحيحة، ولذلك لم يجز في هذا الرفع، وهذا التفسير مذهب أبي الحسن، وليس مذهب أبي الحسن أيضا بشيء في هذا، وقد فسرنا القول في هذا في غير هذا الكتاب.
قال أحمد بن محمد: أما قوله: إن هذا إذا مثل لم يصح على الوجه الذي مثله وهو يصح على غيره، لأنه مثله بإعمال ما بعده فيه، وقد زعم سيبويه في هذا الباب أن المصادر والصفات التي تقع بعد (أما) تنتصب بما بعدها أو ما قبلها، ألا ترى أنك لو قلت: أما علما فلا علم عنده، إن هذا لا ينتصب بما بعده، وإنما ينتصب بما تقدره قبل، وإذا قلت: أما علما فعالم، جاز أن تنصبه بما بعده، وكذلك الصفات، إذا قلت: أما صديقا فصديق، والتقدير إذا نصبته بما قبله أن تضمر، أما المذكور صديقا فهو صديق، يدل على ذلك قول سيبويه في
стр. 70
ترجمة الباب: هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال صار فيه المذكور، ألا ترى انك إذا قلت: أما علما فعالم، إن هذا الكلام إنما تكلمت به بعد شيء جرى وأوصاف تقدمت لموصوف مذكور، فكأنك قلت: مما صح له من هذه الأوصاف فكذا وكذا، وكأن رجلا ذكر بعلم وعقل ونبل، فقلت: أما نبلا فنبيل، أي: أما المذكور نبيلا فنبيل، والدليل على ذلك ما فسره الخليل بتمثيله أن هذا الباب كقولهم: أنت الرجل علما وفهما وأدبا، أي: أنت الرجل في هذه الحال، وكذلك إن قدرته على الوجه الآخر الذي ذكره سيبويه، وهو أن ينتصب المصدر لأنه مفعول من أجله، فكأنه قال: أما المذكور من أجل العلم فعالم، فهو ينساغ على الوجهين جميعا، والمصادر والصفات على /٥١/ هذا التمثيل تصح إذا أعملت ما قبله.
فأما ما حكاه محمد عن الأخفش من أنه يضمر (أن يكون) فقد رجع عنه في آخر الكلام ولسنا نقتصر على رجوعه دون تبيين مذهب الأخفش فيه وإفساده، وذلك أن المصادر في هذا الباب إذا وليت (أما) فالأكثر فيها النصب، فإذا أضمرت (أن يكون) وهو مصدر ونصبته على مذهب من ينصب بإضمار ناصب فقد لزمه على قوله أن يكون المضمر مصدرا أيضا، ويكون منصوبا بمصدر آخر، فيتصل هذا بما لا غاية له، وهذا فاسد.
وأما قول سيبويه في أول الباب: إن المصدر ينتصب بما قبله وما بعده، فلم يرد به أنه منصوب بهما جميعا في حال، وإنما أراد معنى (أو)، وقد بين ذلك في آخر الباب بإعادة هذا القول فقال: ينتصب بما بعده أو ما قبله، وجاء بلفظ (أو)، ولو لم يرد ذلك
стр. 71
لكان الكلام فاسدا، لأنه لا ينتصب بشيئين، وإنما جاز إضمار المذكور بعد (أما) لتقدم ذكره.
مسألة [٣٨]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما ينتصب من الأسماء والصفات لأنها أحوال تقع فيها الأمور قال: (وأما عبد الله أحسن ما يكون قائما، فلا يكون فيه إلا النصب، لأنه لا يجوز لك أن تجعل أحسن أحواله قائما على وجه من الوجوه).
قال محمد: أما قوله: ولا يجوز فيه إلا النصب، فليس بين أحد في هذا اختلاف، وأما تفسيره هذا على أن معناه أحسن أحواله، فقد ينبغي له أن يقول على ما فسر: عبد الله أحسن أحواله القيام، لأنه خبر، أن يقول: عبد الله أحسن أحواله القيام، وهذا لا يقوله أحد، وإنما معنى عبد الله أحسن ما يكون قائما، عبد الله إذا كان قائما أحسن منه إذا كان غير قائم، فأحسن لعبد الله ليس للقيام ولا لثيء من الأفعال، ولكنه "هو" إذا فعل هذا فضل نفسه إذا فعل غيره وكذلك جميع هذا الباب.
قال أحمد: هذه مسألة قد اعترف محمد بصحتها ولم يخالفنا، ولا في الاعتلال "لها"، وإنما لحقه شك في إلزام ألزمه [نفسه] /٥٢/ فيها ومعارضة عورض بها، وقد رام أن يبين ذلك في كتاب الشرح، فلم يأت فيه بشيء، ونحن نبينه إن شاء الله [تعالى].
زعم أنه يلزم من قال: عبد الله أحسن أحواله القيام أن يقول: عبد الله أحسن ما يكون القيام، لأن سيبويه امتنع من أن يقول: عبد الله أحسن ما يكون قائم برفع قائم، لأنه لا يقول: عبد الله أحسن أحواله قائم فالجواب في ذلك أن أحوال عبد الله إنما هي قيام وقعود وحسن وقبح وما أشبه هذا، ومحال أن يخبر عن هذه الأحوال بأسماء الفاعلين، لا تقول:
стр. 72
حسن عبد الله جالس ولا قعوده منطلق، هذا كله محال غير منساغ، وأحسن أحوال عبد الله حال من أحوال عبد الله، وكذلك أحسن ما يكون، أحسن كينونة، فلما امتنع قائم وجميع أسماء الفاعلين من أن يكون خبرا بحال من الأحوال، امتنع أن يكون خبرا للكينونة، لأنها من الأحوال، فهذا صحيح لا يجوز غيره ولا يخالف النحويون فيه.
ثم نذكر المسألة التي ألزم القول "بها" ولحقه الغلط فيها، وهي أن تجعل المصدر خبرا عن الكينونة كما جعله خبرا عن الأحوال، إذ كانت الكينونة حالا من الأحوال، فألزم أن يقال: عبد الله أحسن ما يكون القيام، على حد قولنا: "عبد الله" أحسن أحواله القيام، فالقيام حال من أحواله، فصار بمنزلة قولك: عبد الله حاله القيام، فحاله اسم مبهم يحسن أن يكون قياما وغير قيام، فخبرت أنه قيام، وإذا قلت: عبد الله أحسن ما يكون القيام، لم يجز لأن الكينونة ليست بقيام فتخبر عنها به، وذلك أنك إنما تخبر عن الشيء بما هو أولى به ذكره، وسواء هذا أو إلزام من ألزمنا أن يقول: عبد الله أحسن ما يجلس القيام، لأننا نقول: أحسن أحواله القيام، وإنما امتنع هذا من أجل أن الجلوس غير القيام، ولو قلت: أحسن ما يجلس القرفصاء لجاز، لأن القرفصاء نوع من الجلوس، وإنما امتنعت الكينونة من أن يخبر عنها بمصدر من هذه المصادر الواقعة، لأن الكينونة عبارة مصدر وليست بحدث واقع في المعنى كالضرب والقيام والقعود، /٥٣/ ألا ترى أن الفعل الذي صدر عنه هذا المصدر وهو (كان) كذلك، إنما هو عبارة دالة على زمان وليس بدال على حدث، وضرب وما أشبهه دال على الزمان والحدث جميعا، ولو جاء في الكلام مصدر في معنى الكينونة يكون عبارة لا حدثا واقعا لجاز أن تخبر به عنها، كأنه في معنى أحسن ما يكون أن يكون قائما، ومثال هذا الإلزام أن يقول قائل: إذا أبيتم أن يكون قائم خبرا عن شيء من المصادر، ووجب بذلك ألا يكون خبرا عن الكينونة، فنظيره إذا أوجبتم أن يكون المصدر خبرا عن شيء، وجب أن
стр. 73
يكون خبرا عن كل شيء، وهذا لا يلزم، لأنه إنما يكون خبرا عما هو في معناه، لو قلت: فعلك الضرب لكان مستقيما، ولو قلت: قعودك الضرب لم يجز، لان الضرب ليس بقعود على وجه.
مسألة [٣٩]
ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما شبه من الأماكن المختصة بالمكان غير المختص، زعم أن قوله: داري خلف دارك فرسخا، قال: لما قال: داري خلف دارك، أبهم فلم يدر ما قدر ذلك، فلما قال: فرسخا أو ميلا، أراد أن يبين ما عمل فيه كما أعمل في قوله: عشرون درهما، كما كان أفضلهم رجلا.
قال محمد: والدليل على أن هذا غير منتصب على التمييز أن التمييز لا يكون أبدا إلا ومعناه من كذا وكذا، إن قولك: عشرون درهما، إنما هو من الدراهم، وكذلك قولهم: أفضلهم رجلا، قد كان يستقيم أن تقول: أفضلهم فارسا، وأفضلهم حرا، وغير ذلك، فلما قلت: رجلا، كان التفضيل من الرجال كلهم، ولكن لما قال: داري خلف دارك، لم تدر على أي حال هي منها من البعد، فلما قال: فرسخا، علم أنها تباعدت على هذه الحال، لأن الحال قد تكون اسما غير صفة نحو قولك: مررت بقومك عشرة.
قال أحمد: أما قوله: إن التمييز لا يكون أبدا إلا ومعناه من [كذا] فقد رجع عن هذا القول في الكتاب الذي وضعه لشرح ما أغفل سيبويه شرحه، وقال: إن منه ما يكون بمن، ومنه ما يكون بغير من، وذلك أنك تقول: زيد أحسن منك وجها وأنظف /٥٤/ ثوبا، ولا يحسن دخول من في هذا المنصوب، ويحسن من علة تذكر في غير هذا الكتاب، لأن قصدنا ها هنا دفع هذه الشبهة التي أتى بها محمد.
وأما قوله: إن فرسخا ينتصب في هذه المسألة على الحال فهو خطأ من جهة المعنى، لأنه يجعل الدار حينئذ فرسخا في مقدارا، وذلك أن الحال هي الأولى في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: جاء زيد راكبا، فالراكب هو زيد، وكذلك جميع الحالات هي في المعنى الأول
стр. 74
الذي جرت عليه وكانت حالا له، فهذا التأويل الذي تأوله يوجب أن يكون الدار فرسخا في مقدارها وقياسها، وإنما معنى الكلام المراد فيه أن بين الدارين فرسخا.
وأما تمثيله تباعدت، كأنك قال: تباعدت فرسخا، فنحن لو قلنا هذا لما كان الفرسخ أيضا حالا للعلة التي ذكرنا، ولا فرق بين قولنا: سرت فرسخا، وتباعدت فرسخا، إن شئت أن يكون ظرفا وإن شئت أن يكون مفعولا، ولو جعلته حالا كان هو الأولى.
وأما قوله: إن الحال قد تكون اسما غير صفة نحو قولك: مررت بخاتمك حديدا، ومررت بقومك عشرة فهذا مما ييسر قولنا ويعسر قوله، وذلك أن العشرة هم قومه والخاتم هو حديد، فيلزمه أن يكون الفرسخ هو الدار، والتأويل ما ذهب إليه سيبويه، وإنما كان التقدير، داري خلف فرسخ أو بعد فرسخ من دارك، فلما أضاف الخلف إلى دارك وحال بالمضاف إليه بين الخلف وبين الفرسخ انتصب الفرسخ على التمييز كما حالت النون بين العشرين وبين الدرهم، وكما حالت الهاء والميم في قولهم: أفضلهم رجلا بين الصفة وبين رجل، وكما حال الفاعل بين الفعل والمفعول وانتصب المفعول، وهذا كله مطرد.
مسألة [٤٠]
ومن ذلك قوله في هذا الباب: (واعلم أن ظروف الزمان أشد تمكنا في الأسماء، لأنها تكون فاعلة ومفعولة، تقول: أهلكك الليل والنهار، واستوفيت أيامك).
قال محمد: والأمكنة كذلك، تقول: أنصبك الطريق، وبعد عليك الفرسخان وسرت الميلين، فإن قال: الطريق لا ينصبك على /٥٥/ الحقيقة، إنما أنت سرت فنصبت، وسرت الميلين إنما هما مفعولان على السعة، قيل: فكذلك الدهر، لأن الليل والنهار إنما يتلف الله [سبحانه الناس] فيهما كما يتلفهما، ويفنى الناس كما يفنيهما، وذلك استوفيت أيامك،
стр. 75
"أنت لم تفعل شيئا" إنما ذهبت كما ذهبت الأمكنة، والأمكنة أولى بأن تكون فاعلة ومفعولة، لأنها جثث كالناس وقد قال سيبويه: والأماكن إلى الناس وغيرهم أقرب.
قال أحمد: أما قوله: إن الأمكنة كذلك، فليس هذا الذي ذكر يعم جميع الأمكنة، لأن منها ما لا يستعمل إلا ظرفا إلا في الشعر أو ضعف من الكلام، وأسماء الزمان ليست كذلك، لأنها تستعمل أسماء كثيرا وليس منها ما يلزم الظرف كما ألزموا بعض الأمكنة، فلذلك جعلها سيبويه أشد تمكنا.
وأما قوله: إن الأمكنة أولى بأن تكون فاعلة ومفعولة لأنها جثث، فهذا كلام ضعيف، لأنه إن كان أراد بقوله: (أولى) أنها أولى في كلام العرب فلم توجد في كلام العرب كذلك، وإن كان أراد بها أولى في القياس فأي قياس يوجب هذا لها دون غيرها؟ وقد يكون الفاعل والمفعول جثة وغير جثة، وليست الجثث مخصوصة بذلك دون غيرها من الأسماء التي ليست بجثث نحو القيام والقعود إذا قلت: رأيت قيامك حسنا، وأعجبني قيامك، وكذلك أعجبني عقلك، وليست هذه جثثا.
وأما قول سيبويه: إن الأماكن إلى الناس وغيرهم أقرب، فلم يذكر ذلك المعنى الذي ذهب إليه محمد بن يزيد، وإنما زعم أن الأزمنة أقرب إلى الفعل، لأنها ماضية ومستقبلة، والأماكن ليست كذلك، فلهذا ذكره، ولم يجب بذلك أن تكون الأمكنة أشد تمكنا في الأسماء من الأزمنة، بل الأزمنة أمكن لأنها لم تستعمل ظروفا غير أسماء، والأمكنة قد استعمل منها ظروف غير أسماء، وهذا ما ذهب إليه سيبويه.
следующие страницы →