← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 29555

الانتصار لسيبويه على المبرد

ابن ولاد

Полный текст (231 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لكان الكلام فاسدا، لأنه لا ينتصب بشيئين، وإنما جاز إضمار المذكور بعد (أما) لتقدم ذكره. مسألة [٣٨] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما ينتصب من الأسماء والصفات لأنها أحوال تقع فيها الأمور قال: (وأما عبد الله أحسن ما يكون قائما، فلا يكون فيه إلا النصب، لأنه لا يجوز لك أن تجعل أحسن أحواله قائما على وجه من الوجوه). قال محمد: أما قوله: ولا يجوز فيه إلا النصب، فليس بين أحد في هذا اختلاف، وأما تفسيره هذا على أن معناه أحسن أحواله، فقد ينبغي له أن يقول على ما فسر: عبد الله أحسن أحواله القيام، لأنه خبر، أن يقول: عبد الله أحسن أحواله القيام، وهذا لا يقوله أحد، وإنما معنى عبد الله أحسن ما يكون قائما، عبد الله إذا كان قائما أحسن منه إذا كان غير قائم، فأحسن لعبد الله ليس للقيام ولا لثيء من الأفعال، ولكنه "هو" إذا فعل هذا فضل نفسه إذا فعل غيره وكذلك جميع هذا الباب. قال أحمد: هذه مسألة قد اعترف محمد بصحتها ولم يخالفنا، ولا في الاعتلال "لها"، وإنما لحقه شك في إلزام ألزمه [نفسه] /٥٢/ فيها ومعارضة عورض بها، وقد رام أن يبين ذلك في كتاب الشرح، فلم يأت فيه بشيء، ونحن نبينه إن شاء الله [تعالى]. زعم أنه يلزم من قال: عبد الله أحسن أحواله القيام أن يقول: عبد الله أحسن ما يكون القيام، لأن سيبويه امتنع من أن يقول: عبد الله أحسن ما يكون قائم برفع قائم، لأنه لا يقول: عبد الله أحسن أحواله قائم فالجواب في ذلك أن أحوال عبد الله إنما هي قيام وقعود وحسن وقبح وما أشبه هذا، ومحال أن يخبر عن هذه الأحوال بأسماء الفاعلين، لا تقول:

стр. 72

حسن عبد الله جالس ولا قعوده منطلق، هذا كله محال غير منساغ، وأحسن أحوال عبد الله حال من أحوال عبد الله، وكذلك أحسن ما يكون، أحسن كينونة، فلما امتنع قائم وجميع أسماء الفاعلين من أن يكون خبرا بحال من الأحوال، امتنع أن يكون خبرا للكينونة، لأنها من الأحوال، فهذا صحيح لا يجوز غيره ولا يخالف النحويون فيه. ثم نذكر المسألة التي ألزم القول "بها" ولحقه الغلط فيها، وهي أن تجعل المصدر خبرا عن الكينونة كما جعله خبرا عن الأحوال، إذ كانت الكينونة حالا من الأحوال، فألزم أن يقال: عبد الله أحسن ما يكون القيام، على حد قولنا: "عبد الله" أحسن أحواله القيام، فالقيام حال من أحواله، فصار بمنزلة قولك: عبد الله حاله القيام، فحاله اسم مبهم يحسن أن يكون قياما وغير قيام، فخبرت أنه قيام، وإذا قلت: عبد الله أحسن ما يكون القيام، لم يجز لأن الكينونة ليست بقيام فتخبر عنها به، وذلك أنك إنما تخبر عن الشيء بما هو أولى به ذكره، وسواء هذا أو إلزام من ألزمنا أن يقول: عبد الله أحسن ما يجلس القيام، لأننا نقول: أحسن أحواله القيام، وإنما امتنع هذا من أجل أن الجلوس غير القيام، ولو قلت: أحسن ما يجلس القرفصاء لجاز، لأن القرفصاء نوع من الجلوس، وإنما امتنعت الكينونة من أن يخبر عنها بمصدر من هذه المصادر الواقعة، لأن الكينونة عبارة مصدر وليست بحدث واقع في المعنى كالضرب والقيام والقعود، /٥٣/ ألا ترى أن الفعل الذي صدر عنه هذا المصدر وهو (كان) كذلك، إنما هو عبارة دالة على زمان وليس بدال على حدث، وضرب وما أشبهه دال على الزمان والحدث جميعا، ولو جاء في الكلام مصدر في معنى الكينونة يكون عبارة لا حدثا واقعا لجاز أن تخبر به عنها، كأنه في معنى أحسن ما يكون أن يكون قائما، ومثال هذا الإلزام أن يقول قائل: إذا أبيتم أن يكون قائم خبرا عن شيء من المصادر، ووجب بذلك ألا يكون خبرا عن الكينونة، فنظيره إذا أوجبتم أن يكون المصدر خبرا عن شيء، وجب أن

стр. 73

يكون خبرا عن كل شيء، وهذا لا يلزم، لأنه إنما يكون خبرا عما هو في معناه، لو قلت: فعلك الضرب لكان مستقيما، ولو قلت: قعودك الضرب لم يجز، لان الضرب ليس بقعود على وجه. مسألة [٣٩] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما شبه من الأماكن المختصة بالمكان غير المختص، زعم أن قوله: داري خلف دارك فرسخا، قال: لما قال: داري خلف دارك، أبهم فلم يدر ما قدر ذلك، فلما قال: فرسخا أو ميلا، أراد أن يبين ما عمل فيه كما أعمل في قوله: عشرون درهما، كما كان أفضلهم رجلا. قال محمد: والدليل على أن هذا غير منتصب على التمييز أن التمييز لا يكون أبدا إلا ومعناه من كذا وكذا، إن قولك: عشرون درهما، إنما هو من الدراهم، وكذلك قولهم: أفضلهم رجلا، قد كان يستقيم أن تقول: أفضلهم فارسا، وأفضلهم حرا، وغير ذلك، فلما قلت: رجلا، كان التفضيل من الرجال كلهم، ولكن لما قال: داري خلف دارك، لم تدر على أي حال هي منها من البعد، فلما قال: فرسخا، علم أنها تباعدت على هذه الحال، لأن الحال قد تكون اسما غير صفة نحو قولك: مررت بقومك عشرة. قال أحمد: أما قوله: إن التمييز لا يكون أبدا إلا ومعناه من [كذا] فقد رجع عن هذا القول في الكتاب الذي وضعه لشرح ما أغفل سيبويه شرحه، وقال: إن منه ما يكون بمن، ومنه ما يكون بغير من، وذلك أنك تقول: زيد أحسن منك وجها وأنظف /٥٤/ ثوبا، ولا يحسن دخول من في هذا المنصوب، ويحسن من علة تذكر في غير هذا الكتاب، لأن قصدنا ها هنا دفع هذه الشبهة التي أتى بها محمد. وأما قوله: إن فرسخا ينتصب في هذه المسألة على الحال فهو خطأ من جهة المعنى، لأنه يجعل الدار حينئذ فرسخا في مقدارا، وذلك أن الحال هي الأولى في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: جاء زيد راكبا، فالراكب هو زيد، وكذلك جميع الحالات هي في المعنى الأول

стр. 74

الذي جرت عليه وكانت حالا له، فهذا التأويل الذي تأوله يوجب أن يكون الدار فرسخا في مقدارها وقياسها، وإنما معنى الكلام المراد فيه أن بين الدارين فرسخا. وأما تمثيله تباعدت، كأنك قال: تباعدت فرسخا، فنحن لو قلنا هذا لما كان الفرسخ أيضا حالا للعلة التي ذكرنا، ولا فرق بين قولنا: سرت فرسخا، وتباعدت فرسخا، إن شئت أن يكون ظرفا وإن شئت أن يكون مفعولا، ولو جعلته حالا كان هو الأولى. وأما قوله: إن الحال قد تكون اسما غير صفة نحو قولك: مررت بخاتمك حديدا، ومررت بقومك عشرة فهذا مما ييسر قولنا ويعسر قوله، وذلك أن العشرة هم قومه والخاتم هو حديد، فيلزمه أن يكون الفرسخ هو الدار، والتأويل ما ذهب إليه سيبويه، وإنما كان التقدير، داري خلف فرسخ أو بعد فرسخ من دارك، فلما أضاف الخلف إلى دارك وحال بالمضاف إليه بين الخلف وبين الفرسخ انتصب الفرسخ على التمييز كما حالت النون بين العشرين وبين الدرهم، وكما حالت الهاء والميم في قولهم: أفضلهم رجلا بين الصفة وبين رجل، وكما حال الفاعل بين الفعل والمفعول وانتصب المفعول، وهذا كله مطرد. مسألة [٤٠] ومن ذلك قوله في هذا الباب: (واعلم أن ظروف الزمان أشد تمكنا في الأسماء، لأنها تكون فاعلة ومفعولة، تقول: أهلكك الليل والنهار، واستوفيت أيامك). قال محمد: والأمكنة كذلك، تقول: أنصبك الطريق، وبعد عليك الفرسخان وسرت الميلين، فإن قال: الطريق لا ينصبك على /٥٥/ الحقيقة، إنما أنت سرت فنصبت، وسرت الميلين إنما هما مفعولان على السعة، قيل: فكذلك الدهر، لأن الليل والنهار إنما يتلف الله [سبحانه الناس] فيهما كما يتلفهما، ويفنى الناس كما يفنيهما، وذلك استوفيت أيامك،

стр. 75

"أنت لم تفعل شيئا" إنما ذهبت كما ذهبت الأمكنة، والأمكنة أولى بأن تكون فاعلة ومفعولة، لأنها جثث كالناس وقد قال سيبويه: والأماكن إلى الناس وغيرهم أقرب. قال أحمد: أما قوله: إن الأمكنة كذلك، فليس هذا الذي ذكر يعم جميع الأمكنة، لأن منها ما لا يستعمل إلا ظرفا إلا في الشعر أو ضعف من الكلام، وأسماء الزمان ليست كذلك، لأنها تستعمل أسماء كثيرا وليس منها ما يلزم الظرف كما ألزموا بعض الأمكنة، فلذلك جعلها سيبويه أشد تمكنا. وأما قوله: إن الأمكنة أولى بأن تكون فاعلة ومفعولة لأنها جثث، فهذا كلام ضعيف، لأنه إن كان أراد بقوله: (أولى) أنها أولى في كلام العرب فلم توجد في كلام العرب كذلك، وإن كان أراد بها أولى في القياس فأي قياس يوجب هذا لها دون غيرها؟ وقد يكون الفاعل والمفعول جثة وغير جثة، وليست الجثث مخصوصة بذلك دون غيرها من الأسماء التي ليست بجثث نحو القيام والقعود إذا قلت: رأيت قيامك حسنا، وأعجبني قيامك، وكذلك أعجبني عقلك، وليست هذه جثثا. وأما قول سيبويه: إن الأماكن إلى الناس وغيرهم أقرب، فلم يذكر ذلك المعنى الذي ذهب إليه محمد بن يزيد، وإنما زعم أن الأزمنة أقرب إلى الفعل، لأنها ماضية ومستقبلة، والأماكن ليست كذلك، فلهذا ذكره، ولم يجب بذلك أن تكون الأمكنة أشد تمكنا في الأسماء من الأزمنة، بل الأزمنة أمكن لأنها لم تستعمل ظروفا غير أسماء، والأمكنة قد استعمل منها ظروف غير أسماء، وهذا ما ذهب إليه سيبويه.

стр. 76

مسألة [٤١] قال: ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب مجرى النعت على المنعوت، قال: ومما جاء في الشعر قد جمع الاسم وفرق النعت وصار مجرورا قوله /٥٦/ بكيت وما بكا رجل حزين ... على ربعين مسلوب وبال كذلك سمعناه من العرب تنشده، والقوافي مجرورة. [قال محمد: ولا معنى لهذا الكلام، أعني قوله: والقوافي مجرورة]، لأنها لو كانت مرفوعة لم تكن القافية إلا هكذا. قال أحمد: قوله: لو كانت مرفوعة لم تكن القافية إلا هكذا، قول خطأ على الإرسال، وذلك أنها لو كانت مرفوعة من غير ما اعتلت لامه أو أضيف لم يجز أن يكون معه (بال) وذلك أنه كأن يكون نحو حال ومال، ولو كانت القوافي كذلك لم يكن معها (بال)، وإذا لم يكن معها (بال) وكان في موضعه قافيه يمكن رفعها نحو ما ذكرنا لم يجز في مسلوب أن يكون إلا مرفوعا، وإذا كانت القوافي مجرورة وكان معها (بال) أمكن "فيه" أن يكون مرفوعا بلفظ مجرور. وأمكن أن يكون مجرورا، وإذا أمكن ذلك فيه أمكن في مسلوب مثله، فأراد بقوله: إن القوافي مجرورة إزالة امتناع الجر عن مسلوب، وبقيت (بال) بهذا اللفظ لئلا يدعي مدع رواية قافية في موضع (بال) مرفوعة نحو قولنا: حالي في موضع حائل ومالي في موضع مائل، وما أشبه ذلك مما

стр. 77

يمكن رفعه فيجب بذلك رفع مسلوب. مسألة [٤٢] قال: ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما أشرك بين الاسمين في الحرف الجار فجريا عليه، قال: (وقد تقول مررت بزيد وعمرو، يعني أنك مررت بهما مرورين وليس في ذلك دليل على المرور المبدوء به، كأنه يقول: ومررت أيضا بعمرو، فنفي هذا، ما مررت بزيد وما مررت بعمرو. قال محمد بن يزيد: ليس كما ذكر، لأن النفي إنما يكون على قدر الإيجاب، وإنما نفي هذا، ما مررت بزيد وعمره، أدخلت الحرف النافي على كلام المبتدئ، وهو قول أبي عثمان. قال أحمد: لو كان نفيه على ما ذكر محمد وأبو عثمان لاحتمل الكلام إذا قال: مررت بزيد وعمرو أن يكون قد مر بأحدهما، وإنما ينبغي أن يأتي بكلام فيه نفي المرور عنهما جميعا لا عن أحداهما، كما أن الموجب "إنما" أوجب المرور لهما جميعا، وإنما النفي رفع ما أوجب المتكلم، فالمتكلم قد أوجب أن يكون مر بهما في حال أو حالين، /٥٧/ فالسبيل أن ينفي ذلك أجمع بكلام لا يحتمل غير هذا المعنى، فإن احتمل نفي المرور عن أحدهما دون الآخر لم يكن ذلك بنفي لما أوجب المتكلم.

стр. 78

مسألة [٤٣] قال: ومن ذلك قوله في هذا الباب، قال: جواب (أو) إذا قلت: مررت بزيد أو عمرو، أن تقول: ما مررت بواحد منهما. قال محمد: وإنما هذا جوابها على المعنى، وجوابها على اللفظ ما مررت بزيد أو عمرو، وهذا قول أبي عثمان المازني. قال أحمد: هذا قول عجيب من مثلهما، بعيد عن الصواب، وذلك أن القائل إذا قال: مررت بزيد أو عمرو، فإنما أثبت المرور لأحدهما، ولا يدري من هو منهما، فكأنه قال: قد مررت بأحدهما ولا أدري من هو منهما، فإن نفي ناف على ما قاله أبو عثمان هذا الكلام فقال: ما مررت بزيد أو عمرو، كان النافي بهذا اللفظ شاكا فيمن انتفى عنه المرور منهما، كما كان الموجب شاكا فيمن وجب له المرور منهما، فكأنك قلت: لا أدري أيهما لم يمرر به، كما كان الموجب كأنه قال: لا أدري بأيهما مررت، فهذا لم يدر بأيهما مر، وهذا لم يدر بأيهما لم يمرر، فهو في المعنى موافق له، لأنه إذا لم يعلم من الذي مر به فليس يعلم من الذي لم يمرر به، وإذا لم يعلم النافي من الذي لم يمرر به يعلم الذي مر به لأن العلم قد استوي فيهما عند الشاك موجبا كان أو نافيا، فليس هذا بنفي لهذا، بل هو متابع له في المعنى، ونفيه في الحقيقة ما قاله سيبويه، لأن الموجب قد ادعى المرور بواحد منهما، وصار شائعا فيهما بالشك، واستوي العلم في زيد وعمرو، فوجب أن يكون المعنى دفعا لذلك كله، فتقول: ما مررت بواحد منهما، فإن قال (فالموجب إنما ادعى أن المرور لأحدهما، فكيف يجوز أن ينفيه عنهما؟ قيل له: المرور وإن كان لأحدهما في الحقيقة التي ليست معلومة، فهو لهما جميعا في الظن، لأنهما قد استويا فيه، وظن بكل واحد منهما أنه

стр. 79

الممرور به، فوقع النفي على ذلك لا على الحقيقة التي هي غير معلومة عند المتكلم، لأن المتكلم جعل ظنه شائعا فيهما مشتركا لهما النفي على ذلك مسألة [٤٤] [قال: ] ومما أصبناه في السابع من ذلك قوله /٥٨/ في باب ترجمته: هذا باب مجرى نعت المعرفة عليها، قال: (والمضاف إلى المعرفة يوصف بثلاثة أشياء: بما أضيف كإضافته، أو بالألف واللام، والأسماء المبهمة). قال محمد: أصل ما ذكر في الصفات أن الأخص يوصف بالأعم، وما كان معرفة بالألف واللام والأسماء المبهمة فهو أخص مما أضيف إلى الألف واللام، فلا ينبغي على هذا القياس أن يقول: رأيت غلام الرجل الظريف إلا على البدل. قال أحمد: إن أصل ما ذكر في الصفات أن الأخص يوصف بالأعم، فهو يوصف بالأعم كما ذكر ويوصف بما كان مثله، ألا ترى أنك تقول: مررت بالرجل الظريف، فليس الظريف بأعم من الرجل، لكنه مثله، فإذا قلت: مررت بزيد الظريف فقد وصفته بما هو أعم منه، فالصفة تكون على نحوين: تكون أعم من الموصوف وتكون (مثل الموصوف)، ولا تكون أخص من الموصوف، ولذلك قال سيبويه: والمضاف إلى المعرفة يوصف بما أضيف كإضافته أي بما هو مساو له، وبالألف واللام، أي: بما هو أعم منه. وأما قوله: إن ما كان معرفة بالألف واللام أخص مما أضيف إلى الألف واللام كما ذكر، لأن ما أضيف إلى الألف واللام إنما يعرف ويخصص من حيث يعرف ما فيه الألف واللام وليس أحدهما بأخص من الآخر، لأن الألف واللام عرفتهما جميعا، فهما

стр. 80

متساويان، فلذلك تقول: رأيت غلام الرجل الظريف، فيكون كقولك: رأيت الرجل الظريف، لا ترى بينهما فرقا، وكذلك نعم الرجل فلان، فما أضفته إلى ما فيه الألف واللام فهو بمنزلة ما فيه الألف واللام. مسألة [٤٥] قال: ومن ذلك قوله في هذا الباب في قول ذي الرمة: ترى خلقها نصفا قناة قويمة ... ونصفا نقا برتج أو يتمرمر قال: (وبعضهم ينصبه على البدل، وإن شئت جعلته بمنزلة قائما) أي: حالا. قال محمد: وهذا عندي خطأ- أعني الحال-، وذلك لأن نصفا لا ينبغي أن يكون هنا إلا معرفة، لأن معناه الإضافة، والعلة التي أدعاها في بعض وكل من الإضافة هي في نصف، /٥٩/ لأن المعنى نصفه، كما أنه إذا قال: مررت ببعض قائما أو بكل جالسا، فإنما يريد بعضهم وكلهم. قال أحمد: إنما جاز أن يكون ها هنا حالا لأن في الكلام ما يسيغ ذلك فيه، ولأن المعنى كأنه نصف قويم ونصف يرتج، وإذا وصف الشيء بما يجوز أن يكون حالا جعل في موضع الحال، وتقول في مثله: رأيت القوم رجلا جالسا ورجلا قائما، فتجعل رجلا حالا وهو اسم لأنه وصف بما يكون حالا. فأما قوله: إن نصفا معرفة، فهذا ليس بحتم فيه، لأنه قد يراد به المعرفة و [قد] يراد به

стр. 81

النكرة، وكلاهما يقدر فيه جائز غير ممنوع، ولو كان هذا كما ذكر محمد في كل مضاف لوجب عليه أن يقول: إن أخا معرفة لأنه يتضمن معنى أخيه، وأبا كذلك لأنه يتضمن معنى الأب، وأب لا يتضمن معنى الأب وكذلك فوق وتحت وكل اسم يقتضي إضافة تلزمه فيه مثل ذلك، وهذا لا يقوله أحد، إلا أن العرب قد استعملت بعض هذه الأسماء التي تتضمن معنى الإضافة استعمالا كثيرا، على أنها معرفة محذوف منها ما أضيفت إليه، وألزمتها ذلك في أكثر الكلام، ولم يطرد ذلك القياس في غيرها مما هو في معناها وذلك نحو كل وبعض. مسألة [٤٦] قال: ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما جرى من الأسماء التي تكون صفة مجرى الأسماء التي لا تكون صفة، قال وزعم يونس أن ناسا يقولون: مررت برجل خير منه أبوه، ومررت برجل أفضل منه أبوه، فيجرونه على الأول كما يجرون برجل خز صفته. قال محمد: ورواه سيبويه على القبول، وهذا غلط، لأن مررت برجل خز صفته رديء جدا، وما كان مثله وخير منك وأفضل منك مأخوذ من خار يخير، وفضله يفضله، وكذلك جميع بابه يتصرف منه فعل ويكون منه للأول أبدا، نحو مررت برجل خير منك وأفضل منك، ومررت بصفة خز لا يجوز إلا مستكرها، فبينهما إذا أردت بهما الآخر ما بينهما إذا خلصا للأول.

стр. 82

وأخطأ سيبويه في وضعه في هذا الباب مثلك وأيما رجل، لأن هذا غير مأخوذ من فعل/٦٠/ ولا يكون بمنزلة ما أخذ من الفعل وكان فاعلا في الاشتقاق، ولكن مررت برجل أيما رجل أبوه، ومررت برجل مثلك أبوه، أجود من مررت برجل خز صفته بكثير، لأن خزا لا يكون صفة إلا رديئا مخرجا من بابه، ومثله وأيما رجل لا يكونان إلا صفة، فبينهما كثير. قال أحمد: قوله: رواه سيبويه على القبول وهذا غلط، فليت شعري في أي شيء غلط؟ أفي تركه تكذيب يونس في الرواية أم في تركه محاجة العرب إذا صدق يونس في روايته، ولا أحسبه أراد أنه غلط إلا في قبول قول يونس. وأما قوله: لأن مررت برجل خز صفته رديء جدا، فهو مع رداءته قد أجازه، وإنما أراد أن العرب أجازت، مررت برجل خير منك أبوه، كما أجازت الذي هو صفة، إذ أجازوا ما هو أردأ منه، فإنما أتى بخز صفته تحسينا لإجازتهم، مررت برجل خير منك أبوه، لأنهم أجازوا ذلك فيما ليس بصفة. وأما قوله: إن أفضل وخيرا وما أشبهما أخذا من الفعل فلا فائدة في هذا، مع قول سيبويه في ترجمة الباب: (وهذا باب ما جرى من الأسماء التي تكون صفة مجرى الأسماء التي لا تكون صفة)، فقد أعلمنا بهذا القول أنها أوصاف وأن خزا وما أشبهه ليس بصفة، إلا أن العرب لما قدمتها على الموصوفات في هذا الباب رفعتها وأجرتها مجرى الأسماء، إذ كانت أوصافا غير جارية على الفعل وإن كانت (مشتقة منه).

стр. 83

وأما قوله: إنه أخطأ في وضعه مثلك وأيما رجل في هذا الباب، فكيف يكون مخطئا في ذلك وقد اعترف له في آخر الباب؟ لأن الوجه فيهما الرفع إذا كان للآخر كما كان خير منك كذلك، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجل خير منك أبوه، فالرفع الوجه في مذهب الجماعة ومذهب محمد بن يزيد، وإذا قلت: مررت برجل أيما رجل أبوه، فالرفع فيه الوجه كما كان في خير، ولو كان هذا الذي ذكره غلطا لوجب أن يخالفهم في الرفع، ويزعم أن إجراء مثل هذا على الأول /٦١/ أجود، وهو لا يقول ذلك، والذي أوقع له هذا الشك ذكر سيبويه لقولهم: مررت برجل خز صفته، فظن بذكر هذا أن سيبويه أنزلهما منزلة واحدة، وإنما جاء بهذا عذرا لمن أجرى الصفة على الأول وهي للآخر، إذ كان يجيز ذلك فيما ليس بصفة "وهو أردأ". مسألة [٤٧] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما جرى من الأسماء التي هي من الأفعال وما أشبهها من الصفات التي ليست بفعل نحو الحسن والكريم، قال وقال بعض العرب: قال فلانة، وهو فيما ذكر قليل في الحيوان والآدميين خاصة. قال محمد: [بن يزيد] وهذا خطأ، لم يوجد في قرآن ولا كلام فصيح ولا شعر، ولكنه يجوز في الموات أن تقول: أعجبني دارك، لأن الدار ليس تحتها معنى تأنيث ولا تذكير، وإنما يجري على اسمها، ولا فصل بينها وبين قولك: منزل، فمن ذلك قوله جل وعز: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه﴾ لأن الموعظة والوعظ واحد، وكذلك ﴿وقال نسوة﴾ لأنه تأنيث الجماعة "والجماعة" والجميع سواء، ولم يجز هذا في الحيوان لأن معناه التأنيث، ولو سميت امرأة أو شاة أو كلبة باسم مذكر (قلبته إلى التأنيث) لمعناهن، ألا ترى

стр. 84

أنك لو سميت امرأة بـ (قاسم) و (جعفر) لقلت جاءتني قاسم، وجاءتني جعفر، وكذلك جميع الحيوان لتأنيث المعنى، وقال جرير: لقد ولد الأخيطل أم سوء ... .......... لأن الأم في الأصل صفة، ولأنه قد فصل بينهما وبين الفعل. قال أحمد: [بن محمد] هذا كلام ظاهر الفساد بين الاختلال، وذلك أنه حكى عن سيبويه أنه روى عن بعض العرب، قال فلانة، ثم خطأه في ذلك، وهذا موضع التكذيب فيه أشبه من التخطئة، لأنه ليس بقياس قاسه فيرد عليه ويخطأ فيه، وإنما ذكر أن بعض العرب قال ذلك، فإن كانت التخطئة لمن قال ذلك من العرب فهذا رجل يجعل كلامه في النحو أصلا وكلام العرب فرعا، فاستجاز أن يخطئها إذا تكلمت بفرع يخالف أصله، وذكر عن سيبويه أن قال فلانة قليل، ثم قال: وهذا لا يجوز، لأنه لم يوجد في قرآن ولا شعر ولا /٦٢/ كلام فصيح، فلو وجد مثله في قرآن أو كلام فصيح لما نسبه إلى الضعف "والقلة"، فأما الشعر فهو قد أنشد بيت جرير، وقد مثل سيبويه حذف التاء من فعل المؤنث في مذهب من أجاز ذلك بأحسن تمثيل، وهذا الذي للنحوي أن يفعله، وهو أن يمثل ويعتل لما جاء عن العرب، فأما أن يرده فليس ذلك له، وزعم أن حذفهم التاء من فعل المؤنث كحذفهم علامة التثنية من فعل الاثنين، وكذلك الجميع إذا قلت: قام أخواك، وقام إخوتك، فلما كان ذكر اسم الاثنين يغني عن إلحاق الفعل علامة التثنية، كذلك كان ذكره اسم المؤنث يغني عن إلحاق علامة التأنيث في الفعل.

стр. 85

فإن قال قائل: إن العرب قد تسمي المذكر باسم المؤنث والمؤنث بالمذكر، قيل له: وقد تسمي الواحد باسم الاثنين واسم المجتمع كقولهم: أبانان وعرفات لموضع. مسألة [٤٨] قال: ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب إجراء الصفة فيه في بعض المواضع أحسن، وقد يستوي إجراء الصفة على الاسم وأن تجعله خبرا فتنصبه، ذكر النحويون الذين قالوا: مررت بامرأة آخذة عبدها فضاربته، فقالوا: انتصب لأن القلب لا يجوز. قال محمد: وهذا لعب من قول النحويين، ولكنه أحتج عليهم يبيت لا حجة فيه، وهو قول حسان: ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم ... وفينا نبي عنده الوحي واضعه ذهب إلى أن النبي ﷺ عنده الوحي واضع الوحي عنده، وإنما المعنى، وفينا نبي الوحي واضع عنده ما صنعتم، أي: لا يخفى صنيعكم لأن الوحي، قد خبر به النبي ﷺ . قال أحمد: الذي ذهب إليه محمد بن يزيد في هذا البيت هو الوجه الجيد، فأما ما ذهب إليه سيبويه فإنما يكون البيت حجة عليه لا على المعنى الأجود، وليس يمتنع، ألا ترى أن المسألة التي استشهد بها تحتمل أيضا وجهين، وهي قوله في إثر هذا البيت: (ومما يبطل القلب زيد (أبو قائم أخو) عبد الله مجنون به، إذا جعلت الأخ صفة والجنون من زيد

стр. 86

بأخيه، فهذا نص قوله، وهو دليل على أنه لم يذهب عليه الوجه الآخر، لأنك قد ترفع الأخ بالابتداء، وتجعل مجنونا خبرا، والهاء /٦٣/ عائدة على زيد، وكذلك البيت يحتمل هذا الوجه إذا أراد به الشاهد لهذا المعنى جعله على هذا التأويل، وليس هذا بشاهد قاطع ولا مقصور على معنى واحد. والتأويل الذي ذهب إليه سيبويه يؤول في المعنى إلى ما تأوله محمد، إلا أن قول محمد أبين وأوضح، لأنه يجيز ولم يضطره الاستشهاد إلى شر الوجهين، وإنما قولنا: إنه يؤول في المعنى إلى التأويل الآخر، لأنه إذا وضع الوحي عنده، وما صنعتم منه، يعني من الوحي، فقد وضع ما صنعوا عنده، وإذا رد عليه مثل هذا وهو يحتمل (التأويل وينساغ) في التفسير وجب أن يرد عليه البيتان اللذان استشهد بهما في باب (ما) وهما قول الأعور "الشني". هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها فليس يآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها لأنه استشهد بهذين البيتين لمسألة لا تجوز البتة، وهي قولك: ما أبو زينب ذاهبا ولا مقيمة أمها، فجعل الضمير عائدا على زينب، ولم يجعله عائدا على الأب الذي هو اسم (ما)، فلذلك لم يجز تصب الخبر المقدم. لأن (ما) تقدم خبرها ارتفع، وليس بجائز تقديم خبرها ونصبه، وسيبويه علمنا ذلك في هذا الباب بعينه، فلم يجهل هذا وإنما أتى به تمثيلا، كأنه أرانا المعنى الذي لا يجوز فيما جاء جائزا في ليس.

стр. 87

مسألة [٤٩] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما ينتصب لأنه خبر لمعروف يرتفع، زعم أنك إذا قلت في الدار عبد الله، وما أشبه ذلك من الظروف، إن عبد الله قدم أو أخر إنما يرتفع بالابتداء، والدليل- فيما زعم- على ذلك أنك تقول: إن في الدار عبد الله. قال محمد: والقول في هذا أنك إذا قلت: في الدار عبد الله، فأردت بعبد الله التقديم، رفعته بالابتداء كما قال: والدليل على ذلك أنك تقول: في داره عبد الله، وفي بيته يؤتى الحكم، أضمرت لأنك أردت التقديم وأضمرت فيه التأخير، وكذلك حيث قلت: في الدار عبد الله، أضمرت في قولك: /٦٤/ في الدار) اسما مرفوعا يرجع إلى عبد الله، لأنه خبره فلا يكون خبره ولا صفته إلا شيئا هو هو أو فيه ما يرجع إليه، ألا ترى أنك تقول: رأيت رجلا في الدار، فيكون (في الدار) وصفا لـ (رجل)، وتقول: زيد في الدار، فيكون خبرا عن زيد، وإن لم ترد بزيد التقديم كان رفع زيد بقولك: في الدار، لأن معناه استقر وحل محل المضمر، فرفعه ما كان يرفع المضمر. وأما قوله: إن في الدار زيدا، فإنما هذا على مذهب من جعل في قوله: (في الدار) ضميرا كما وصفت لك، فإن لم تفعل فينبغي أن تقول: إنه في الدار زيد، فترفع زيدا بقولك: في الدار، وتشغل (إن) بضمير شيء هو القصة كما تقول: إنه قام زيد، "وأنه تعالى جد ربنا" وهذا قول أبي الحسن الأخفش الذي لا يجوز غيره، وأنشد عمارة

стр. 88

لنفسه حين اضطر: كأنهن الفتيات اللعس كأن في أظلالهن الشمس رفع الشمس بالظرف، وأراد في كأن الهاء كما أجاز الخليل: إن زيدا ضربت في الضرورة، فتنصب زيدا بضربت، وتضمر في (إن) الهاء. وأما أبو عثمان المازني فيقول: إن الظروف ترفع المضمر ولا ترفع الظاهر، وهذا قول مرغوب عنه، لأن العوامل إنما وقوعها على المضمر من حيث تقع على المظهر. قال أحمد [بن محمد] هذه مسألة فيها خلاف بين أهل الكوفة والبصرة، وقد خالف الأخفش فيها "أيضا" سيبويه، وهي تقتضي الكلام في بعض أحوال العربية ومبانيها لينكشف وجه الصواب فيها. فأما الأخفش ومحمد فقد وافقا سيبويه في جواز الرفع بالابتداء إذا قلت: في الدار زيد، وادعيا جواز الرفع بالظرف وجعلا هذا وجها ثانيا في المسألة، فيقال لمن ادعى ذلك، خبرنا عن هذه العوامل التي جعلتها العرب توجب وجوب الإعراب كالفعل وما يبنى منه واشتق وشبه به، وإن وأسماء العدد، وحروف الجر، وعوامل الأفعال الجازمة والناصبة، من أين علم النحويون علل هذه الضروب من الإعراب؟ والعرب لم تخبرنا عن ضمائرها ولا أنبأتنا عن إرادتها. فإذا قال: علمنا /٦٥/ ذلك من جهة الاستقراء لكلامها والمراعاة لألفاظها، فلما رأيناها تأتي بعد كل عامل من هذه العوامل بنوع من الإعراب تلزمه معه وجها واحدا وصورة لا تتغير مع ذلك العامل، علمنا أنه الموجب لذل الضرب من الإعراب، وهذا من أكبر أصول النحويون في استخراج العلل التي تجمع هذه الأشياء قطعة قطعة، وتحيط بها بابا بابا.

стр. 89

قيل له: فهل يجوز أن يدخل بعض هذه العوامل الملفوظ بها على بعض؟ فإذا قال: لا، قيل له: فمن أين علمت أن ذلك لا يجوز؟ فإذا قال: من جهة أنها استقرئت في كلام العرب فلم يوجد ذلك في شيء من كلامها، قيل له: فإذا رفعت الاسم بالظرف فقد نقضت ما قدمته من هذه الأصول المجتمع عليها، وذلك أنك زعمت أنا إنما نعلم أن العامل هو علة للإعراب الواقع في المعمول فيه إذا ألزم في الكلام وجها واحدا مع عامله، ولسنا نرى الاسم مع الظرف يلزم وجها واحدا، لأنا نجده مرفوعا مرة ومنصوبا أخرى في التقديم والتأخير جميعا، ألا ترى أنك تقول: في الدار أخوك، وإن في الدار أخاك، وأخوك في الدار وإن أخاك في لدار، فلا أرى الظرف ألزمه وجها واحدا فيعلم أنه العامل فيه من حيث علمنا سائر العوامل، فأعطيت العوامل وصفا واحدا رفعته عنها ها هنا بجعلك الظرف عاملا وهو بغير ذلك الوصف، ونفيت عن العوامل أيضا وصفا آخر، وهو أنه لا يدخل عامل على عامل، ثم أوجبت لها هذا الوصف المنفي عنها هناك بجعلك الظرف عاملا وإدخالك (إن) والعامل عليه، فنقضت الوصفين جميعا، وأوجبت من أوصاف العوامل ما كان منفيا ونفيت ما كان موجبا، وهذا فساد لمباني الصناعة وأصولها، وهذا الإلزام بعينه يلزم من زعم أن المبتدأ يرتفع بالخبر والخبر بالمبتدأ، وذلك أنهما عاملا لفظ فيما يزعم أهل الكوفة، فينبغي أن "لا" يلحقهما شيء من العوامل نحو أن والفعل وغير ذلك، إذ /٦٦/ ليس يدخل عامل على عامل، (لأنا قد نرى) خذا الخبر الذي كان مرفوعا بالمبتدأ على ما قالوا منصوبا، ورافعه في الكلام موجود، ألا ترى أنك تقول: زيد قائم، فإن كان زيد هو الرافع لقائم فينبغي ألا تقول: كان زيد قائما، ونحن إنما نعلم أن زيدا هو الرافع لقائم إذا ألزم قائما الرفع مع وجود زيد معه، وإلا فمن أين يعلم ذلك والعرب لم تخبرنا باعتقادها فيه، وإنما دلنا عليه الاستقراء، وهذا ظن لا دليل معه وتحكم لا حجة تصحبه.

стр. 90

فأما ما ذهب إليه سيبويه فعلى الأصول المجمع عليها، وذلك أنه يرفع بالابتداء، والابتداء معنى وليس بلفظ، فيكون قد أدخل عاملا على عامل مثله، ويكونان معا موجودين، فلا يلزمه ما لزم هؤلاء، وإذا أتيت بعامل لفظ فقد ارتفع بالابتداء، وهو قوله: (ولا تصل إلى الابتداء مع ما ذكرت لك). ومع هذا فإنا لا نجد في كلامهم "أبدا" مبتدأ مرفوعا، فقد نجد مع قائم زيدا وهو غير مرفوع بالوصف الذي يوجب أن يكون الشيء عاملا، هو لازم للابتداء وليس بلازم لزيد ولا قائم، لأنك تجد زيدا وقائما وهما مرفوعان ومنصوبان، وأحدهما مرفوع والآخر منصوب، فلو كانا هما العلة في رفع كل واحد منهما لصاحبه لما وجدا إلا وإعرابهما كذلك، وإنما وقع الخلاف بين البصريين والكوفيين في المبتدأ وفي الفعل المضارع لعدم عوامل اللفظ فسلك الكوفيون طريق الظن ولزم البصريون الأصول، وإلا فما يختلفون في أكثر عوامل اللفظ، ألا ترى أنهم لا يختلفون في باب إن ولا كان ولا الفعل ولا اسم الفاعل ولا المصدر ولا أسماء العدد ولا حروف الجر ولا عوامل الجزم والنصب في الأفعال، وهم مجتمعون على هذه، وإنما يختلفون فيها في فرع أو عبارة أو مسألة مركبة، وهذه التي عددناها هي العوامل المتفق عليها، ولو كان المبتدأ يرفع الخبر كما ذكروا لكان زيد وعمرو وما أشبههما من العوامل، وكانت الأسماء كلها كذلك عاملة /٦٧/ ومعمولا فيها، ولو كان هذا إنما يعمل فيه لما ينساغ للإنسان من القول دون ما توجبه الأصول ولغة القوم لانساغ لنا أن نقول: إن الفعل يعمل في الفعل، فنعتقد في: جاء زيد يسرع، وكان عمرو يذهب، أن يذهب ويسرع مرفوعان بالفعل الأول، ولا يلتفت إلى ما يدخل عليهما من العوامل بعد ذلك.

стр. 91

وأما ما تعلق به محمد بن يزيد من الضمير الذي يتضمنه معنى الظرف فنقول: نرفع زيدا بما كنا نرفع به ضميره إذا تأخر الظرف، فالضمير ها هنا إنما "هو" متعلق بفعل دل عليه المعنى، وذلك أن الظروف فيها معنى في ومن أشبههما من حروف الجر، فلا تكون إلا متشبثة بفعل ملفوظ [به] أو متشبثة بمعناه وإن لم يلفظ به. فإن قال: أرفع الاسم بالفعل الذي رفع الضمير في المعنى، قيل له: لا يجوز ذلك، من أجل أن الظرف إنما هو دليل على الفعل، من أجل أنه مفعول فيه، وليس لفظه مبنيا على الفعل ولا مشتقا منه كضارب وحسن، ونحن إذا قدمنا ضاربنا وهو جار على الفعل محتمل للضمير مثنى تثنية الاسم مجموع بجمعه، لم يكن الوجه فيه إذا قدمناه في قولنا: قائم زيد، أن نرفع زيدا به إلا أن يكون قبله ما يعتمد عليه، وإذا كان الفعل بهذا ضعيفا وهو جار على الفعل ومشتق منه كان أجدر ألا يجوز فيما ليس جاريا على الفعل ولا مشتقا منه، وهو أيضا فلا يجوز على مذهبه إذا قال: خير منك زيد، أن ترفع زيدا بخير وفي خير ضمير وإنما ينوي به التأخير، تريد زيدذ خير منك، فخير مشتق من الفعل، وهذا لا يجوز فيه، فما لم يكن مشتقا كان أحرى بألا يجوز. وأما البيت الذي (استشهد به) من شعر عمارة: "كأن في أظلالهن الشمس" فهو ضعيف، وتأويله على مذهب سيبويه فيما يجوز في الشعر سهل، وهو أن يجعل الضمير من كأن محذوفا وتقديره كأنه في أظلالهن "الشمس"، وتحذف الهاء وتكون الشمس مرفوعة بالابتداء وهذا منساغ في

стр. 92

الشعر، (وجاء أمثاله). مسألة [٥٠] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب من المعرفة يكون /٦٨/ الاسم الخاص فيه شائعا في الأمة، زعم أن قولهم لضرب من الكمأة: هذا نبات أوبر، معرفة، وإنما حجته في تعريف هذا الضرب وتنكيره ترك صرف ما ينصرف منه في النكرة ولا ينصرف في المعرفة، فإذا رآه لا ينصرف علم أنه "يراد به" المعرفة، لأنه لو كان نكرة انصرف، أو يراه منع من حرفي التعريف فعلم أنه لو كان نكرة دخلا عليه كما دخلا على ابن المخاض وابن اللبون، فأما بنات أوبر فلا دليل فيه بترك صرفه، لأن أوبر أفعل الذي هو صفة، وهو لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، وقد دخل عليه حرفا التعريف فدلا على أنه كان قبل دخولهما نكرة، قال: ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر فأما الأصمعي فزعم أنهم أدخلوا الألف واللام مضطرين، وذهب إلى مثل ما قاله سيبويه أنه معرفة ولكنهم اضطروا كما اضطر الذي قال: باعد أم العمرو من أسيرها

стр. 93

فهذا بمنزلة الحارث والعباس، يجريه كما كان صفة وما أرى بهذا بأسا. قال أحمد: أما قوله: إن بنات الأوبر لا دليل فيه بترك الصرف، لأن أوبر أفعل الذي هو صفة، وهو لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، فلم ينسبه إلى سيبويه في بنات أوبر على أنه معرفة بترك الصرف، ولكنه وجده في كلام العرب الفصحاء بغير ألف ولام، وإنما دخلت فيه الألف واللام في الشعر، فلما رآه ممتنعا من الألف واللام في معظم كلامهم وعند الفصحاء منهم حكم عليه بأنه معرفة، إذ كان ذلك أحد دليليه في الباب وهو الامتناع من الصرف فيما ينصرف مثلا في النكرة، والامتناع من الألف واللام، والدليل على إرادته هذا الوجه الأخير قوله بعد ذلك في آخر الباب: (وقال ناس: كل ابن أفعل معرفة لأنه لا ينصرف، وهذا خطأ لأن أفعل لا ينصرف وهو نكرة، ألا ترى أنك تقول: هذا أحمر قمد، فترفعه إذا جعلته صفة لأحمر، ولو كان معرفة كان نصبا) فقد أنكر على هؤلاء إذ أحتجوا بالامتناع من الصرف في كل موضع، لأن بعض /٦٩/ النكرات قد لا ينصرف لأنه صفة، وقد رد عليه أيضا محمد بن يزيد "هذه" العبارة. مسألة [٥١] ومن ذلك قوله في هذا الباب: وكل أفعل نكرة، وأما قولهم: إنه معرفة لأنه لا ينصرف فليس بشيء، لأن أفعل لا ينصرف في النكرة.

стр. 94

قال محمد: أما قصده فمصيب، ولكن الكلام على غير استواء إنما ينبغي أن يقول: ما كان منه غير وصف أو كان مثالا انصرف في النكرة، وما كان وصفا لم ينصرف وإن كان نكرة كما قال: كأنا على أولاد أحقب لاحها ... ورمي السفا أنفاسها بسهام جنوب ذوت عنها التناهي وأنزلت ... بها يوم ذباب السبيب صيام قال أحمد: أما قوله: إنه كان ينبغي أن يقول: ما كان منه غير وصف أو كان مثالا انصرف في النكرة، فهذا على الحقيقة غير مستو، لأنه لا معنى لذكر المثال في باب بنات أوبر، وإنما يذكر هذا المثال في باب ما ينصرف وما لا ينصرف من الأمثلة، وليس له ها هنا حقيقة موضع، وإنما يذكر في هذا الباب أسماء غير أمثلة، والأمثلة تذكر هناك، والقول المصيب في اللفظ والمعنى ما قال سيبويه، لأن القوم الذين رد عليهم إنما ادعوا أن ابن افعل في هذا الباب على الإطلاق والعموم معرفة لأنه لا ينصرف، فقال سيبويه رادا عليهم: هذا خطأ لأن أفعل قد لا ينصرف وهو نكرة، فجعل استدلالهم على أنه معرفة بترك الصرف خطأ من أجل أن أفعل قد يقع في الكلام نكرة وهو لا ينصرف، يعني إذا كان وصفا، فأي فساد في هذا اللفظ؟ مسألة [٥٢] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب [ما] ينتصب لأنه قبيح أن يوصف بما بعده، زعم أنه يقول: هذا قائما رجل، فينصب قائما على الحال لأنه لا يجوز أن يجعل رجلا صفة لقائم، فينصب على جواز هذا رجل قائما، إلا أنه الوجه لما قدمه، وكذلك فيها قائما رجل، وصدق هذا القياس ولكنه أجاز مع هذا أن تقول: هو قائما رجل، وهذا محال،

стр. 95

وقد ناقض فيه، لأنه لا يجوز هو رجل قائما وهو يرد هذا وجميع الناس. قال أحمد: لم أره جعل بين الرد /٧٠/ وبين كلام صاحبه غير زيادة حرف النفي، وذل أنه قال: لا يجوز، فزاد (ولا) فقط، ولم يبين من أين امتنع ذلك، وأدعى أن سيبويه يرد قول نفسه وجميع الناس كذلك، وليس الأمر كما قال وبيان ذلك أن الكوفيين بأسرهم يجيزون هذا الباب، ولا يفرقونه، وإنما سيبويه حكى عن الخليل في المعارف إذا وقعت بعد المضمرات في مثل قولك: هو زيد منطلق أنه لا يجوز، وليس هذا من ذلك، لأنه ليس كل الناس يعرف زيدا، إنما يعرفه بعض ويجهله بعض، وليس رجل كذلك، وما أشبهه من النكرات، وإنما صار الكلام محالا في زيد ونظائره، لأنك إذا قلت هو زيد [قائما] فإنما تعرف المخاطب في نفسه إذا كان لا يعرفه إذا حل عندك محل من لا يعرفه، ولم ترد تنبيهه على فعل من أفعاله أو وصف من أوصافه، ولم يجز أن تأتي بالحال وأنت تريد هذا المعنى. ولو أتيت بالحال وأنت تريد هذا المعنى لعرفته في نفسه فقلت: هو زيد منطلقا، لكنت كأنك قلت: هو زيد في هذه الحال، فأوهمت أنه ليس زيدا، إذ لم يكن مبهما، فإذا قلت: أخبر أنه زيد وأنه منطلق بالرفع في منطلق إذا أردت ذلك، لأنك جعلته خبرا ثانيا أو مبنيا على مبتدأ محذوف فتقول: هو زيد منطلق، أعلمت أنه زيد وأنه منطلق وهذا جائز، وإذا قلت: هذا زيد منطلقا، فإنما تنبهه على زيد وقد تقدمت معرفة المخاطب به، كأنك قلت: هذا الذي تعرف منطلقا، ولم ترد أن تفيده زيدا، ولو أردت ذلك لكان سبيله في

стр. 96

رفع منطلق سبيل المسألة الأولى، وسبيل رجل كسبيل زيد مع هذا إذا قلت: هو رجل يفعل كذا وفاعل كذا، فلم ترد أن تفيده رجلا وإنما أردت أن تفيده فعله، فجاز أن تصف به الأول وأن تجعله حالا، ولا فرق بين قولك: هذا رجل صالح وهو رجل صالح في هذا المعنى الذي ذكرناه لأن الرجل معلوم عند المخاطب في المسألتين وإنما أفدته الصلاح، فإن شئت جعلت صالحا نعتا، وإن شئت حالا، لأن معنى الكلام لا يستحيل كما يستحيل في قولك: هو عمرو منطلقا إذا أردت أن تعرفه عمرا وهو لا يعرفه. وسألت أبا إسحاق عن هذه المسألة فأجاب بأنها لا تجوز /٧١/ إلا "على" أن تجعل رجلا في معنى الرجلة وفي الشجاعة، وهذا الذي ذهب إليه قد جاء به سيبويه في المعرفة لأنه قال: "إذا قال" الرجل: أنا فلان وهو يريد الافتخار حسنت الحال بعده، وكذلك إذا قال: أنا عبد الله وهو يريد التذلل والتصغير لشأنه قال بعده: آكلا كما يأكل العبيد وهذا التأويل منساغ في المعرفة والنكرة. مسألة [٥٣] قال: ومما أصبناه في التاسع من ذلك في باب الابتداء: (واعلم أن المبتدأ لابد له من أن يكون المبنى عليه شيئا هو هو أو يكون في زمان أو مكان) وأنت قد تقول: زيد ضربته والفعل خير عنه وليس به ولا هو من الزمان والمكان، وكذلك إذا قلت: زيد عمرو

стр. 97

ضارب أباه، وزيد أبوه منطلق، وإنما كان ينبغي أن يقول: لابد من أن يكون المبني عليه شيئا هو هو أو شيئا فيه ذكره، فيجمع هذا أجمع. قال أحمد: أما اعتراضه بقوله: زيد ضربته وأنه خارج عن هذا، فهو شيء "قد" ابتدأ به في صدر كتابه، واستغنى عن إعادته هنا، وجعله في باب الفاعل والمفعول به لأن الابتداء عارض فيه، ألا ترى أنك، إذا قلت: زيد ضربته، جاز النصب في زيد وإن شغلت عنه الفعل، لأنه في المعنى مفعول به على كل حال وإن كان مبتدأ، ألا ترى أنك لو أتيت بالحروف والمعاني التي هي بالفعل أولى لكان النصب أجود، وذلك في الاستفهام والأمر والنهي والنفي، وإنما تعلق بظاهر كلامه لأنه أجرى الكلام في ظاهره على العموم وهو يريد التخصيص، وذلك أنه قال: إن المبتدأ لابد أن يكون المبني عليه شيئا هو هو، وإنما أراد المبتدأ المحض الذي يكون الخبر عنه شيئا واحدا لا جملة، وليس هذا يعيبه في الكلام، لأنه كثير في كلام العرب، وقد جاء في القرآن العام في موضع الخاص والخاص في موضع العام، ومن العجب أنه رد هذا النوع من الكلام بمثله ودخل فيه، وذلك أنه لما قال: وإنما كان ينبغي أن يقول: لابد من أن يكون المبني عليه شيئا هو هو أو شيئا فيه ذكره فيقال له: فهل يجوز أن تقول: زيد أبوه، لأن فيه ذكره؟ فإذا قال: لا يجوز ذلك، لأن أباه ليست جملة /٧٢/ يتم بها الكلام، قيل له: فقد كان ينبغي أن تزيد هذا في وصف كلامك وتخصصه فتقول: لابد من أن يكون المبني عليه شيئا هو هو أو شيئا فيه ذكره مما يتم كلاما، فإذا قلت هذا فقد بقي عليك بعد ما يصحح الكلام بأن يقال: فنحن نقول: زيد عندك، وليس في عندك ذكر لزيد، فإن قال: هو في المعنى وإن لم يكن ملفوظا به، قيل: فعندك لا

стр. 98

تتم وحدها كلاما، فقد صار في عند أحد المعنيين، وهو أن فيها ذكرا وليس فيها المعنى الآخر، وهو أن يكون كلاما [تاما]، فإذا قال أي الوجهين شاء فسد عليه لفظه، وليس بصحيح غير ما قال سيبويه، وقد أتى بمسائل عدة ردها على هذا النحو في العموم والخصوص، وهو ضعيف جدا، فيه تجامل، ويتلو هذه المسألة مسائل ذهب فيها إلى هذا المعنى، ونحن ذاكروها إن شاء الله. مسألة [٥٤] [قال]: ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما يكون محمولا على إن فشارك فيه الاسم الذي وليها ويكون محمولا على الابتداء قال: ولكن المثقلة في جميع الكلام بمنزلة إن. قال محمد: فلو قال: في العطف والابتداء والقطع لم ينكر، ولكنه قال: في جميع الكلام وليس كما قال: لأن اللام تدخل في خبر إن ولا تدخل في خبر لكن، وذلك [قولك: إن زيدا لمنطلق، ولا يجوز لكن زيدا لمنطلق، وذلك] أن معنى إن الابتداء من غير تقدمة كلام، واللام للقسم، فإذا قلت: والله لزيد خير منك، قلت: والله إن زيدا لخير منك، ولكن إنما توجب بها بعد النفي، يقول القائل، ما زيد أخاك فتقول: لكن عمرا أبوك، ولا يجوز والله لكن عمرا لقائم، لأن اللام لام الابتداء على غير مقدمة، ولكن لا تكون إلا بعد كلام. قال أحمد: في هذه المسألة جوابان: أحدهما يشبه الجواب الذي في المسألة الأولى من

стр. 99

العموم والخصوص، فيكون أراد بقوله: في جميع الكلام، أي: في جميع الكلام الذي نحن في ذكره ووصفه، وهو العطف والقطع والابتداء، لأنه قال هذا بعقب المسائل في هذا الكلام وإياه عني، الجواب الآخر أن يكون أراد بقوله: إن لكن المثقلة في جميع الكلام بمنزلة إن، أي: بمنزلتها ومعناها /٧٣/ في الإيجاب، لأن ليت ولعل وأخوات إن يفارقنها في الإيجاب، وهذه موافقة لها في الإيجاب في جميع الكلام، يعني أنها يوجب بها كما يوجب بإن، فاتفقا في معنى الإيجاب فقط. وأما قوله: إن لكن إنما يوجب بها بعد كلام متقدم فليس ذلك بمخرج لها من معنى الإيجاب الذي وافقت به إن، ولا يجوز اللام في جواب إن لفرق بينهما في الإيجاب أيضا. مسألة [٥٥] قال: ومما أصبناه في العاشر من ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما ينتصب فيه الخبر بعد الأحرف الخمسة، قال: وقال الخليل: إن من أفضلهم كان زيدا، على إلغاء كان، وشبهه بقول الفرزدق: فكيف إذا رأيت دبار قومي ... وجيران لنا كانوا كرام قال محمد: ولا حجة له في هذا البيت، لأنه يجوز أن يكون (لنا) خبر كان، [كأنه] قال: وجيران كانوا لنا كرام.

стр. 100

قال أحمد: إذا كانت (لنا) من صلة جيران معلقة بها فليس يجوز أن يكون خبرا لكان، مثال ذلك أنك لو قلت: مررت برجل راغب فينا كان، لم يجز أن تجعل فينا وهو معلق براغب خبرا عن كان، وكذلك مررت برجل نازل علينا كان [فإن جعلت علينا، وفينا، ولنا خبرا عن كان] فهو سوى ذلك المعنى، ولم تكن الرغبة فينا، ولا النزول علينا، ولا المجاورة لنا، وكأنك قلت: مررت برجل راغب ولا تذكر فيمن رغب، ثم قلت: كان فينا كما تقول: كان معنا، وكذلك نازل وما أشبهه مما يقتضي حرفا من الحروف، وكأنه قال في البيت: وجيران، ولم يبين لمن هم جيران، ثم قال: كانوا لنا، أي: كانوا نملكهم، وهذا المعنى غير ما ذهب إليه الشاعر، وهو متكلف. مسألة [٥٦] قال: ومن ذلك قوله في باب نعم: هذا باب ما لا يعمل في المعروف إلا مضمرا لأنهم شرطوا التفسير ثم قال في موضع آخر من هذا الباب: (ولا يكون في موضع الإضمار مظهر) ثم نقض جميع ذلك بقوله في هذا الباب: (وأما قولهم: نعم الرجل زيد، فهو بمنزلة قولهم: ] ذهب أخوه زيد، عمل نعم في الرجل ولم يعمل في عبد الله، وإذا قال عبد الله نعم الرجل فهو بمنزلة عبد الله ذهب أخوه .. فنعم تكون مرة عاملة في مضمر يفسره ما بعده /٧٤/ .. وتكون مرة أخرى تعمل في مظهر لا تجاوزه) وهذا الذي حكيناه عنه أقبح ما يكون من النقض، إذ زعم أنها لا تعمل إلا [في] مضمر، ثم أطلق لها الإعمال في المظهر، وإنما كان حد [هذا] الكلام أن يقول: هذا باب ما يقع ثناء عاما ويعمل في مضمر على شريطة التفسير، أو مظهر يحتاج إلى تسمية من يعني به وجرى هذا المظهر مجرى المضمر في الاحتياج إلى المعنى بالمدح والذم، وذلك أنك إذا قلت: نعم رجلا عبد الله، ففي نعم

стр. 101

ضمير ورجل تفسير، كأنك قلت: محمود من الرجال أو في الرجال بقولك: نعم رجلا، فإذا قلت: عبد الله، أوضحت من تعني بالمدح <أو الذم> وإنما احتجت إلى ذكرك رجلا بعد نعم لأن نعم مبهمة تقع على كل شيء فإذا قلت: رجلا أو دابة أو دارا، أوضحت النوع الذي كان ممدوحك <أو مذمومك> منه، وكذلك إذا قلت: نعم الرجل وبئس الرجل، احتجت إلى أن تقول: زيد أو ما أشبهه، وكان الرجل غير مخصوص ولكنه واحد من جنس يدل على جميع جنسه بديًّا حتى تختص ذكر من إليه تقصد لأن معناه من الرجال وهو قولك: أهلك الناس الدينار والدرهم، وكثر الشاة والبعير، أي: هذا النوع، وفلان يملك العبد الفاره أبدا والدابة الجواد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ ثم قال جل وعز: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ومن [ذلك] قولك: رأيت الأسد، لست تعني أسدا بعينه ولكنك تقول: الواحد من النوع الذي سمعت به. قال أحمد: لو تأمل محمد هذا الفصل الذي حكاه عن سيبويه لأغناه عن الرد عليه، وهو قوله (فنعم تكون مرة عاملة في مضمر يفسره ما بعده وتكون مرة أخرى تعمل في مظهر لا تجاوزه)، فلو أنعم النظر في هذا الفصل لعلم أنه لم يناقض كما ذكر، وإنما اشتبه عليه قوله في موضع: إنها لا تعمل في المعروف إلا مضمرا، ثم ذكر أنها تعمل في المظهر في قولك: نعم الرجل عبد الله، وهذا الموضع غير ذلك الموضع لأنك إذا عديتها إلى نكرة تبين بها الضعف في قولك: نعم رجلا عبد الله، فلا يجوز في هذا البتة أن تعمل في المعروف إلا مضمرا، ألا ترى أنك لو أتيت مع رجل /٧٥/ باسم فيه الألف واللام لم يجز، وإذا قلت: نعم الرجل عبد الله لم تجاوز الرجل إلى نكرة منصوبة، فهذا تأويل قوله: وتكون مرة أخرى تعمل في مظهر لا تجاوزه، أي: لا تجاوزه إلى منصوب، فالمنصوب لا يكون معه إلا المضمر،

стр. 102

والمظهر لا يكون معه منصوب، فقوله في ذلك الوجه، إنها لا تعمل في المعروف إلا مضمرا حق وليس عملها في موضع آخر في المظهر بناقض لذلك [القول] لأنهما موضعان، ومسألتان، ولو كانا موضعا واحدا أو في مسألة واحدة لكان الكلام متناقضا. وأما حكايته عنه في الرد أنه زعم أنها لا تعمل أبدا إلا في مضمر فليس هذا في نص قوله الذي صدر به الباب، على أنه لو قال ذلك لكان له وجه حسن يرجع إلى ما قلنا، فكأنه أراد أنه لا يعمل مع تعديها إلى النكرة أبدا إلا في مضمر، فهو صحيح على هذا المعنى لو قاله. وجملة القول في ذلك أن الموضع الذي تعمل فيه المظهر غير الموضع الذي لا تعمل فيه إلا في مضمر، والفصل الذي حكيناه عنه هو شاهد لما احتججنا به له، ومن قوله نعبِّر عنه ونحتج له، لأنه لما رأيناه قال: فنعم تكون مرة عاملة في مضمر يفسره ما بعده وتكون مرة أخرى تعمل فيها هو مظهر لا تجاوزه، علمنا بذلك أنه جعل لها وجهين في الكلام، وجها تتجاوز فيه إلى المفسر، ووجها لا تتجاوز المظهر فيه، فهي في أحد الوجهين عاملة في مضمر، ولا يجوز في تلك الحال أن تعمل في مظهر، وذلك إذا كان معها المفسر المنصوب، وإذا لم يكن معها عملت في المظهر، فهذان وجهان لها. مسألة [٥٧] قال: ومن ذلك قوله في باب نعم، "قال": وإما أحد وأرم وكتيع وعريب وكراب وما أشبه ذلك فلا يقعن واجبات ولا حالا ولا استثناء). قال محمد: وهذا خطأ، لأنا نقول: قد جاءني كل أحد، ومررت اليوم بكل أحد من بني فلان، وإنما القول في أحد وما أشبهه أن تقول: لا يقعن إلا في موضع يقع فيه الجميع

стр. 103

والواحد الذي في معنى الجميع، تقول: كل أحد جاءني وكل الرجال، وما جاءني اليوم رجل، وما جاءني اليوم رجال والرجال، ولا تقول: عندي عشرون أحدا لأنك لا تقول: عندي عشرون رجالا /٧٦/ على هذا الحد، ولو قلت: جاءني أول أحد منهم كان عندي جائزا، لأنك تقول: أول رجل وأول الرجال، وإنما كان لأحد هذا الموضع خاصة لأن له لفظ الواحد ومعنى الجميع، فلذلك كان موضعها الموضع الذي يجمع بين هذين المعنيين، فإن قيل: فرجل في قولك: عشرون رجل لفظه واحد ومعناه جمع، قلنا: إن رجلا إنما كان كذلك لأنه وقع بعد عشرين، ولولا ما قبله لم يجاوز الواحد، ألا ترى أنك تقول: ضربت رجلا وكلمني رجل، فيكون المعنى واقعا على واحد في العدد، وقد ذكر سيبويه مثل ذلك في الجزء الأول في قوله: أتاني رجل، فيقول المجيب: ما أتاك رجل، مما يغني عن إعادته. قال أحمد: قد تقدم ذكر هذه المسألة، وهي ها هنا مكررة، لأن سيبويه أعاد ذكرها بشيء اقتضى ذلك، فأعاد محمد الرد، وقد أوضحناها بما فيه كفاية، غير أنا نذكر ها هنا نبذا من القول لمن جاء به لم يكن تقدم، زعم أن أحدا إنما يقع في موضع يكون مشتركا للواحد والجميع، ولو كان الأمر على ما زعم لجاز أن تقول: زيد أفضل أحد، لأنك تقول: زيد أفضل رجل، وأفضل الرجال، وهذا ما لا يجوز ولا ينساغ، وأما قوله: إنه يجوز أتاني كل أحد، ومررت "اليوم" بكل أحد، فقد مضى القول والجواب على ذلك مستقصى فيما تقدم. مسألة [٥٨] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب لا يكون الوصف المفرد فيه إلا رفعا، قال: (وتقول: يا أيها الرجل زيد أقبل، وإنما نونت لأنه موضع يرتفع فيه المضاف، وإنما يحذف

стр. 104

التنوين إذا كان في موضع ينصب فيه المضاف.) قال محمد: وقد ناقض، لأنه يقول: يا هذا زيد أقبل وزيدا على اللفظ وعلى الموضع فينون، وهذا موضع لا يقع فيه المضاف إلا نصبا، لا تقول إلا: يا هذا ذا المال أقبل، على ندائين، وقد كان قال في أول [باب] النداء: أقول: يا زيد الطويل والطويل على الموضع، والرفع فعلى أن زيدا وما أشبهه قد اطرد فيه النداء وصار بمنزلة ما يرفعه الفعل والابتداء ونحو ذلك. قيل: فلم لا تقول: يا زيد ذو الجمة؟ قال: من قبل أن ذا الجمة /٧٧/ لو وقع موقع زيد لم يكن إلا نصبا، والطويل لو كان منادي كان كزيد، فجعل هذا أصل هذا، ثم قال في الباب الذي بعده: وهو الذي ذكرناه فوق هذا الفصل: (وتقول: يا زيد الحسن الوجه والحسن، ولا تلتفت فيه إلى الطول، لأنك لا تستطيع أن تناديه فتجعله وصفا مثله منادى)، وهذا نقض لذلك، وقد فسر في غير هذا الدفتر. قال أحمد: أما قول سيبويه في يا أيها الرجل زيد: إن زيدا منون لأنه في موضع يرتفع فيه المضاف، فليس يخالف محمد ولا غيره فيه، وإنما ألزمه على هذا القول "أن" لا ينون في الموضع الذي ينتصب فيه المضاف، إذ عارضه بقوله في موضع آخر: يا هذا زيد،

стр. 105

وهو يقول: يا هذا ذا الجمة، فينصب على النعت، لأن هذا لا ينعت بالمضاف، وليس يلزمه ذلك، لأنا إذا قلنا: إن الاسم المفرد يكون منونا في هذا الموضع على كل حال، لم يلزمنا بهذا القول أن نترك التنوين إذا كان في غير ذلك الموضع على كل حال، ولكن يحتمل إذا كان في غير ذلك الموضع أن ينصرف في أحوال يكون "في" بعضها منونا وفي بعضها غير منون، وإذا كان هذا كذا فقد اختلف الموضعان، فتنوين المفرد في الموضع الذي يرتفع فيه المضاف واجب مطرد متفق عليه، وليس حذفه في الموضع الذي ينتصب فيه المضاف مطردا، بل قد يحذف التنوين في حال ويثبت في أخرى، ألا ترى أن سيبويه يروي هذا البيت على وجوه: إني وأسطار سطرن سطرا لقائل يا نصر نصر نصرا ونصرا نصرا، وزعم أن بعضهم ينشد: ........ يا نصر نصر نصرا فيرفع الثاني وينونه، ومرة يدع التنوين فيه، وهذا موضع ينتصب فيه المضاف، فلم يكن حذف التنوين لازما في الموضع الذي يرتفع فيه المضاف، وقد قال سيبويه في غير هذا الفصل: وإنما يجوز في موضع ينتصب فيه المضاف، أي: إنما يجوز الحذف في هذا الموضوع وغير الحذف أيضا جائز، وكذلك إذا قال: يا هذا زيد، وهو ينوي الوقوف على هذا، فإن شاء رفع زيدا بتنوين وبغير تنوين، وأن شاء نصبه منونا. فأما قول محمد: "إن" /٧٨/ يا هذا ذا المال على ندائين، فقد أكد به الحجة لسيبويه وأفسد المعارضة عليه، لأنه إذا كان على نداءين فقد صار على كلامين وليس أحدهما

стр. 106

محمولا على الآخر، ولا موضع زيد في قولك: يا هذا زيد بموضع يقع فيه المضاف، لأنه يقدر فيه المضاف منادى آخر، وليس من الأول ولا محمولا عليه، وإنما كل واحد منهما منادى على حياله، وإذا كان كذا فليس بمشبه لقولنا: يا أيها الرجل زيد، لأن زيدا محمول على الرجل، ويا أيها الرجل ذو الجمة نعت للرجل، وهما جميعا من الكلام الأول، وإذا قلت: يا هذا ذا الجمة وذو الجمة محمول على عطف البيان عند سيبويه، والمعارضة على أن يكون على نداءين متناقضة لا وجه لها لما ذكرنا. وأما قوله في المسألة الأخرى: إنه زعم في يا زيد ذا الجمة أن المضاف انتصب لأنه لو وقع موقع المفرد لم يكن إلا نصبا فهذا إلى هذا الموضع من كلام سيبويه صحيح متفق عليه، وزاد محمد متأولا والطويل لو كان مثله كان كزيد، فهذا ليس من كلام سيبويه وإنما جاء به على التأويل والظن فاتجه له الكلام وليس ينساغ، أما أن تجعل الطويل في موضع المفرد فتقول: يا ذا الجمة كما تقول: يا زيد، ولا تقول: يا الطويل كما قلنا، وكيف نقدر فيه ذلك ونحن إذا قلنا: يا زيد الطويل جاز لنا فيه وجهان: الرفع والنصب، وكذلك يا زيد الحسن الوجه، يرفع الحسن ولا يلتفت إلى الطويل، لأنك لا تستطيع أن تناديه فتجعل إعرابه في الوصف كإعرابه وهو منادى، فنحن نستطيع إذا قلنا: يا زيد ذا الجمة أن تقول: يا ذا الجمة، فنناديه، ولا نقول: يا الحسن الوجه، ولا يا الطويل، وإنما جاء بالطويل معارضا ليجعله نظير الحسن الوجه: فلم جاز لك أن تحتج في الحسن الوجه بالامتناع من النداء، ولم تفعل ذلك في الطويل وما أشبهه، ومجراهما واحد عند سيبويه ولم يفرق بينهما في هذا المعنى، وإنما ظن محمد ظنا وليس بنص. مسألة [٥٩] قال: ولم نصب في الثاني عشر شيئا، ومما أصبناه في الثالث عشر ذكره في الثاني عشر أنك إذا أضفت غلاما إلى نفسك ثم ندبته فيمن قال: يا غلامي فأسكن الياء إنك تقول:

стр. 107

واغلامياه، /٧٩/ فتحرك لالتقاء الساكنين، ثم قال في الثالث عشر في باب ترجمته: هذا باب تكون فيه ألف الندبة تابعة لما قبلها إن كان مكسورا فهي ياء وإن كان مضموما فهي واو، وذلك قولك: وأظهرهوه إذا أضفت الظهر إلى مذكر، وإنما جعلته واوا لتفصل بينها وبين المؤنث إذا قلت: واظهرهاه، ثم قاس ذلك في جميع هذا الباب فقال: وتقول واغلامكموه إذا عنيت الجماعة لتفصل بين ذلك وبين التثنية إذا قلت: واغلامكماه، وكذلك ما أشبه ذلك. مسألة [٦٠] وقال في الباب الذي يلي هذا الباب: وإذا ندبت رجلا يسمى ضربوا قلت: واضربوه لتفصل بينه وبين رجل يسمى ضربا إذا قلت: واضرباه، وإنما تحذف الحرف الأول من هذا ومما قبله لأنه لا ينجزم حرفان. فيقال: قد علمت أن الياء بمنزلة الواو، وأنك تقول: غزوا للاثنين كما تقول: رميا، وتقول: لن يغزو للواحد كما تقول: لن يرمي، فإن كنت حيث قلت: يا غلامياه حركت الياء كما ذكرت لالتقاء الساكنين علما بأن حركتها لا تكون إلا فتحة، فقل: واظهرهواه، فحرك الواو لالتقاء الساكنين كما فعلت بالياء في يا غلامي، وقل: واضربواه في رجل يسمى ضربوا، فأما ضربا وظهرها فإن ألف هذا وما أشبهه يذهب كما يذهب ألف مثنى، فقد ترك قياسه في ضربوا وظهرهو.

стр. 108

والقول عندي في ذلك أن يقال: واو الجميع في غلامهموه وواو الإضمار في ظهرهو وواو ضربوا أصلها السكون، ولا يجوز أن تحرك إلا لالتقاء الساكنين، فتكون حركتها الضمة إذا انفتح ما قبلها "كما" في ﴿اشتروا الضلالة﴾ والكسر فيها جائز، وكذلك واو الواحد بالجواز فتنقلب ياء، فمن ثم يحركا وكانت الحركة ليس لها في الأصل، وكانت ألف الندبة زائدة، يجوز أن تخلو منها الكلمة فلذلك قلبت قبلها. وأما ياء غلامي فأصلها الفتحة، وإنما فتحت على أصلها، ألا ترى أنك تقول إن شئت: هذا غلامي قد جاء على الأصل كما قال الله : ﴿يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه﴾ وكذلك حركتها بالفتح حيث سكن ما قبلها في قولك: هذا عنزي وهذه عصاي، فهذا فصل قوي بينها وبين واو الجمع [وإضمار الواحد. قال أحمد: هذا الفصل صحيح لا معدل عنه ولا جواب في هذا أحسن منه، ومع ما ذكر في الفصل بين ياء غلامي وواو الجميع]. / ٨٠/ والواو التي تكون مع المضمر، أما لو حذفنا "الياء" من غلامي للندبة "لا" لالتقاء الساكنين لفتحت ألف الندبة ما قبلها والتبس المضاف بالمفرد، فكنا قد منعنا الياء حركة تحرك بها وتكون في الكلام لها، وحولنا حركة ما قبلها من الكسر إلى الفتح وأدخلنا في الكلام هذا اللبس. مسألة [٦١] ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب الحروف التي ينبه بها المدعو، قال: ولا يجوز

стр. 109

أن تقول: هذا، ولا رجل، وأنت تريد يا، وذلك لأن الحرث الذي ينبه به لزم المبهم وصار كأنه بدل من (أي) حين حذفته فلم تقل: يا أيها الرجل ولا يا أيهذا، ولكنك تقول إن شئت: [من لا يزال] محسنا أقبل، لأنه لا يكون وصفا لأي. قال محمد: وهذا خطأ، لأن هذا اسم على حياله مبهم مثل أي، ورجل قد صار في النداء معرفة كغيره من المعارف، وليس ما تصف به إذا وضعته موضع الموصوف إلا بمنزلته نحو قولك: يا ذا الجمة أقبل كما تقول: عبد الله أقبل، فكيف الأسماء التي لا يجوز أن يوصف بها إلا المبهمة، ولكن القول في هذا لا يخلو من يا في النداء، لأنه اسم أصله أن يشير به الواحد إلى غيره، فلما ناديته ذهبت منه الإشارة فعوض التنبيه لما نقص، وهذا قول أبي عثمان. وأما رجل فإنه لما منع الألف واللام في النداء وهو معرفة عوض منها لزوم التنبيه كما كانت الهاء في زنادقة عوضا من الياء. وأما من لا يزال محسنا فإنه في النداء بصلته كما كان في سائر الكلام، فمن ثم لم يلزمه التنبيه لأنه لم ينقص فيعوض. قال أحمد بن محمد: قوله في هذا الاعتلال: إنه خطأ من أجل أن (من) اسم على حياله مبهم قول غير لازم، وذلك أن هذا أيضا اسم مبهم على حياله وقد وصفت به العرب أيا، وإنما أراد سيبويه أن من هذه الأسماء ما وصفت به العرب أيا وأجرته مجرى أي، ومنه ما لم تنعت به أيا فنعتت أيا بهذا فقالت: أيهذا الرجل ويا أيها الرجل، [فلما قالوا: يا

стр. 110

هذا، ويا رجل فكأنهم قالوا يا أي هذا ويا أي ها الرجل] لأنهما وصفان لأي، فأي كأنها موجودة إذا دعيا، فلما حذفت/ ٨١/ أي ألزموهما (يا) عوضا عن حذف أي، إلا أن سيبويه يجيز حذف (يا) من النكرة خاصة وإن كان ذلك ضعيفا عنده، ونحن نذكره بعد هذا الفصل. وإما الاعتلال الذي أتى به محمد بن يزيد عن المازني في أن (يا) إنما ألزمت هذا في النداء، لأنه اسم أصله أن يشير به الواحد إلى غيره، فلما ناديته ذهبت منه الإشارة، فعوض حذف التنبيه فخطأ، لأن باب النداء يحول الأسماء- أسماء الإشارة وغيرها- إلى الخطاب كتحويله أسماء الغيبة إلى المخاطبة إذا قلت: يا زيد، فلو كان التحويل عما عليه الاسم في الأصل إلى غيره يوجب له التعويض هاهنا لوجب ألا يحذف (يا) من اسم منادى البته، لأنها كلها قد تحولت إلى الخطاب وإن كانت في الأصل غير مخاطبة، والتعويض هاهنا من اللفظ "الذي" حذف أولى، أعني لفظ أي، وهو قول سيبويه، وإنما وقع الحذف من بعضها فعوض في الموضع الذي وقع الحذف، وأما التحويل إلى الخطاب فقام في الباب ولم تعوض منه العرب. وأما قوله في رجل: إنه لما منع الألف واللام في النداء عوض لزوم التنبيه، فمن قوله: "إن" يا رجل معناه يا أيها الرجل، وليست تدخله الألف واللام وهو منادى البتة، إنما تدخله وهو وصف لمنادى، والمنادى محذوف، فالتعويض منه أولى، لأن التعريف في النداء بغير ألف ولام وإنما هو بالإحساس، فكان التعويض مما يلفظ به في النداء ويحذف أعني أيا أولى من التعويض من شيء لا يكون في النداء مستعملا، وقد أدى عن معناه غيره كالألف واللام التي أدى عن معناها الاختصاص واستغنى عنها في النداء، فما الحاجة إلى التعويض من شيء لا يقع البتة وقد ناب عنه غيره وقام مقامه سواه؟
следующие страницы →