Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3501–3515 · переход к 3506.
стр. 3501
فإن قال قائل: كيف يقول: "اللهم غفر لي"، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فيمكن أن يجاب: بأن هذا قبل أن تنزل الآية، وهذا فيه شيء من الضعف؛ لأنه لا يمكن أن نجزم بذلك إلا بعد العلم بالتاريخ، وأبو موسي الأشعري من وفود الأشعريين المتأخرين، ولكن يقال: جواب أحسن من ذلك، وهو أن دعاء الرسول ﷺ بالمغفرة من جملة أسباب مغفرة الله ، فيكون الله تعالى وعده بأن يغفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر لأسباب، ومنها: أن يستغفر الله كما أن الله قال: ﴿إنَّ الله وملائكته يصلُّون على النبي﴾، ثم قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلُّوا عليه﴾ [الأحزاب: ٥٦].
قد يقول قائل: ما الفائدة من صلاتنا عليه وقد أخبرنا الله بأنه يصلي عليه؟
نقول: من أسباب صلاتنا عليه: أن ندعو له بذلك، وعلى هذا فلا منافاة.
وقوله: "خطيئتي وجهلي" أي: ما فعلت عن جهل؛ لأن الرسول لا يعلم الغيب، وقد يفعل الشيء يظنه صوابًا فيكون خطأ، إلا أنه يفرق بينه وبين غيره بأنه لا يقر على الخطأ.
"وإسرافي في أمري"، الإسراف: مجاوزة الحد، والأمر هنا بمعنى الشأن؛ أي: إسرافي في كل شئوني، وهذا من كمال صفاته ﷺ أنه يكره الإسراف ويسأل الله تعالى أن يغفر له ما أسرف، والإسراف كما سمعتم: مجاوزة الحد، والإنسان بشر قد يتجاوز الحد بمأكله أو مشربه أو ملبسه أو مسكنه أو مقاله أو فعاله، الإنسان معرض لهذا.
"وما أنت أعلم به مني"، كيف يمكن أن نقول: إن الله أعلم بك منك في أفعالك؟ نقول: نعم، الله أعلم؛ لأن علمه بما فعلت ثابت لا يتطرق إليه نسيان، وعلمي أنا بما فعلت أنسى، وإلا فمن المعلوم أن ما لم أفعله لا أؤاخذ به، لكن ما فعلته فقد أنساه، وحينئذٍ أكل علمه إلى الله، فالرسول ﷺ يقول: "ما أنت أعلم به مني" ليس المراد الذنب في المستقبل؛ لأن الذنب ف المستقبل لا مؤاخذة فيه، المراد: الذنب الماضي الذي قد يكون الإنسان نسيه، فيسأل الله أن يغفر ما هو أعلم به منه.
"اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي"، هذا الذكر سيكون فيه إشكال أولاً: جدّي الجد ضد الهزل، وهو ما قصده الإنسان بلفظه أو بفعله؛ لأن الإنسان قد يلفظ لفظًا يكون مازحًا هازلاً، وقد يفعل فعلاً يكون هازلاً مازحًا، وقد يكون جادًا في ذلك، فالمراد بالجد هنا: ضد الهزل، بدليل أنه عطف عليه قوله: "وهزلي".
فإن قال قائل: وهل الهزل يؤاخذ به الإنسان؟
نعم يؤاخذ، أحيانًا يكون الهزل من كبائر الذنوب، وأحيانًا يكون الهزل مما يخرج الإنسان
стр. 3502
من الإيمان، لو هزل بشيء من آيات الله أو بشيء من أحكام الله أو بشيء من صفات الله أو بالله ماذا يكون؟ يكون كافرًا. يقول: "اللهم اغفر لي جدي وهزلي ... الخ"، الجد ضد الهزل، يعني: ما يفعله الإنسان حقيقة، والهزل ما يفعله هزلاً ومزحًا وما أشبه ذلك، والإنسان تارة يكون قوله هزلاً وتارة يكون قوله جدًا، وتارة يكون فعله هزلاً وتارة يكون فعله جدًا لو أنك أشرت بشيء بعصا تريد أن تضرب بها شخصًا تمزح معه صار هذا هذلاً، ولو أنك ضربته صار جدًا، والإنسان يفعل هذا مرة وهذا مرة، وقد يزلّ في هذا وهذا، ولهذا سأل النبي ﷺ ربه أن يغفر له الجد والهزل.
"وخطئي وعمدي"، الخطأ: يعني ما أخطأ فيه الإنسان، وهو كقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٦٨].
فإن قال قائل: كيف يدعو الرسول ﷺ أن الله تعالى يغفر خطأه مع أن الله تعالى قال: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال الله: قد فعلت، فما الجواب؟
قلنا: الجواب من وجهين: أولاً: قد يكون هذا الدعاء قبل نزول الآية؛ لأن الآية فيما تعلمون مدنية، وقد يكون هذا من أجل أن الإنسان قد يفعل الخطأ مع تقصير في معرفة الصواب، وهذا يقع كثيرًا؛ بمعنى: أن الإنسان يتهاون ولا يحتاط ولا يبحث بعمق عن معرفة الخطأ من الصواب، فيكون بذلك قاصدًا، "عمدي" ما فعلته عن عمد، وهنا نقول: كيف نقول "عمدي" يعني ما فعلته عن عمد مع أنا فسرنا "أغفر لي خطيئتي وجهلي" بأن الخطيئة: ما فعلته عن عمد؟ الجمع إما أن يقال: إن باب الدعاء لا بأس أن تكرر فيه الكلمات بمعنى واحد، وإما أن يقال: الخطأ الأول هو ترك الواجب، وفي الثاني فعل المحرم، الذي يخطئ فيه الإنسان كثيرًا.
"وكل ذلك عندي" هذا إقرار واعتراف من العبد بأن كل هذه الأشياء التي سأل الله أن يغفرها له كلها عنده، والإقرار بالذنب بالنسبة لله هو دعاء؛ يعني: أنت إذا أقررت عند الله فإنك إذا أقررت بذنبك فكأنك تتوب كقوله ﷺ في الدعاء الذي علمه أبا بكر ﵁ قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا"، هذا اعتراف بالذنب، وحقيقته: أنك تدعو الله أن يعفو عنك ما ظلمت به نفسك.
"اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني" "ما قدمت" أي: مما يحتاج إلى مغفرة من تفريط في واجب أو فعل محرم، وقد علمت أن النبي ﷺ يدعو بذلك على سبيل التذلل لله ، وإلا فإنه ﷺ لا يقر على محرم، "وما أخرت" أي: ما
стр. 3503
يأتي آخرًا؛ أي: بعد قولي هذا؛ لأن قول الإنسان محفوف بزمنين: زمن سابق، وزمن لاحق، فما فعله في الزمن السابق فهو ما قدم، وما يفعله في الزمن اللاحق فهو ما أخر، "وما أسررت وما أعلنت" أيضًا ما يفعله الإنسان إما أن يفعله سرًا، وإما أن يفعله علنًا، ولاشك أن ما يفعله جهرًا أشد عند الله تعالى مما يفعله سرًا، وهذا باعتبار الذنوب والمعاصي، فإن من أسر بالذنب ليس كمن أعلنه، الثاني أشد وأقبح، "وما أنت أعلم به مني" هذه مع الأول مكررة، لكن كما قلنا: الدعاء لا بأس فيه من التكرار، "وما أنت أعلم به مني" أي: مما فعلت.
"أنت المقدم وأنت المؤخر"، أنت المقدم للأشياء وأنت المؤخر للأشياء، كم من شيء يتوقع الإنسان أن يقع ثم يتأخر، وكم من شيء لا يتوقعه الإنسان ثم يأتي، فالمقدم هو الله، يقدم ما شاء، مثلاً: يقدم فوز إنسان ويؤخر فوز إنسان، يقدم حياة إنسان ويؤخر حياة إنسان، يقدم موت إنسان ويؤخر موت إنسان، فالأمر كله بيده "وأنت على كل شيء قدير"، وضد القدرة العجز وهو قوي على كل شيء وضد القوة الضعف وبينا شواهد ذلك من القرآن.
في هذا الحديث فوائد: أولاً: فضيلة الدعاء بهذا لوجهين: الأول: ما يحصل به من فائدة للإنسان، والثاني: التأسي برسول الله ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ قد يقع منه الخطأ؛ ولهذا طلب المغفرة.
فإن قال قائل: لعل النبي ﷺ قصد بذلك التعليم، وأنه لم يقع منه الخطأ.
فالجواب: هذا خلاف الظاهر؛ لأنه لو قصد التعليم لقال: استغفروا الله تعالى من الخطايا، أو قولوا: اللهم اغفر لي خطيئتي، ويرد على هذا أيضًا بأن الله تعالى صرح بأن للرسول ﷺ أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين، فقال: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: ١٩].
إذن لو قال قائل: إذا قررت هذا فما الفرق بين النبي ﷺ وبين غيره من البشر؟
فالجواب: الفرق من عدة أمور، أولاً: النبي لا يمكن أن يقع منه الشين إطلاقًا، ثانيًا: لا يمكن أن يقع منه التكذيب، ثالثًا: لا يمكن أن يقع منه ما يخل بالشرف والأخلاق الفاضلة، رابعًا: أنه لا يقع منه شيء من الكبائر إلا عن اجتهاد، ثم يمنّ الله عليه بالتوبة، خامسًا: أنه لو قدر أنه حصل منه صغيرة من الصغائر فإنه لا يقرّ عليه لابد أن ينبَّه لها وأن يقلع عنها، أما غيره فكل هذا يمكن في حقه وكفى بذلك شرفًا- عليهم الصلاة والسلام- أن يكونوا منزهين عن مثل هذه الأمور.
ومن فوائد الحديث: أن الإسراف عرضة للعقوبة لقوله: "وإسرافي في أمري"، ويدل لذلك
стр. 3504
أن الله تعالى قال: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١]. فأمر بحفظ النفس والإبقاء عليها، ونهى عن الإسراف، والإسراف- كما شرحناه- هو مجاوزة الحد.
ومن فوائد الحديث: إثبات أن الله تعالى أعلم بالإنسان من نفسه لقوله: "وما أنت أعلم به مني"، والإنسان إذا علم بذلك فسوف يستحي من الله تعالى أن يجده في محل نهاه عنه أو يفقده في محل أمره به، مادامت تعلم أن الله يعرف حالك السرية والجهرية، فإنك لابد أن تستحي من الله .
ومن فوائد الحديث: إثبات صيغة أفضل في علم الله لقوله: "أعلم"، وهذا واقع كثيرًا في القرآن، قال الله تعالى: ﴿إن ربك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ [القلم: ٧]. والعجب الذي لا ينقضي أن بعض العلماء- عفا الله عنا وعنهم- قالوا: أعلم بمعنى عالم؛ لأن اسم التفضيل يستلزم المشاركة أو الاشتراك بين المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى، وإذا أثبت ذلك صار هذا نوعًا من الشرك، ولهذا يفسرون "أعلم" في القرآن بعالم وهذا من الخطأ المحض من جهتين: الجهة الأولى: أن هذا إبطال لما دل عليه القرآن، والقرآن نزل باللغة العربية، واللغة العربية تفرق بين أعلم وعالم، ثانيًا: أنك إذا جاءت آية بمعنى عالم فقد أثبت العلم لله ولغيره على حد سواء؛ لأن الله عالم، ونحن أيضًا عالمون، قال الله تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للنَّاس وما يعقلها إلاَّ العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣]. لكن إذا قلت: الله أعلم، حينئذ نميز الخالق من المخلوق وهذا هو الأكمل، قال الله تعالى: ﴿ولله المثل الأعلى﴾ [النحل: ٦٠]. ولهذا نقول: الله أعلم وأقدر وأبصر وأقوى ... الخ، الصفات التي يشترك في أصلها الخالق والمخلوق فله منها أكملها وأعلاها، هذه قاعدة معروفة عند الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان قد يؤاخذ على هزله كما يؤاخذ على جده لقوله: "اللهم اغفر لي جدي وهزلي"، وحينئذٍ يجب على الإنسان أن يحترز ويحترس من المزح، ولاسيما المزح الكثير، فإن المزح الكثير يوقع دائمًا في الخطأ، ولهذا يقال: المزح في الكلام كالملح في الطعام إن خلا منه الطعام فقد جزءًا كبيرًا من الطعم اللذيذ، وإن كثر أيضًا فسد، ولهذا اجعل المزح موزونًا في محله لا تمزح في موضع الجد، ولا تجد في موضع المزح، والإنسان الحكيم العاقل ينزل كل حال منزلتها.
ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ سأل الله أن يغفر له ما قدم وما أخر، وهنا يوجد إشكال، كيف يسأل الرسول أن يغفر ما قدم له وما أخر، وقد قال الله له: ﴿ليغفر لك الله ما تقدَّم من
стр. 3505
ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ٢]. والصحابة يقولون له: إن الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويقرهم على ذلك؟ الجواب أن يقال: إن هذا الدعاء من باب التوكيد, وقد يكون من أسباب أن الله غفر له مات قدم من ذنبه وما تأخر هو الدعاء, ولهذا أخبرنا الله أنه يصلي هو وملائكته على النبي, وقال لنا: ﴿صلوا عليه﴾ , يعني اسألوا الله أن يصلي عليه, فكيف يصح؟ نقول: نعم, هو يصلي عليه , لكن لعل من أسباب الصلاة عليه أيضًا أن ندعوا له, وهذا كثير أن تكون الأسباب للشيء الواحدة متعددة.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان قد يسر, وقد يعلن في الذنوب, أما المعلن- والعياذ بالله- فهذا أسوة سيئة, ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة, فهو آثم من جهتين: من جهة أنه فعل معصية, ومن جهة أنه جهر بها, وحينئذٍ يتأسى الناس به من جهة وتهون المعصية في نفوس الناس؛ لأن الشيء إذا انتشر هان عند الناس؛ ولهذا يقول العامة كلاماً مضبوطاً يقولون: بكثرة الإمساك يقل الإحداث, وهذا مشاهد الإنسان إذا سمع المنكر أول ما يسمعه تجده يستنكر منك ويشوش به, لكن إذا فعل مرة بعد أخرى هان, فالمجاهرة بالمعاصي هو قد أساء إلى نفسه أولاً وأساء إلى غيره ثانياً, وأساء إلى الشريعة ثالثاً, أما من أسر فهو أهون يكون الأمر بينه وبين الله, وقد يتوب إلى الله, لكن من الناس من ير ثم يعلن, وهذا هو الذي فقد العافية كما جاء في الحديث: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون» وهم الذين يفعلون المعاصي سراً ثم يصبحون يتحدثون بها.
ومن فوائد الحديث: وصف الله تعالى بهذين الوصفين المقدم والمؤخر, وهل هما اسمان من أسماء لله أو وصفان من أوصافه؟ يحتمل هذا وهذا, يحتمل أنهما اسمان من أسماء الله؛ لأنهما جاءا معرفا باللام, يحتمل أنهما وصفان, ولكن على الاحتمال الأول يقال فيهما: هما اسمان مزدوجان مقترنان؛ بمعنى: أنه لا يصح إفراد أحدهما عن الآخر, لأنك إذا قلت: أنت المقدم فقد عرفنا أنه مقدم, لكن بقي شيء آخر وهو التأخير ضد التقديم, فلابد أن نقول وأنت المؤخر مثل هو الأول والآخر والظاهر والباطن, فلابد أن نقول: ما يقابل ذلك حتى تكون الإحاطة في الزمن السابق وفي الزمن اللاحق.
ومن فوئد الحديث: إثبات اسم الله تعالى القدير, وسبق لنا البحث في هذه المسألة, وبيان أن قول بعض الناس: «إنه على ما يشاء قدير» غير سديد ولا ينبغي, وأنه يوهم معنى فاسداً وهو مذهب أهل الاعتزال, الذين يقولون: أن الله لا يشاء أفعال العباد, وإذا لم يشأها فليس قادراً إلا على ما يشاء, وحينئذٍ لا يكون قادراً على أفعال العباد فلا يقدر أن يهدي ضالاً ولا أن يضل مهتدياً.
стр. 3506
الدعاء بخير الدارين:
١٤٩٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري, وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي, وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي, واجعل الحياة زيادة لي في كل خير, واجعل الموت راحة لي من كل شر». أخرجه مسلم.
هذا أيضاً من الأدعية الجوامع التي كان الرسول ﷺ يدعو بها, "اللهم أصلح لي ديني" وهو الإسلام والعبادة؛ لأن العبادة دين والإسلام دين أيضًا أما كون الإسلام ديناً فلقوله تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [المائدة: ٣]. وأما كون العبادة ديناً فلقول النبي ﷺ للنساء: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم إحداكن» , قالوا: وما نقصان دينها؟ قال: «إنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم» , والصلاة والصيام عبادة إذن "ديني" يشمل الإسلام والعبادات الأخرى, ومعلوم أن العبادات بمجموعها هي الإسلام.
ومعنى: "عصمة أمري" أي: أن أعتصم به من النار, فإنه لا ينجي الإنسان من عذاب الله إلا التمسك بدين الله , ثم هو أيضًا عصمة الإنسان من الزلل, فإن الإنسان كلما كان أتقى لله وأقوى ديناً لله كان أقل زللاً, ولهذا نجد أنه كلما كان وازع الدين للناس أقوى قلت فيهم المعاصي, وقل فيهم الفساد, وإذا نقص الوازع الديني كثر الفساد وكثر الظلم, إذن "عصمة أمري" أي: الذي أعتصم به من النار؛ وأعتصم به من الزلل في الحياة الدنيا.
"وأصلح ل دنياي التي فيها معاشي", الدنيا حقيقة معاش وليست مقراً, وإنما هي متاع يتمتع به الإنسان ويعيش به من أجل أن يقوم بطاعة الله, والله ما متعنا بالدنيا من أجل أن نبني القصور, ونكنز المال, ولكن لعبادة الله فهي معاش فقط, عيش يتمتع به الإنسان, ولهذا قال ﷺ : «وحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه» , فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» «وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي» , إليها المعاد أي: المرجع إصلاح الدنيا, بأن يمن الله عليك بكفاية تغنيك عن الناس, وغني لا يطغيك على أوامر الله, وأن يسهل لك فيها الأمر, وأن يرزقك ما يعينك على طاعة الله, وإصلاح الآخرة بشيئين: النجاة من النار, ودخول الجنة, فإن الإنسان إذا حصل له هذان الأمران فهذا إصلاح الآخرة, وقوله: "التي فيها معادي" يعني:
стр. 3507
المعاد النهائي الذي هو المأوى الأخير, وأما القبور فليس إليها المعاد, القبور عبارة عن زيارة يقوم بها الإنسان حتى يُبعث.
"واجعل الحياة زيادة لي في كل خير", لم يقل الرسول: أطل عمري: بل قال: "اجعل الحياة زيادة لي في كل خير", وهذه الحياة حقيقية أن يكتب الإنسان فيها خيراً, أما طول العمر فلا خير فهو إما لغو وإما إثم, ولهذا كره بعض أهل العلم الدعاء بطول البقاء, فمنهم من قال: إن هذا شيء فرغ منه فلا تدع بطول البقاء, لكن هذا التعليل عليل؛ لأن كل شيء فرغ منه حتى الرزق, لو قلنا: إن الشيء إذا فرغ منه فلا يدعي به لقلنا أيضًا لا تدع الله تعالى بعلم نافع, لأن هذا أيضًا فرغ منه! الملك الموكل بالأرحام يؤمر بكتب الرزق والأجل والعمل وشقي أو سعيد, لكن وجه الكراهة: هو أن طول البقاء قد يكون شراً «شر الناس من طال عمره وساء عمله» , ولهذا دعوت بالبقاء لأحد فقيده قل: أطال الله بقاءك على طاعة, ولهذا الرسول قال: «اجعل الحياة زيادة لي في كل خير» , ولا شك أن المؤمن كلما ازدادت أيامه في طاعة الله فإنه خير له, كم من إنسان بقي أياماً بعد غيره واكتسب بها درجات كبيرة فاق من سبقه.
«واجعل الموت راحة لي من كل شر» يعني: إذا أمتني فاجعل في موتي مصلحة وهي الراحة من كل شر, ومن ذلك الفتن والشبهات التي تعتري القلوب, التي تعتري الإرادات وفي الحديث: «إن أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون».
في هذا الحديث فوائد: منها: ما سبق أنه ينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء السببين: الأول: ما فيه من الفائدة العظيمة العائدة للإنسان, والثاني: التأسي برسول الله ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أن الدين أهم شيء على الإنسان؛ لأن النبي ﷺ بدأ به, ولهذا إذا أردت أن تدعو الله لشخص بصلاحه قل: أصلح الله لك الدين والدنيا, فابدأ بالدين؛ لأنه إذا صلح الدين صلحت الدنيا, دليل ذلك قوله تعالى: ﴿من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ [النحل: ٩٧]. فذكر الله له الجزاءين, جزاء في الدنيا وجزاء في الآخرة, وذكر العلماء عن السلف ﵏ أنهم يقولون: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه -يعني: من راحة البال وطمأنينة القلب وانشراح الصدر- لجالدونا عليه بالسيوف.
ومن فوائد الحديث: أن الدين عصمة للإنسان يمنعه من الأعمال السيئة والأخلاق الرزيلة, وهو عصمة له في الآخرة يحصل به أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة.
стр. 3508
ومن فوائد الحديث: أنه لا حرج على الإنسان أن يسأل الله تعالى إصلاح معاشه؛ لقوله: «أصلح لي دنياي التي فيها معاشي» , وكل إنسان يريد أن تصلح له الدنيا؛ لأنها لو فسدت لكان ذلك سبباً في فساد دينه؛ لأن الإنسان إذا اشتغل بتحصيل معاشه فربما يصده عن أشيا كثيرة من الدين, وإن كان تحصيل المعاش من الدين كما جاء في الحديث, «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في السبيل» أو قال: «كالصائم لا يفطر والقائم لا يفتر».
ومن فوائد الحديث: سؤال الإنسان ربه أن يصلح آخرته.
ومن فوائده: أن الآخرة هي التي إليها المعاش, وبهذا نبين خطأ العبارات التي نسمعها كثيراً في الرجل إذا مات يقولون: عاد إلى مثواه الأخير, هذا غلط عظيم, ولو أن الإنسان اعتقد مقتضاه لكان كافراً؛ لأن مضمون قوله: "مثواه الأخير" أنه لا بعث, وإنكار البعث كفر.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يسأل الله أن يكون طول حياته زيادة له في الخيرات لقوله: «اجعل الحياة زيادة» يعني: طول الحياة زيادة لي في كل خير.
ومن فوائده: أن الإنسان ربما يكون موته راحة له من شرور وفتن مقبلة, ولهذا يقول: «اجعل الموت راحة لي من كل شر».
فإن قال قائل: هل في هذا تمني الموت؟
الجواب: لا؛ لأنه لم يقل: أمتني, وإنما قال: «اجعل الموت راحة لي من كل شر» , وكذلك الحديث الذي أشرنا: «إن أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» , وكذلك: «توفني إذا علمت الوفاة خيراً لي» كل هذا مقيد.
فإن قال قائل: يرد على قولك أنه لا يتمنى الموت إلا مقيداً قول مريم ﵂: ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً﴾ [مريم: ٢٣].
نقول: إن مريم لم تتمن الموت سبقاً, وإنما تمنت أنها ماتت ولم تحصل هذه الفتنة؛ لأن هذا الذي حصل لها أمر عظيم, ولهذا لما جاءت إلى قومها بابنها تحمله قالوا: ﴿لقد جئت شيئاً فرياً (٢٧) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كنت أمك بغياً﴾ [مريم ٢٧ - ٢٨]. إشارة إلى أنها هي بغي, والقصة مكملة في القرآن.
стр. 3509
ينبغي للمؤمن أن يسأل العلم النافع:
١٤٩٩ - وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم انفعني بم علمتني وعلمني بما ينفعني, وارزقني علماً ينفعني». رواه النسائي والحاكم.
١٥٠٠ - وللترمذي: من حديث أبي هريرة نحوه, وقال في آخره: «وزدني علماً, والحمد لله على كل حال, وأعوذ بالله من حال أهل النار». وإسناده حسن.
هذا الحديث في سؤال العلم, والمراد به: العلم النافع, ولهذا قال: «اللهم انفعني بما علمتني وارزقني علماً ينفعني» , فسأل الرسول ﷺ ثلاث مسائل: الأولى: "انفعني بما علمتني" وذلك أن الإنسان قد يعلم ولا ينتفع, فسأل النبي ﷺ ربه أن ينفعه بما علمه, أيضًا: "علمني ما ينفعني" وهذا سؤال للاستزادة من العلم, لكن الذي ينفع قال: "وارزقني علماً ينفعني" هذا المستقبل؛ لأن الماضي سبق سؤاله: "اللهم انفعني بما علمتني", والحاضر: "علمني ما ينفعني", والمستقبل: "ارزقني علماً ينفعني".
وخلاصة هذا الدعاء: أن الإنسان محتاج إلى العلم, ومحتاج إلى الانتفاع بالعلم, فإن لم يعلم فهو جاهل, وإن لم ينتفع فهو مستكبر, فهو فضيلة الدعاء بهذا.
وأما رواية الترمذي ففيها أيضًا زيادة قال: «وزدني علماً» يعني: علماً فوق علمي؛ لأن كل إنسان محتاج إلى زيادة العلم: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦].
فإن قال قائل: هل يوصف الرسول بالجهل؟
نقول: قال الله تعالى -وهو أعلم به-: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ [الضحى: ٧]. وقال: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾. وقال: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ [الشورى: ٥٢]. وهذا من أعظم فضل الله عليه, أنه كان ﵊ أمياً لا يقرأ ولا يكتب, وليس عنده شيء من علم الكتاب: ﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ [العنكبوت: ٤٨]. لكن الله علمه علماً ينتفع به الأمم إلى يوم القيامة: ﴿هو الذي بعث في الأمين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا﴾ يعني: وإنهم كانوا من قبل ﴿من قبل لفي ضلالٍ مبين﴾ [الجمعة: ٢]. الحمد لله على كل حال وهذه كان النبي ﷺ يدعو بها إذا وجد ما يسوؤه.
стр. 3510
وإذا وجد ما يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, وما يوجد الآن من عبارة بعض الناس "الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سوا" هذه عبارة مبتدعة وخير منها عبارة الرسول ﷺ : «الحمد لله على كل حال وأعوذ بالله من حال أهل النار» أي: حالهم في الدنيا والآخرة, حالهم في الدنيا: الضلال والغي والفساد, حالهم في الآخرة: النار والعذاب: فأنت تستعيذ بالله من حال أهل النار في الدنيا والآخرة.
من دعاء النبي ﷺ :
١٥٠١ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ علمها هذا الدعاء: «اللهم إني أسألك من الخير كله, عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم, وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم, اللهم أني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك, وأعو بك من شر ما عاذ منه عبدك ونبيك, اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قولٍ أو عمل, وأعوذ بك من النار وما قرب منها من قول أو عمل, وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً». أخرجه ابن ماجه, وصححه ابن حبان, والحاكم.
عائشة أحب النساء إليه اللاتي مات عنهن؛ ولذلك سئل من أحب الناس إليك؟ قال: "عائشة" قيل: ومن الرجال؟ قال: "أبوها", فعائشة من النساء اللاتي شاركن مع غيرهن في الرسول ﷺ , أما خديجة فلم يشاركها أحد في الرسول ﷺ ولهذا لا تجزم أيهما أحب أعائشة أم خديجة؟ لكن بقية النساء لاشك أن عائشة أحب النساء إليه, علمها هذا الدعاء: "يعني إنما قدمت هذه المقدمة ليتبين لكم أهمية هذا الدعاء, فعلمها هذا الدعاء, وعلم أباها دعاء آخر يدعو به في صلاته وهو: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت ... إلخ" قال: «علمها هذا الدعاء: اللهم إني أسألك من الخير له عاجله» أي: مقدمه وآجله مؤخره ما علمت منه وما لم أعلم؛ لأن الخير قد يكون معلوماً وقد يكون مجهولاً, "اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك, وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك" وهذا مجمل, لكنه عند الله معلوم, أسألك من ير ما سألك عبدك ونبيك, هل تعلم هي كلما سأله الرسول من خير؟
стр. 3511
لا, ولكن الله يعلمه, وكذلك يقال في الشر ونحن أسقطنا جملة وهي "وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم" مقابل قوله: «اللهم إني أسألك من الخير كله» وكذلك قوله: "اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك, واللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل", أيضًا علمها أن تسأل الله الجنة وما قرب إليها, كل ما قرب من قول أو عمل, واعلم أن العمل إذا أطلق دخل فيه القول وإذا قرن بالقول صار المراد به الفعل.
في هذا الحديث فوائد: أولاً حسن رعاية النبي ﷺ لأهله, حيث علم عائشة هذا الدعاء الجامع النافع, وقد قال ﷺ : «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي».
ومنها: ينبغي للإنسان أن يعلم أهله ما ينفعهم في دينهم ودنياهم أولاً: ليكونوا على بصيرة في دينهم, وثانياً: ليجري أجره عليه بعد موته, وثالثاً: من أحق الناس بمنفعتك؟ أقاربك, قال الله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤].
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو الله بهذا الدعاء للسببين السابقين: أولاً: ما فيه من المصلحة العظيمة, وثانياً: التأسي بالنبي ﷺ , وهنا ليس من فعل الرسول لكنه من قوله.
ومن فوائد الحديث: أنك تقول: أسألك الخير كله أو تقول: من الخير؛ لأن "من" هنا للتبعيض والخير كله لا يكون لأحد, الخير كله إنما هو بيد الله , فلا يمكن أن يحصل للإنسان كل خير بل يحصل له من الخير.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي البسط في الدعاء؛ لأن قوله: من الخير كله يغني عن قوله: عاجله وآجله, لكن البسط في الدعاء من الأمور التي جاءت بها الشريعة ما لم يخرج عن حده إلى الأسراف, ولهذا لو دعا دعاء مفصلاً خرج عن حده صار مكروهاً.
ومن فوائد الحديث: أنه لا بأس أن يسأل الإنسان ربه سؤالاً مجملاً لقوله: "ما علمت منه وما لم أعلم", وقد يريد الإنسان خيراً معيناً يسأل الله إياه, وهذا أيضًا جائز, وقد يريد الإنسان شيئاً نافعاً لكن يتردد في منفعته هل يكون خيراً له أو لا؟ فهذا يؤمر بصلاة الاستخارة.
ومن فوائد الحديث: الاستعاذة بالله تعالى من الشر كله عاجله وآجله, وهنا نقول: من الشر ليس للتبعيض, ولكنها للتعدية أي تعدية العامل؛ ولهذا نقول: إن الإنسان يستعيذ من الشر كله قليله وكثيرة, ففرق بينها وبين السؤال, أسألك من الخير, من هنا للتبعيض, أعوذ بك من الشر, قلنا هذه للتعدية أي تعدية الفعل ويقال في عاجله وآجله ما سبق.
стр. 3512
ومن فوائده: أنه في قوله: "اللهم إني أسألك من خير ما سألك ... إلخ", أيضًا فيه جواز الدعاء بالإجمال, ولكن يقيد بمن يعرف بالصلاح لو قلت: اللهم إني أسألك من خير ما سألك فلان وأنت تعرف أن الرجل هذا يسأل الله الصلاح فالظاهر أنه لا بأس به, لكن نقول: إن خيراً من ذلك أن تقول: ما سأل نبيك.
ومن فوائد الحديث: إثبات النبوة والعبودية للرسول ﷺ ففيه إثبات نبوته رداً على من كذبه, وفيه إثبات عبوديته رداً على من غلا فيه ﷺ , ويقال أيضًا في أعوذ بك من شر ما عاذ منه عبدك ونبيك.
ومن فوائد الحديث: سؤال الجنة وكل ما يقرب إليها من قول وعمل, ومن قول: يشمل قول اللسان, وقول القلب والعمل: يشمل عمل الجوارح وعمل القلب, فما هو قول القلب وما هو عمل القلب؟
قول القلب هو إيمانه واعترافه بالشيء, وعمله هو حركته محبة, يعني: أن يحب الشيء بغضاً يبغض الشيء, رجاء يرجو الشيء, خوفاً يعني: أن يخاف الشيء, خشية وما أشبه ذلك, المهم أن عمل القلب حركة القلب, أما قوله فهو إقراره وإيمانه أما عمل الجوارح فواضح, وقول اللسان واضح أيضًا.
ومن فوائد الحديث: الاستعاذة بالله من النار وما قرب إليها من قول وعمل؛ لأن النار لها قوال تقرب إليها وأعمال تقرب إليها أما بقية الحديث وقال: "وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً" هذه كلمة جامعة, والله تعالى يقضي على العبد بما يضره وبما ينفعه بما يلائمه وبما لا يلائمه, فأنت تسأل الله أن يجعل قضاء قضاه خيراً لك أما قضاء ما يسر وما ينفع فظاهر أنه خير, ولكن ما يضر وما يسوء كيف يكون خيراً؟
إذا أصابك الله بضر وصبرت واحتسبت الأجر من الله ماذا يكون هذا الضرر؟ يكون خيراً؛ لأن ثواب الآخرة خير من الدنيا, كذلك أيضًا إذا جاء الأمر على خلاف ما تريد فهذا أيضًا قد يكون خيراً لك, قد يصرف الله عنك من السوء ما لا تعلمه وأنت تكره أن يقع, ولهذا جاء في القرآن الكريم: ﴿كنت الله عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنت لا تعلمون﴾ [البقرة: ٢١٦]. إذن يكون معنى: وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً سواء كان هذا القضاء مما يسر أو يسوء أو يضر أو ينفع.
стр. 3513
١٥٠٢ - وأخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن, خفيفتان على اللسان, ثقيلتان في الميزان, سبحان الله وبحمده, سبحان الله العظيم».
قلنا فيما سبق الكلمة في اللغة العربية وفي لسان الشرع غير الكلمة في اصطلاح النحويين, تشمل الجملة والجمل, والكلمة الطويلة والكلمة القصيرة, وتشمل أيضًا الشعر والنثر, قال: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن" إلى الله يعني: أن الله يحبهما, "خفيفتان على اللسان" هذا مقابل قوله: "ثقيلتان في الميزان" خفيفتان؛ لأنهما لا يتعبان, لو بقي إنسان يقولهما ليله ونهاره ولا يتعب لسانه, "ثقيلتان في الميزان" أي: ما توزن به الأعمال يوم القيامة, "سبحان الله وبحمده" هذه كلمة, "سبحان الله العظيم" هذه الكلمة الثانية, وسبق قول القائل: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم, وأنه تنزيه لله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته, هذا الحديث ختم به المؤلف كتابه ﵀ تأسياً بالبخاري [الذي] ختم به كتابه الصحيح مع أنه ذكره في مواضع أخرى لكنه أختار ﵀ أن يجعل هذا الحديث آخر كتابه, نسأله الله أن يحب الجميع.
في هذا الحديث فوائد: أولاً: إثبات المحبة لله أن الله يحب الأعمال لقوله: "حبيبتان إلى الرحمن" والله تتعلق محبته تارة بالعمل مثل هذا الحديث, ومثل قوله ﷺ : «أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها» , «أحب الصيام إلى الله صيام داود» , والأمثلة كثيرة, وتارة تتعلق محبة الله تعالى بالعمل, لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا﴾ [الصف: ٤٠]. ﴿إن الله يحب المتقين﴾ [التوبة: ٧]. والأمثلة كثيرة, وتارة تعلق بالمكان مثل "أحب البقاع إلى الله مساجدها ومكة أحب البقاع إلى الله".
أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله تعالى يحب محبة حقيقية ثابتة, وغيرهم يحرف المحبة ويقول المحبة عبارة عن الثواب, ولكن هذا وإن سلم لهم في قوله: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا﴾ لا يسلم في قوله: «أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها» , لأن الصلاة نفسها لا تثاب بل يثاب فاعلها, وكذلك «أحب البقاع إلى الله مساجدها» فالمساجد لا تثاب إنما يثاب من صلى فيها.
стр. 3514
ومن فوائد الحديث: إثبات اسم الرحمن لله لقوله: «إلى الرحمن, ورحمة الله تعالى عامة وخاصة, فالعامة هي التي وسعت كل شيء كما قال تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ [الأعراف: ١٥٦]. والخاصة هي التي للمؤمنين فقط, الرحمة العامة دليلها أيضًا ﴿وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب﴾ , والخاصة كقوله: ﴿وكان بالمؤمنين رحيماً﴾ [الأحزاب: ٤٣]. وعلى هذا لو سألك سائل هل الله تعالى راحم الكافرين؟
الجواب: أن الرحمة العامة نعم, والخاصة لا.
ومن فوائد الحديث: الترغيب في العمل, يعني: تقليل العمل في نفس الإنسان حتى ينشط عليه, لقوله: "خفيفتان على اللسان", ومن ذلك قول الله تعالى لما ذكر الصيام قال: ﴿أياماً معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤]. يعني: ليس كل الوقت بل أياماً قليلة وعلى هذا فينبغي للإنسان عندما يخاطب الناس في موعظة أن يقلل لهم الكلفة في الأعمال الصالحة, حتى يقدموا عليها ولذلك في عدة المتوفى عنها زوجها قال النبي ﷺ : حين سألته امرأة أن ابنتها توفي عنها زوجها وانها اشتكت عينها أفتكحلها؟ قال: لا, "لا تكحلها" ثم قال: «إنما هي أربعة أشهر وعشراً, وقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول» يعني في الجاهلية.
يشير إلى قصة غريبة في الجاهلية إذا مات الزوج عن المرأة صارت في خفي في أقصى خبائها ليس عندها أحد ولا يعطونها ماء ولا شيئاً [سوى] الأكل والشرب فقط, كل الروائح الكريهة عندها, روائح حيض, روائح البول, العذرة, كل شيء إلى سنة كاملة, بعد السنة الكاملة تؤثر بشيء طاهر أو ما أشبه ذلك, من أجل أن تدلك به حول الفرج, يقول فلما تفعل شيئاً من ذلك إلا هلكت من الرائحة الكريهة, ثم إذا خرجت أخذت بعرة-روثة البعير- من الأرض ثم رمت بها إثارة إلى أن كلما حصل لها أهون من هذه البعرة الجاهلية, كلها جهل.
والإسلام خفف لها العدة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام, المهم أن ذكر هذا من باب التسلية في الأمور التي يعتقد الإنسان أنها شاقة, ومن باب الترغيب في الطاعة.
"ثقيلتان في الميزان" يعني ما توزن به الأعمال, وهذا فيه أن الذي يوزن هو العمل, وهذا هو ظاهر النصوص في الكتاب والسنة, وهنا يبقى إشكال, وهو كيف يوزن العمل وهو معنى قائم ببدن العامل وليس شيئاً محسوساً؟ فيقال: إن الله تعالى يجعل هذه المعاني أحياناً توزن وانظر إلى الموت هل هو جسم أو معنى؟
قولنا: "معنى" هنا معناه: فقد الحياة, يؤتي به يوم القيامة على صورة كبش ويذبح أمام أهل الجنة وأهل النار, ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت, ويقال لأهل النار يا أهل النار خلود ولا
стр. 3515
موت, فالله تعالى على كل شيء قدير, فهو سبحانه يجعل المعاني أحيانا توزن, وقال بعض العلماء: إن الذي يوزن العامل, وقال آخرون: إن الذي يوزن صحائف الأعمال, وقد مر الكلام على هذا مبسوطاً والحمد لله.
ومن فوائد الحديث: إثبات الميزان, والميزان جاء مفرداً وجاء مجموعاً قال الله تعالى: ﴿فأما من ثقلت موازينه (٦) فهو في عيشة راضية (٧) وأما من خفت موازينه (٨) فأمه هاوية﴾ [القارعة: ٦ - ٩]. وجاء بلفظ الإفراد مثل: «ثقيلتان في الميزان» فقيل: إنه جمع لأن كل أمة لها ميزان خاص وهو مجموع باعتبار الأمم.
وقيل مجموع باعتبار الإفراد لأن لكل فرد ميزاناً, وقيل إنه جمع باعتبار الموزون, فتعدد الميزان بتعدد الموزون, لأنك إذا جئت بميزان واحد وزنت به مال فلان ومال فلان ومال فلان صار كأنه موازين متعددة.
والأقرب-والله أعلم- أن لكل أمة ميزاناً؛ لأن أعمال الأمم تختلف فيكون لها ميزان بحسب ما يعطيها الله تعالى من الثواب, فميزان هذه الأمة ميزان واحد وميزان الأمم الأخرى لكل أمة ميزان.
ومن فوائد الحديث: فضيلة هذا الذكر: "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم", والله لو أفتى الإنسان دهره كله في هذا لكان الدهر رخيصاً؛ لأنهما ثقيلتان في الميزان, وحبيبتان إلى الرحمن, وخفيفتان على اللسان.
ومن فواد الحديث: استعمال السجع في الكلام؛ لأن السجع في الكلام, ويشد المخاطب إليه ويسهل على اللسان ولكن بشرط ألا يكون متكلفاً.
وبهذا انتهى كلامنا على بلوغ المرام, ونسأل الله تعالى أن يجعله نافعاً لعباده.
يبقى الآن ماذا تريدون أن نقرأ بعد كتاب بلوغ المرام؟
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ...
* * * *
تم بحمد الله