Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
وشرعي، الاصطلاح النحوي: يقولون: الكلمة لفظ مفرد غير مركب، فزيد مثلاً كلمة، وعمرو كلمة، وبيت كلمة، واو كلمة، لكنها في اللغة العربية، وكذلك في الشريعة لا تطلق إلا على القول المفيد سواء كان طويلاً أم قصيراً، فإذا قلت: إن قام زيد فأكرمه، فهذا كلمة في اللغة العربية، وعند النحويين كلام، ولهذا قال ابن مالك:
(وكلمة بها كلامٌ قد يؤم)
وانظر إلى قول الله ﵎: ﴿حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون * لعلى أعمل صالحاً فيما تركت﴾، قال الله تعالى: ﴿كلا إنها كلمة هو قآئلها﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠]. مع أنها كلمات، ﴿رب ارجعون * لعلى أعمل صالحاً فيما تركت﴾ كلمات، وقال النبي ﷺ : "أصجق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.
هذه أصدق كلمة من كلمات الشعراء، إذن قول الرسول: "أربع كلمات سبحان الله وبحمده"، لغة وشرعاً، لكن عند النحويين كلام، وقوله: "عدد خلقه" هل الرسول ﷺ أراد أن يجعل سبحان الله وبحمده عدد خلقه، أو يجعل أن كل مخلوق من مخلوقات الله فهو ناطق بلسان الحال بالتسبيح والتحميد؟ الثاني هو المراد، وليس الرسول ﷺ يريد أن يقول: أن سبحان الله وبحمده عدد الخلق، إذا قدرنا عند مائة رجل فيقول: "سبحان الله وبحمده عدد خلقه" كأني قلتها مائة مرة فيما كان حاضراً ومن كان غائباً لا يحصيهم إلا الله؟ لا، المراد أن الخلق عددهم كل واحد فإنه ناطق بتسبيح الله وبحمده.
الثالث قال: "ورضاء نفسه"، ما الذي يبلغ رضا الله إلا شيء عظيم، والمعنى: سبحان الله وبحمده حتى يرضى ، وهذا لا يمكن أن يبلغه أحد، لكن المعنى: أنني مأمور بأني أسبح الله وأحمده حتى يرضى.
"وزنة عرشه" أيضاً العرش من يقدر زنته؟ لا أحد يستطيع؛ لأنه لا يقدر قدره إلا الله وكما جاء ذلك عن ابن عباس ﵄، ويدلك لذلك أن عرش الرحمن كما جاء في الحديث: "ما السموات السبع والأرضون السبع بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض" حلقة الدرع إذا ألقيت في فلاة من الأرض كم تشغل من مساحة؟ لا شيء، قال: "وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الأرض"، إذن لا يمكن أن يقدر الإنسان قدره.
стр. 3467
"ومداد كلماته" ﴿قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ [الكهف: ١٠٩]، ﴿ولو أنما في الأرض من شجرةٍ أقلام﴾ يعني: لو كان كل الأشجار أقلام ﴿والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾ [لقمان: ٢٧]. إذن أي مداد يكون لكمات الله؟ مداد عظيم لا يعلم قدره إلا الله ، فيكون هذا التسبيح الذي ذكره النبي ﷺ تسبيحاً عظيماً في الكمية، وعظيماً في الكيفية، الكمية عدد خلقه، والكيفية: رضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته.
في هذا الحديث فوائد منها: أن اللفظ القليل قد يغني عن اللفظ الكثير، وجهه: "لقد قلت بعدك كلمات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن".
ومن فوائده: أن الكلام يتفاضل، بعضه أفضل من بعض، وتفاضل الكلام له عدة جهات، إما من حيث المتكلم به، وإما من حيث مدلوله، وإما من حيث البلاغة، وإما من حيث التأثير، المهم أن جهات تفاضل الكلام كثيرة. ولنسأل القرآن يتفاضل أو لا؟ الجواب: أن القرآن من حيث المتكلم به لا يتفاضل؛ لأن المتكلم به هو الله وهو واحد، أما من حيث المدلول والتأثير فإنه يتفاضل؛ ولهذا أخبر النبي ﷺ أن أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي، وأن فاتحة الكتاب هي أفضل سورة في كتاب الله، ونحن نشاهد الآن أن من الآيات ما يؤثر تأثيراً بالغاً إذا ورد على القلب، وبعض الآيات دون ذلك.
فعلى كل حال: القرآن إن قلت: إنه يتفاضل على الإطلاق أخطأت، وإن قلت: لا يتفاضل أخطأت، فمن حيث المتكلم به لا يتفاضل، ومن حيث المعنى والموضوع يتفاضل بلا شك، وأما جنس الكلام عموماً فلا شك أن الكلام يتفاضل من حيث الأسلوب والفصاحة والبلاغة وغير ذلك، لو أن واحداً قام يتكلم وصار يرفع المنصوب وينصب المرفوع، ويجر المجزوم، ويجزم المجرور، ويقدم ما يمتنع تقديمه، وما أشبه ذلك، ماذا يكون كلامه؟ ورجل آخر تكلم بأعظم فصاحة والمعنى واحد والكلمات واحدة يتفاضل أم لا؟ يتفاضل.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من هذا الذكر: "سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته".
ومن فوائد الحديث: إثبات الرضا لله لقوله: "ورضاء نفسه"، وهو صفة زائدة على المحبة، وأنكر ذلك أهل التعطيل، وقالوا: إن الله لا يرضى؛ لإن الرضا صفة حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث، والحق: أن الله تعالى يوصف بالرضا ويوصف بالغضب.
ومن فوائد الحديث: إطلاق النفس على الله لقوله: "ورضاء نفسه"، وليست النفس صفة زائدة على الذات بل هي الذات.
ومن فوائد الحديث: أن العرش له جرم وثقل لقوله: "وزنة عرشه".
стр. 3468
ومن فوائده: عظمة العرش بإضافته إلى الله ، وهذه الإضافة إضافة خاصة كإضافة البيت إليه، وإضافة الناقة إليه، وإضافة المساجد، وغير ذلك.
ومن فوائد الحديث: أن كلمات الله لا حصر لها لقوله: "ومداد كلماته".
ومن فوائده: أن الله تعالى يتكلم، وقد اتفقت الأمة على كلام الله، حتى أهل التعطيل قالوا: إن الله يتكلم، لكن الأصول في هذا ثلاثة: قول المعتزلة والجهمية: أن الله يتكلم وكلامه مخلوق، وقول الأشاعرة ومن سلك سبيلهم: أن الله يتكلم وكلامه هو المعنى القائم بنفسه وليس شيئاً يسمع، والثالث: قول أهل السنة يقولون: إن الله يتكلم بحروف وأصوات مسموعة سمعها من شاء من خلقه، وهذا هو الحق أن الله تعالى يتكلم بما شاء بمن شاء وكيف شاء، كلاماً حقيقياً بحروف وأصوات، وهو ناجى موسى ﷺ : ﴿وما تلك بيمينك يا موسى * قال هي عصاى أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مئارب أخرى * قال ألقها يا موسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى﴾ فخاف، فقال الله له: ﴿خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾ [طه: ١٧ - ٢١]. مناجاة مع الله بكلام يسمعه موسى ويفهمه ويعرفه ويجيب عليه، ولا أدل على أن كلام الله تعالى بحرف وصوت من مثل هذه المحاورة.
الباقيات الصالحات:
١٤٨٢ - وعن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال: قال رسول الله: «الباقيات الصالحات: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله». أخرجه النسائي، وصححه ابن حبان والحاكم.
قوله: "الباقيات الصالحات" كأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا﴾ [الكهف: ٤٦]. فهذا تفسير من النبي ﷺ للباقيات الصالحات المذكورات في هذه الآية الكريمة، وسميت باقية؛ لأنها تبقى مدخرة للعبد عند الله ينتفع بها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وسميت صالحة؛ لأنها من أفضل الكلام وأطيبه: "لا إله إلا الله"، يحتمل أن تكون "لا إله إلا الله" وما عطف عليها مبتدأ والباقيات الصالحات خبر، ويحتمل العكس، وكلاهما صحيح، لكن جملة "لا إله إلا الله" يحسن أن تكون خبراً؛ وذلك لأن المعروف أن الذي يكون جملة هو الخبر، أما وجه كونها مبتدأ وما قبلها خبر فتكون هذه الجملة مؤولة بهذا اللفظ: يعني: كأنه قال: هذا اللفظ الباقيات الصالحات، فصار لنا في إعرابها
стр. 3469
وجهان: الوجه الأول: أن تكون "الباقيات الصالحات" خبراً مقدماً، و"لا إله إلا الله" جملة مبتدأ مؤخر على تقديرها باللفظ كما قال المعربون في قول ابن مالك:
(قال محمدٌ هو ابن مالك ... أحمد ربي الله خير مالك)
قالوا: "أحمد" إلى آخر الألفية مقول القول، فالجمل كلها قامت مقام المفرد؛ أي: قال ابن مالك هذا القول، هنا نقول: إن "لا إله إلا الله" إذا جعلناها مبتدأ صارت على تأويل هذا اللفظ، أما إذا جعلنا "الباقيات" مبتدأ و"لا إله إلا الله" خبر فلا إشكال؛ لأن جملة "لا إله إلا الله" خبر وهو لا غرابة فيه؛ إذ إن الخبر يقع جملة ويقع مفرداً، ويقع شبه جملة، وسبق الكلام على معنى "لا إله الله الله" و"سبحان الله"، أما قوله: "الله أكبر" فهو حقيقة، ومعناه: فالله تعالى أكبر من كل شيء في علمه وقدرته وسمعه وبصره وسلطانه، وغير ذلك، أكبر من كل شيء، وهو ذاته أكبر من كل شيء؛ لأن السموات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن كخردلة في كف أحدنا؛ ولأن الله سبحانه يقول: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه﴾ [الرمز: ٦٧]. ويقول: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلقٍ نعيده، وعداً علينا إنا كنا فاعلين﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. فالله أكبر من كل شيء في أسمائه وصفاته، وكذلك في ذاته، ولا يقدر أحد قدره إذا كان العرش يقول فيه ابن عباس: لا يقدر قدره إلا الله فما بالك بخالق العرش، إذن عندما نقول "الله أكبر" لابد أن نشعر بأنه أكبر من كل شيء علماً وقدرة وسلطاناً وحكمة وتدبيراً وغير ذلك، كما أن ذاته تعالى أكبر من كل شيء.
يقول: "والحمد لله" سبق لنا معنى الحمد وأنه وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ولا يشترط التكرار؛ لأنك كررت الحمد صار ثناء، وقوله: "الحمد" قال العلماء: إن "أل" في الحمد للاستغراق؛ أي: كل حمد، وأن اللام في قوله: "الله" للاستحقاق والاختصاص، فالذي يستحق الحمد كله هو الله والحمد كله خاص بالله لا أحد يحمد الحمد كله، وإنما يُحمد فاعل الإحسان على شيء معين مخصوص وصغير.
"والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله"، "لا حول" هذه "لا" تسمى عند النحويين النافية للجنس، ومعنى كونها نافية للجنس أنها شاملة لجميع أفراد المنفي على التنصيص؛ وذلك لأن العموم قد يكون شاملاً لجميع أفراد العام بحسب الظاهر، لكن "لا حول" تنص على جميع أفراد العام نصاً قطعياً، إذن لا حول إلا بالله، ومعنى لا حول؟ الحول قيل معناه: التحول من حال إلى
стр. 3470
حال؛ يعني: لا تتحول الأحوال من حال إلى حال إلا بالله، ولا يستطيع أحد أن يحول الرخاء إلى شدة والشدة إلى رخاء إلا الله ، فيكون "حول" بمعنى: تحول أو بمعنى تحويل، تحول إذا كان التحول بذات الشيء تحويل إذا كان بفعل فاعل.
وقوله: "ولا قوة" أي: لا قوة على هذا التحول إلا بالله ، يعني: لا أحد يقوى على تحويل شيء إلى شيء أو التحول من شيء إلى شيء إلا بالله ، وعلى هذا فيكون معنى هذه الجملة العظيمة التبرؤ من الحول والقوة، وتفويض ذلك إلى الله وحده؛ ولهذا كانت هذه الكلمة كلمة استعانة، والذين يأتون بها في محل كلمة الاسترجاع إنما يقصدون بذاك الاستعانة على الصد على هذه المصيبة، أعنى: أن كثيراً من الناس إذا أصيب بمصيبة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إذا قيل له: حصل كذا وكذا من المعاصي وغيرها يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن المشروع أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا هو ذكر المصائب، لكن من قال: لا حول ولا قوة إلا
بالله عند المصائب له وجه، وهو أنه قصد الاستعانة على الصبر الذي هو مأمور به، نحن إذا سمعنا المؤذن يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح، نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، استرجاعاً أو استعانة؟ استعانة؛ لأن المؤذن دعاك: حي على الصلاة أقبل، حي على الفلاح الذي يكون بالصلاة، فنقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا الذكر متضمن لقول السامع سمعنا وأطعنا.
في هذا الحديث: الحث على قول هذه الأذكار وهي: "لا إله إلا بالله، وسبحان الله، والله أكبر، والحمد لله، ، ، ولا حول ولا قوة إلا بالله"، وهل يشترط أن يقولها جميعاً وإلا لم تكن من الباقيات؟ الجواب: لا؛ لأن الرسول ﷺ لم يقل: الباقيات الصالحات أن يقول كذا وكذا حتى مقول: إن الكلام جملة واحدة، ولكنه قال: الباقيات هذه وهذه وهذه وهذه، وعلى هذا فيكون كل واحدة من الباقيات الصالحات.
ومن فوائد الحديث: أن الذي يبقى للإنسان هو العمل الصالح، وأما المال والبنون فإن استعان بذلك على طاعة الله صارت من الباقيات وإلا فهي من الفانيات، تفنى بفناء الدنيا.
ومن فوائد هذا الحديث: تفسير القرآن بالسنة، وهذا له أمثلة كثيرة، وقد قال العلماء ﵏: إن الواجب في التفسير أن ترجع أولاً تفسير الله ، ثم إلى تفسير الرسول، ثم إلى تفسير الصحابة، ثم إلى تفسير علماء التفسير من التابعين، فهذه أربع رتب: الرتبة الأولى: الرجوع إلى تفسير الله، فالله تعالى أعلم بمراده، فإذا فسر شيئاً بشيء فلا عدول عنه، مثال ذلك: ﴿القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس ... ﴾ [القارعة: ١ - ٤]. وأمثلته كثيرة، ثم تفسير النبي ﷺ ؛ لأنه أعلم الخلق بمراد الله كما معنا في هذا الحديث: الباقيات
стр. 3471
الصالحات هي كذا وكذا، هذا من تفسير النبي ﷺ ، وله أمثله مثل قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ﴾ الأنفال: ٦٠]. قال: القوة الرمي، ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦]. قال: الزيادة هي النظر إلى وجه الله، ﴿الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: ٨٢] قال: الظلم الشرك.
ومن فوائد الحديث: إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية في قوله: "لا إله إلا الله".
ومن فوائده: تنزيه الله عن كل ما لا يليق به، في قوله: "وسبحان الله".
ومن فوائده: بيان عظمة الله وكبريائه في قوله: "والله أكبر".
ومن فوائده: أن أفعال الله تعالى كلها متضمنة للحمد محمود عليها؛ لأنها كلها حكمة لقوله: "والحمد لله".
ومن فوائد الحديث: تفويض الحول والقوة إلى الله في قوله: "ولا حول ولا قوة إلا بالله"، ويتضمن هذا التفويض إثبات قدرة الله وقوته على تحويل الأمور من حال إلى حال، وعلى هذا فلا نلجأ إلى تغييرها إلا إلى الله .
فإن قال قائل: الصلاة من الباقيات الصالحات لا شك وهي لم تأت في الحديث؟
فالجواب من أحد وجهين: إما يقال: إن الحديث ذكره الرسول ﷺ على سبيل التمثيل لا الحصر، وإما أن يقال: الصلاة فيها ذكر: تسبيح وحمد وقرآن.
وإذا قال قائل: والزكاة من الباقيات الصالحات لقول النبي ﷺ : "كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة"، وهذا لم يذكر في الحديث؟
فالجواب أيضاً من وجهين: إما أن يقال: أن الرسول ﷺ ذكر هذا على سبيل التمثيل، وإما أن يقال: إن دفع الزكاة تقرباً إلى الله متضمن لمعنى قوله: "لا إله إلا الله"، أي إنسان يدفع ما يحبه والمال محبوب للنفوس تقرباً إلى الله إلا وهو يعتقد أنه لا إله إلا الله.
أحب الكلام إلى الله:
١٤٨٣ - وعن سمرة بن جندبٍ ﵁ قال: قال رسول الله: "أحب الكلام إلى الله أربعٌـ لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر". أخرجه مسلمٌ.
قوله ﷺ : "أحب الكلام إلى الله" أي: ما يتكلم به الإنسان، والظاهر أنه لا يشمل القرآن؛ لأن القرآن كلام الله ، والإنسان إذا تلاه فإنه لا ينسب إليه إلا تلاوة ولا ينسب إليه ابتداء؛ لأن
стр. 3472
الكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدأ لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً أو تاليا غير ذلك، فإما أن يقال: "أحب الكلام" أي: ما يتكلم به الإنسان، فيخرج من ذلك القرآن الكريم فإنه أحب ما يتقرب إلى الله به ما خرج منه وهو القرآن.
وقوله: "إلى الله أربع لا بأيهن بدأت"، هذا من أسلوب الرسول ﷺ في التعليم، أحياناً يذكر الأشياء محصورة بعدد من أجل تقريبها للحفظ؛ لأن الشيء إذا كان محصوراً كان أقرب إلى الحفظ والإدراك وإن كان هناك أشياء أخرى توافق هذا الحكم، فمثلاً: "سبعة يظلهم الله في ظله"، هناك أناس يظلهم الله في ظله غير هؤلاء السبعة، "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم"، هناك آخرون لا ينظر الله إليهم، يقول: "لا يضرك بأيهن بدأت" يعني: أن الترتيب ليس بشرط، ممكن أن نقول: الله أكبر، ولا إله إلا الله، والحمد لله، وسبحان الله، أو تخالف بينهن، المهم أن تقولها، وإنما نص الرسول ﷺ على ذلك لئلا يكلف الإنسان نفسه في مراعاة الترتيب، يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
فيستفاد من الحديث: أولاً: إثبات محبة الله ، وأن الله تعالى موصوف بالمحبة، وهو سبحانه يحب ويحب، والدليل قول الله تعالى: ﴿فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٤٥]. فأثبت أنه يحب وأنه يحب، وهذا هو مذهب السلف الصالح وعليه أهل السنة، وقال بعض أهل البدع: إنه لا يحب ولا يحب، وأن محبته ثوابه، ومحبة الإنسان إياه قيامه بطاعته، ففسروا المحبة بآثارها، وقال آخرون: إنه يحب ولا يحب، وهذا أيضاً باطل، والصواب أن الله يحب ويحب، ومحبة الله تكون معلقة بالوصف، وتكون معلقة بالشخص، فمن تعلقها بالوصف قوله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقتلون في سبيله صفاً﴾ [الصف: ٢٤]. ﴿إن الله يحب المحسنين﴾ [البقرة: ١٩٥]. ﴿إن الله يحب المتقين﴾ [التوبة: ٧]. هذا عام بالوصف، ومن تعلقها بالشخص قول الرسول ﷺ في الرجل الذي كان يقرأ ويختم بقل هو الله أحد ويقول: إنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأها، فقال الرسول ﷺ : "أخبروه أن الله يحبه"، ومنه قول الرسول ﷺ : "لأعطين الراية غدا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" هذا أثبت المحبة من الطرفين فأعطاها علي بن أبي طالب، ومن ذلك أيضاً -وهي أخص- إثبات الخلة لشخصين فقط -فيما نعلم- لمن؟ لمحمد وإبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- أما إبراهيم فقد قال الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء: ١٢٥]. كذلك أيضاً محبة الله تتعلق بالأعمال: "أحب الكلام إلى الله أربع، وأحب الأعمال الصلاة على وقتها" وهي كثيرة، علقت هنا بالأعمال، وقد تتعلق بالأمكنة مثل: "أحب البقاع إلى الله مساجدها"، فهنا تعلقت بالأمكنة، إذن في هذا الحديث: إثبات محبة الله.
стр. 3473
ومن فوائده: إثبات أن محبة الله تتفاضل ليست على مستوى واحد أخذت من اسم التفضيل، فإذا قال: أحب فهناك فاضل ومفضول.
ومن فوائد الحديث: شرف هذه الكلمات الأربع، وأنها أحب ما قاله العبد إلى الله وهي كما سمعتم.
ومن فوائد الحديث: الحث على لزوم هذه الكلمات الأربع؛ لأن المؤمن إذا علم أن الله تعالى يحب هذا الشيء، فإنه يحرص على أن يفعله من أجل أن ينال محبة الله لقول الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ [آل عمران: ٣١].
فضل لا حول ولا قوة إلا بالله:
١٤٨٤ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال لي رسول الله: "يا عبد الله بن قيسٍ، ألا أدلك على كنزٍ من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله". متفقٌ عليه.
- زاد النسائي: "ولا ملجأ من الله إلا إليه".
قوله ﷺ : "يا عبد الله بن قيس" هذا اسم أبي موسى ﵁، وقد اشتهر بكنيته، وقوله: "يا عبد الله بن قيس" بدأ الخطاب بالنداء من أجل أن ينتبه لما يلقي إليه، وقوله: "ألا أدلك"، "ألا" أداة استفتاح الغرض منها أيضاً تنبيه المخاطب والاعتناء بما سيلقى إليه، وعلى هذا سيكون هذا الكلام فيه ما يدل على الاعتناء من وجهين: أولاً: النداء الموجه للمخاطب، والثاني: أداة الاستفتاح والتنبيه، "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة" يعني: أن من قاله فقد دفع الثمن إلى دخول الجنة، وليس المعنى أنه ثمرة من ثمار الجنة؛ لأن ثمرات الجنة في الجنة، حتى إن الرسول في الكسوف أراد أن يتناول قطفاً من عنب الجنة، لكن بدا له ألا يفعل؛ لأن ما للآخرة يكون للآخرة لكن المراد بـ"كنز" أنها توصل إلى الجنة كما قال الرسول: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، وقوله: "لا حول ولا قوة إلا بالله" هي خبر المبتدأ محذوف، التقدير هو؛ أي: الكنز لا حول ولا قوة إلا بالله، وقد سبق شرحها.
في هذا الحديث فوائد منها: أنه ينبغي للمتكلم أن يأتي بما ينبه به المخاطب إما بالصيغة، وإما بكيفية النطق؛ يعني مثلاً: يجهر بالكلمة ليتنبه المخاطب، أو نخفضها ليتنبه المخاطب؛ لأنه كلما تغير الأسلوب ولو بالصوت أدى ذلك إلى الانتباه.
ومنها: حسن تعليم الرسول ﷺ ؛ حيث يأتي بكل خطاب بما يناسبه.
стр. 3474
ومنها: فضيلة عبد الله بن قيس؛ حيث إن الرسول خصه بهذا النداء اللطيف الحبوب إلى النفس: "يا عبد الله بن قيس ... إلخ".
وهكذا ينبغي للإنسان في ملاطفة إخوانه وأصحابه أن يأتي بأساليب المحبة التي تؤلف بين القلوب، لاسيما إذا كان المخاطب أهلاً لذلك.
ومن فوائد الحديث: أن للجنة كنوزاً غير لا حول ولا قوة إلا بالله، وجه ذلك التبعيض كنز من كنوز الجنة.
ومن فوائد الحديث: التبرؤ من الحول والقوة وتفويض الأمر إلى من بيده الحول والقوة في قول القائل: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن فوائده: استحباب هذا الذكر وإن لم يكن عند المشاق، يعني: أن الإنسان ينبغي له أن يكون دائم الذكر بلا حول ولا قوة إلا بالله وإن لم يكن يريد الاستعانة على شيء.
وفي رواية النسائي: "لا ملجأ من الله إلا إليه"، الملجأ: الملاذ والمعاذ، ومنه الملاجئ التي تكون تحت الأرض، والمعنى: لا شيء تلجأ إليه من الله إلا إلى الله، من ينجيك من الله إذا أرادك الله بسوء؟ الجواب: لا أحد، ﴿وإذا أراد الله بقومٍ سوءاً فلا مرد له﴾ [الرعد: ١١]. إذن تلجأ إلى الله، فهو ، مستعاذ به منه، كما جاء في دعاء القنوت: "أعوذ بك منك"؛ لأنه هو الذي بيده الأمر، هو الذي بيده العقوبة لو شاء أن يعاقب، وهو الذي بيده رفع العقوبة لو شاء أن يرفع العقوبة، وهذا بالمعنى لقول لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأن حقيقته تفويض الأمر إلى الله والتبرئ من كل أحد سواه، فلا يلجأ الإنسان إلا إلى ربه، ولهذا كان الإنسان بطبيعته البشرية عند الشدائد لا يلجأ إلا إلى الله، المشركون الذين يعبدون الأصنام ليلاً ونهاراً إذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين يعرفون أنه لا يمكن أن يجيرهم من هذا إلا الله .
الدعاء هو العبادة:
١٤٨٥ - وعن النعمان بن بشيرٍ ﵁ عن النبي قال: «إن الدعاء هو العبادة». رواه الأربعة، وصححه الترمذي.
بدأ المؤلف ﵀ في الدعاء؛ لأن الباب ذكر ودعاء، وقد سبق شيء من الكلام على الدعاء وعند الكلام على الترجمة، يقول: "إن الدعاء هو العبادة"، ظاهر الحديث الحصر، وأن الدعاء هو العبادة، ووجه ذلك: أن العابد إذا استعبد لله بعبادة ليس فيها دعاء، فهو داعٍ بلسان الحال،
стр. 3475
إذا قال: لا إله إلا الله لا يوجد دعاء، ولكن هو داعٍ بلسان الحال، وهذا وجه الحصر في قول الرسول ﷺ : «إن الدعاء هو العبادة» يعني: كل إنسان يدعو فهو عابد، وكل إنسان يعبد فهو داع]، فصدقت الكلمة سواء كذا أو كذا، يعني: سواء قلت: كل داعٍ عابد، أو كل عابد داعٍ فهو صحيح.
في هذا الحديث: الحث على الدعاء؛ حيث جعله النبي ﷺ من العبادة، وعلى هذا فداعي الله رابح على كل تقدير إن أعطاه الله سؤاله فقد ربح ربحين، أولاً: العبادة، وثانياً: حصول مطلوبه، وإن منعه إياه وكف عنه شراً فهو أيضاً رابح ربحين، الأول: العبادة، والثاني: دفع المكروه عنه، وإن لم يكن هذا ولا هذا لكن ادخره ثواباً له إلى يوم القيامة فهو أيضاً رابح؛ حيث إنه سيجده مدخراً عند الله ، لأنه عبادة، وهنا هل نقول: إنه ربح ربحين أو ربح واحداً؟ كل عبادة لها ثواب هو رابح؛ لأنه سوف يثاب على هذه العبادة الحسنة بعشر أمثالها، إذن أكثر من الدعاء سواء أجبت أم لم تجب، لكن إذا دعوت ثم دعوت ثم دعوت ولم يستجب لك هل تقول: لو كان في هذا خير لأعطاني الله إياه ثم تستحسر وتترك؟ الجواب: لا، لا يجوز، كرر الدعاء؛ فإن الرسول ﷺ يقول: "إنه يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي" كرر، والحمد لله ما دام عبادة فكرر، ربما يكون من حكمة الله أن الله أخر إجابتك من أجل أن تكثر عبادتك وهذا خير لك.
- وله من حديث أنسٍ ﵁ مرفوعاً بلفظ: «الدعاء مخ العبادة».
أي: لبها، وهذا الحديث بهذا اللفظ في صحته نظر، لكن يكفي أن يكون الدعاء هو العبادة.
- وله من حديث أبي هريرة ﵁ رفعه: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء» وصححه ابن حبان، والحاكم.
الظاهر -والله أعلم- أن قوله: «ليس شيء- أي: من مطلوبات الإنسان- أكرم على الله من الدعاء؛ لأن الداعي -أعني: داعي الله- إنما دعا ربه؛ لأنه يؤمن بأنه كريم، وإذا كان يؤمن بأنه كريم صار وصفاً لله بالكرم بلسان الحال، وهذا لا شك أنه من أكرم الأشياء على الله ، والحديث يحتاج إلى النظر في صحته.
* * *
стр. 3476
فضل الدعاء بعد الأذان:
١٤٨٦ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله: «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد». أخرجه النسائي وغيره، وصححه ابن حبان وغيره.
إجماليات عجيبة من المؤلف ﵀ أخرجه النسائي وغيره.
إذا قال قائل: غيره يدخل فيه البخاري ومسلم؟
نقول: لا يدخل البخاري ومسلم، وإن كان لفظ الغير يدخل فيه، لكن لا يدخل من حيث استعمال المحدثين واصطلاحهم؛ لأنهم لا يذكرون الأدنى مع رواية الأعلى، ولا شك أن رواية النسائي أدنى من رواية البخاري ومسلم، فلما لم يذكر البخاري ومسلم عُلم أن المراد بغيره ما كان مساوياً للنسائي أو دونه، أما أعلى فلا، وكذلك صححه ابن حبان وغيره يقتضي أيضاً أنه صححه الأئمة كالإمام أحمد والبخاري وغيرهما، فيقال في ذلك مثل ما قيل في الأول، يقال: غيره ممن يساوي ابن حبان في التصحيح أو دونه.
على كل حال نقول: "الدعاء" مبتدأ، و"لا يرد" خبره، و"بين الأذان والإقامة" معروف، وذلك أنه من حين يفرغ المؤذن يشرع الإنسان في الدعاء يصلي على النبي ﷺ ثم يسأل له الوسيلة ثم يدعو بما شاء، ومن ذلك إذا قام يصلي فإنه يدعو.
فمن فوائد الحديث: أن للدعاء زمناً يكون فيه أقرب للإجابة، وذلك بين الأذان والإقامة.
ومن فوائده: من الأزمنة التي يكون فيها الدعاء أقرب للإجابة: الثلث الأخير، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: «من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»، ومن ذلك أيضاً عند لقاء العدو، فإن الدعاء مستجاب قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الأنفال: ٤٥]. ولعل من الذكر الدعاء، وكذلك أيضاً الدعاء عند الإفطار للصائم، وهناك أيضاً أمكنة أو أحوال يكون الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة كما سبق في أول الترجمة.
استحباب رفع اليدين في الدعاء:
١٤٨٧ - وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً». أخرجه الأربعة إلا النسائي، وصححه الحاكم.
стр. 3477
"إن ربكم" الخطاب للصحابة ﵃، وخطاب الرسول ﷺ للصحابة شامل لمن بعدهم، وليس غريباً أن يخاطب أول الأمة، ويراد جميع الأمة بل إن الله أحياناً يخاطب آخر الأمة بما كان لأولها، بنو إسرائيل يخاطبهم الله تعالى دائماً بأمر كان فعله أسلافهم.
"إن ربكم حيي كريم" "حيي" غير حي؛ لأن "حي" من الحياة، وحيي من الحياء؛ أي: أنه -جل وعلا- موصوف بالحياء، "كريم" أي: ذو عطاء كثير، "يستحي من عبده" هذا من أمثلة حيائه -جل وعلا- يستحي من عبده، والمراد بعبده هنا العبودية الخاصة وهي عبودية الشرع إذن، وإنما قلنا: عبودية الشرع؛ لأن العبودية نوعان: عبودية الكون وهي عامة لكل من في السموات والأرض، قال الله تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا ءاتى الرحمن عبداً﴾ [مريم: ٩٣]. وعبودية خاصة وهي عبودية الشرع؛ أي: التي يتعبد لله تعالى بشرعه، وهذه العبودية الخاصة هي التي يمدح عليها الإنسان ويثاب عليها ويعاقب بتركها.
"إذا رفع يديه إلى الله"، "يديه" يعني: عند الدعاء، ولم يذكر هنا كيفية الرفع، فيجوز أن ترفع على كل صفة إلا أن العلماء ﵏ قالوا: ينبغي أن يرفع يديه إلى صدره وأن يضم بعضهم إلى بعض هكذا، إلا عند الابتهال والمبالغة في الدعاء فإنه يرفع يديه حتى يبدو بياض إبطيه كما كان الرسول ﷺ يفعل، ويزداد في المبالغة في الدعاء في الاستسقاء، فإن الرسول دعا ورفع حتى كانت ظهور يديه إلى السماء من شدة الرفع.
وقوله: "أن يردهما صفراً"، الصفر: هو الخالي الذي ليس فيه شيء، وهذا يعني أنه لابد أن يعطيه الله شيئاً حسب ما تقتضيه الحكمة.
في هذا الحديث فوائد: أولاً: إثبات ربوبية الله ، وهذا شيء لا يحتاج إلى إقامة الدليل، قال الله تعالى: ﴿رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً﴾ [مريم: ٦٥]. من قوله: "إن ربكم".
ومنها: إثبات صفة الحياء لله لقوله: "إن ربكم حيي"، والذي وصفه بذلك رسوله ﷺ أعلم الناس به، ويأتي قوم محدَثون محدِثون فيقولون: إن الله لا يوصف بالحياء؛ لأن الحياء: انكسار يعتري الإنسان عند فعل ما يكون به الخجل، وهذا لا يليق بالله، نقول: هذا الحياء الذي ذكرتموه حياء المخلوق، أما حياء الله فليس انكساراً، ولكن لكرمه يستحي أن يرد هذا الداعي وليس كحيائنا، بل هذا الحياء كسائر الصفات ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]. لا أدري ماذا يجيبون ربهم يوم القيامة إذا سألهم، هل يمكنهم أن يقولوا: يا رب، لا نثبت لك الحياء؛ لأن الحياء لا يليق بك، والله لو أجابوا بهذا الجواب لم ينفعهم؛ ولهذا كان واجباً على كل مؤمن أن يثبت لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات وما أثبته له رسوله.
стр. 3478
ومن فوائد الحديث: إثبات الكرم لله لقوله: "كريم"، والكريم كثير العطاء والخيرات.
بقي أن يقال في هذا الحديث: إثبات اسمين، نحن ذكرنا إثبات الحياء، وإثبات الكرم، ولعلنا قصرنا فيه بعض الشيء نقول: إثبات اسمين من أسماء الله وهو أنه حيي وأنه كريم، وهما يتضمنان: صفتين الحياء والكرم.
ومن فوائد الحديث: أن حياء الله تعالى قد يحدث عند مقتضيه من قوله: "يستحي من عبده إذا رفع يديه"، فهذا حياء مقيد حصل بعد رفع العبد يده إلى الله، فيكون الحياء إذن من الصفات [الفعلية].
ومن فوائد الحديث: أنه كلما أظهر الإنسان الافتقار إلى الله والتعبد له كان أرجى وأقرب إلى الإجابة لقوله: "من عبده"، والعبد وإن كان ظاهره اسماً جامداً لكنه في الواقع مشتق من العبودية، وعلى هذا فإذا كان الاستحياء من الداعي بوصفه عبداً فقد علق الحكم بوصف، ومن القواعد أن الحكم إذا علق بوصف ازداد قوة بقوة ذلك الوصف، هذه قاعدة مفيدة للطالب، وأنا دائماً أكرر عليكم أن الاعتناء بالقواعد هو العلم، أما المسائل فيشترك فيها العامي وطالب العلم.
ومن فوائد الحديث: استحباب رفع اليدين في الدعاء تحرياً للإجابة لقوله: "إذا رفع يديه".
ومن فوائده: أن رفع اليد الواحدة يختلف فيه الحكم، فإن كان اقتصاره على رفع يد واحدة تكبراً فهذا لا خير فيها، ولن يجاب له، لكن لا أعتقد أن داعياً يرفع يده الواحدة تكبراً، لكن نقولها من باب تتميم التقسيم، وإذا رفع الواحدة لعذر كما لو كانت إحدى اليدين شلاء أو اشتغل بها بشغل لابد منه فلا بأس؛ ولهذا لما سقطت زمام ناقة النبي ﷺ وهو واقف بعرفة أمسكه بيدٍ وهو رافع اليد الأخرى.
ومن فوائد الحديث: إطلاق رفع اليدين، وقد سمعتم في الشرح أن الفقهاء قالوا: ينبغي أن تكون مبسوطة إلى حذاء الصدر، ولكن قلنا: ما لم يكن الدعاء ابتهالاً إلى الله فهنا يكرر الدعاء ويرفع أكثر.
ومن فوائد الحديث: أن الإشارة بالفعل لما في القلب أمر مشروع وارد؛ لأن الإنسان إذا قال: اللهم أعطني كذا وكذا وهو لم يرفع يده هو لا شك أنه يسأل الله، لكن إذا رفع يديه كالمستجدي صار أبلغ في ارتفاع القلب إلى الله .
ومن فوائد الحديث: أن الأصل في الدعاء هو رفع اليدين هذا هو الأصل، لكننا ذكرنا ما لم ترد السنة بعدم الرفع تصريحاً أو ظاهراً، فإذا كان ظاهراً لسنة أو صريح السنة أن لا رفع فلا ترفع الأيدي، لكن إذا لم يكن هذا هو الظاهر فإن الأفضل أن يرفع الإنسان يديه إلى الله .
стр. 3479
حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء:
١٤٨٨ - وعن عمر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا مد يديه في الدعاء، لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه». أخرجه الترمذي.
- وله شواهد منها: حديث ابن عباسٍ عند أبي داود ومجموعها يقتضي أنه حديث حسن.
هذا الحديث حديث عمر كما سمعتم أن له شواهد، وقول المؤلف: له شواهد يفيد أن فيه ضعفاً؛ لأننا لا نحتاج إلى الشواهد غالباً إلا لتجبر النقص، وهذا الشاهد يقول: عن ابن عباس وغيره.
وفي هذا الحديث دليل على أنه إذا فرغ من الدعاء وقد رفع يديه أنه ينبغي أن يمسح بهما وجهه، وإذا ثبت هذا الحديث فإنه من باب التعبد؛ لأنه لو كان يسمح جميع البدن لقلنا: هذا من أجل أن تكون بركة الدعاء لجميع البدن كما كان الرسول ﷺ يفعل ذلك عند النوم يمسح وجهه وبعض بدنه، لكن الوجه فقط لا نعلم، أنا لا أعلم الحكمة في ذلك، والله أعلم، لكن الحديث يقول ابن حجر ﵀ مجموع الشواهد يقتضي بأنه حديث حسن، لكنه حسن لغيره، وأنت إذا تأملت المواضع التي كان الرسول يدعو فيها وجدت أن الأحاديث الصحيحة لم يذكر فيها المسح إطلاقاً، رفع النبي ﷺ في مواضع في الخطبة عند الاستسقاء، وكذلك في عرفة، وكذلك في مزدلفة، وكذلك على الصفا، وغير ذلك، كل هذه الأحاديث الصحيحة على كثرة ما ورد من رفع اليدين لمي نقل أنه كان يمسح وجهه في الأحاديث الصحيحة إلا في هذا الحديث، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إن مسح الوجه باليدين بعد الدعاء بدعة، وأن الشواهد الواردة كلها ضعيفة لا ينجبر بعضها ببعض، وعلى هذا فالمسألة تكون اجتهادية، من رأى أن هذه الشواهد يجبر بعضها بعضاً قال: إنه سنة أن الإنسان إذا فرغ يمسح وجهه، ومن رأى أنه لا يجبر بعضها بعضاً لشذوذها، وكثرة الأحاديث التي فيها أن الرسول كان يدعو ولم ينقل أنه يمسح وجهه، قال: إنه ليس بسنة، ثم قال: إنها بدعة كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ولعل قائلاً يقول: نحن لا ننكر على من مسح ولا ندعو إلى المسح، ولا نفعله؛ يعني: لا تمسح لعدم ثبوت السنة عندنا، ولا ننكر على من مسح اتباعاً لبعض العلماء الذين جعلوا
стр. 3480
مجموع هذه الأحاديث يرفع الحديث إلى درجة الحسن مع أنه حسن لغيره ليس لذاته، فالله أعلم.
فضل الصلاة على النبي ﷺ :
١٤٨٩ - وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أولى الناس بي يوم القيامة، أكثرهم علي صلاةً». أخرجه الترمذي، وصححه ابن حبان.
قوله: "إن أولى الناس بي" أي: أقربهم مني وأولاهم بي في الشفاعة وغير الشفاعة، "يوم القيامة" يعني: يوم يقوم الناس لرب العالمين، "أكثرهم علي صلاة" فكل من كان أكثر صلاة كان أولى بالرسول ﷺ ، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المكثر للصلاة على الرسول ﷺ سيكون ذكر الرسول ﷺ دائماً في قلبه، ولهذا يكثر الصلاة عليه، أما من كان في ذكر الله تعالى دائماً في قلبه فسيكثر ذكر الله ، فإذا كان ذكر النبي ﷺ دائماً في قلبه فإنه سيكون أولى الناس به يوم القيامة لقوة صلته به.
في هذا الحديث فوائد: منها: أن الناس يختلفون يوم القيامة في ولايتهم إلى النبي ﷺ ، وجه ذلك لقوله: "أولى" اسم تفضيل واسم التفضيل يدل على مفضل ومفضل عليه.
ومن فوائد الحديث: إثبات يوم القيامة، والإيمان به أحد أركان الإيمان الستة.
ومن فوائد الحديث: استحباب كثر الصلاة على النبي ﷺ لقوله: "أكثرهم علي صلاة"، ولكن يجب أن نبتعد ابتعاداً تاماً عن أن تكون محبة الرسول أعظم من محبة الله، فإن هذا شرك في المحبة، ولا شك أننا إنما أحببنا رسول الله؛ لأنه رسول الله، فمحبتنا لرسول الله ﷺ تابعة لمحبة الله ، ولا يمكن أبداً أن نجعلها أكثر وأقوى من محبة الله ، بل ولا مساوية إلا في الأمور الشرعية، فطاعة الرسول ﷺ كطاعة الله تعالى تماماً ولا فرق.
سيد الاستغفار ومعناه:
١٤٩٠ - وعن شداد بن أوسٍ ﵂: قال: قال رسول الله ﷺ : «سيد الاستغفار، أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذني، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». أخرجه البخاري.
قوله: "سيد الاستغفار" يعني: أشرف، والاستغفار هو طلب المغفرة بأي صيغة تكون سواء
стр. 3481
كانت بقول: اللهم اغفر لي، أو بقول: أستغفر الله، أو بقول: اللهم يا غفار، وغير ذلك، وما هي المغفرة؟ المغفرة: هي طلب العفو والتسامح عن الذنب وستر الذنب أيضاً، أخذنا هذين المعنيين -وهما العفو والستر- من الاشتقاق؛ لأن المغفرة مشتقة من المغفر، والمغفر هو ما يوضع على الرأس من حديد، أو نحوه لاتقاء السهام، ففيه ستر وفيه وقاية، "أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت" هذا فيه إثبات الربوبية، وإثبات الألوهية: "خلقتني" هذه نوع أو فعل مقتضى الربوبية؛ لأن معنى الربوبية: أنه خالق مالك مدبر، فيقول العبد: أنت ربي، ثم يقول: خلقتني، ثم يقول: وأنا عبدك، عبدك كوناً وشرعاً؛ لأن هذا القول من مؤمن، فأنا عبدك كوناً تفعل بي ما شئت، وأنا عبدك شرعاً أقوم بأمرك وأدع نهيك، "وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت"، "على عهدك": أي: ميثاقك، "ووعدك": أي: وعدك للثواب، ففي الأول التزام بالعمل، والثاني: إيمان بالجزاء، العهد أنا على عهدك التزام بالعمل؛ لأن الله أخذ علينا العهد والميثاق بما أعطانا من العلم والعقل، وبما بعث إلينا من الرسل أن نؤمن به ونعبده، "على وعدك" بالثواب والجزاء؛ أي: أني مصدق بالوعد، ففي هذا إيمان وعمل صالح، العهد يتضمن العمل الصالح، والوعد يتضمن الإيمان، ولكنه قال: "ما استطعت" أي: مدة استطاعتي أو مهما استطعت، فعلى الأولى تكون ما مصدرية ظرفية، وعلى الثاني تكون ما شرطية؛ أي: ما استطعت فأنا فاعله، والاستطاعة هي القدرة، ومنه قوله تعالى عن الحواريين حيث قالوا لعيسى: ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدةً من السماء﴾ [المائد: ١١٢]. وهي مأخوذة من الطاعة؛ لأن الطاعة معناها فعل الشيء عن انقياد واختيار.
وقوله: "ما استطعت"، قد يقول قائل: هل هذه تعطي ترخيصاً أو تعطي التشديد، فما الجواب؟ يحتمل هذا وهذا، إنما هي تدل على أن الإنسان لابد أن يقوم بالعهد بقدر الاستطاعة، وأن ما وراء الاستطاعة ليس مكلفاً به، ومثله قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. هي هيئة من وجه وشديدة من وجه آخر، من جهة أن الإنسان لابد أن يستنفذ جهده في فعل الطاعة تكون شديدة، ومن جهة أنه لا يكلف فوق طاقته تكون يسيرة.
"أعوذ بك من شر ما صنعت" بضم التاء، "أعوذ بك" أي: أعتصم بك، "من شر ما صنعت": أي: من الذنوب؛ فإن الذنوب كلها شر وموجبة للعقوبة، إلا أن يعفو الله ، "أبوء" بمعنى:
стр. 3482
أعترف، "لك أي: لله ، "بنعمتك علي"، وقوله: "أبوء لك" أبلغ من قوله: "أبوء بنعمتك"؛ لأن هذا خصيص وتنصيص على الشكر لله والاعتراف بنعمه، "وأبوء بذنبي" أعترف لك بذنبي، و"ذنب" هنا مصدر مضاف، فيكون عاماً لكل الذنوب، والاعتراف بالذنب يعني: سؤال المغفرة؛ ولهذا قال: "فاغفر لي لا يغفر الذنوب إلا أنت"، "فاغفر لي": أي اعف عن عقوبة واستر علي؛ لأن المغفرة مأخوذة من المغفر وهو متضمن لشيئين: الستر والوقاية، "فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، هذا إقرار واعتراف بأن الخلق مهما اجتمعوا على أن يغفروا ذنباً واحداً ما استطاعوا؛ لأن الأمر إلى الله فلا يغفر الذنوب إلا الله، وهذا كقوله تعالى: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥]. أي: لا أحد يغفرها إلا الله .
ففي هذا الحديث فوائد: منها: فضيلة هذه الصيغة من الاستغفار، من أين تؤخذ؟ من قوله: "سيد الاستغفار".
ومنها: أن صيغ الاستغفار تختلف فبعضها أشرف من بعض؛ وذلك لأنها لو كانت سواء لم يكن هناك سيد ومسود ولكنها تختلف.
ومنها: بيان وجهة هذه الصيغة هي سيد الاستغفار؛ لأنها تتضمن أشياء كثيرة أوجبت أن تكون هذه الصيغ سيد الاستغفار.
ومنها: الإقرار بربوبية الله في قوله: "اللهم أنت ربي".
ومنها: أن صيغة "اللهم" أفضل من صيغة "يا الله" التي يدندن بها المطوفون الذين يطوفون بالكعبة يغرون الناس، حتى إنك تسمع أنهم يقولون: اللهم اغفر لي يا الله، ارحمني يا الله، اللهم ارزقني يا الله، هذه صيغ بدعية لم ترد عن النبي ﷺ ، و"اللهم" خير من كلمة "يا الله"، ولا أعلم بأنها وردت بهذا القدر الذي يقوله هؤلاء المطوفون.
ومن فوائد الحديث: الإقرار بأنه لا إله إلا الله، وهنا نقول: الإقرار بتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية والإقرار بتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، يعني: أن من أقر بتوحيد الألوهية فقد أقر بتوحيد الربوبية ضمناً؛ لأنه لن يعبد ولن يتآله إلا إلى ربه، وأما من أقر بالربوبية ولم يقر بالألوهية فإنه متناقض؛ لأن إقراره بالربوبية يستلزم أن يقر بالألوهية، ولهذا يحتج الله دائماً على أولئك الذين ينكرون توحيد الألوهية بأنهم يقرون بتوحيد الربوبية، ويقول: كيف تقرون بأن الله هو الرب وأنه المدبر لجميع الأمور ثم تصرفون عن الحق مع ظهوره وبيانه؟ !
стр. 3483
ومن فوائد الحديث: إقرار العبد بالربوبية على وجه التفصيل لقوله: "خلقتني"، وبالألوهية على وجه التفصيل بقوله: "وأنا عبدك".
ومن فوائد الحديث: تجديد العبد لما عاهد الله عليه، وأنه على عهده الذي عاهد الله عليه، وهو أن يقوم بطاعته وشريعته.
ومن فوائد الحديث: أن من تمام الإيمان بالله أن يؤمن بوعده؛ ولهذا قال أولو الألباب: ﴿ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد﴾ [آل عمران: ١٩٤]. ولولا إيمان العبد بوعد الله ما عمل عملاً صالحاً، لكنك لو تسأل أي إنسان لماذا تعمل العمل الصالح؟ لقال لك: أرجو بذلك ثواب الله وأخشى عقاب الله.
ومن فوائد الحديث: أن العبد ملتزم بأن يكون على عهد الله ما استطاع، ففيه إقرار واعتراف بأن العبد يجب عليه أن يقوم بعهد الله تعالى بقدر استطاعته، وهو كذلك، ولكن كما ذكرنا في الشرح هذه الجملة يمكن أن تكون تشديداً ويمكن أن تكون تيسيراً.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان يعتصم بالله من شر ما صنع، وذلك على وجهين: الوجه الأول: أن يعفو الله عنه، وذلك بعد وقوعه، والوجه الثاني: أن الله تعالى يوفقه للتوبة من هذا الذي صنع؛ لأن الإنسان إذا تاب وقاه الله شر ما صنع، فهذا الدعاء يتضمن الأمرين جميعاً، إما أن العبد يقول: أعوذ بك من شر ما صنعت فوفقني للتوبة منه، أو اعف عني، وكلاهما حق.
* فائدة في أنواع النعم:
ومن فوائد الحديث: اعتراف العبد بنعمة الله، ونعمة الله تعالى على العبد نوعان: نعمة عامة تشترك فيها الخلائق، وهي التي أشار الله إليها بقوله: ﴿وما من دآبةٍ في الأرض إلا على الله رزقها﴾. وهذه النعمة تكون للمؤمن والكافر والبر والفاجر والآدمي وغير الآدمي، كل الخلق غافلون بنعمة الله ، والنعمة الأخرى هي النعمة الخاصة التي يمن الله فيها على عبده وهي نعمة الدين والدنيا، واستمع إلى قوله تعالى: ﴿اليوم أكلمت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ [المائدة: ٣]. فجعل الله تعالى إكمال الدين من إتمام النعمة، وهذا النوع من النعمة هو النعمة الحقيقية؛ لأنه لا أحد أنعم بالا ولا أشد انشراحاً في الصدر ولا أطيب نفساً من المؤمن، وكلما ازداد الإنسان إيماناً ازداد صدره انشراحاً وقلبه طمأنينة، وصار لا يرى شيئاً يحزنه إلا وفرح به رجاء ثواب نعمة الله ؛ إذن النعمة التي يعترف بها العبد تشمل النعمة العامة والخاصة، مثال النعمة العامة: الصحة والرزق والنعم التي يتنعم بها البدن وهذا كثير، وقلت لكم: إنه يشير إلى هذا قوله
стр. 3484
تعالى: ﴿وما من دابةٍ في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود: ٦]. فالرزق نعمة، وقال في آل فرعون: ﴿كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ * وزروعٍ ومقامٍ كريمٍ * ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٧]. أي: تنعم، الثاني: النعمة الخاصة وهي نعمة الدين، فالإنسان المؤمن يعترف بنعمته العامة والخاصة.
ومن فوائد الحديث: الاعتراف بالذنب، وأن الاعتراف بالذنب لله ليس من المجاهرة؛ لقوله: "أعترف بذنبي"، أما الذي يعترف بالذنب عند الناس فهذا من المجاهرة؛ ولهذا جاء في الحديث: «كل أمتى معافى إلا المجاهرون»؛ الذي يفعل الذنب في السر وقد ستره الله ثم يصبح يحدث به الناس هذا مجاهر.
ومن فوائد الحديث: التوصل إلى الله تعالى بحال العبد لقوله: "أعترف بذنبي"؛ يعني: وإذا اعترفت بذنبي فأنا محتاج إلى مغفرة.
ومن فوائد الحديث: إقرار العبد بأنه لا يغفر الذنوب إلا الله.
فإن قال قائل: أليس الرجل يستغفر لأخيه فيغفر له باستغفاره؟
الجواب: بلى، لكن هل استغفاره أن يغفر له أو أن يسأل الله أن يغفر له؟ الثاني بلا شك؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعمه أبي طالب: «لأستغفرن لك ما لم أنهى عنك» فنهي عن الاستغفار له.
ومن فوائد الحديث: التوسل إلى الله تعالى بصفته لقوله: "إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، وقد ذكرنا فيما سبق ونعيده للفائدة: أن التوسل بالدعاء توسل إلى الله تعالى ينقسم إلى قسمين: ممنوع وجائز، وأن الجائز أنواع: الأول: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه عموماً، والثاني: التوسل إلى الله تعالى باسم خاص من أسمائه، والثالث: التوسل إلى الله تعالى بصفاته عموماً، والرابع: التوسل إلى الله تعالى بصفة من صفاته، والخامس: التوسل إلى الله بفعل من أفعاله بالعمل الصالح، والسادس: التوسل إلى الله تعالى بحال العبد الداعي، والسابع: إلى الله تعالى بدعوة من ترجى إجابة دعوته.
أما التوسل الممنوع فهو التوسل الشركي كفعل المشركين الذين يعبدون الأصنام ويقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فجعلوا الشرك وسيلة إلى الله ، أي: وسيلة إلى قرب الله، وهذا من أكبر الظلم، والثاني: أن يتوسل إلى الله تعالى بما ليس وسيلة؛ لأن التوسل إلى الله تعالى بشيء ليس منه وسيلة عدوان على الله وقول على الله بلا علم وفضل على الله تعالى أن يجيب بأمر ليس سبباً للإجابة، ومنه التوسل إلى الله بجاه النبي ﷺ ، فإن جاه النبي ﷺ ليس
стр. 3485
وسيلة إلى أن يغفر الله لك أو يجيب دعاءك؛ لأن وجاهة الرسول ﷺ إنما تكون له هو وحده، نعم الناس في الدنيا يتوسلون إلى الملوك بجاه من حولهم، أما الله فإنه لا يتوسل إلي بجاه أحد.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يحرص على دعاء الله تعالى به؛ لأنه سيد الاستغفار.
سؤال العافية في الدين والدنيا والأهل والمال:
١٤٩١ - وعن بن عمر ﵁ قال: «لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: اللهم إني أسألك العافية في ديني، ودنياي، وأهلي، ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي». أخرجه النسائي وابن ماجه، وصححه الحاكم.
"لم يكن يدع هؤلاء الكلمات .... إلخ"، "يدع هؤلاء" في هذا الاستعمال أطلق "هؤلاء" في غير من يعقل وهو نادر في اللغة لكنه ثابت ومنه قول الشاعر: ] الكامل [
(ذُمَّ المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام)
فأشار إلى غير العاقل بـ"أولئك" وهو قليل، فما هو الكثير إذن؟ الكثير أن يشير إلى جمع غير العاقل باسم إشارة المؤنث المفرد، فيقول مثلاً في هذا الحديث: يدع هذه الكلمات أو تلك الكلمات، وقوله: "هؤلاء الكلمات" سبق لنا أن الكلمات جمع كلمة، وأن الكلمة في اللغة العربية وفي الخطاب الشرعي ليست هي الكلمة المعروفة في اصطلاح النحويين، وقوله: "حين يمسي وحين يصبح" أي: حين يدخل في الصباح فمن يدخل في الصباح؟ يدل في الصباح إذا دخل الفجر؛ ولهذا تسمى صلاة الفجر صلاة الصبح، وفي المساء يدخل إذا صلى العصر، فإن صلاة العصر بها يدخل المساء، إلى متى ينتهي الصباح، ومتى ينتهي المساء؟ ينتهي الصباح إلى وقت الإضحاء، بمعنى: أن تنتشر الشمس وتعم أرجاء الأرض، وحينئذ يكون الصباح انتهى، وقال بعضهم: إلى الزوال، أما المساء فينتهي حينما يغيب بياض النهار في الأفق، وهو أقرب ثلث الليل، وقال بعضهم: إنه ينتهي المساء بدخول وقت العشاء حينما يغيب
стр. 3486
الشفق الأحمر، وعلى كل حال: الأمر في هذا واسع، وإذا أردت أن تحاط فبادر الأمر من أوله حتى تحتاط لنفسك، لكن هناك أشياء أذكار وأوراد قيدت في الليل وبعضها قيدت في النهار أو قيد بع صلاة الصبح مثلاً، فما قيد بشيء من هذا وجب أن نتقيد به.
قوله: "اللهم إني أسألك العافية في ديني"، يقول الرسول ﷺ مخاطبا ربه: "أسألك العافية في ديني"، والدين: كل ما يتقرب به العبد إلى ربه والعافية في الدين تشمل شيئين: الشيء الأول: العافية من الشبهات، والشيء الثاني: العافية من الشهوات، فأما العافية من الشبهات فنعني أن الله تعالى يمنّ عليك بالعلم الذي هو نور تهتدي به، ولا يلتبس عليك الحق بالباطل؛ ولهذا جاء في الحديث: «اللهم أرني الحق حقاً وارزقني إتباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً عليّ فأضل».
أما الثاني: لعافية من الشهوات فهو أن يسأل ربه أن يعافيه من الإرادات السيئة؛ لأن الإنسان قد يكون عنده علم، لكن ليس عنده إرادة حسنه، يعرف أن هذا باطل ولكن لا يمتنع منه، يعرف أن هذا حق ولكنه لا يفعله، فعندنا الآن مثلان: المثل الأول: رجل وقع في باطل وهو لا يعلم فما نوع بلائه هذا؟ من الشبهات، ورجل آخر وقع في باطل يعلم أنه باطل لكن نفسه دعته إليه هذا بلاؤه من الشهوات، إذن مدار الضلال على هذين الأمرين، إما الجهل وإما الهوى، فإذا سألت الله العافية فإنك تسأل الله في الواقع علماً وتسأله هدىً وتوفيقاً، العافية في ديني ودنياي، العافية في الدنيا أن الله تعالى يعافيك من الأسقام والأمراض الجسدية حتى تصبح معافى تستطيع أن تقوم بطاعة الله "وأهلي ومالي" هذا من عافية الدنيا أن يعافيك الله في أهلك؛ بمعنى: أن يجعل أهلك في طاعتك وفي توجيهك وأن يبقيهم لك، وألا يكدر صفوك فيهم بمرض أو عاهة، أو ما أشبه ذلك، المال أيضا يسأل الله أن يعافيك في مالك بأن يحفظه ويقيه الآفات سواء كانت الآفات بفعل الله أو بفعل مخلوق، يسرق ويخون وما أشبه ذلك.
وقوله: "اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي"، "استر" بمعنى: غط، والعورة ما يقبح من قول أو عمل، وسترها أن يواريها الله عن أنظار الناس فلا يسمعونه قولا يسوؤه ولا يرونه فعلا بسوؤه، "وآمن روعاتي": أي: اجعلني آمن عند الروع، والروع هي الخوف، لقول الله تعالى: ﴾ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴿] هود: ٧٤ [. والإنسان لا شك أنه يقع في قلبه مخافة طبيعية عادية فيسأل الله تعالى أن يؤمن هذا الروع، إبراهيم أصيب بالروع، وموسى-﵊-
стр. 3487
أصيب بالروع، ومحمد ﷺ أصيب بالروع أول ما جاءه الوحي وضمه جبريل، ولكن هذا الخوف والروع ليس خوف العبادة ولا الخوف الذي يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله، "وآمن روعتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي" كم جهة هذه؟ خمسة، السادسة قال: "وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي"، وهذا يدل على أن العذاب الذي يأتي من تحت أشد وأعظم؛ ولهذا اعتصم النبي ﷺ بعظمة الله أن يغتال من تحته من الشياطين من الجن من الخسف، ومعنى "أغتال" يعني: أهلك، والاغتيال هو القتل بغير استعداد له بأن يقتله على غفلة، ووجه ذلك: أن الإنسان إذا جاءه الشر من بين يديه أو من خلفه أو عن يمينه أو عن شماله أمكنه الفرار من فوقه أيضا ربما يمكنه إذا شاهد أسباب العذاب أن يختبئ، لكن إذا جاءه من تحت وخسف به غافل لا يحس بشيء صار هذا أشد، على كل حال كان الرسول ﷺ يدعو بهذه الكلمات.
فيستفاد من الحديث: أولاً: المحافظة على هذه الكلمات اقتداءً بالرسول ﷺ .
ومن فوائده: أن هذه الكلمات مقيدة بالصباح والمساء كما كان الرسول ﷺ يقولها في الصباح والمساء، ولكن لو قالها في غير ذلك مثل وسط الليل وسط النهار، هل نقول إنك مبتدع لأنك أتيت بالعبادة في غير وقتها؟ الجواب إن أراد التعبد بذلك قال: إني أتعبد بها في وسط الليل والنهار قياسا على وقت المساء والصباح، قلنا: هذا مبتدع، أما إذا قالها بقلبه وفكره دون قصد اختيار هذا الوقت فلا بأس.
ومن فوائد الحديث: أن كل إنسان عرضة للآفات في الدين والدنيا والأهل والمال، وجهه: طلب العافية من ذلك الرسول ﷺ أشرف بني آدم، ولذلك إذا كان الرسول ﷺ يمكن أن يصاب بذلك فمن دونه من باب أولى.
ومن فوائد الحديث: أن البلاء يكون في نفس الإنسان، وفي دينه، وفي أهله، وفي ماله، وهو كذلك، بلاء الدين ذكرنا أنه ينقسم إلى قسمين: شبهات، وشهوات.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان كما أنه مأمور بسؤال العافية في الدين فهو مأمور بسؤال العافية في الدنيا أيضا؛ لأن الإنسان كما أنه مأمور بسؤال العافية في الدين فهو مأمور بسؤال العافية في الدنيا أيضا؛ لأن الإنسان قد يبتلى بمرض حسي في بدنه، وقد يبتلى بتسلط الناس عليه وأكل لحمه وسبه حاضرا وإيذائه، كل هذا داخل في قوله: "ودنياه".
ومن فوائد الحديث: أنه لا حرج على الإنسان أن يسأل الله تعالى العافية في المال، ولا يقال: إن الورع ألا يتعلق قلبك بمالك هذا خطأ؛ لأن سيد الورعين محمد ﷺ ومع ذبك سأل الله أن يعافيه في ماله.
стр. 3488
ومن فوائد الحديث: أن العافية في الأهل مقدمة على العافية في المال، وعلى هذا أيهما أولى بالمراعاة أن تراعي أهلك وتحفظهم من الشرور وتحافظ على مصالحهم، أو أن تراعي مالك؟ الأول؛ ولهذا من السفه في العقل والضلال في الدين أن بعض الناس اليوم يراعي مالهم مراعاة كبيرة ويحافظ عليه وأهله غير مبال بهم.
ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ له عورات لقوله "استر عوراتي"، وهل يمكن أن يؤخذ من هذا، أو قال: "استر عوراتي" إن كانت؟ يحتمل هذا وهذا، والنبي ﷺ ليس معصوما من الخطأ في غير الوحي قد يجتهد ويخطئ، ولكن الله تعالى لا يقره على خطئه، وهذا من ستر ذلك، أليس يقول له: ﴾ عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ﴿] التوبة: ٤٣ [.
ويقول له : ﴾ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك وأتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴿] الأحزاب: ٣٧ [.
ويقول له: ﴾ يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم ﴿] التحريم: ١ [.
على كل حال لنا أن نقول: إن الرسول لم يسأل ستر عوراته إلا وهو محتاج إلى ذلك، ولكنه لا يقر صلي الله عليه وسلم على خطأ، ويمكن أن يقال: استر عوراتي إن كانت، ولا يلزم من ذلك الوقوع كما لم يلزم وقوع الشرك منه في قوله تعالى: ﴾ لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ﴿] الزمر: ٦٥ [.
ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ كغيره من البشر يلحقه الروع لقوله: "وآمن روعاتي"، وهل نقول: إن هذا دعاء بأن يجعل في قلبك أمانا إذا حصل الروع، أو هو دعاء برفع الروع وتخفيفه إذا وقع؟ الظاهر: الأمران يعني: آمن من الروعات، أو ارفع عني الروع إذا نزل، والإنسان محتاج إلى هذا وهذا.
ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ مفتقر إلى حفظ الله ، لقوله: "أحفظني من بين يدي"، وهذا يرد دعوى الذين يدعون أن النبي ﷺ قادر على حفظهم، ولهذا يستغيثون به ويستعينون به ويستعيذون به، ويعتقد الواحد منهم أنه في حفظ الرسول ﷺ ، فيقال: إن الرسول ﷺ هو نفسه محتاج إلى حفظ الله.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي التبسط في الدعاء لقوله: "أحفظني من بين يدي .... إلخ"؛ إذا بإمكانه أن يأتي بهذا مجملاً فيقول: أحفظني من كل نازلة، أو من كل جهة، لكن التبسيط في الدعاء أفضل لوجوه ثلاثة: الوجه الأول: طول مناجاة الله ، كلنا يعلم أن الإنسان يحب أن
стр. 3489
يطيل المناجاة مع حبيبه، والرب أحب شيء إلى المؤمن، الوجه الثاني: أن التبسيط يؤدي إلى الاستحضار؛ استحضار ذنوبه إذا كانت ذنبا، استحضار الحاجات إذا كانت حاجة، ولا شك أن التفصيل في ذلك أولى من الإجمال؛ لأنه عند الإجمال قد يغيب عنك شيء مما تريد أن تدعو الله من أجله؛ ولهذا جاء في الحديث: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله، علانيته وسره، وأوله وآخره"، مع أنه يكفي أن يقول: اللهم اغفر لي ذنبي كله، وكذلك في دعاء الميت: "اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا"، هذا أيضا يعني عنه: اللهم اغفر لحينا وميتنا عن كل ذلك، لكن التفصيل فيه مصلحة.
الوجه الثالث: كثرة الثواب؛ لأن كل جملة تدعو الله بها فإنك مثاب عليها لامتثالك أمر الله تعالى في قوله: ﴾ ادعوني أستجب لكم ﴿، وإن شئت زد واجهاً رابعاً: وهي التأسي برسول الله صلي الله عليه وسلم، ولكن هذا لا يعني أن نأتي بالألفاظ المتكررة التي ليس فيها إلا الإطالة بدون فائدة فإن هذا ينهي عنه، كما يوجد عند بعض الناس في دعاء القنوت في ليالي رمضان تجده يأتي بأشياء طويلة مملة غير واردة عن النبي ﷺ أيضا مكررة تكريرا إما لفظيا وإما معنوياً.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان يخاف من العذاب أو الانتقام يأتيه من أسفل أكثر مما يخاف أن يأتيه من بقية الجهات، يشير إلى ذلك: "أعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي".
ومن فوائد الحديث: جواز السجع في الدعاء؛ لأن في هذا الحديث سجع وهو: "استر عوراتي وآمن روعاتي"، وكذلك أيضا يوجد سجع في بقيته لكنه ليس سجعا ظاهرا، إنما السجع في الدعاء لا بأس به بشرط ألا يكون متكلفا.
الاستعاذة من سخط الله:
١٤٩٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك». أخرجه مسلم.
يقول: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك"، أي النعم؟ عام يشمل نعم الدين ونعمة الدنيا، وقوله: "وتحول عافيتك"، وتحول العافية يعني: إلى مرض سواء كان مرضا دينياً أو مرضاً دنيوياً سواء كان مرضاً في البدن أو مرضاً في المال أو مرضاً في الأهل، المهم: أن الرسول ﷺ كان يستعيذ بالله من تحول العافية يعني: تغيرها من حال إلى حال، "وفجاءة نقمتك" يعني:
стр. 3490
أن تفاجئني نقمتك، والله ينتقم من عصاه وربما يأتي الأمر مفاجئ كما في قول الله ﵎: ﴾ أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهو نائمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ﴿] الأعراف: ٩٧ - ٩٨ [نائم قائم فيفاجأ بالانتقام، لاعب بالضحى فيفاجأ بالانتقام.
وقوله: "فجاءة نقمتك" هل يمكن أن نقول: إن الرسول ﷺ يخشى أن ينتقم منه، أو يقال: فجاءة تهتك التي تكون من فعل غيره؛ لأن نقمة الله تكون للمخطئ وغير المخطئ كما قال تعالى: ﴾ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴿] الأنفال: ٢٥ [. الذي يظهر لي، الثاني؛ وأن الرسول ﷺ استعاذ بالله من مفاجأة النقمة؛ لأنه ينتقم من الناس عموما وإن كان فيهم الصالحون، "وجميع سخطك" أي: كله، كل السخط سواء على المعاصي القوليه أو على المعاصي الفعلية، والسخط ضد الرضا.
ففي هذا الحديث دليل على فوائد: منها: افتقار النبي ﷺ إلى ربه، وجه ذلك أنه استعاذ به ﵊.
ومن فوائد الحديث: أن النعم قد تزول حتى عن الأنبياء، لكن نعم الدنيا ممكن، لكن نعم الدين لا تزول؛ لأنه لا يمكن أن يرتد أحد من الأنبياء، فلا يمكن أن تزول نعمة الله عليهم، نعم إن أريد من زوال نعمتك العموم فهذا قد يقع، قد ينقص المسلمون ويرتد بعضهم.
ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ استعاذ من تحول العافية، وهذا يتضمن بقاء العافية، إذن فالإنسان ما دام في عافية فلا ينبغي أن يتحول عنها، بل يبقى على ما هو عليه ما دام في عافية فإن أصيب فليلجأ إلى الله .
ومن فوائد الحديث أيضا: تعوذ النبي ﷺ من مفاجأة الانتقام، وهل يشمل هذا لو جاء الانتقام شيئا فشيئا؟ نقول: الرسول ﷺ إنما تعوذ من مفاجأة الانتقام؛ لأنه أشد مما لو كان يأتي بالتدريج؛ إذ إنه إذا أتى بالتدريج ربما يكون الإنسان منتبها فيستعتب، ويسأل الله العافية ويرفع عنه.
ومن فوائد الحديث: إثبات السخط لله لقوله: "وجميع سخطك" أي: كل ما يسخطك، فيكون في هذا استعاذة بالله من الأعمال الموجبة للسخط ومن السخط.
стр. 3491
الاستعاذة من غلبة الدين والعدو وشماتة الأعداء:
١٤٩٣ - وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء». رواه النسائي، وصححه الحاكم.
قال: "من غلبة الدين"، ولم يقل: من الدين، "غلبة" يعني: تراكمه وكثرته؛ ولهذا يكون الرسول ﷺ مدينا أحيانا وأحيانا لا يوفي، فكان مدينا لجابر بن عبد الله بثمن جمله؛ لأنه اشترى منه الجمل ولم ينقده الثمن، وقصة الجمل مشهورة، فكان ثمن الجمل دينا على رسول الله، لكنه دين ليس غالبا والحمد لله أوفاه، وقد لا يوفي الدين، وذلك الطعام الذي اشتراه لأهله من اليهودي، فإن الرسول ﷺ اشترى طعاما لأهله من يهودي وأرهنه درعه، ومات ﷺ ودرعه مرهون عند هذا اليهودي بهذا الطعام، إذن مات مدينا، ولكن هذا الدين لم يغلبه؛ لأن الدين موثق الدرع، والذي يبدو أن هذا الدرع يكفي دينه؛ لأن اليهود لا يمكن أن يتهاونوا في أمكر المال، فهذا الدرع يوفي، فصار الرسول ﷺ لم يغلب في دينه، إذن استعاذ من "غلبة الدين" فأجاب الله دعائه، كذلك أيضا "غلبة العدو"؛ أن يغلبني العدو، استعاذ أن يغلبه العدو، ولا شك أن النبي صلي الله عليه وسلم كانت العاقبة له حتى وإن كان في بعض المواطن يحصل ما يحصل من الهزيمة، إلا أن العاقبة للرسول صلي الله عليه وسلم ولذلك قضى والحمد لله على العرب، ومنهم من أسلم، ومنهم من أذل، فصارت العاقبة للرسول صلي الله عليه وسلم، ولا أعجب من قضية حنين فإن هوزان غلبوا الصحابة ﵃ حتى فر الصحابة وهم اثنا عشر ألفا ولم يبق مع الرسول صلي الله عليه وسلم إلا نحو مائة رجل من اثني عشر ألفا، ثم كانت العاقبة والحمد لله للنبي صلي الله عليه وسلم حتى غلبهم وغنم منهم مغانم كثيرة، كذلك أيضا شماتة الأعداء: يعني: فرح الأداء، ومنه قول هارون لأخيه موسى: ﴾ فلا تشمت بي الأعداء ﴿] الأعراف: ١٥٠ [أي: لا تفرحهم علي، ولا شك أن شماتة العدو إنما يكون بما يسوء الإنسان؛ لأن عدوك يفرح بما يسوءك ويحزن بما يسرك، ولهذا لما تكلم الفقهاء على أن العدو لا تقبل شهادته على دعوه قالوا: من سره مساءة شخص وغمه فرحه فهو عدو، هذه كلها أدعية منها ما يكون في المال، ومنها ما يكون في الحياة والشرف والسيادة، ومنها ما يكون في أمر خارج، "غلبة الدين" تتعلق بالمال، "غلبة العدو" تتعلق بالشرف والسيادة والعزة، "شماتة الأعداء" بأمر خارج يشمل المال ويشمل البدن؛ لأن المقصود بشماتة الأعداء: فرحهم.
стр. 3492
فيستفاد من الحديث: أولا: افتقار رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى ربه في كل حال، وهذا الافتقار ينفي أن يكون له حظ من الربوبية وبه يبطل تعلق هؤلاء المساكين الذين يتعلقون برسول الله صلي الله عليه وسلم في كشف الشدائد وجلب المنافع، وهو نفسه محتاج إلى الله.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو به تأسيا برسول الله صلي الله عليه وسلم وابتغاء فيما يحصل فيه من صرف المساوئ التي تسوء العبد في ماله أو جاهه أو ما هو أعم.
ومن فوائد الحديث: أن مطلق الدين لا حرج فيه، لكن هل الأفضل أن يعرض نفسه للدين أو لا؟ نقول: في ذلك تفصيل؛ إذا كان الوفاء قريبا والدين قليلا فلا بأس، وأما إذا كان الوفاء غير مرجو أو كان دينا كثيرا قد يثقل كاهل الإنسان فإنه لا ينبغي للإنسان أن يتعرض له؛ ولهذا نحن على خطر بالنسبة لشبابنا الذين انحرفوا فيما يسمونه بالتقسيط يشتري الشاب السيارة فخمة لا يركبها إلا الملوك وأبناء الملوك، والوزراء وأبناء الوزراء، وهو ليس عنده شاء، ولكن تغلبه الشركات، وتقول: خذ هذه السيارة بمائة ألف ريال وأعطنا كل شهر من معاشك كذا وكذا، المسكين يأخذها، فكون هذا الجزء الذي أخذ من معاشه يسير لكنه سوف يندم فيما بعد إذا طالبت هذه الشركات بحقوقها، وسوف يعلم أن هذا أسوء تصرف وأخطر تصرف، ولا ينبغي للإنسان أن يتهاون بالدين، على كل حال: من الدين الذي قلنا يكون قليلا ووفاؤه قريب أن يكون على الإنسان عقيقة ولد، له ولدان يحتاج إلى أربع عقائق، لكنه وظف وليس له إلا معاشه وسوف يوفي آخر الشهر فهل يقترض، أو نقول انتظر حتى تحصل الراتب ثم عق؟ الأول، ولهذا قال الإمام أحمد رحمة الله: يعق -يعني: المدين- أرجو أن يخلف الله عليه.
معنى الصمد:
١٤٩٤ - وعن بريدة ﵁ قال: «سمع النبي صلي الله عليه وسلم رجلا يقول: اللهم أني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. فقال: لقد سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب». أخرجه الأربعة وصححه ابن حبان.
هذا الذي سمعه الرسول صلي الله عليه وسلم إنما هو التوسل فقط، ولم يذكر في الحديث ماذا سأل الرجل إنما ذكر التوسل قال: "اللهم أني أسألك"، ولم يذكر المسئول وهي حاجة الداعي "بأني
стр. 3493
أشهد أنك أنت الله"، الباء هنا للمصاحبة؛ يعني: أسألك سؤالا مصحوبا بهذه الشهادة العظيمة، "بأني أشهد" أي: ناطقا لسانا موقنا بقلبي، "بأنك أنت الله لا إله إلا أنت"، وهذا شهادة له بالألوهية وانفراده بها بقول: "لا إله إلا أنت"، "الأحد" يعني: الذي لا نظير له، بل هو متوحد في الكمال والجمال والعظمة والإحسان، وغير ذلك، "الصمد" أجمع ما قيل في معناه: أنه الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته، فالذين فسروه بأنه السيد الكامل في سؤدده، الكامل في حلمه، الكامل في علمه ... إلخ، هذا داخل في قولنا: الكامل في صفاته، وتفسير بعضهم إياه بأن الصمد عليه الخلائق في حوائجها داخل في قولنا: الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته، فعليه نقول: الصمد هو الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته، ومن ذلك استغناؤه ﵎ عن الأكل والشرب وغير ذلك.
"الأحد" قلنا: المتفرد بكماله وجلاله وكذلك في ذاته، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إن ذات الله تعالى تخالف كل ذوات المخلوقين، ولا يمكن أن تصور يعني: تخالف الجن والإنس، والسماء والنجوم؛ لأنه لا نظير له، فهذه الذات العلية مخالفة لجميع الذوات؛ لأنه الله تعالى أوحد متوحد في كماله وجلاله وصفاته، "الصمد": الذي لم يلد ولم يولد، لم يلد: لكماله؛ لأنه مستغن عن الولد، والحيوان ناقص يكمل في الولد من وجه، ناقص يستمر بقاء النوع بماذا؟ بالولد، الرب غني عن هذا، فهو لم يلد، وقد أنكر الله ذلك بأدلة عقلية، قال: ﴾ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء ﴿] الأنعام: ١٠١ [فالخالق لا يحتاج أن يتولد منه شيء أو يولد منه شيء، ولم يولد؛ لأنه هو الخالق وما سواه مخلوق؛ ولأنه الأول الذي ليس قلبه شيء؛ ولأنه لو كان مولودا لافتقر إلى الوالد، وكل هذا منتف في حق الله؛ فلهذا انتفت عنه الولادة.
فإن قال قائل: الوالد سابق للمولود، لماذا يدع له المولود قبل الوالد.
نقول: نعم؛ لأنه ادعي أن الله له ولد ولمن يدع أحد أن الله له والد، فقدم ما أدعاه المبطلون في حقه، قدم نفيه اهتماما به وردا لقول هؤلاء، فمن الذين قال إن لله ولد؟ النصارى واليهود والمشركون، النصارى قالوا: المسيح ابن الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، ولم يكن له كفواً أحد، "كفوا" مكافئا، و "أحد" هذه اسم "يكن" مؤخر؛ يعني: لم يكن لله أحد يكافؤه أبداً لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أسمائه ول في أفعاله.
هذا الدعاء تضمن الإقرار بأنواع الربوبية بل بأنواع التوحيد: "أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت" هذا الألوهية، "الأحد الصمد" الربوبية؛ لأننا قلنا: إن الصمد هو الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع المخلوقات، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، هذه الأسماء
стр. 3494
والصفات: يعني المتوحد بصفاته وأفعاله، فلا يشابهه أحد ولا يماثله أحد، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لقد سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى"، "باسمه" ليس المراد هنا: الاسم الواحد بل بما ذكر من أسمائه؛ وذلك لأن "اسم" مفرد مضاف فيعم، وعلى هذا فيكون باسمه؛ أي: بما ذكر من أسمائه، وهذه الصيغة فيما ذكر الله والأحد والصمد، فيكون المراد باسمه: العموم؛ أي: عموم ما ذكر باسمه الذي سئل به أعطي، وذلك لمحبته ﵎ بما تضمنته هذه الصيغة، "وإذا دعي به أجاب"، والفرق بين السؤال والدعاء: أن الدعاء أن تناجي الله ، والسؤال أن تطلب منه شيئا، فإذا قلت: اللهم، فهذا دعاء، أغفر لي هذا سؤال؛ ولهذا جاء في حديث النزول أن الله يقول: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه ... ".
في هذا الحديث فوائد: أنه ينبغي أن يتوسل الإنسان في دعائه بهذه الصيغة، وجهة: أن النبي صلي الله عليه وسلم أثنى عليها، وبين أنها الاسم الذي إذا سئل الله به أعطى وإذا دعي به أجاب.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان قد يلهم ما يكون محبوبا إلى الله ورسوله؛ لأن الظاهر أن هذا الإنسان الداعي قال ذلك من عند نفسه، ويحتمل أن الرسول صلي الله عليه وسلم علمه إياه، ثم سمعه من هذا الداعي، لكن ظاهر الحديث الأول.
ومنها: تأييد من قال بالحق، وإن كان دون المؤيد، وجهة: أن الرسول صلي الله عليه وسلم أيد هذا الداعي مع أنه دون الرسول صلي الله عليه وسلم.
ومن فوائد الحديث: التوسل إلى الله بكمال صفاته؛ لأن كل ما ذكر من كمال الصفات، ولعلكم تذكرون أننا ذكرنا في عهد قريب أنواع التوسل.
ومن فوائد هذا الحديث: انفراد الله تعالى بالألوهية والأحدية والصمدية؛ لأنه قال: "أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد"، أما "لا إله إلا أنت" فواضح، وأما "الأحد الصمد" فلأنهما معرفان، يعني: المعني أشهد أنك الأحد الصمد، فهما من خصائص الرب .
ومن فوائد الحديث: إثبات كمال الله لقوله: "لم يلد يولد"، "ولم يلد" نفي للولادة في المستقبل، "ولم يولد" نفي التسلسل في الماضي؛ أي: أن الرب هو الأول الذي ليس قبله شيء وهو الآخر الذي ليس بعده شيء.
ومن فوائد الحديث: إثبات الصفات التي تسمى الصفات السلبية؛ أي: المنفية من قوله: "لم يلد ولم يكن له كفواً أحد" واعلم أن الله تعالى موصوف بصفات نفسي وصفات إيجاب وأيها أفضل؟ الصفات الإيجابية أفضل؛ لأنه كلما تعددت صفات الكمال ظهرت من كمال الموصوف ما لم يكن معلوما من قبل، أما صفات النفي فإنها جاءت مجملة غير مفصلة؛ لأن
стр. 3495
التفصيل في صفات النفي عيب غير لائق، والإجمال هو الكمال، لو أنك أردت أن تعظيم أميرًا من الأمراء فقلت: إنك أمير لا يساويك أحد في الحزم والقوة والرأي والحكمة، مثلاً ماذا يكون؟ هذا طيب، لكن لو قلت: إنك أمير ولست ببخيل ولا جبان ولا فراش ولا كسّاح ولا منظف للأسواق ماذا يقول؟ يرى أنك عبته ويأمر بتأديبك؛ لأن هذا غير لائق؛ ولهذا قال العلماء: من الحكمة أن الله تعالى يذكر الصفات المنفية على سبيل الإجمال؛ لأنّ ذلك أبلع في الكمال، لكن قد تذكر الصفات المنفية على وجه التفصيل لسبب، إما لكون السامع قد توهمها، وإما لكون هذه الصفة المنفية قد قيلت في الله ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيامٍ وما مسنا من لغوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. هذا نفي لصفة خاصة لكنه نفي في محله؛ لأن السامع قد يظن أن هذه المخلوقات العظيمة تعي الله فنفى ذلك عنه، ومثال نفي ما ادعاه المبطلون هذه الدعاء: "لم يلد ولم يولد" فهذا نفي خاص؛ لأنه دعي في جانب الله ، ثم اعلم أن جميع الصفات المنفية ليس المراد بها مطلق النفي، لماذا؟ لأن مطلق النفي العدم، والعموم ليس بشيء، والله يقول عن نفسه: ولله المثل الأعلى أي الوصف الأكمل، فإذا وصف بعدم فأين الكمال، إذن إذا كان يمتنع المراد بالصفات المنفية مطلق النفي، فما المراد؟ المراد: إثبات الكمال، فكأننا نقول: ﴿وما مسنا من لغوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. لكمال قوته، ﴿وما ربك بغافلٍ عما يعملون﴾ [البقرة: ١٣٢]. لكمال علمه وإحاطته ومراقبته، هذا هو المراد، إذن المراد بالصفات المنفية إثبات ضدها على وجه الكمال، ولو لم نقل ذلك لكان يحتمل أن يراد بالصفات المنفية القدح والعيب؛ لأنه قد ينفي الشيء المعيب لعيب من نفي عنده، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
(قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل)
نمدحهم بالوفاء وعدم الاعتداد، الوفاء لا يغدرون بذمة، وعدم الاعتداد ولا يظلمون الناس حبة خردل، إذا سمعت هذا الكلام تقول: أثنى عليهم أم عابهم؟ أثنى عليهم، أوفياء عدلاء، لكن الواقع أنه أراد ذمهم، ويدل لهذا التصغير في أول قبيلة، وكذلك أيضًا قول الشاعر: [البسيط]
(لكنَّ قومي وإن كانوا ذوي عددٍ ... ليسوا من الشَّرفي شيءٍ وإن شانا)
(يجزون من ظلم أهل الظُّلم مغفرةً ... ومن إساءة أهل السُّوء إحسانًا)
стр. 3496
أي: أنهم إذا ظلمهم أحد غفروا له، وإذا أساء إليهم أحسنوا إليه، صفة جميلة: إذا ظلموا عفروا وإذا أسيء إليهم أحسنوا، أي إنسان يسمع هذا الكلام يقول: إنه مدح لكنه في الواقع ذم بدليل ما قبله وما بعده.
ثم قال:
(فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شنُّوا الإغارة فرسانًا وركبانًا)
يعني: ناس شجعان يركبون الخيل ويشنون الغارات، فتبين بهذا الآن أن نفي العيب قد يكون عيبًا، كذلك نفي العيب قد يكون لعدم قابلية الشيء لذلك العيب، ليس لكماله لكن لعدم قابليته له، ومنه أن تقول: إن جدارنا لا يظلم من استظل به هذا نفي؛ لأنه غير قابل للظلم أو العدم، فلذلك لم يكن نفي الظلم في حقه مدحًا، إذن الصفات المنفية عن الله المراد بها إثبات صفة كمال، الكمال ما ندري ما هو، لكن بضدها تتبين الأشياء، إذا انتفى هذا الشيء فالضد هو الثابت، لا يظلم ربك أحدًا انتفى الظلم ما ضده؟ العدل، إذن هو عادل عدلاً ليس فيه ظلم بوجه من الوجوه، وعلى هذا فقس.
من فوائد الحديث: أنه كلما قويت الوسيلة حصل المقصود لقوله: "إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب"، وهل هذا يشمل الأمور الشرعية والأمور القدرية الكونية؟ أي نعم، كلما قويت الوسيلة حصل المقصود، إلا إن كان فيه مانع أقوى من ذلك، فلا يحصل، فمثلاً لو قال قائل: أرأيت لو دعا داع بهذا الدعاء وهو يأكل الحرام ويتغذى به هل يدخل في الحديث أو لا؟ نقول: لا يدخل؛ لأن الرسول ﷺ استبعد أن يجاب لمن تغذى بالحرام فكان مطعمه ومشربه حرامًا، وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها، أن الأسباب لا تؤثر في مسببها حتى تنتفي موانعها، وإن شئتم تقريب ذلك لكم ويكون على أذهانكم، اذكروا أسباب المواريث وموانع المواريث، أسباب الميراث: قرابة ونكاح وولاء، إذا وجدت هذه الأسباب يثبت الإرث، لكن قد توجد هذه الأسباب ولا إرث لوجود مانع، ومنه اختلاف الدين، فمثلاً: لو أن رجلاً تزوج يهودية وماتت عنه أو مات عنها هل يقع بينهما توارث؟ لا، مع أنها زوجته، والله يقول:
﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾، ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾ [النساء: ١٢]. ومع ذلك نقول: لا توارث بينهم لوجود المانع وهو اختلاف الدين، هذه القاعدة مفيدة لطالب العلم
стр. 3497
تتجلى بها إنكالات كثيرة، فكل الأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابًا سواء كانت قدرية أم شرعية لابد من انتفاء موانعها وإلا فلا تكون أسبابًا.
دعاء الصباح والمساء:
١٤٩٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح، يقول: "اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النشور"، وإذا أمسى قال مثل ذلك؛ إلا أنه قال: "وإليك المصير". أخرجه الأربعة.
كان الرسول ﷺ يذكر الله تعالى بهذا الدعاء صباحًا ومساءً، إلا أن الصيغة تختلف لاختلاف الزمان، "فإذا أصبح يقول"، "إذا أصبح" أي: دخل في الإصباح، وذلك بعد طلوع الفجر، يقول: "اللهم بك أصبحنا" يعني: أنت الذي أبقيتنا حتى أدركنا الصباح، "بك أصبحنا" باعتبار الجو والفلك، فالذي أتى بالإصباح الله، والذي أبقى الإنسان إلى الصباح الله، إذن فيكون معنى قوله: "بك أصبحنا" باعتبار بقاء الإنسان للصبح وباعتبار الإتيان بالإصباح، يقول الله : ﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدًا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليلٍ تسكنون فيه﴾ [القصص: ٧٢]. وقال الله : ﴿فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦]. إذن "بك أصبحنا" تشمل معنيين هما: إبقاء الإنسان إلى الصباح، والإتيان بالصباح؛ يعني: لولا أنت ما بقينا إلى الصباح، ولو أنت ما جاء الصباح.
"وبك أمسينا" نقول مثله، "وبك نحيا وبك نموت"، حياة الإنسان في الصباح أو في المساء أو فيما بين ذلك بالله ، لولا إمداد الله بالغذاء والهواء واللباس ما بقينا، فبقاؤك بالله ، وكذلك "وبك نموت" أنت الذي تميتنا.
فإن قال قائل: لو قتل الإنسان؟
فنقول: حتى إذا قتل، من أخرج روحه؟ الله ، وكم من إنسان أصيب في حادث مميت ومع ذلك يبقى الموت بيد الله والحياة بيد الله.
"وإليك النشور" يعني: نشور الخلائق يوم القيامة، ننشر إلى لله ونحشر إلى الله ، وذكر النشور هنا مناسب؛ وذلك لأن الإنسان إذا أصبح فقد بعث من موت، قال الله تعالى: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضي أجلٌ مسمىً﴾ [الأنعام: ٦٠].
стр. 3498
فكان ذكر النشور هنا مناسبًا تمامًا، وإذا أمسى مثل ذلك إلا أنه يقول: "بك أمسينا ... الخ"، "المصير": المرجع؛ لأن آخر النهار كآخر الدنيا، الإنسان يكون مقبلاً على موت النوم أو على وفاة النوم على الأصح، وهذا يشبه مصير الإنسان إلى ربه تعالى عند موته.
في هذا الحديث فوائد: أولاً: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء صباحًا ومساءًا تأسيًا بالرسول ﷺ وابتغاءً لثواب الله بهذا التأسي وثناء على الله بأن الأمور بيده- ﵎.
ومن فوائد الحديث: أن الإصباح والإمساء بيد الله، وأن الحياة والموت بيد الله، وأن النشور بيد الله، وأن المصير إلى الله وبيد الله أيضًا.
ومن فوائد الحديث: عموم ربوبية الله في كل وقت صباحًا ومساءً وما بين ذلك لقوله: "بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور".
الدعاء بالحسنة في الدنيا والآخرة:
١٤٩٦ - وعن أنسٍ ﵁ قال: "كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ : ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النَّار﴾. متفق عليه.
لا يخفى علينا جميعًا أن قول القائل: "ربنا آتنا" يعني: نداء، وقوله: "آت" بالمد بمعنى: أعط، وهو ينصب مفعولين: الأول: "نا" والثاني: "حسنة" وقوله: "وقنا"، فهل الفعل هو الواو والقاف، أو الواو عاطفة؟ الجواب: الواو عاطفة، والقاف هي الفعل؛ لأنها من وقى، وإذا صيغ من وقى فعل أمر وجب حذف حرف العلة وهي الواو في أوله والألف في آخره فنقول في "وقى": ق، وفي "وعى" ع، وفي "في" ف، ولذلك لو قال لك قائل: ما وزن ع من وعى؟ نقول: وزنها ع، ووزن ق ع ووزن ف ع، الميزان عبارة عن كلمات تقابل بميزان مكون من الفاء والعين واللام، ونقول وزن ضرب فعل، ووزن سمع فعل، ووزن يفرح يفعل، ووزن يضرب يفعل، إذن ق فعل أمر على وزن ع.
في هذا الحديث: أن الرسول ﷺ يكثر من هذا الدعاء لقوله: "كان أكثر دعاء الرسول"، وفي كلام شيخ الإسلام ﵀ في منسكه ما يفيد أن النبي ﷺ يختم به الدعاء حيث علل، يكون الطائف يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة"، قال: لأن هذا هو ختام الشوط، وكان النبي ﷺ يختم دعاءه بـ"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي
стр. 3499
الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"، لكن لم أطلع حتى الآن على أن الرسول ﷺ يختم بذلك الدعاء، لكنه يكثر منه، ولهذا نحتاج إلى البحث عن هذه المسألة.
يقول: "ربنا آتنا في هذه الدنيا حسنة"، الدنيا هي هذه الدار التي نحن الآن نعيش فيها، والدنيا اسم تفضيل مذكره أدنى، كعليا مذكرها أعلى، قصوى مذكرها أقصى، إذن دنيا اسم تفضيل، فما معنى الدنو الذي هو اسم تفضيل؟ نقول: له معنيان: المعنى الأول التقدم؛ لأنها أدنى من الآخرة من حيث الزمن، المعنى الثاني من الدناءة؛ لقوله- ﵎ ﴿وللآخرة خيرٌ لك من الأولى﴾ [الضحى: ٤]. ولقوله تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خيرٌ وأبقى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]. فهذه الدنيا وصفت بهذا الوصف لهذين السببين؛ أولاً: لقربها، والثاني: لدنوها؛ أي: تنقصها، فهي ناقصة عن الدار الآخرة، حتى إن الرسول ﷺ قال: "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها"، وموضع السوط حوالي متر، "خير من الدنيا"، أي دنيا؟ الدنيا كلها من أولها إلى آخرها، وتشتمل على دنيا الملوك، ودنيا الأمراء، ودنيا الوزراء ودنيا المترفين، موضع السوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، إذن الدنيا وصفت بذلك للوجهين المذكورين، "حسنة" كلمة مطلقة غير مبينة، ما هي حسنة الدنيا؟ المال الكثير، المراكب الفخمة، القصور المشيدة، البنون الكثر، الزوجات الحسان، كل شيء، ولهذا إذا وجدتم مثالاً على حسنة الدنيا فهذا على سبيل التمثيل، وليس على سبيل الحصر، كل ما يستحسن في الدنيا فهو داخل في قوله: "في الدنيا حسنة"، "في الآخرة" سميت آخرة؛ لأنها متأخرة الزمن؛ ولأنها آخر مرحلة للخلق ليس بعدها مرحلة، ولهذا يعبر الله عنها باليوم الآخر؛ لأنها آخر مرحلة.
وقوله: "في الآخرة حسنة" ما هي حسنة الآخرة؟ الجنة، وبدخول الجنة ينجو الإنسان من النار، قال الله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦].
"وقنا عذا النار" هذا من باب التبسيط في الدعاء، وإلا فمن المعلوم أننا إذا فسرنا حسنة الآخرة بالجنة، فإن من كان من أهل الجنة فقد وقاه الله عذاب النار، وقد يقال: إن الإنسان قد يكون من أهل الجنة، ولكن يعذب في النار بقدر ذنوبه، فيكون قوله: "وقنا عذاب النار" دعاء مستقلا ليس من لوازم الحسنة في الآخرة، والمعنى: آتنا في الآخرة حسنة ليس فيها سيئة؛ ولهذا قال: "وقنا عذاب النار".
في هذا الحديث فوائد منها: أنه ينبغي الإكثار من هذا الدعاء تأسيا برسول الله ﷺ .
стр. 3500
ومنها: أنه لا حرج على الإنسان أن يدعو الله تعالى بحسنة الدنيا، والذي يضر الإنسان أن يؤثر الدنيا على الآخرة، أما أن يطلب الخير في الدنيا والآخرة فلا حرج عليه، ها هو النبي ﷺ سيد الورعين والزاهدين يقول: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة"، ولاشك أن الله إذا منّ على الإنسان بحسنة الدنيا والآخرة فإن حسنة الدنيا ستكون عونًا له على حسنة الآخرة؛ لأنه يتفرغ ويعمل عملاً صالحًا.
ومن فوائد الحديث: إثبات الآخرة، وإثبات النار لقوله: "وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
ومن فوائد الحديث: أن رسول الله ﷺ نفسه لا يملك أن ينجي نفسه من النار، لقوله: "وقنا عذاب النار"، وهذا أمر لا يحتاج إلى تعمق أو تأمل لوضوحه، حتى إن الله تعالى أمره أن يقول معلنًا على الملأ: ﴿إني لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا قل إني لن يجيرني من الله أحدٌ﴾ يعني: لو أرادني بسوء لم يجيرني أحد، ﴿ولن أجد من دونه ملتحدًا﴾؛ أي: لا أجد أحدًا ألجأ إليه دون الله.
من صيغ الاستغفار:
١٤٩٧ - وعن أبي موسي الأشعريَّ ﵁ قال: كان النبي ﷺ يدعو: "اللهمَّ اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منَّي، اللهمَّ اغفر لي جدَّي، وهزلي، وخطئي، وعمدي، وكلُّ ذلك عندي، اللهمَّ اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به منَّي، أنت المقدَّم وأنت المؤخَّر، وأنت على كلَّ شيءٍ قديرٌ﴾. متفق عليه.
هذا دعاء مفصل وجامع وكله في دفع ما يضر الإنسان؛ أي: كل هذا السؤال سؤال الله تعالى أن يدفع ما يضر الإنسان، يقول الرسول ﷺ : "اللهم اغفر لي خطيئتي" وقد قال ﷺ : "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"، وقوله: "وجهلي" هذا مقابل الخطيئة، فالخطيئة ما فعله عن عمدٍ، والجهل ما فعله عن خطأ، وفرق بين الخطيئة وبين الخطأ؛ لأنه سيأتي الخطأ في قوله "وخطئي وعمدي"، فالخطيئة أن يرتكب الإنسان الخطأ عن عمد.
فإن قال قائل: هل الرسول ﷺ يتعمد الخطأ؟
نقول: لا يمكن أن يتعمده بقصد الخطأ، وإنما يتعمده لكونه يظن أن ذلك خير، ولكن يتبين أن الأمر بخلافه؛ لأن الرسول ﷺ بشر.
стр. 3501
فإن قال قائل: كيف يقول: "اللهم غفر لي"، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فيمكن أن يجاب: بأن هذا قبل أن تنزل الآية، وهذا فيه شيء من الضعف؛ لأنه لا يمكن أن نجزم بذلك إلا بعد العلم بالتاريخ، وأبو موسي الأشعري من وفود الأشعريين المتأخرين، ولكن يقال: جواب أحسن من ذلك، وهو أن دعاء الرسول ﷺ بالمغفرة من جملة أسباب مغفرة الله ، فيكون الله تعالى وعده بأن يغفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر لأسباب، ومنها: أن يستغفر الله كما أن الله قال: ﴿إنَّ الله وملائكته يصلُّون على النبي﴾، ثم قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلُّوا عليه﴾ [الأحزاب: ٥٦].
قد يقول قائل: ما الفائدة من صلاتنا عليه وقد أخبرنا الله بأنه يصلي عليه؟
نقول: من أسباب صلاتنا عليه: أن ندعو له بذلك، وعلى هذا فلا منافاة.
وقوله: "خطيئتي وجهلي" أي: ما فعلت عن جهل؛ لأن الرسول لا يعلم الغيب، وقد يفعل الشيء يظنه صوابًا فيكون خطأ، إلا أنه يفرق بينه وبين غيره بأنه لا يقر على الخطأ.
"وإسرافي في أمري"، الإسراف: مجاوزة الحد، والأمر هنا بمعنى الشأن؛ أي: إسرافي في كل شئوني، وهذا من كمال صفاته ﷺ أنه يكره الإسراف ويسأل الله تعالى أن يغفر له ما أسرف، والإسراف كما سمعتم: مجاوزة الحد، والإنسان بشر قد يتجاوز الحد بمأكله أو مشربه أو ملبسه أو مسكنه أو مقاله أو فعاله، الإنسان معرض لهذا.
"وما أنت أعلم به مني"، كيف يمكن أن نقول: إن الله أعلم بك منك في أفعالك؟ نقول: نعم، الله أعلم؛ لأن علمه بما فعلت ثابت لا يتطرق إليه نسيان، وعلمي أنا بما فعلت أنسى، وإلا فمن المعلوم أن ما لم أفعله لا أؤاخذ به، لكن ما فعلته فقد أنساه، وحينئذٍ أكل علمه إلى الله، فالرسول ﷺ يقول: "ما أنت أعلم به مني" ليس المراد الذنب في المستقبل؛ لأن الذنب ف المستقبل لا مؤاخذة فيه، المراد: الذنب الماضي الذي قد يكون الإنسان نسيه، فيسأل الله أن يغفر ما هو أعلم به منه.
"اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي"، هذا الذكر سيكون فيه إشكال أولاً: جدّي الجد ضد الهزل، وهو ما قصده الإنسان بلفظه أو بفعله؛ لأن الإنسان قد يلفظ لفظًا يكون مازحًا هازلاً، وقد يفعل فعلاً يكون هازلاً مازحًا، وقد يكون جادًا في ذلك، فالمراد بالجد هنا: ضد الهزل، بدليل أنه عطف عليه قوله: "وهزلي".
فإن قال قائل: وهل الهزل يؤاخذ به الإنسان؟
نعم يؤاخذ، أحيانًا يكون الهزل من كبائر الذنوب، وأحيانًا يكون الهزل مما يخرج الإنسان
стр. 3502
من الإيمان، لو هزل بشيء من آيات الله أو بشيء من أحكام الله أو بشيء من صفات الله أو بالله ماذا يكون؟ يكون كافرًا. يقول: "اللهم اغفر لي جدي وهزلي ... الخ"، الجد ضد الهزل، يعني: ما يفعله الإنسان حقيقة، والهزل ما يفعله هزلاً ومزحًا وما أشبه ذلك، والإنسان تارة يكون قوله هزلاً وتارة يكون قوله جدًا، وتارة يكون فعله هزلاً وتارة يكون فعله جدًا لو أنك أشرت بشيء بعصا تريد أن تضرب بها شخصًا تمزح معه صار هذا هذلاً، ولو أنك ضربته صار جدًا، والإنسان يفعل هذا مرة وهذا مرة، وقد يزلّ في هذا وهذا، ولهذا سأل النبي ﷺ ربه أن يغفر له الجد والهزل.
"وخطئي وعمدي"، الخطأ: يعني ما أخطأ فيه الإنسان، وهو كقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٦٨].
فإن قال قائل: كيف يدعو الرسول ﷺ أن الله تعالى يغفر خطأه مع أن الله تعالى قال: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال الله: قد فعلت، فما الجواب؟
قلنا: الجواب من وجهين: أولاً: قد يكون هذا الدعاء قبل نزول الآية؛ لأن الآية فيما تعلمون مدنية، وقد يكون هذا من أجل أن الإنسان قد يفعل الخطأ مع تقصير في معرفة الصواب، وهذا يقع كثيرًا؛ بمعنى: أن الإنسان يتهاون ولا يحتاط ولا يبحث بعمق عن معرفة الخطأ من الصواب، فيكون بذلك قاصدًا، "عمدي" ما فعلته عن عمد، وهنا نقول: كيف نقول "عمدي" يعني ما فعلته عن عمد مع أنا فسرنا "أغفر لي خطيئتي وجهلي" بأن الخطيئة: ما فعلته عن عمد؟ الجمع إما أن يقال: إن باب الدعاء لا بأس أن تكرر فيه الكلمات بمعنى واحد، وإما أن يقال: الخطأ الأول هو ترك الواجب، وفي الثاني فعل المحرم، الذي يخطئ فيه الإنسان كثيرًا.
"وكل ذلك عندي" هذا إقرار واعتراف من العبد بأن كل هذه الأشياء التي سأل الله أن يغفرها له كلها عنده، والإقرار بالذنب بالنسبة لله هو دعاء؛ يعني: أنت إذا أقررت عند الله فإنك إذا أقررت بذنبك فكأنك تتوب كقوله ﷺ في الدعاء الذي علمه أبا بكر ﵁ قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا"، هذا اعتراف بالذنب، وحقيقته: أنك تدعو الله أن يعفو عنك ما ظلمت به نفسك.
"اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني" "ما قدمت" أي: مما يحتاج إلى مغفرة من تفريط في واجب أو فعل محرم، وقد علمت أن النبي ﷺ يدعو بذلك على سبيل التذلل لله ، وإلا فإنه ﷺ لا يقر على محرم، "وما أخرت" أي: ما
стр. 3503
يأتي آخرًا؛ أي: بعد قولي هذا؛ لأن قول الإنسان محفوف بزمنين: زمن سابق، وزمن لاحق، فما فعله في الزمن السابق فهو ما قدم، وما يفعله في الزمن اللاحق فهو ما أخر، "وما أسررت وما أعلنت" أيضًا ما يفعله الإنسان إما أن يفعله سرًا، وإما أن يفعله علنًا، ولاشك أن ما يفعله جهرًا أشد عند الله تعالى مما يفعله سرًا، وهذا باعتبار الذنوب والمعاصي، فإن من أسر بالذنب ليس كمن أعلنه، الثاني أشد وأقبح، "وما أنت أعلم به مني" هذه مع الأول مكررة، لكن كما قلنا: الدعاء لا بأس فيه من التكرار، "وما أنت أعلم به مني" أي: مما فعلت.
"أنت المقدم وأنت المؤخر"، أنت المقدم للأشياء وأنت المؤخر للأشياء، كم من شيء يتوقع الإنسان أن يقع ثم يتأخر، وكم من شيء لا يتوقعه الإنسان ثم يأتي، فالمقدم هو الله، يقدم ما شاء، مثلاً: يقدم فوز إنسان ويؤخر فوز إنسان، يقدم حياة إنسان ويؤخر حياة إنسان، يقدم موت إنسان ويؤخر موت إنسان، فالأمر كله بيده "وأنت على كل شيء قدير"، وضد القدرة العجز وهو قوي على كل شيء وضد القوة الضعف وبينا شواهد ذلك من القرآن.
في هذا الحديث فوائد: أولاً: فضيلة الدعاء بهذا لوجهين: الأول: ما يحصل به من فائدة للإنسان، والثاني: التأسي برسول الله ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ قد يقع منه الخطأ؛ ولهذا طلب المغفرة.
فإن قال قائل: لعل النبي ﷺ قصد بذلك التعليم، وأنه لم يقع منه الخطأ.
فالجواب: هذا خلاف الظاهر؛ لأنه لو قصد التعليم لقال: استغفروا الله تعالى من الخطايا، أو قولوا: اللهم اغفر لي خطيئتي، ويرد على هذا أيضًا بأن الله تعالى صرح بأن للرسول ﷺ أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين، فقال: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: ١٩].
إذن لو قال قائل: إذا قررت هذا فما الفرق بين النبي ﷺ وبين غيره من البشر؟
فالجواب: الفرق من عدة أمور، أولاً: النبي لا يمكن أن يقع منه الشين إطلاقًا، ثانيًا: لا يمكن أن يقع منه التكذيب، ثالثًا: لا يمكن أن يقع منه ما يخل بالشرف والأخلاق الفاضلة، رابعًا: أنه لا يقع منه شيء من الكبائر إلا عن اجتهاد، ثم يمنّ الله عليه بالتوبة، خامسًا: أنه لو قدر أنه حصل منه صغيرة من الصغائر فإنه لا يقرّ عليه لابد أن ينبَّه لها وأن يقلع عنها، أما غيره فكل هذا يمكن في حقه وكفى بذلك شرفًا- عليهم الصلاة والسلام- أن يكونوا منزهين عن مثل هذه الأمور.
ومن فوائد الحديث: أن الإسراف عرضة للعقوبة لقوله: "وإسرافي في أمري"، ويدل لذلك
стр. 3504
أن الله تعالى قال: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١]. فأمر بحفظ النفس والإبقاء عليها، ونهى عن الإسراف، والإسراف- كما شرحناه- هو مجاوزة الحد.
ومن فوائد الحديث: إثبات أن الله تعالى أعلم بالإنسان من نفسه لقوله: "وما أنت أعلم به مني"، والإنسان إذا علم بذلك فسوف يستحي من الله تعالى أن يجده في محل نهاه عنه أو يفقده في محل أمره به، مادامت تعلم أن الله يعرف حالك السرية والجهرية، فإنك لابد أن تستحي من الله .
ومن فوائد الحديث: إثبات صيغة أفضل في علم الله لقوله: "أعلم"، وهذا واقع كثيرًا في القرآن، قال الله تعالى: ﴿إن ربك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ [القلم: ٧]. والعجب الذي لا ينقضي أن بعض العلماء- عفا الله عنا وعنهم- قالوا: أعلم بمعنى عالم؛ لأن اسم التفضيل يستلزم المشاركة أو الاشتراك بين المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى، وإذا أثبت ذلك صار هذا نوعًا من الشرك، ولهذا يفسرون "أعلم" في القرآن بعالم وهذا من الخطأ المحض من جهتين: الجهة الأولى: أن هذا إبطال لما دل عليه القرآن، والقرآن نزل باللغة العربية، واللغة العربية تفرق بين أعلم وعالم، ثانيًا: أنك إذا جاءت آية بمعنى عالم فقد أثبت العلم لله ولغيره على حد سواء؛ لأن الله عالم، ونحن أيضًا عالمون، قال الله تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للنَّاس وما يعقلها إلاَّ العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣]. لكن إذا قلت: الله أعلم، حينئذ نميز الخالق من المخلوق وهذا هو الأكمل، قال الله تعالى: ﴿ولله المثل الأعلى﴾ [النحل: ٦٠]. ولهذا نقول: الله أعلم وأقدر وأبصر وأقوى ... الخ، الصفات التي يشترك في أصلها الخالق والمخلوق فله منها أكملها وأعلاها، هذه قاعدة معروفة عند الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان قد يؤاخذ على هزله كما يؤاخذ على جده لقوله: "اللهم اغفر لي جدي وهزلي"، وحينئذٍ يجب على الإنسان أن يحترز ويحترس من المزح، ولاسيما المزح الكثير، فإن المزح الكثير يوقع دائمًا في الخطأ، ولهذا يقال: المزح في الكلام كالملح في الطعام إن خلا منه الطعام فقد جزءًا كبيرًا من الطعم اللذيذ، وإن كثر أيضًا فسد، ولهذا اجعل المزح موزونًا في محله لا تمزح في موضع الجد، ولا تجد في موضع المزح، والإنسان الحكيم العاقل ينزل كل حال منزلتها.
ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ سأل الله أن يغفر له ما قدم وما أخر، وهنا يوجد إشكال، كيف يسأل الرسول أن يغفر ما قدم له وما أخر، وقد قال الله له: ﴿ليغفر لك الله ما تقدَّم من
стр. 3505
ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ٢]. والصحابة يقولون له: إن الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويقرهم على ذلك؟ الجواب أن يقال: إن هذا الدعاء من باب التوكيد, وقد يكون من أسباب أن الله غفر له مات قدم من ذنبه وما تأخر هو الدعاء, ولهذا أخبرنا الله أنه يصلي هو وملائكته على النبي, وقال لنا: ﴿صلوا عليه﴾ , يعني اسألوا الله أن يصلي عليه, فكيف يصح؟ نقول: نعم, هو يصلي عليه , لكن لعل من أسباب الصلاة عليه أيضًا أن ندعوا له, وهذا كثير أن تكون الأسباب للشيء الواحدة متعددة.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان قد يسر, وقد يعلن في الذنوب, أما المعلن- والعياذ بالله- فهذا أسوة سيئة, ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة, فهو آثم من جهتين: من جهة أنه فعل معصية, ومن جهة أنه جهر بها, وحينئذٍ يتأسى الناس به من جهة وتهون المعصية في نفوس الناس؛ لأن الشيء إذا انتشر هان عند الناس؛ ولهذا يقول العامة كلاماً مضبوطاً يقولون: بكثرة الإمساك يقل الإحداث, وهذا مشاهد الإنسان إذا سمع المنكر أول ما يسمعه تجده يستنكر منك ويشوش به, لكن إذا فعل مرة بعد أخرى هان, فالمجاهرة بالمعاصي هو قد أساء إلى نفسه أولاً وأساء إلى غيره ثانياً, وأساء إلى الشريعة ثالثاً, أما من أسر فهو أهون يكون الأمر بينه وبين الله, وقد يتوب إلى الله, لكن من الناس من ير ثم يعلن, وهذا هو الذي فقد العافية كما جاء في الحديث: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون» وهم الذين يفعلون المعاصي سراً ثم يصبحون يتحدثون بها.
ومن فوائد الحديث: وصف الله تعالى بهذين الوصفين المقدم والمؤخر, وهل هما اسمان من أسماء لله أو وصفان من أوصافه؟ يحتمل هذا وهذا, يحتمل أنهما اسمان من أسماء الله؛ لأنهما جاءا معرفا باللام, يحتمل أنهما وصفان, ولكن على الاحتمال الأول يقال فيهما: هما اسمان مزدوجان مقترنان؛ بمعنى: أنه لا يصح إفراد أحدهما عن الآخر, لأنك إذا قلت: أنت المقدم فقد عرفنا أنه مقدم, لكن بقي شيء آخر وهو التأخير ضد التقديم, فلابد أن نقول وأنت المؤخر مثل هو الأول والآخر والظاهر والباطن, فلابد أن نقول: ما يقابل ذلك حتى تكون الإحاطة في الزمن السابق وفي الزمن اللاحق.
ومن فوئد الحديث: إثبات اسم الله تعالى القدير, وسبق لنا البحث في هذه المسألة, وبيان أن قول بعض الناس: «إنه على ما يشاء قدير» غير سديد ولا ينبغي, وأنه يوهم معنى فاسداً وهو مذهب أهل الاعتزال, الذين يقولون: أن الله لا يشاء أفعال العباد, وإذا لم يشأها فليس قادراً إلا على ما يشاء, وحينئذٍ لا يكون قادراً على أفعال العباد فلا يقدر أن يهدي ضالاً ولا أن يضل مهتدياً.
следующие страницы →