← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

التي هي لام التعليل؛ لأن كثيرا من الناس يخطأ فيها، في القرآن الكريم مثلا لام الأمر إذا أتت بعد حرف العطف الواو أو الفاء أو ثم فإنها تقع ساكنة، ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]. "ثم ليقضوا" اللام ساكنة، "ليوفوا" اللام ساكنة، "وليطوفوا" اللام ساكنة. ومثلها بعد الفاء: ﴿من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ﴾ [الحج: ١٥]. فهنا وقعت بعد الفاء ساكنة ولابد. لام التعليل تكون مكسورة في كل حال كما في قوله تعالى: ﴿ليكفروا بما ءاتينهم وليتمتعوا﴾ [العنكبوت: ٦٦]. ﴿ليكفروا﴾ ﴿وليتمتعوا﴾ فمن قرأها: ﴿وليتمتعوا﴾ فقد أخطأ؛ لأنها تغير المعنى. ﴿هذا بلغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر﴾ [إبراهيم: ٥٢]. فمن قرأها: ﴿وليذكر﴾ فقد أخطأ خطأ عظيما ولحن لحنا يستحيل به المعنى؛ لأن كثيرا من الذين يقرءون القرآن تسمعهم وهم ليس عندهم جهل لكن تفوتهم مثل هذه المسائل أو أنهم يبصرونها لكن مع الإدراج يظنوا أنهم يسكنونها، إنما لابد أن يكون الكسر بينا: ﴿هذا بلغ للناس ولينذروا به﴾ بكسر اللام ﴿وليذكر﴾ لابد أن تبين أن اللام مكسورة، ﴿وليذكر أولوا الألباب﴾ هنا "ولغترفا جميعا" نقول: وليغترفا أم وليغترفا؟ وليغترفا لأن اللام لام الأمر. في هذا الحديث توجيه من رسول الله ﷺ وأدب رفيع وهو أن الرجل مع زوجته إذا وجب عليهما الغسل فلا ينبغي أن يذهب الرجل يغتسل وحده ثم تأتي بعده المرأة، أو المرأة ثم يأتي بعدها الرجل، بل الأفضل أن يغترفا جميعا، وهذا الذي أرشد إليه الرسول ﷺ هو الذي كان يفعله؛ فقد كان هو ﷺ وعائشة ﵂ يغتسلان من إناء واحد تختلف فيه أيديهما حتى إنها تقول: "دع لي، دع لي". إذا سبقها وتختلف الأيدي فيه، وهذا يقتضي أنها إلى جنب زوجها تغتسل؛ فصار في هذا سنة قولية، وفيه أيضا من الإلفة والاقتصاد في الماء ما هو معلوم؛ لأن الرجل إذا كان قد رفع الكلفة بينه وبين أهله فإن هذا يوجب زيادة الثقة وزيادة المودة. في هذا الحديث من الفوائد: إرشاد النبي ﷺ إلى ما هو مصلحة للأمة حتى في الأمور التي قد يستحيا من ذكرها؛ لأن هذا قد يستحيي بعض الناس من ذكره. ومن فوائده: أن الأولى للإنسان ألا يفرد أهله بغسل ونفسه بغسل. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للرجل أن ينظر إلى أهله وليس بينه وبين أهله عورة؛ يعني: يجوز أن يغتسل وهو عار وتغتسل هي أيضا وهي عارية ولا بأس بذلك، وأما الحديث الذي

стр. 37

يروى عن عائشة قالت: "ما رأيته من رسول الله ﷺ يعني: الفرج- ولا رآه مني"؛ فهذا ليس بصحيح، إذن يؤخذ من ذلك: جواز تعري الرجل أمام زوجته والمرأة أما زوجها. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للزوج أن يفعل كل ما يكون فيه الإلفة بينه وبين زوجته ورفع الكلفة، فإن هذه الصورة التي ذكرها الرسول ﵊ وأرشد إليها لا شك أن فيها الإلفة ورفع الكلفة. يرى بعض أهل العلم أن الرجل لو اغتسل بفضل المرأة فإنه لا يرتفع حدثه لكنهم اشترطوا شروطا: منها: أن تكون حالية به. ومنها: أن يكون قليلا. ومنها: أن يكون خلوها به عن حدث لا عن نجاسة. وذكروا أشياء، لكن الشأن أنهم يقولون: إن الرجل لو تطهر به لم يرتفع حدثه، فإن لم يجد غيره تطهر به وتيمم، وهذا قول لا أساس له من الصحة لماذا؟ أولا: أن الرسول ﵊ بين أن هذا النهي ليس نهي تحريخم ولكنه نهي تأديب لقوله: "وليغترفا جميعا". ثانيا: أنه لو فرض أنه نهي تحريم فليس في ذلك إشارة إلى أنه لو فعل لم يرتفع الحدث. وقد لقول قائل: إنه لو فعل لم يرتفع حدثه؛ لأنه فعل ما لم يؤمر به، فعمل عملا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودا. نقول: لو سلمنا هذا جدلا فلماذا يفرق بين الرجل والمرأة، لماذا لا يقال: إذا اغتسل الرجل بالماء خاليا به فإن المرأة لا تغتسل به، أليس هذا هو مقتضى العدل في حديث واحد النهي واحد؟ فنقول في جانب منه: إن الطهارة غير صحيحة، وفي جانب آخر نقول: إن الطهارة صحيحة هذا تحكم واضح، ولولا أننا نشهد أن هؤلاء العلماء الذين ذهبوا هذا المذهب إنما أرادوا الحق، لكن نشهد أن هذا ليس بصحيح، القول غير صحيح، والمسلك غير سليم، كيف تحتج بحديث واحد على مسألتين دل عليهما الحديث، وتفوق أنت بينهما؟ هذا شيء عجيب! ! على كل حال نقول: إن هذا النهي من باب التوجيه والإرشاد وليس من باب التحريم؛ لأنه أرشد إلى صفة أحسن من هذه الصفة وهي: أن يغترفا جميعا، ثم قال: ٧ -

стр. 38

وعن ابن عباس ﵁: "أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة". أخرجه مسلم. الله أكبر! هذا ضد ما اختاره العلماء الذين أشرنا إلى قولهم، العلماء يقولون: "لا تغتسل المرأة بفضل الرجل" بناء على الحديث الذي رواه الصحابي المجهول، "ولا يغتسل الرجل بفضل المرأة"، ثم يأتي الحديث الذي في صحيح مسلم يدل على أن الرجل يغتسل بفضل المرأة، فكان الأولى إذا أردنا أن نفوق في الحديث أن نقول: لا تغتسل المرأة بفضل الرجل؛ لأن النهي أن تغتسل المرأة بفضل الرجل ليس فيه مخصص، وللرجل أن يغتسل بفضل المرأة. على كل حال: الحمد لله القول الراجح واضح وليس فيه إشكال، على هذا يقول: "كان يغتسل بفضل ميمونة". في هذا الحديث من الفوائد: الإشارة إلى تعدد زوجات الرسول ﵊ هل النبي ﷺ حين تعددت زوجاته إنما أراد المتعة والتلذذ بالنساء وقضاء الوطر أو له أغراض عالية فوق ذلك؟ الثاني بلا شك ولهذا كانت زوجاته كلهن ثيبات وليس منهن بكر إلا عائشة ﵂ ولو كان رجلا شهوانيا كما قاله أعداء المسلمين لكان ينتقي ما يشاء من الأبكار؛ لأنه لو طلب من أصحابه أن يتزوج من شاء ما منع من ذلك، لكنه ﵊ أراد أن يكون له في كل قبيلة من قبائل العرب صلة. ومن فوائد ذلك: أن هؤلاء الزوجات اللاتي لهن أقارب يخبرن أقاربهن عما كان الرسول يعمله في بيته من الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، فابن عباس ما الذي أطلعه على أن الرسول كان يغتسل بفضل ميمونة؟ ميمونة التي هي خالته، ففي هذا بيان لفائدة تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلام أنهن يحملن من العلم إلى الأمة أكثر فأكثر متى كثر تعددهن. ومن فوائد هذا الحديث: جواز الإفضاء بما يستحيا منه عادة من أجل نشر العلم، لأم ميمونة أفضت إلى ابن عباس بهذا الشيء الذي قد يستحيا منه. ومن فوائد هذا الحديث: أن مثل هذا لا يدخل في النهي عن إفشاء السر الذي يكون بين الزوجين؛ لأن هذا لا علاقة له بالمعاشرة إنما هو بيان حكم شرعي تنتفع به الأمة؛ وهو أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة. ومن فوائد هذا الحديث: تواضع النبي ﷺ حيث كان يغتسل بفضل زوجته، ولو كان من الكبراء المستكبرين لقال للزوجة: لا تقربي الماء حتى أغتسل أنا، لكنه ﵊-

стр. 39

كما نعلم هو سيد المتواضعين وخير الناس لأهله كما قاله ﵊: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي". "ولأصحاب السنن" أصحاب السنن من؟ الأربعة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، لكن هل إذا جاءت مثل هذه العبارة هل معناه أن أصحاب السنن اتفقوا عليها؟ هذا يحتاج إلى تتبع؛ لأنهم أحيانا يقولون: وفي السنن، أو: ولأصحاب السنن، أو: روى أهل السنن، ويكون الراوي واجدا من هؤلاء الأربعة، ويكون المعنى المجموع لا الجميع. وعلى هذا فنقول: هذا الحديث في السنن، لكن لو سئلنا هل كل واحد من أصحاب السنن رواه؟ نقول: هذا يحتاج إلى مراجعة. - "واغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء ليغتسل منها، فقال: إني كنت جنبا، فقال: "إن الماء لا يجنب". وصححه الترمذي، وابن خزيمة. - "واغتسل بعض أزواج النبي" هذا يرد كثيرا في الأحاديث. يأتي الحديث مبهما لصاحب القصة فهل هذا يضر بالحكم؟ الجواب: لا، إذا كان لا يؤثر في الحكم بمعنى: أنه سواء كان البعض عائشة، أو ميمونة|، أو أم سلمة، أو زينب، أو غيرها هذا لا يضر، حتى لو فرض أننا تتبعنا الروايات ولم نعرف هذا، هذا لا يضر؛ لأنه لا يؤثر في الحكم شيئا، ولكن عندي في الحاشية يقول: هي ميمونة ﵂ كما أخرجه الداقطني وغيره، ولا يصح أنها ميمونة؛ لأن الحديث معطوف على الحديث الذي قبله. "في جفنة" الجفنة: إناء لكنه يكون واسعا، وجمعها: جفان، وفي القرآن الكريم: ﴿وجفان كالجواب وقدور راسيات﴾ [سبأ: ١٣]. الجفان: هي عبارة عن إناء يوضع فيه الطعام ويؤكل، والقدور يطبخ فيها، وجفان سليمان ﵊ كالجواب، الجواب: جمع (جابية) وهي البركة، يعني: كبيرة. قدور راسيات، يعني: أنها لا تنقل وذلك لكبرها وعظمها؛ لأنه ﵊ ملك يأتيه الناس من كل مكان؛ لأنه جامع بين الملك والنبوة.

стр. 40

"فجاء النبي ﷺ يغتسل منها" أي: من هذه الجفنة بعد اغتسال الزوجة. فقالت: "إني كنت جنبا" يعني: اغتسلت منها وأنا جنب، فقال: "إن الماء لا يجنب" صلوات الله سلامه عليه، يعني: كأنه يقول: وإن كنت جنبا فالماء لا يتأثر، الماء لا يجنب، وهذا كما قالت عائشة لما طلب منها الخمرة وهي في المسجد قالت: يا رسول الله، إني كنت حائضا قال: "إن حيضتك ليست بيدك"، يعني: معناه أن الحيض لا يؤثر في مثل هذا، كذلك أيضا الجنابة لا تؤثر في مثل هذا الماء. يستفاد من هذا الحديث ما سبق: من أن الماء لا يتأثر، ولا ينتقل من الطهورية إلى الطهارة إذا اغتسل منه الجنب، ومن المعلوم أن الجنب سوف يغمس يده في الإناء، لكن كما علمتم من قبل أنه إذا استيقظ الإنسان من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا. ومن فوائد هذا الحديث: الاقتصار على ذكر العلة دون الفعل لأنها تقول: "إني كنت جنبا" وتقدير الكلام: إني اغتسلت به وأنا جنب، لكنه هكذا في الوصف الذي قد يكون مؤثرا وهو الجناية وهذا قد يشعر بأنهم لا يرون بالخلو به شيئا وإنما العلة هي الجنابة. وفيه أيضا - في الحقيقة- فوائد؛ فمنها: ما سبق ذكره من جواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة. ومنها: أن اغتسال الجنب من الماء القليل لا ينقله عن الطهورية؛ لأن الرسول ﷺ إنما جاء يغتسل منه ليتطهر به فلا ينقله من الطهورية. والمعروف أن الجنب إذا غمس يده ليغتسل وهو ينوي رفع الجنابة أنه ينتقل الماء من الطهورية إلى أن يكون طاهرا. سبق لكم قبل قليل لأن الذين قالوا: إن المرأة إذا خلت بالماء لتطهر به فإنه لا رفع حدث الرجل، وقلنا لكم: إنهم قالوا إذا لم يجد غيره استعمله ثم تيمم، لكن نسيت أن أعلق على هذه الجملة: لا يمكن أن يجمع بين العبادة مرتين أبدا على رأيهم ﵏ يلزمه أن يتطهر مرتين، مرة بالماء ومرة بالتراب، وهذا لا نظير له، ولم يوجب الله عبادة مرتين أبدا، الإنسان إذا فعل العبادة حسب ما أمر فإنه لا يجب عليه إعادتها لأنه امتثل أمر الله. ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم الرسول ﵊ حيث إنه بين الحكم بيان العلة حيث قال: "إن الماء لا يجنب". ومن المعلوم أن الرسول ﵊ وغير الرسول يعلم أن الماء لا يجنب حقيقة، لكن أراد أن يقابلها بمثل لفظها؛ ففيه دليل أيضا على

стр. 41

فائدة أخرى وهي: مخاطبة الإنسان بمثل ما خاطب به الغير، وهذا يسميها أهل البلاغة: المقابلة. فهنا الرسول قال: "إن الماء لا يجنب" كل يعلم أن الماء لا يجنب، لكن ما أراد الرسول رفع الجنابة عن الماء؛ لأن هذا معلوم، لكن أراد أن يخاطب المرأة بمثل ما خاطبت به. خلاصة ما سبق لنا في تطهر المرأة بفضل الرجل أو الرجل بفضل المرأة: أن ذلك على سبيل الأولوية، وأن الذي يخاطب به الرجل مع أهله، وأن الأفضل أن يغتسلا جميعا، وأيضا ليس فيه دليل على أن الماء إذا تطهر به الرجل بعد المرأة أو العكس أن الطهارة لا ترتفع؛ لأن النبي ﷺ لم يبين ذلك، ومثل هذا لو كان شريعة لبينه الرسول ٠ ﵊. ولوغ الكلب: ٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب". يقول العلماء: المفتوحة: اسم لما يحصل به الشيء، والمضمومة: هي نفس فعل الشيء وعلى هذا؛ فالطهور: هو الماء الذي يتطهر به، والطهور: هي الطهارة نفسها، السحور: هو ما يتسحر به من تمر أو غيره، والسحور: بالضم هو أكل ذلك السحور. "طهور إناء أحدكم" الإناء معروف هو الوعاء الذي يستعمل في أكل أو شرب أو غيره إذا ولغ فيه الكلب. "ولغ" الولوغ: هو الشرب بأطراف اللسان، والكلب والهر يشربان بألسنتهما؛ أي: أنه يدلي لسانه في الماء ثم يرفعه كأنهما يلحس الماء لحسا، هذا هو الولوغ، وفي لفظ: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم". وقوله: "في إناء أحدكم" هذا للبيان وليست الإضافة للتخصيص؛ يعني: أنه لو شرب في إناء لغيره، فالحكم واحد لكن هذا من باب البيان أن يغسله سبع مرات. "أن يغسله" هذه مصدرية؛ أعني "أن" داخلة على الفعل، والحرف المصدري إذا دخل على الفعل، فإن الفعل يؤول بالمصدر، فعلى هذا يكون المعنى: غسله سبع مرات، فما إعرابها حينئذ؟ خبر ل"طهور"، "أن" المصدرية الداخلة على الفعل تارة تكون مبتدأ وتارة تكون خبرا، ففي قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]. هي مبتدأ، وفي هذا الحديث هي خبر. "أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" يعني: أولى هذه السبع بالتراب، ولكن كيف يكون أولاهن بالتراب؟ له طريقان: الطريق الأول: أن تغسله أولا بالماء ثم تذر التراب عليه.

стр. 42

والثاني: أن تذر التراب عليه ثم تصب عليه الماء. وذكر بعضهم صورة ثالثة: أن تخلط التراب بالماء. المهم أن الأولى هي التي يكون معها التراب. "أولاهن بالتراب". أخرجه مسلم. والواقع أنه أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما أيضا، لكن أحيانا يقول العلماء: أخرجه مسلم مع أنه للجماعة كلهم؛ لأن هذا لفظه. وفي لفظ له: "فليرقه". يعني: قبل أن يغسله، وهذه اللفظة قال الحافظ: أنها لم تصح عن النبي ﷺ ، ولكنها وإن لم تصح لفظا فهي صحيحة معنى؛ لأن هذا الماء الذي ولغ فيه الكلب لا يمكن أن نغسل الإناء سبع مرات أولاهن بالتراب إلا بإراقته غالبا، لا نقول: صب الماء واشربه ثم اغسل الإناء؛ لأن هذا بعيد عن مراد الشرع، فه وإن لم يصح سندا فهي صحيحة معنى. وللترمذي: : أخراهن، أو أولاهن": أتى المؤلف هنا بلفظ الترمذي لأنه يريد - أي: المؤلف - أن يجعل (أو) هنا للتخيير مع أنه يمكن أن يقال: إنها للشك، وإذا كانت للشك فإن لفظ مسلم ليس فيه شك، فيحمل المشكوك فيه على ما لا شك فيه، وحينئذ تكون الغسلة التي فيها التراب هي الأولى، ولكن إذا قال قائل: إذا أمكن الحمل على التخيير أو التنويع فإنه أولى من حمله على الشك؛ لأن حمله على الشك قدح في حفظ الراوي، فلماذا لا نجعلها للتخيير؟ نقول: هذا حق أنه إذا تردد الأمر وهذه قاعدة مفيدة أنه إذا دار الأمر بين أم تكون (أو) للتنويع أو للتخير أو للشك فالأولى حملها على التنويع أو التخيير حسب السياق والقرينة، لماذا كان هذا أولى؟ لأن حملها على الشك طعن في حفظ الراوي، والأصل عدم الطعن، لكن إذا وجدنا رواية في نفس الحديث فهنا نحملها على الشك؛ لأن الرواية التي لا شك فيها تعتبر من قبيل المحكم، والتي فيها الشك من قبيل المتشابه. والقاعدة الشرعية فيما إذا كان محكما ومتشابها: أن نحمل المتشابه على المحكم حتى يكون الجميع محكما، إذن فنقول: هذه الرواية التي جاء بها المؤلف، والظاهر أنه إنما أتى بها من أجل أن يبين أن الإنسان مخير بين أن يكون التراب في أول غسلة أو آخرها، لا نوافق المؤلف على مراده هذا إذا كان هذا مراده، بل نقول: هي للشك، ويحمل هذا الشك على ما لا شك فيه وهي أن الغسلة تكون في الأولى، وهذا كما أنه أصح رواية فهو أيضا أصح من حيث.

стр. 43

المعنى؛ لأن كون التراب في الأولى يخفف النجاسة فيما بقي من الغسلات؛ إذ إن ما بعد الأولى لا يحتاج إلى تراب، وهذا لا شك أنه يخفف، لكن لو جعلناه في الأخيرة بقي الغسلات الست التي قبلها كلها تحتاج إلى تراب، وأضرب لك مثلا يبين الموضوع: إذا جعلنا التراب في الأولى ثم غسلناه الثانية وانساب شيء من الماء على ثوب أو على إناء إنسان فكيف يغسله؟ يغسله ست مرات بدون تراب لماذا؟ لأن التراب قد استعمل في الأولى، لكن لو جعل التراب في الأخيرة وانساب الماء في الثانية على شيء فإنه يغسله ستا إحداهما بالتراب؛ لأن التراب لم يستعمل في الغسلة الأولى فصار كون التراب في الأولى أصح أثرا وأصح نظرا، وعلى هذا فيكون هو المعتمد أولاهن بالتراب. وهنا نسأل لماذا أتى المؤلف ﵀ بهذا الحديث في باب المياه مع أن الأنسب أن يكون في باب إزالة النجاسة وبيانها؟ يقال: إنما أتى بها ليبين أن الماء القليل إذا ولغ فيه الكلب فإنه يجب اجتنابه ويكون نجسا حتى وإن لم يتغير؛ لأنه إذا كان يجب تطهير الذي تلوث بهذا الماء الذي ولغ فيه الكلب، فالنجاسة من باب أولى، فلهذا جاء به المؤلف ﵀ في هذا الباب. أما ما يستفاد من الحديث ففيه فوائد منها: أن الكلب نجس، وجه ذلك: أن الرسول ﷺ أخبر بأنه لابد من تطهير ما أصابه فقال: "طهوره أن يغسله". وهذا القول يكاد يكون كالإجماع، ويتفرع منه الرد على من قال بطهارة الكلب؛ لأن الحديث صريح في الرد عليه. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب إذا صار الكلب صيدا أن يغسل ما أصاب فمه سبع مرات إحداهما بالتراب؛ لأن هذا من جنس الولوغ، بل ربما يكون أشد مما إذا شده على هذا اللحم، ويختلط باللحم اختلاطا بالغا، فيكون مثل الولوغ أو أشد، فهل هذا التقرير مناسب للحال التي كان الناس عليها في عهد الرسول ﵊ وكانوا يصيدون بالكلاب، ولم ينقل حرف واحد أن الرسول ﵊ أمر بأن يغسل ما أصاب فم الكلب؟ لا، ومن ثم اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فمن العلماء من قال: إنه يجب أن يغسل الصيد فيما أصاب فم الكلب؛ لأن هذا مثل الولوغ أو أشد، ويغسل سبع مرات إحداهما بالتراب، ومعلوم أن التراب يلوث اللحم وربما يفسده، فيكون في ذلك إفساد للمال لكن يقولون: الفاسد شيء يسير يكشط بالمدية وينتهي، لكن كيف نتخلص من هذا - أي: التراب-؟ بأن نغسله بالصابون؛

стр. 44

لأن العلماء يقولون: إذا تعذر استعمال التراب فإنه يحل محله الصابون ونحوه مما يكون تنظيفه قويا، لكن القول الراجح - أقصد القول الثاني في المسألة-: أنه لا يجب؛ وذلك لأن الناس كانوا يصيدون بكلابهم في عهد الرسول ﵊ ويسألون الرسول عن حكم ما صاده الكلب ويخبرهم بالحكم، ولا يشير لا من قريب ولا من بعيد إلى وجوب غسل ما أصاب فمه، وهذا يدل على أنه معفو عنه. ولا تعجب أن الله تعالى يرفع الضرر والحرج عن الأمة بحيث يزول أثر النجاسة بالكلية، أرأيت إن اضطر الإنسان إلى ميتة وأكل منها هل تضره؟ لا، لكن لو كان غير مضطر تضره، فالله يجعل الضرر والمنفعة ويدفع الضرر بأمره، فإذا تبين أن الصحابة ﵃ كانوا يصطادون بكلابهم، ويسألون الرسول ﷺ عن الأحكام ولم يبين لهم لا في حديث صحيح ولا ضعيف أنه يجب عليهم الغسل، دل ذلك على عدم الوجوب فيكون ذلك معفوا عنه، وهذا القول هو الراجح وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ومن فوائد هذا الحديث: أن الكلب إذا بال على شيء فإنه يغسل سبع مرات إحداها بالتراب؛ يعني: لو بال في الإناء وجب أن يراق بوله ويغسل الإناء سبع مرات إحداهما بالتراب وجه ذلك: أنه إذا كان الريق وهو أطهر من البول يجب غسل الإناء بعده سبع مرات إحداها بالتراب فالبول من باب أولى، العذرة من باب أولى، وهذا هو الذي عليه الجمهور، فقالوا: إن جميع نجاسة الكلب لابد أن تغسل سبع مرات إحداهما بالتراب، وقال الظاهرية: إنه لا يجب التسبيع في الغسل واستعمال التراب إلا في الولوغ فقط، أما البول والعذرة فإنهما كسائر النجاسات، وهذا ظاهر على مذهبهم وطريقتهم؛ لأنهم يمنعون القياس، وقال قوم من أهل القياس: إن هذا الحكم في الولوغ فقط، والبول والعذرة كسائر النجاسات، وعللوا ذلك بأن الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد الرسول ﵊، وأيضا الرسول- ﵊ يعلم أن الكلاب تبول في أمكنة الناس ومجالسهم ولم ينبه على ذلك، ثم عللوا أيضا تعليلا طيبا وقالوا: إن ريق الكلب فيه خصيصة لا توجد في بوله وروثه، وهي عبارة عن فيرس أو شيء يعرفونه أهل الطب - دودة شريطية- هذه تكون في ريق الكلب وتعلق في الإناء، ثم إذا استعمل الإناء بعد ذلك وهو قد تلوث بهذا وأكل الإنسان من هذا الإناء أو شرب فإن هذه الدودة الشريطية تعلق بالمعدة وتخرقها، وأنه لا يزيلها إلا التراب. والمسألة عندي أنا متأرجحة؛ إن نظرنا إلى رأي الجمهور وإلى أن قبح البول والعذرة أكثر من الريق، قلنا: القول ما قال الجمهور، وإذا نظرنا إلى أن الأبوال والأوراث من الكلاب في عهد

стр. 45

الرسول ﵊ كثيرة ومع ذلك لم يأمر بغسلها سبع مرات إحداها بالتراب رجحنا قول من يقتصر على الريق. فإذا قلنا: تعادلت الأدلة عند الإنسان فما هو الحوط؟ يعني: قدرنا أنها تعارضت من كل وجه الحمد لله أنت إذا غسلت سبع مرات إحداهما بالتراب من البول والعذرة لم يقل لك أحد: إن المكان بقي نجسا، لكن لو لم تغسل لقال لك أكثر العلماء: إن المكان صار نجسا. ومن فوائد الحديث: أنه لابد من استعمال التراب في تطهير نجاسة الكلب على الخلاف الذي سمعتوه: الولوغ، أو البول، أو العذرة تجب بالتراب لقول الرسول ﵊ "أولاهن بالتراب". هل يجزئ غير التراب عنه؟ هذا فيه خلاف أيضا، وفيه جملة معترضة قبل هل يقوم غير التراب مقام التراب؟ . يرى بعض أهل العلم أن غير التراب لا يقوم مقام التراب؛ لأن النبي ﷺ قال: "أولاهن بالتراب". فعين التراب هذه واحدة، ولأن التراب أحد الطهورين، والطهور الثاني الماء، فإذا كان أحد الطهورين وعينه الرسول ﵊ فلابد من تعيينه. ويرى آخرون أن غير التراب يقوم مقامه إذا كان مثله في التنظيف أو أشد، وأنتم تعلمون الآن أنه وجد مواد كيماوية أشد من التراب في التنظيف فتقوم مقام التراب، وعللوا قولهم هذا بأن المقصود من إزالة النجاسة هو زوال عينها وأثرها، فإذا زالت عينها وأثرها بأي مزيل حصل المقصود. وأجابوا عن الأول قالوا: إن النبي ﷺ عين التراب؛ لأنه أيسر ما يكون على الناس، والرسول ﵊ قد يعين الشيء ليسره لا لذاته وعينه، ومعلوم أنه في عهد الصحابة التراب من أيسر ما يكون، فعين التراب لأنه أيسر ما يكون لا لأنه مقصود لذاته، كما - يعني: لها نظير- أمر بأن يصب على بول الأعرابي ماء مع أنه يمكن إذا بقي أسبوا أو شبه ذلك زال أثر البول وطهرت الأرض، لكن أمر أن يصيب عليه؛ لأنه أسرع في التطهير. وأما قولهم: إنه أحد الطهورين، نقول: نعم، إنه أحد الطهورين، لكن طهارة التيمم لا يراد منها التنظيف، إنما يراد بها التعبد لله ، ولما كان الإنسان يتعبد لربه بأن يغفر أشرف ما عنده من الأعضاء بالتراب؛ صارت هذه الطهارة الباطنة تسري على الطهارة الحسية الظاهرة، وإلا فمن المعلوم أن التيمم بالتراب لا ينظف ولا يزيل شيئا، والنجاسة هل هي عبادة أو غير عبادة إزالتها قصدا؟ ليست عبادة، ولذلك ليس يضرها نية، ويزول حكمها لو أزالها غير مكلف، ويزول حكمها لو زالت بالمطر ونحوه.

стр. 46

وعليه فنقول: إذا وجد ما يقوم مقام التراب من الأشياء المنظفة جيدا فإنه يقوم مقام التراب. ولكن لو قال قائل: لماذا لا نتبع النص والحمد لله ما يضرنا؟ نقول: نعم حقيقة أن الأولى الأخذ بالنص سواء قلنا أن غيره يجزئ أو لا يجزئ لماذا؟ لأنك إذا جعلت التراب في إزالة نجاسة الكلب فقد طهر المحل بالنص والإجماع، لكن إذا استعملت غيره ممن هو مثله أو أنظف صار في ذلك خلاف، وكلما تجنبنا الخلاف مع تساوي الدليلين فهو أولى، لكن لاحظوا الكلمة التي قلت - مع تساوي الدليلين- أما إذا ترجح أحد القولين فلا عبرة بالخلاف. ومن فوائد الحديث: أنه لو وقعت نجاسة الكلب على غير الأواني هل تغسل سبع مرات؟ يعني: مثلا لو أن الكلب جعل يلحس ثوبك أو يلحس ساقك ماذا تقولون؟ يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب وقد يستعمل غير التراب؛ لأنه لا فرق بين الإناء وغيره. هل يستثنى من ذلك كلب الصيد والماشية والحرث؟ ذهب بعض العلماء إلى استثناء ذلك وقالوا: المراد بالكلب الكلب السبعي الغير أليف، وأما الأليف فلا يجب في غسله التسبيع أو استعمال التراب، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن اختلاط الكلاب بالناس إذا كانت معلمة أكثر من اختلاطها إذا كانت غير معلمة، فكليف نحمل كلام الرسول ﵊ على الشيء القليل وندع الشيء الكثير هذا بعيد. إذن القول بأن هذا الحديث في الكلاب التي لا يجوز اقتناؤها قول ضعيف، ما الذي يضعفه؟ أن اختلاط غير المباحة مع الناس قليل، فلا يمكن أن يحمل كلام الرسول ﵊ على القليل ويترك الكثير، نظير هذا قول الرسول ﵊: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". حمله بعض العلماء على أن المراد بذلك النذر، يعني: من مات وعليه نذر صام عنه وليه، وأما من مات وعليه صيام رمضان، فإن وليه لا يصوم عنه، فما تقولون في هذا الحمل؟ ضعيف لأنه كيف نحمل كلام الرسول على شيء نادر، لو سألنا إنسانا أيهما أكثر أن يموت الإنسان وعليه أيام من رمضان أو أن يموت وعليه نذر؟ الأول، لأن الأول يمكن أن يرد على كل واحد لكن الثاني من يرد عليه؟ على من نذر، وما أقل النذر بالنسبة لصيام فرض رمضان، على كل حال الذي يظهر العموم، وأن هذا عام في الكلاب المباحة والكلاب غير المباحة.

стр. 47

والحديث من فوائده: أنه يعم الكلب الصغير والكبير والأسود والأحمر والأبيض؛ لعموم قوله: "الكلب"، ولا يقال: إن كلمة "الكلب" التي تدل على العموم مقيدة بالكلب الأسود كما قال النبي ﷺ في قطع الصلاة: "أنه يقطعها الكلب الأسود"، وذلك لاختلاف الحكمين؛ لأن هذا في محل وهذا في محل، فلا يمكن أن يحمل هذا المطلق على المقيد هناك. ومن فوائد هذا الحديث: أن من النجاسات ما هو مغلظ وما هو تعبدي، نجاسة الكلب الآن مغلظة كونها بسبع دون خمس أو ثلاث أو تسع، هذا تعبد؛ يعني: أولا يرى كثير من الفقهاء أن تعداد تطهير ما ورد في الكلب تعبدا أصلا هو تعبد، ومن رأى أنه لعلة وهو ما يحدث من التلوث بريقه يبقى عنده التعبد في تعيين السبع، وأن تكون إحداها بالتراب، فهل النجاسات الأخرى من حيوان أخبث من الكلب يكون حكمها حكمه؟ لا، وبذلك يتبين ضعف من قاس الخنزير على الكلب في أن نجاسته تغسل سبع مرات إحداها بالتراب؛ لأن بعض أهل العلم ﵏ قالوا: نجاسة الخنزير أقبح من نجاسة الكلب؛ لأن الخنزير معروف بأنه يأكل العذرة النجسة، وهو أيضا ديوث ومن أبلغ الحيوانات دياثة، ما يبالي أن أحدا من الخنازير ينزع على أنتاه ولا يهتم بذلك. فيقول: ما دام هذا أخبث من الكلب فيجب أن تلحق نجاسته بنجاسة الكلب، فهل هذا القياس صحيح؟ لا، خصوصا إذا قلنا: إن النجاسة - نجاسة الكلب- يجب غسلها سبع مرات تعبدا؛ بهذا تعرف أن النجاسات منها مغلظ ومنها مخفف وهو كذلك. أقسام النجاسات: وإتماما للفائدة نقول: النجاسات ثلاثة أقسام. قسم مغلظ: وهو نجاسة الكلب. وقسم مخفف: وهو نوعان: النوع الأول: بول الذكر الصغير الذي لم يأكل الطعام؛ أي: ما زال يتغذى باللبن. والثاني: المذي، وهو الذي يخرج من الإنسان عقب الشهوة، فلا هو بول ولا هو مني هو في منزلة بين المنزلتين بين البول والمني؛ لأن المني طاهر وذلك لأن قوة الشهوة أنضجته وأزالت ما فيه من الأذى حتى صار طاهرا، والبول خبيث، والمذي بينهما؛ فبذلك صارت نجاسته مخففة؟ يعني: أنه يكفي فيها النضح؛ أي: أن تغمرها بالماء ويكفي أن

стр. 48

تأتي بالإبريق تصبه على المكان النجس، ما يحتاج إلى عصر ولا فرك ولا شيء، هذه نجاسة نقول إنها مخففة. والقسم الثالث: المتوسطة بين ذلك، وهي باقي النجاسات حتى نجاسة الخنزير. من فوائد هذا الحديث: أن الغسل لابد أن يكون من مالك الإناء الذي ولغ فيه الكلب توافقون على هذا؟ قال: "إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله"، نقول: هذا للغالب ولدينا قاعدة عند العلماء والأصوليين يقولون: القيد الأغلبي لا مفهوم له، وهذه فائدة تنفعك في مواطن كثيرة، وبناء على هذا لو رأيت كلبا ولغ في إناء جارك وتخشى أن الجار يأتي ويشرب من هذا الإناء وهو لا يدري، فقمت وغسلته سبع مرات إحداها بالتراب يكفي أو لا يكفي؟ يكفي، ولو كان إناء لغيري؟ نعم، لأن قيد "إناء أحدكم" إنما هو بناء على الأغلب. يستفاد من هذا الحديث: أن الكلب محرم الأكل، من أين عرفنا ذلك؟ لدينا قاعدة ذكرناها من قبل: كل نجس حرام، وليس كل حرام نجسا. إذن نقول: هو حرام خلافا لمن قال من العلماء: إنه مكروه؛ لأن الأصل الحل، وغفل عن أن النبي ﷺ نهى عن كل ذي ناب من السباع. فإن الكلب بلا شك له ناب يفرس به، أليس يصيد الصيد؟ نعم، إذن داخل في الحديث. ثم هذا الحديث الذي معنا أيضا يدل على أنه حرام؛ لأنه إذا كان يجب علينا أن نتوقى من ولوغه كيف ندخل لحمه في بطوننا؟ فإذا اضطر الإنسان إلى ذلك يأكله. [ولو] أكله هل يجب عليه أن يغسل فمه سبع مرات إحداها بالتراب؟ لا، نبحث المسألة هذه، هل نقول: لما أباحه الله ارتفعت النجاسة عنه؟ نعم، كالحمير حين كانت مباحة ليست نجسة، ولما حرمت صارت نجسة، أو نقول: إنه يجوز أن يتبعض الحكم، فيقال: من أجل الضرورة أبحناه لك، لكن النجاسة باقية، فلابد أن تغسل فمك سبع مرات إحداها بالتراب، ويشكل على هذا أيضا شيء آخر هل يغسل بطنه سبعا إحداها بالتراب؟ الظاهر لي - والله أعلم نظرات للعلل الشرعية- أنه إذا حل أكله ارتفعت نجاسته هذا الظاهر كما قلنا، ومن باب أولى كما قلنا في الصيد أن الله لما أباح صيده ارتفعت النجاسة وعفي عن النجاسة في الصيد هذا هو الأصح. أسئلة: -ب بلغني أن بعض الناس تفتني الكلاب وتغسلها بالصابون صحيح هذا. نعم. إذا غسله بالصابون هل تطهر إذا قلنا إن الصابون يقوم مقام التراب؟ لا تطهر؛ لأن النجاسة العينية لا تطهر أبدا، لو أتى لها بماء البحار كله ما طهرت.

стр. 49

أسئلة: - اذكر أقسام النجاسات؟ مغلظة، ومخففة، ومتوسطة. - ذكرنا أن الخارج من الإنسان من ذكره يسمى عند العلماء بأربعة أسماء اذكرها؟ المني، والمذي، والودي، والبول. - ما الذي يكون حكمه واحدا من هذه؟ البول والودي. - المني: ما هو القول الراجح فيه؟ أنه طاهر ما هو الدليل؟ حديث عائشة كانت تفركه من ثوب النبي ﷺ فركا فيصلي فيه. - طهارة الهرة: قال - رحمه الله تعالى-: ٩ - وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في الهرة: "إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم"، أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة. هذا الحديث له سبب؛ يعني: سياقه له سبب، وليس صدوره من الرسول ﵊ له سبب؛ بل سياق أبي قتادة له، له سبب؛ لأن فرق بين كون الراوي ساق الحديث لسبب وبين كون الرسول ﷺ قاله لسبب، الحديث هذا ساقه أبو قتادة ﵁ بسبب وهو أنه دخل على أهله فسكبت له امرأته وضوءا يتوضأ به، فجاءت هرة فأصغى لها الإناء وجعلت تشرب، تشرب من هذا الماء الذي يريد أن يتوضأ له، فنظرت إليه فكأنه رأى أنها استنكرت هذا أو استغربته فحدثها بهذا الحديث: أن النبي ﷺ قال: "إنها ليست بنجس". هل يصلح أن نقول: هذا سبب الحديث أو سبب سياق الحديث من الراوي؟ الثاني. (الهرة) معروفة ولها أسماء كثيرة هي من أكثر الحيوانات أسماء لأنها متداولة عند الناس، وكل ما تداوله الناس كثرت أسماؤه؛ لأن كل الناس يسمونها باسم، ولهذا من أكثر ما يكون أسماء: الأسد والهرة. الهرة تسمى: هرة، وتسمى أيضا قطة، وتسمى سنور، وتسمى: بس - بفتح الباء-، قال في القاموس: إن العامة تكسره وإلا فهو بالفتح، ولها أسماء كثرة يمكن لمن راجع كتاب الحيوانات للدميري أو غيره ينظر أسماءها، لكن هذا العلم ليس بذاك المهم، المهم أن الهرة لو

стр. 50

سئلنا ما هي؟ قيل: هي هذه المعروفة بين الناس المتداولة بين الناس، الهرة هل هي سبع أم لا؟ هي في الواقع من السباع؛ لأنها تفرس بنابها فهي من السباع، وكانت الهرة فيما سبق في بلادنا هذه تأكل الدجاج أكلا عظيما تقفز عليها وهي معلقة في مسراها - أعني: الدجاجة- تنزلها في الأرض وتأكلها، أما الآن فسبحان الله! صارت تأكل معها في الإناء سويا ولا تقل لها شيئا أبدا، وهذا قيل إنه من أجل أن الهرة ارتفع نظرها وصارت لا تريد الدجاج يعني: ما تأكله لكنها تأكل الحمام، فالله أعلم، على كل حال هداها الله وسخرها لنا فهي في الحقيقة مما يؤلف في البيوت. يقول: "ليست بنجس" يعني: أنها طاهرة؛ لأن نفي الضد إثبات لضده، فإذا نفى أن تكون نجسا صارت طاهرة ليست بنجس، ونجس هنا صفة مشبهة كبطل اسم للشجاع، كذلك نجس اسم لما هو نجس بذاته ومنجس لغيره، لكن الرسول ﵊ يقول: "إنها ليست بنجس"، ثم إن النبي ﷺ من عادته وحكمته وبلاغته في التعليم أنه إذا ذكر الحكم ذكر علته، لاسيما إذا كان الحكم يحتاج إلى علة من اجل أن يطمئن الإنسان إلى هذا الحكم، قال: "إنها ليست بنجس" علل ذلك لم يقل: إنها حلال، قال: "إنها من الطوافين عليكم" لم يقل: من الطوافات، الظاهر - والله أعلم- اتباعا للفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿طوافون عليكم بعضكم على بعض﴾ [النور: ٥٨]. فهي من الطوافين، وإنما قلت ذلك؛ لأن المؤنث لا يجمع جمع مذكر، ومعلوم أن الهرة مؤنثة، من الطوافين ما معنى الطواف؟ الطواف: هو كثير التردد، كثير التردد على الشيء يسمى طوافا، فهذه هي العلة التي علل بها النبي ﷺ كون الهرة ليست بنجس. ويستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا رأى الشخص مستغربا لحال من الأحوال أن يزيل عنه هذا الاستغراب، وجهه: أن أبا قتادة حدث بهذا الحديث ليزول استغراب أهله - يعني: زوجته- وهذا أمر يعتبر من محاسن الأخلاق أن الإنسان يصنع مع أخيه ما يجب أن يطلع عليه وإن لم يسأله، وهذا من هدي الرسول ﵊، ففي قصة سلمان الفارسي ﵁ أنه قعد خلف النبي ﷺ لينظر إلى خاتم النبوة، خاتم النبوة عبارة عن علامة تدل على أن محمدا رسول الله خاتم الأنبياء، وقد ذكر لسلمان حسب ما طالت به الدنيا أن من علامات النبي الأمي خاتم النبوة بين كتفيه، فكان النبي ﷺ جالسا ورأى هذا الرجل وراءه وكأنه يتطلع إلى شيء؛ فنزل الرداء بدون أن يسأل سلمان تنزيله من أجل أن يطلع عليه، فمن محاسن الأخلاق أنك إذا رأيت أخاك يحب أن يطلع على شيء وليس في إطلاعه عليه مضرة عليك فإنه ينبغي أن تدخل عليه السرور باطلاعه على ما يحب الاطلاع عليه.

стр. 51

ومن فوائد هذا الحديث: أن الهرة طاهرة مع أنها محرمة الأكل، وكل محرم الأكل فإنه نجس هذا هو الأصل أن جميع محرم الأكل من الحيوان نجس، ولكن هناك أشياء تزول نجاستها لسبب من الأسباب، والهرة الأصل فيها أنها نجسة لأنها محرمة الأكل، لكن علل الرسول ﵊ لعلة لا توجد في غيرها، فإذن من فوائد الحديث: أن محرم الأكل نجس؛ لأن الرسول أخرج الهرة عن النجاسة لسبب لا يوجد في غيرها. ومن فوائد هذا الحديث: أن الهرة ليست نجسة فهل هذا على عمومه؟ الجواب: لا، ليست نجسة في ريقها وفيما يخرج من أنفها وفي عرقها وفي سؤرها؛ أي: بقية طعامها وشرابها، في بولها نجس، في روثها نجس، في دمها نجس؛ لأن هذه الأشياء كلها من محرم الأكل نجسة، فكل ما يخرج من جوف محرم الأكل فإنه نجس كالبول والعذرة والدم والقيء وما أشبهه. ومن فوائد هذا الحديث: أن الهرة لو شربت من ماء وهذا هو وجه سياق الحديث في هذا الباب، لو شربت من ماء فإن الماء لا ينجس قليلا كان أو كثيرا؛ لأن الإناء الذي كان يتوضأ به أبو قتادة قليل. ومن فوائده: أنه لا فرق بين أن تكون هذه الهرة أكلت شيئا نجسا أو لم تأكل لماذا؟ لإطلاق الحديث، فلا يقال مثلا: لو رآها تأكل فأرة ثم شربت من الماء صار الماء نجسا. نقول: الحديث عام أنها ليست بنجس سواء أكلت ما هو نجس عن قرب أو عن بعد، نعم لو رأيت أثر الدم في شفتيها في هذا الماء يكون نجسا، إذا لم تر شيئا فهي طاهرة. ومن فوائد هذا الحديث: أن المشقة تجلب التيسير، وجهه: أن الله تعالى رفع النجاسة عنها لمشقة التحرز منها حيث إنها من الطوافين، ولو كانت نجسة وهي في البيت تشرب من الإناء، تشرب من اللبن، تأكل من الطعام لكان في ذلك مشقة. ومن فوائد هذا الحديث: أن النجاسات التي يشق التحرز منها معفو عنها، وذكر العلماء من ذلك يسير الدم النجس غير الخارج من السبيلين يعفى عنه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "جميع النجاسات يعفى عن يسيرها مع مشقة التحرز منها، وما قاله ﵀ على القاعدة". فعلى هذا الذين يستخدمون الحمير؛ والحمار تعرفون أنه يبول ويروث أحيانا يقف ويبول

стр. 52

على أرض صلبة ماذا يصيب صاحبه؟ سيصيبه الرشاش. يقول شيخ الإسلام: إن مثل هذا يعفى عنه لمشقة التحرز منه، وأخذ القول من هذا التعليل؛ "إنها من الطوافين عليكم". ومن فوائد هذا الحديث: أن الفأرة طاهرة؛ لماذا؟ لأنها من الطوافين علينا، فإذا قال قائل: أليس النبي ﷺ قال في الفأرة: "تموت في السمن ألقوها وما حولها". بلى، نعم هو قال هذا، لكن هذه ميتة، والفأرة إذا ماتت تكون نجسة، والهرة أيضا إذا ماتت تكون نجسة؛ وذلك لأن العلة التي من أجلها خففت زالت الآن، الآن ماتت لا تكون طوافة. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو شرب حيوان محرم الأكل وهو دون الهرة لكنه لا يرى إلا نادرا فإنه يكون نجسا، توافقون؟ نعم، وهذا هو الصحيح، وما ذكره بعض العلماء من أن مناط الحكم هو حجم الحيوان دون مشقة التحرز منه، فهو ضعيف لأن بعض العلماء ﵏ جعل مناط الحكم الجرم وقال: الهرة وما دونها في الخلقة طاهر وهذا لا يدل عليه الحديث، الحديث يدل على أن العلة هي مشقة التحرز. فإن قال قائل: ينتقد ذلك عليكم بالكلب، كلب الصيد، كلب الحرث، كلب الماشية، طواف علينا والتحرز منه شاق وقد ثبت أن نجاسته مغلظة. يقال: إن الشريعة الإسلامية فيها عموم وخصوص أيهما الذي يقضي على الآخر؟ الخاص يقضي على العام فيقال: الكلب مستثنى بدلالة الحديث، ونحن ليس لنا أن نحكم بالقياس على النص، وإنما نحكم بالنص على القياس. ومن فوائد هذا الحديث: رحمة الله بالخلق؛ حيث خفف عنهم ما يشق عليهم اجتنابه لقول الرسول ﷺ : "إنها ليست بنجس إنها من الطوافين". وهذه - يا إخواني- القاعدة مضطردة فهذه الشريعة الإسلامية مبنية على الرحمة وعلى التيسير حنيفية سمحة ليس فيها تعسير إطلاقا، وهذه خذوها قاعدة من كلام الله وكلام الرسول ﵊ أما كلام الله فقد قال: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. أما في السنة فقد قال النبي ﷺ : "إن الدين يسر - الدين عام كل دين- ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"، وكان يبعث البعوث ويقول: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا". "فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".

стр. 53

ثم إن الإنسان أحيانا تأخذه الغيرة إذا رأى المعاصي والمنكرات فيغضب، نقول: جزاك الله خيرا الغيرة لا شك أنها مطلوبة، ومن لا غيرة عنده فقلبه ميت، لكن هل أنت تريد أن تطفئ نار الغيرة بما يصدر منك من قول جاف أو فعل نكد، أو تريد أن تصلح الخلق؟ الثاني هو الذي يجب أن يكون. وإذا كان المقصود الإصلاح فيجب أن أسلك أقرب طريق إلى الإصلاح، أنا عندما أرى رجلا عاصيا لا شك أني أكره المعصية وأكره المعصية لهذا الشخص أيضا، لكن كيف نعالج هذا؟ هل الإنسان إذا وجد شخصا فيه ورم هل يأتي بالسكين السيئة ويشقه ويدعه يهراق دما، أو أنه يأتي بألطف مما تحصل به العملية وينظفه؟ الثاني، والأدواء المعنوية كالأدواء الحسية يجب علينا - لا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه المعاصي- أن نستعمل أرفق ما يكون بقدر ما يستطيع الإنسان، صحيح أنه بشر قد يثور ويغضب ويتألم لكن يجب أن يهدئ نفسه لأنه يريد إصلاح الغير. إذن نقول: هذا الدين - والحمد لله- يسر من جميع جوانبه، والمقصود إصلاح الخلق بأي وسيلة، وهذا التشريع في الهرة يدل على ذلك في مثل أشياء تعتاد المنازل ويكثر ترددها من طيور محرمة مثلا هذه الطيور المحرمة التي يكثر وجودها في البيوت حكمها حكم الهرة، أما إذا كانت لا تأتي إلا نادرا وليست من الطوافين؛ فكما قلت لكم كل محرم الأكل فهو نجس، إلا أنه يستثنى شيء واحد ما ليس له دم من الحشرات ليس بنجس، هذا طاهر حيا وميتا. كيف تطهر المكان إذا أصابته نجاسة: ثم قال: ١٠ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم رسول الله ﷺ ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء؛ فأهريق عليه: . متفق عليه. هذا الحديث فرد من أفراد القاعدة التي ذكرناها وهي التيسير واستعمال اللين، يقول: "جاء أعرابي" والأعرابي: هو ساكن البادية، والغالب على سكان البادية الجهل، لكن نبشركم أنهم الآن - الحمد لله- عندهم علم كثير بواسطة الإذاعات يسمعون إذاعات ويفهمون المعاني، وصار عندهم وعي كثير، لكن بالأول كانوا لا يتصلون بالناس ولا سيما النساء منهم والصغار والكبار والذين يأتون إلى البلاد تجده يبيع سلعته ويمشي، عندهم جهل كثير، هذا الأعرابي

стр. 54

ساكن البادية دخل المسجد، ومسجد النبي ﵊ بعضه مسقف وأكثره مفتوح - برحة- حتى إنه تضرب فيه الخيام. الرجل دخل المسجد فانحاز إلى طائفة منه - أي: إلى جانب من المسجد- فجعل يبول قياسا على البر، هو في البر متى يحتاج جلس وقضى حاجته، فجلس يبول والصحابة ﵃ رأوا هذا منكرا عظيما وهو منكر صاحوا به زجروه كيف يفعل المنكر، ولكن النبي ﷺ الذي أوتي الرحمة والحكمة أمرهم أن يكفوا عن ذلك؛ لأن النهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة نهاهم، قال: "لا تزرموه" يعني: لا تقطعوا عليه بوله، دعوه يبول؛ لأن قطع البول ليس بالأمر الهين صعب، فنهاهم النبي ﵊، فلما قضى بوله دعاه النبي ﵊ وأمر أن يراق على البول ذنوبا من ماء من أجل أن يطهر، لما طهر المكان زالت العلة، تنجس المكان فدفعت النجاسة زالت العلة. بقي علينا الآن قضية الأعرابي، الأعرابي دعاه النبي ﵊ ولم يوبخه ولم يكفهر في وجهه، بل قال له: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر"، ثم بين له أنها بنيت للصلاة وذكر الله وقراءة القرآن، أو كما قال. الأعرابي اطمأن، انشرح صدره، الصحابة ﵃ زجروه، والرسول ﵊ كلمه بكلام معقول يفهم ويطمئن إليه، المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر لماذا بنيت؟ للصلاة والذكر وقراءة القرآن، أو كما قال. الأعرابي انشرح صدره أو كما يقول العامة: "انبسط" فقال: "اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا" على فطرته؛ "ارحمني ومحمدا"؛ لأن محمدا ﵊ لم يزجره ولم يوبخه، بل كلمه بكلام رقيق مفهوم معقول، "ولا ترحم معنا أحد"، لمن يشير؟ الظاهر: أول ما يشير يكون الصحابة؛ لأن الصحابة زجروه ومع ذلك لم ينكر عليه الرسول ﵊ لأنه يعرف أن هذا ما صدر عن بغض ولا عن كراهية لكن أناس زجروه وأرادوا أن يقوم من بوله فيتضرر، فقال هكذا. في هذا الحديث فوائد كثيرة منها: جهالة الأعراب وأنهم أهل الجهل، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم في آخر التوبة: ﴿الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم﴾ [التوبة: ٩٧، ٩٨]. هذان قسمان. ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربت عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم﴾ [التوبة: ٩٩]. لكن الغالب على الأعراب هو الجهل، ومن ثم

стр. 55

نرى أنه من الحاجة الشديدة أن طلبة العلم يجوبرن الفيافي من أجل أن يذكروا هؤلاء الأعراب ويبصرونهم، لاسيما إذا كان طالب العلم معروفا عندهم يقبلون قوله. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب تطهير أرض المسجد، لأن النبي ﷺ أمر أن يراق عليه. ومن فوائده: تحريم البول في المسجد، لأن النبي ﷺ لم ينكر إنكار الصحابة على الأعرابي وإنما قال: "لا تزرموه". ومن فوائد هذا الحديث: وجوب المبادرة بإنكار المنكر، لماذا؟ لأن الصحابة بادروا بإنكار المنكر، لكن نقول في هذه المسألة ما لم يكن تأخيره أصلح فإن كان تأخيره أصلح كان أولى، فهذا الأعرابي بقي يبول في المسجد؛ لأنه أصلح. وبناء على ذلك لو أننا رأينا شخصا عند قبر النبي ﵊ يدعو النبي: يا محمد، يا محمد، يا محمد ارزقني، افعل ... افعل ... هل نصيح به؟ ما نصيح ب ندعه، وإذا انتهى أمسكناه وقلنا: يا أخي، أقول: يا أخي، لأن هذا لم يكفر هذا جاهل، وإلا ما قلت: يا أخي وهو مشرك، هذا لا يصلح ما يستقيم، دعاء غير الله غلط، ما أقول شرك حتى يطمئن أكثر، أرأيت هل الرسول أقدر على أن يجيبك أو الله أقدر؟ هو سيقول: الله، إذا كان يقول: الله، نقول: أجل، ادع الله وحده لا تدع الرسول ﵊ ادع الله فهو خير لك من دعاء الرسول ﵊ لأن الرسول ﷺ لا يملك لنا ضرا ولا رشدا، ولا يعلم الغيب، ولا يقول: إني ملك، فادع الله وحده، حينئذ إذا اطمأن وارتاح نبين له أن هذا شرك، وأنه لو مات على ذلك لكان من أهل النار. ومن فوائد هذا الحديث: حسن رعاية النبي ﷺ للأمة، وذلك أنه نهى الصحابة أن يزجروه لما يترتب على قيامه من بوله من المضار، فمن المضار أنهم يقطعون عليه بوله، وقطع البول مع استعداده للخروج ضرر يضر المثانة ويضر مجاري البول، وأيضا لو قام فهو بين أمرين: إما أن يبقى مكشوف العورة وحينئذ تنكشف العورة أمام الناس، وإما أن يسترها وحينئذ يتلوث ثوبه أو إزاره أما ما أشبه ذلك، وإن بقي أيضا رافع الثوب والبول ينزل تنجس بذلك مساحة أكثر. ومن فوائد الحديث: أن الأرض لا تطهر إلا بالماء؛ يعني: فلا تطهر بالشمس والريح، وجه ذلك: أن النبي ﷺ أمر أن يراق على بوله ذنوب ما ماء. وقال بعض أهل العلم: إن الأرض تطهر بالشمس والريح، وأجابوا عن الحديث بأن النبي

стр. 56

صلى الله عليه وسلم أراد المبادرة بالتطهير؛ لأنه لو تركها حتى تطهر بالشمس والريح، قد تبقى يومين أو ثلاثة أو أكثر، وإزالة النجاسة من المسجد واجبة على الفور، وهذا لا يحصل إلا بالماء. ومن فوائد هذا الحديث: أن تطهير المساجد من النجاسة فرض كفاية، وجهه: أن الرسول ﵊ أمرهم ولم يشارك، ولو كان فرض عين لكان هو أول الفاعلين له لكنه فرض كفاية، وعلى هذا فمن رأى نجاسة في المسجد وجب عليه أن يزيلها، فإن لم يتمكن وجب عليه أن يخبر المسئول عن تطهير المسجد وتنظيفه. ومن فوائد هذا الحديث: الأخذ بالقاعدة المشهورة المعروفة: أنه إذا لم يمكن إزالة المنكر إلا بما هو أنكر فإننا لا ننكر لماذا؟ لأن ارتكاب أخف المنكرين أولى من ارتكاب أعظم المنكرين، وهذا واضح؛ يعني: إذا كان ينتقل إلى منكر أعظم معناه أنه جاء بالمنكر الأول وزيادة وهذا لا شك أنه زيادة في المعصية والنكارة. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي لمن أنكر المنكر أن يبين السبب، لأن الرسول ﵊ لما بين للأعرابي أن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى والقذر، بين لماذا بنيت والأعرابي لا يدري، جاء برحة واسعة يحسبها كسائر المحلات والأمكنة. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي، بل يجب على الإنسان أن ينزل كل إنسان منزلته، لو أن الذي حصل منه البول في المسجد كان رجلا من أهل المدينة ممن يعرفون الأحكام الشرعية ما نعامله هذه المعاملة، لكن عاملنا هذا الأعرابي لأن الغالب عليه الجهل، وعلى هذا فيكون من قواعد الشريعة: أن الإنسان ينزل الناس منازلهم. هل يؤخذ من هذا الحديث نجاسة البول؟ نعم، لأن الرسول - عليه الصلاة السلام- أمر بتطهير الأرض منه، وعلى هذا فالذي يخرج من الإنسان من بول أو غائط يكون نجسا، أما العرق والريق والقيء والدم وما أشبه ذلك فهو محل خلاف بين العلماء، لكن الذي يتبين أنه ليس بنجس؛ لأنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على نجاسته والأصل الطهارة، وقد قال النبي ﷺ : "إن المؤمن لا ينجس". وإذا كان الإنسان إذا قطع منه عضو كبده أو رجله؛ فإن هذا العضو المقطوع ظاهر مع أنه مشتمل على الدم، فالدم الذي يخلفه غيره من باب أولى، لكن جمهور العلماء على نجاسة دم الإنسان إلا أنه يعفى عن يسيره، فمن احتاط لدينه وقال: إن غسله أحوط فلا حرج عليه.

стр. 57

أسئلة: - قول الرسول ﵊ "إنها ليست بنجس" أهو على إطلاقه؟ لا، ليس على إطلاقه. - ما تقول فيما يخرج من الهرة ريقها؟ طاهر، عرقها؟ طاهر، ما يخرج من أنفها؟ طاهر، وما يخرج من دبرها أو قبلها؟ نجس، الدم وشبهه؟ نجس. - هل يعفى عن يسيره؟ نعم على المذهب، شيخ الإسلام يقول: كل يسير النجاسات معفو عنه؛ لأن هذا غالبا يشق التحرز منه. - ما تقول في الفأرة؟ حكمها حكم الهرة، ما تقول في بعرها؟ نجس. - البعر معلوم أنه يشق التحرز منه؛ لأنها تأتي على المكاتب وتبعر على الكتب وربما تبول، فعلى قاعدة شيخ الإسلام ﵀ نقول: اليسير منها يعفى عنه، وعلى المشهور من المذهب لا يعفى عنه. - ما هي العلة في كونها طاهرة؟ أنها من الطوافين. - الطوافين هل المراد الخدم أو مكثري التردد؟ الثاني. - هذه العلة هل نلحق بها ما يساوي الهرة؟ يلحق. مثاله: الفأرة، وكذلك البغال والحمير، ويؤيد هذا: أن الرسول كان يركبها والصحابة يركبونها، وهي لا تخلو من عرق ولا من نفرة ولا من ريق، ولم يرد عن النبي أنه أمر بالتحرز منها. - في حديث أنس فائدة مهمة فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو جواز إقرار المنكر إذا كان يترتب على تغييره ما هو أشد منه منكرا، وجه الدلالة: أن البول في المسجد حرام ومع ذلك أقره النبي؛ لأنه سيترتب عليه مفاسد كثيرة؛ ماذا يترتب على قيام الأعرابي؟ كشف العورة وزيادة بقعة النجاسة. يستفاد من حديث أنس في قصة الأعرابي: أنه لا يشترط تكرير غسل الأرض، وأنه يكفي فيها غسلة واحدة أمر النبي ﷺ بصب ذنوب واحد من ماء. ويستفاد منه: وجوب المبادرة إلى النهي عن المنكر؟ ما وجهه؟ إسراع الصحابة ولم ينكر عليهم الرسول؛ لأن هذا هو الأصل. الفائدة من ذكر أنس أنه أعرابي؟ ليكون زيادة في عذره أنه رجل جاهل. - هل يستفاد من حديث أنس أن إزالة النجاسة عن المساجد فرض كفاية؟ نعم، وجه ذلك: عدم مشاركة النبي ﷺ مع الصحابة في صب الماء. استدل بعض العلماء على أنه لا يكفي في إزالة النجاسة إلا الماء، وأن الأرض لا تطهر بالشمس ولا بالريح؟ من فعل الصحابة بصب الماء.

стр. 58

من العلماء من نازع في هذا وقال: إن الأرض تطهر بالشمس والريح، فماذا يجيب عن هذا الحديث؟ إذن الفائدة من ذلك المبادرة بإزالة النجاسة عن المسجد. - هل يستفاد من هذا الحديث المبادرة بإزالة البقعة؟ نعم، لأن الإنسان لا ينبغي أن يجوز على محل نجس؟ يستفاد من هذا: أنه يجب في البقعة التي يصلي عليها أن تكون طاهرة، ولكن ما الواجب هل الواجب أن تكون جميع البقعة - كما لو كان يصلي على سجادة طرفها نجس- هل الواجب أن تكون جميع البقعة التي يصلي عليها طاهرة أو المقصود ما يباشره في صلاته؟ الجواب: الثاني حتى لو كان إنسان عنده سجادة في طرفها نجاسة وصلى على الجزء الطاهر منها فلا بأس، وكذلك لو كان في بقعة إلى جنبه نجاسة وصلى على الطاهر منها فإن ذلك لا بأس به، حتى قال العلماء: لو صلى وبين يديه نجاسة ولكن لا يباشرها بمعنى: أنه إذا سجد صارت النجاسة بحذاء صدره؛ فإن صلاته صحيحة لكن لا شك أنه ينبغي أن يصلي الإنسان وبين يديه نجاسة؛ لأن هذا فيه سوء أدب؛ ولهذا نهى النبي ﷺ أن يبصق المصلي بين يديه، حتى إنه رأى بصاقا في قبلة المسجد فعزل الإمام لأنه بصق في قبلة المسجد، وهذا ينافي الأدب مع الله . الحوت والجراد والكبد والطحال: ١٠ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالجراد والحوت، وأما الدمان: فالكبد والطحال". أخرجه أحمد، وابن ماجه، وفيه ضعف. قوله: "أحلت لنا ميتتان" إذا قال النبي ﷺ : أحلت، أحل لنا، أو نهينا عن كذا، أو أمرنا بكذا، فالفاعل من؟ الله ، فيكون "أحلت لنا" أي: أحل الله لنا. وإذا قال الصحابة: أحلت لنا، أو نهينا عن كذا، أو أمرنا بكذا، فالمراد: النبي ﷺ ، لكن هذا عند أهل العلم يسمى مرفوعا حكما.

стр. 59

وإذا قال التابعي: أحلت لنا، أو أمرنا، أو نهينا، أو ما أشبه ذلك فهل هو مرفوع مرسل أو موقوف متصل؟ في هذا الخلاف بين علماء الحديث؛ فمنهم من يقول: إنه موقوف متصل؛ لأن التابعي يروي عن الصحابي مباشرة، ومنهم من قال: إنه مرفوع مرسل؛ لأنه حذف منه الصحابي. قوله: "أحلت لنا ميتتان ودمان" هذا كالاستثناء من قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ [المائدة: ٣]. ومعلوم أن الميتة والدم نجسان؛ لأنهما حرام، وقد ذكرنا قبل أن كل حيوان محرم فهو نجس، والدليل قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة﴾. يعني: إلا أن يكون المطعوم ميتة، ﴿أو دما مسفوحا﴾. هذه اثنين ﴿أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ﴿فإنه﴾ الضمير يعود على ما سبق، يعني: على المطعوم الذي وجده محرما؛ أي: فإن هذا المطعوم رجس، وليس عائدا على لحم الخنزير كما قال بعضهم، بل هو عائد على ما وجده الرسول ﵊ محرما، فقوله: ﴿فإنه رجس﴾ هذه علة للتحريم، ففهمنا أن جميع المحرمات من الحيوانات نجسة ويأتينا - إن شاء الله- أنه يستثنى منها شيء. "أحلت لنا ميتتان ودمان" هذا كأنه مستثنى من قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ , "أما الميتتان: فالجراد والحوت" الجراد معروف، والحوت: يشمل جميع ما في البحر من جيوان، كل ما في البحر فإنه قوت وميتته حلال، ميتة البحر حلال مستثناة من الميتة. "وأما الدمان: فالكبد والطحال"، الكبد معروف، والطحال: قطعة تشبه الكبد من بعض الوجوه لاصقة في المعدة، هذه أيضا حلال مع أنها دم. أتى المؤلف ﵀ بهذا الحديث في باب الطهارة، وكان المتبادر إلى الذهن أن يذكره في أي باب من أبواب الأطعمة، لكنه ذكره هنا لأن المحرم نجس، فإذا كان هذا حلالا كان طاهرا. فيستفاد من هذا الحديث فوائد: الفائدة الأولى: أنه ليس للنبي ﷺ أن يحلل إلا بإذن الله لقوله: "أحلت لنا"، وهذا مبني على صحة الحديث مرفوعا، وسنتكلم عليه - إن شاء الله تعالى- أو نتكلم عليه الآن. الحديث يقول المؤلف أنه فيه ضعف، وقد صححه جماعة من الحفاظ صححوه موقوفا على من؟ على ابن عمر، فيكون من قول ابن عمر، ولكن نقول: إن قول ابن عمر "أحلت لنا ميتتان ودمان" في حكم المرفوع؛ لأنه يتكلم عن حكم شرعي، ولا يمكن أن يأتي به من عنده؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه، وعلى هذا فيكون إن لم يصح مرفوعا صريحا فهو مرفوع حكما. نأخذ الفائدة الأولى: أن النبي ﷺ لا يملك أن يحلل أو يحرم إلا بإذن اله، ولهذا لما نهى

стр. 60

النبي ﷺ عن قربان المسجد فيمن أكل بصلا أو ثوما في يوم خيبر، قال الناس: حرمت حرمت، فقال النبي ﷺ : "إنه ليس لي تحريم ما أحل الله". يعني: ليس لي التحريم. التحريم إلى من؟ إلى الله ، فإذا أحل الرسول شيئا أو حرم شيئا علمنا أن الله قد أذن له، ليس المعنى أنه إذا أحل شيئا نقول: أين الدليل أن الله حرمه، فكفى بقول الرسول ﷺ دليلا، لكن نعلم أن الرسول ﷺ ما أحله ولا حرمه إلا بإذن الله. قال لهم: "إنه ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكنها شجرة أكره ريحها"، فدل هذا على أن محمد رسول الله لا يملك أن يحرم ثم إنه في القرآن ما يدل على هذا ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]. إذن الرسول ﵊ معصوم من أن يتقول على الله، فإذا لم يأذن له الله في تحليل شيء أو تحريمه فلن يحلله ولن يحرمه. من فوائد هذا الحديث: حسن تعليم الرسول ﵊ وإلقائه الخطاب، وذلك بالإجمال ثم التفصيل "ميتتان ودمان"، عندما يرد على سمع المخاطب مثل هذه تجده يتشوق ما هذا؟ ما هاتان الميتتان وهذان الدمان؟ وهذا لا شك أنه من حسن التعليم، أن الإنسان يأتي بالشيء مجملا ثم يأتي به مفصلا، وقد وصف الله آيات القرآن بذلك قال: ﴿كتاب أحكمت ءاياته ثم فصلت﴾ [هود: ١]. فالإجمال ثم التفصيل لا شك أنه من أساليب البلاغة البالغة. ومن فوائد هذا الحديث: أن الجراد ميتته حلال، وهذا إذا صار بفعل آدمي فلا شك في ذلك كما لو شوى الجرادة أو كبها في الماء الذي يغلي من النار هذا واضح أنه حلال؛ لأنه من فعل العبد، لكن لو وجدنا جرادا ميتا على ظهر الأرض أحلال هو أم لا؟ حلال، إلا إذا علمنا أنه مات بسم؛ يعني: أن مبيدات رشت عليه ومات، فهنا نقول: لا تأكله؛ لأن في ذلك ضررا، والدين الإسلامي قاعدته: "لا ضرر ولا ضرار". إذا قال قائل: ما الحكمة في أن ميتته تحل وهو حيوان بري يعيش في البر؟ قال العلماء: الحكمة في ذلك: أنه ليس له دم، وأصل خبث الميتة: احتقان الدم فيها، ولذلك إذا أنهر الدم وماتت صارت حلالا، الجراد ليس فيه دم فلذلك صارت ميتته حلال، إذا كان الحيوان مما يحرم أكله لخبثه وليس له دم صار طاهرا، وقصة الذباب تعرفونها الرسول أمر "إذا وقع الذباب في شراب أجدنا أن نغمسه". وهو سوف يموت إذا كان الشراب حارا.

стр. 61

على كل حال: ما الحكمة في أن ميتة الجراد حلال؟ أنه ليس له دم، والعلة في تحريم الميتة: هو احتقان الدم فيها، ودليل ذلك: أنه إذا انهر هذا الدم صارت حلالا، أقول مرة ثانية: إذا كان الحيوان مما يحرم أكله وليس له دم، ماذا يكون؟ سكون طاهرا. ومن فوائد هذا الحديث: حل جميع حيوانات البحر، ونسأل لو وجدت سمكة على صورة أنثى فتاة حلال أم حرام؟ حلال، جميع الحيتان حلال سواء على صورة آدمي، أو صورة سبع، أو صورة كلب لعموم قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦]. وجه ذلك - يا إخواني-: أن ﴿صيد﴾ مفرد مضاف، والمفرد المضاف خذوها قاعدة مفيدة في علم الأصول، المفرد المضاف يكون عامل، اقرءوا قول الله تعالى: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم﴾ [آل عمران: ١٠٣]. أي نعمة؟ كل النعم، ﴿إن تعدوا نعمت الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]. إذن كل النعم؛ ولهذا قال العلماء: لو قال الرجل: "امرأتي طالق" وله أربع نساء من يطلق؟ كل النساء، ولو قال: "عبدي حر" وله أكثر من عبد؛ عتق كل العبيد ما لم ينو الواحد، إذن جميع حيتان البحر حلال حيها وميتها. الدليل من غير هذا الحديث: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦]. قال ابن عباس ﵄ وناهيك به علما في التفسير- قال: صيده ما أخذ حيا وطعامه ما اخذ ميتا، وإنما قال ذلك؛ لأنه لو كان المراد بالطعام الذي هو ثمار الأشجار في البحر لم يكن لتخصيص البحر فائدة؛ لأن ثمار الأشجار حلال في البر وفي البحر، إذن فالمراد بطعامه ما ذكر ﵁ وهو ما أخذ من الحيتان ميتا. ومن فوائد هذا الحديث: حل الكبد ولو كانت تقطر دما، لكن بشرط أن تكون من مذكاة مع أنها دم، ماذا نقول في دم القلب بعد الذبح، لأن القلب بعد الذبح يتحجر فيه الدم؟ ولهذا إذا شقه الإنسان صار فيه دم، أهو نجس أم طاهر؟ أحلال أو حرام؟ حلال. فإذا قال قائل: لماذا لم يذكر في الحديث؟ نقول: لأن دم القلب خفي ليس ظاهرا كالكبد والطحال فهو خفي كالدم الذي في العروق؛ ولهذا لدينا ضابط اضبطوه: جميع الدم الذي يكون بعد الذكاة حلال طاهر ولو كان أحمر، ولو تغير به القدر؛ لأنه لما تمت الذكاة صارت جميع البهيمة حلالا طيبا. إذن الدم الذي يبقى في اللحم والعروق وفي جوف القلب حكمه طاهر حلال. ومن فوائد هذا الحديث: أن الأصل في الميتات التحريم، الدليل: أحل ميتتان، يعني: غير هذا حرام، ويؤخذ هذا من المنطوق أو من المفهوم؟ من المفهوم، يعني: وحرم علينا ما سواهما، وكذلك نقول في الدم.

стр. 62

الأصل في الدم أنه حرام يكون نجسا؟ نعم؛ لأننا قلنا: القاعدة كل ما حرم من الحيوان فهو نجس، وكانوا في الجاهلية كان الرجل منهم إذا نفد طعامه شق عرق ناقته ثم مصه، ومعلوم أن الدم يغذي لا شك؛ فحرم الله ذلك إلا بعد الذكاة. أسئلة: - سبق في الدرس الماضي قول ابن عمر: "أحلت لنا ميتتان ودمان" فضعفه بعضهم مرفوعا، وصححه موقوفا؛ فهل يختلف الحكم في ذلك؟ لا، لماذا؟ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه فإذا قدرنا أنه من قول ابن عمر فهو مرفوع حكما. - ما هي القاعدة في الدم الذي يكون حلالا مباحا؟ كل ما يبقى بعد الذبح فهو طاهر حلال. - هل هناك شيء غير الكبد والطحال؟ الدم الذي يبقى في القلب والذي في العروق في اللحم، ولماذا لم ينص عليه النبي ﵊؟ لخفائه بخلاف الكبد والطحال فإنها مستقلة. - الحوت ما المراد به؟ أحوت معين أو جميع ما في البحر؟ جميع ما في البحر، الدليل: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾، "طعامه" هي حيتانه التي توجد ميتة. وقوع الذباب في الشراب: ١١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم". الذباب: طائر معروف وهو من أوهن الحيوانات، ولهذا ضربه الله تعالى مثلا في التحدي؛ فقال تعالى: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له﴾ [الحج: ٧٣]. استمع لهذا المثل من الله ، الرب يستنصتك وهو فوق سبع سموات يقول: ضرب مثل فاستمعوه، ماذن نقول؟ : سمعا وطاعة نستمع ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾ [الحج: ٧٣]. الذباب: من أهون ما يكون من الحيوان، لا يمكن أن يخلقوا ذبابا واو اجتمعوا به؛ ولهذا تجد ذبابا ليس له بريد، وليس له قرار؛ أي: مكان يكون فيه ينزل فيه، فهو من أضعف الحيوانات ﴿إن الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾. لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا أن يخلقوا ذبابا. وانظر هذا التحدي القدري مع التحدي الشرعي ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ [الإسراء: ٨٨]. فتحدى الله الخلق أن يأتوا بمثل آياته الشرعية أو يمثل آياته الكونية؛ بمثل آياته الشرعية هي قوله: ﴿قل لئن

стр. 63

اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان ولا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ [الإسراء: ٨٨]. والكونية: ﴿يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾ [الحج: ٧٣]. هذا الذباب الطائر المعروف الكثير المتكاثر في بعض الأزمنة أو في بعض الأمكنة، يقول الرسول ﵊: "إذا وقع في شراب أحدكم"، أي شراب؟ عام؛ لأنه مفرد مضاف فيفيد العموم أي شراب: ماء، لبن، مرق، أي شيء كان. "فليغمسه، ثم لينزعه" لما قال: "فليغمسه" علمنا أنه لابد أن يكون شرابا مائعا؛ لأن غير المائع لا يمكن غمسه، إذن الشراب المائع فمثلا العسل شراب هل يغمس فيه؟ لا يمكن أن يغمس فيه، اللهم إلا إن جعلت معه ماء أو لبنا فيمكن. على كل حال: الحديث يدل على الشراب الذي يمكن غمس الذباب فيه، "ثم لينزعه" يعني: يخرجه من الشراب لئلا يقع في الشراب، تعرفون أنه صغير يمكن أن يدخل مع الشراب من غير أن يشعر به الإنسان لكن لينزعه. "فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء" سبحان الله! الرسول ﵊ لم يكن متخرجا من كليه الطب لكنه يأتيه الوحي وإلا فمن يدري في ذلك الوقت أن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، لا يوجد تحليلات، ولا يوجد طب راق، لكنه الوحي من عند الله داء يعني: مرض، وفي الآخر شفاء؟ أي: من هذا المرض أو عموما؟ يحتمل أن المراد شفاء؛ أي: من ذلك المرض الذي في الجناح الآخر، ويحتمل أن يكون المراد الشفاء عموما، وحينئذ إذا قلنا بالعموم هل يشمل كل مرض؟ يقال في ذلك كما قال النبي ﷺ في الكمأة: "إنها من المن وماؤها شفاء للعين". فليست شفاء للعين من كل داء يصيبها ولكنه لنوع من أنواع الأدواء وفي الآخر شفاء. أخرجه البخاري، وأبو داود، وزاد: "وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء". هنا نقول: أخرجه البخاري ظاهر كلام المؤلف أنه لم يخرجه غير البخاري، وأبو داود. فلو قال قائل: أين بقية الأئمة لماذا لم يخرجوه؟ فيقال: هل الأئمة كلهم إذا رووا عن أناس يتفقون في الرواية عنهم؟ لا، ربما لا يرونهم ولا يدركونهم، كما أننا ترد علينا أحاديث كثيرة ليس فيها ذكر أبي بكر وعمر، ونحن نعلم أن أبا بكر

стр. 64

وعمر سمعاها، ونحن وإن لم نعلم فإنه يغلب على ظننا أن أبا بكر وعمر قد سمعاها لكن لم يروها، فلا يلزم من كون بقية الأئمة لم يرووه أن يكون من أفراد البخاري ضعيفا مثلا وليس ضعيفا بل هو صحيح، والطب الحديث يشهد له، يقول: أخرجه البخاري وأبو داود وزاد: "وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء"، يتقي: يعني إذا خاف على نفسه وأهوى ليسقط في هذا الشراب ماذا يقدم؟ يقدم الجناح الذي فيه الداء يتقي به، وهذا إما إلهام من الله وإما أن يكون هذا الجناح يختص بخصيصة ليست في الجناح الآخر يعرفها الذباب. على كل حال: ما لنا ولهذا، نحن نقول: آمنا وصدقنا أنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء والله أعلم، لماذا يتقي به؟ الله أعلم. على كل حال: أنا قرأت في بعض الكتب والمجلات أثبتوا أنه يوجد فيه الحمى أو التيفود لا أدري ما اسمها، وأن هذه - بإذن الله- إذا غمسه فإن في الجناح الآخر ما يضاد، ونحن في الحقيقة إنما نستشهد بأقوال الأطباء أو الفلكيين على ما دل عليه الكتاب والسنة ليس من أجل أننا نقبل إلا إذا شهدوا أبدا، نحن نقبل وإن لم يشهدوا، بل لو شهدوا بخلافه وقد صح ثبوتا ودلالة، فإننا لا نعبأ بهم لكننا نستفيد من ذلك فائدتين: الأولى: زيادة الطمأنينة لا شك. والثانية: محاجة أولئك الذين يقدحون في الشريعة فيما لا يدخل عقولهم القاصرة؛ فنقول: شهد علماء الفلك بهذا، أو شهد علماء الطب بهذا فنستفيد؛ يعني: نحن لا نقول: نلقي كل ما يقوله الناس في مسألة الطب وفي مسألة الفلك والأجرام السماوية، ولكننا لا نقبل كل ما يقولون، إذا كان الذي يقولون يخالف الكتاب والسنة الثابتين دلالة فإننا لا نقبل كلامهم، نأخذ بما جاء في الكتاب والسنة، ونقول: إن كلامكم الآن الذي يضاد الكتاب والسنة سوف يأتي الزمن الذي يشهد فيه الناس بصحة ما جاء في الكتاب والسنة. أولا: نسأل لماذا أتى المؤلف بهذا الحديث في باب المياه؟ الجواب: أتى به ليفيد أن مثل الذباب إذا مات في الماء القليل فإنه لا ينجسه؛ لأن الإنسان إذا جاء يشرب؛ شرب من إناء صغير إذا غمس فيه الذباب وهو حار سوف يموت، فإذن أتى به المؤلف ليفيد أنه إذا وقع في الماء القليل شيء مثل الذباب فمات فإن الماء لا ينجس بذلك، هذه هي المناسبة. أما فوائد الحديث: فنقول في الحديث فوائد؛ منها: شمول الشريعة الإسلامية في بيان أمراض الأبدان وبيان أمراض القلوب، ولهذا ما من شيء يحتاج الناس إليه حتى في أبدانهم إلا بينه الله ورسوله، وهذه قاعد عامة لا يشذ منها شيء. أما أمراض القلوب والعبادات فهذا أمر معروف، وكذلك أيضا أمراض الأبدان في الكتاب والسنة أصول، لا نص على كل مسألة وكل فرد وكل جزء أصول عامة يستفاد منها في الطب.

стр. 65

ومن فوائد هذا الحديث: أن الذباب ليس بنجس، لا حيا ولا ميتا، من أين تؤخذ؟ من قوله: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه"، لو كان نجسا لأرقنا الماء؛ لأن الماء القليل سوف يتأثر بمثل الذباب لاسيما إذا وقع فيه ذباب كثير. ومن فوائد هذا الحديث: أن الذباب إذا وقع في الطعام الجامد فإنه لا يغمس من أين يؤخذ؟ يؤخذ من المنطوق أم من المفهوم؟ من المفهوم، هذا من جهة الدلالة الشرعية. الدلالة العقلية: أنك لو غمسته في طعام، فإنه سوف يتفتت في هذا الطعام ولزدت الطين بلة، ويكره الطعام حينئذ للإنسان. ومن فوائد هذا الحديث: أن الذباب قلنا: إنه طاهر حيا ميتا، هل يقاس على الذباب غيره؟ العلماء ﵏ قالوا: نعم يقاس عليه كل شيء ليس له دم يسيل فإنه طاهر حيا وميتا، حتى لو كان حراما فهو طاهر حيا وميتا، فمثلا الجعلان طاهر لو وقع الجعل في الماء فالماء طاهر، العقرب طاهر؛ لأنه ليس له دم، فإذا وقعت في ماء ولو تغير الماء فهو طاهر؛ لأنها لا تنجس بالموت. "الوزغ" قال أصحابنا ﵏-: للوزغ نفس سائلة نص عليه الإمام أحمد، يعني: له دم يسيل، وأنا أسألكم هل قتلتم وزغا؟ نعم، فهل له دم؟ نعم، الحمد لله إذن الوزغ لا يدخل في هذا الباب؛ لأنه له نفس سائلة. ومن فوائد هذا الحديث: قدرة الله ، وأنه قادر على كل شيء، فالذباب - كما تعلمون- دويبة هشة ضعيفة مهينة، وقد جمع الله فيها بين شيئين متضادين هما الداء والشفاء، وهذا يدل على كمال قدرة الله ، نحن نعرف أن الله على كل شيء قدير فيما إذا خلق في ها مصلحة، وهذا مضرة في ذاتين منفصلتين، ولكم في ذات واحدة فيها مضرة ومنفعة. يؤخذ من هذا أيضا: أن الله تعالى قد يحكم في الشيء بحل وحرمة في جسد واحد يكون بعضه حلالا وبعضه حراما ممكن في الشريعة الإسلامية؟ لا، ليس في الشريعة الإسلامية حيوان بعضه حلال وبعضه حرام، في الشريعة اليهودية نعم ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر﴾ [الأنعام: ١٤٦]. هذه ذات مستقلة ﴿كل ذي ظفر﴾. يقول العلماء: كل ما أرجله غير مشقوقة فهو من ذوات الظفر مثل الإبل، ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها﴾ [الأنعام: ١٤٦]. واللحوم حلال والشحوم حرام ﴿حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورها﴾ يعني: ما عدا الظهر فهو حلال، وذلك - والله أعلم- لمشقة تخليصه من اللحم، ﴿أو الحوايا﴾ يعني: ما حملته الحوايا.

стр. 66

الحوايا ما هي؟ الحوايا: الأمعاء الملتوية، ﴿وأما ما اختلط بعظم﴾ وذلك - والله أعلم- لمشقة التخليص، فمثلا الآلية حرام أم ماذا؟ حرام، اللحم حلال، الشحم المستثنى حلال؛ فهذا حيوان واحد صار بعضه حلالا وبعضه حراما. الذباب حيوان واحد بعضه مرض وبعضه شفاء، على رأي بعض العلماء من علماء المسلمين، هناك حيوان بعضه له حكم وبعضه له حكم وهو الإبل، فإن بعض العلماء يقول: الإبل شحمها لا ينقض الوضوء ولحمها ينقض الوضوء، لكن هذا غير صحيح كما مر علينا وسيمر علينا أيضا إن شاء الله، هذا غير صحيح ليس في الشريعة الإسلامية حيوان يكون بعضه حلالا وبعضه حراما، أو بعضه له حكم طهارة وبعضه له حكم نجاسة، أو حكم نقض وبعضه ليس له ذلك. ومن فوائد هذا الحديث: أن الماء لو تغير بطعم الذباب المغموس فيه لم ينجس، من أين يؤخذ؟ من قوله: "فليغمسه". وجه الدلالة: لو كان ينجس ما أمر النبي ﷺ بغمسه؛ لأنه لو كان كذلك لكان الرسول ﷺ يأمر بما يفسد الماء، وهذا متعذر بالنسبية للشريعة الإسلامية. ومن فوائد هذا الحديث: أن الذباب حرام لقوله: "ثم لينزعه" لئلا يدخل في الشراب وهو كذلك فهل يقاس على الذباب ما كان مثله مما تستخبثه النفوس؟ يرى بعض العلماء كذلك أنه يقاس عليه ما كان مثله مما تستخبثه النفوس، والمراد بالنفوس: النفوس المستقيمة ليس كل نفس؛ لأن من الناس من لا يعافه شيء، من الناس إذا أكل جرادة خرجت روحه معها تقريبا. أهدينا لواحد من الإخوان جرادا من أحسن ما يكون، وألذ ما يكون، فلما أكله يقول: رأيت الموت أما عيني ورد علي ما أهديته إليه لأنه يقول: ما أكلته من قبل وعجزت أن أهضمه ومع أنه طيب من أفضل الطيبات. أسئلة: - ذكرنا ضابطا في الدرس السابق في الميتات الطاهرة ما هو؟ ما ليس له دم يسيل، ميتة الآدمي طاهرة، ميتة البحر طاهرة، ميتة الجراد طاهرة، وهو يدخل في قولنا: "ما ليس له نفس سائلة". - ما هو الدليل على أن ما سوى ذلك فهو نجس؟ قوله: ﴿قل لا أجد في ما أوحى إلي﴾ [الأنعام: ١٤٥]. هذه الآية أصل في أن الميتات نجسة، وما دل الدليل على أنه طاهر فهو مستثنى، الدليل على أنه ما له نفس سائلة حديث الذبابة. - معنى قوله: "يتقي بجناحه الذي فيه الداء"؟ يجنح على جناحه الذي فيه الداء. - هل هذا يدل على أنه عدو للإنسان؟ لا ندري قد يكون الله علمه، والله أعلم. ١٢ -

стр. 67

وعن أبي واقد الليثي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت". أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنه، واللفظ له. قوله: "ما قطع" يحتمل أن يكون اسم شرط، ويحتمل أن يكون اسما موصولا، فإن كان اسم شرط، فقوله: "فهو ميت" جواب الشرط واقترن بالفاء؛ لأن جملة الجواب إذا لم تصلح أن تكون فعل شرط فإنه يجب أن تقترن بالفاء، وبذلك يقول ابن مالك: واقرن بفا حتما جوابا لو جعل ... شرطا لإن أو غيرها لم ينجعل وقد نظمت هذه في بيت معروف مشهور نريد سماعه منكم: اسمية طلبية وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس من أي الجمل ما معنا؟ اسمية، وإذا جعلناها اسما موصولا وقلنا: المعنى: الذي قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت، فلماذا اقترنت الفاء بالخبر؟ يقولون: لأن الخبر لما كان اسما موصولا مفيدا للعموم صار مشبها للشرط في إفادته للعموم والإجمال، فاقترن الخبر بالفاء. أقول: لما كان المبتدأ اسما موصولا مشبها للشرط في العموم والإجمال صار يقترن في خبره بالفاء، فقوله: "ما قطع من البهيمة: البهيمة: كل الحيوانات بهيمة؛ وذلك لأن البهيمة مأخوذة من الإبهام، والحيوانات كلها مبهمة لا يعرف ما تقول، حتى وإن كان بعضها - أي: بعض الحيوانات- لها أصوات معينة يعرف الإنسان بها ما تريد، فإن بعض الحيوانات كالهر مثلا تعرفه إذا نادى أولاده الصغار، الديك إذا نادى الدجاج له صوت معين لكنه لا ينطق، لا يعرف؛ ولهذا سميت جميع الحيوانات ما عدا الإنسان بهائم. وقوله: "ما قطع من البهيمة وهي حية" جملة "وهي حية" حال من البهيمة. "فهو ميت" أي: كميتة البهيمة، وهذه أخذ منها العلماء قاعدة فقالوا: ما أبين من حي فهوة كميتته، فما أبين من الحيوان الذي إذا مات صار نجسا فهو نجس، وما أبين من الحيوان الذي إذا مات فهو حلال طاهر فهو طاهر، وما أبين من الحيوان الذي إذا مات فهو طاهر غير حلال فهو طاهر، وغير حلال مثل ما أبين من الآدمي، الآدمي ميتته طاهرة وما أبين منه فهو طاهر؛ فكل ما أبين من حيوان فله حكم ميتة هذا الحيوان حلا وطهرا، هذه القاعدة ما قطع من الشاة وهي حية كميتتها

стр. 68

نجس حرام، ما قطع من الحوت طاهر وحلال، لأن الحوت ميتته طاهرة، ما قطع من الجرادة حلال طاهر؛ لأن ميتتها حلال طاهرة، ما قطع من الآدمي طاهر وليس بحلال، لأن ميتة الآدمي طاهرة وليست بحلال. أرأيت لو اضطر إنسان إلى أكل لحم إنسان ميت ما تقولون؟ العلماء مختلفون على قولين: من العلماء من قال: إذا اضطر الحي إلى أكل الميت فله أيأكله؛ لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، ومنهم من يقول: لا، لأن النبي ﷺ قال: "كسر عظم الميت ككسره حيا". فله حرمة حتى لو مات الحي فإنه يموت ولا يأكله. نأخذ فوائد: أولا: ما سبب الحديث؟ سبب الحديث: أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجدهم يجبون أسنمة الإبل وأليات الضأن يتخذونها ودكا فيبينونها منها وهي حية، فقال هذا، ومعرفة سبب الحديث أو الآية يعين على فهم النص. ومن ذلك: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨]. لو نظرنا إلى ظاهر اللفظ لكانت هذه الآية تدل على أن الطواف بين الصفا والمروة من القسم الجائز وأنه لا لإثم فيه، لكن إذا عرفنا السبب وأنهم كانوا يتخوفون من الطواف بينهما؛ علمنا أن ذلك لا يدل على الإباحة، بل يدل على نفي الجناح الذي كانوا يتوهمونه، فمعرفة السبب لها أهمية بالنسبة لمعرفة المعنى. فمن فوائد الحديث إذن: أنه يجب على العالم إذا اقتضت الحال أن يذكر الحكم الشرعي لوقوع الناس في مخالفته، فإنه يجب عليه أن يبينه؛ لأن الرسول بين هذا حينما رأى الناس يحبون الأسنمة والأليا. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ما قطع من البهيمة وهي حية فهو كميتة البهيمة لقوله: "فهو ميت". وهنا نسأل هل يجوز أن يقطع شيء من البهيمة أو لا؟ نقول: أما إذا كان عبثا ولمجرد الإيلام أو الانتقام فإن هذا حرام ولا يجوز، مثاله: رجل عنده معز تصرخ عليه في الليل وآذته في نومه فنزل إليها وقطع لسانها. حرام أو حلال؟ حرام، لأن هذا انتقام وهي بهيمة غير مكلفة، كذلك لو كان عبثا فإنه لا يجوز. لكن لو كان لمصلحة البهيمة أو لمصلحة مالك البهيمة فهل يجوز ذلك أو لا؟ الظاهر: الجواز، لكن يجب أن يتبع أقرب الطريق إلى عدم الإيلام، مثال ذلك: الخصاء لمصلحة البهيمة

стр. 69

ولمصلحة المالك أيضا؛ لأن اللحم إذا خص الفحل صار أطيب لحما وقد ضحى النبي ﷺ بكبشين موجوءين؛ أي: مخصيين، هذا لمصلحة البهيمة وهو بالتالي أيضا لمصلحة المالك. أما الذي لمصلحة المالك فهو قطع الآذان، فإنهم في الزمن الأخير صاروا يرغبون في المعز إذا قطعت أذنه ويقولون: إن ثمنها يزيد بالضعف أو أكثر فهذه لمصلحة المالك، لكن يجب أن يستعمل أقرب الطرق إلى عدم الإيلام. ماذا يصنع؟ يبنجها حتى لا تتألم. فإن قال قائل: ما دليلكم على أن يؤلم البهيمة لمصلحته؟ قلنا: الوسم، كان الرسول ﵊ يسلم إبل الصدقة. والوسم: إحراق بالنار مؤلم للحيوان، ولكن هذا لمصلحة المالك؛ لأن الوسم علامة، فدل ذلك على الجواز. فإن قال قائل: قطع الآذان يشبه فعل الجاهلية حيث كانوا يبحرون البحائر ويسيبون السوائب؟ فالجواب: أنه قد يشبه صورة، لكن ما الحامل للجاهلين على أن يفعلوه؟ الحامل العلامة على أن هذه حرام؛ لأن عندهم قواعد إذا بلغت الشاة أو البعير حرم أن تركب أو تحلب ووجب أن تسيب ثم يقصون من آذانها ما يكون علامة على ذلك، لكن هؤلاء الذين يقصون ليسوا يريدون أن يحرموها، بل يريدون بذلك زيادة الثمن والانتفاع بارتفاع القيمة، إذن تكلمنا على هذا الموضوع مع أن الحديث لم يتعرض له لكن لا مانع لأن هذا مهم. ومن فوائد هذا الحديث: حرص النبي ﷺ على البلاغ وهداية الخلق؛ لأنه بادر ﵊ من حين علم بذلك بادر لهذا. فائدة: استثنى بعض العلماء ﵏ مما أبين من الحي شيئين. الشيء الأول: المسك وفأرته. والشيء الثاني: الطريدة. قالوا: هذا جائز المسك وفأرته، يوجد غزال يسمى غزال المسك يستخرج المسك من دمه، وفي ذلك يقول المتنبي في ممدوحه: [الوافر].

стр. 70

فإن تفق الأنام وأنت متهم ... فإن المسك بعض دم الغزال هذا استثناها بعض العلماء وقالوا: إنه ما زال المسلمون يتطيبون بالمسك، وهو يستخرج من دم الغزال. والمسألة الثانية: الطريدة: الطريدة ذكرها الإمام أحمد ﵀، وأن الصحابة فعلوها؛ وهي أن يطرد القوم الظبي ثم يدركوه جميعا، ثم يقطعوه؛ هذا يقطع الرجل، وهذا يقطع الرقبة، وهذا يقطع اليد ويموت ميتة واحدة، ولم يستدل أحمد ﵀ بحديث لكنه استدل بفعل الصحابة، ولكن هذا أيضا لا يستبعد أن ينطبق على الحديث؛ لأن هذا صيد، والصيد يحل بجرحه في أي موضع كان من بدنه، فهؤلاء جرحوه جميعا، ثم صار هذا الجرح كأنه صيد رمي بسهم، ولم يستثن العلماء مما أبين من الحي أنه يكون طاهرا إلا هاتين المسألتين. أسئلة ومراجعة: - لو قال المؤلف: أخرجه السبعة فما المراد به؟ وإذا قال الخمسة؟ - لماذا بدأ المؤلف بكتاب الطهارة؟ - لأنها من شروط الصلاة، والصلاة آكد أركان الإسلام. - ثانيا: هي من باب التخلية، وهي سابقة على التحلي والإشارة إلى طهارة الباطن. إذا قال قائل: هي من شروط الصلاة لماذا لم نبدأ بالوقت؟ لأن المحافظة على الوقت أوكد من المحافظة على الطهارة، ولهذا إذا خاف الإنسان فوات الوقت صلى ولو بغير طهارة، فالطهارة تقريبا ربع العبادات تكلموا عليها كثيرا، فلكثرة الكلام فيها قدموها على بقية شروط الصلاة؛ لأن فيها الغسل والوضوء ونواقضهما، وموجبات الغسل، والحيض، وباب النجاسة، يعني أشياء كثيرة، ولهذا بدءوا بها، وإلا هناك شروط من شروط الصلاة أوكد منها. - لماذا زاد: "الحل ميتته"؟ ما سبب قول النبي ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"؟ هذه في البلاغة تسمى جواب الحكيم، فبما أنه أشكل عليهم الوضوء فمن باب أولى يشكل عليهم الأكل. - هل في هذا ما يؤيده من القرآن؟ ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾. - سقطت سمكة في ماء فأنتنت وتغير الماء ما حكمه؟ هو طهور، والماء إذا تغير بطاهر فهو طهور.

стр. 71

يوجد حديثان: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" وحديث ابن عمر: "إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث" فهل بينهما تعارض؟ نعم، حديث عبد الله بن عمر ضعيف فنرجح الأول. - هل الحديثان على إطلاقهما؟ - مر علينا لا يغتسل الرجل بفضل المرأة ولا العكس هل هذا على سبيل الإرشاد؟ نعم، الدليل: ثبوت ذلك على النبي أنه اغتسل بفضل ميمونة. - سلك بعض العلماء في هذا الحديث مسلكا غريبا: أن الرجل يتوضأ بفضل المرأة ولا عكس، ما وجه الغرابة؟ أن الحديث واحد. - من هنا نأخذ: أنه مهما بلغ الإنسان من العلم فإنه عرضه للخطأ. - هناك كليب صغير ولغ في إناء فما الحكم؟ الماء ينجس ويغسل، كيف يغسل؟ سبع مرات أولاهن بالتراب، حتى لو كان صغيرا؟ نعم؛ لأن الحديث عام: "إذا ولغ الكلب". وردت قصة غريبة في عهد الرسول تدل على جفاء الأعراب وعدم معرفتهم بحدود ما أنزل الله على رسوله ما هي؟ قصة الأعرابي الذي باب في المسجد. - لو وقعت مثل هذه القضية ماذا نفعل؟ نصبر حتى ينتهي ونطهره ونخبر الأعرابي بحمه. - هل الصحابة على صواب حين زجروه؟ لن ينههم الرسول ﷺ عن المبادرة، ولكن أشار إلى العلة وهي: "ولا تزرموه" حتى لا يتضرر وتكثر المفسدة. - هل هذا الأمر بالتطير فرض كفاية أو فرض عين؟ فرض كفاية. - هل في هذا الحديث دليل على رد قول من يقول: إن الأرض تطهر بالشمس والريح؟ أمر النبي بالمبادرة للتطهير. - المؤلف أتى بهذا الحديث في باب المياه، فما هي المناسبة؟ المناسبة: أن الماء هو الذي تزال به النجاسة. - في حديث: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت" إشارة إلى قاعدة ذكرها الفقهاء فما هي؟ ما أبين من حي فهو كميتته. - ما قطع من الآدمي حكمه؟ طاهر، لماذا؟ لأن ميتته طاهرة، وكذلك على القول الراجح: ما انفصل بغير الأذى والقذر فإنه طاهر.

стр. 72

٢ - باب الآنية الآنية: جمع "إناء". والإناء: هو الوعاء، والعلماء ﵏ ذكروا الآنية هنا في باب الطهارة دون أن يذكروها في باب الأطعمة مع أن الأطعمة إنما تقدم في الأواني، والأشربة تقدم في الأواني، لكن ينبغي أن يذكر الشيء عند أول مناسبة له، وأول مناسبة للأواني هو باب المياه لأن الماء - كما تعلمون- جوهر سيار لا يمكن الإحاطة به إلا بإناء، فلذلك ذكروا باب الآنية بعد ذكر باب الطهارة؛ هذا هو السبب، فلها صلة قوية في باب الأطعمة وباب الأشربة. والأصل في الأواني: الحل؛ أي إناء تشرب فيه، أي إناء تأكل فيه فالأصل فيه الحل، إلا ما كان ضارا فإنه حرام، أو إن شئت فقل: إلا ما دل الدليل على تحريمه - وهذا أعم- فإنه حرام وإلا فالأصل الحل، ولهذا لو أن الإنسان شرب في إناء من خزف، وقال له قائل: هذا حرام، ماذا نقول؟ نقول: هات الدليل، فإذا قال هو: أين الدليل على أن الشرب في الخزف حلال؟ قلنا: عدم الدليل على التحريم هو الدليل، أكل أو شرب في إناء من الماس - الماس غال جدا- فقال له قائل: هاذ حرام. ماذا نقول؟ نقول: هذا حلال، نقول: الأصل الحل إلا ما قام عليه الدليل، ومما قام عليه الدليل: أن يأكل الإنسان في جزء من الآدمي مثل أن يجد جمجمة رأس الآدمي فيستعملها إناء فهذا حرام؛ لأن الآدمي محترم، وإن كان طاهرا لكنه محترم فلا يجوز اتخاذ عضو من أعضاء الآدمي آنية لاحترامه، ومن ذلك أيضا: أواني الذهب والفضة يحرم استعمالها في الأكل والشرب، الدليل: حديث حذيفة بن اليمان وهو صاحب السر المشهور الذي أسر إليه النبي ﷺ ببعض أسماء المنافقين يقول: حكم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة . ١٣ - عن حذيفة بن اليمان ﵁: قال: قال النبي ﷺ : "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة". متفق عليه. "لا تشربوا" "لا" ناهية، والدليل أنها ناهية وليست نافية: حذف النون علامة الجزم، وقوله: "في آنية الذهب والفضة" أي: أوعيتها. "ولا تأكلوا في صحافهما" أي: صحاف الذهب والفضة، ثم إن النبي ﷺ كعادته غالبا بين الحكمة فقال: "فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" يعني: أنكم في هذه الدنيا لا يبغ بكم الترف إلى أن تأكلوا في آنية الذهب والفضة. هذا لمن؟ هذا يتمتع به الكفار اذلين يتمتعون في هذه الدنيا كما تتمتع الأنعام والنار مثوى لهم، أما أنتم فأجلوا المسألة، أجلوها إلى أن تأكلوا وتشربوا فيها أبد الآبدين، وذلك في الآخرة إذا دخل المؤمنون

стр. 73

الجنة - جعلنا الله وإياكم منهم- فإنهم يأكلون في صحاف الذهب والفضة ويشربون أيضا في أوانيها. قال النبي ﷺ : "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما"، هذا الأكل والشرب في هذه الأواني الثمينة لا يكون للمؤمن هذا هو التعليل المنطبق المطرد، وأما تعليل بعض العلماء بأن هذا يوجب تضييق النقدين على الناس؛ لأن النقدين من الذهب والفضة؛ من الذهب يسمى دينارا، ومن الفضة درهما، قالوا: لو أنها جعلت أواني لضاقت النقود على الناس، وبعضهم يقول: لأننا لو جعلنا هذه الأواني لانكسرت قلوب الفقراء، وهذا أيضا دليل عليل سنبين إن شاء الله ذلك، ومنهم من قال: إن فيهما خيلاء وسرفا وهذا أيضا منتقد. أما ألأول - وهو التضييق- فيقال: يلزم على هذه العلة أن نمنع لباس الذهب والفضة على الرجال والنساء؛ لأن ذلك يضيق النقدين على الناس ولاسيما في بلاد ضعيفة الاقتصاد، ومعلوم أن الذهب حلال للنساء وأن الفضة حلال للنساء، الذين يقولون إن ذلك كسرا لقلوب الفقراء؛ فنقول: إذن حرام كل ما ينكسر به قلب الفقير، إذا رأيت سيارة فخمة يركبها غني أو أمير أو وزير قل: هذه حرام؛ لأن الفقير يقول" لماذا هذا يركب سيارة (بيوك)، (رينو) وأنا ليس عندي إلا (مزاد) متكسرة ينكسر قلبه لا شك، إذن حرم على هؤلاء ركوب ذلك، البيوت أيضا رجل بيوته أعشاش الثاني قصور فخمة مشيدة، أيضا اللباس رجل فقير لباسه مرقع وآخر لباسه من أفخم اللباس المباحة، نقول أيضا: حرام، لأن هذا ينكسر به قلب الفقير، بقي علينا السرف والخيلاء، السرف والخيلاء قد يكون في آواني غي الذهب والفضة، الأواني من الماس والجواهر النفيسة التي هي أغلى من الذهب والفضة أشد خيلاء وأشد إسرافا ومع ذلك لا نحرمها لذاتها، الذهب والفضة محرم لذاتهما، حتى وإن كان فنجانا وهذا الرجل عنده ملايين الملايين لا يعد سرفا ولا يهتم به، يقول: هذا حرام؛ إذن العلة التي ذكرها النبي ﵊ هي العلى المطردة التي لا تنقطع من يستطيع أن يقول: إن الذهب والفضة للكفار في الآخرة؟ لا أحد يستطيع، أما في الدنيا فيقول: إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة، هذه هي العلة الحكيمة. سبب تحديث حذيفة بهذا الحديث: أنه كان في بيته أو في قصره فدعا بماء، فجاء الدهقان إليه بماء في إناء من فضة، فأخذ الإناء ورماه به ورمى الدهقان وقال للجماعة الذين عنده: إتي أخبركم أني قد نهيت أن يسقيني فيه لقول النبي ﷺ : "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما"، وانتبهوا لقوله: إني نهيت أن يسقيني فيه؛ لأنه سيترتب عليه مسألة إن شاء الله ستأتينا.

стр. 74

المهم: أن حذيفة حدث بهذا الحديث لهذا السبب، وربما حدث به في مكان آخر لا أدري لكن هذا الذي جاء في صحيح مسلم. ففي هذا الحديث: أولا تحريم آنية الذهب والفضة؛ لأن الأصل في النهي التحريم، ولأن في الحديث إشارة إلى أن من أكل أو شرب فيهما فإنه حري أن يحرمهما في الآخرة؛ لأن الله لم يبح ذلك لنا إلا في الآخرة. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا فرق بين الآنية الكبيرة أو الصغيرة، أو الأكل الكثير أو الشرب اليسير، حتى لو جرعة من الماء في ملعقة فهي حرام، وكذلك أيضا لو كانت لقمة واحدة في ملعقة فهي حرام، لماذا؟ لأن النبي ﷺ قال: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه". إذن نجتنب الأكل كله والشرب كله، ما نأكل لا بقليل ولا بكثير، ولا بآنية صغيرة. ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم الرسول ﵊ وذلك لذكر العلة عند ذكر الحكم؛ لأن ذكر العلة يوجب الطمأنينة واستقرار القلب، وكذلك يبين سمو الشريعة وأنه ليس فيها حكم إلا مقرون بحكمه، وهذه من أحسن التعليم وأبين البيان. ومن فوائد الحديث: جواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب؛ لأن النهي عن الأكل والشرب فقط، فلو استعمل الإنسان آنية الذهب والفضة في أدوية يخزنها، أو في دارهم، أو في أي حاجة من الحاجات غير الأكل والشرب؛ فإنه لا بأس بها؛ وذلك لأن النبي ﷺ أفصح الناس وأنصح الناس وأعم الناس، ولو كان استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب حراما لبينه الرسول ﵊ بيانا واضحا حتى لا يبقى إشكال، ثم إن قول حذيفة ﵁: "إني أخبركم أني قد نهيت أن يسقيني بها". يدل على أن حذيفة كانت عنده هذه الآنية لكنه لا يستعملها في أكل أو شرب، وهذا واضح، ولا ينبغي لنا إطلاقا إذا ذكر الشارع شيئا خاصا أن نعممه؛ لأن ذلك يعني أنا ضيقنا ما وسعه الشارع، ومعلوم أننا نتعبد بما دل عليه الكتاب والسنة لا نحجر على عباد الله، وفيه ثلاثة أمور: اتخاذ واستعمال في غير الأكل والشرب، واستعمال في الأكل والشرب، والاستعمال في الأكل والشرب حرام لا إشكال فيه، بل ظاهر النص أنه من كبائر الذنوب. الاتخاذ الخلاف فيه معروف بمعنى: يتخذه الإنسان إما زينة أو لسبب م الأسباب لكن لا يستعملها، هذا الخلاف فيه معروف، الاستعمال حكى بعض الناس أن العلماء أجمعوا على التحريم ولكن ليس بصحيح، لا يوجد فيه إجماع، وقد أنكر الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار

стр. 75

هذا إنكار عظيما وقال: إن السنة تدل على أن المحرم وهو الأكل والشرب فقط، والقياس ممنوع ولا يصح، وما ذهب إليه الشوكاني ﵀ هو الذي تدل عليه الأدلة، وأن المحرم هو استعمالها في الأكل والشرب، وسيأتينا في حديث أم سلمة في النهي عن الشرب في إناء الفضة وأنها هي ﵂ اتخذت جلجلا من فضة. أسئلة: - لباب الآنية مناسبتان فما هما؟ يذكر في باب الأطعمة والأشربة والطهارة. - مناسبته لباب الأطعمة والأشربة؟ هي ظاهرة. - مناسبته لباب الطهارة؟ أن الماء لابد أن يحمل في إناء. - ولماذا اختاره المصنف هنا؟ اختاره هنا لأنهم يذكرون الشيء عند أول ذكر له. - ما هو الأصل في الأواني؟ الحل، والدليل: عدم الدليل. - ما هو الدليل الإيجابي؟ قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ [البقرة: ٢٩]. - لماذا حرم الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة؟ علله النبي بأنه للكفار في الدنيا ولا في الآخرة. انظر سبحان الله! الذين أجرموا إذا مروا بالمؤمنين يضحكون ويتغامزون، والمؤمنون يوم القيامة يضحكون من الكفار، مقابلان، لنا الآخرة ولهم الدنيا. - هل يدل الحديث على جواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل الشرب؟ النهي خاص بالشرب والأكل دل على أن ما عداه فهو جائز مثل إناء يجعل فيه دواء. - ذكر بعض العلماء تعاليل في مناسبة تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. قال: هو تضييق على الناس. هل هذا تعليل عليل أو مستقيم؟ لا هو عليل. والثاني لئلا ينكسر قلب الفقير. هل هذا مستقيم؟ لا؛ لأنه ينكسر قلبه من أشياء كثيرة. قال: إسراف وخيلاء، وهذا غير مستقيم؛ لإلزامه على ذلك تحريم بقية الجواهر التي أغلى منهما. - ذكرنا قصة كانت سببا لسياق حذيفة لهذا الحديث وهي تدل على جواز استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب؟ قول حذيفة: "قد نهيت أن يسقيني فيهما". - ذكر استعمال الذهب والفضة على ثلاثة وجوه ما هي؟ الأول: استعمالها في الأكل والشرب. والثاني: استعمالها في غير الأكل والشرب. والثالث: الاتخاذ.
следующие страницы →