Полный текст (3 515 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
يوجد حديثان: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" وحديث ابن عمر: "إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث" فهل بينهما تعارض؟ نعم، حديث عبد الله بن عمر ضعيف فنرجح الأول.
- هل الحديثان على إطلاقهما؟
- مر علينا لا يغتسل الرجل بفضل المرأة ولا العكس هل هذا على سبيل الإرشاد؟ نعم، الدليل: ثبوت ذلك على النبي أنه اغتسل بفضل ميمونة.
- سلك بعض العلماء في هذا الحديث مسلكا غريبا: أن الرجل يتوضأ بفضل المرأة ولا عكس، ما وجه الغرابة؟ أن الحديث واحد.
- من هنا نأخذ: أنه مهما بلغ الإنسان من العلم فإنه عرضه للخطأ.
- هناك كليب صغير ولغ في إناء فما الحكم؟ الماء ينجس ويغسل، كيف يغسل؟
سبع مرات أولاهن بالتراب، حتى لو كان صغيرا؟ نعم؛ لأن الحديث عام: "إذا ولغ الكلب".
وردت قصة غريبة في عهد الرسول تدل على جفاء الأعراب وعدم معرفتهم بحدود ما أنزل الله على رسوله ما هي؟ قصة الأعرابي الذي باب في المسجد.
- لو وقعت مثل هذه القضية ماذا نفعل؟ نصبر حتى ينتهي ونطهره ونخبر الأعرابي بحمه.
- هل الصحابة على صواب حين زجروه؟
لن ينههم الرسول ﷺ عن المبادرة، ولكن أشار إلى العلة وهي: "ولا تزرموه" حتى لا يتضرر وتكثر المفسدة.
- هل هذا الأمر بالتطير فرض كفاية أو فرض عين؟ فرض كفاية.
- هل في هذا الحديث دليل على رد قول من يقول: إن الأرض تطهر بالشمس والريح؟
أمر النبي بالمبادرة للتطهير.
- المؤلف أتى بهذا الحديث في باب المياه، فما هي المناسبة؟ المناسبة: أن الماء هو الذي تزال به النجاسة.
- في حديث: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت" إشارة إلى قاعدة ذكرها الفقهاء فما هي؟ ما أبين من حي فهو كميتته.
- ما قطع من الآدمي حكمه؟ طاهر، لماذا؟ لأن ميتته طاهرة، وكذلك على القول الراجح:
ما انفصل بغير الأذى والقذر فإنه طاهر.
стр. 72
٢ - باب الآنية
الآنية: جمع "إناء". والإناء: هو الوعاء، والعلماء ﵏ ذكروا الآنية هنا في باب الطهارة دون أن يذكروها في باب الأطعمة مع أن الأطعمة إنما تقدم في الأواني، والأشربة تقدم في الأواني، لكن ينبغي أن يذكر الشيء عند أول مناسبة له، وأول مناسبة للأواني هو باب المياه لأن الماء - كما تعلمون- جوهر سيار لا يمكن الإحاطة به إلا بإناء، فلذلك ذكروا باب الآنية بعد ذكر باب الطهارة؛ هذا هو السبب، فلها صلة قوية في باب الأطعمة وباب الأشربة.
والأصل في الأواني: الحل؛ أي إناء تشرب فيه، أي إناء تأكل فيه فالأصل فيه الحل، إلا ما كان ضارا فإنه حرام، أو إن شئت فقل: إلا ما دل الدليل على تحريمه - وهذا أعم- فإنه حرام وإلا فالأصل الحل، ولهذا لو أن الإنسان شرب في إناء من خزف، وقال له قائل: هذا حرام، ماذا نقول؟ نقول: هات الدليل، فإذا قال هو: أين الدليل على أن الشرب في الخزف حلال؟ قلنا: عدم الدليل على التحريم هو الدليل، أكل أو شرب في إناء من الماس - الماس غال جدا- فقال له قائل: هاذ حرام. ماذا نقول؟ نقول: هذا حلال، نقول: الأصل الحل إلا ما قام عليه الدليل، ومما قام عليه الدليل: أن يأكل الإنسان في جزء من الآدمي مثل أن يجد جمجمة رأس الآدمي فيستعملها إناء فهذا حرام؛ لأن الآدمي محترم، وإن كان طاهرا لكنه محترم فلا يجوز اتخاذ عضو من أعضاء الآدمي آنية لاحترامه، ومن ذلك أيضا: أواني الذهب والفضة يحرم استعمالها في الأكل والشرب، الدليل: حديث حذيفة بن اليمان وهو صاحب السر المشهور الذي أسر إليه النبي ﷺ ببعض أسماء المنافقين يقول:
حكم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة .
١٣ - عن حذيفة بن اليمان ﵁: قال: قال النبي ﷺ : "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة". متفق عليه.
"لا تشربوا" "لا" ناهية، والدليل أنها ناهية وليست نافية: حذف النون علامة الجزم، وقوله: "في آنية الذهب والفضة" أي: أوعيتها. "ولا تأكلوا في صحافهما" أي: صحاف الذهب والفضة، ثم إن النبي ﷺ كعادته غالبا بين الحكمة فقال: "فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" يعني: أنكم في هذه الدنيا لا يبغ بكم الترف إلى أن تأكلوا في آنية الذهب والفضة. هذا لمن؟ هذا يتمتع به الكفار اذلين يتمتعون في هذه الدنيا كما تتمتع الأنعام والنار مثوى لهم، أما أنتم فأجلوا المسألة، أجلوها إلى أن تأكلوا وتشربوا فيها أبد الآبدين، وذلك في الآخرة إذا دخل المؤمنون
стр. 73
الجنة - جعلنا الله وإياكم منهم- فإنهم يأكلون في صحاف الذهب والفضة ويشربون أيضا في أوانيها.
قال النبي ﷺ : "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما"، هذا الأكل والشرب في هذه الأواني الثمينة لا يكون للمؤمن هذا هو التعليل المنطبق المطرد، وأما تعليل بعض العلماء بأن هذا يوجب تضييق النقدين على الناس؛ لأن النقدين من الذهب والفضة؛ من الذهب يسمى دينارا، ومن الفضة درهما، قالوا: لو أنها جعلت أواني لضاقت النقود على الناس، وبعضهم يقول: لأننا لو جعلنا هذه الأواني لانكسرت قلوب الفقراء، وهذا أيضا دليل عليل سنبين إن شاء الله ذلك، ومنهم من قال: إن فيهما خيلاء وسرفا وهذا أيضا منتقد.
أما ألأول - وهو التضييق- فيقال: يلزم على هذه العلة أن نمنع لباس الذهب والفضة على الرجال والنساء؛ لأن ذلك يضيق النقدين على الناس ولاسيما في بلاد ضعيفة الاقتصاد، ومعلوم أن الذهب حلال للنساء وأن الفضة حلال للنساء، الذين يقولون إن ذلك كسرا لقلوب الفقراء؛ فنقول: إذن حرام كل ما ينكسر به قلب الفقير، إذا رأيت سيارة فخمة يركبها غني أو أمير أو وزير قل: هذه حرام؛ لأن الفقير يقول" لماذا هذا يركب سيارة (بيوك)، (رينو) وأنا ليس عندي إلا (مزاد) متكسرة ينكسر قلبه لا شك، إذن حرم على هؤلاء ركوب ذلك، البيوت أيضا رجل بيوته أعشاش الثاني قصور فخمة مشيدة، أيضا اللباس رجل فقير لباسه مرقع وآخر لباسه من أفخم اللباس المباحة، نقول أيضا: حرام، لأن هذا ينكسر به قلب الفقير، بقي علينا السرف والخيلاء، السرف والخيلاء قد يكون في آواني غي الذهب والفضة، الأواني من الماس والجواهر النفيسة التي هي أغلى من الذهب والفضة أشد خيلاء وأشد إسرافا ومع ذلك لا نحرمها لذاتها، الذهب والفضة محرم لذاتهما، حتى وإن كان فنجانا وهذا الرجل عنده ملايين الملايين لا يعد سرفا ولا يهتم به، يقول: هذا حرام؛ إذن العلة التي ذكرها النبي ﵊ هي العلى المطردة التي لا تنقطع من يستطيع أن يقول: إن الذهب والفضة للكفار في الآخرة؟ لا أحد يستطيع، أما في الدنيا فيقول: إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة، هذه هي العلة الحكيمة.
سبب تحديث حذيفة بهذا الحديث: أنه كان في بيته أو في قصره فدعا بماء، فجاء الدهقان إليه بماء في إناء من فضة، فأخذ الإناء ورماه به ورمى الدهقان وقال للجماعة الذين عنده: إتي أخبركم أني قد نهيت أن يسقيني فيه لقول النبي ﷺ : "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما"، وانتبهوا لقوله: إني نهيت أن يسقيني فيه؛ لأنه سيترتب عليه مسألة إن شاء الله ستأتينا.
стр. 74
المهم: أن حذيفة حدث بهذا الحديث لهذا السبب، وربما حدث به في مكان آخر لا أدري لكن هذا الذي جاء في صحيح مسلم.
ففي هذا الحديث: أولا تحريم آنية الذهب والفضة؛ لأن الأصل في النهي التحريم، ولأن في الحديث إشارة إلى أن من أكل أو شرب فيهما فإنه حري أن يحرمهما في الآخرة؛ لأن الله لم يبح ذلك لنا إلا في الآخرة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا فرق بين الآنية الكبيرة أو الصغيرة، أو الأكل الكثير أو الشرب اليسير، حتى لو جرعة من الماء في ملعقة فهي حرام، وكذلك أيضا لو كانت لقمة واحدة في ملعقة فهي حرام، لماذا؟ لأن النبي ﷺ قال: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه". إذن نجتنب الأكل كله والشرب كله، ما نأكل لا بقليل ولا بكثير، ولا بآنية صغيرة.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم الرسول ﵊ وذلك لذكر العلة عند ذكر الحكم؛ لأن ذكر العلة يوجب الطمأنينة واستقرار القلب، وكذلك يبين سمو الشريعة وأنه ليس فيها حكم إلا مقرون بحكمه، وهذه من أحسن التعليم وأبين البيان.
ومن فوائد الحديث: جواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب؛ لأن النهي عن الأكل والشرب فقط، فلو استعمل الإنسان آنية الذهب والفضة في أدوية يخزنها، أو في دارهم، أو في أي حاجة من الحاجات غير الأكل والشرب؛ فإنه لا بأس بها؛ وذلك لأن النبي ﷺ أفصح الناس وأنصح الناس وأعم الناس، ولو كان استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب حراما لبينه الرسول ﵊ بيانا واضحا حتى لا يبقى إشكال، ثم إن قول حذيفة ﵁: "إني أخبركم أني قد نهيت أن يسقيني بها". يدل على أن حذيفة كانت عنده هذه الآنية لكنه لا يستعملها في أكل أو شرب، وهذا واضح، ولا ينبغي لنا إطلاقا إذا ذكر الشارع شيئا خاصا أن نعممه؛ لأن ذلك يعني أنا ضيقنا ما وسعه الشارع، ومعلوم أننا نتعبد بما دل عليه الكتاب والسنة لا نحجر على عباد الله، وفيه ثلاثة أمور: اتخاذ واستعمال في غير الأكل والشرب، واستعمال في الأكل والشرب، والاستعمال في الأكل والشرب حرام لا إشكال فيه، بل ظاهر النص أنه من كبائر الذنوب.
الاتخاذ الخلاف فيه معروف بمعنى: يتخذه الإنسان إما زينة أو لسبب م الأسباب لكن لا يستعملها، هذا الخلاف فيه معروف، الاستعمال حكى بعض الناس أن العلماء أجمعوا على التحريم ولكن ليس بصحيح، لا يوجد فيه إجماع، وقد أنكر الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار
стр. 75
هذا إنكار عظيما وقال: إن السنة تدل على أن المحرم وهو الأكل والشرب فقط، والقياس ممنوع ولا يصح، وما ذهب إليه الشوكاني ﵀ هو الذي تدل عليه الأدلة، وأن المحرم هو استعمالها في الأكل والشرب، وسيأتينا في حديث أم سلمة في النهي عن الشرب في إناء الفضة وأنها هي ﵂ اتخذت جلجلا من فضة.
أسئلة:
- لباب الآنية مناسبتان فما هما؟ يذكر في باب الأطعمة والأشربة والطهارة.
- مناسبته لباب الأطعمة والأشربة؟ هي ظاهرة.
- مناسبته لباب الطهارة؟ أن الماء لابد أن يحمل في إناء.
- ولماذا اختاره المصنف هنا؟ اختاره هنا لأنهم يذكرون الشيء عند أول ذكر له.
- ما هو الأصل في الأواني؟ الحل، والدليل: عدم الدليل.
- ما هو الدليل الإيجابي؟ قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ [البقرة: ٢٩].
- لماذا حرم الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة؟ علله النبي بأنه للكفار في الدنيا ولا في الآخرة.
انظر سبحان الله! الذين أجرموا إذا مروا بالمؤمنين يضحكون ويتغامزون، والمؤمنون يوم القيامة يضحكون من الكفار، مقابلان، لنا الآخرة ولهم الدنيا.
- هل يدل الحديث على جواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل الشرب؟
النهي خاص بالشرب والأكل دل على أن ما عداه فهو جائز مثل إناء يجعل فيه دواء.
- ذكر بعض العلماء تعاليل في مناسبة تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة.
قال: هو تضييق على الناس. هل هذا تعليل عليل أو مستقيم؟ لا هو عليل.
والثاني لئلا ينكسر قلب الفقير. هل هذا مستقيم؟ لا؛ لأنه ينكسر قلبه من أشياء كثيرة.
قال: إسراف وخيلاء، وهذا غير مستقيم؛ لإلزامه على ذلك تحريم بقية الجواهر التي أغلى منهما.
- ذكرنا قصة كانت سببا لسياق حذيفة لهذا الحديث وهي تدل على جواز استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب؟ قول حذيفة: "قد نهيت أن يسقيني فيهما".
- ذكر استعمال الذهب والفضة على ثلاثة وجوه ما هي؟
الأول: استعمالها في الأكل والشرب.
والثاني: استعمالها في غير الأكل والشرب.
والثالث: الاتخاذ.
стр. 76
والمشهور من المذهب أن كل الثلاثة حرام: اتخاذها واستعمالها في غير الأكل والشرب، واستعمالها في الأكل والشرب، والصحيح: أنها لا تحرم إلا في الأكل والشرب، استدل بهذا الحديث من قال: إن الكفار لا يخاطبون بفروع الإسلام ولا يعاقبون عليها لقوله: "فإنها لهم في الدنيا" واللام للإباحة، وإن شئت فقل: للاختصاص، وهذا أحد الأقوال في المسألة أن الكفار لا يخاطبون بفروع الإسلام كما أنهم لا يخاطبون بأصل الإسلام، وقال بعض أهل العلم: إنهم مخاطبون بفروع الإسلام، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿إلا أصحب اليمين في جنت يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين﴾ [المدثر: ٣٩ - ٤٦].
ووجه الدلالة من الآية: أنهم لولا أنهم عذبوا على هذه الأعمال لم يكن لذكرها فائدة، ومن جملة ما ذكروا: أنهم لا يطعمون الطعام، وإطعام الطعام أعلاه الزكاة وتاركها لا يكفر؛ فدل هذا على أنهم مخاطبون بفروع الإسلام هذا من جهة الأثر، من جهة النظر إذا قيل: إذا كان المسلم يعاقب على ترك هذه الأشياء ويخاطب بها فالكافر من باب أولى، ها هو الراجح. والجواب عن حديث حذيفة: أن النبي ﷺ أخبر عن الواقع، والإخبار عن الواقع لا يدل على الجواز كقول النبي ﷺ : "لتركبن سنن من كان قبلكم حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه". قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ ". فأخبر أننا سنركب ذلك وأكد ذلك، ومع هذا فإنه لا يجوز بالإجماع.
كذلك أخبر أن الظعينة وهي المرأة تسير من كذا إلى كذا لا تخشى إلا الله، وهذا المراد به: استتباب الأمن، وليس المراد أن ذلك جائز، فالإخبار عن الواقع كونا وقدرا لا يدل على جوازه شرعا، فهي لهم في الدنيا؛ لأنهم يستعملونها ولا يبالون، ولكن هذا ليس إقرارا لهم عليها.
فإن قال قائل: إذن إذا رأينا كافرا يشرب في آنية الذهب والفضة على هذا التقدير يجب أن ننكر عليه؟
قلنا: لا يجب؛ لأن الواجب دعوة الكافر أن نبدأ بالأهم فالأهم، ولهذا لما بعث النبي ﷺ معاذا إلى اليمن أمره أن يكون أول ما يدعوهم إليه هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم إن أجابوا أخبرهم بفرض الصلاة، ثم إن أجابوا أخبرهم بفرض الزكاة. فدل هذا على أننا نأمرهم أولا إن يسلموا، نعم يجب علينا أن ننكر عليهم ما يعلنونه من شعائر كفرهم
стр. 77
في بلاد الإسلام كشرب الخمر مثلا وما أشبه ذلك، نمنعهم من ذلك؛ لأن ذلك محرم عندنا ولا يجوز لهم إلا أن يخضعوا لأحكام الإسلام حتى يكون الإسلام هو الأعلى.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان لا ينبغي له أن ييأس على ما فاته من أمر الدنيا من التنعم فيها، لماذا؟ لأن المؤمن له الآخرة، وقد قال الله تعالى: ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ [الأعلى: ١٧].
وهذا عام، وقال لنبيه محمد ﷺ : ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾ [الضحى: ٤]
ومن فوائد هذا الحديث أيضا: إثبات الآخرة وما فيها من النعيم لقوله: "ولكم في الآخرة".
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أن يسلى الإنسان بما فاته من نعيم الدنيا، وجه ذلك: أن الرسول ﵊ لما نهى عن الشرب والأكل في أواني الذهب والفضة سلى المؤمنين؛ يعني: ذكر لهم ما يتسلون به وهو أنها لنا في الآخرة والعاقبة ليست ببعيدة.
ومن فوائد هذا الحديث: إذا نظرنا إلى سبب سياق حذيفة له أنه ينبغي للإنسان إن لم يقل يجب على الإنسان أن يدفع عن نفسه ما يخاف منه التهمة، من أين أخذت؟ من قوله: "ألا إني أخبركم أني قد نهيته"، لئلا يتهم حذيفة ﵁ ولهذا أصل في السنة، وهو ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "رحم الله امرأ كف الغيبة عن نفسه"، وله أصل من فعل الرسول، حيث كان يتسامر مع زوجه صفية بنت حيي، وقد انصرفت منه وهي قد حضرت في البيت وهو معتكف في المسجد فأبصره رجلان من الأنصار، فأسرعا - أسرعا خجلا من النبي ﵊ واستحياء منه-؛ لأن مثل هذا الأمر إذا كان من معظم لدى الإنسان فإنه يخجل، أنت الآن لو تمشي في السوق وتجد شخصا تعظمه وتجله وتكرمه معه امرأته ألا تخجل؟ أنا أخجل، لا أدري أنتم تخجلون أم لا؟ أخجل وأسرع، فالصحابيان أسرعا خجلا لا شك، لكن الرسول ﵊ خاف أن يقذف الشيطان في قلوبهما شرا، فقال: "إنها صفية"، ولهذا تعجبا ﵂ قالا: سبحان الله! فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكم شرا". أو قال: "شيئا".
المهم: أنه ينبغي للإنسان أن يدفع التهمة عن نفسه، وهل له أن يحلف على ذلك دون أن يستحلف؟ نعم، له أن يحلف على ذلك دون أن يستحلف إذا كان صاحبه لا يقتنع إلا بمثل ذلك، فلو أن رجلا أحسست أنه يظن أنك قد نممت به إلى أحد من الناس تحس ذلك من نصرفه أو من صفحات وجهه أو ما أشبه ذلك، فقلت له: إن بعض الناس يظن كذا وكذا أنني فعلت ولكن لم أفعل وأقسمت على ذلك، فلا بأس لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ثم قال:
١٤ -
стр. 78
وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم". متفق عليه.
الأول: الإعراب: "الذي يشرب": مبتدأ، وخبره جملة: "إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" أما الحديث فأخبر الرسول ﵊ بهذه الصيغة المركبة من مبتدأ وخبر وهي جملة اسمية، أن الذي يشرب في إناء الفضة له هذا الوعيد يجرجر في بطنه نار جهنم.
والجرجرة: هي صوت الماء إذا سلك مسلكه سواء كان مع المريء أو كان في الأمعاء كما يدل الرسول عليه "في بطنه"، ما قال: في حلقه، والماء معروف أن يتخلل في البطن مع الأمعاء، الجرجرة: هي الصوت، وقوله: "نار جهنم" هل هذا بيان للعمل أو للجزاء؟ للجزاء؛ لأن العمل ماء قد يكون باردا؛ لكن الجزاء هو هذا، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلاما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ [النساء: ١٠]. هذا بيان للجزاء، وأطلق الجزاء على الفعل؛ لأنه بسببه.
في هذا الحديث: دليل على أن الشرب في إناء الفضة من كبائر الذنوب، وجه ذلك: حيث رتب عليه وعيد فهو من الكبائر، وتختلف الكبائر عن الصغائر؛ لأنها - أي: الكبائر- لا تكفرها العبادات كالصلاة والصوم وما أشبه ذلك، بل لابد لها من توبة خاصة، وأيضا الكبيرة تخرج الإنسان من العدالة بمجرد فعلها؛ أي: يكون مردود الشهادة غير نافع للولاية حتى يتوب.
ومنها: أن من الأمة من قال: إن فاعل الكبيرة كافر، وإن كان القول ضعيفا، لكن لم يقل أحد من الأئمة - فيما أعلم-: إن فاعل الصغيرة يكون كافرا، إذن الكبيرة أعظم، وهل الكبائر تختلف؟ نعم، لحديث أبي بكرة أن النبي ﷺ قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر"، فهي تختلف و [هل] من فوائد هذا الحديث: أن الأكل في آنية الفضة من كبائر الذنوب؟ ننظر إذا حرم الشرب هل يحرم الأكل؟ نعم، إلحاق الأكل بالشرب في التحريم ليس عندنا فيه شك، لكن الجزاء هل يكون في القياس، ونقول: إنه إذا جوزي الشارب في آنية الفضة بهذا الجزاء لزم أن يجازى به الآكل في آنية الفضة أو نقول: إن الجزاء قد يكون على حسب الأعمال ظاهرا؛ لأن هناك أعمالا ظاهرها أنها لا تبلغ هذا المبلغ في العقوبة، ولكن يعاقب عليها كثيرا، وهناك أعمال ظاهرها أنها لا تبلغ هذا المبلغ في الثواب عليها ويكون عليها ثواب كثير، بمعنى: أن الجزاء لا يلزم أن يكون مطابقا للحكم هذا لا شك أنه أسلم للإنسان أن يقول: إن الأكل في آنية الفضة محرم قياسا على الشرب، وهذا حكم شرعي. أما الحكم الجزائي: وهو أن الذي يأكل
стр. 79
في آنية الفضة يبتلع نار جهنم، فهذا يحتاج إلى توقيف، والسلامة أسلم، يكفي المؤمن أن يقال: إنه محرم.
ومن فوائد هذا الحديث: ما ذكرناه سابقا أنه يدل على جواز استعمال الفضة في غير الشرب والأكل، ويدل لهذا أن أم سلمة ﵂ نفسها كان عندها شعرات من شعر النبي ﵊ في جلجل من فضة، والجلجل: أصله الجوس؛ لأنه يتجلجل، لكنه يطلق على إناء صغير مثل الجرس، وهو موجود الآن أوعية صغيرة للكحل تشبه الجرس من بعض الوجوه، فكان عند أم سلمة جلجل من فضة في شعرات من شعر النبي ﷺ يستشفى بها المرضى، إذا مرض أحد أرسلوا إلى أم سلمة بماء، فصبته في هذا الجلجل الذي فيه الشعرات، ثم حركته ثم أعطته أهل المريض ويشفى بإذن الله؛ لأن هذا من آثار الرسول ﷺ وهذا خاص به، كما كانت أسماء بنت أبي بكر ﵂ عندها جبة للرسول ﵊ هي مكفوقة بالحرير والديباج، وكانت الجبة عند عائشة فلما توفيت عائشة ﵂ أخذتها أختها أسماء، وكانوا يستشفون بها للمرضى؛ لأنها من آثار الرسول ﷺ .
وبالمناسبة: ذكرت لكم أمس أو قبل أمس، أن أسماء أرسلت إلى ابن عمر تقول: إنه بلغني أنك تحرم العلم في الثوب - يعني: علم الحرير- وأنك تحرم ميثرة الأرجوان، وأنك تحرم صوم شهر رجب كله، الأرجوان: لون أحمر، والميثرة: وطاء يربط على ظهر الحمار من أجل أن يكون ألين للراكب وهي البرذعة، أرسلت إليه مولاها قال: أما ما ذكرت عن صوم رجب فكيف بمن يصوم الدهر كله؛ أصوم الدهر كله كيف أحرم شهر رجب؟ ! إذن صار القول بأنه يحرمه كذب. وأما ما ذكرت من العلم فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت النبي ﷺ يقول في الحرير: "إنما يلبسه من لا خلاق له"، وإني خفت أن يكون العلم من ذلك؛ فإذن تركه احتياطا وورعا ولم يحرمه. وأما ما ذكرت من الميثرة - ميثرة الأرجوان- فهذه ميثرة عبد الله - يعني: نفسه- فإذا هي أرجوان، فيكون قد حرمها أو أحلها؟ أحلها، فانظر إلى السلف الصالح كيف يتأدب بعضهم مع بعض، ولا يذهب إذا نقل عن شخص ما لم يقله يذهب ينشره بين الناس، لا بل أرسلت إليه تسأله، وتبين أن ما نسب إليه ليس بصحيح، هذه لعلها تكون فائدة أفيد بكثير من الدروس، نحن نقول الآن أم سلمة ﵂ لها جلجل من فضة يستشفى به، وسقنا حديث أسماء بنت أبي بكر من أجل الجبة لما قال لها مولاها: إنه خاف أن يكون العلم داخلا في تحريم
стр. 80
الحرير، أخرجت الجبة التي كان الرسول ﷺ يلبسها وإذا أكمامها فيه الحرير وجيبها فيه الحرير، وفيها أيضا لينة من حرير. قالوا: اللينة: عبارة عن قطعة من الحرير ترفع عند الجيب، وقالوا: إنهم كانوا يستشفون بها للمرضى.
حكم اتخاذ أوعية من جلود الميتة:
١٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دبغ الإهاب فقد طهر". أخرجه مسلم، وعند الأربعة: "أيما إهاب دبغ".
١٧ - وعن سلمة بن المحبق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "دباغ جلود الميتة ظهورها". صححه ابن حبان.
١٨ - وعن ميمونة ﵂، قالت: مر النبي ﷺ بشاة يجرونها، فقال: لو أخذتم إهابها؟ فقالوا: إنها ميتة، فقال: "يطهرها الماء والقرظ". أخرجه أبو داود والنسائي.
هذه أحاديث في حكم الجلود التي تكون من ميتة، هل تطهر بالدباغ أو لا؟ تطهر، وأتى بها المؤلف في هذا الباب؛ لأن الجلةود تتخذ أوعية للماء والسمن وغير ذلك.
الأول: قال النبي ﷺ : "إذا دبغ الإرهاب فقد طهر" الإهاب: هو الجلد ما لم يدبغ، فيقول: "إذا دبغ الإهاب"، يعني: الجلد قبل دبغه إذا دبغ فقد طهر، وهذا لا شك أنه يعني بها الجلد النجس؛ لأن قوله: "فقد طهر" بعد ذكر الدبغ يدل على أنه كان قبل الدبغ نجس، إذن الرسول ﵊ يتحدث عن الجلود النجسة إذا دبغت هل تطهر أو لا، فالحديث يدل على أنها تطهر، والإهاب هنا اسم جنس محلا ب"أل" فيكون للعموم، ويؤيد العموم اللفظ الذي ذكره عند الأربعة: "أيما إهاب دبغ فقد طهر". ووجه لك - أنه يؤيد العموم-: أن "أيما إهاب" أداة شرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، إذن أي إهاب دبغ فإنه يطهر، وكذلك أيضا دباغ جلود الميتة طهورها يدل على أن الميتة إذا أخذت جلودها ودبغت فإنها تطهر.
وحديث ميمونة أن النبي ﷺ مر بشاة يجرونها فقال: "لو أخذتم إهابها" فقالوا: إنها ميتة، فقال: "يطهرها الماء والقرظ". القرظ: حب ينبت في الأثل ونحوه يدبغ به، فقال: "يطهرها الماء والقرظ"، وهذه يعرفها الدباغون.
стр. 81
إذا نظرنا إلى الأحاديث الثلاثة الأول قلنا: إن الحديث عام، وإن أي إهاب نجس يدبغ؛ فإنه يطهر سواء كان هذا الإهاب مما يؤكل لحمه، وكان سبب نجاسته أن البهيمة ماتت أو مما لا يؤكل.
وإذا نظرنا إلى حديث ميمونة وجدنا أن الحديث فيما يؤكل لحمه، ولكن هل نقول: إننا نربط العموم بالسبب، أو نقول: إن ذكر فرد من أفراد العموم لا يقتضي التخصيص؟ هذا محل خلاف بين العلماء؛ منهم من يقول: كل جلد دبغ فإنه يكون طاهرا سواء كان مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل، وبناء على هذا القول لو دبغ جلد الكلب صار طاهرا، جلد الذئب صار طاهرا، جلد الأسد صار طاهرا، جلد الثعبان صار طاهرا، كل جلد يدبغ يكون طاهرا، وبهذا أخذ كثير من العلماء ومنهم الظاهرية، قالوا: كل جلد يدبغ فإنه يكون طاهرا، وهذا القول فيه نوع سعة للناس باعتبار أنه يوجد الآن خفاف كثيرة من جلود الثعابين أو غيرها مما يحرم أكله.
والقول الثاني: أن الجلد لا يطهر بالدباغ وهو مقابل الأول لا يطهر بالدباغ مطلقا حتى وإن كان جلد ما يؤكل، واستدلوا بحديث ضعيف أن النبي ﷺ كتب قبل أن يموت بشهر ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، لكن الحديث ضعيف ولا يدل على النسخ، ولكن هؤلاء قالوا: إنه إذا دبغ تخف نجاسته؛ فيجوز استعماله في اليابس دون الرطب، يعني: يجوز أن تجعله وعاء للحبوب، وعاء للأشياء اليابسة كالدراهم، كالثياب وما أشبه ذلك، أما الرطب فلا؛ لأنه على رأي هؤلاء لا يطهر بالدباغ هو نجس، والنجس إذا لاقى شيئا رطبا نجسه.
القول الثالث: أنه يفرق بين جلود البهيمة التي تباح بالذكاة، وجلود البهيمة التي لا تباح بالذكاة، فجلود البهيمة التي تباح بالذكاة تطهر بالدباغ، وجلود البهيمة التي لا تحل لذكاة لا تطهر بالدباغ.
مثال الأول: جلد الشاة، لو أن شاة ماتت، وسلخوا جلدها ودبغوه، صار الجلد طاهرا يستعمل في اليابس والرطب، في الماء واللبن وكل شيء، ولو أن ذئبا قتل أخذ جلده ودبغ، فإنه لا يطهر يكون نجسا، وعللوا ذلك بأنه إذا كانت الذكاة لا تحل هذا الذئب ولا تطهره، فالدباغ من باب أولى ألا يطهر جلده بخلاف الشاة ونحوها، وهذا القول وسط، يعني: خلاصته
стр. 82
أنه إذا دبغ جلد الميتة التي تحل بالذكاة فإنه يطهر، وإذا دبغ جلد البهيمة التي لا تحل بالذكاة فإنه يبقى على نجاسته، لكن يستعمل في اليابس؛ لأنه إذا استعمل في اليابس فإن نجاسته لا تتعدى، وألفاظ الحديث كما رأيتم، لكن قلنا: هل نحمل "أيما إهاب دبغ" أو "إذا دبغ الإهاب" على سبب الحديث الخاص ونقول: إن قوله: "الإهاب" يعني: إهاب الشاة ونحوها؛ لأنه قال ذلك حين مروا بالشاة التي يجرونها، ونظير ذلك: أن الرسول ﷺ رأى زحاما قد ظلل عليه وهو مسافر في رمضان فقال: "ما هذا؟ " قالوا: صائم، قال: "ليس من البر الصيام في السفر".
الحديث الآن عام أو غير عام؟ "ليس من البر الصيام في السفر" هو عام، والسبب خاص، فهل نقول: إنه يختص بمن كانت هذه حاله أو هو عام؟ الجواب: يختص بمن هذه حاله لمن إذا صام شق عليه مشقة شديدة كهذا الرجل فيكون صومه من غير البر، كذلك هنا لما رأى شاة قال: "إذا دبغ الإهاب" يعني: إهاب الشاة ونحوها. "فقد طهر" وحينئذ يكون عاما في مثل الحال التي رآها الرسول ﵊ أي عام بالنسبة للشاة وما يذبح؛ لأنه إنما قال ذلك حين رأى الشاة التي تجر.
أسئلة:
- ما الذي يتبين لنا مما سبق في الأحداث في حكم الشرب، يعني: في الذهب والفضة أمن الكبائر أو من الصغائر؟ من الكبائر، لماذا؟ لأنه ترتب وعيد عليه.
- لو شرب في آنية الماس؟ جاز، أيهما أغلى؟ الماس، كيف يكون جائزا؟ لأن الحديث ذكر الذهب والفضة فما عداهما عي الإباحة.
إذا قدر أن استعمال الماء لهذا القدر المعين من الإسراف، يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز، الدليل قوله: ﴿ ... ولا تسرفوا ... ﴾.
كيف اختلف العلماء في حكم طهور جلد الميتة؟ ثلاثة أقسام بناء على القول بأن كل إهاب دبغ فإنه يطهر، لو دبغ الإنسان جلد حمار؟ يطهر ويستعمل في كل شيء.
وعلى القول بأنه لا يطهر لو دبغ جلد شاة ميتة؟ القول الراجح عندي: أنه لا يطهر إلا ما تحله الذكاة؛ أي: لا يطهر جلد ميتة إلا إذا كانت تحل بالذكاة؛ لأنه يكون كالثوب إذا تنجس فطهر، وأما ما كان نجس العين من أصل الخلقة فلا يطهر بالدباغ. هذا أقرب الأقوال عندي، والله أعلم.
стр. 83
حديث ابن عباس من فوائده: أن دبغ الجلد يطهره لقوله: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر"، ولكن يشترط في الدباغ أن يكون مزيلا للنتن والرائحة الكريهة، أما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يؤثر شيئا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أن أي إهاب دبغ فقد طهر حتى لو كان إهاب كلب، ولكن الراجح: أن هذا العموم يكون عموما معنويا على حسب الوصف الذي ورد عليه فلا يخص بذلك الجلد، أي: جلد الشاة المعينة، فالعموم نوعان: عموم لكل جلد، وعموم في جلد مقيد لصفة، فهنا إذا دبغ الإهاب ما دمنا عرفنا أن سبب ذلك أن الرسول ﷺ مر بشاة يجرونها، فمعلوم أن الشاة مما تحله الذكاة، فيكون المراد إذا دبغ الإهاب الذي من جنس الشاة فقد طهر.
فإذا قال قائل: كيف تخصصون الجلد أو النوع واللفظ عام؟
قلنا: نظيره أن النبي ﷺ رأى رجلا قد ظلل عليه وزحاما حوله، وكان في سفر فقال: "ما هذا؟ " قالوا: صائم، قال: "ليس من البر الصيام في السفر" أي: ليس من البر الصيام في السفر فيمن كان حاله كهذا الرجل، بدليل أن الرسول ﷺ كان يصوم في السفر، حتى قال أبو الدرداء ﵁: كنا مع النبي ﷺ في رمضان في يوم شديد الحر، وأكثرنا ظلا صاحب كساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة، ومعلوم أن الرسول ﵊ لا يدع البر ولا يفعل ما ليس ببر، وعلى هذا فيتعين أن يكون هذا العموم عاما في جنس من هذه حاله، وهذا لا ينافي قول العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأننا الآن لم نخصصه بالسبب، لو خصصناه بالسبب لقلنا: ليس من البر صيام هذا الرجل فقط، لكنا عممناه في جنسه، وهذا هو معنى قولنا: بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فعلى هذا يكون قوله: "إذا دبغ الإهاب". أي إهاب؟ إهاب هذا الجلد، يعني: الغنم، والغنم مما تحله الذكاة.
ومن فوائد إتيان المؤلف ﵀ بلفظ الأربعة أصحاب السنن: "أيما إهاب": الإشارة بأن الأول في قوله: "الإهاب" في اللفظ الأول للعموم، حتى لا يقول قائل: إن "أل" للعهد "إذا دبغ الإهاب"، يعني: إهابكم هذا، وحينئذ نستفيد من هذا اللفظ ما استفدناه أولا أن الإهاب - أي إهاب كلن- من هذا النوع أو من هذا الجلد فإنه يطهر.
стр. 84
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى أن النجاسة يراد إزالتها بأي مزيل، ولذلك لم يجعل النبي ﵊ أداة للتطهير في الجلد - جلد الميتة- إلا الدباغ، فلو أنك غسلته بماء البحر لم يطهر حتى يدبغ؛ لماذا؟ لأن النجاسة لا تزول إلا بهذا، فعلم من ذلك: أن المقصود بالتطهير من النجاسات هو إزالتها بأي سبب، يتفرع على هذه الفائدة ما يوجد الآن من غسيل الثياب في الأبخرة كثياب الصوف، فإذا غسلتها بالبخار وزالت النجاسة تطهر، وهذا هو ما دلت عليه السنة، وهو أيضا ما دل عليه النظر؛ حيث إن النجاسة عين خبيثة متى وجدت فحكمها باق، ومتى زالت فحكمها زائل.
ومن فوائد حديث سلمة بن المحبق ما سبق: أن جلود الميتة دباغها تطهير لها.
ومن فوائد حديث ميمونة: حرص النبي ﷺ على حفظ المالية وعدم إضاعة الأموال؛ حيث عرض عليهم أن يدبغوا جلد هذه الميتة حتى ينتفعوا بها، ولهذا قال: "لو أخذتم إهابها".
ومن فوائد الحديث: حسن دعوة النبي ﷺ حيث لم يباشر أمرهم بأخذه؛ لأنه يعلم أنهم تركوا ذلك استقذارا لها فلهم نوع من العذر، ولهذا عرض عليهم المسألة عرضا قال: "لو أخذتم إهابها".
ومن فوائد الحديث أيضا: أن النبي ﷺ كان يعلم الغيب؛ ولتنظر لهذه الفائدة لقولهم: "إنها ميتة"، فهل يصح أن تأخذ هذه العلة من الحديث لأن الصحابة أخبروه؟ في هذا نظر، لكن فيه دليل على جواز مجادلة العالم الذي يخشى أن يكون خفي عليه بعض الشيء وتنبيهه ولا يعد هذا تنقصا له، ولا يعد هذا سوء أدب ممن ناقشه، الدليل على هذا قولهم: إنها ميتة لما قال: "لو أخذتم إهابها" وذها عرض منه ﷺ أن يأخذوه، قالوا: إنها ميتة، كيف نأخذه.
ومن فوائد هذا الحديث: أن دباغ الجلد - جلود الميتة- يطهره لقوله: "يطهرها الماء والقرظ"، ويتفرع على ذلك أنه يجوز استعماله في اليابسات والمائعات، وفي الألبان وفي المرق، وفي كل شيء.
فإن قال قائل: هل يجب علي إذا أتيت باللبن من سقاء جلد ميتة مدبوغ أن أخبر من أسقيه أو لا يجب؟ لا يجب حتى لو علمت أنه لو علم بذلك لن يشرب؟ الظاهر: نعم، حتى لو علمت؛ لأن ذلك لا يضره، أما لم أخف عليه شيئا يكون ضارا له، ونظيره ما مر علينا في مسألة الذباب، لو سقط الذباب في الشراب وغمسته وأخرجته، ثم قدمته لإنسان يشرب، وعرفت بأن هذا الإنسان لو علم بأنه لو سقط فيه الذباب ما شرب هل يجب أن أخبره؟ لا يجب ما دام الشيء لا يضر فإنه لا يجب؛ لأن هذا إنما يستقذره لو علم به، وإذا لم يعلم فالأمر طبيعي، ثم قال:
стр. 85
حكم الأكل والشرب في آنية الكفار:
١٩ - وعن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قلت يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: "لا تأكلوا فيها، إلا ألا تجدوا غيرها، فاغسلوها وكلوا فيها". متفق عليه.
قوله: "إنا بأرض قوم أهل كتاب" يعني بهم: اليهود أو النصارى، لكن الظاهر أن المراد: النصارى؛ لأنهم كانوا - فيما أظن- في أطراف الشام.
وقوله: "إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم" مثل هذه العبارة ترد كثيرا في القرآن الكريم "أفنا" وهي أن يؤتى بالهمزة وبعدها عاطف وبعدها معطوف، فكيف يكون التقدير؟ لعلماء النحو في ذلك وجهان:
الوجه الأول: أنهم يقولون: إن "أفنأكل" معطوفة على ما سبق، وأن الأصل فأناكل" الأصل الهمزة قبلها فاء، فيكون التقدير بعطف جملة إنشائية على جملة خبرية، وهذا لا مانع منه.
والوجه الثاني: يقولون: إن الهمزة داخلة على محذوف مقدر بما يناسب السياق، هذا القول أقعد من الأول؛ أقرب للقواعد من الأول، لكن فيه صعوبة، ووجه الصعوبة: أن الإنسان قد يشكل عليه المقدر فيقول: ماذا أقدر؟ أحيانا يستعصي عليك أن تقدر شيئا معينا، وحينئذ تلجأ إلى القول الأول، وعلى هذا فنقول: إن أمكنك أن تقدر شيئا محذوفا بعد الهمزة عطف على ما بعد العاطف فهذا أولى، وإذا لم يمكن فعليك بالقول الثاني؛ لأن الإنسان إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم، فإذا استعصى عليك أن تقدر شيئا مناسبا فقل: الهمزة كان مكانها قبل الفاء، والفاء هي التي عطفت الجملة وليس فيه إلا عطف جملة إنشائية على جملة خبرية.
هنا ماذا نقدر إذا أخذنا بالقول الثاني هل نقدر "أنخالطهم فنأكل في آنيتهم" ماذا نقدر؟
نقدر: "أنخالطهم فنأكل في آنيتهم" أو "أنستعير منهم فنأكل في آنيتهم" أو ما أشبه ذلك، وقوله: "آنيتهم" سبق أن "آنية" جمع إناء، وهو الوعاء، فقال النبي ﷺ : "لا تأكلوا فيها إلا ألا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها" فاشترط النبي ﷺ شرطين:
الشرط الأول: ألا نجد غيرها.
والشرط الثاني: أن نغسلها ونأكل فيها، ومعلوم أننا لو غسلناها مع وجود غيرها جاز لنا أن نأكل فيها؛ لأنها أصبحت طاهرة، وقد ذكر بعض العلماء ﵏ أن سبب ذلك أنهم كانوا يطبخون في آنيتهم الخنزير ويشربون فيها الخمور، والخنزير معلوم أنه نجس، والخمر على رأي هؤلاء نجس، ولكن هذا من حيث الأثر لم يثبت، ثم إنه لو ثبت لقلنا: وإذا كانوا
стр. 86
يأكلون الخنزير، وإذا كانوا يشربون الخمر وغسلناها هل يشترط ألا نجد غيرها فنستعملها أو لا يشترط؟ لا يشترط؛ ولهذا سنبين - إن شاء الله- التعليل الصحيح في هذه المسألة بعد الكلام على الفوائد.
من فوائد هذا الحديث: جواز مساكنة أهل الكتاب لقوله: "إنا بأرض قوم أهل كتاب"، ولكن هل هذا على إطلاقه؟
الجواب: لا، لأنه قد دلت النصوص على وجوب الهجرة على من لا يستطيع إظهار دينه، وظاهر الحديث: أن أبا ثعلبه ﵁ يستطيع أن يظهر دينه ويتميز المسلمون عن الكافرين، لكن لو لم يتميزوا ولم يظهر دينه حرم عليه كما قال تعالى: ﴿إن الذين توفهم الملئكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين﴾ [النساء: ٩٧، ٩٨].
إذن نقول: في هذا الحديث دليل على جواز مساكنة أهل الكتاب في أرضهم لكن مشروط بأن يكون قادر على إقامة دينه، وإلا وجبت عليه الهجرة.
ومن فوائد هذا الحديث: حرص الصحابة ﵃ على السؤال وقوة ورعهم حتى إنهم سألوا عن هذه المسألة الخفيفة، وهكذا ينبغي للإنسان أن يسأل عن كل ما يشكل عليه، وأما كونه يسكت ويقول: إن كان حراما فالله غفور رحيم، أو يتلو هذه الآية: ﴿ولا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١]. فهذا حرام لا يجوز.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز استعمال أواني الكفار إلا بشرطين ولو أخذنا بظاهر الحديث لقال قائل: إنهم لو دعوك فلا تأكل في آنيتهم، ولكن هذا الظاهر غير مراد بلا شك؛ لأن النبي ﷺ أكل في آنيتهم، فقد دعاه غلام يهودي إلى خبر شعير وإهالة سنخة وأكل.
فيكون معنى: "أفنأكل في آنيتهم": إذا استعرناها منهم لا إذا دعونا إلى الأكل فأكلنا.
ومن فوائد هذا الحديث: حرص النبي ﵊ عن مباعدة المسلم لغير المسلم، يعني: أنه أمر بألا نأكل، بل نهى أن نأكل في آنيتهم إلا إذا لم نجد غيرها، وأيضا نغسلها خوفا من أن نتلاصق بهم ونتعاور، والأواني يأتون إلنا يستعيرون ونأخذ منهم؛ لأنه كلما أبعد الإنسان عنهم فهو خير له بلا شك.
هذان القيدان يوجبان للإنسان ألا يستعمل الأواني؛ لأنه قل من لا يجد الإناء؛ يعني: صاحب بيت يمكن ألا يكون عنده أواني؟ هذا قليل جدا أو نادر، ثم إذا لم يكن عنده شيء
стр. 87
واستعار من أهل الكتاب، ولو كان يرى أثر الماء غسلا فيها، نقول: لا تأكل فيها حتى تغسلها، إذن هذا فيه نوع تضييق على استعمال أواني الكفار، إذا كان عندي أواني لكنها لا تليق بالضيوف الذين نزلوا علي، يعني: أواني قديمة، أواني صغيرة، أواني متكسرة، وعند رجل كافر أواني تليق بي، هل في هذه الحال يجوز أن آخذ أوانيهم على ظاهر الحديث؟ يعني: بما أن الرسول أمر بإكرام الضيف أكون هنا ملجا إلى استعارة الأواني الفخمة من هؤلاء لإكرام الضيف، أو نقول: اتقوا الله ما استطعتم؟
الجواب: اتقوا الله ما استطعتم، وما دام الرسول ﵊ يقول: " لا تأكلوا فيها إلا ألا تجدوا"، فأنا واجد الآن أقدم للضيف وأقول: يا إخواني، اعذروني وسامحوني ليس عندي غير هذه الأواني، الظاهر أنه إذا خلص بمعذرة عن الضيف بمثل هذا فإنه يعتبر واجد غيرها، أما إذا لم يمكن فلكل مقام مقال.
ومن فوائد هذا الحديث: أننا إذا رأينا ما عليه الناس اليوم من مخالطة الكفار، والأكل في أوانيهم، وإعطاء الأواني لهم، وجلب المودة منهم؛ نأسف أسفا كثيرا، ولهذا نجد هؤلاء الذين يخالطون هذه المخالطة التامة ربما يحبون الواحد منهم أكثر مما يحبون المسلم وهذه خطيرة جدا، ولذلك يجب أن نباينهم وأن نبتعد عنهم، وأن نعطيهم حقهم الذي لهم إذا كانوا جيرانا لنا نعطيهم حق الجيرة، قرابة تعطيهم حق القرابة، إذا كانوا محتاجين نساعدهم، إذا كانوا لا يقاتلوننا في الدين ولا يخرجوننا من بيوتنا.
مناسبة الحديث لباب الآنية: أن آنية الكفار وإن كان الأصل فيها أنها حلال، لكن لما كانت لهم صارت حراما إلا إذا لم نجد غيرها، فإننا نغسلها ونأكل فيها، فما رأيكم فيما لو كانوا يؤخرون الأواني، يعني: ليست عارية حتى لا يكون لهم منة علينا لكن يؤجرونها؛ إنسان مثلا صاحب متجر كبير من جاءه يستأجر منه أعطاه، هل يدخل في الحديث، أو نقول في هذا الحديث لا نأخذ وكفى طردا عن مخالطته، والأجرة التي يأخذها؟ في هذا توقف عندي؛ لأنك إذا نظرت إلى أنه يؤجر عليك، وأن الأجرة التي سيستلمها قد تكون مانعا من استعمال أوانيهم، نقول هنا: لا بأس أن تستأجر منهم، إذا قال قائل: لو أعاروك سيارة ليست أواني هل نقول لا تقبل إلا إذا لم تجد غيرها؟ الظاهر: لا؛ إذا علمنا أنهم سيمنون علينا، أو يستذلوننا بذلك، فلا يجوز أن تقبل إذا كنا نعرف أنهم سيمنون علينا أو يستذلوننا بذلك؛ لأننا نحن أعزاء بديننا فلا نقبل الدنية ونحن - والحمد لله- قادرون على ألا يلحقنا منهم منة.
٢٠ -
стр. 88
وعن عمران بن حصين ﵁: "أن النبي ﷺ وأصحابه توضئوا من مزادة امرأة مشركة". متفق عليه، في حديث طويل.
هذا الحديث أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه مطولا، وفيه: أن النبي ﵊ كان مع أصحابه، وأنهم أصابهم عطش، وأنه أرسل رجلين يستقيان، فوجدا امرأة على بعير لها بين مزادتين، والمزادة: هي قربتان يخاط بعضهما ببعض ويجعل بينهما صفيحة من أجل أن تحمل ماء أكثر، فسألاها عن الماء. قالت: عهدي بالماء أمس مثل هذه الساعة، يعني: بينهم وبين الماء يوم وليلة، فدعواها إلى أن تأتي رسول الله صلى الله عليه سلم وقالا: اذهبي إلى الرسول ﷺ : قالت: من الرسول ﷺ أو هم الصابئ؛ -لأن المشركين يسمونه الصابئ، والصابئ: هو الذي خرج عن دين قومه-؟ فقالا: هو الذي تعنين، ولم يقولا هو الصابئ، أتيا بها النبي ﵊ وأنزلا المرأة والنبي ﵊ فتح أفواه المزادتين ونفث فيهما، ثم أمر الناس فاستقوا وشربت الإبل وكانوا نحو ثمانين رجلا أو أكثر، ثم أمر لها بطعام فجيء بطعام لها تمر وحب ودقيق، ثم أذن النبي ﷺ أن تنصرف إلى قومها ولم تنقص مزادتاها شيء، عادت كأنما هي بالأمس ثم ذهبت إلى قومها فسألوها لماذا تأخرت؟ قالت: صادفت كذا وكذا، وإني جئتكم من أسحر الناس، أو ممن هو صادق في قوله أنه نبي.
هذا هو الحديث وهو أطول مما ذكرت لكن هذه خلاصته، فصار الصحابة ﵃ يغزون ما حولها ولا يأتون صرمها؛ يعنى: قومها، وفي النهاية أسلموا ببركة ما حصل لها من الماء الذي سقي منه النبي ﷺ وأصحابه.
يقول: "توضئوا من مزادة امرأة مشركة"، عرفنا المزادة الآن أنها عبارة عن قربتين بينهما صفيحة، ومعلوم أن القرب مأخوذة من ذبائح المشركين، وذبائح المشركين ميتة؛ لأنه لا يحل من ذبائح غير المسلمين إلا ذبائح أهل الكتاب، وإذا كانت ميتة فهي نجسة، وإذا كان الرسول ﵊ وأصحابه توضئوا من هاتين المزادتين وهما جلود ميتة؛ لأن الذي ذكاها الكفار دل ذلك على أن الجلد - أعني: جلد الميتة- يطهر بالدباغ، ولولا ذلك لكان الماء نجسا وما جاز الوضوء به، ومن أجل ذلك ساق المؤلف هذا الحديث في باب الآنية.
يؤخذ من هذا الحديث فوائد منها: جواز استنزال صاحب الماء عند الضرورة؛ لأن الصحابة أتوا بها إلى الرسول ﵊ واستنزلوها وقالا: انزلي عن البعير، فنزلت وتصرفوا في مائها.
стр. 89
ومنها: آية من آيات الرسول ﵊، وذلك ببركة هذا الماء.
ومنها: أنه ينبغي إلى من صنع إليه معروفا أن يكافئ صاحبه؛ لأن النبي ﷺ كافأ هذه المرأة بأن أعطاها طعاما.
ومنها: طهارة جلد الميتة إذا دبغ، وهذا هو الشاهد من هذا الحديث، وهو الذي ساقه المؤلف ﵀ من أجله.
شك أنه من محاسن الدين الإسلامي، نحن نبغض المشركين وكل كافر، لكن إاذ صنعوا إلينا معروفا فعلينا أن نكافئهم، أخلاق الإسلام أعلى وأسمح من ألا يكافأ صاحب المعروف، وعلى هذا فمن صنع إلينا معروفا من دول الكفر مثلا فإننا نكافئه على معروفه، لكن بما لا يكون بيعا لديننا من أجله، بمعنى: أن نسلم من أن يضر ديننا شيء من أعمالهم، ولكننا لا نترك لهم المنة علينا بل نكافئهم.
هل نأخذ منها جواز مخاطبة المرأة؟ نعم، جواز مخاطبة المرأة الأجنبية، ولكن بشرط أمن الفتنة، وشرط آخر: الحاجة إلى مخاطبتها إلا من جرت العادة بمخاطبته من غير المحارم فلا بأس، فقد جرت العادة مثلا أن الرجل يخاطب زوجة أخيه ويسلم عليها إذا دخل وهي في البيت وهي أيضا تسلم عليه ولا يألو الناس بذلك بأسا.
و[هل] من فوائد هذا الحديث: جواز سفر المرأة وحدها؟ لا؛ لأنها مشركة إذن ليس فيه دليل، والمرأة المشركة لا تلزم بأحكام الإسلام إلا إذا أسلمت، على أن فيه احتمالا قويا جدا أن هذا قبل الأمر باتخاذ المحرم في السفر؛ لأن الرسول ﵊ إنما خطب ومنع السفر بلا محرم عند حجة الوداع، على كل حال: الجواب الأول مؤكد، والثاني فيه احتمال؛ لأننا لا نعلم التاريخ بالضبط، لكن الأول لا إشكال فيه وهي أن الكافر لا يلزم بأحكام الإسلام إلا بعد أن يسلم.
تضبيب الإناء بالفضة:
٢١ - وعن أنس بن مالك ﵁: "أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة". أخرجه البخاري.
"قدح" القدح: الإناء الذي يشرب به، وقوله: "انكسر" يحتمل أنه انكسر قطعتين، ويحتمل أنه انكسر؛ انشق، فاتخذ مكان الشعب، يعني: المكان المنكسر سلسلة من فضة. السلسلة:
стр. 90
ما تربط بها الأشياء، يعني: يربط بعضه إلى بعض من فضة، يعني: كالأسلاك من الفضة، وذلك من أجل أن يتلاءم القدح ويكون صالحا للاستعمال، ففي هذا الحديث مناسبة لباب الآنية، ولكن ليت المؤلف جعله بعد حديث أم سلمة ولم يفصل بينهما؛ لأن هذا يتعلق بالإناء الذي فيه شيء من الفضة.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد: أولا حرص النبي ﷺ على حفظ المالية ما دام يمكن حفظها؛ وجه ذلك: أنه لما انكسر قدحه لم يرم به، بل أصلحه واستعمله.
ومنها: أن هذا يعتبر ركنا من أركان الاقتصاد، وهو ألا يضع الإنسان شيئا من ماله يمكنه أن ينتفع به، ولهذا نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، والمال - كما تعلمون- جعله الله تعالى قياما للناس، تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، فلابد من أن يحافظ الإنسان على ماله؛ لأنه مسئول عنه، ولأنه به قيام دينه ودنياه كما قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ [النساء: ٥].
ومنها: تواضع النبي ﷺ ، حيث كان يشرب في الأواني ولو كانت مربوطة.
ومنها: أنه تجوز السلسلة من الفضة يربط بها الأواني، ولا يعد ذلك من الشرب في آنية الفضة؛ لأن العبرة بأصل الإناء، وهل يلحق بذلك العروة أو لا؟ يعني مثلا لو أن هذا الإناء يحتاج إلى عروة من فضة هل يجوز أو لا؟
نقول: أما إذا احتيج إليها فنعم، وأما إذا لم نحتج إليها فلا، وذلك أنه لا يتم القياس على هذه المسألة إلا إذا دعت الحاجة؛ لأن النبي ﷺ إنما اتخذ السلسلة لحاجته إليها، لم يتخذها زينة.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز مباشرة الفضة التي ربط بها الإناء عند الشرب وعند الأكل، وجه ذلك: أن أنسا لم يذكر أن الرسول ﵊ كان يتوقى مباشرة هذه السلسلة، قلت ذلك؛ لأن بعض العلماء ﵏ يقولون: يكره أن يباشر هذه السلسلة من الفضة؛ لأنه إذا باشرها صار مباشرا للفضة.
فنقول: أولا: لا دليل عليها، بل ظاهر الدليل أنه لا بأس؛ لأنه لم ينقل عن الرسول ﵊ أنه كان يتوقاها.
ثانيا: أن الشيء إذا أذن فيه كان مباحا، فما دام الشرع قد أذن فيه فإنه يكون مباحا، فمثلا إذا كان الإناء مربعا عند بعض الفقهاء يقول: لا تشرب من الربعة التي فيها شريط الفضة؛ لأنك تباشرها فيكره أن يباشر الفضة، والصواب خلاف ذلك لا بأس أن يباشرها.
стр. 91
وهل يقاس على شريط الفضة شريط الذهب، بمعنى: أنه لو كسر قدح الإنسان هل يجوز أن يربطه بشريط من الذهب؟
الجواب: لا يصح، لماذا؟ لأن الأصل مع استعمال الذهب والفضة في الأكل والشرب، وإذا كان هذا هو الأصل فإننا لا نخرج عن الأصل إلا بقدر ما جاءت به السنة، والسنة جاءت بالفضة دون الذهب هذا من وجه، ومن وجه آخر: أن الذهب أغلى من الفضة عند جميع الناس، فلا يمكن أن يلحق الأعلى بالأدنى، ولو كان ذلك واردا في الذهب لقسنا عليه الفضة، أما العكس فلا؛ لأن الذهب أغلى من الفضة فلا تقاس عليه.
ثم انتهى المؤلف من باب الآنية، وانتقل إلى باب إزالة النجاسة وبيانها، وهذا الترتيب ترتيب المؤلف، وكثير من العلماء رتب هذا الترتيب أي أنه لما ذكر الماء ومتى يتنجس ذكر بماذا يطهر، ونحن نقول: إن الماء إذا تنجس فإنه يطهر بعدة أشياء.
أولا: إذا زال تغيره، فإنه يطهر، وعرفتم فيما سبق أنه إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه صار نجسا، فإذا زال هذا التغير من طعمه ولونه وريحه صار طهورا سواء زال بفعل آدمي أو بطول مكثه أو بأس سبب من الأسباب متى زال تغير الماء النجس قليلا كان أو كثيرا صار طهورا، الدليل: أن النبي ﷺ قسم الماء إلى قسمين: طهور، ونجس؛ فما تغير بالنجاسة فهو نجس، وما لم يتغير بها فهو طهور، فنقول: الحكم يدور مع علته إذا وجد ما دام التغير باقيا فهو نجس، وإذا زال طهر. هذه واحدة.
ثانيا: يطهر بإضافة ماء إليه بان يضيف إليه شيئا من الماء حتى تزول نجاسته.
ثالثا: إذا قدرنا أن الماء كثير ونزح منه الجانب المتغير، وبقي الجانب الذي لم يتغير يطهر أو لا؟ نعم، يطهر هذه ثلاث وسائل لتطهير الماء، أما غير الماء فسيأتي - إن شاء الله- بل سبق تطهير الأرض بماذا؟ تطهر الأرض بصب ماء على وحل النجاسة، وإذا كانت النجاسة ذات جزم أزيل جزمه أولا، ثم صب الماء على أثره، أثر الجرم؛ يعني: لنفرض أن النجاسة التي وقعت على الأرض غائط ماذا نعمل؟ نزيل الغائط أولا ثم نصب الماء على أثره، دم جف ماذا نفعل؟ تزيل الدم أولا ثم نصب على أثره ما يزيل أثره.
مسألة مهمة:
يقول "باب إزالة النجاسة وبيانها"، وهنا نسأل هل يشترط في إزالة النجاسة النية؟ لا يشترط؛ لأنها ليست عبادة مأمورا بها بل هل قذر أمر بإزالته، فإذا زالت طهر المكان فلو قدر
стр. 92
أن إنسانا أصابت ثوبه نجاسة وهو معلق في السقف فنزل المطر وأزال النجاسة وهم لم يعلم هل يطهر؟ يطهر، وكذا لو سقط الثوب في بركة ماء وزالت النجاسة، فإن الثوب يطهر ولو بلا نية، وأما بيان النجاسة فسيأتي - إن شاء الله- بيانها، وهنا ينبغي أن نحصر أنواع النجاسة؛ وذلك لأن الأعيان الطاهرة أضعاف أضعاف أعيان النجاسة، وذلك بأن أصله قاعدة مهمة وهي أن الأصل في الأشياء الطهارة، فمن زعم أن شيئا من الأشياء نجس طالبناه بالدليل، وهذا أصل نافع، وهل يلزم من كون الشيء محرما أن يكون نجسا؟ لا يلزم، وهل يلزم من كون الشيء نجسا أن يكون محرما؟ نعم يلزم هذه أيضا قاعدة، قال:
٢٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الخمر تتخذ خلا؟ فقال: "لا". أخرجه مسلم والترمذي، وقال: حسن صحيح.
"سئل" يعني: الرسول ﵊، والسائل هنا مبهم لم يسلم، وهل نحن ملزمون بمعرفته؟ لا، المقصود معرفة الحكم الشرعي في هذه القضية - عن الخمر- الخمر: كل مسكر، كل مسكر فهو خمر من أي شيء كان، سواء كان من العنب، أو من التمر، أو البر، أو الشعير أو غيرها من الحبوب، كل مسكر فهو خمر، ولا يتحدد بشيء معين.
ولكن ما هو الإسكار؟ الإسكار: تغطية العقل على وجه اللذة والطرب والنشوة، ليس على وجه التعطيل؛ لأن العقل قد يغطى بتعطل أدواته، وقد يغطى بهذه النشوة والفرح العظيم والخيلاء واللذة التي عجز أن يملك عقله بسببها. هذا هو الإسكار؛ ولهذا لا نقول: إن البنج خمر؛ لماذا؟ لأنه صحيح يغطى العقل لكن لا على وجه اللذة والطرب، أما الخمر فإنه على وجه اللذة والطرب تجد الإنسان يصير مثل المجنون بل مجنون، ولا يخفى على كثير منكم ما يحصل للسكرى من اللغط والكلمات التي لو قالها في صحوة لكان كافرا، فهذا هو الخمر.
إذن الخمر له ضابط ما هو؟ كل ما أسكر فهو خمر، والإسكار: تغطية العقل على سبيل اللذة والطرب، "تتخذ خلا" الخل: هو الماء يمزج فيه شيء من التمر أو العنب أو ما أشبه ذلك مما يحيله ويجعله صالحا لأن يكون إداما، ومعنى "تتخذ خلا": أي تعالج حتى تنقلب بعد أن كانت خمرا فتصير خلا أيجوز هذا أم لا؟ فقال النبي ﷺ : "لا" لا يصح؛ وذلك لأن الخمر تجب إراقتها ولا يجوز اتخاذها، وإذا كان الرسول ﵊ منع اتخاذها لتكون خلا أو تخليلها، فاتخاذها من أجل أن يشربها مرة أخرى من باب أولى ولا إشكال في ذلك.
стр. 93
أسئلة:
- ما هي الآنية؟
- ما مناسبة ذكرها هنا في الطهارة؟ لأن الماء سائل ويحتاج إلى ما يحفظه.
- هل لها مناسبة في الذكر في موضع آخر؟ في الأطعمة والأشربة.
- استدل بهذا الحديث - يعني حديث الشرب في آنية الذهب والفضة- من قال إن الكفار لا يخاطبون بفروع شرائع الإسلام؟ ما وجه الاستدلال؟ هو إخبار عن واقع.
- هل لذلك نظير؟ من ذلك قوله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم ... " الحديث.
- في حديث أم سلمة الذي يشرب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه في نار جهنم هل لهذا الوعيد نظير في القرآن؟ قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتمى﴾ الآية.
- ثبت عن أم سلمة ﵂ أنها اتخذت جلجلا من فضة فهل نأخذ بروايتها أو نأخذ برأيها وعملها؟ نقول: هذا الرأي والعمل ليس مخالفا للرواية.
- هل يؤخذ من هذا أن رأي أم سلمة أن استعمال الفضة في غير الشرب جائز؟ نعم.
- هل لرأيها شاهد من فعل الصحابة ﵃؟ فعل حذيفة.
- ما سبب قول النبي ﷺ : "إذا دبغ الإهاب فقط طهر"؟ أنه رأى شاة ميتة يجرونها فقال: "لو أخذتم إهابها".
- هل يمكن أن تستدل بهذا العموم على أن كل إهاب دبغ وهو مما كان نجسا يكون طاهرا؟
- أبو ثعلبة الخشني ﵁ سأل هل يأكل في آنية أهل الكتاب أو لا؟ سأل من؟ سأل النبي صلى الله عليه سلم، بماذا أجابه الرسول؟ أذن له بشرطين: ألا يجد غيرها، وأن يغسلها.
لو قال لك قائل: هذا الشرط ينافي قوله تعالى: ﴿طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]. لأن طعام أهل الكتاب لابد أن يكون في أوانيهم فأباحه الشرع بدون غسل فما الجواب؟
معناها أنه ليس بينهما تعارض، وأن هذا غير هذا؛ فحديث ثعلبة فيما إذا أخذناها منهم استعارة أو نحوها، أما إذا كانوا هم المستولين على الآنية فلا بأس بذلك.
فيه قول آخر ولكنه ضعيف فيما أرى، وهو أن هذا قبل حل طعام أهل الكتاب، لأنه لا يلزم من ذلك أن نعرف المتأخر، والصواب الأول.
- لماذا اشترط النبي ﷺ هذين الشرطين؟ ليقلل الاختلاط بهم ويجعل عراقيل توجب الابتعاد عنهم.
- في حديث عمران ما هي المزادة؟ عبارة عن قربتين بينهما صفيحة.
-
стр. 94
لأي شيء ساق المؤلف هذا الحديث؟ لبيان جواز استعمال جلود ذبائح المشركين؛ لأن الدبغ طهرها.
- في حديث أنس في انكسار قدح النبي لماذا أتى به المؤلف في هذا الباب - باب الآنية-؟ ليبين جواز ربط الإناء بشريط من فضة.
- هل يقاس على هذا الذهب؟ -لا؛ لأن الأصل التحريم فيكتفي على ما جاء به النص فقط.
- لماذا ساق المؤلف حديث أنس في اتخاذ الخمر خلا؟
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
* إن هذا الباب يشتمل على شيئين:
الأول: إزالة النجاسة.
والثاني: بيانها، وكان المتبادر أن يبدأ أولا ببيان النجاسة ثم في كيفية إزالتها، لكنهم يقولون إن الواو لا تستلزم الترتيب ولا تنافي الترتيب، وهذا القول - على إطلاقه- فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ لما أقبل على الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ ثم قال: أبدأ بما بدأ الله به، لكن المؤلف ﵀ ترجم ذلك مع أنه بدأ في الخمر قال:
تحريم الخمر وأحكامها:
- عن أنس بن مالك ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الخمر تتخذ خلا؟ فقال: "لا".
الخمر: كل ما خامر العقل كما أعلنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: الخمر ما خامر العقل، أي: غطاها، وكيف يخامر العقل، أي: ما أسكر على وجه اللذة والطرب.
هذا الخمر إذا تناوله الإنسان سكر وصار له نشوة، وصار يتصور نفسه ملكا أو أفضل من المل، هذا هو الخمر. أما إذا غطى العقل على سبيل الإغماء وعدم الشعور فهذا ليس بخمر، ولا يحد شاربه بل ولا يعاقب شاربه عقوبة شارب الخمر، والخمر محرم في الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وتحريمه مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، ولهذا قال العلماء ﵏: من أنكر تحريمه وقد عاش بين المسلمين فإنه مرتد عن الإسلام؛ لأنه أنكر ما علم من الدين بالضرورة وكل من أنكر ما علم من الدين بالضرورة؛ فإنه يكون
стр. 95
مرتدا كما لو أنكر تحريم الزنا أو وجوب الصلوات الخمس أو ما أشبه ذلك فهو يحرم بالكتاب والسنة والإجماع.
وكذلك أيضا النظر والعقل يقتضي أن يكون محرما، لأنه يلحق صاحبه بالمجانين والعياذ بالله ولهذا يطلق نساءه، وربما يقتل أولاده، وربما يفعل الفاحشة في أهله، وقد قرأت قبل سنوات كثيرة في - مجلة لا أحب أن أذكر من أين هي صادرة- أن شابا دخل على أمه في الساعة الواحدة ليلا - أي: بعد منتصف الليل - وراودها عن نفسها يريد أن يفعل بها الفاحشة - والعياذ بالله- فأبت عليه، فأخذ السكين وهددها، وقال: إن لم تمكنيني من نفسك فإني أقتل نفسي، فأدركتها الشفقة فمكنته من نفسها - والعياذ بالله- فزنى بها، انتهى من الزنا، ولما أصبح كان ضميره أشهره بذلك فجاء إلى أمه، فقال لها: يا أمي، أفعلت كذا وكذا؟ قالت" لا، خوفا عليه، فأقسم عليها إلا أن تخبره فأخبرته، ثم انطلق منها وأخذ وعاء من الجاز وصبه عليه وأحرق نفسه - والعياذ بالله- فانظر شرب الخمر وزنى بالأم وفي النهاية قتل نفسه، ولهذا جاء في الحديث تسميتها بأم الخبائث، ومفتاح كل شر.
فالعقل يؤيد الشرع في تحريم الخمر، ولكن الناس قد اعتادوها، اعتادوها بإحلال الله لها حيث قال تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ [النحل: ٦٧].
سكرا: متعة السكر، ﴿ورزقا حسنا﴾: بيعه وشرابه ونقله وما أشبه ذلك، وهذا يدل على أن كان حلالا بالنص، ثم إن الله تعالى عرض بالمنع فقال: ﴿يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيها إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩].
لما قال الله ﵎ هذا فإن العاقل سوف يتجنبهما ما دام إثمهما أكبر من نفعهما فالعاقل لا يرتكب الأكبر من الإثم من أجل منفعة قليلة هذه هي المرحلة الثانية.
المرحلة الثالثة: قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء: ٤٣]. و"حتى" هنا يحتمل أن تكون تعليلية، ويحتمل أن تكون غائبة.
المعنى: لا تقربوها حتى تصحوا، هذا إذا كانت غائبة أو تعليلية؛ يعني: إنما نهياكم عن ذلك لتعلموا ما تقولون في صلاتكم، فهي صالحة لهذا وهذا.
إذا امتثل المسلمون هذا - والحمد لله امتثلوا- فإنه سوف يمضي وقت كبير من أوقاتهم لا يشربون فيه الخمر. كم أوقات الصلوات؟ خمس صلوات يحتاج إلى أن يمسك عن الخمر قبل دخل الوقت بمدة يمكنه فيها أن يصحو هذه مرحلة ثالثة.
стр. 96
الرابعة: في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل وليس فيها شيء مخصوص إطلاقا، قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلم رجس من عمل الشيطن فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠].
وانظر إلى التعليل لما أمر باجتنابه بين ما يترتب عليه وهو الفلاح، والفلاح كلمة جامعة لحصول المطلوب وزوال المكروه ﴿إنما يريد الشيطن أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١].
ماذا قال الصحابة في جواب هذا الاستفهام؟ قالوا: انتهينا. هذا إذا جعلنا ﴿فهل أنتم منتهون﴾ استفهاما، أما إذا جعلناها أمرا يعني استفهاما بمعنى الأمر يكون المعنى: فانتهوا كقوله تعالى: ﴿قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون﴾ [الأنبياء: ١٠٨]. أي: فأسلموا له.
على كل حال: الخمر محرمة بالإجماع، الخمر يمكن أن تتخلل إما بمعالجة، وإما بنفسها، إن تخللت بنفسها فهي حلال على قول جمهور العلماء حتى عند القائلين بأن النجاسة بالاستحالة لا تطهر، يرون أن الخمر إذا تخللت بنفسها فإنه تكون طاهرة، إن خللت بعلاج من فعل الآدمي بعد أن تخمرت فهذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إن كانت الخمر تخللت فلا بأس؛ لأننا لو حرمنا التخليل على الخلال لضاع له بذلك مال كثير فيباح له تخليلها للضرورة، أي: ضرورة الإبقاء على ماله. أتعرفون من الخلال؟ الذي يبيع الخل يصنعه ويبيعه، وإن كان غير حلال وهذا بعد أن صارت خمرا فإنها لا تحل، كذلك أيضا قال بعض العلماء: إن خللها من يحل له شربها في دينه فهي حلال لغيره ولو كان الغير لا يرى حلها في دينه، مثل أن يخللها يهودي أو نصراني فيجوز للمسلمين أن يشوبوها بالخل؛ لأن الذي خللها ممن يرى حلها في دينه، أما إذا خللت قبل أن تتخمر بأن أضيف إليها شيء حامض أو خل خالص قبل أن تتخمر؛ فهذا حلال بالإجماع ولا إشكال فيه، والسؤال - سؤال النبي ﷺ عن الخمر بعد أن تخللت - تتخذ خمرا؟ قال: لا، أما إذا وضع فيها ما يمنع تخمرها فهذا لا بأس به باتفاق العلماء مثل أن يضع عليها شيئا حامضا يمنع تخللها لكن ما هي علامة الخمر؟ علامتها أنها إذا وصلت إلى حد معين بدأت تطيش وترتفع ويكون لها زبد حتى ربما يكون نصف الإناء يكون إلى قرب ملئ الإناء هذا هو علامة الخمر.
стр. 97
الخلاصة أن نقول: الخمر إذا تخللت بنفسها فما الحكم؟ فهي طاهرة حلال، حكاه بعضهم إجماعا حتى عند القائلين بأن النجاسة لا تطهر بالاستحالة إذا خللت بفعل آدمي فهنا أقسام:
أولا: أن يكون المخلل لها خلالا بحيث لو لم يفعل يتضرر، فهذا يرى بعض العلماء أنه جائز.
ثانيا: أن يكون المخلل لها من يرى حلها في دينه كنصراني أو يهودي يخلل خمرا فهذا جائز، يعني: يجوز للمسلم أن يشربها مأذونا فيه بحسب الشريعة عند المخلل، فأنا أيها المسلم إاذ وصلت إلي وهي خل حلال فلا تحرم.
والثالث: إذا خللها من لا يحل له تخليلها وهو المسلم، قلنا: إن كان قبل أن تتخمر فلا بأس، وإن كان بعده فهي حرام على أني رأيت بعض العلماء - لكن لم يذكر اسمهم- يرى أنه إذا خللها مسلم فهي حلال طاهرة ويكون المحرم فعله، أما هي في ذاتها وحقيقتها الآن فهي طاهرة ليس فيها شيء، لكن هذا فيه نظر مع صحة الحديث، وسيأتي إن شاء الله.
أسئلة:
- ما هي الخمر؟
- قوله "على سبيل اللذة والطرب" احترازا من أي شيء؟
- على "سبيل اللذة والطرب" هل يشمل المذوب والمأكول والمشموم؟
- ما معنى قوله: "تتخذ خلا"؟
- قال الرسول: "لا" هل تدل على المنع أو على الأولى؟
- بماذا تخلل؟
- هل يدخل في الحديث ما إذا خلطت بما يمنعها من التخمر؟
- ما هي الحكمة من المنع؟ لأن الخمر تجب إراقته وإستبقاؤه ليتخلل بمعالجة.
- لو تخللت الخمر بنفسها؟ هي طاهر حلال لأنها لم تخلل بمعالجة.
- لو خللها وعالجها من يستبيح الخمر في ملته؟ فيه خلاف.
- لماذا أتى المؤلف بهذا الحديث في باب بيان النجاسة؟
- من فوائد هذا الحديث: تحريم الخمر؛ لأن المنع من اتخاذها خلا يدل على تحريمها من
стр. 98
باب أولى، وهذا أمر مجمع عليه بدلالة الكتاب والسنة وقد أجمع المسلمون على التحريم، وقال العلماء: من أنكر تحريمها وقد عاش فلا بلاد المسلمين فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وأقر بالتحريم فذاك وإلا وجب قتله مرتدا.
ومن فوائد هذا الحديث: سد الذرائع، وجهه: أن النبي ﷺ منع من اتخاذ الخمر خلا لئلا يستبقيها، وربما سولت له نفسه أن يشربها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن حرف الجواب يقوم مقام الجملة لقوله: "لا" وهذا مطرد حتى في العقود لو قيل لرجل يبيع عليه بيعه: أقبلت البيع؟ قال: نعم، انعقد البيع، ولو قال ولي الزوجة: زوجتك بنتي، فقيل للزوج: أقبلت؟ قال: نعم، انعقد النكاح، ولو قيل له: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم، طلقت ... وهلم جرا.
المهم: أن حرف الجواب يغني عن الجملة سواء بالنفي مثل: لا، أو بالإيجاب مثل: نعم، أو: بلى.
ومن فوائد هذا الحديث على ما يظهر من صنيع المؤلف ﵀: أن الخمر نجسة ولكن في هذا نظر؛ لأن القول الراجح أنها ليست بنجسة نجاسة حسية، ولم أجد حتى الآن ما يدل على ذلك، إلا أن جمهر العلماء قالوا: إنها نجسة نجاسة حسية، لكن ما دام ليس هناك دليل فإنه ليس من لازم التحريم أن تكون نجسة؛ لأن كل نجس محرم وليس كل محرم نجسا، ثم إننا ذكرنا في أثناء الشرح أن في السنة ما يدل على الطهارة ليس بناء على الأصل وهو براءة الذمة، بل هناك أدلة إيجابية تدل على عدم نجاسة الخمر ذكرنا منها أن الصحابة أراقوا الخمر في الأسواق، ومعلوم أن إراقة النجس في أسواق المسلمين محرم، بل قال النبي ﵊: "اتقوا اللاعنين؛ الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم"، وأيضا لما حرمت لم يأمر النبي ﷺ الأواني منها، ولو تنجست بالتحريم لوجب غسل الأواني منها كما أوجب الرسول ﵊ أمر بمسر الأواني في خيبر لما رآها تفور من لحم الحمر، قالوا: أو نغسلها، قال: "أو اغسلوها".
الدليل الثالث: قصة صاحب الراوية الذي أهداها إلى الرسول ﷺ بعد أن حرمت الخمر، فقال: "أما علمت أنها حرمت؟ " ففتح أفواه الراوية، ثم أراق الخمر، ولم يأمر النبي ﷺ بغسل الراوية من الخمر، وهذا دليل صريح جدا، وليس فيه احتمال؛ لأن الخمر حرمت وهي في
стр. 99
الأواني، قد يعارض معارض فيقول: إنها كانت حين وضعها في الإناء حلالا غير نجسة، وإن كان هذا الجواب غير مقنع لكن قضية الراوية لا إشكال فيها، وهذا القول أعني أنها - أي الخمر طاهرة حسنا، نجسة معنى - هو الراجح.
الحمر الأهلية وحكم نجاستها:
٢٣ - وعنه ﵁ قال: لما كان يوم خيبر، أمر رسول الله ﷺ أبا طلحة، فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس. متفق عليه.
قال: "لما كان يوم خيبر". أولا إعراب "يوم" هل هي بالضم أو بالفتح، فإذا قال قائل: كيف تكون مضمونة وهي ظرف زمان، قلنا: ظرف الزمان لا يكون منصوبا على الظرفية إلا إذا كان ظرفا لشيء، أما إذا كان مفعولا لشيء أو في محل المبتدأ أو في محل الجر أو ما أشبه ذلك، فإنه يكون على حسب العوامل، فقوله تعالى: ﴿واخشوا يوما﴾ [لقمان: ٣٣]. هذا وما نقول: إنها ظرف، بل نقول: إنها مفعول به ﴿وإن يوما عند ربك﴾ [الحج: ٤٧]. نقول: اسم إن، ﴿يوم يأتي بعض ءايت ربك﴾ [الأنعام: ١٥٨]. هذه ظرف؛ لأنها ظرف لإتيان بعض الآيات، فلا تكون منصوبة على الظرفية إلا إذا كانت ظرفا لشيء، وأما مجرد اسم الزمان أو المكان الذي ليس ظرفا، فإنه يكون على حسب العوامل، وعلى هذا فقوله: "لما كان يوم خيبر" على أنها فاعل وليست اسما ل"كان"؛ لأن كان هنا تامة وليست ناقصة.
وقوله: "خيبر" اسم حصون وقلاع ومزارع لليهود وتبعد عن المدينة نحو مائة ميل في الشمال الغربي من المدينة وهي معروفة، و "كان يوم خيبر" في أي سنة؟ في السنة السابعة من الهجرة؛ لأن النبي ﷺ غزا أهل خيبر نقضوا العهد وفتحها عنوة وقسمها بين الغانمين، لكن أهل خيبر - وهم اليهود ٠ طلبوا من النبي ﷺ أن يبقوا فيها مزارعة وأبقاهم والباقي معروف، "أمر أبا طلحة" - وأبو طلحة صلته بأنس أنه زوج أمه أم سليم- أمر أبا طلحة "فنادى"، أي: قال بأعلى صوته؛ لأن النداء: هو الكلام بصوت مرتفع، والمناجاة: هي الكلام بصوت منخفض، واقرأ قول الله تعالى: ﴿وندينه من جانب الطور الأيمن وقربنه نجيا﴾ [مريم: ٥٢].
فالمناجاة عن قرب، والمناداة عن بعد. نادى: "إن الله ورسوله ينهيانكم" والخطاب للصحابة الذين أوقدوا النيران على لحوم الحمر، "وينهيانكم عن لحوم الحمر": جمع حمار، واحذر أن تسكن الميم في هذا، وأن تضم الميم في قوله ﷺ : "من حمر النعم"، فتغلظ غلطا فاحشا؛ لأنك إذا قلت هنا لحوم الحمر الأهلية اختلف المعنى؛ لأن حمر تكون جمع: أحمر أو
стр. 100
حمراء، وإذا قلت: خير لك من حمر النعم وضممت الميم أخطأت خطأ عظيما؛ لأن حمر: جمع حمار إذن الحمر الأهلية، الأهلية: يعني المستأنسة التي يركبها الناس ويستعملونها في حاجتهم، وضدها الوحشية فإنها ليست حراما، وسيأتي إن شاء الله، وإنما أمر النبي ﷺ أبا طلحة؛ لأن أبا طلحة كان رفيع الصوت، وإن مثل هذه المسائل العامة التي يطلب فيها شيوع الخبر ينبغي أن يقوم بها من كان أعلى صوتا وأندى صوتا.
أولا: نسأل: لماذا أتى المؤلف بهذا الحديث في باب إزالة النجاسة مع أن له صلة كبيرة بكتاب الأطعمة؟ أتى به المؤلف في كتاب إزالة النجاسة لقوله: "فإنها رجس"؛ لأن رجس بمعنى: نجس.
ففي هذا الحديث فوائد منها: أنه ينبغي إعلام الأحكام الشرعية بأقوى ما يحصل به الإعلام، وجهه: أن النبي ﷺ أمر أبا طلحة لارتفاع صوته بإعلان هذا الحكم الشرعي.
ومنها: أن استعمال مكبر الصوت في إبلاغ الخطبة للمصلين واستعمال الإذاعة وهي أوسع انتشارا من الأمور التي جاءت بمثل السنة، فيكون في ذلك رد على من أنكر هذا وقال: هذه بدعة؛ لأنه لم يكن معروفا في عهد النبي ﷺ .
ومنها: جواز الجمع بين اسم الله واسم الرسول بالواو في الأحكام الشرعية لقوله: "إن الله ورسوله ينهيانكم"، ولم يقل: ثم رسوله، ووجه ذلك: أن نهي الرسول ﷺ من نهي الله كما قال الله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضللا مبينا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: ٨٠]. ولما كان الحكم الصادر من النبي ﷺ كالحكم الصادر من الله صح أن يجمع اسم الله واسم الرسول ﷺ بالواو.
فإن قال قائل: أين نهانا الله عن ذلك وقد قال الله لنبيه: ﴿قل لا أجد في ما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾ [الأنعام: ١٤٥]. المحرمات ثلاثة، والحمر ليست منها فأين نهي الله؟ !
فالجواب أن نقول: إن الآية في سورة الأنعام وسورة الأنعام مكية والحديث في خيبر بعد الهجرة والآية ليس فيها "لن أجد فيما أوحي إلى محرما" لو كان لفظ الآية: "لن أجد" لكان هذا الحديث معارضا، لكن الآية ﴿لا أجد في ما أوحى إلي﴾ ولم يقل: فيما يوحى إلي، فالآية نزلت وفي أيام نزولها لم يكن محرما إلا هذه الأنواع الثلاثة، ولا معارضة بينها وبين الحديث إطلاقا، ولا بينها وبين نهي النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير؛ فالآية واضحة، وفي أدنى تأمل يتبين لك أنه لا حاجة إلى الإتيان بها في معارضة هذا الحديث وأمثاله.
стр. 101
فإذا قال قائل: سلمنا بهذا وأنه لا معارضة بينها وبين الحديث، لكن أين نهي الله للرسول؟
نقول: من الذي أخبرنا بأن الله نهى؟ الرسول ﵊ فيجيب علينا أن نؤمن بذلك، وأن نقول: إن الله نهي عن لحوم الحمر الأهلية، أما في أي نص كان ذلك؟ فإنه يكفي أن يكون الراوي لنا رسول الله ﷺ ولا حاجة أن نتنطع ونقول: أين وأين الوحي وما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا الحديث: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية"، وبين ذم النبي ﷺ للخطيب الذي قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى". وهنا قال: "ينهيانكم" فجمعها في ضمير واحد، وهنا قال النبي ﷺ يأمر أبا طلحة: "ينهيانكم"، والخطيب قال له: "بئس خطيب القوم أنت" فما الجواب؟
نقول: الجواب من وجوه.
الوجه الأول: أن هناك فرقا بين الصيغتين: صيغة الحديث، وصيغة الخطيب. صيغة الحديث "ينهيانكم" خبر لمبتدأ من اثنين: معطوف ومعطوف عليه، وإذا كان خبرا عن اثنين أحدهما معطوف والثاني معطوف عليه، صار كأنه مركب من اثنين هذا واحد.
أما الخطيب فقد قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما" هذه جملة مستقلة ليست خبرا عن الجملة الأولى، ولا جوابا لشرط فهي مستقلة، وإذا كانت مستقلة فيجب أن يستقل لفظ الاثنين كل واحد على انفراد، فيقول: "ومن يعص الله ورسوله فقد غوى"، الفرق واضح أم لا؟ "إن الله ورسوله ينهيانكم" الجملة واحدة أو اثنتان؟ واحدة، "وينهيانكم" والتي جمع فيها الضمير خبر ل (إن)، والجملة واحدة وهي خبر لاثنين، كل واحد منهما ذكر على انفراد، فهي جملة واحدة. في عبارة الخطيب "من يطع الله ورسوله فقد رشد" انتهت الجملة، "ومن يعصهما فقد غوى" جاءت جملة جديدة فصارت كأنها منفصلة عن الأولى، فإتيانه بالضمير مجموعا باثنين يعتبر خطأ، وأن الفصاحة أن يقول: "ومن يعص الله ورسوله" فالفرق ظاهر بين الصيغتين.
ثانيا: أن مقام الخطبة ينبغي أن يكون بالتفصيل والبسط، والاختصار الشديد ينافي البيان في الخطبة، وأما هذا فهو بيان حكم، وبيان الحكم قد يكون من الفصاحة أن يختصره.
الجواب الثالث: أن النبي ﷺ يبعد في حقه وفي نطقه أن يجعل الله شريكا، وأما المخلوق فإذا جمع اسم الله واسم غيره في الواو فقد يعتقد أنهما سواء، ولكن هذا الجواب ضعيف؛ لأن الخطيب جمع بينهما بالواو، فهذا لا يعول عليه.
والرابع: أنه قيل: إن الخطيب ينبغي أن تكون خطبته واحدة، فإذا قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى" قد يتوهم السامع أن الغي لا يكون بمعصية الله
стр. 102
ورسوله؛ أي: إلا فيما ورد فيه نهي في الكتاب والسنة وهذا غلط، لكن عندي أن أقرب الأجولة الأول، وهو اختلاف الصيغتين، ويليه الثاني أن مقام الخطبة ينبغي فيه البسط.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأصل في النهي التحريم لقوله: "ينهيانكم"، ثم علل ذلك بأنها رجس، والرجس محرم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن اللحم إذا أطلق يشمل جميع أجزاء البدن؛ لأنه بالاتفاق والإجماع أن الحمير حرام، سواء كانت لحما أي: هبرا كما يعرف، أو كبدا أو كرشا أو أمعاء كلها تسمى لحما في الشرع.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز لحوم الحمر الوحشية. من أين تؤخذ؟ تؤخذ من القيد، وهل التحريم من أجل أن الناس محتاجون لظهورها يركبونها ويحملون عليها، فإذا أبيحت ضاقت على الناس، أو أن التحريم من أجل أنها خبيثة؟ الثاني؛ لأن النبي ﷺ نص عليه؛ ولأن العلة الأولى منتقصة. الناس إلى ظهور الإبل أحوج، ومع ذلك فالإبل مباحة، الناس إلى البقر في الحرث أشد حاجة من الحمر ومع ذلك فهي مباحة، فالصواب ما علل به الرسول ﵊، وأما الخوف أن يضيق على الناس ظهورهم فهذا غير صحيح.
ومن فوائد هذا الحديث: أن كل رجس حرام؛ لأنها رجس وهذا كالآية الكريمة: ﴿قل لا أجد في ما أوحى على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]. إذن نأخذ - يا إخواني- من هذا أن كل نجس حرام.
ومن فوائد هذا الحديث: أن جميع أجزاء الحمر نجسة: بولها، ورثها، ريقها، عرقا ما يخرج من جسدها من صديد أو غيرها لعموم قوله: "فإنها رجس"، وهذا هو المشهور من المذهب - مذهب الحنابلة- حتى لو شرب الحمار من ماء وهو قليل الماء نجسا، وإن لم يتغير، ولكن يعارض هذا - أي: القول بأن كل ما يتصل بالحمير فإنه نجس- أن النبي ﷺ قال في الهرة: "إنها ليست بنجس"، وعلل بأنها من الطوافين، ومعلوم أن تطواف الحمير على الناس أكثر من تطواف الهرة، والعلة ثابتة في الهرة وموجبة للتطهير، كذلك العلة في الحمر، وهذا القول هو الصحيح، ويدل لهذا أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يركبون الحمير وراكب الحمار لا يخلو من بلل إما من عرق منه، أو من الحمار، أو إصابة ماء السماء، ثم إن الحمر تشرب وتنفض رأسها بعد الشرب ويتطاير الماء على من حولها، وهذا لا شك أن فيه مشقة لاسيما على من يمارسه كثيرا والدين لا يأتي بمشقة، وهذا القول هو القول الراجح يعني: أن ريقها وما يخرج من أنفها وما يخرج من عينها من دمع وعرقها كله طاهر؛ لأن هذه الحمر من الطوافين علينا، وقد قال النبي ﵊ في الهرة: إنها من الطوافين علينا.
стр. 103
المؤلف اختصر على هذا القدر من الحديث ولم يذكر أنهم صاروا يطبخونها، وأن القدور تغلي فيها وأن الرسول أمر أن تكفا القدور وأمر أن تكسر، ولكنهم طلبوا منه أن تغسل فقال: "أو اغسلوها".
هذا الحديث بقيته يدل على أن الاستمرار فيما ثبت تحريمه محرم وإن كان مباحا في أول الأمر، إذا ثبت التحريم حرم الاستمرار، ومعلوم الآن أنه ليس هناك شيء يكون أوله حلالا ثم يكون حراما.
لكن ينبني على هذا فيما لو علم الإنسان بتحريم شيء في أثناء ملابسته له فهل يجب عليه التخلي فورا؟
الجواب: نعم، يعني: لو أن إنسانا لبس حريرا يظن أن لبس الحرير حلال، ثم قيل له: إن لبس الحرير حرام، يجب عليه في الحال أن يخلعه لكن طبعا يخلعه إذا كان لديه ثوب يستر به عورته وإلا انتظر حتى يجد ثوبا، وكذلك لو قيل له: إن هذا الشراب الذي تشربه الآن حرام مثل ما يوجد في بعض المشروبات يظن أنها حلال وهي حرام في غير بلادنا؛ بلادنا - والحمد لله- لا يرد عليها إلا شيء مختبر.
أسئلة:
- سبق لنا في حديث أنس في قصة خيبر أنه يستفاد منه اختيار من هو أعلى صوتا في تبليغ الحكم الشرعي، هل نقول فيه دليل على استعمال الآلات الموصلة التي توصل الصوت إلى أبعد. نعم.
- هل يقال: كل وسيلة حدثت بعد النبي ﷺ يتوصل بها إلى مقصود شرعي فإنها لا تعد بدعة؟ نعم، إلا أن تكون محرمة في ذاتها، وعلى ذلك لا تنكر الجمعيات التي تؤلف لجمع التبرعات وما أشبه ذلك.
- كيف نجمع بين قول الرسول ﷺ : "إن الله ورسوله ينهيانكم" مع أنه قال للخطيب: "بئس خطيب القوم أنت"؟
- لحوم الحمر الأهلية احترازا من أي شيء؟ احترازا من الحمر الوحشية.
- ما رأيك لو تأهل الوحشي أيحرم أو لا؟ يعني إذا صار أهليا؟ يبقى على أصله.
- ما رأيك لو توحش الأهلي؟ لا يحل اعتبارا بالأصل.
ومثل ذلك في باب الحمام لو أن الحمام تأهل فهو حرام على المحرم، والدجاج لو توحش فهو حلال، ثم قال المؤلف ﵀:
стр. 104
حكم طهارة لعاب الإبل:
٢٤ - وعن عمرو بن خارجة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى وهو على راحلته، ولعابها يسيل على كتفي. أخرجه أحمد، والترمذي وصححه.
"خطبنا" الخطبة: هي التذكير بالأحكام الشرعية، وغالبا ما تكون بانفعال وتأثير، وقد لا تكون كذلك، لكن في الغالب هو هذا.
وقوله: "في منى" كان ذلك يوم العيد، وقد خطب النبي ﷺ يوم العيد ويوم الثاني عشر، يوم العيد خطبهم يعلمهم كيف يرمون الجمرات، وكيف يطوفون، وكيف يسعون، وفي اليوم الثاني عشر علمهم ماذا يصنعون إذا أرادوا أن يتعجلوا؛ لأن في اليوم الثاني عشر ينتهي الحج لمن أراد أن يتعجل، وكان من عادة النبي ﷺ أن يخطب الناس إما خطبة راتبة وإما خطبة عارضة، فالخطبة الراتبة كخطب الجمعة والعيدين والاستسقاء، واختلف العلماء في خطبة صلاة الكسوف، والصواب أنها خطبة راتبة، وأنه يسن عقب كل صلاة كسوف خطبة. وتكون خطبه ﷺ أحيانا- عارضة، وذلك إذا وجد ما يستدعى أن يتكلم، ويخطب الناس ﵊ كما في قصة بريرة التي اشترتها عائشة واشترط أهلها أن يكون الولاء لهم، فقال الرسول ﵊: "خذيها واشترطي لهم الولاء"، ثم خطب الناس وقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق".
وفي الحج خطب في عرفة وفي منى، فهل هذه الخطبة راتبة أو عارضة؟ فيه احتمال، لكن ليست خطبة الجمعة، ور يقال: إن الرسول ﵊ خطب في عرفة خطبة الجمعة، وإن كان ذلك اليوم هو يوم الجمعة لكنها ليست خطبة الجمعة؛ لأن الرسول ﵊ خطب قبل الأذان ولأنه خطب خطبة واحدة، ولو كانت يوم الجمعة لكانت خطبتين، ولأن حديث جابر يقول: "ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر"، فصرح بأنها الظهر وليست الجمعة، وأيضا لو كانت الجمعة ما جمع إليها أصلا؛ لأن العصر لا يجمع إلى الجمعة، فالمهم أن هناك قرائن كثيرة تدل على أن خطبة النبي ﷺ يوم عرفة ليست خطبة الجمعة.
стр. 105
وقوله: "في منى"، منى: اسم مكان، وهو المشعر الحلال أو الحرام؟ عندنا مشعران: مشعر حلال وهو عرفة، ومشعر حرام وهو مزدلفة، أما منى فهي مقر الحجاج. قالوا: وسميت منى لكثرة ما يمنى فيها من الدماء؛ أي: ما يراق فيها من الدماء، وقوله: "على راحلته" الجملة حالية من فاعل "خطب" والحال أنه على راحلته وهي بعيره، وكانت البعير التي حج عليها تقلب بالقصواء، والبعير التي كان عليها في عمرة الحديبية تقلب بالعضباء، وكان من هدي الرسول ﵊ أنه يسمى ما عنده من الدواب أو البهائم، وكذلك ما عنده من السلاح، السيف الفلاني، السهم الفلاني وما أشبه ذلك، وهذا قلنا فيها فائدة حتى لا يحصل اشتباه فيما لو قال لغلامه مثلا: أعطني الناقة إذا كانت عنده عدة نوق يحتاج إلى أن يستفسر: أي النوق؟ إذا قال: أعطني العضباء أعطني القصواء انتهى المشكل، فيكون من هدي الرسول ﵊ أنه يسمى مواشيه، وكذلك سيفه، إذن نحن نسمي سيارتنا مثلا أليس كذلك؟ هذا إذا كانت من جنس واحد، أما إذا كانت مختلفة في أسمائها فلا.
وقوله: "ولعابها يسيل على كتفي" الواو هنا يجوز أن تكون استئنافية، ويجوز أن تكون حالية، حال من الراحلة، ويعني الحال: أن لعابها يسيل على كتفي، واللعاب ما يخرج من الفم من الريق، ففي هذا الحديث فوائد:
الفائدة الأولى: أنه ينبغي لأمير الحج والمسئول عن الحج أن يخطب الناس بمنى يعلمهم ما يتعلق بالمناسك، فإن لم يتيسر ذلك بالنسبة لأمير الحج فنوابه، وعلى هذا فرجال الدولة في الحج ينبغي لهم في ذلك اليوم أن يخطبوا وأن يبلغوا الناس أحكام المناسك التي تفعل في ذلك اليوم.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الخطبة على الراحلة، وأن ذلك لا يعد تعذيبا لها؛ لأن الراحلة مرتحلة سواء للخطبة أو لغير الخطبة ليس فيها شيء من المشقة، اللهم إلا إيقافها وحبسها واقفة حتى تنتهي الخطبة، لكن هذا لا يشق عليها في الغالب.
ومن فوائد هاذ الحديث: تواضع النبي ﷺ حيث لم يطلب منبرا عاليا أو ما أشبه ذلك ليخطب عليه، إنما خطب على الراحلة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ريق البعير طاهرة وهو ما يسيل من فمه، من أين يؤخذ؟ من كون لعاب ناقته يسيل على كتف عمرو بن خارجة، ومعلوم أن النبي ﷺ سوف يراه غالبا، فإن قدر أنه رآه فإنه دليل، وإن قدر أن الرسول لم يره ولم يعلم به؛ فإن الله يعلمه ولم ينكره فإن كل ما وقع في عهد الرسول ﵊ ولم ينكره الرسول أو لم ينكره الله إذا كان
стр. 106
ليس في استطاعة الرسول ﷺ أن يدركه فإنه حجة، وهذه اتخذوها حجة لكن كثيرا من العلماء ﵏ إذا احتج عليه أحد بكون هذا الشيء فعل في عهد الرسول: قال: من يقول: إن الرسول علم به فأقره. نقول: نحن نوافقك على هذا وإننا لا نجزم بأن الرسول ﷺ علم به فأقره إلا بدليل، لكن هب أن الرسول لم يعلمه فإن الله قد علم به، ولا يمكن أن يقر الله العباد على خطأ، ولهذا لما بيت المنافقون ما بيتوا فضحهم الله فقال: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا﴾ [النساء: ١٠٨]. فهم لا يعلم بهم الرسول ﵊ لكن علم بهم الله.
وعلى هذا فنقول: كل ما فعل في عهد الرسول ﵊ ولم ينكره الله فهو حجة؛ لأننا نعلم أن الله لا يقر العباد على ضلال وخطأ، لكن في قضيتنا هذه هل الغالب أن الرسول علم بأن اللعاب يسيل على كتفه أو لا؟ الغالب أنه علم لا شك.
فإذا قال قائل: هب أنه لم يعلم، وأن الله سكت عن ذلك، وهذا على الفرض الذي لا يمكن أن يقع فإن الأصل هو الطهارة، وليس بنا حاجة إلى أن نأتي بدليل إيجابي يدل على الطهارة، طهارة ريق البعير؛ لأن الأصل الطهارة لكنه لا شك أنه إذا جاء الدليل مقررا لأصل - كان ذلك أبلغ في الحجة، وهل نقيس على هذا، ونقول: كل حيوان حلال فريقه طاهر؟
الجواب: نعم.
وعلى هذا فنقول: كل حيوان حلال فإن جميع ما يخرج منه يكون طاهرا ما عدا الدم المسفوح؛ لأن الدم المسفوح بنص القرآن أنه رجس لكن غير ذلك طاهر، البعر طاهر، والبول طاهر، والريح طاهر،
والمخاط طاهر، أي: أن كل حيوان مباح الأكل فإن ما يخرج منه من فضلات تعد طاهرة ما عدا الدم لوجود الدليل فيه.
لأي مناسبة ساق المؤلف هذا الحديث؟ لأن الباب هنا باب إزالة النجاسة وبيانها، فأراد ﵀ بسياق هذا الحديث أن لعاب الإبل ليس بنجس. ثم قال:
طهارة المني:
٢٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل. متفق عليه.
- ولمسلم: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا، فيصلي فيه".
стр. 107
- وفي لفظ له: "لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه".
هذا الحديث فيه بيان حكم المني، والمني: هو الماء الدافق الذي يخرج من الإنسان بشهوة، فلابد أن يكون دافقا حتى يصلح عليه أنه مني صحة وليس من مرض؛ لأن المني قد يخرج من مرض، لكن الكلام هنا على المني الذي يخرج من الصحة، وهذا لا يكون إلا دافقا لقول الله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق﴾ [الطارق: ٥، ٦].
هذا الحديث تقول عائشة: إن الرسول يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا انظر إلى أثر الغسل، يعني: أنه يصلي فيه ﵊ وهو لا يزال رطبا لم ييبس من غسله.
ذكر المني قد يوجب لنا أن نذكر ما يخرج من الذكر. الذي يخرج من الذكر أربعة أنواع:
المني، والمذي، والبول، والودي. أربعة أشياء كلها مختلفة، إلا الودي مع البول.
المني سيتبين لنا إن شاء الله من الحديث أنه طاهر موجب للغسل، المذي بين الطهارة والنجاسة ليس من النجاسات الثقيلة ولا من الطاهرة، وهو أيضا سبب الشهوة، لكنه لما كان لا يخرج حين اشتدادها وقوتها وإنما يخرج عند تذكر أو رؤية المرأة أو أشبه ذلك، ويخرج من دون أن يحس به الإنسان ولا يدري عنه إلا برطوبته، هذا بين بين جعله الشارع بين المني والبول، فهو يوجب غسل الذكر والأنثيين وإن لم يصيبها، ويوجب أيضا أن ينضح ما أصابه نضحا بحيث يغمر بالماء دون أن يتقاطر منه، ودون أن يعصر، ويفرق عن البول والودي لأن حكمهما واحد، كلاهما نجس، وكلاهما يغسل غسلا تاما بحيث يصب عليه الماء حتى يتقاطر ويفرك ويعصر.
تقول ﵂: "كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل" متفق عليه. قولها: "يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب"؛ أي: الثوب الذي فيه المني وغسله منه، وقولها: "وأنا أنظر" يحتمل أن تكون الجملة حالية؛ يعني: يخرج وأنا أنظر إليه أتبعه بصري، ويحتمل أنها استئنافية بمعنى: أنه يخرج خروجا غير مقيد بكونها تنظر إليه بل أنا أنظر إليه حين خروجه أو قبل خروجه، وعلى هذا فالحكم لا يختلف، وفي رواية لمسل: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا فيصلي فيه".
الفرك: هو الدلك إما بالأصابع أو مع الراحة أو ما أشبه ذلك، وقولها ﵂: "فركا" من باب التوكيد فهو مصدر مؤكد، والمصدر المؤكد قال العلماء: إن فائدته نفي احتمال المجاز مع التوكيد، فقوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٤].
стр. 108
﴿تكليما﴾: هذه مصدر مؤكد وفائدته نفي احتمال المجاز، يعني: على القول بأن المجاز واقع في القرآن، والصواب أنه ليس بواقع، وقولها: "فيصلي فيه" يعني: من غير غسل بل بالفرك، وفي لفظ: "لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه". وهذه طريقة أخرى بدل الفرك تحكه بظفرها، وهذا فيما إذا بقي له جرم تحكه بظفرها حتى تزول عينه بألا يرى، ومثل هذا قد يكون فيه شيء من الحياء والخجل إذا رؤي أثر المني على ثوب الإنسان.
أسئلة:
- ما الذي يؤخذ من حديث عمرو بن خارجة بالنسبة للحيوان؟ طهارة لعاب الحيوان المأكول وكل شيء يخرج منه ما عدا الدم المسفوح.
- إذا قال قائل: كيف نستدل بحديث عمرو بن خارجة وهو يحكي حكاية لم يذكر أن النبي ﷺ اطلع عليه؟ كل ما وقع في عهد الرسول ﷺ فهو حجة؛ لأنه لو لم يعلم به فقد علم الله.
- هل هناك دليل في عمل الصحابة على استدلالهم بإقرار الله تعالى بالشيء؟ نعم، ودليله حديث جابر: "كنا نعزل والقرآن ينزل ولو كان شيئا لأنكره الله". هل فيه دليل من القرآن على أنه لو كان منكرا لأنكره الله؟ قوله تعالى: ﴿يستخفون من الناس﴾ الآية.
فوائد الحديث:
في حديث عائشة ﵂ في حكايتها في تقرير المني من فوائده: جواز التصريح بما يستحيا من ذكره عند الحاجة إليه؛ لقولها: "يغسل المني".
فإن قال قائل: كيف صرحت بذلك وهو مما يستحيا منه غالبا، ومما يتعلق بالاستمتاع بالنساء، وعلي ﵁ استحيا أن يسأل النبي عن المذي حيث إنه يتعلق بالشهوة لأنه كان زوج ابنته؟
فالجواب عن ذلك أن يقال: إن الناس يختلفون في الحياء؛ فعلي معذور مع أنه ﵁ لم يهمل الأمر، وكل من يسأل عنه، وعائشة معذورة لأنها تريد أن تبين حكما وشرعا.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي إزالة أثر المني، سواء قلنا بطهارته أو بنجاسته.
ومن فوائده: أن المني ليس بنجس؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بغسله، فإن قال قائل: ولكنه غسله، فالجواب: أن فعل الرسول ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب، الوجوب يكون بالأمر وبعضهم قال: إن الفعل الدائم المستمر يدل على الوجوب وإن لم يأمر به، وهذا ليس من الشيء المستمر؛ لأنه أحيانا إذا يبس يفركه.
стр. 109
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يمكن أن يقاس على المني كل ما يستحيا من رؤيته، فإنه ينبغي للإنسان أن يزيله عن ثوبه فلو كان به أثر دم وإن قلنا بالطهارة؛ أو كان فيه أثر مخاط؛ أي: في الثوب فإنه ينبغي للإنسان أن يزيله؛ لأن هذا مما يستحيا منه وتتقزز النفوس منه، وبالتالي يكون نفس الذي اتصف به مكروها في طبائع الناس، وإن كان غير مكروه شرعا لكن الناس لا يجبون أن يروا هذا المذى على غيرهم.
ومن فوائد الحديث في لفظ مسلم: أن من العشرة بالمعروف أن تخدم المرأة زوجها لقولها ﵂: "لقد كنت أفركه".
فإن قال قائل: وهل خدمة الزوجة زوجها أمر واجب عليها؟
فالجواب: أن الله تعالى حكم بهذا حكما عدلا فقال: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩].
فإذا كان المعروف عند الناس أن المرأة تخدم زوجها وجب عليها أن تقوم بخدمته، وإذا كان المعروف أن الزوجة لا تخدم الزوج وأنها تستخدم الخادم لم يجب عليها أن تخدم الزوج، وإذا كان من المعروف أن تخدمه في شيء، دون شيء فعلى حسب المعروف ما جرت العادة أن تخدمه فيه وجب عليها أن تخدمه، وما لم تجر العادة به لم يجب عليها، كل هذا مأخوذ من كلمتين: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاقتصار على فرك المني إذا كان يلبسا، وأنه لا يجب غسله، ولكن بعض الأشخاص يكون لمنيه أثر وإن فركوه فهل نقول: اغسل الأثر؟ الجواب: نعم، اغسله لئلا يتقزز الناس من رؤيته.
ومن فوائد هذا الحديث - أعني: رواية مسلم-: أنه كالصريح في طهارة المني؛ لأن النجس- ولاسيما ما كان له جرم- لا يكفي فيه الفرك؛ إذ إن الثوب يتشرب النجاسة، فالفرك لا يمكن أن يزيل عين النجاسة، وهذا يدل على أن المني طاهر وهو كذلك، بقي أن يقال - وهي مسألة ليست في الحديث-: إذا كانت النجاسة التي لها جرم على شيء أملس كالمرآة فهل يجزئ فيها الفرك إذا أزالها بالكلية؟ الصواب: أنه يجزئ؛ لأن القول الراجح أن النجاسة متى زالت بأي مزيل طهر المحل.
ومن فوائد هذا الحديث: زهد النبي ﷺ في الدنيا؛ حيث كان ثوبه الذي يصيبه المني يغسله ويصلي فيه، بمعنى: أنه لا يحتاج إلى ثوب للصلاة، وثوب للفراش، وثوب للبيت وما أشبه ذلك. فهل يقال: إنه لما أنعم الله علينا بالمال ينبغي لأن نعود إلى ذلك، وأن نجعل ثوب النوم هو ثوب الصلاة؟
стр. 110
الجواب: لا، ليس كذلك إذا وسع الله علينا فإن الله "يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".
فإن قال قائل: هل هذا المني الذي تفركه عائشة من ثوب الرسول ﵊ هو عن احتلام أو عن جماع؟
الجواب: أنه عن جماع؛ لأن النبي ﷺ لا يحتلم، فإن من خصائصه ﵊ أنه لا يحتلم كما ذكر ذلك أهل العلم.
ومن فوائد اللفظ الثاني لمسلم: جواز تأكيد الشيء بأي مؤكد وذلك من قولها: "كنت أحكه يابسا بظفري"، التوكيد هنا هل هو في قولها: "بظفري"، أو في قولها: "يابسا" أو فيهما؟ الجواب: فيهما، لأنه لا يمكن الحك إلا إذا كان يابسا، والحك أيضا لا يكون إلا بالظفر.
حكم بول الجارية والغلام والفرق بينهما:
٢٦ - وعن أبي السمح ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام". أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم.
٢٧ - وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂: أن النبي ﷺ قال في دم الحيض يصيب الثوب: "تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه". متفق عليه.
٢٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالت خولة: يا رسول الله، فإن لم يذهب الدم؟ قال: يكفيك الماء، ولا يضرك أثره". أخرجه الترمذي، وسنده ضعيف.
قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي السمح ﵁: أبو السمح هذا أحد خدم الرسول ﷺ روى عنه هذا الحديث "يغسل من بول الجارية" أي: الأنثى الصغيرة، "ويرش من بول الغلام" أي: الذكر الصغير.
следующие страницы →