← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 29566

العين حق

محمد بن عبد المعطي

Полный текст (124 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وعنه أيضا رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس. قال أبو داود الطيالسى والبزار: يعنى العين (١) وعن جابر أيضا رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ ثم إن العين لتدخل الرجل القبر وتدخل الجمل القدر. (٢)

стр. 37

* أحاديث ضعيفة فى مسألة الحسد: الدعوة إلى السنة من أوجب الواجبات فلا يقبل الله تعالى من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه تعالى موافقا لما كان عليه النبى ﷺ وأصحابه ومعرفة ذلك تكون باتباع السنة الصحيحة ونبذ مالم يثبت منها فمن المفيد هنا أن نحذر ممالم يثبت من السنة وكذا التحذير من البدع المتعلقة بالمسألة ليكون أكمل فى النفع وأعظم فى الفائدة فإن من تمام النصيحة لله ورسوله تبليغ كلامهما والتنبيه على ما ليس منه والله الموفق. * حديث: الحسد يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل. (١) * حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " أو قال " العشب " (٢) * ... قال الحاكم أخبرنى خلف نا خلف نا خلف نا خلف نا خلف فأولهم الأمير خلف بن احمد السجزي والثاني أبو صالح خلف بن محمد البخاري يعني الخيام والثالث خلف بن سليمان النسفى صاحب المسند والرابع خلف بن محمد الواسطي كردوس والخامس خلف بن موسى بن خلف وقد سمعته من أبي صالح بإسناده لم يذكر المتن فقرأته على احمد بن هبة الله عن عبدالمعز بن محمد انا زاهر بن طاهر انا

стр. 38

إسحاق بن عبد الرحمن قال انا الأمير خلف بن احمد بن محمد بن خلف نا خلف بن محمد بن إسماعيل نا خلف بن سليمان نا خلف بن محمد كردوس نا خلف بن موسى العمي نا أبي عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله ﷺ : كل بني آدم حسود وبعض الناس أفضل في الحسد من بعض ولا يضر حاسدا حسده ما لم يتكلم بلسانه أو يعمل باليد (١) وهذا الحديث أسوقه هنا لسببين الأول: التنبيه على ضعفه. والثانية بيان لطيفة فى إسناده وهى أنه مسلسل بمن اسمه خلف. * الرقية المعيون بـ (حَبسٌ حَابسٌ، وحَجَرٌ يابسٌ، وشهابٌ قابسٌ) يذكر بعض المصنفين فى الرُّقى التي ترُدُّ العين ما ذكر عن أبى عبد الله الساجى (٢)، أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فَارهة، وكان في الرفقة رجل عائن، فما نظر إلى شيء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله: احفَظ ناقَتك من العائن، فقال: ليس له إلى ناقتي سبيل، فأُخبرَ العائنُ بقوله، فتحين غيبة أبي عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى الناقة، فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله، فأُخبرَ أن العائنَ قد عانها، وهي كما ترى، فقال: دلُّونى عليه، فدُل، فوقف عليه، وقال: بسم الله، حَبسٌ حَابسٌ، وحَجَرٌ يابسٌ، وشهابٌ قابسٌ، رددتُ عينَ العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، (فارجع البَصَرَ هَل تَرَى من فُطُورٍ. ثم ارجع البَصَرَ كَرتَين يَنقَلب إلَيكَ البَصَرُ خَاسئاً وهُوَ حَسيرٌ) فخرجت حدقتا العائن، وقامت الناقةُ لا بأسَ بها".

стр. 39

وهذه الحكاية يذكرها المعالجون من المعاصرين بدون سند وأعلى كتاب وقفت عليها فيه فيض القدير للمناوى قال: فائدة: أخرج ابن عساكر أن سعيدا الساجى من كراماته أنه قيل له احفظ ناقتك من فلان العائن فقال لا سبيل له عليها فعانها فسقطت تضطرب فأخبر الساجي فوقف عليه فقال بسم الله حبس حابس وشهاب قابس رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه وعلى كبده وكلوتيه وشيق وفى ماله يليق فارجع البصر هل ترى من فطور الملك الآية فخرجت حدقتا العائن وسلمت الناقة عد حل من حديث شعيب بن أيوب عن معاوية بن هشام عن الثورى عن ابن المنكدر عن جابر وقال غريب من حديث الثوري تفرد به معاوية اهـ عن أبي ذر قال السخاوي تفرد به شعيب بن أيوب عن معاوية عن هشام. اهـ فهذه الحكاية فيها ما ليس فى السابقة وكذا القصص تزيد وتنقص وقد عزاها المناوى برمزه (عد حل) لابن عدى وأبى نعيم فى الحلية من الطريق المذكور وشعيب بن أيوب ذكره ابن حبان فى الثقات وقال: كان على قضاء واسط يخطئ ويدلس كلما حدث جاء فى حديثه من المناكير مدلسة. وشيخه معاوية روى له مسلم وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: ربما أخطأ. وقال الحافظ فى "تهذيب التهذيب (١٠/ ٢١٨): قال ابن شاهين فى الثقات: قال عثمان بن أبى شيبة: معاوية بن هشام رجل صدق وليس بحجة. وقال الساجى: صدوق يهم. وقال أحمد بن حنبل: هو كثير الخطأ. اهـ فتبين أن القصة لا تثبت ثم هى فيها من المفاسد ما فيها من شرك وخرافة ودجل واستخفاف بالعقول وهاك بعض ما وقفت عليه فيها: هذا الكلام المذكور ليس دعاءً ولا استعاذة بأسماء الله تعالى وصفاته، وليس هو من الرقى فى شئ وإنما هو من السجع المتكلف كسجع الكهان، وليس له معنى ظاهراً يحكم عليه من خلاله، فما معنى حبس حابس ومن هو هذا الحابس؟ وما المقصود بالحجر اليابس؟ وما علاقة الحجر اليابس والشهاب القابس بالرقية

стр. 40

من العين؟ وما معنى وشيق وفى ماله يليق؟ قوله: رددت عين العائن عليه، وعلى أقرب الناس إليه. فما ذنب أقرب الناس إليه؟ وقد قال تعالى (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الأنعام (١٦٤) وقال تعالى (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) النجم (٣٨ - ٣٩) الاستشهاد بالآية في غير ما سيقت له ومن غير مناسبة، وليس البصر المذكور في الآية هو بصر العائن كما هو ظاهر وجه الاستدلال. وعلى اعتبار أن الحابس من الجن، وأن هذا دعاء له واستعانة من دون الله تعالى، فهذا شرك والعياذ بالله. ليس فى الدنيا كلها رقية تفعل بالحاسد هذا بل غاية الرقى النافعة أن يعافى الله تعالى المعين أو المحسود دون ضرر العائن! ! فإذا عرفت هذا تبين لك المقصود من وضع هذه الحكاية فكم من ذكر مبتدع يضع الوضاعون له من الفوائد والأجر والثواب ما ليس لكلام الله تعالى ولا كلام رسوله ﷺ ولله الأمر من قبل ومن بعد. وهذا الاستدلال بالقصة مجملة لا يقع إلا عن تساهل وجهل بالأصول فلا تتهيب رد هذا إن كان الناقل لها ممن يظن أنه من أهل العلم فإن كلا يؤخذ من قوله ويرد إلا النبى ﷺ ومن ابتغى الهدى فى السنة كفاه الله تعالى ما أهمه وجمع عليه شمله. * حديث حابس التميمى رضى الله عنه . عن حية بن حابس التميمى أن أباه أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا شيء في الهام والعين حق, وأصدق الطيرة الفأل. (١)

стр. 41

* وقال ابن أبى شيبة: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: رَأَى ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى ابْنِهِ فَصَّةً مِنْ الْحُمَّى , فَقَطَعَهَا وَقَالَ: لاَ رُقْيَةَ إلاَ مِنْ عَيْنٍ، أَوْ حُمَةٍ. (١) * وروى الحافظ ابن عساكر من طريق خيثمة بن سليمان الحافظ, حدثنا عبيد بن محمد الكشورى, حدثنا عبد الله بن عبد الله بن عبد ربه البصري عن أبي رجاء عن شعبة, عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ أن جبريل أتى النبي ﷺ فوافقه مغتماً فقال: يا محمد ما هذا الغم الذي أراه فى وجهك: قال: الحسن والحسين أصابتهما عين. قال: صدق بالعين فإن العين حق أفلا عوذتهما بهؤلاء الكلمات؟ قال وما هن يا جبريل؟ قال: قل اللهم ذا السلطان العظيم والمن القديم, ذا الوجه الكريم ولي الكلمات التامات والدعوات المستجابات, عاف الحسن والحسين من أنفس الجن وأعين الإنس, فقالها النبي ﷺ , فقاما يلعبان بين يديه فقال النبي ﷺ عوذوا أنفسكم ونساءكم وأولادكم بهذا التعويذ فإنه لم يتعوذ المتعوذون بمثله. (٢) * وعن الرباب جدة عثمان بن حكيم قالت سمعت سهل بن حنيف يقول مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت منه فخرجت محموما فنمي ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال ثم مروا أبا ثابت يتعوذ قلت يا سيدي والرقي صالحة قال لا رقيه إلا في نفس أو حمة أو لدغة قال عفان النظرة واللدغة والحمة. (٣)

стр. 42

* وفى المستدرك عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن عامر بن ربيعة رجل من بني عدي بن كعب رأى سهل بن حنيف مع رسول الله ﷺ يغتسل بالخرار فقال والله ما رأيت كاليوم قط ولا جلد مخبأة فلبط سهل وسقط فقيل يا رسول الله هل لك في سهل بن حنيف فدعا رسول الله ﷺ عامر بن ربيعة فتغيظ عليه وقال لم يقتل أحدكم أخاه أو صاحبه ألا يدعو بالبركة اغتسل له فاغتسل له عامر فراح سهل وليس به بأس والغسل أن يؤتى بقدح فيه ماء فيدخل يديه في القدح جميعا ويهريق على وجهه من القدح ثم يغسل فيه يده اليمنى ويغتسل من فيه في القدح ويدخل يده فيغسل ظهره ثم يأخذ بيده اليسار فيفعل مثل ذلك ثم يغسل صدره في القدح ثم يغسل ركبته اليمنى في القدح وأطراف أصابعه ويفعل ذلك بالرجل اليسرى ويدخل داخل إزاره ثم يغطي القدح قبل أن يضعه على الأرض فيحثو منه ويتمضمض ويهريق على وجهه ثم يصب على رأسه ثم يلقي القدح من ورائه. وهذا ضعيف جدا. (١)

стр. 43

أقوال العلماء فى مسألة العين وتأثيرها قال الحافظ ابن كثير فى التفسير: العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عزوجل. وقال الحافظ حجر: حقيقة العين نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر. (١) وقال ابن الأثير: يقال أصابت فلانا إذا نظر إليه عدو أو حسثود فأثرت فيه فمرض بسببها يقل عانه يعينه عضينا فهو عائن إذا اصابه بالعين والمصاب معين ومنه الحديث كان يؤمر العائين فيتوضأ ثم يغتسل من المعين ومنه الحديث لا رقية إلا من عين أو حمضة تخصيصه العين والحمة لا يمنع جواز الرقية في غيرهما من المراض لأنه أمر بالرقية مطلقا ورقى بعض أصحابه من غيرهما وإنما معناه لارقية أولى وأنفع من رقية العين والحمة. (٢) وقال شمس الحق العظيم أبادي: " والعين " أي أثرها " حق " وتحقيقه أن الشيء لا يعان إلا بعد كماله وكل كامل يعقبه النقص، ولما كان ظهور القضاء بعد العين أضيف ذلك إليها قاله القارى وفي فتح الودود: والعين حق لا بمعنى أن لها تأثيرا؛ بل بمعنى أنها سبب عادي كسائر الأسباب العادية يخلق الله تعالى عند نظر العائن إلى شيء وإعجابه ما شاء من ألم أو هلكة انتهى. (٣) وقال عبد الرؤوف المناوى (٤): (العين حق) يعني الضرر الحاصل عنها وجودي أكثري لا ينكره إلا معاند وقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد

стр. 44

ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد وتدخل البستان فتضر بكثير من العروش بغير مس والصحيح ينظر إلى الأرمد فقد يرمد ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب هو وقد ذكروا أن جنساً من الأفاعي إذا وقع بصره على الإنسان هلك وحينئذ فالعين قد تكون من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون وقد أجرى الله عادته بوجود كثير من القوى والخواص والأجسام والأرواح كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيحدث في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه وذلك بواسطة ما خلق الله في الأرواح من التأثيرات ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين وليست هي المؤثرة إنما التأثير للروح والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية بغير اتصال ومنها ما يؤثر بالمقابلة ومنها ما يؤثر بتوجه الروح كالحادث من الأدعية والرقى والالتجاء إلى الله ومنها ما يقع بالتوهم والتخييل. فالخارج من عين العائن سهم معيون إن صادف البدن ولا وقاية لأثر فيه وإلا فلا. كالسهم الحسي وقد يرجع على العائن (١)

стр. 45

الأدلة على تأثير العين من جهة النظر . ليس المقصود من هذه الترجمة إثبات حقيقة العين من جهة المعقول أو من جهة النظر فلست ولله الحمد ممن يقدمون العقل على النقل بل أحمد الله تعالى على السنة وطريقة السلف كما أحمده على الإسلام وهذا منقول عن السلف ألحقنا الله تعالى بهم ولكن أتكلم على بعض ما فى الأشياء من خصائص يعتبر بها على وقوع التأثير ثم الكلام على منهج السلف فى ذلك والرد على أهل البدعة من باب النصيحة والله ييسر لنا بمنه وكرمه: فمن أسرار الله فى خلقه ما أودعه فيهم مما يقف العقل أمامه حائرا فأنت ترى الرجل أمامك يداعبه النعاس فإذا بك تشعر بحاجتك إلى النوم وهذا أمر مشاهد وكذا فإنك ترى الرجل يتثاءب فإذا بك تتثاءب مثله وهذا كثير واقع والمسلم مندوب إلى أن يدفع التثاؤب ما استطاع. وترى الرجل يتمطى ويشد جسمه من الخمول فإذا بك يدب فيك الكسل ويذهب نشاطك أدراج الريح وترى الرجل يتقيأ فيغلبك القئ من غي استدعاء .. فبعد هذا كله لا يسعنا إلا الإيمان بإن فى النفوس خصائصا لا يعكر عليها جهل جاهل وفكر معاند ومن تلك الطبائع تأثير العين وأنها حق وأن لنظرة العائن تأثير بإذن الله وتقديره فى نفس المحسود. قال ابن القيم ﵀: أخبرنى بعض حذاق الأطباء قال: كان لى ابن أخت حذق فى الكحل فجلس كحالا ـ يعنى اشتغل بالصنعة يداوى الناس ـ فكان إذا فتح عين الرجل ورأى الرمد وكحله رَمَدَ هوَ وتكرر ذلك منه فترك الجلوس قلت فما سبب ذلك؟ قال: نقل الطبيعة فإنها نقالة قال وأعرف آخر كان إذا رأى خراجا فى موضع من جسم رجل يحكه فحك هو ذلك الموضع خرجت فيه خراجه قلت: وكل هذا لابد فيه من استعداد الطبيعة وتكون المادة ساكنة فيها غير متحركة فيتحرك لسبب من هذه الأسباب فهذه أسباب

стр. 46

لتحرك المادة لاأنها هى الموجبة لهذا العارض. اهـ (١) قال الشيخ عطية محمد سالم ﵀: إن الإجابة عن كيفية إصابة العين والكشف عن حقيقة ذلك فعلا ومسببا ليس بالعمل الميسور، ولم يزل ذلك خفيا حتى اليوم .. وهذا من الناحية المنهجية، متعذر أو ممتنع، لأنه تأثير غير محسوس، وغير المحسوس لا يمكن إدراكه بالحس، وإنما الحس يدرك آثاره، ويحكم بوجوده أو عدمه، أما كنه عمله وتفاعلاته، فلا .. مثله كالروح في الجسم، وتيار الكهرباء، وتلك الأشعات الحديثة، تردك آثارها ويتصور وجودها من تلك الآثار .. وقديما قالوا: كتأثير المغناطيس في جلب الحديد، أما ما هو المغناطيس فليس معلوما بماهيته .. ومن هذا الباب تأثير عين العائن فيمن أصابه بعينه .. ومع ذلك فقد اجتهد العلماء رحمهم الله تعالى في العصور المتقدمة في الكشف عن حقيقته، ونقل عنهم ﵏ ما قالوه، وهو ما بين موجز ومطول، مع اختلاف وجهات النظر، شأنهم في ذلك شأنهم في المسائل الاجتهادية، ولا سيما الخفي منها عن الحسى (٢) وقال الدكتور فهد بن ضويان السحيمي مدرس فى الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في منظومته العلمية لنيل درجة الماجستير: لم يرد فى الشرع ما يبين كيفية الإصابة بالعين، ولسنا مطالبين بمعرفة ذلك، ولا متعبدين به، فكل ما أخبر به الشارع وجب علينا الإيمان به والتسليم ولو لم نعقل الحكمة أو الكيفية. وإن علمت فذلك مما يزيد في الإيمان وهو خير على خير. والذي يمكن معرفته من كيفية الإصابة بالعين هو أن العائن إذا رأى ما يعجبه ولم يبرك قد يخلق الله من الضرر للمعين ما يشاء إذا شاء أما ما ذكره بعض العلماء: من أن كيفية الإصابة بالعين هو: انفصال قوة سمية من عين العائن أو جواهر لطيفة غير مرئية تتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه فهذا أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا

стр. 47

يجزم بنفيه والله أعلم (١) وسئل الشيخ محمد متولى الشعراوى ﵀: إذن فما هى العناصر التى يتم بها الحسد؟ .فأجاب: هناك عنصران: قوة طبيعية فى الحاسد، وشئ إرادى وهو أن يتمنى أن يضر نقول: لماذا فعل الله هذا؟ أقول: ولماذا يعطى ربنا بعض الناس قوى مادية يستطيعون بها أن يطغوا تلك هى الفتنة، وذلك هو الابتلاء، والله تعالى علمنا أن نستعيذ منه، إذن لابد أن يكون له ضرر وشر، سواء فهمناه أو لم نفهمه. (٢) قلت: وبيان هذا أن الله تعالى أودع فى الأشياء خصائص لا تنفك عنها إلا بإذن الله تعالى وجعل لذلك أسباب ومسببات فمن جاء بالسبب أتته النتائج وهذا من سنن الله تعالى فى الكون فجعل فى النار خاصية الإحراق وجعل فى الماء خاصية السيولة والميوعة وجعل فى الأرض خاصية الجذب وجعل فى المغناطيس خاصية جذب الحديد وجعل فى بعض أعين خلقه من الجن والإنس خاصية الحسد وأمورا أخرى مودعة فى المخلوقات كنقل الطبيعة وغيرها وكل هذا مخلوق لله تعالى فالله هو خالق الأشياء وأسبابها ومسبباتها فهو خالق العباد وخالق أفعالهم. وللبخارى ﵀ كتاب خلق أفعال العباد وإنما افتتحت هذه المسألة ردا على الأشاعرة والشئ بالشئ يذكر. وأفصل المسألة ببعض بسط فأقول: ما ذكرته هو الذى عليه سائر أهل العلم ولم يخالف غير الأشاعرة فهم ينكرون أن يكون شيء يؤثر في شيء ويقولون بأن

стр. 48

الأسباب علاقات لا موجبات فالرجل إذا كسر الزجاجة ما انكسرت بكسره عندهم وإنما انكسرت عند كسره، والنار إذا أحرقت ما تحرق ما احترق بسببها وإنما احترق عندها لا بها فالإنسان إذا أكل حتى شبع لكنه ما شبع بالأكل وإنما شبع عند الأكل! . وقالوا إن فاعل الإحراق هو الله ولكن فعله يقع مقترنا بشيء ظاهرى مخلوق. فلا ارتباط عندهم بين سبب ومسبب أصلا وإنما المسألة اقتران فحسب ولهذا فالعين عندهم لا تحسد فالحسد عندهم يوجد عن اقتران رؤية العين للمحسود وإيجاده بقدرة قديمة وليس هو مخلوقا حتى لا يكون الله محلا للحوادث! ! فليس ثم حسد ولا عين ولكن اقترن حدوث الحسد باقتران وقوع البصر على المحسود. وليس الحسد من كسب العبد مع قوهم بأن له كسبا يجازى من أجله ويثاب عليه! ! والعجيب أنهم يكفرون من خالف قولهم هذا والأعجب أنه لم يقل به غيرهم! ! فهم يكفرون سائر الأمة ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن متونهم فى العقيدة التى ما تزال تدرس إلى اليوم: والفعل فى التأثير ليس إلا ... للواحد القهار جل وعلا ومن يقل بالطبع أو بالعلةِ ... فذاك كفر عند أهل الملةِ ومن يقل بالقوة المودعةِ ... فذاك بدعى فلا تلتفتِ (١) ومعنى المتن أن من يقول بنقل الطبيعة أو بتأثير العين فى المحسود وأنها السبب فهو كافر عندهم ومن قال بأن فى العين قوة مودعة سببت الحسد فهذا مبتدع عندهم أيضا مع قولهم فى الإيمان بالتصديق فقط يعنى من صدق فهو مؤمن من أهل الجنة وإن لم ينطق بالشهادة ويصل بل وإن لم يعمل خيرا قط ثم من خالفهم فى هذه الجزئية إما مبتدع ضال وإما كافر! !

стр. 49

وأصل مذهب القوم أنهم لا يثبتون صفة الخلق لله تعالى فيقولون الكون حادث وكل حادث فلا بد له من محدث قديم، وأخص صفات هذا القديم مخالفته للحوادث وعدم حلولها فيه ومن مخالفته للحوادث إثبات أنه ليس جوهراً ولا عرضاً ولا جسماً ولا في جهة ولا مكان .. الخ فهم يصفون الله بأنه قديم (١) مع كون هذا لم يرد لا فى الكتاب ولا فى السنة. ويعدلون عن وصفه بالخالق جل وعلا وكل ما استخدموه من كلام الفلاسفة من الجوهر والعرض والجسمية .. كل هذا مبتدع ما تكلم به السلف وقد فروا من قولهم مخلوق وخالق حتى لا يلزمهم الفلاسفة بأنهم استدلوا بالدعوى على نفسها! ! ومع هذا فالفلاسفة يقولون: الكون قديم ولا نسلم أنه حادث، فالأشاعرة كما قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀: لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا. اهـ فهم يقولون بأن الحرق يُخلق بقدرة ربانية قديمة. ولا يقولون هو من خصائص النار يعني خلق الله للحرق ليس على الحقيقة وإنما على المجاز. وإلا كان الله تعالى محلاً للحوادث، وهو تعالى منزه عن ذلك. ولذلك لم يجعلوا الخلق من الصفات المثبتة لله سبحانه. فالحسد عندهم يوجد عند اقتران رؤية العين للمحسود وإيجاده حصل بقدرة قديمة! ! أما مذهبنا فى هذا فهو مذهب أهل السنة وهو مذهب السلف فالْخَلْقُ صفةٌ من

стр. 50

صفات الله الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، وهي من صفات الذات وصفات الفعل معاً. ومن أسماء الله تعالى الخالق والخلاَّق. قال الله تعالى ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ واَلأمْرُ﴾ الأعراف (٥٤) وقال تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ﴾ الحجر (٨٦) وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ سورة ق (١٦) وقال تعالى ﴿هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِيءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الحشر (٢٤) والأدلة من السنة شئ كثير فماذا نصنع وقد ابتلينا بمن ينكر المعلوم من الدين بالضرورة لذا نقول: إعرف الحق تعرف أهله. فهذه نبذة سريعة أردت من خلالها الدعوة إلى تعلم العقيدة والاهتمام بها فإنما العلم بالتعلم وكثير من الناس ما يهتم بدراسة العقيدة ويظن أنه على علم بها وهو ما سأل عنها مرة فى عمره ولا قرأ فيهاكتابا واحدا ومن ثم تجد الشرك والبدعة يعملان فى الأمة عملهما. ولا يظن أنى قد بعدت عن موضوع الكتاب بل ما خرجت عن مقصوده وإن كنت أطلت شيئا فبالقدر الواجب الذى ينبغى أن يكون وليست هذه المسألة بأقل شأنا من علاج المحسود بل هى أكبر منها وأعمق أثرا وإن كانت من دقائق العلم التى لا يجوز امتحان الناس بها خلافا للأشاعرة الذين يكفرون من لم يقل بقولهم فيها وليعلم الناظر فى كتابى هذا وجوب التحذير من البدع وأصحابها نصيحة لهم وللعامة وشفقة على المخدوعين بهم فنحن معذورون فى ذكر كل هذا ذلك بل لم نستوف حقنا بعد. وقد تكلم عليها ابن القيم فى غير كتاب من كتبه بل قد ألفت فيها مؤلفات مفردة مثل كتاب: الإقتران والتاثير لمختار طيباوى. وكتاب عقيدة العادة عند الأشاعرة. قال ابن القيم ﵀: ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد

стр. 51

على عشرة آلاف موضع ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة ويكفي شهادة الحس والعقل والفطرولهذا قال من قال من أهل العلم تكلم قوم في إنكار الأسباب فأضحكوا ذوي العقول على عقولهم وظنوا انهم بذلك ينصرون التوحيد فشابهوا المعطلة الذين أنكروا صفات الرب ونعوت كماله وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لملائكته وعباده وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد فما أفادهم إلا تكذيب الله ورسله وتنزيهه عن كل كمال ووصفه بصفات المعدوم والمستحيل ونظير من نزه الله في أفعاله وأن يقوم به فعل البتة وظن انه ينصر بذلك حدوث العالم وكونه مخلوقا بعد أن لم يكن وقد أنكر اصل الفعل والخلق جملة ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب! ! فإذا رأى العقلاء أنه لا يمكن إثبات توحيد الرب سبحانه إلا بإبطال الأسباب ساءت ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به وأنت لا تجد كتابا من الكتب أعظم إثباتا للأسباب من القرآن ويا لله العجب إذا كان الله خالق السبب والمسبب وهو الذي جعل هذا سببا لهذا والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة لحكمه إن شاء أن يبطل سببيه الشيء أبطلها كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم وإغراق الماء على كليمه وقومه وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها وإن شاء خلى بينها وبين اقتضائه لآثارها فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه. ولكن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تحرق والماء لا يغرق والخبز لا يشبع والسيف لا يقطع ولا تأثير لشيء من ذلك البتة ولا هو سبب لهذا الأثر وليس فيه قوة وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا لكذا قالت هذا هو التوحيد وإفراد الرب بالخلق والتأثير ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة ظن بالتوحيد وتسليط لأعداء الرسل على ما جاؤوا به كما تراه عيانا في كتبهم ينفرون به الناس عن الإيمان. اهـ (١)

стр. 52

وأردت هنا أيضا التنبيه على عقيدة الأشاعرة الضالة لأنهم يلبسون على الناس أنهم هم أهل السنة وتجد فى الكتب التى تدرس فى أزهر مصر اليوم أن منهج أهل السنة هو خليط من منهج الأشاعرة والماتريدية فهم يكذبون بهذا وقلما وجد رجل يدافع عن مبتدعة إلا وهو منطو على بلية وله خبيئة سوء نعوذ بالله من ذلك. وأنبه أيضا إلى أن الكذب يتعلق بالضبط لا بالعدالة فلينتبه إلى هذا لأنه ليس قدحا كما هو معلوم عند أهل العلم لاسيما إن كان الكاتب لم يحرر المذهب جيدا فلا بأس أن نقول كذب بمعنى أخطأ لكن إن كان يقصد الباطل والتلبيس ويدعو إليه فهذه علامة نفاق وهوى فى القلب نعوذ بالله من ذلك فإن كان قائله لا يعرف ما يقول فهذه مصيبة وما كان له أن يتكلم وإن كان يعرف ثم يكذب ويدلس فالمصيبة أعظم ونسأل الله العفو والعافية. والأشاعرة إنما هم فرقة ضالة وكذلك الماتريدية ولا أدع المجال هنا بدون التنبيه على بدعهم ومعتقداتهم وهل هم يوافقون فى ذلك أهل السنة أم لا؟ والشئ بالشئ يذكر كما أسلفت نسأل الله العلم النافع وأن يثبتنا على دينه وسنة نبيه فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. أراد الأشاعرة أن يوفقوا بين الجبرية والقدرية فجاءوا بنظرية الكسب قال الرازى الذي عجز هو عن فهمها: إن الإنسان مجبور فى صورة مختار. اهـ كلامهم فى السببية وأفعال المخلوقات كما فى مسألتنا فى الحسد. التوحيد عند أهل السنة والجماعة معروف بأقسامه الثلاثة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات وهو عندهم أول واجب على المكلف، أما الأشاعرة قدماؤهم ومعاصروهم فالتوحيد عندهم هو نفي التثنية أو التعدد ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة أي حسب تعبيرهم "نفي الكمية المتصلة والكمية المنفصلة" ومن هذا المعنى فسروا الإله بأنه الخالق أو القادر على الاختراع وأنكروا بعض الصفات كالوجه واليد والعين لأنها تدل على التركيب والأجزاء

стр. 53

عندهم. وانظر كتاب " الله " لسعيد حوى وكتب الباقلانى وقد رد عليهم فى هذا الحافظ بن حجرفى الفتح الأشاعرة ينفون أن يكون لشيء من أفعال الله تعالى علة مشتملة على حكمة فلم يثبت الأشاعرة الحكمة مع الصفات السبع واكتفوا بإثبات الإرادة فالله عندهم ليس بحكيم جل وعلا! ! ولهذا يرون جواز التكليف بما لا يطاق وقالوا بجواز أن يخلد الله في النار أخلص أوليائه ويخلد في الجنة افجر الكفار. لهم كلام مخالف لعقيدة السلف فى النبوات وعصمة الأنبياء ومعجزاتهم لا أطيل بذكره. الأشاعرة في الإيمان مرجئة جهمية قال صاحب الجوهرة: وفسر الإيمان بالتصديق ... والنطق فيها لخلف بالتحقيق. يعنى أن الإيمان بالتصديق فقط واختلفوا فى النطق بالشهادة ورجح الشيخ حسن أيوب فى تبسيط العقائد أن المصدق بقلبه ناج عند الله وإن لم ينطق بهما ومال إليه البوطى. فأبوطالب مسلم من أهل الجنة عندهم وربما إبليس وفرعون وسائر الكفرة الذين صدقوا دون قول وعمل! ! ! الأشاعرة لا يقولون بأن القرءان كلام الله غير مخلوق بل يقولون كلام الله معنى أزلي أبدي قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت ولا يوصف بالخبر ولا الإنشاء. ويستدلون بقول الأخطل النصرانى: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلاً. فسبحان الله العظيم كيف يردون الأحاديث الصحيحة بدعوى مخالفة العقل تارة وبدعوى أنها أخبار آحاد لا يؤخذ منها عقيدة ثم يحتجون بمثل هذا! ! والعجيب أن المعاصرين يصرحون بهذا من أن شارح الجوهرة أراد أن يستره فقال: يمتنع أن يقال إن القرآن مخلوق إلا فى مقام التعليم. وراجع شرح الباجورى

стр. 54

على الجوهرة ومتن الدردير تعلم يقينا لماذا تأخر النصر عنا! ! ؟ يتطرفون جدا فى الرد على المبتدعة حتى يخرجوا عن الصحيح حتى أنه يمكنك أن تقول إن عقائدهم هى من ردود الفعل ومن محاولات التوفيق بين المذاهب المبتدعة! ! ولا أطيل المقام بذكر أمثلة فما مضى يكفى. الأشاعرة لا يثبتون من صفات الله تعالى إلا صفات سبع فقط بزعم أن هذه الصفات السبع دل عليها العقل فأثبتوها لدلالة العقل عليها، وأما ما سواها فإن العقل لا يدل عليها فيجب أن نؤول، فهم ما يثبتون بدلالة الكتاب ولا السنة والصفات التى أثبتوها هى السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والقدرة والإرادة وأنكروا سائر الصفات الواردة فى الأسماء الحسنى التسع وتسعين! ! وأنكروا صفات الوجه واليدين والعين والنزول والمجئ والإستواء والعلو والفوقية وغيرها. فهذا بعض ما عند القوم وها هنا حقيقة كبرى أثبتها علماء الأشعرية الكبار بأنفسهم كالجويني وابن أبي المعالي والرازي والغزالي وغيرهم وهى حقيقة إعلان حيرتهم وتوبتهم ورجوعهم إلى مذهب السلف، وكتب الأشعرية المتعصبة مثل طبقات الشافعية أوردت ذلك في تراجمهم أو بعضه فما دلالة ذلك؟ .إذا كانوا من أصلهم على عقيدة أهل السنة والجماعة فعن أي شيء رجعوا؟ ولماذا رجعوا؟ . وإلى أي عقيدة رجعوا؟ . (١)

стр. 55

هل الحسد من الذنوب أم أنه من الخصال الذميمة فحسب ؟ كثير من يعتقدون أن الحسد ليس فيه إلا أنه من خوارم المروءة أو من العادات الذميمة التى تنافى كرم الطباع ونحو ذلك من الأوصاف التى ليس فيها كثير ذم للحسد والصواب أن الحاسد عاص لله تعالى وآثم بفعله بل وبتعاطيه لأسباب الحسد ومقدماته والوسائل لها حكم المقاصد فى الشريعة كما هو محرر فى الأصول فلا ينبغى للعبد أن يغضب فى غير حقوق الله تعالى ولا يبغض إلا أن يكون فى الله ولا يحقد ولا يحسد فإن فعل أثم والحسد من المعاصى التى لها متعلق فى التحريم بذات الفعل ومآل الفعل فالمفسدة ظاهرة فى الفعل من حيث هو السخط بقضاء الله وحكمته فى تقسيم الأرزاق والطمع فى غير ما فى اليد وامتلاء القلب غيظا وحقدا بذلك حتى يفيض على العين فتحسد وتتمنى هلاك صاحب النعمة وزوالها عنه وهذا محرم لذاته ثم هو محرم لغيره باعتبار مآله ونقص إيمان الحاسد بحسبه وزوال النعم عن أصحابها والخراب أو العطب الحادث من جراء ذلك وانتشار البغضاء بين الناس حتى لا يأمن الرجل جاره بوائقه فلا يؤمن والعياذ بالله. قال الله تعال ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ النساء الآية (٥٤) قال القرطبى ﵀: قوله تعالى: "أم يحسدون" يعني اليهود. "الناس" يعني النبي ﷺ خاصة؛ عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. حسدوه على النبوة وأصحابه على الإيمان به. وقال قتادة: "الناس "العرب، حسدتهم اليهود على النبوة. الضحاك: حسدت اليهود قريشا؛ لأن النبوة فيهم. والحسد مذموم وصاحبه مغموم وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب؛

стр. 56

رواه أنس عن النبي ﷺ . (١) وقال الحسن: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد؛ نفس دائم، وحزن لازم، وعبرة لا تنفد. وقال عبدالله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله. قيل له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، يقول الله تعالى في بعض الكتب: الحسود عدو نعمتي متسخط لقضائي غير راض بقسمتي. ولمنصور الفقيه: ألا قل لمن ظل لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في حكمه ... إذا أنت لم ترض لي ما وهب ويقال: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض؛ فأما في السماء فحسد إبليس لآدم، وأما في الأرض فحسد قابيل لهابيل. (٢) ولأبى العتاهية في الناس: فيا رب إن الناس لا ينصفونني ... فكيف ولو أنصفتهم ظلموني وإن كان لي شيء تصدوا لأخذه ... وإن شئت أبغي شيئهم منعوني وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم ... وإن أنا لم أبذل لهم شتموني وإن طرقتني نكبة فكهوا بها ... وإن صحبتني نعمة حسدوني سأمنع قلبي أن يحن إليهمو ... وأحجب عنهم ناظري وجفوني وقيل: إذا سرك أن تسلم من الحاسد فغم عليه أمرك. ولرجل من قريش: حسدوا النعمة لما ظهرت ... فرموها بأباطيل الكلم وإذا ما الله أسدى نعمة ... لم يضرها قول أعداء النعم ولقد أحسن من قال:

стр. 57

أصبر على حسد الحسود ... فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله وقال بعض أهل التفسير في قول الله تعالى: "ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين " [فصلت: ٢٩]. إنه إنما أراد بالذي من الجن إبليس والذي من الإنس قابيل؛ وذلك أن إبليس كان أول من سن الكفر، وقابيل كان أول من سن القتل، وإنما كان أصل ذلك كله الحسد. وقال الشاعر: إن الغراب وكان يمشي مشية ... فيما مضى من سالف الأحوال حسد القطاة فرام يمشي مشيها ... فأصابه ضرب من التعقال. (١) وفى الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً. (٢) وعن أَنَس بْن مَالِكٍ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. (٣)

стр. 58

وعن أوسط بن إسماعيل البجلى قال: خطبنا أبوبكر ﵁ فقال قام رسول الله ﷺ مقامي هذا عام الأول وبكى أبو بكر فقال أبو بكر سلوا الله المعافاة أو قال العافية فلم يؤت أحد قط بعد اليقين أفضل من العافية أو المعافاة عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا أخوانا كما أمركم الله تعالى. (١) وعن الزبير بن العوام ﵁ حدثه أن رسول الله ﷺ قال: دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء والبغضاء هى الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين والذي نفسى بيده أو والذى نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم أفشوا السلام بينكم. (٢) قال ابن القيم ﵀: أصول الخطايا كلها ثلاثة:

стр. 59

(١) - الكبر وهو الذى أصار ابليس الي ما أصاره. (٢) - والحرص وهو الذى أخرج آدم من الجنة. (٣) - والحسد وهو الذى جرأ أحدا بني آدم على أخيه فمن وقى شر هذه الثلاثة فقد وقى الشر فالكفر من الكبر والمعاصى من الحرص والبغى والظلم من الحسد. اهـ (١) وقال فى نفس الكتاب فى الفائدة السادسة والتسعون: أركان الكفر أربعة: الكبر والحسد والغضب والشهوة. فالكبر يمنعه الانقياد, والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها, والغضب يمنعه العدل, والشهوة تمنعه التفرّغ للعبادة. فاذا انهدم ركن الكبر سهل عليه الانقياد, واذا انهدم ركن الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله, واذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل والتواضع, واذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف والعبادة. وزوال الجبال عن أماكنها أيسر من زوال هذه الأربعة عمن ابتلي بها, ولا سيما اذا صارت هيئات راسخة وملكات وصفات ثابتة, فانه لا يستقيم له معها عمل البتة ولا تزكو نفسه مع قيامها بها. وكلما اجتهد في العمل أفسدته عليه هذه الأربعة, وكل الآفات متولدة منها. واذا استحكمت في القلب أرته الباطل في صورة الحق, والحق في صورة الباطل, والمعروف في صورة المنكر, والمنكر في صورة المعروف, وقربت منه الدنيا, وبعدت عنه الآخرة, واذا تأملت كفر الأمم رأيته ناشئا منها, وعليها يقع العذاب, وتكون خفته وشدته بحسب خفتها وشدتها. فمن فتحها على نفسه فتح عليه أبواب الشرور كلها عاجلا وآجلا, ومن أغلقها على نفسه أغلق عنه أبواب الشرور, فانها تمنع الانقياد والاخلاص والتوبة والانابة وقبول الحق ونصيحة المسلمين والتواضع لله ولخلقه.

стр. 60

ومنشأ هذه الأربعة من جهله بربه وجهله بنفسه, فانه لو عرف ربه بصفات الكمال ونعوت الجلال, وعرف نفسه بالنقائص والآفات, لم يتكبر ولم يغضب لها ولم يحسد أحدا على ما أتاه الله, فانه الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله, فانه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله, ويحب زوالها عنه ويكره الله ذلك. فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته, ولذلك كان ابليس عدوه حقيقة لأن ذنبه كان عن كبر وحسد. فقلع هاتين الصفتين بمعرفة الله وتوحيده, والرضا به وعنه, والانابة اليه, وقلع الغضب بمعرفة النفس وأنها لا تستحق أن يغضب لها وينتقم لها, فان ذلك ايثار لها بالغضب والرضا على خالقها وفاطرها, وأعظم ما تدفع به هذه الآفة أن يعوّدها أن تغضب له سبحانه وترضى له, فكلما دخلها شيء من الغضب والرضا له خرج منها مقابله من الغضب والرضا لها, وكذا بالعكس. وأما الشهوة فدواؤها صحة العلم والمعرفة بأن اعطاءها شهواتها أعظم أسباب حرمانها اياها ومنعها منها. وحميتها أعظم أسباب اتصالها اليها, فكلما فتحت عليك باب الشهوات كنت ساعيا في حرمانها اياها, وكلما أغلقت عنها ذلك الباب كنت ساعيا في ايصالها على أكمل الوجوه. فالغضب مثل السبع اذا أفلته صاحبه بدأ بأكله, والشهوة مثل النار اذا أضرمها صاحبها بدأت بحرقه, والكبر بمنزلة منازعة الملك ملكه فان لم يهلكك طردك عنه, والحسد بمنزلة معاداة من هو أقد منك, والذي يغلب شهوته وغضبه يفرق الشيطان من ظله. ومن تغلبه شهوته وغضبه يفرق من خياله. اهـ

стр. 61

أعراض الحسد هذه الأعراض مستندها الواقع ولم يرد لها ذكر فى الأثر اللهم إلا ماورد فى حديث سهل بن حنيف أنه لبط مكانه أو صرع فى مكانه وسقط مغشيا عليه وكذلك حديث أسماء أن النبى ﷺ رأى أجسام بنى جعفر بن أبى طالب ضارعة يعنى نحيله وورد أيضا أنه رأى بوجه جارية سفعة وهى سواد وشحوب وفى بعض الأحاديث أنها تميت المحسود إن كان إنسانا أو حيوانا وذكر ابن عبدالبر وعنه القرطبى فى التفسير: عن الأصمعي قال: رأيت رجلا عيونا سمع بقرة تحلب فأعجبه صوت شخبها، فقال: أيتهن هذه؟ قالوا الفلانية، لبقرة أخرى، يورون عنها فهلكتا جميعا الموري بها والموري عنها. وهذا يدل على أن العين تضر بأى صورة وقع الضرر وهذا لا ضابط له لكن من كلام أهل العلم ومن الواقع المشاهد كما قلت ومن له خبرة وتجربة فى العلاج ومخالطة الناس يعرف ذلك وهى لا تقع مجموعة ولكن بعضها وينبغى أن يراعى فى ذلك أن تكون بغير سابق عادة لمن يخشى من الحسد أو تكون فجأة بصورة ملحوظة وبدون سبب طبيعى معروف كالهم والإجهاد والتعب من العمل ونحو ذلك. فالأعراض هى: اصفرار الوجه وشحوبه وصداع وشعور بالحمى وارتفاع حرارة الجسم وتصبب العرق، خاصة في منطقة الظهر. وألم شديد في الأطراف وقد يصاحب ذلك رعشة وارتجاف. وتثاؤب مستمر بشكل غير طبيعي وملفت للنظر وفى حالات الإصابة الشديدة يحدث البكاء أو تساقط الدموع دون سبب واضح. والصرع والإغماء وتمغض العضلات، وهو ما يسمى (التمطى) والشعور بالخمول بشكل عام وعدم القدرة على القيام بالعمل ووجود كدمات فى أنحاء الجسم مائلة إلى الزرقة أو الخضرة من غير أن يكون لها أسباب طبية. وقد يصاحب الإصابة بالعين انطواء وعزلة للمحسود وعدم توافق نفسى أو اجتماعى بحيث قد يترك بعض أعماله واهتماماته.

стр. 62

قال الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين حفظه الله: العلامات التي تظهر على المصاب بالعين: لا شك أن الإصابة بالعين معروفة الإمارات والعلامات الظاهرة، وقد تظهر إذا كان الشخص أو المال متصف بالصفات التي يتميز بها عن غيره، فحدث فيه ما غيرها فجأة من مرض أو نفرة أو كسر أو حادث مروري أو نحو ذلك، ثم إن المريض بالعين قد يصاب في بصره إذا كان حديد البصر، وفي سعيه إذا كان شديد السعي، وفي ماله الكثير الحسن بالتلف أو الكساد أو الهلاك، أو في سيارته الفارهة، وقصره المشيد، وزوجته الحسناء، وأولاده الكثيرين، ونحو ذلك، فيحدث ما لا يتوقع من الموت والهدم والدمار والتعطيل، ونحو ذلك، ومتى مرض وذهب إلى المستشفيات، فبعد الكشف والتحاليل وجد سليماً صحيحاً لم يعرف الأطباء علته، مع كونه يصرع عندهم، ويتألم ولا يعلمون ما فيه، ثم يعالج بالرقية والأسباب التي يعالج بها المعين فيبرأ بإذن الله، فيقال: إن به عين حاسد، زالت بهذه الأسباب التي يتعاطاها القراء وأهل الرقية الشرعية. (١)

стр. 63

مدى تأثير العين فى المحسود لا حد لتأثير العين فى المحسود فقد تضر به ضررا هينا وبعض الشر أهون من بعض وقد يزيد فيفسد بعضه أو جميعخ فقد تحسد الآلة أو المتاع فتفسد أبدًا فيستحيل إصلاحها وقد يفسد جزء أو أجزاء منها وكذا يحسد البيت والبناء فينهدم أو تسرع إليه آفة ثم تزول عنه فيعود كما كان وقد يحسد الرجل فيوعك وتصيبه الحمى أو يمرص عضو من جسده أو يفسد عليه بعض عقله وقد يستمر به المرض حتة يميته وقد يموت ابتداءًا أولاً. وقد سبق فى الحديث أن العين تردى الرجل من على الجبل وتستنوله من حالق أو شواهق الجبال وكما فى حديث جابر بن عبد الله الأنصارى رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس. عند الطيالسى والبزار وغيرهما وإسناده جيد مقبول إن شاء الله تعالى.

стр. 64

حكم من قتل بعينه صح فى الحديث أن العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر كما تقدم فهل تسرى أحكام القاتل على من قتل بعينه أم لا؟ فنقول وبالله التوفيق: لم يرد فى الشرع نص صريح فى تسوية من قتل بعينه بالقاتل بيده. وهذا أيضا غير معروف عند أهل اللغة فلا يقال للعائن أنه قاتل وإن قتل بعينه. وإذا تبين أن الحسد ذنب فذنب القاتل حقيقة هو الحسد وليس القتل. فإذا قسناه على القاتل الذى قتل بيده كان قياسا مع الفارق لا ينضبط شرعا ولا تجرى عليه الأحكام الشرعية. فالقصاص ههنا مسكوت عنه. ولا يصلح حمله على القتل الخطأ فتلزمه الدية بذلك ولكن للحاكم أن يعزره بما يرى من التغريم بالمال أو حبسه عن الناس لمنع ضرره يعنى يحبس فى بيته ويجرى عليه رزقه لاسيما إذا اشتهر بذلك. والله أعلم وعليه أن يتقى الله تعالى أن ينظر إلى من يخاف من عينه عليه. وأن يدعو له بالبركة وهو أدرى بحال نفسه من غيره قال تعالى ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ النساء (٩٣) فليحذر من يعرف من نفسه الحسد أن يقتل بعينه أو أن يدخل فى وعيد الله تعالى -فى هذه الآية للقاتل على خلاف فى توبة القاتل العمد هما روايتان عن ابن عباس رضى الله عنهما وإن كان القول بعدمها مرجوحا والراجح أن من تاب يرجى أن يتوب الله عليه. وصح فى الحديث عن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ " لايزال المسلم فى فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما " (١) وعنه أيضا ﵁ موقوفا قال " إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه

стр. 65

فيها سفك الدم الحرام بغير حله " (١) قال الحافظ فى الفتح " قد اختلف فى جريان القصاص بذلك -يعنى على العائن - فقال القرطبي لو أتلف العائن شيئا ضمنه ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة وهو في ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفرا انتهى ولم يتعرض الشافعية للقصاص في ذلك بل منعوه وقالوا أنه لا يقتل غالبا ولا يعد مهلكا وقال النووي في الروضة ولا دية فيه ولا كفارة لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس في بعض الأحوال مما لا انضباط له كيف ولم يقع منه فعل أصلا وإنما غايته حسد وتمن لزوال نعمة وأيضا فالذى ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلل الشخص ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين اه ولا يعكر على ذلك إلا الحكم بقتل الساحر فإنه في معناه والفرق بينهما فيه عسر ونقل بن بطال عن بعض أهل العلم فإنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس وأن يلزم بيته فإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر ﵁ بمنعه من مخالطة الناس كما تقدم واضحا في بابه وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة قال النووي وهذا القول صحيح متعين لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه. اهـ (٢) والحافظ كان قاضيا فيظهر أنه كان يقضى فى ذلك بمذهبه فهو شافعى المذهب وقد نقل عنهم أنهم لا يقتلون من قتل بحسده وهو أصح القولين لكن نقله للخلاف بشعر بجريمة الحاسد وأنه آثم بارتكابه للحسد حتى قتل صاحبه فلينتبه لهذا والله تعالى أعلم.

стр. 66

كيف يقع الحسد ؟ قال ابن القيم ﵀: لا ريب أن الله سبحانة خلق فى الاجسام والارواح قوى وطبائع مختلفة وجعل فى كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة ولايمكن العاقل انكار تاثير الأرواح فى الأجسام فانه أمر مشاهد محسوس وأنت ترى الوجه كيف يحمر حمرة شديدة إذا نظر اليه من يحتشمه ويستحيى منه ويصفر صفرة شديدة عن نظر من يخافه اليه وقد شاهد الناس من يسقم من النظر وتضعف قواه وهذا كله بواسطة تاثير الأرواح ولشدة ارتباطها بالعين ينسب الفعل اليها وليست هى الفاعلة وانما التاثير للروح والارواح مختلفة فى طبائعهاوقواها وكيفياتها وخواصها فروح الحاسد مؤذية للمحسود اذى بينا ولهذا أمر الله سبحانه رسوله ان يستعيذبه من شره وتاثير الحاسد فى أذى المحسود أمرلاينكره الامن هو خارج عن حقيقته الانسانية وهواصل الاصابة بالعين فان النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفيه خبيثه مؤذيه فمنها ماتشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر فى اسقاط الجنين ومنها مايؤثر فى طمس البصر كما قال النبى ﷺ فى الأبتر وذى الطفيتين من الحيات " إنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبل". (١) ومنها ماتؤثر فى النفس كيفيتهابمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك النفس وكيفيتها الخبيثة المؤثرة والتاثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية كما يظنه من قل علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة بل التاثير يكون تارة ... بالاتصال وتارة بالمقابلة وتارة بالرؤية وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه وتارة بالادعية والرقى والتعوذات وتارة بالوهم والتخيل ... ونفس العائن لايتوقف تاثيرها على الرؤية بل قد يكون اعمى فيوصف له الشى فتؤثر نفسه فيه وان لم يره وكثير من العائنين يؤثر فى المعين بالوصف من غير رؤية ... وهى سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن ... نحو المحسود والعين تصبيه تارة فان

стр. 67

صادفتة مكشوفا لاوقايه عليه اثرت فيه ولابد .. وان صادفته شاكى السلاح لامنفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه وربما ردت السهام على صاحبها وهذا بمثابة الرمى الحسى سواء فهذا فى النفوس والأرواح وذلك من الأجسام والأشباح وأصله من إعجاب العائن بالشئ ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة ثم تستعين على تنفيذ سمها ينظره إلى المعين وقد يعن الرجل نفسه وقد يعين بغير إرادته بل بطبعه وهذا أردأ مايكون من النوع الإنسانى. اهـ (١) وقال عبد الرؤوف المناوى: العين حق يعني الضرر الحاصل عنها وجودي أكثري لا ينكره إلا معاند وقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد وتدخل البستان فتضر بكثير من العروش بغير مس والصحيح ينظر إلى الأرمد فقد يرمد ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب هو وقد ذكروا أن جنسا من الأفاعي إذا وقع بصره على الإنسان هلك وحينئذ فالعين قد تكون من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون وقد أجرى الله عادته بوجود كثير من القوى والخواص والأجسام والأرواح كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيحدث في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل وكذا الاصفرار ثم رؤية من يخافه وذلك بواسطة ما خلق الله في الأرواح من التأثيرات ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين وليست هي المؤثرة إنما التأثير للروح والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية بغير اتصال ومنها ما يؤثر بالمقابلة ومنها ما يؤثر بتوجه الروح كالحادث من الأدعية والرقى والإلجاء إلى الله ومنها ما يقع بالتوهم والتخييل فالخارج من عين العائن سهم معيون إن صادف البدن ولا وقاية لأثر فيه وإلا فلا كالسهم الحسي وقد يرجع على العائن حم ق د ن عن أبي هريرة هـ عن عامر بن ربيعة العين حق أي الإصابة بالعين من جملة ما تحقق كونه تستنزل الحالق أي الجبل العالي قال الحكماء والعائن

стр. 68

يبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعان فيهلك أو يهلك نفسه قال ولا يبعد أن تنبعث جواهر مرئية من العين فتتصل بالمعين وتخلل مسام بدنه فيخلق الله الهلاك عندها كما يخلقه ثم شرب السم وهو بالحقيقة فعل الله قال المازري وهذا ليس على القطع بل جائز أن يكون وأمر العين مجرب محسوس لا ينكره إلا معاند. (١)

стр. 69

من يقع منه الحسد . يقع الحسد من الإنس والجن على حد سواء. ولا نعلم عوالما غيرهما يقع منها الحسد. فأما حسد الإنس ففيه نصوص القرءان التى أسلفت ذكرها والأحاديث التى ستأتى بعد. ويقع الحسد من النفوس الشريرة كما قدمنا وتقع العين من الرجل الصالح وأغرب ما وقفت عليه هنا أن نبيا من الأنبياء ﵇ أعجبه قومه فعانهم وهذ ليس صريحا فى النص ولكن وقفت على قول بعض أهل العلم يفسر الحديث بهذا ولم أضبطه لا ضبط صدر ولاضبط كتاب فليس معى كتابه فأنقل منه لكن شئ قرأته ذكرته بمعناه أما الحديث فأضبطه بلفظه عن صهيب رضى الله عنه: أن رسول الله ﷺ كان أيام حنين يحرك شفتيه بعد صلاة الفجر بشيء لم نكن نراه يفعله فقلنا يا رسول الله إنا نراك تفعل شيئا لم تكن تفعله فما هذا الذي تحرك شفتيك قال إن نبيا فيمن كان قبلكم أعجبته كثرة أمته فقال لن يروم هؤلاء شيء فأوحى الله إليه أن خير أمتك بين إحدى ثلاث إما أن نسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستبيحهم أو الجوع وإما أن نرسل عليهم الموت فشاورهم فقالوا أما العدو فلا طاقة لنا بهم وأما الجوع فلا صبر لنا عليه ولكن الموت فأرسل عليهم الموت فمات منهم في ثلاثة أيام سبعون ألفا قال رسول الله ﷺ فأنا أقول الآن حيث رأى كثرتهم اللهم بك أحاول وبك أصاول وبك أقاتل. وفى رواية: اللهم بك أقاتل وبك أصاول ولا حول ولا قوة إلا بالله. (١)

стр. 70

وأما عين الجن. فالجن يرى الإنس فى كثير من أحواله كما قال ربنا تعالى ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾.والهاء فى قوله تعالى ﴿إنه﴾ عائدة على إبليس لعنه الله وغضب عليه. ولهذا ندبنا إلى التسمية عند دخول الخلاء وأن يتعوذ المسلم من الخبث والخبائث. صحيح: أخرجه الجماعة. وليست التسمية عند الشيخين وهى صحيحة ثابتة من وجوه عند غيرهما. وكذا عند وضع الثياب يندب للمسلم أن يقول بسم الله. (١) لأن الجن ربما تراه إذا كشف عن جسمه وعند جماع أهله وغير ذلك. وفى وقوع الحسد من أعين الجن أحاديث منها: ما صح عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذمن أعين الجان وأعين الإنس, فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك. (٢) وعن أم سلمة رضى الله عنها أن النبى ﷺ رأى فى بيتها جارية فى وجهها سفعة -كالبقعة السوداء -فقال استرقوا لها فإن بها النظرة. (٣) قال أبو الحسين الفراء: السفعة: نظرة من الجن. اهـ وقال ابن الأثير: السُّفْعَةُ: نوعٌ من السواد ليس بالكثير. وقيل هو سوادٌ مع لون آخر .. وفى حديث أم سلمة: أنه دخَل عليها وعندَها جارِيةٌ بها سَفْعة، فقال: إن بها نظرةً فاستَرْقُوا لها. أى عَلامة من الشَّيطان، وقيل ضَرْبة واحدة منه، وهي المرّةُ من السَّفْع: الأخْذ. يقال صَفع بناصِية الفَرس ليركبه، المعنى أن السَّفْعة أدركَتْها من قِبَل النّظرة فاطلبوا لها الرُّقْيَة. وقيل: السَّفعة: العينُ، والنَّظرة: الإصابةُ بالعين. اهـ (٤)

стр. 71

علاج العين بالرقى فى البداية نذكر مقدمة سريعة عن العلاج بالقرءان والرقى أختصرها من كتابى العلاج بالقرءان والرقى بين السنة والبدعة على حسب ما يسع المقام وبالله التوفيق. وأتكلم فيه عن العلاج بالرقى و حكم الرقى وهل الرقى الشرعية ووسائلها توقيفية أم اجتهادية؟ وحكم أخذ الأجرة على العلاج. ثم صفة العلاج والغسل وما يتعلق به من أحكام ثم الكلام على الوقاية من العين فإن الوقاية خير من العلاج. تعريف الرقى تعريف الرقية فى اللغة هى: العُوْذة، وجمعها رُقى، يقال: رَقَى الراقي رَقْياً ورُقْيَةً ورُقِيًّا، إذا عوّذ ونفث في عُوْذته. كما فى لسان العرب لابن منظور. والرقية فى الإصطلاح هى: العُوذة التي يُرْقى بها صاحب الآفة كالحُمَّى والصَّرع وغير ذلك من الآفات. كما فى النهاية في غريب الحديث والأثر لمجد الدين ابن الأثير. حكم الرقى وحكم الرقى هو الإستحباب لورود الأمر بها فى غير ما حديث فى السنة مع قرينة صارفة لهذا الوجوب إلى الندب كحديث ابن عباس رضى الله عنهما فى الصحيح أن النبى خير المرأة التى كانت تصرع فى الدعاء لها أو أن يدع الدعاء. فلو كان العلاج واجبا لما خيرها بين الدعاء وتركه. ومن الصوارف ايضا أن النبى ﷺ امتدح من لم يرق ولم يسترق فيما أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس رضى الله عنهما عند البخارى ومسلم عن النبي ﷺ قال: عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي هذا موسى ﷺ وقومه ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض فدخل منزله فخاض

стр. 72

الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله ﷺ ، فقال: ما الذي تخوضون فيه فأخبروه، فقال هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون .. الحديث. وهؤلاء كما يقول أهل العلم قوم وثقوا بالله وتوكلوا عليه حق التوكل، فلشدة توكلهم لم يأبهوا لطب الأطباء ورقى الرقاة، وإن كان تعاطي هذه الأسباب غير قادح في التوكل؛ لثبوت جواز فعل ذلك بل واستحبابه فى الأحاديث الصحيحة وفعل الصحابة رضى الله عنهم والتابعين لهم بإحسان. وقد رقى النبى ﷺ بنفسه رقى نفسه ورقى غيره ورقاة جبريل ﵇ وحث النبى ﷺ على الرقية وأمر بتعلمها والأخبار فى هذا مشهورة كثيرة. مشروعية العلاج . الإصابة بالعين ينتج عنها أمراض عضوية أو بدقة أكثر أمراضا تتفق مع الأمراض العضوية وأمور أخرى سبقت فى ذكر التأثير والأعراض وعلاجها بالقرءان والرقى مشهور معروف قال الله تعالى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الإسراء (٨٢) وفى الحديث عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذمن أعين الجان وأعين الإنس , فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك. (١) وعن أبى سعيد أيضا رضى الله عنه أن جبريل أتى النبى ﷺ فقال: اشتكيت يا محمد؟ قال: نعم. قال: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك , ومن شر كل نفس وعين تشنيك والله يشفيك , باسم الله أرقيك. خرجه مسلم وغيره. والأدلة كثيرة تقدمت فى أدلة العين لا نطيل بإعادتها وهنا نقطة أخرى هى أن

стр. 73

العلاج بالرقى مشروع فى الأمراض العضوية التى لها علاج عند الأطباء فعلاج الأمراض الروحية كما يسمونها بالرقى مشروع من باب أولى وبخاصة مسألة الحسد. هل الأصل فى الرقى التوقيف أو التجربة ؟ مسألة العلاج بالقرءان والرقى فرع من فروع الفقه يتجاذبه أصلان هما العلاج والإستعانة بالله تعالى ودعائه لرد عدوان الجن أو لدفع أذى الحاسد. وسائر الأدواء إما أن تكون أمرا تعبديا أو أمرا عاديا وفى الفرق بينهما ما لا يخفى على الصامت فكيف بالناطق بل لا يخفى على كل كه فه فكيف بالحاذق. فمن اعتبره من عادات الناس وقاس الكلام فيه كالكلام على سائر الأدوية القائمة على التجربة فرأى أن العلاج بالقرءان يصلح فيه ما جرب وحصل الشفاء به وإن لم يرد فى السنة بل وإن ورد فى السنة خلافه فالمجرب أولى عندهم بالعمل. ومن اعتبرها مسألة تعبدية محضة وجب أن يقف عند النص ولا يتجاوز الكتاب والسنة بل يصبر نفسه على السنة حتى يحصل الشفاء بإذن الله تعالى. لكنى لم أجد من اعتبر هذين الأصلين وإن كنت لم أجد من نبه عليهما لكن هذا يستشف من كلام أهل العلم فهم مثلا يحكمون على بعض الأمور فى العلاج مما يمارسها المعالجون الخنفشاريون إن صح التعبير أو المخضرمين من الذين طرقوا باب العلاج بأنها بدع فهذا يعنى أن الأصل عندهم كون مسألة العلاج مسألة تعبدية. ثم لا نلبث أن نراهم يرون صلاحية الرقى بإطلاقها أو على حد قولهم جائزة على العموم بشروط ككونها من اللغة العربية وأن تخلو من الشرك وأن لا يعتقد تأثيرها بذاتها .. وهذا دال على أنهم يتركون أمر العلاج لما جرب من الرقى وكأنها مسألة عادية أصلا وفروعا تنبنى عليه .. ثم بان لى بعد ذلك أن عامة أهل العلم ممن كتب فى المسألة قديما وحديثا سلفا ﵏ ومن تبعهم من الخلف يرون أن المسألة عادية تعبدية فى آن واحد والناظر فى كتب أهل العلم يعلم ذلك جيدا. ولكنى لكثرة ما وجدت من نصوص فى السنة

стр. 74

ومن أصول الشريعة ومقاصدها ثم كلام أهل العلم على بدع بعض المعالجين كدت أجزم بأن الأصل فى المسألة التوقف وأنها تعبدية من حاد عن النصوص فهو جائر محدث يصح أن يسمى فعله بدعة. لولا ما وجدت للحافظ ابن حجر وعنه السيوطى رحمهما الله وجماعة من أهل العلم فإن الحافظ نقل الإجماع على جواز الرقى بصفة عامة مما لم يرد فى السنة بشروط ثلاثة .. وأنا لست على يقين من هذا الإجماع فليس هو الإجماع الأصولى وكم من مسألة نقلوا فيها الإجماع مع كون الخلاف فيها مشهورا. والمعلوم لدى أهل العلم أن الإجماع لا يكون بعدخلاف مستقر وأن الخلاف لا يتصور بعد الإجماع الأصولى. وتوضيحا لهذا الإجمال أقول قد اختلف أهل العلم هل الرقى ووسائلها توقيف من الشارع أم أن الأصل الاجتهاد والتجربة فيها وفى كيفياتها مع اتفاقهم على تحريم ما فيه محظور أو محرم. والمشهور من ذلك القول بالإجتهاد والتجربة. واحتج القائلون به بأحاديث صحيحة منها: ما رواه مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأساً، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل. وهذا الحديث فيه أن الرقى كانت من رقى الجاهلية لكن ليس فيها ما يحرم لإقرار النبى ﷺ وقوله: من استطاع يفيد العموم. وروى مسلم أيضاً عن عوف بن مالك الأشجعى قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علىّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك. وهذا كسابقه فى وجه الإستدلال. ومنها حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه قال انطلق نفر من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم

стр. 75

فى سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحى فسعوا له بكل شئ لا ينفعه شئ، فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شئ فأتوهم فقالوا يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شئ لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شئ، فقال بعضهم نعم والله إني لأرقي ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم اقسموا، فقال الذى رقى لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال وما يدريك أنها رقية، ثم قال قد أصبتم اقسموا واضربوا لى معكم سهما فضحك رسول الله ﷺ متفق عليه واللفظ للبخارى وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثُمَّةَ، أَنَّ الشِّفَاءَ ابْنَةَ عَبْدِ اللهِ وهى جدته قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا قَاعِدَةٌ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَقَالَ: مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تُعَلِّمِي هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ. (١)
следующие страницы →